النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
كتاب الوصية
٣ - ( .. ) وحدّثنا أَبُو كامل الْجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ زَيِّد. ح وَحَدَّثَنِى
زُهَيْرُ بْنُ حَرْب ، حَدَّثْنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُلَيَّةَ - كَلَاهُمَا عَنْ أُبُوبَ .ح وَحَدَّثَنِى
أُبُو الطَّاهر ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنِى هَرُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِىُّ،
حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ اللَّيِىُّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ
أَبِى فُدَيّك، أَخْرَنَا هِشَامٌ - يَعْنِى ابْنَ سِّعْدٍ - كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَّرَ، عَنِ النَّبِىِّ
تَجِ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ عَيْدِ الهِ. وَقَالُوا جَمِيعًاً: ((لَهُ شَىءٌ يُوصِّ فِهِ) إِلَّ فِى حَدِيثِ أَيُّوبَ
فَإنَّهُ قَالَ: (( يُرِيدُ أَنَ بُوصِىَ فِهِ)) كَرِوَايَةٍ يَخَْى عَنْ عُبَيْدِ اللهِ.
٤ - ( .. ) حدّثنا هَرُونُ بْنُ مَعْرُوف، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو -
وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - عَنِ ابْنِ شِهَبٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيِهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهٌِّ قَالَ:
(مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَىءٌ يُوَصِىَ فِيهِ، يَبِتُ ثَلاَثَ لَيَالٍ، إِلَّ وَوَصِّهُ عِنْدِهُ مَكْتُوبَةٌ)).
قَالَ عَبِّدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: مَا مَرَّتْ عَلَىَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِعَّهُ قَالَ ذَلِكَ، إِلاَّ
وَعَنْدِى وَصِيَّتِى .
( .. ) وَحَدَّثَنِهِ أَبُو الطَّاهرِ وَحَرْمَلَةُ، قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرِنِى يُونُسُ .
ح وَحَدَّثَنِى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ جَدِّى، حَدَّثَنِى عُقْيَلٌ.
يدل على أنها على الندب لأنه رد الحق إلى المسلم كقوله : هذا زيد ، أى أنه له لا يتركه
فإذا تركه لم يلزمه . قال الشافعى : يحتمل ما الحزم وما المعروف فى أخلاق المسلم .
وقوله: ((يريد أن)): حجة لنا وللكافر فى غير إيجابها بالجملة ؛ لأنه لا يقال فى
الواجب: ((يريد))، ولا ينصرف إلى اختياره ومشيئته .
وقد كانت الوصية أولاً فى صدر الإسلام واجبة ﴿ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ الآية (١)،
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةٌ لِأَزْوَاجِهِم﴾(٢)، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾، ﴿حَقًّا عَلَى
الْمُتَّقِين﴾ ظاهر فى الوجوب ، وقيل : كان ذلك ندبًا . ولم يختلف أنها أو بعضها منسوخ
واختلف فى المنسوخ منها وفى ناسخها ، فكافتهم على أنها كلها منسوخة (٣) ، وقيل :
نسختها آية المواريث، وقيل: نسختها السنة (٤). وقوله - عليه السلام -: ((لا وصية
(١) البقرة : ١٨٠.
(٣) الحاوى ١٨٦/٨ .
(٤) انظر: الاستذكار ٢٣/ ١٣ .
(٢) البقرة : ٢٤٠ .

٣٦٢ -
كتاب الوصية
ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ وَعَبِّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزََّقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ
عَنِ الزَّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ .
الوارث » (١) ، وهذان القولان مرويان عن مالك (٢) . وهذا على قول مَنْ أجاز من العلماء
نسخ القرآن بالسنة (٣) . وقيل : هذا الخبر مجمع على قبوله ، فخرج عن طريق أخبار
الآحاد فهو ناسخ للآية . ولا خلاف أن آية المواريث نزلت بعدها ، وقيل : المنسوخ منها
الوصية للوالدين والأقربين ، وكذلك وصية الأزواج .
ونسخ فرض الوصية للأقربين من غير الوارثين بالتخصيص على مواساتهم من التركة
بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِنْه ) الآية (٤)،
فهى تخصيص . فكما لا يجب رزق اليتامى والمساكين منه إذا حضروا كذلك القرابة ،
وقيل: بل يبقى فرض الوصية للأقربين ممن لا يرث ، وهذا قول الحسن وقتادة والضّحاك
وطاوس (٥) ، واختاره الطبرى . قال الحسن : ولو أوصى بثلثه لغير قرابته فللموصى له من
ذلك الثلث والبقية لقرابته ، وقيل : بل هو عموم فى الأقربين خصصته السنة ممن لا يرث
منهم ، وإلى هذا نحا أبو القاسم الكلبى .
وقوله: (( له شىء يوصى فيه »: يحتمل من المال كما قال تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾(٦)
ويحتمل أن يريد بقوله: ((شىء يوصى فيه)) عن إثبات الوصية من الديون والأمانات
والحقوق التى فرط فيها .
وقوله: ((إلاّ ووصيته مكتوبة)): لم يختلف قول مالك إذا كانت مكتوبة بخطه غير
مشهد عليها أنها غير عاملة ، إلاّ ما يكون فيها من إقرار لأحد لحق عليه بخطه فيلزمه .
واختلف قوله إذا شهد عليها ، وقال : إن قدمت من سفرى أو مرضى ، فقام من ذلك
المرض وقدم من ذلك السفر ، ولم يخرجها فى كل ذلك عن يده حتى مات بعد ذلك ، هل
تجوز أو ترد حتى يضعها على يد غيره ؟ وأما إن لم يقيدها بموته من مرضه أو فى سفره
وأشهد وأمسكها عنده فإنها تجوز بكل حال ، وكذلك لو كانت مقيدة بالمرض والسفر
ووضعها على يد غيره فمات بعد ذلك فإنها تنفذ . ولم يختلفوا فى أنّ للموصى تغيير
وصيته بغيرها أو نحوها .
(١) أبو داود، ك الوصايا، ب ما جاء فى الوصية للوارث ٢/ ١٠٣، ابن ماجه، ك الوصايا، ب لا وصية
لوارث ٩٠٥/٢، أحمد ١٨٦/٤، الدارمى ٤١٩/٢ عن أبى أمامة - رضى الله عنه - إلا أحمد والدارمى
عن عمرو بن خارجة .
(٢) الموطأ ٢/ ٧٦٥، ٧٦٦ .
(٤) النساء : ٨ .
(٣) انظر: الاستذكار ٢٣ / ١٣.
(٦) البقرة: ١٨٠.
(٥) الاستذكار ٢٣ / ١٥.
.

