النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
كتاب المساقاة / باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها
رَسُولَ اللهِ عَِّ يَقُولُ: ((مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا طُوَّقُهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ)) . فَقَالَ
لَهُ مَرْوَانُ : لا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا. فَقَالَ: اللّهُمَّ، إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَعَمِّ بَصَرَهَا وَاقْتُلُهَا فِى
أَرْضِهَا .
قَالَ : فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، ثُمَّ بَيْنَا هِىَ تَمْشِى فِى أَرْضِهَا إِذْ وَفَعَتْ فِى
حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ .
١٤٠ _ ( ... ) حدّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِى زَائِدَةَ ،
عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ◌َلْ يَقُولُ: ((مَنْ أَخَذَ شِبْرًاً
مِنَ الْأَرْضِ ظُلِمَا، فَإِنَّهُ يُطَوَّقُ يَوْمَ الْقِيَامَّةِ مِنْ سَيْعِ أَرَضِينَ)) .
١٤١ _ (١٦١١) وحدّثَنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَُّ: ((لاَ يَأْخِذُ أَحَدٌ شَبْرًا مِنَ الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقَّهِ،
إِلا طَوَّقَهُ الله إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » .
١٤٢ - (١٦١٢) حدّثَنَا أَحْمَد بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ - يَعْنِى
ابْنَ عَبّد الْوَارث - حَدَّثَنَا حَرْبٌ - وَهُوَ ابْنُ شَدَّاد - حَدَّثَنَا يَخْتَى - وَهُوَ ابْنُ أَبِى كَثِيرٍ -
عَنْ مُحَّمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ، وَكَانَ بَيْنَةُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ خُصُومَةٌ فِى أَرْضِ ،
وَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائشَةَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا. فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، اجْتَنَبِ الأَرْضَ، فَإِنَّ رَسُولَ
اللهِ عَُّ قَالَ: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوَّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ )) .
( .. ) وحدّثَنِى إِسْحَقُ بْنُ مَنّصُور، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ بْنُ هلال، أَخْبَرَنَا أَبَانٌ، حَدَّثْنَا يَحْيَى؛
أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَثَهُ؛ أَنَّأَبَا سَلِّمَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَّى عَائِشَةَ. فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
قال الإمام فىفكر مسلم فى آخر باب الشفعة حديثا رواه يحيى بن أبى كثير عن محمد
ابن إبراهيم ؛ أن أبا سلمة حدثه : أن عائشة قالت : اجتنب الأرض - الحديث ، ثم
أردف عليه : نا إسحق ، نا حبان ، نا أبان ، نا يحيى بن محمد بن إبراهيم ، حدثه -
فذكر الحديث . وفى نسخة ابن ماهان ؛ نا أبان ، نا يحيى بن آدم ؛ أن محمد بن إبراهيم
حدثه . قال بعضهم : وهذا خطأ ، وإنما هو يحيى بن أبى كثير المذكور فى الحديث الأول
لا يحيى بن آدم .

٣٢٢
كتاب المساقاة / باب قدر الطريق إذا اختلفوا فيه
(٣١) باب قدر الطريق إذا اختلفوا فيه
١٤٣ - (١٦١٣) حدّثْنى أَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزيز
ابْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ
النَّبِىَّ ◌َْ قَالَ : ((إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِى الطَّرِيقِ، جُعِلَ عَرْضُهُ سَبْعَ أَذْرُعٍ)) .
وقوله : ((إذا اختلفتم فى الطريق جعل عرضه سبعة أذرع)) ، قال القاضى : قال
الخطابى : هذا حديث معمول به عند العلماء وذلك بشرطين : أن يبقى لكل من الشركاء
بعد ذلك ما ينتفع به دون مضرة . وأما أن يبقى لأحدهم ما لا ينتفع به فغير داخل فى
ذلك . قال غيره : وهذا فى أصحاب الأفنية إذا أرادوا البنيان أن يجعلوها سبعة أذرع ؛ قدر
ممر الأحمال وتلاقيها .
قال القاضى : وهذا كله عند التشاجر والاختلاف لما نص عليه فى الحديث ، وأما إذا
اتفق أهل الأرض عند قسمها على طريق لم يعرض لهم لأنها ملكهم ، وقيل : الحديث جاء
فى أمهات الطرق ، وأما بنيات الطرق فاتفقوا عليه جاز وإن قل ، فإن أراد هذا القائل
بأمهات الطرق إلى قريتهم التى يقسمونها فهو ما قلناه : إنه مما يتراضون عليه ، إلا أن
يقال: إن هذا التراضى فى أمهات الطرق مما يضر بجميعهم فيحد لهم ما فيه مصلحتهم .
وإن أراد بأمهات الطرق العامة للمسلمين فى أرض لهم ، أرادوا بناءها فألزم أن يخرجوا
للمسلمين ما ذكر فى الحديث قبل . وهذا فى القرى والمدن ، وأما الفيافى وخارج المدن
فيجب أن تكون الطرق فيها أوسع لمجرى الجيوش ومسارح الأنعام . وقد جاء فى ذلك آثار
نحو هذا - والله أعلم .
قال الإمام : لم يأخذ مالك وأصحابه بهذا الحديث ، ورأوا أن الطرق تختلف بحسب
الحاجة إلى سعتها بقدر اختلاف أحوالها ، وأن ذلك معلوم بالغالب ، وليس طريق الممر
كطريق الأحمال والدواب ، وليس المواضع العامرة التى يتزاحم عليها الوارد كغيرها ، ولعل
الحديث عنده ورد فيما كانت الكفاية فيه بهذا القدر ، وتنبيهاً على الوسط والغالب . قال :
وذكر مسلم فى سند هذا الحديث : عن خالد الحذاء ، عن يوسف بن عبد الله ، عن أبيه ،
[ وعند ابن ماهان: سفيان بن عبد الله (١)]، وهو تصحيف، إنما هو يوسف بن عبد الله
وهو يوسف بن عبد الله بن الحارث بن أخت ابن سيرين .
(١) سقط من الأصل ، واستدرك فى الهامش بسهم .
٠

٣٢٣
كتاب المساقاة / باب قدر الطريق إذا اختلفوا فيه
قال القاضى : قال البخارى : يوسف بن عبد الله بن الحارث ابن أخت ابن سيرين ،
سمع أباه ، روى عنه خالد الحذاء ، وعاصم الأحول وغيرهما . قال غيره : وهو يوسف
ابن أخت ابن سيرين ، نسب إلى ابن سيرين وأمه كريمة بنت سيرين (١) .
:
(١) اللوحة ((٢٤٠)) أكثرها مطموس أو بياض فى الأصل، وقد تم نقل كثير من أجزائها من المعلم ، وكتاب
الأبى (( إكمال الإكمال)).