٣٦٣
كتاب الوصية / باب الوصية بالثلث
(١) باب الوصية بالثلث
٥ - (١٦٢٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى التَّمِيمِىُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ ، عَنِ ابْنِ
شِهَبٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: عَادَنَّى رَسُولُ اللهِ عَّهَ، فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ، مِنْ
وَّجَعِ أَشْفَيْتُ مِنَّهُ عَلَى الْمَّوْتِ. فَقُّلْتُ: يَا رَسُولَ الهِ ، بَلَغَنِىَ مَا تَرَىَ مِنَ الْوَجَعِ ، وَأَنَا ذُو
مَالِ، وَلاَ يَرِثْنَى إِلَّ ابْنَةٌ لِى وَاحِدَةٌ ، أَفَتَصَدَّقُ بِثُلُثَىَّ مَالِى؟ قَالَ: ((لَاَ)) . قَالَ : قُلْتُ:
أَفَتَّصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ : ((لاَ ، الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرَ وَرَثَّتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ
وقوله فى حديث سعد: ((عادنى رسول الله عَّ﴾ من وجع أشفيت منه على الموت)):
فيه عيادة الأئمة المرضى ، وهى من الرغائب المندوبات والافتقاد لأمور رعيتهم . وفى كتاب
الحربى: أنّ الوجع (١) اسم لكل مرض. ومعنى ((أشفيت)) : أى قاربت وأشرفت،
يقال: أشفى وأشأفا، / قاله الهروى. وقال القتبى: لا يقال: أشفى إلا فى الشر (٢).
٩ / أ
وفيه جواز ذكر المريض بشكواه وما يجد إذا كان لسبب من معاناة أو دعوة صالح أو
وصية ونحوها ، وإنما يكره من ذلك ما كان على معنى التشكى والتسخط ، فإنه قادح فى
أجر مرضه .
وقوله: ((وأنا ذو مال)): دليل على إباحة جمع المال ؛ إذ هذه الصيغة لا تقع إلا
للمال الكثير عرفًا ، وإن صح إطلاقه لغة على القليل .
وقوله: ((لا يرثنى إلّ ابنةٌ لى)) : أى لا يرثنى من الولد ومن يعز على تركه غالة،
وإلاّ فقد كان له ورثة وعصبة ، وقيل : يحتمل أنّه أراد لا يرثنی ممن له نصيب معلوم ،
وقيل: يحتمل أنه لا يرثنى من النساء إلّ ابنة لى . وقيل : يحتمل أنه استكثر لها نصف
تركته، أو ظنّ أنها تنفرد بجميع المال ، أو على عادة العرب من أنها لا تعد المال للنساء إنما
كانت تعده للرجال .
وقوله: أفأتصدق بثلثى مالى؟ قال: ((لا)) إلى قوله: ((الثلث والثلث كثير)»،
قال الإمام - رحمه الله -: جمهور العلماء على أنّ للمريض أن يوصى بثلثه تعلقا بهذا
الحديث(٣)، وقد قال بعض الناس: الوصية بالربع. وذكر مسلم عن ابن عباس قال: لو
أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإنّ النبى عَّه قال: ((الثلث والثلث كثير)).
(١) انظر: اللسان، مادة ((وجع)).
(٣) انظر: الحاوى ٨ / ١٩٤.
(٢) انظر: اللسان، مادة ((شفى)).

٣٦٤
کتاب الوصية / باب الوصية بالثلث
مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّقُونَ النَّاسَ، وَلَسْتَ تُتْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا ،
واختلف - أيضا - فيمن لا وارث له ، هل يقتصر على الثلث كمن له وارث ،
ويكون بيت المال كوارث معلوم يمنع من أجلها من الزيادة على الثلث ؟ أم تجوز له الصدقة
بماله كله إذ لا وارث له معلوم؟ (١) وقد قال سعد: (( لا يرثنى إلّ ابنة لى واحدة )) ولم
يسامحه بصدقة الشطر . وقيل : مراد سعد : لا يرثنى ممن له فرض معلوم إلاّ ابنة لى .
والعالة: الفقراء و((يتكففون)) : أى يمسكون بأكفهم الصدقة. وكانوا يكرهون الموت
بمكة لأجل أنه بلد تركوه لله - سبحانه - فكرهوا أن يعودوا فيما تركوه لله - سبحانه -
فلهذا ذكر فيه ما جرى فى الحديث .
قال القاضى - رحمه الله -: أجمع العلماء أَن مَنْ مات وله ورثة فليس له أن يوصى
بجميع ماله ، إلاّ شيئًا (٢) روى عن بعض السلف أجمع الناس بعد على خلافه.
وجمهورهم على أنه لا يوصى بجميع ماله وإن لم يكن له وارث (٣) . وذهب أبو حنيفة
وأصحابه وإسحق وأحمد - فى أحد قوليه - لإجازة ذلك (٤) ، وروى عن بعض سلف
الكوفيين وعن على وابن مسعود. وظاهر قوله: ((أفأتصدق بثلثى مالى )) يحتمل فى بتلة
فى مرضه أو الوصية به بعد موته ، وهما عند عامة فقهاء الأمصار سواء ، لا يجوز من ذلك
إلاّ الثلث بنقص أم لا . وعند أهل الظاهر (٥) وأجازوا فعل المريض كله فى ماله ، وجعلوه
كالصحيح بتل السنة إلا عبد فى مرضه. ورد النبى ◌ّي أمرهم إلى الثلث حجة للكافة مع
عموم ظاهر حديث سعد ، واحتماله الوجهين .
وأجمعوا على جواز الوصية بأكثر من الثلث إذ أجاز ذلك الورثة ، ومنع ذلك أهل
الظاهر وإن أجازوها [] (٦) - عليه السلام -: ((الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر
ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)) . يصح فى الثلث الأول النصب
على الإفراد أو مفعول بإضمار فعل ، ويصح فيه الرفع على الفاعل بإضمار فعل «يكفى»
ونحوه ، أو خبر مبتدأ أو مبتدأ وخبره مضمر، وبالوجهين ضبطنا هذا الحرف، و (( إن
تذر)) الوجه فيه نصب الهمزة وهو مقصود الكلام وكذا ضبطناه عن الشيوخ وقَدْ وهم فيه
١٠ / أ بعضهم فقال: ((إن)) بالكسر، وله وجه فى الكلام / لا يند ، يقتضى أنّ مراعاة الورثة
خير من مراعاة المساكين ، وهذا بمقدار المال ومقدار كثرة الورثة وغناهم وفقرهم .
وقد يكون هذا الخبر المراد به عظم الأجر فى الآخرة ، أو يكون خيرًا للورثة وأحسن
(١ - ٣) انظر: الحاوى ٨ / ١٩٥.
(٤) انظر: الاستذكار ٢٣ / ١٦ .
(٦) بياض فى الأصل .
(٥) انظر: الاستذكار ٢٣ / ١٥ .

٣٦٥
كتاب الوصية / باب الوصية بالثلث
حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فى فى امْرَأَتَكَ )) . قَالَ : قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِى؟
قَالَ : ((إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلاَ تَبْتَغِى بِهِ وَجْهَ الهِ، إِلَّ ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرَفَعَةً ،
وَعَلَّكَ تَّخَلَّفُ حَتَّى يُنْفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّبِكَ آَخَرُونَ اللَّهُمَّ، أَمْضٍ لأَصَحَابِی هِجْرَتَهُمْ،
وَلاَ تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَبِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُّ بْنُ خَوْلَةَ)).
قَالَ: رَى لَهُ رَسُولُ اللهِ عَّهُ مِنْ أَنَّ تُوُفِّىَ بِمَكَةً .
حالاً لهم وأطيب لنفس الموصى بتركهم بحال حسنة . وفيه أنّ صلة من قَرُب أولى وأفضل
من بَعُد. واستدل بهذا الحديث مَنْ يفضل الغنى على الفقير؛ إذ جعل فيه النبى عَّه خيراً
للورثة أو للموصى ، ولو كان بخلاف ذلك لكان شرا لهم وله. وروينا قوله: ((إنك إن
تذر ورثتك أغنياء )) بفتح الهمزة وبكسرها ، وكلاهما له معنى صحيح. فعلى الفتح تقدير :
إنك تركك ورثتك أغنياء ، تقدر ((أن)) مع فعلها بتقدير المصدر ، والكسر على الشرط .
قال القابسى: فيه أنّ ميراث العصبة مع أهل الميراث لقوله: (( إن تذر ورثتك
أغنياء))، وقد قال: ((لا يرثنى إلّ ابنة لى)).
وقوله: (( وإنك لن تنفق نفقة فتبتغى بها وجه الله إلاّ أجرت بها ، حتى اللقمة
تجعلها فى فى امرأتك)) . يقتضى أن الأجور فى المباحات والإنفاق إنما هى على النيات
وابتغاء وجه الله ، وما كان يقصد به الستر وأداء الحقوق وصلة الأرحام ، وكذلك ما ينفقه
الإنسان على نفسه ، أو يقصد به إحياء نفسه والتقوى على عبادة ربه . وقد يستدل به على
وجوب الإنفاق على الزوجات .
وقوله: ((أُخَلَّف بعد أصحابى)»: يريد بمكة، إمّا إشفاقًا من موته بها إذا كان هاجر
عنها وتركها لله ، فخشى أن يقدح ذلك فى هجرته أو فى ثوابه على ذلك ، أو خشى بقاءه
بعد تحول النبى عليه وأصحابه إلى المدينة وتخلفه عنه لأجل المرض ، فكانوا يكرهون
الرجوع فيما تركوه لله؛ ولهذا جاء فى غير هذه الرواية: ((أخلف عن هجرتی))(١)، فقيل:
كان حكم الهجرة باقٍ بعد الفتح ، واستدل من قاله بهذا . وقيل : ذلك لمن هاجر؛ لقوله:
أذن للمهاجر أن يقيم بمكة ثلاثا ، فأما مَنْ لم يهاجر إلاّ هجرة له لقوله - عليه السلام - :
((لا هجرة بعد الفتح)) (٢)، ويحتمل أنه سأل عن تخلفه فى العمر وطوله بعد أصحابه.
(١) البخارى، ك الفرائض، ب ميراث البنات ١٨٧/٨.
(٢) البخارى، ك الجهاد، ب لا هجرة بعد الفتح ٤ / ١٢٧ عن مجاشع بن مسعود، أحمد ٣/ ٤٠١ عن
صفوان بن أمية ، والنسائى ك الفىء ، ب فى انقطاع الهجرة ٧ / ١٤٤ عن صفوان بن أمية أيضًا.

٣٦٦
كتاب الوصية / باب الوصية بالثلث
( ... ) حدّثْنَا قُتَيَّةُ بْنُ سَعيد وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةً.
ح وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ، قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِى يُؤنُسُ . ح وَحَدَّثَنَا
إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُالرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ
الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
( ... ) وحدّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُور، حَدَّثْنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِىُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَعْد
وقوله : ((إنك لن تُخَلَّف فتعمل عملا [ صالحا ] (١) تبتغى به وجه الله إلاّ ازددت به
درجة)) : فيه أنّ الأعمال بالنيات ، ويحتمل تخلفه هنا كناية عن طول عمره وهو أظهر فى
الحديث ، لاسيما وقد روى: ((إنك لن تخلف بعدى)) يحتمل التخلف بمكة للضرورة ،
وأن ذلك لا يقدح فى هجرته وعمله .
وقد اختلف الناس فى هذا، فقيل : لا يحبط أجر المهاجر بقاؤه بمكة وبقاؤه وموته فيها
إذا كان لضرورة ، وإنما يحبطه إذا كان ذلك بالاختيار . وقال قوم : إن موت المهاجر بها
كيف كان محبط للهجرة . وهذا الحديث يصحح القول الأول ؛ إذ جعله يزداد درجة ورفعة
على ما تقدر له، وقيل: لم تفرض الهجرة إلاّ على أهل مكة فقط . وفى هذا كله ، وقوله:
(( لعلك أن تخلف حتى يستضر بك أقوام وينتفع آخرون)) علامة من علامات النبوة ،
وإخبار وقع كما كان من تمليكه وطول عمره بعد ذلك نيفا على أربعين سنة ، ونفع من
استحق النفع به ، وضر من استحق الضر به فى ولايته وإمارته بالعراق ، وهدايته مَنْ أسلم
على يديه ، وقتل من قتل .
وقوله : ((اللهم امضِ لأصحابى هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم)): استدل به
١١ / أ بعضهم على أن البقاء بمكة للمهاجر كيف كان قادح / فى هجرته من هذا الدعاء لقرينة
القصة ولا دليل عندى ، بل يحتمل أنه دعى لهم دعاء مجردًا عامًا. ومعنى: (( ولا تردهم
على أعقابهم )) بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم ، يقال ذلك لكائن رجع عن
حاله كالراجع عن طريقه .
وقوله: ((لكن البائس سعد بن خولة )) : البائس الذى عليه أثر البؤس .
وقوله: ((يرثى له رسول الله عَبد أن مات بمكة)): قال أهل الحديث: انتهى كلام
النبى معٌَّ فى قوله: ((لكن البائس سعد بن خولة))، ثم ذكر الحاكى هذا علة قول النبى
عَّ فيه هذا وسببه ، وإن ذلك رثاءً له وتوجعًا لموته بمكة . وقائل هذا الكلام قيل : هو
(١) زائدة فى الأصل.

٣٦٧
كتاب الوصية / باب الوصية بالثلث
ابْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْد ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِىُّ عَُّ عَلَىَّ يَعُودُنِى. فَذَكَرَ
بِمَعَى حَدِيثِ الزُّهْرِىٌّ. وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ النَّبِىُّ ◌َّهُ فِى سَعْدِ بْنٍ خَوْلَةَ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : وَكَانَ
يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرَضِ الَّتِى هَاجَرَ مِنْهَا.
٦ - ( ... ) وحدّثَنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثْنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثْنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا
سمَاكُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنِى مُصْعَبُ بْنُ سَعْد عَنْ أَبِهِ، قَالَ: مَرِضْتُ فَأَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِىِّ
◌َِّ، فَقُلْتُ: دَعْنى أَقْسِمْ مَالى حَيْثُ شئْتُ، فَأَبِى. قُلْتُ: فَالنِّصْفُ؟ فَأَبِى. قُلْتُّ:
فَالغُلُثُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ بَعَّدَ الثُّلُثِ .
قَالَ : فَكَانَ بَعْدُ الثلُثُ جَائِزًا .
( ... ) وحدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بَشَّارِ، قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاك، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ: فَكَان - بَعْدُ - القُّلُثُ جَائِزًا.
٧ - ( ... ) وحدّثَنِى الْقَاسمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنِ بْنُ عَلِىٌّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ
عَبْد الْمَلِكِ بْنِ عُمَّيْرٍ ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عَادَنَى النَّبِىُّ ◌َّهِ فَقُلْتُ:
أُوصَى بِمَالَى كُلّهِ؟ قَالَ: ((لا). قُلْتُ: فَالنَّصْفُ؟ قَالَ: ((لاَ)) . فَقُلْتُ: أَبالثُّلُثِ؟ فَقَالَ:
(نَعَمْ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ)).
٨- ( .. ) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِ عُمَرَ الْمَكِّىُّ، حَدَّثْنَا النَّقَفِىُّ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِىِّ،
سعد بن أبى وقاص ، وكذا جاء فى بعض الطرق ، وأكثر ما جاء أنه من قول الزهرى،
ويحتمل أن يكون قوله: ((أن مات بمكة)) من قول النبى عَّه ومن قول غيره: ((يرثى له
رسول الله )) فقط، تفسير المعنى. قوله: ((البائس)) إذ قد روى فى حديث آخر: ((لكن
سعد بن خولة البائس قد مات فى الأرض التى قد هاجر منها)) .
واختلف فى قصة سعد بن خولة ، فقيل : لم يهاجر من مكة حتى مات بها ، ذكره
ابن سيرين وقاله عيسى بن دينار . وذكر البخارى أنه هاجر وشهد بدرًا ، ثم انصرف إلى
مكة ومات بها . وقال ابن هشام : وإنه ممن هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية ، وشهد بدرًاً
وغيرها، وتوفى بمكة فى حجة الوداع . وقيل : بل توفى فى سنة سبع فى الهدنة مدة
القضية ، خرج مساء إلى مكة من المدينة . فعلى هذا وعلى ما قاله عيسى يكون بؤسه بينًا
لسقوط هجرته برجوعه مختارًاً وموته بها ، وقد يكون بؤسه لموته بها على أى حال كان وإن