٣٢٤
كتاب الفرائض
بسم الله الرحمن الرحيم
٢٣ - كتاب الفرائض
١ - (١٦١٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -
وَاَللَّفْظُ لَحْمَى - قَالَ يَحْتَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُبْنَةَ - عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ
عَلِىِّ بْنٍ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيّدٍ؛ أَنَّ النَّبِّ ◌َُّ قَالَ: ((لاَ يَرِثُ
الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ، وَلاَ يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ )).
بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
کتاب الفرائض
قوله: ((لا يرث المسلم الكافر ، ولا [يرث] (١) الكافر المسلم)»: مفهومه الذى اتفق
عليه المسلمون : أن المراد به أنهما لا يتوارثان ميراث أهل الإسلام بعضهم من بعض (٢)
وعلى حكمهم ، بخلاف لو كان الكافر عبد المسلم فمات فماله للمسلم ليس بحجة التوارث،
بل لأنه ماله ؛ لأن مال عبده مالُه ، إن شاء تركه بيده وإن قبضه وانتزعه عنه، فإذا مات
العبد بقى لسيد المال العبد ، ولو أعتق ثم مات على كفره لم يرثه ، وكان ميراثه لجماعة
المسلمين . ولا خلاف فى هذه الجملة إلا ما أجازه بعض السلف من ميراث المسلم الكافر ،
وهو قول النخعى وإسحاق (٣) بخلاف الكافر من المسلم ، وكأن هذا الحديث لم يبلغهم.
قال الإمام - رحمه الله -: أما ميراث الكافر من المسلم ، فالإجماع قد انعقد عليه ،
وأما ميراث المسلم من الكافر فمسألة اختلاف ، ولها أورد مالك الحديث فى الموطأ مختصرًاً
تنبيهًا على موضع الخلاف، فقال: (( لا يرث المسلم الكافر))(٤) . ولم يزد على هذا اتفاق
الجمهور من العلماء: ((لا يرث المسلم الكافر))؛ أخذًا بهذا الحديث ، وبه قال عمر وعلى
وزيد وابن مسعود وابن عباس وجمهور التابعين - رضى الله عنهم - بالحجاز والعراق . من
الفقهاء : مالك والشافعى وأبو حنيفة وداود وابن حنبل وعامة العلماء (٥) .
وقال بتوريث المسلم من الكافر: معاذ ومعاوية وابن المسيب ومسروق (٦) وغيرهم (٧)،
(٢) انظر: الاستذكار ١٥/ ٤٩٤.
(١) ساقطة من الأصل .
(٣) انظر: الحاوى ٧٨/٨.
(٤) الموطأ، ك الفرائض، ب ميراث أهل الملل ٥١٩/٢ (١٠).
(٥) الاستذكار ٤٩٢/١٥، الحاوى ٨/ ٨١.
(٦) الاستذكار ١٥ / ٤٩١ .
(٧) كمحمد بن على بن الحنفية، ومحمد بن على بن حسين ، ويحيى بن عمرو ، ورواية عن إسحق بن
راهويه . انظر : السابق.

٣٢٥
كتاب الفرائض
وروى عن أبى الدرداء والشعبى والزهرى والنخعى نحوه على اختلاف عنهم فى ذلك، والصحيح
عن هؤلاء خلافه ، وحجة هؤلاء أن أخوين اختصما إلى يحيى بن يعمر مسلمًا ويهوديًا فى
ميراث أخ يهودى ، فورّث المسلم، وذكر أن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله عَّه
يقول: ((الإسلام يزيد ولا ينقص))(١)، واحتجوا أيضًا بقوله - عليه السلام -: ((يعلو
ولا يعلى عليه))(٢)، وهذا لا حجة فيه؛ لأن المراد به فضل الإسلام على غيره ، ولم يصرح
فى هذا بإثبات التوريث، ولا يصح أن يرد النص فى قوله: (( لا يرث المسلم الكافر» بمثل
هذه الاحتمالات .
وأما أهل الكفر فهم عند مالك - رحمه الله - أصحاب ملل مختلفة ، فلا يرث
اليهودى النصرانى ولا النصرانى اليهودى ، وكذلك المجوسى لا يرث هذين ولا يرثانه ،
وذهب الشافعى وأبو حنيفة وداود إلى أن الكفر ملة واحدة (٣)، وأن الكفار كلهم يتوارثون،
والكافر يرث الكافر على أى كفر كان، وقد قال تعَّه: (( لا يتوارث أهل ملتين)) (٤).
فلما اعتقد مالك أن أنواع الكفر ملل مختلفة منع التوارث بين اليهودى والنصرانى، وقد
قال تعالى: ﴿لِكُلٍ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ (٥) .
ولما اعتقد الشافعى ومن ذكرنا معه أن أنواع الكفر ملة واحدة ، ورث اليهودى من
النصرانى ، والنصرانى من اليهودى، وقد قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنَكَ الْيَهُودُ وَلا
النَّصَارَى حَتَّى تَتَبِعَ مِلْتَهُمْ ﴾ (٦)، فوحد الملة، وقال تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينٍ﴾ (٧) ،
فوحد الدين ولم يقل: أديانكم، وقالوا: قوله تعَّه: ((لا يتوارث أهل ملتين )) كقوله
على: / (( لا يرث المسلم الكافر ، ولا الكافر من المسلم))، وقد قال بعض من رأى أن
الكفر ملل مختلفة : إن السامرية مع اليهود أهل ملة واحدة والصالحين مع النصارى أهل ملة
ثانية ، والمجوس ومن لا كتاب له أهل ملة ، وتكون هذه عندهم ثلاث ملل سوى ملة
الإسلام . يحكى هذا المذهب عن شريح وشريك وابن أبى ليلى (٨).
١/٢
(١) أبو داود، ك الفرائض، ب هل يرث المسلم الكافر ١١٣/٢.
(٢) البخارى ، ك الجنائز، ب إذا أسلم الصبى فمات هل يصلى عليه ٢١٨/٣.
(٣) قول مالك والشافعى. انظر: الحاوى ٧٩/٨، الاستذكار ١٥ / ٤٩٤.
(٤) أبو داود، ك الفرائض، ب هل يرث المسلم الكافر بلفظ: ((لا يتوارث أهل ملتين شتى)) ١١٣/٢،
الترمذى ، ك الفرائض ، ب لا يتوارث أهل ملتين ٤٢٤/٤، ابن ماجه ، ك الفرائض ، ب ميراث أهل
الإسلام من الشرك ٢/ ٩١٢ ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، إلا الترمذى عن جابر ، وقال:
. لا نعرفه من حديث جابر إلا من حديث ابن أبى ليلى .
(٥) المائدة : ٤٨ .
(٦) البقرة : ١٢٠ .
(٧) الكافرون : ٦.
(٨) انظر: الاستذكار ٤٩٥/١٥.

٣٢٦ -
-
كتاب الفرائض
قال القاضى - رحمه الله -: وقوله: (( لا يرث المسلم الكافر)) عموم ، فيدخل فيه
الكافر الأصلى والمرتد ، وهو قول مالك وربيعة وابن أبى ليلى والشافعى ؛ أن ميراث المرتد
لجماعة المسلمين ، وذهب الكوفيون والأوزاعى وإسحق إلى أن ورثته من المسلمين يرثونه،
وروى عن على وابن مسعود وجماعة من السلف إلّ الثورى وأبا حنيفة قال : ما اكتسب من
ردته فهو فىء للمسلمين ، والآخرون يرون الجميع لورثته من المسلمين .