٣٦٨ -
كتاب الوصية / باب الوصية بالثلث
عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيد ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِىِّ، عَنْ ثَلاثَةٍ مِنْ وَلَد سَعْد،
كُلُّهُمْ يُحَدَّثُّهُ عَنْ أَبِهِ؛ أَنَّالنَّبِيَّ ◌َهِ دَخَلَ عَلَى سَعْدَ يَعُودُهُ بِمَكَّةَ، فَبَكَى. قَالَ: ((َمَا
بُكِيكَ؟ )) فَقَالَ: قَدَ خَشِتُ أَنْ أَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِىّ هَاجَرْتَّ مِنْهَا، كَمَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ
خَوْلَةَ . فَقَالَ النَّبِىُّعَّةٍ: ((اللَّهُمَّ، اشْفِ سَعْدًا. اللَّهُمَّ، اشْفِ سَعْدًا)) ثَلاَثَ مَرَار. قَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِى مَالاَ كَثِيرًا، وَإِنَّمَا يَرِثُنِى ابْنَى، أَفَأُوصى بِمَالِى كُلِّهُ؟ قَالَ: ((لاَ)).
قَالَ: فَبَالثُّلْثَيْنَ؟ قَالَ: ((لَّ)). قَالَ: فَالنَّصْفِ؟ قَالَ: (( لَ)). قَالَ : فَالثُّلُثُ ؟ قَالَ:
((الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إنَّ صَدَقَتَكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ ، وَإِنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى عَيَالكَ صَدَقَةٌ،
وَإِنَّ مَا تَأْكُلُ امْرَأَتُكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ ، وَإِنَّكَ أَنْ تَدَعَ أَهْلَّكَ بِخَيْرِ - أَوْ قَالَ: بِعَيْشٍ -
خَّرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ)) وَقَالَ بِّدِهِ.
٩ - ( ... ) وحدّثْنى أَبُو الرَّبيع الْعَتْكِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثْنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
لم يكن باختياره ، لما فاته من الأجر والثواب بالموت فى بلد مهاجره والغربة عن وطنه الذى
هجره لله .
وقد ورد فى هذا الحديث أن النبى معَّه خلف مع سعد بن أبى وقاص رجلاً ، فقال
له: إن توفى بمكة فلا يدفنه بها . حيطة على كمال أجره واستبقاء ثواب هجرته .
وذكر مسلم فى هذا الحديث: ((وكان يكره أن يموت فى الأرض التى هاجر منها)).
وذكر فى الرواية الأخرى عن سعد بن أبى وقاص: (( خشيت أن أموت بالأرض التى
هاجرت منها كما مات سعد بن خولة)) . وهذا يبين أن موت سعد بن خولة بمكة لا يقطع
أنه لم يهاجر، وأنه ترك هجرته . وسعد بن خولة هذا هو زوج سبيعة الأسلمية التى مات
عنها ، وتقدم فى كتاب العدة حديثها (١) . وفى حديث سعد يخصص عموم جواز الوصية
فى القرآن بالسنة بالاقتصار على الثلث ، وفى هذا الأصل بين الفقهاء والأصوليين خلاف .
والصواب تصحيحه أن السنة مبينة، ولما علم من اجتهاد الصحابة على مثل هذا متى ورد .
وأبو داود والحفرى واسمه عمر بن سعد .
وذكر مسلم فى الباب حديث حميد بن عبد الرحمن الحميرى عن ثلاثة من ولد سعد،
كلهم يحدث عن أبيه . قال الدارقطنى : كذا قال الثقفى عن أيوب عن عمرو بن سعد عن
حميد. وقال حماد : عن أيوب عن عمرو بن حميد، عن ثلاثة من ولد سعد، قالوا: مرض
(١) انظر: ك الطلاق، ب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها ... إلخ برقم (٥٦).

٣٦٩
كتاب الوصية / باب الوصية بالثلث
سَعيد، عَنْ حُمَيِّد بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَمْيَرِىِّ، عَنْ ثَلاَثَةِ مِنْ وَلَدِ سَعْد ، قَالُوا : مَرِضَ
سَعْدٌ بَمَكَّةَ، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللهِ نَّهُ يَعُودُهُ. بِنَحْوِ حَديثِ الثَّقَفِىِّ .
( ... ) وحدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْتَّى، حَدَّثَنَا عَبَدُ الأَعْلِى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّد ، عَنْ
حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنِى ثَلاَثَةٌ مِنْ وَلَدِ سَعْدِ بْنِ مَالك، كُلُّهُمْ يُحَدِّثْنِهِ بِمِثْلِ حَديث
صَاحِبهِ. فَقَالَ: مَرِضَ سَعْدَ بِمَكَّةَ، فَأَتَاهُ النَّبِىُّ ◌َهِ يَعُودُهُ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ
عَنْ حُّمَيْدِ الْحِمْيَرِيِّ
١٠ - (١٦٢٩) حدّثَنِى إِبْرَاهيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِىُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى - يَعْنِى ابْنَ
يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْب، قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيحٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو
كُرِيْبٍ، حَدَّثْنَا ابْنُ نُمَيْرِ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْن عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ، قَالَ : لَوْ أَنَّ
النَّاسَّ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرِّبْعِ، فَإِنَّ رَّسُولَ اللهِ لَّهُ قَالَ: ((التُّلُثُ، وَالثُّلْتُ كَثِيرٌ)) .
وَفِى حَدِيثٍ وَكِيعٍ: ((كَبِيرٌ أَوْ كَثِيرٌ)).
سعد بمكة ، فأرسله . ورواه هشام عن محمد عن حميد نحوه . وقد أدخل هذه الآثار كلها
مسلم.
قال القاضى - رحمه الله -: وأرى مسلمًا أدخل هذه الروايات ليبين الخلاف فيها،
وهى وشبهها عندى من العلل التى وعد بذكرها فى مواضعها ، وظنّ ظانون أنه يأتى بها
مفردة فقالوا : توفى قبل تأليفها . وقد بسطنا هذا صدر الكتاب ، ولم يدرك أحدٌ من ولد
سعد النبىَّ عَّه، ويدل عليه قوله فى الحديث/: ((ولا يرثنى إلاّ ابنة لى)) وذلك فى حجة ١١ / ب
الوداع آخر مدة النبى معَّه . وهذا الحديث وإن لم يذكر فى بعض طرقهم سماعهم عن سعد
ذلك ، فهو محمول على المسند لروايتهم عنه غير هذا على أصلهم فى ذلك ، وما قدمه
مسلم صدر الكتاب وذكر فى الباب : نا محمد بن مثنى ، نا عبد الأعلى ، قال: نا هشام .
وكذا لجمهور شيوخنا. وفى بعض النسخ: نا (ابن عبد الأعلى)) مكان ((عبد الأعلى
السماحى)) بسين مهملة ، أبو محمد . وقيل : أبو همام . وقاله مسلم .
وقوله فى حديث ابن عباس : لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع ، فإن رسول
اللـه عَبّ قال: ((الثلث والثلث كبير أو كثير)): مما استدل ابن عباس استدل غيره
باستحباب النقص من الثلث لقوله: ((كثير)) وقوله: ((غضوا)) بالغين المعجمة : نقصوا ،
أى نقصوا منه جزءًا .