٣٢٧
كتاب الفرائض / باب ألحقوا الفرائض بأهلها ... إلخ
(١) باب ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فلأولى رجل ذكر
٢ - (١٦١٥) حدّثْنَا عَبّدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّد - وَهُوَ النَّرْسِىُّ - حَدَّثَنَا وَهَيْبٌ عَنِ ابْنِ
طَاوُسِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ: ((أَلْحقُوا الْفَرَائضَ بِأَهْلِهَا،
فَمَا بَقِىَ فَهُوَ لَأَوْلَى رَجَّلٍ ذَكَرٍ)).
٣ - ( ... ) حدّثَنَا أُمَيَُّ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِىُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ
الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ عَّهِ، قَالَ:
وقوله: ((ألحقوا الفرائض بأهلها ، فما بقى فهو لأولى رجل ذكر)) : كذا رواية كافة
شيوخنا فى هذا الحديث: (( فالأولى )) بسكون الواو وفتح اللام الآخرة ، ووقع عند ابن
الحذاء عن ابن ماهان: ((فلأدنى رجل ذكر)) وهو تفسير ((أولى))، أى أقرب وأقعد
بالميت.
قال الإمام - رحمه الله -: العصبة بينه وبين الميت نسب يَحُوز المال إذا انفرد، ويرث
ما فضل معا إن لم ينفرد كالأخ والعم ، فإنّ كل واحد منهما يحوز المال إذا انفرد وإن كان
مع ذوى سهام أخذ ما فضل ، والأب والجد كذلك إلاّ أنهما يفرض لهما مع ذوى السهام
لمعنى فيهما غير التعصيب.
والتعصيب يكون بالبنوة والأبوة والجدودة ، فتعصيب البنوة أولاً جاء ثم تعصيب
الأبوة ثم تعصيب الجدودة ، فالابن أولى من الأب ، لكن الأب يفرض له السدس بمعنى
غير التعصيب، وهو أيضا أولى من الأخوة وبنيهم ؛ لأنهم إنما ينتسبون بالمشاركة فى الأبوة،
وقد قدمنا أن تعصيب البنوة أولى فكذلك أيضا يقدمون على العمومة ؛ لأن تعصيب
العمومة بالمشاركة فى الجدودة والبنوة أولى . والبنوة أولى من الأخوة ومن الجد ؛ لأنهم به
ينتسبون فيسقطون مع وجوده ، والجد أولى من بنى الأخوة ؛ لأنه كالأب معهم ، ومن
العمومة ؛ لأنهم به ينتسبون . والأخوة وبنوهم أولى من العمومة وبنيهم ؛ لأن تعصيب
الأخوة بالأبوة والعمومة بالجدودة ، وقد قدمنا أن الأبوة أولاً .
هذا ترتيبهم فى الطبقات وإن اختلفوا ، وهم فى طبقة واحدة من الطبقات التى ذكرنا،
وهم مختلفون فى القرب ؛ فالأقرب أولى كالأخوة مع بنيهم ؛ لأنهم كلهم ينتسبون
بالمشاركة فى الأبوة ، ولكن مشاركة الأخوة أقرب من مشاركة بنيهم ، وكذلك العمومة مع
بنيهم ، وإن تساووا فى الطبقة والقرب ولأخوهم زياده ترجيح قدم الأخ ؛ كالأخ الشقيق مع

٣٢٨
كتاب الفرائض / باب ألحقوا الفرائض بأهلها ... إلخ
((أَلْحَقُوا الْفَرَائضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ فَلَأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ )) .
٤ - ( .. ) حدّثنا إسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد - وَاللَّفْظُ
لاِبْنِ رَافِعٍ - قَالَ إِسْحَقُّ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ،
عَنْ ابْنِ طََّوُسٍ ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: (( اقْسِمُوا الْمَالَ بَيْنَ
أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللهِ، فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ فَلْأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ)).
الأخ للأب ذاتهما ، وإن استوت طبقاتهما ومشاركتهما فى الأب الذى يقع به التعصيب
فالشقيق زيادة قربهم بمشاركته فى الأم والرحم ؛ فكان أولى ، وهكذا يجرى الأمر فى بنيهم
وفى العمومة وبنيهم .
وهذا إذا كان الترجيح بمعنى مناسب بجهة التعصيب مثل ما قلنا فى الأخ الشقيق مع
الأخ الأب ، فإن الإجماع على أن الشقيق أولى بالميراث من الأخ لأب ؛ لأنهما اشتركا فى
الأخوة من الأب والأم بالشقيق أخوه من الأم فهى أخوّة كلها فكأنها أخوة أقوى من أخوة ؛
فلهذا قدم الشقيق باتفاق . وإن كان زيادة الترجيح بمعنى غير ما هما فيه كما بين عم
أحدهما أخ لأم فإنها مسألة اختلاف ، فقال : يكون بالترجيح هنا قياسا على ما تقدم فى
الأخ الشقيق مع الأخ الأب ، وحكموا بالمال كله لابن العم الذى هو أخ لأم ، السدس
بالفرض والباقى (١) بالتعصيب . وروى ذلك عن عمر وابن مسعود ، وبه قال شريح
والحسن وابن سيرين والنخعى وأبو ثور وداود والطبرى ، ولم يثبت آخرون بذلك ترجيحا
فى التعصيب ، وحكموا بأن للأخ للأم السدس والباقى يقسم نصفين بينه وبين العم الآخر،
روى ذلك عن على وزيد وابن عباس ، وذكر عن عمر ما يدل عليه ، وبه قال مالك وأبو
حنيفة والشافعى وجمهور الفقهاء ، والفرق على أهل هؤلاء بين الأخ الشقيق والأخ للأب
وبين هذه المسألة ما قدمناه من التنبيه على طريق الترجيح (٢) .
وقوله تعَّ: ((فلأولى رجل ذكر)): المراد بأولى هاهنا : أقرب ، ولا يراد به:
أحق، مثل ما يراد بقولهم: زيد أولى بماله ؛ لأنه لو حمل على هذا الخلاء من المكايدة
المرادة به ؛ لأنه لا يعلم من هذا أن يكون أحق وهو المراد ببابه ، وهما أولى الناس بالسؤال
عن مثل قوله هاهنا: ((فالأولى رجل ذكر))، وقوله فى حديث الزكاة: ((لابن لبون ذكر))(٣)
والتأكيد إنما يحسن إذا كان مقدما .
ومعلوم أن الرجل لا يكون إلاّ ذكراً، كما أن المرأة لا تكون إلاّ أنثى ، فلِمَ حَسُن
(١) قيد قبلها بالفرض.
(٣) ابن ماجه، ك الزكاة، ب صدقة الإبل ١ / ٥٧٤ .
(٢) انظر: الاستذكار ١٥/ ٤٨٢ .

كتاب الفرائض / باب ألحقوا الفرائض بأهلها ... إلخ
٣٢٩
( ... ) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْب الْهَمْدَانِىُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ
يَخَْى بْنِ أُّوبَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ وُهَيْبٍ وَرَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ.
هاهنا وصف الرجل بأنه ذكر ، مع العلم بأنه لا يكون إلا كذلك ؟ وقد أجاب بعض الناس
عن حديث الزكاة بأن الابن قد يوضع موضع الولد ، ألا تراهم يقولون : بنو تميم ،
يريدون الأنثى منهم والذكر، وإذا أمكن أن يوضع (( ابن )) موضع ((ولد)) وكان الولد ينطلق
على الذكر والأنثى ، حَسُن التأكيد هاهنا ؛ لئلا يظن أنه أطلق الابن على الذكر والأنثى .
ورأيت بعض الناس زعم: إنما قال: ((ابن لبون ذكر)) لوجود خنثى فى الأولاد اللبون
وفى غيرها من الإنسان ، فقيل بالذكورية لتسير إلى منع أحد الخنثى .
وهذان الجوابان لا يتلقاهما الفهم بالقبول ، والذى يلوح لى فى ذلك جواب ينتظم
الحديثين جميعًا وهو : أن قاعدة الشرع قد استقرت على أن الانتقال من سن إلى أعلى منه
إنما يكون عند الانتقال من عدد إلى أكثر منه ، فالعدد الكثير أحمل للمواساة ، فإذا زاد
العدد زاد قدر المخرج، ولهذا كانت فى الخمسة والعشرين بنت مخاض، وفى الست والثلاثين
بنت لبون التى هى السن من البنت مخاض ، وفى الستة والأربعين بما هو أسن وهى الحقة،
فلما استقر الأمر على هذا وجعل عمّة فى الخمسة وعشرين وهو عدد واحد سنا، وأعلى منه
وهى بنت مخاض، وأعلى منها وهو ابن لبون، توقع أن يهجس فى النفوس أن ذلك خارج
عما أصل ، فنبه على أن المخرج عن العدد الواحد من أنهما كالسن الواحد ؛ لأن ابن لبون
وإن كان أعلى سنا فهو أدنى قدرًاً لأجل الذكورية ، فنبه بقوله: ((ذكر )) على أن ذلك
يبخسه حتى يصير كبنت مخاض التى هى أصغر سنًا لكنها أنثى ، وكذلك لما علم أن
الرجال أرباب القيام بالأمو. وفيهم معنى التعصيب ، وكانت العرب ترى لهم القيام بأمور
لا نراها للنساء ، ذكر ◌ّه الذكورية ليجعلها كالعلة التى لأجلها خص بذلك ، لكنه ذكرها
هاهنا تنبيها على الفضل ، وفى الزكاة تنبيها على النقص .

٣٣٠
كتاب الفرائض / باب ميراث الكلالة
(٢) باب ميراث الكلالة
٥ - (١٦١٦) حدّثْنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّد بْنِ بُكَيْرِ النَّاقدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: مَرِضَْتُ فَأَتَانِى رَسُولُ اللهِ عٍَّ وَأَبُو
بَكْرِ، يَعُودَانِى، مَاشِيَانٍ، فَأَغْمِىَ عَلَىَّ، فَتَوَّضَّأَ ثُمَّ صَبَّ عَلَىَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فَأَفَقْتُ. قُلتُ:
يَا رَّسُولَ اللهِ، كَيّفَ أَقْضِى فِى مَالِى؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَىَّ شَيْئاً، حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاث :
﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيَكُمَّ فِي الْكَلاَةِ﴾(١).
٦ - ( ... ) حدّثَنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّد، حَدَّثَنَا
ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ: أَخْبَرِنِى ابْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : عَادَنِى النَّبِىُّ
قال القاضى - رحمه الله -: قول جابر: ((مرضت فأتانى رسول الله عَّه وأبو بكر -
رضى الله عنه - يعودانى)): ما استن فيه سنة العيادة واحتساب الخطا بالمشى وإن بعد
المنزل لفضل الثواب والأخذ بما ورد أن عائد المريض فى مخارف الجنة .
وقوله : ((فوجدنى قد أغمى علىّ ، فتوضأ - عليه السلام - ثم صبّ علىّ من
وضوئه فأفقت)) : فيه بركته - عليه السلام - وكرامته فيما لمسه أو باشره أو دعى فيه ،
وفيه عيادة المغمى عليه وقد فقد عقله إذا كان معه مَنْ يراعى أمره ؛ لئلا يوافق منكشفا أو
بحالة يكره كشفها. وقد قيل : أما الرجل الصالح المحتسب لأجره ومَنْ ترجى بركة دعوته
فله ذلك ، وإلا فيكره لغيره إلاّ أن يكون للمريض مَنْ يرعى حاله كما تقدم .
وقوله: (( فقلت : يا رسول الله ، كيف أصنع فى مالى ؟ فلم يرد علىّ شيئًا حتى
نزلت آية الميراث: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيَكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾))، وفى الأخرى: (( إنما يرثنى
كلالة))، وفى الحديث الآخر: ((فنزلت آية الفرائض))، وفى الحديث الآخر: ((فنزلت:
﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾(٢)))، وفى الأخرى: (( آية المواريث)): فيه جواز الوصية
للمريض وإن بلغ هذا الحد وفارقه فى بعض الأحيان عقله ، إذا كان فى وقت وصيته يعقل؛
لأن الله تعالى أنزل فى هذه الآية: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَىْ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٣)، وفيه انتظاره -
عليه السلام - الوحى فيما ينزل به من النوازل ، وفيه دلالة على أنه لا يعدل إلى الاجتهاد
(١) النساء : ١٧٦ .
(٢) النساء: ١١ .
(٣) النساء : ١٢ .

٣٣١
كتاب الفرائض / باب ميراث الكلالة
وَأَبُو بَكْرِ فِى بَنِى سَلِمَةً يَمْشِيَانِ، فَوَجَدَنِى لاَ أَعْقِلُ ، فَدَعَا بِمَاء فَتَوَضَّأَ، ثُمَّرَشَّ عَلَىَّ مِنْهُ،
فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ فِى مَالِى يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ
لِلذَكَرِ مِثْلُ حَظِ الأُنثَيْنِ﴾(١) .
٧ - ( .. ) حدّثنا عُبَيْدُ الله بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِى ابْنَ
مَهْدِىٌّ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمَعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمَّتْكَدرِ، قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْد الله
يَقُولُ: عَدَنَى رَسُولُ اللهِ عَّهُ وَأَنَا مَرِيضٌ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، مَاشِبْنَ ، فَوَجَدِّنِى قَدْ أَغَمِىَّ
عَلَىَّ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَىَّ مِنْ وَضُوئِهِ فَأَفَقْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ عَهَ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيِّفَ أَصْنَعُ فِى مَالِىَ؟ فَلَمْ يَّرَّدَّ عَلَىَّ شَيْئًا، حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ
الميراثِ.
٨ - ( ... ) حدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ
الْمُنْكَدر قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللهِ عَّهُ وَأَنَا مَريضٌ لاَ
أَعْقِلُ ، فَتَوَضَاً، فَصَبُوا عَلَّىَّ مِنْ وَضُوتِهِ، فَعَقَلْتُ. فَقُلْتُ: يَا رَسَّوَلَ الهِ، إِنَّمَا يَرِثْنِى
كَلَاَلَةٌ ، فَتَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ .
فَقُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾؟ قَالَ: هَكَذَا
أُنزلَتْ.
( ... ) حدّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلِ وَأَبُو عَامِرِ الْعَقَدِىُّ.
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، كَلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَاَ الإِسْنَادِ،
فِى حَدِيثٍ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، فَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ. وفىْ حَديث النَّضْرِ وَالعَقْدِىِّ: فَتَزَلَتْ
آيَةُ الفَرْضِ وَلَيْسَ فِى رِوَايَةٍ أَحَدٍ مِنْهُمْ : قَوْلُ شُعْبَةَ لابْنِ الْمُنْكَدرِ .
٩ - (١٦١٧) حدّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرِ الْمُقَدَّمِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى - وَاَللَّفْظُ
والنظر إلا عند عدم النصوص إن قلنا بتجويز الاجتهاد من النبى معَّ (٢)، وهى مسألة
اختلف فيها .
(١) النساء : ١١
(٢) راجع: الاجتهاد لعبد القادر أبو العلا ص ٢٠٥، والمحصول ٢ / ٣ ص ٧ .