٣٧٠
كتاب الوصية / باب الوصية بالثلث
وقد اختلف الناس فى المستحب من الوصية بعد إجماعهم على جواز الثلث ، إلاّ شيئًا
ذهب إليه بعضم من أن الوصية بالثلث إنما هى لمن لا وارث له (١). وما روى عن بعض
السلف من إيجاب النقص من الثلث ، فعن أبى بكر أنه أوصى بالخمس ، واحتج بأن الله
تعالى رضى من عباده بالخمس ، ونحوه من على بن أبى طالب - رضى الله عنه - وعن
عمر - رضى الله عنه - بالربع ، وهو قول إسحق ، واختار آخرون السدس أن يكون دون
ذلك . وقال الحسن : السدس أو الخمس أو الربع . وقال النخعى : كانوا يكرهون الوصية
بمثل نصيب أحد الورثة . واختار آخرون العشر لقول النبى معَّه فى بعض روايات سعد :
((أوص بالعشر)) ، وروى عن على وابن عباس وعائشة وغيرهم لمن ماله قليل وله ورثة لا
ترك الوصية لقوله : ((إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة )).
قال الإمام - رحمه الله -: ذكر مسلم فى سند هذا الحديث : نا أبو كريب، قال :
نا ابن عمير عن هشام بن عروة ، هكذا فى نسخة ابن ماهان ، والذى فى نسخة الجلودى :
نا أبو بكر بن أبى شيبة ، نا ابن نمير . فجعل بدل ((أبى كريب)) ((أبا بكر)).
(١) انظر: الاستذكار ٢٣ / ٣٣ وما بعدها.

٣٧١
كتاب الوصية / باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت
(٢) باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت
١١ - (١٦٣٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أُبُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد وَعَلَىُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالوا :
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرِ - عَنِ العَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَجُلاً قَالَ
لِلنَِّّ ◌َُ: إِنَّ أَبِى مَاتَ وَتَرَكَ مَلاَ وَلَمْ يُوصِ، فَهَلْ يَّكَفِّرُ عَنّهُ أَنْ أَنَصَدَّقَ عَنّهُ؟ قَالَ:
(نَعَمْ)) .
١٢ - (١٠٠٤) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةً،
أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ ؛ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَِّىِّ ◌َِّ: إِنَّ أُمِّىَ اقْتُلْتَتْ نَفْسُهَا، وَإِنِّى أَظُنُّهَا لَوْ
تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَلِىَ أَجْرٌ أَنْ أَنَصَدَّقَ عَنْهَا؟ قَالَ : ((نَعَمْ )).
قوله : إن أبى مات وترك مالاً ولم يوص، أفيكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: (( نعم ))
وفى حديث عائشة - رضى الله عنها -: ((إن أمى افتتلت نفسها ... فلى أجر أن أتصدق
عنها؟)) وفى الرواية الأخرى: أفلها أجر أن أتصدق عنها؟ قال: ((نعم))، قال
القاضى - رحمه الله -: فيه جواز النيابة فى الطاعة فى الأموال ، وصدقة الحى عن الميت،
والناس بعضهم عن بعض، وهذا مما أجمع المسلمون على جوازه واستحبابه. ومعنى (( أيكفر
عنه)): أى من السيئات. ومعنى ((لها أجر)): أى لها حسنات بصدقتى عنها. وقد
يكون انتفاع المتصدق عنه بذلك وإن لم يكن له فيه نية أن المتصدق وهبه أجرة فيه، وقيل :
قد يوحى الميت والحى بما لم يكتسبه ولا نواه ، كما يؤجر بغيبة غيره له وإن لم يعلم به.
وإن هذه الأحاديث خاصة لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّ مَا سَعَىْ﴾(١).
وقوله : ((افتتلت نفسها)) : رويناه بضم السين على ما لم يسم فاعله ، وبفتحها على
المفعول الثانى. ومعنى ذلك : ماتت فجأة. والفلتة والافتلات : ما كان بغتة وعن عجلة
بغير قصد ولا روية .
وقوله: ((وأظنها لو تكلمت تصدقت)): إما لما علم من حرصها على فعل الخير ،
أو لما علم من قصدها ونيتها فى الوصية. ويدل حرصها عليه ما فى حديث أم سعد من
رواية مالك : أنها لما قيل لها : أوصى، قالت : إنما المال لسعد. فتوفيت قبل قدوم سعد.
١٢/أ
وإذن النبى - عليه السلام - لها فى الصدقة عنها، دليل على جواز ذلك، / ولا خلاف
(١) النجم : ٣٩.

٣٧٢
كتاب الوصية / باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت
( ... ) حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الله بْن نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ
أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَجُلاً أَنَى النَّبِىَّ ◌َُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّى اقْتُلْتَتْ نَفْسُهَا،
وَلَمْ تُوَصٍ ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَلِهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ )) .
١٣ - ( .. ) وَحَدَّثَنَهُ أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنِى الْحَكُمُ بْنُ مُوسَى،
حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَقَ. ح وَحَدَّثَنِّى أُميَّةُ بْنُ بِسْطَامَ ، حَدَّثْنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنَ زُرَبِّعٍ -
حَدَّثَنَا رَوْحٌ - وَهُوَ ابْنُ القَاسِمِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْن،
كُلَّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. أَمَّا أَبُو أُسَامَةً وَرَوْحٌ فَفِى حَدِيثِهِمَا: فَهَلْ لِى
أَجْرٌ؟ كَمَا قَالَ يَحْنَى بْنُ سَعِيدٍ. وَأَمَّا شُعَيْبٌ وَجَعْفَرٌ فَفِى حَدِيثِهِمَا: أَفَلَهَا أَجْرٌ ؟ كَرِوَآيَةٍ
ابْنِ بِشْرِ .
فيه ولا فى استحبابه للوارث ، وأنه غير واجب عليه فى الواجبات والمندوبات. وذهب
الشافعى أنه يجب على الوارث إخراج جميع ما فرط فيه من موروثه من الواجبات من رأس
ماله . ومعنى قوله فى الرواية الأخرى: ((أفلى أجر أن أتصدق)) إن كانت هذه الرواية
صحيحة فمعناها صحيح أيضا : لى أجر فى فعل ذلك أهبه لها فتنتفع به ، ويكون لها هى
أجر أيضا ، أو يكون لى أجر فى سعيى فيه وهبتى ذلك لها ، مع أنه مالى فى الأصل .

٣٧٣
كتاب الوصية / باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته
(٣) باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته
١٤ - (١٦٣١) حَدَّثَنَا يَخْبَى بْنُ أُّوبَ وَقُتَبَةُ - يَعْنِى ابْنَ سَعِيد ــ وابْنُ حُجْر،
قَالُوا : حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ - هُوَ ابْنُ جَعْفَرِ - عَنِ العَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ عَّةٍ قَالَ: ((إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ : إِلا مِنْ صَدَقَة
جَارِيَةٍ، أَ عِلْمٍ يُتْفَعُ بِهِ، أَوْ وَدٍ صَالِحٍ يَدْعُولَهُ ».
وقوله : ((إذا مات الميت انقطع عمله إلا من ثلاث : من صدقة جارية ، أو علم ينتفع
به ، أو ولد صالح يدعو له )) : وذلك لأن عمل الميت منقطع بموته ، لكن هذه الأشياء لما
كان هو سببها ؛ من اكتسابه الولد ، وبثه العلم عند من حمله فيه ، أو إيداعه تأليفا بقى
بعده ، وإيقافه هذه الصدقة - بقيت له أجورها ما بقيت ووجدت. وفيه دليل على جواز
الوقف والحبس. ورد على من منعه من الكوفيين ؛ لأن الصدقة الجارية بعد الموت إنما تكون
بالوقوف. وفى هذا دليل على أنه لا يجزئ عمل الأبدان من صلاة وصيام ولا نيابة فى غير
المال الذى نص عليه ونفى غيره .