٣٣٢ -
كتاب الفرائض / باب ميراث الكلالة.
لابْنِ الْمُثَنَّى - قَالاَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى
الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَّطَّابِ خَطَبَ يَوْمَ جُمُعَةٍ . فَذْكَرَ نَبِىَّ
الله عَُّ، وَذَكَرَ أَبَا بَكْر. ثُمَّ قَالَ: إِنِّى لاَ أَدَعُ بَعْدِى شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِى مِنَ الْكَلاَلَةِ ، مَا
رَأَجَعْتُ رَسُولَ اللهِ عَُّ فِى شَىءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِى الْكَلَاَلَةِ ، وَمَا أَغْلَظَ لى فى شَىءٍ مَا أَغْلَظَ
لِ فِهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِى صَدْرِى. وَقَالَ: ((يَاَعُمَرُ، أَلاَ تَكْفِيكَ آيَةُ الصُِّفِ الّى
وقوله فى حديث عمر : إنى لا أدع بعدى شيئًا أهم عندى من الكلالة ما راجعت
رسول الله عَّ فى شىء ما راجعته فى الكلالة ، وما أغلظ لى فى شىء ما أغلظ لى فيه
حتى طعن بإصبعه فى صدرى، وقال: (( يا عمر ، ألا يكفيك آية الصيف التى فى آخر
النساء ؟ )) وإنى إن أعش أقضى فيها بقضية يقضى بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن.
وعند البراء : آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ (١). ومعنى آية
الصيف : أي التى نزلت فى زمن الصيف .
قال الإمام - رحمه الله تعالى -: اختلف الناس فى اشتقاق/ الكلالة ، فقيل :
أخذت من الإحاطة ، ومنه : الإكليل ؛ لإحاطته بالرأس . فكان هذا الميت به من جنابة ،
وقيل : أخذت من البعد والانقطاع من قولهم : الرحم إذا تباعدت فطال انتسابها ، ومنه :
كلَّ فى مشيه : إذا انقطع لبعد مسافته .
٢/ ب
واختلف العلماء بعد هذا الاشتقاق فى هذا المعنى إذا وضع ، هل لنفس الوراثة إذا لم
يكف فيها ولد ولا والد، فيكون نصب ((كلالة )) على موضع المصدر ، كأنه قال : يورث
وراثة يقال لها : كلالة ، كما يقال : يقتل غيلة ، ذهب إلى هذا طائفة (٢) . وقالت طائفة
أخرى (٣) : بل هى تسمية للميت الذى لا ولد له ولا والد ، واستوى فيه الذكر والأنثى ،
كما يقال : صرورة فيمن لم يحج (٤)، ذكرًا كان أو أنثى، وعقيم للرجل والمرأة ،
فينتصب (( كلالة)) على أصل هؤلاء على الحال ، أى يورث فى حال كونه كذا .
وقد روى عن أبى بكر وعمر وعلى وزيد وابن عباس وابن مسعود : الكلالة من لا ولد
له ولا والد (٥). وقالت طائفة أخرى: بل هى تسمية للورثة الذين لا ورثة فيهم ولا والد ،
(١) النساء : ١٧٦.
(٢) الاستذكار ١٥ / ٤٦٠. وقال ابن عبد البر: وعليه جماعة التابعين بالحجاز والعراق وجماعة الفقهاء.
(٣) قال ابن عبد البر: وروى أبو إسحق السبيعى عن سلمان بن عبد السلولى قال : أجمع الناس أن الكلالة
من لا ولد له ولا والد . انظر : السابق .
(٤) ورد فى اللسان : صرورة بمعنى : الرجل لم يحج ، وهكذا أطلق فى الجاهلية .
(٥) انظر: ابن كثير ٢/ ٢٠١، القرطبى ٧٧/٥ .

٣٣٣
كتاب الفرائض / باب ميراث الكلالة
فى آخرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟ )) وَإِّى إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ، يَقْضِى بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ
وَمَنْ لاَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ .
واحتجوا بقول جابر: (( يا رسول الله، إنما يرثنى كلالة)) (١) وكان أبوه قتل يوم أحد .
واحتجوا بقراءة من قرأ من الشواذ: ((يورث)) بكسر الراء ، وشددها بعضهم . وقالت
طائفة أخرى : الكلالة تسمية للمال الموروث كلالة (٢) وينتصب ((كلالة)) على أصل هؤلاء
على التمييز .
وذهبت الشيعة أن الكلالة من لا ولد له ذكراً أو أنثى وإن كان له أب أو جد فورثوا
الأخوة والأخوات مع الأب ، وروى ذلك عن ابن عباس ، وهى رواية شاذة لا تصح عنه
والصحيح عنه ما عليه جماعة العلماء . وذكر بعض الناس الإجماع على أن الكلالة من لا
والد له ولا ولد .
واختلف فى الورثة إذا كان فيهم جد ، هل الوراثة كلالة أم لا ؟ فمَنْ جعل الجد أبًا
منع كون الوراثة كلالة ، ومَنْ لم يجعله أبا وورث الأخوة معه جعل الوراثة كلالة. وكذلك
قال جمهور العلماء إذا كان فى الوراثة بنت ، فالوراثة كلالة لدخول العصبة معها من
الأخوات والأخوة وغيرهم من العصبة ، وقد قال ابن عباس : لا ترث الأخت شيئًا مع
الابنة لقوله عز وجل: ﴿ لَيْسَ لَّهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ ﴾ ، فشرط عدم الولد ، وبه قال داود.
ومذهب الشيعة : أن الابنة تمنع من كون الوراثة كلالة ؛ لأنهم لا يورثون الأخ
والأخت مع الابنة شيئًا لاشتراط عدم الولد فى ميراث الأخوة كما ذكر فى الآية ، ويعطون
المال كله للبنت ، ويجعلون الوراثة كلالة وإن كان فيها أب أو جد .
ومجمل الشرط المذكور فى القرآن على أنه لا يثبت فرض النصف الذى تعامل به الورثة
إلا بقدم الولد ، فإنما دخل الشرط لذلك لا لنفى التوريث أصلاً ، وقد شرط الله -
سبحانه - أنه فى ميراث الأخ من أخته عدم الولد كما شرطه فى ميراث الأخت . وأجمع
الصحابة - رضى الله عنهم - أن الأخ يرثها مع البنت ، فدل ذلك على صحة ما تأولناه .
١/٣
وإنما غر الشيعة - حتى ذهبت إلى أنّ الكلالة من لا ولد له وإن كان/ له أب وورثت
الأخوة من الأب - قوله سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤْ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ
أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَد﴾(٣)، فشرط فى ميراث الأخوة عدم الولد
خاصة ، فلو كان الأب كذلك لاشترطه ، وقد رأيت رجلا سأل ابن عباس عن الكلالة ،
فقال : من لا ولد له ولا والد . فقال السائل : فإن الله - سبحانه - إنما انتهى إلى ذكر
(١) حديث (٨) بالباب .
(٢) انظر: القرطبى ٥ / ٧٧، ابن كثير ٢ / ٢٠١ .
(٣) النساء: ١٧٦ .