٣٧٤
كتاب الوصية / باب الوقف
(٤) باب الوقف
١٥ - (١٦٣٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى النَّميمىُّ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ عَنِ ابْنِ
عَوْنِ، عَنْ نَافِعِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بخيْيَرَ، فَأَتَى النَّبِىَّ ◌َِّ يَسْتَأْمِرُهُ
فِيهَا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِّى أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْرَ ، لَمْ أَصِبْ مَالاَ قَطُ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدَى
وقوله : (( أصاب عمر - رضى الله عنه - أرضاً بخيبر لم يصب مالاً قط أنفس عنده
منه)) : أى أفضل وأعجب إليه وأغبط ، والنفيس من كل شىء ، المرغوب فيه ،
المحروص عليه ، وقد نفس نفاسة. واسم هذا المال ثمغ(١) .
وقوله: فأتى النبى عَّ يستأمره، فقال: ((إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها))
الحديث ، قال الإمام - رحمه الله -: التحبيس عندنا جائز فى الخلاف(٢) العقار، خلافاً
لمن منعه على الجملة. والدليل عليه الاتفاق على تحبيس المساجد والسقايات، وحديث عمر -
رضى الله عنه - هذا. وعندنا فى المذهب اضطراب فى تحبيس الحيوان وإذا كان الحبس فى
الرباع على مجهول كالمساكين فلا خلاف أنه لا يعود على تحبيسه ؛ لأن من أعطيه لا ينقطع
فيبقى التحبيس ما يقوى ، وكذلك إن كان على رجل وعقبه فإن العقب إذا انقطع لم يرجع
ملكا للمحبس ؛ لأنه لما أعطى علق العطية بالعقب ، وقد لا ينقطع ولا ذلك من قصده على
أن له ملكه .
وإن كان التحبيس على قوم معينين حياتهم ، فإذا ماتوا ففيه قولان : هل يرجع ملكا
للمُحْبس إذ لا علامة على قصده التأبيد وزوال الملك، والأصل أن ملك الإنسان لا يزول إلا
على الصفة التى أخرجه عليها أو يكون الأصل ألا يرجع ذلك إلى ملكه ؛ لأن لفظة
((التحبيس)) دالة على القصد. والدلالة الملك على هذه الطريقة. وإذا قلنا : إنه لا يرجع
ملكاً فإنه يرجع إلى أولى الناس بالحبس ، والنكتة المعتبرة ها هنا التى يدور عليها الاختلاف
فى هذا الأصل ، فقد اضطربت الرواية فيه إذا حبس وذكر العقب ، وسمى الصدقة أو لم
يسمها ، إلى غير ذلك من المسائل ؛ إذ الألفاظ المصادرة عن المالك إما أن تكون نصوصا
فى إزالة ملكه بوضع اللغة أو بغلبة الاستعمال فى العرف ، أو نصوصا فى اللغة أو العرف
دالة على القصد لبقاء الملك ، أو محتملة للوجهين ، فما الاحتمال فيه يقضى بموجبه ويحكم
بمقتضاه وما فيه إشكال روجع فى تفسيره ، فما فسره به مما يحتمله قوله قبل منه ، وإن مات
(١) قال صاحب اللسان : الثمغ : مال كان لعمر بن الخطاب فوقفه، وبالكسر فى الرطب خاصة. انظر :
اللسان، مادة ((ثمغ)).
(٢) قيدت هكذا وليس لها معنى .

٣٧٥
کتاب الوصية / باب الوقف
مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِى به؟ قَالَ : ((إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلِهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا)) . قَالَ : فَتَصَدَّقَ بِهَا
عُمَرُ ؛ أَنَّهُ لا يُبَعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُبْنَاعُ، وَلَا يُورَثُ، وَلَا يُوهَبُ . قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِى
الفُقَرَاءِ، وَفِى القُرْبَى، وَفِى الرِّقَابِ ، وَفِى سَبِيلِ اللهِ ، وَأَبْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّهِ ، لا جُنَاحَ
عَلَى مَنْ وَلِيَّهَا أَنْ يَكُلَ مِنْهَا بِالَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِقًا غَيْرَ مُتُمَّوَّلَ فِيهِ.
قَالَ : فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الحَديثِ مُحَمَّدًا. فَلَمَّا بَلِغْتُ هَذَا الْمَكَانَ: غَيْرَ مُتَمَوِّل فيه . قَالَ
مُحَمَّدٌ: غَيْرَ مُتَأَثّلِ مَالاً .
قَالَ ابْنُ عَوْن: وَأَنْبَنِى مَنْ قَرَأْ هَذَاَ الكِتَابَ؛ أَنَّ فِيهِ: غَيْرَ مُتَأَثّلِ مَالاً .
( ... ) حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيَّةَ، حَدَّثْنَا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ، أَخْبَرَنَا
أَزْهَرُ السَّمَّانُ. ح وَحَدَّنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدََّا أَبْنُ أَبِى عَدِىٌّ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ،
١٢/ ب
قبل أن يستفسر فالنظر عندى ألا يلزمه إلا أقل ما يقتضيه/ قوله ؛ لأن الأملاك لا تخرج
بالشك. وهذا الأصل يدور عليه جميع ما وقع فى ذلك فى الروايات .
وأما قوله : (( لا جناح على من وليها أن يأكل بالمعروف ، أو يطعم صديقاً غير
متأثل مالا)) فإن الحبس إذا استثنى محبسه منه هذا فى أصل التحبيس صح ذلك. ولما أكل
الصديق فى حكم المعلوم مبلغه فيباح له منه قدر ما خرجت العادة به ولو لم يشترط ذلك ،
وكان التحبيس على المساكين ومن يليها منهم ، فإنه لا يحرم عليه ما لا يحرم على أحدهم
وإن كان غنياً ، واضطر إلى قيامه عليها ما لا يحرم بهذا القدر على جهة الإجازة ، ويكون
ما يأخذ معلوماً صح ذلك ، وليست بأعظم من الزكوات التى جعل الله - سبحانه - فيها
حقًا للعاملين عليها ، وإن كانوا أغنياء .
وتقييده فى قوله: ((أن يأكل منها بالمعروف)) إشارة إلى ما قلناه فى الرجوع إلى
العادة فى ذلك. وأما قوله: ((غير متأثل مالاً)) فمعناه : غير جامع ، وكل شىء له أصل
قديم أو جمع حتى يصير له أصل فهو موثل ، ومنه : مجد موثل : أى قديم الأصل ،
وأثلة الشىء : أصله .
قال القاضى - رحمه الله -: فيه نص من النبى ◌َّه فى الحبس والأمر به ، وفيه
جواز التحبيس على الأغنياء لقوله: ((أو يطعم صديقاً))، وفيه جواز أكل القيم عليه منه ،
وأن جميع ذلك بالمعروف ، كما قال الله - تعالى - فى ولى اليتيم على قول بعضهم ،
وجواز الشرط فى الحبس .
وقول مسلم آخر حديث محمد بن مثنى : فى الباب زيادة قوله : وفى حديث ابن أبى

٣٧٦
كتاب الوصية / باب الوقف
بِهَذَاَ الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنٍ أَبِى زَائِدَةَ وَأَزْهَرَ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ: (( أَوْ يُطْعِمَ
صَدِيقًاً غَيْرَ مُتَمَوّلٍ فِيهِ)). وَلَمْ يُذْكَرْ مَا بَعْدَهُ. وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِى عَّدِىٌّ فِيهِ مَا ذَكَرَ سُلَيَّمٌ
قَوْلَةً : فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الَحَدِيثِ مُحَمَّدًا إِلى آخِرِهِ.
(١٦٣٣) وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِىُّ عُمَرُ بْنُ سَعْد، عَنْ
سُفَْانَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ ، قَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ
خَيْيَرَ ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ الله عَّةٍ فَقُلْتُ : أَصَبْتُ أَرْضًا لِمْ أُصِبْ مَالاَ أَحَبَّ إِلىَّ وَلا أَنْفَسَ
عنْدى مِنْهَا. وَسَاقَ الحَدِيثَ بِمِثْلٍ حَدِيثِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ: فَحَدَّثْتُ مُحَمَّدًا وَمَا بَعْدَهُ.
عدى ما ذكره سليم فى قوله : فحدثت بهذا الحديث محمداً إلى آخره . سقطت هذه الزيادة
عند العذرى ، وثبتت عند غيره .

٣٧٧
كتاب الوصية / باب ترك الوصية لمن ليس له شىء يوصى فيه
(٥) باب ترك الوصية لمن ليس له شىء يوصى فيه
١٦ - (١٦٣٤) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى النَّميمِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٌّ،
عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرّفٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ عَبْدَ الله بْنَ أَبِى أَوْفَى : هَلْ
أَوْصَى رَسُولُ اللهِ عٍَّ؟ فَقَالَ: لاَ. قُلْتُ: فَلِمَ كُتِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الوَّصِيَّةُ، أَوْ فَلِمَ
أُمِرُوا بِالوَصِيَّةِ؟ قَالَ : أَوْصَى بِكِتَابِ الله - عَزَّ وَجَلَّ .
١٧ - ( ... ) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمير،
حَدَّثَنَا أَبِى ، كلاَهُمَا عَنْ مَالِك - بْنِ مِغْوَلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ ، مِثْلُهُ . غَيْرَ أَنَّ فِى حَديث
وَتَيعٍ: قُلْتُ: فَكَيِّفَ أُمِرَ النَّاسُ بِالوَّصِيَّةِ؟ وَفَى حَدِيَثِ أَبَّنِ ثَّمَيْرٍ: قُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَّ
عَلَى الْمُسْلِمِينَ الوَصِيَّةُ؟
وقول السائل لابن أبى أوفى: ((هل أوصى النبى عَّ؟ فقال: لا . فقال: لم
كتب على المسلمين الوصية ؟ أو فلم أمر بالوصية ؟ قال: أوصى بكتاب الله ))، وفى
حديث عائشة - رضى الله عنها -: ((ما أوصى بشىء))، قال الإمام - رحمه الله - :
(V)[
هذا يشير إلى أنه كان يرى المساواة فى الأحكام بيننا وبينه والرجوع إلى أفعاله [
كتب على المسلمين الوصية، إذ كان أراد بذلك الفرض ، فلعله اعتقد مقتضى قوله تعالى :
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [إِن تَرَكَ خَيْرًاً] (٢) الْوَصِيَّةُ﴾ الآية (٣) ، وظن أنها
لم تنسخ أو يكون [ رأى ] (٤): أى داود ومَنْ وافقه [ من القائلين بـ ] (٥) إيجاب
الوصية وقد قدمنا مذهبهم .
قال القاضى - رحمه الله -: ظاهر قوله: ((لم يوص)) يعارض الحديث الآخر فى
وصيته بأشياء : لا يبقى دينان بأرض العرب ، وإخراج المشركين منها ، وإجازة الوفد ،
وأنه أوصى بعترته وبصدقة أرضه، وإنما أراد هنا نفى الوصية بالأمر بعده التى تدعيه الشيعة
والروافض وهو الذى أنكرت عائشة - رضى الله عنها - فى الحديث الآخر بقولها: ((متى
أوصى إليه ؟ )) وكذلك قوله: « أوصی بکتاب الله وعترته وبالثقلین ) وغير ذلك كله ليس
(١) بياض فى الأصل .
(٣) البقرة : ١٨٠.
(٥) سقط من الأصل ، والمثبت من ع .
(٢) سقط من الأصل .
(٤) ساقطة من الأصل، والمثبت من ع.

٣٧٨
كتاب الوصية / باب ترك الوصية لمن ليس له شىء يوصى فيه
١٨ - (١٦٣٥) حدَّنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنِ نُمِيرٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةً ،
عَنِ الأعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى وَأَبُوَ مُعَاوِيَةَ ، قَالاً:
حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِى وَائِل، عَنْ مَسْرُوَقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِعَُّ
دِينَاراً، وَاَ دِرْهَمَا، وَلاَ شَاةً، وَلاَ بَعِيراً، وَلَا أَوْصَى بِشَىْءٍ.
( ... ) وحدّثنا زُهيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. كُلُّهُمْ عَنْ
جَرِيرٍ.ح وَحَدَّثْنَا عَلِىٌّ بْنُ خَشْرَمِ، أَخْبَرَنَا عِيسَى - وَهُوَ ابْنُ يُونُس - جَمِيعاً عَنِ
الأَعْمَشِ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
١٩ - (١٦٣٦) وحدّثناَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَاللَّفْظ لَيَحْبَى -
قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ :
ذَكَرُوا عِنْدَ عَائشَةَ؛ أَنَّ عَلَيّا كَانَ وَصيا. فَقَالَتْ: مَتَى أَوْصَى إِليْهِ؟ فَقَدْ كُنْتُ مُسْئِدَتَهُ إِلَى
صَدْرِىَ- أَوْ قَالَتْ: حَجْرِى - فَدَعَ بِالطَّسْتِ. فَلَقَدِ انْخَنَثَ فِى حَجْرِى، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ
مَتَ ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟
بمناقض لقولها: ((ما أوصى بشىء))؛ لأن السؤال عن الوصية بمال فى وجوه البر، قالوا :
ولأن أرضه التى تصدق بها حقيقة ذلك ليست بوصيته ولا صدقة محضة ، بل هو حكم
بركته، وإنما أخرجها صدقة شرع الله وحكمه، قال - عليه السلام -: (( لا نورث ما
تركناه صدقة))(١) /. فإن سميت صدقة ووصية فعلى صورة حكمها ومجاز أمرها ، فلا
تناقض بين هذه الأحاديث على هذا ، ولأنه لم يترك - عليه السلام - شيئاً يوصى فيه .
١/١٣
قال الإمام - رحمه الله -: وقولها: فلقد انخنث فى حجرى. أصل الانخناث التكسر،
ومنه انخناث الأسقية ، ومنه سمى الرجل الذى فى كلامه ومعطافه لين وتكسر: مخنثا،
فلعلها تريد أنه انخنث فى حجرها ، أى تمايل واجتمع .
قال القاضى - رحمه الله -: الانخناث: التمايل والانثناء، وهو المراد هنا وهو المعنى،
أى تكسر السقاء ، أى انطوى بعضه على بعض، وميل بعضه على بعض . وفى (( حجرى))
لغتان : فتح الحاء وكسرها إذا كان بمعنى الثوب . والحضن من الحضانة بالكسر لا غير .
(١) البخارى، ك الفرائض، ب قول النبى عمله: ((لا نورث)) ٨ / ١٨٥، مسلم، ك الجهاد والسير،
ب قول النبى معَّ: ((لا نورث ما تركناه صدقة)) (٥١/١٧٥٨)، أبو داود، ك الخراج والإمارة والفىء
١٢٦/٢ .