٣٣٤
كتاب الفرائض / باب ميراث الكلالة.
( ... ) وحدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى
الولد. قال : فانتهرنى . وهذا يصحح ما قلناه من بطلان تلك الرواية الشاذة عنه.
وقد قال بعض الناس : إنما لم يذكر عدم الولد - وإن كان وجوده يمنع من كون
الوراثة كلالة - لأن الآية نزلت فى جابر وقد كان أبوه قُتل يوم أحد ، وإنما كان ورثته سبع
أخوات ، فاكتفى بإشهاد عدم أبيه عند سائر الصحابة عن اشتراط ذلك . وقال آخرون: فإن
الولد إشارة إلى الوالد - أيضا - لأن الولادة معنى يتضمن اثنين أبًا وولدا ، قالوا : كما
أصل الذرية من : ذرى الله الخلق إلى خلقهم ، والولد من الذرية ، والوالد كذلك ، قال
الله سبحانه: ﴿ذُرِيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ (١).
قال الإمام - رحمه الله -: وهذا تأويل بعيد، وفيه تعسف . والذى يظهر لى فى
الجواب عن هذا : أن الأب إنما لم يذكر ها هنا : لأنّا قدمنا أن القصد باشتراط عدم الولد
نفى الغرض المسمى الذى يقع فيه تعادل الأخت مع الورثة لا نفى التوريث على الجملة؛ لأنا
قدمنا أن الصحابة - رضى الله عنهم - سوى ابن عباس - ورّثوا الأخت مع البنت ،
وحكينا - أيضا - اتفاقهم على توريث الأخ مع البنت .
وإذا كان ذلك كذلك فلا يجب ذكر عدم الأب ؛ لأن الأب ينتفى معه ميراث الأخوة
إلاّ على وجه دون وجه ، وإنما القصد بالاشتراط التجوز من أحد الوجهين الذى يفارق فيه
الأب الولد ؛ فلهذا ذكر الولد دون الوالد مع أنه - أيضا - يمكن وضوح حكم الأب
عندهم؛ لأنه قد استقر عندهم فى أصول الفرائض : أن مَنْ تسبب بشخص لا يرث معه
كالجدة مع الأم ، والجد مع الأب ، وابن الابن مع الابن ، والأخوة يتسببون بالأب فلا
يشكل سقوطهم معه ، وليس كذلك سقوطهم مع الولد ؛ لأنهم لا يتسببون به ، ولو ورثوا
معه لم يكن فى ذلك مناقضة لأصول الفرائض ، كيف وهم يرثون معه إذا كان الولد أنثى
ولا يرثون مع الأب بحال ، واكتفى عن اشتراط عدم الوالد لما قلناه . وقد ذكرنا إجماع
السلف على اشتراطه ، إلا ما روى عن ابن عباس مما لا يصح عنه - والله أعلم .
وأما وجه مراجعة عمر - رضى الله عنه - للنبى عَّه وإجابته على آية الصيف ، فلأنه
قد نزلت آية الكلالة المذكورة فى أول السورة ، وذكر من الورثة الأخوة للأم خاصة ،
والإجماع على أن ذلك الفرض المذكور فيها على تلك الصفة ليس إلّ الأخوة للأم ، وبقى
الإشكال فيمن سواهم ، فزاد البارى - جلّ جلاله - بيانا بالآية الأخيرة من هذه السورة ،
فذكر - سبحانه - عقيب الكلالة الأخوة جملة ، والمراد بهم الأشقاء أو من الأب ،
(١) الإسراء : ٣ .

٣٣٥
كتاب الفرائض / باب ميراث الكلالة
عَرُوبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ رَافِعٍ ، عَنْ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ،
عَنْ شُعْبَةَ، كَلاَهُمَا عَنْ قَتَادَةَ ، بَهَذَا الإِسْنَادِ ، نَحْوَهُ .
٣/ب
فاستوفت الآيتان بيان حكم جميع الأخوة ، وجميعهم/ كلالة إذا لم يكن والد ولا ولد ،
فأحال عَّ عمر - رضى الله عنه - على الآية الأخيرة لزيادة البيان الذى تضمنته على
الأولى ، وكان ما وقع من زيادة البيان ونزول بيان بعد بيان ، يهدى عمر إلى حقيقة الأمر
والمعنى والمراد، وكأنه عَّه وثقه بفهمه ، وأنه إذا أشير إليه بهذه الزيادة من البيان فهم
معنى ما أشكل عليه.
وقد يطرأ الإشكال من جهة أخرى ولا يكون هو معنى ما سأل عنه عمر - رضى الله
عنه - مثل دخول الجد فى ذلك، وقد قدمنا تخريجه على الخلاف بهذا القدر الذى يتعلق بها
فى كتاب مسلم .
قال القاضى - رحمه الله -: قوله: وإن أعش أقض فيها بقضية ... الحديث،
ظاهره أنه من كلام عمر. وقوله: (( يقضى بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن )) يعنى -
والله أعلم - من بيانها ، وأيضا حتى يقضى بها من فهمها من كتاب الله وبان له فقهها
وغيرهم ممن لا يتفقه ، ولكنه اتضح له وجه صوابها لظهوره أو لاشتهار القضاء بها وإجماع
الناس عليه. وقد روى عن عمر فى الكلالة روايات مختلفة ، فتارة كان لا يجعل الوالد
كلالة ، وتارة كان يجعله كلالة .
ورد النبى ◌َّ عمر إلى آية الصيف، ومعلوم أن عمر - رضى الله عنه - لا يخفى
عليه معنى اللفظة من طريق اللغة - دليل على أن مقتضى اللفظة من جهة الشرع غير مفهوم
بجملته عن طريق اللغة، فوكله رسول الله عَّه إلى استنباطه . ففيه دليل على تفويض
الأحكام إلى أهل الاستنباط والمجتهدين ، كما فوّض الجواب - عليه السلام - إلى عمر -
رضى الله عنه - ووكله إلى استنباطه ، وفيه رد على من يمنع استنباط معانى القرآن والكلام
فى تأويله واستخراج حكمه وأحكامه لظاهر النهى عن القول فى القرآن بالنهى لرأى ، ولما
ورد أنه مخطئ وإن أصاب . وتأويل هذا عند العلماء فى القائل فيه بيانه على غير أصل
ومن ليس من آل العلم بالاستنباط .
ولم يختلف العلماء أنّ المراد بالأخوة - فى الآية التى فى أول النساء - أنهم من أم
فقط. وفى قراءة سعد - رضى الله عنه -: ((وله أخ أو أخت من أم))، وأن المراد بالأخوة
فى الآية الأخيرة أنهم من أب وأم، أو أب فقط أفاد عدم الشقائق.

٣٣٦ ـــــ
كتاب الفرائض / باب آخر آية أنزلت آية الكلالة.
(٣) باب آخر آية أنزلت آية الكلالة
١٠ - (١٦١٨) حدّثْنا عَلَىُّ بْنُ خَشْرَمِ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ أَبِى خَالِد ، عَنْ أَبِى
إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ ، قَالَ: آخِرُ آيَةً أُنْزِلتْ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي
الْكَلالَةِ﴾ (١).
١١ - ( .. ) حدّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وابْنُ بَشَّار، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى إسْحَقَ قَالا: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِب يَقُولُ: آخرُ آيَةٍ أُنْرِلَتْ آَيَةُ
الكَلالَةِ ، وَآخِرُ سُورَةٍ أُنزلَتْ: بَرَاءَةٌ .
١٢ - ( ... ) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى - وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ -
حَدَّثْنَا زَكَرَّيَّاءُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ؛ أَنَّ آخِرَ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ تَامَّةً سُورَةُ التَّوْبَةِ، وَأَنَّ
آخرَ آيَةٍ أُنْزِلَتْ آيَّةُ الْكَلاَلَةِ.
( .. ) حدّثنا أُبُو كُرَيْب، حَدَّثْنَا يَحْنَى - يَعْنِى ابْنَ آدَمَ - حَدَّثَنَا عَمَّارٌ - وَهُوَ ابْنُ
رَزَيِّق - عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ كَامِلَةٌ.
١٣ - ( .. ) حدّثْنَا عَمْرٌوَ النَّاقدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِىُّ، حَدَّثَنَا مَالكُ بْنُ مَغْوَل،
عَنْ أَبِى السَّفَرِ، عَنِ الْبَرَاءِ ، قَالَ: آخِرُ آيَةً أُنْزِلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ .
وذكر فى هذا الحديث ((مالك بن مِغْول)) بكسر الميم وسكون الغين على ((أبى السَّفْر))
بفتح السين وسكون الفاء ، وقيل : بفتحها وهو الأكثر عند المحدثين ، وبالوجهين ضبطه
الشيوخ ، وأكثر ما قيدناه عن شيوخنا بالسكون ، وعن بعضهم بالفتح ، وهو الذى قيده
الجيانى ، وبذلك قيده ابن ماكولا ، وعبد الغنى . قال الباجى : معظم قرائنا فيه بإسكان
الفاء . وقال الدارقطنى : بفتح الفاء ، على ما يقوله أصحاب الحديث . وقد فرّق بين
المضبطين أصحاب المؤتلف فذكروا السكون فى الأسماء والفتح فى الكنية .
قال الإمام - رحمه الله تعالى - : رأيت أن أملى تلخيصا فى الفرائض يستقل به
الفقيه إن اقتصر عليه ، ونذرت فى التصرف فيه إغناءه عن جمع مسائل الفرائض المستفتى
(١) النساء : ١٧٦.

٣٣٧
كتاب الفرائض / باب آخر آية أنزلت آية الكلالة
عنها ، وقد حفظته لجماعة ورويتهم عليه بلفظ المسائل ، فالتفوا عن مطالعة الكتب.
فاعلم أن الوارثين من الرجال : الأب وأبوه وإن علا ، والابن وابنه وإن سفل ،
والأخ من أى جهة/ كان وابنه وإن سفل ، سوى العم أخى الأب من الأب وولده ، ٤/ أ
والزوج، ومولى النعمة.
ومن النساء : الأم وأمها ، وأم الأب وإن عليا ، والبنت وبنت الابن وإن سفلت ،
والأخت من أى جهة كانت ، والزوجة ، ومولاة النعمة .
والفروض ستة : ثلثان ونصفها وربعها ، والنصف ونصفه وربعه .
فالثلثان فرض أربعة أصناف: اثنتان فصاعدًا من بنات الصلب ، أو من بنات الابن ،
أو من الأخوات الشقائق ، أو من الأخوات للأب .
والثلث فرض صنفين : الأم مع عدم الولد والأخوة وفرض الاثنين فصاعدا من ولد الأم
ما كانوا .
والسدس فرض سبعة : كل واحد من الأبوين مع الولد وولد الابن ، وأحد فروض
الجد ، وفرض الجدة أو الجدات إذا اجتمعن ، وفرض الأم ، والواحد من أولاد الأم ما كان،
وفرض بنات الابن مع بنت الصلب ، وفرض الأخوات للأب مع الأخت الشقيقة .
والنصف فرض الزوج ، وفرض واحد من أصحاب الثلثين .
والربع فرض الزوج مع وجود الحاجب ، وفرض الزوجة أو الزوجات مع عدمه .
والثمن فرض الزوجة أو الزوجات مع وجوده .
والحجب على ضربين : نقص وإسقاط .
فأما النقص : فالولد وولد الابن يردان الأبوين والجد إلى السدس ، إلا أن الأب والجد
يرثان ما بقى بالتعصيب ، ويردان الزوج إلى الربع والزوجات إلى الثمن . واثنان من
الأخوة فصاعدًا يردان الأم إلى السدس ، وتعطى ثلث ما بقى فى مسألتين : أبوان مع زوج
أو زوجة . وابنة الصلب ترد بنت الابن إلى السدس ، وكذلك الأخت الشقيقة ترد الأخت
للأب إلى السدس .
وأما حجب الإسقاط : فاثنتان من بنات الصلب تسقطان بنات الابن إلاّ أن يكون مع
بنات الابن ذكر فى درجتهن أو تحتهن فيرد عليهن ، وكذلك الشقيقتان يسقطان الأخوات
للأب ، إلاّ أن يكون مع الأخوات للأب ذكر فى درجتهن خاصة فيرد عليهن ، والأم تسقط
الجدات كلهن ، والجدة القربى من جهة الأم تسقط البعدى من جهة الأم بل تشاركها ،
وولد الأم يسقطه عمود النسب : الأب والجد والولد وولد الابن .
وأما حجب العصبة : فقد عقدنا أصله عند ذكرنا له فيما تقدم .
والجد مع الأخوة يقاسمهم ما لم تنقص المتقاسمين الثلث، وإن كان فى الورثة ذو سهام