٣٧٩
كتاب الوصية / باب ترك الوصية لمن ليس له شىء يوصى فيه
٢٠ _ (١٦٣٧) حدّثنا سَعيدُ بْنُ مَنْصُور وَقُتَيْيَةُ بْنُ سَعيد وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً
وَعَمْرٌوَ النَّاقِدُ - وَاللَّفْظُ لسَعيد - قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ الأحْوَلَ، عَنْ سَعيد بْن
جُبَيْ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمُ الخَمِيسِ: وَمَا يَومُ الحَمِيسِ! ثُمَ بَكَىَ حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ
الحَصَى فَقُلْتُ: يَا بْنَ عَبَّاسَ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: اشْتَدَّ بَرَسُول الله عَّهُ وَجَعُهُ،
فَقَالَ: (( اثْتُونى أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لاَ تَضِلُّوا بَعْدِى)) ، فَتَنَازَعُوا . وَمَا يَنْبَغِى عِنْدَ نَبِىِّ تَنَازِعٌ،
والحجر - الذى هو العقل - بالكسر لا غير، والحجر : المنع ، بالفتح لا غَيّرَ مصدراً ،
والكسر لا غَيّرَ اسما .
وقول ابن عباس : يوم الخميس وما يوم الخميس ؟ وذكرهُ قول النبى ﴾ حين اشتد به
وجعه: (( ائتونى أكتب لكم كتابا بألا تضلوا بعدى )) وذكر تنازعهم فى ذلك، وقول عمر -
رضى الله عنه -: (( حسبنا کتاب الله ))، وقوله عند ذلك: ( دعونی فالذی أنا فيه خیر ))،
وفى الرواية الأخرى: ((قوموا عنى))، وقول ابن عباس: ((إن الرزية كل الرزية ما حال
بين رسول الله عَّ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب)).
قال الإمام - رحمه الله -: النبى ◌َّه معصوم من أن يكذب على الله - عز وجل -
أو يفسد ما يبلغه عنه، وهو مع هذا غير معصوم من الأمراض وما يكون من بعض عوارضها
ما لا يعود لبعض فى منزلته ولا فساد فيما مهد من شريعته . وقد كان عَّ لما سحر يخيل
إليه أنه عمل الشىء وما عمله ، ولم يجر ها هنا منه - عليه السلام - من الكلام ما يعد
مناقضاً لما قدم من الأحكام والشرائع ولا الكلام فى نفسه دال على الهذيان الذى يكون على
الحميات ، وقد بقى كثير من الأحكام عظيم خطرها فى الشرع غير منصوص عليها، ولكنه
قد حض على أصولها ووكل العلماء إلى الاستنباط ، فيقول كل إنسان منهم بقدر ما يظهر
له. وقد يقع بسبب اختلافهم فيما استنبطوه فى بعض المسائل مرج وفتن، ولو وقع النص عليها
لارتفع الخلاف وذهب الهرج، ولعله عَّه كان أراد أن يتعرض لبعض هذه المسائل، وقد قال
بعض العلماء: الأظهر عندى أنه أراد ◌َّه أن ينص على الإمامة بعده؛ ليرتفع بنصه عليها
تلك الفتن العظيمة التى منها حرب صفين والجمل، وهذا الذى قاله غير بعيد .
فإن قيل: كيف حسن الاختلاف مع قوله عَّه: ((ائتونى أكتب لكم )) ؟ وكيف
يعصونه فيما أمر؟ قلنا : لا خلاف أنَّ الأوامر تقارنها قرائن تنقلها من الندب إلى الوجوب
عند من قال : إن أصلها على الندب ، ومن الوجوب إلى الندب عند مَنْ قال : إن أصلها
على الوجوب . وتنقل القرائن - أيضاً - صيغة أفعل إلى الإباحة وإلى التعجيز ، وإلى
غير ذلك من ضروب المعانى .
فلعله ظهر منه عَّه من القرائن ما دل على أنه لم يوجب ذلك عليهم بل جعله إلى

٣٨٠
كتاب الوصية / باب ترك الوصية لمن ليس له شىء يوصى فيه
وَقَالُوا: ما شأنُهُ؟ أَهَجَرَ ؟ اسْتَفْهِمُوهُ. قَالَ: ((دَعُونِى، فَالَّذِى أَنَا فيهِ خَيْرٌ ، أوصيكُمْ
بَثَلاث: أَخْرِجُوا الْمِشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةَ العَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوَقْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجيزُهُمْ ))
قَالَ: وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ، أَوْ قَالَهَا فَأْسِتُهَا .
قَالَ أَبُو إِسْحَقَ إِْراهِيمُ: حَدَّثْنَا الَحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الَحَدِيثِ .
٢١ - ( ... ) حدّثنا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلَ عَنْ
طَلِحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيد بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنٍ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ قَال: ◌َيَّوْمَّ الَخَمِيَسِ ! وَمَا
يَوْمُ الخَمِيسِ! ثمَّ جَعَلَ تَسيلُ دُمُوعُهُ، حَتَّى رَأَيْتُ عَلَى خَدََّهِ كَأَنَّهَاَ نظَامُ اللُّؤْلُؤْ. قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ: ((اتُونِى بالكَتِهِ والدَّوَاةِ - أَوِ اللَّوْحِ والدَّوَاةِ - أَكْتُب لَكُمْ كِتَابَاً لَنْ
١٣/ب
تخييرهم ، فاختلف اختيارهم بحسب اجتهادهم ، وهو يدل على رجوعهم إلى الاجتهاد فى
الشرعيات ، فأرى عمر - رضى الله / عنه - اجتهاده إلى الامتناع من هذا ، ولعله استلوح
أن ذلك منه عَُّ صدر من غير قصد إليه جازم، وهو المعنى بقولهم: (( هجر رسول الله
عَ)) وبقول عمر - رضى الله عنه -: ((غلب عليه الوجع)) وما ضامه من القرائن الدالة
على أنه عن غير قصد جازم على حسن ما كانوا يعهدونه من تعوده عليه فى بلاغ الشريعة،
وأنه لا يجرى مجرى غيره من طرق البلاغ التى اعتادوها منه . ظهر ذلك لعمر -
رضى الله عنه - ولم يظهر للآخرين ما ظهر لعمر فخالفوه، فلعل عمر - رضى الله عنه -
هجش فى نفسه أن المنافقين قد يستطرقون إلى القدح فيما اشتهر من قواعد الإسلام ، وبلغه
عَّ لسائر المسلمين بكتاب يكتب فى خلوة وأحاد ، ويضيفون إليه ما يشبهون به على الذين
فى قلوبهم مرض، ولهذا قال عمر: ((عندكم القرآن، حسبنا كتاب الله » . قال أهل
اللغة : هجر العليل بمعنى هذى .
قال الإمام - رحمه الله -: فقد قدمنا نحن بيان القول فيما وقع منه عَّه، وبينا ما
يجوز عليه وما لا يجوز .
قال الإمام القاضى - رحمه الله -: رواية مسلم فى هذا: ((العجز)): وكذا وقع فى
كثير من الطرق، وهو أصح من رواية مَنْ روى: ((هجر)) و((يهجر)) إذ هذا كله لا
يصح منه - عليه السلام - ولا يصح أن يعتقد عليه وإنما جاء هذا لمنْ قائله على طريق الإنكار
لمن قال: لا تكتبوا ، أى لا تتركوا أمر رسول الله عَّه وتجعلوه كأمر من هجر فى كلامه ،
أو هو لا يهجر، كما قال تعالى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ (١) أى أنت لا تهلكنا
(١) الأعراف : ١٥٥ .