٣٣٨
كتاب الفرائض / باب آخر آية أنزلت آية الكلالة
حكم فيما فضل عنهم بهذا الحكم والجدات أن يأخذ منهم السدس وينتزع من حكم
التعصيب كما للأخوة الاثنين المسألة المشتركة أن ينتزعوا من التعصيب ، وهى : زوج وأم
وأخوات لأم وأخوة أشقاء . فإن المال إذا استوعب جميعه أهل الفرض قال الأخوة الإشقاء
للأخوة للأم : هب أن أبانا حمارا ليست أمنا واحدة ، فيشاركونهم فى الثلث وللأخوة
الأشقاء معاداة الجد بالأخوة للأب وسيبتدئون بما حصل بجميعهم ، إلاّ أن يفضل عن
الإناث منهم فضلة فتزيد على فرد منهم ، فتعطى/ لمن كان من جهة الأب والأم منهم.
وللجد مقاسمة الأخت وإن انفردت عنه بالفرض الذى عيل لها به فى الفريضة التى
تسمى الأكدرية ، وتسمى الفراء ، هى : زوج وأم وجد وأخت شقيقة أو لأب ، فإن المال
إذا استوعبه من سوى الأخت عيل للأخت بالنصف ، ثم ضمت نصفها إلى سدس الجد ،
واقتسماه للذكر مثل حظ الأنثيين . ولو كان بدل الأخت أختان لم يصل لها لبقاء فضلة من
المال لحجبها الأم إلى السدس .
هذه جملة الفرائض التى من أحاط بها علما علم كل ما يستفتى عنه ويكثر نزوله .
٤/ب

٣٣٩
كتاب الفرائض / باب من ترك مالا فلورثته
(٤) باب من ترك مالا فلورثته
١٤ - (١٦١٩) وحدّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ الأُمَوِىُّ، عَنْ يُونُسَ
الأَبْلِىِّ. ح وَحَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْنَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب ،
أَخْبَرَفِى يُؤنُسُ، عَنِ ابْنٍ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِىَ هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ عَّيْ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمَيِّتِ، عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: ((هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ
قال القاضى - رحمه الله تعالى -: وقوله: كان يؤتى بـ [الرجل ] (١) الميت عليه
الدين [ فيسأل] (٢) - عليه السلام -: ((هل ترك لدينه [ من](٣) قضاء؟)) فإن ترك
[وفاءً] (٤) صلى عليه، وإلا قال: ((صلوا على صاحبكم))، فلما فتح الله عليه الفتوح قال :
« أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فمن توفى وعليه دين فعلىَّ قضاؤه ، ومَنْ ترك مالاً فهو
لورثته))، وفى الحديث الآخر: (( فأيكم ما ترك دينا أو ضياعا فأنا مولاه )) الحديث ، وفى
رواية أخرى: ((ومن ترك كَلاَّ وليتهُ)): الكَلّ ، بفتح الكاف ، أصله : الثقل ، ثم
استعمل فى كل أمر معل متعب ، والمراد به هاهنا : العيال .
قال الخطابى (٥) : والضيعة والضياع هاهنا وصف لورثة الميت بالمصدر ، أى ترك بنين
وعيالاً أُولِى ضيعة ، أى لا عائل لهم . والضياع فى الأصل مصدر لما ضاع ، ثم جُعل
اسما لكل ما هو بصدد ، وأن يضيع من عيال وبنين لا كافل لهم ، وسميت الأموال التى
يحتاج إلى القيام عليها من الأرضين ضيعة ؛ لأنها معرضة للضياع وإن لم يقم عليها.
وقوله: ((فأنا مولاه)): أى وليه ومتولى القيام عليه، كما قال فى الحديث الآخر:
((وليته)). واختلف فى تأويل هذا الحديث ، فقيل: يحتمل أن تركه للصلاة أولاً على الميت
لأجل الدين الذى عليه ، إذا لم يترك له وفاء إذا تداينه فى فساد ، أو غير وجه مباح،
وقيل: يحتمل إذا تداينه وهو يعلم أنه لا يقضيه ، وأن ذمته لا تفى بما عليه ، وقيل: كان
هذا أول الإسلام ، ثم نسخ ذلك لما فتح الله الفتوحات وصار لجميع المسلمين حق فى بيت
المال، وفرض لهم سهم الغارمين. والحديث المتقدم يدل عليه وينص على ذلك. فقيل على
هذا فى قوله : ((علىّ)): أى لازم من بيت المال دين الفقراء.
وقيل: بل كان فعل النبى عَُّ هذا - مَنْ ترك الصلاة على أهل الدين - أدبًا لأصحاب
الديون ليسعوا فى أدائها ، ويرغبوا عن الاستكثار منها ، ولئلا يستأكلوا أموال الناس
فتذهب. وقيل على هذا: معنى قوله: ((وقد ترك دينا فعلى)) : الوعد بأن الله سيقضيه
(١- ٤) سقط من الأصل.
(٥) انظر : أعلام الحديث ص ١١٩٢ .

٠٣٤٠
كتاب الفرائض / باب من ترك مالا فلورثته
قَضَاء؟))، فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءٌ صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِلاَّ قَالَ: ((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ))،
فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ : (( أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُنِّىَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ
فَعَلَىَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالاَ فَهُوَ لِوَرَثَتَهِ)).
( ... ) حدّثنا عَبْدُ الْمَلَك بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ جَدِّى، حَدَّثَنِى
عُقَيّلٌ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بَنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِى ابْنِ
شِهَبٍ. حِ وَحَدَّثْنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى ، حَدَثْنَا ابْنُ أَّبِى ذِئْبٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَاَ
الإِسْنَادِ، هَذَا الْحَديثَ .
١٥ - ( ... ) حَدَثْنِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثْنَا شَبَابَةُ ، قَالَ: حَدَّثَنِى وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِى
الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهُ، قَالَ: (( وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّد بيده،
إِنْ عَلَّى الأَرْضِ مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّ أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ، فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ دَيْنَا أَوْ ضَيَاعاً فَأَنَا مَّوَلاً ،
وَأَيُّكُمْ تَرَكَ مَالاَ فَإِلَى الْعَصَبَةِ مَنْ كَانَ)) .
١٦ - ( ... ) حدّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ
ابْنِ مُنَبِّه، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أُبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ عَةٍ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ
رَسُولُ اللهِ عَّةٍ: (( أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ فِى كِتَابِ الله - عَزَّ وَجَلَّ -، فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ
عنه بما يفتح الله على المسلمين مما وعده الله به من ذلك، لا على اللزوم والضمان.
وقيل : معنى: ((أنا أولى بالمؤمنين)) كما قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ ﴾
لكنى لا أرثهم، ويدل عليه نص حديث أبى هريرة من رواية البخارى: ((ما من مؤمن إلا
وأنا أولى الناس به فى الدنيا والآخرة ، اقرؤوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ
وَأَزْوَاجُهُ﴾ الآية (١)، فمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعًا
فليأتنى، وأنا مولاه ))(٢)، فنبه أنه لا ميراث / إلا لذوى الأرحام، وأن التبنى والموارثة
بالحلف قد أبطلها الشرع ، فمن ترك مالاً فلذوى رحمه ومن يرثه بكتاب الله تعالى ، ومن
ترك دينًا فعلىَّ أداؤه مما فرض الله له من مال الله.
٥/ ١
(١) الأحزاب : ٦ .
(٢) البخارى ، ك التفسير ١٤٥/٦.