النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ كتاب المساقاة / باب جواز بيع الحيوان بالحيوان ... إلخ (٢٣) باب جواز بيع الحيوان بالحيوان ، من جنسه ، متفاضلا ١٢٣ - (١٦٠٢) حدّثنا يَحْبَى بْنُ يَحْتَى التَّمِيمِىُّ وَابْنُ رُمْح، قَالا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنِهِ قُتََّةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابْرٍ . قَالَ : جَاءَ عَبْدٌ فَبَابَعَ النَّبِىَّ ◌َ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ عَبْدٌ. فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدَّةٌ. فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ◌َِّهُ: (بِعْنَيْه)، فَاشْتَرَهُ بِعَبَّدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، ثُمَّلَمْ يُبَبِعْ أَحَدًا بَعْدُ، حَتَّى يَسْأَلُهُ: ((أَعَبْدُّهُوَ؟)). وقوله: جاء عبد فبايع رسول الله عَّه ولم يشعر أنه عبد ، فجاء سيده يريده ، فقال: ((بعنيه))، فاشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع أحداً بعد حتى يسأله: ((أعبدٌ هو ؟)): ظاهره أن مولاه كان مسلماً ، وكان النبى سرّحه فاستحقه مولاه بصحة ملكه له ، ثم أراد - عليه السلام - بما جبل عليه من مكارم الأخلاق ألا يرده ، ولا ينقض ما عقد له ، فاشتراه من مولاه . ويدل أن مولاه مسلم دَفْعه له العبدين وإلا فقد بايع - عليه السلام - من نزل إليه من عبيد أهل الطائف وغيرهم ولم يصرفهم على مواليهم . وشرائه العبد بالعبدين أصل فى هذا الأسلوب ، ولا خلاف فى شراء العبد بعبدين نقدا وسائر الأشياء والتفاضل بها وإن كانت من جنس واحد ، ماعدا ما تقدم من العين وما نص معها فى الحديث وليس عليها مما تقدم . واختلف الناس فى بيع ما عدا ذلك من الجنس الواحد باختلاف العدد والصفة إلى الأجل ، أو باتفاقهما ممّا لم يفصل بذلك سلفًا جرّ نفعاً والزيادة فى السلف - كان هذا رباً عند الجميع ، إذا كان ظاهراً معلوماً مقصوداً ، فلا يرى أن ما كان فى حكمه أو ذريعة إليه فلا يجيزه ، إلاَّ أن تختلف الصفات والأغراض فيصيرا والجنسين ونظيرهما مقصد البيع والمعاوضة ، واغتنى أولى المنافع من المتبايعين لا مقصد الزيادة فى السلف كاختلاف الإبل والنجابة أو الحمولة أو الخيل بالسبق والفراهة (١) ، والعبيد بالتجارات والفصاحة والصنعة ، والجوارى بالطبخ والصناعة والفراهة على الصحيح من القولين ، والثياب بالرقة والصباقة ، والشيلوف بالقطع والجوهر[ وجعل الجوة ] (٢) فى جهة وكثرة العدد فى الجهة الأخرى اختلاف فى الأغراض ويجيزه . والشافعى لا يكره شيئاً من ذلك فى الحيوان وغيره ، اختلف أم لم يختلف ، ولا ربا غيره فى شىء إلا ما تقدم وهو قول أبى ثور وداود والمروزى ، وروى عن ابن المسيب وابن عباس وغيرهما . واختلف فى ذلك عن (١) يعنى المواهب ، وأن تلد ، اللسان . (٢) فى الأبى : فيجعل الأجود . ٣٠٢ - كتاب المساقاة / باب جواز بيع الحيوان بالحيوان ... إلخ على وابن عمر والزهرى ، وروى عنهم كراهة ذلك وجوازه ، وحجتهم حديث عمرو بن العاص: أن النبى معَّه ((أمره بأن يجهز جيشاً فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ فى قلائص الصدقة البعير بالبعيرين إلى الصدقة)) (١) ، ونحن نتأول الحديث على ظاهره باختلاف أجناسها ؛ لأن القلائص الفتيان من الإبل ، وهى أكثر ما يؤخذ فى الصدقات ، وأنَّ الاستلاف فيما هو أسن منها وأقوى على الحمل ، ويشجن الاختلاف عن هؤلاء باختلاف الأحوال كنحو ما ذهب مالك منع ذلك فى الحيوان على كل حال . ومنه فى العروض نحو مذهب مالك ، وحجتهم عموم نهيه بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ، وقد تكلم فى هذا الحديث ورده بعضهم ، ونحن ننزله على ما اتفقت فيه الأغراض ، وخشى منه زيادة الصنف ، ويخص عمومه بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص المتقدم ، أو بحمل بيع الحيوان بالحيوان فى المضمونين ، ويجمع بين الأحاديث ، وتبقى الأصول من مسائل الربا وفى الزيادة فى السلف مختصةً بعللها ومواجهتها فتستعمل النفس ولا يطرح منها شىء إلا ما ثبت نسخه أو ضعف أصله ، وسيأتى من المعلم فى هذا بكل شىء أيضاً . - (١) الدارقطنى، ك البيوع ٣/ ٧٠ (٢٦٣). ٣٠٣ كتاب المساقاة / باب الرهن وجوازه فى الحضر والسفر (٢٤) باب الرهن وجوازه فى الحضر والسفر ١٢٤ - (١٦٠٣) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ - وَاَللَّفْظُ لَيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَان: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ: اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ عَلُ مِنْ يَهَّوْدِىِّ طَعَامًا بَنَسِيئَة ، فَأَعْطَاهُ درْعًا لَهُ، رَهْنَا . ١٢٥ - ( ... ) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ وَعَلِىُّ بْنُ خَشْرَمَ، قَالا: أَخْبَرَنَا عيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتِ : اشْتَرى رَسُولُ الهِلَّهُ مِنْ بَهُودِيِّ طَعَامًا، وَرَهَتَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ. ١٢٦ - ( ... ) حدّثنا إسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، قَالَ : ذَكَرْنَا الرَّهْنَ فِى السَّلَمِ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِىِّ، فَقَالَ: حَدَّثْنَا الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهِ اشْتَرَى مِنْ يُهُودِىِّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ ، وَرَهنه دِرْعَالَهُ مِنْ حَدِيدٍ . وقوله : أنه - عليه السلام - اشترى من يهودى طعاماً بنسيئة ورهنه درعه)): فيه معاملة اليهود وأهل الذمة وسائر الكفار ، وحل ما يؤخذ منهم مع قيض ، حيث مكاسبهم ومعاملاتهم . وجواز ادخار القوت ، وجواز التجارة معهم بالنقد والنسيئة ؛ لأنها إذا جازت بالنسيئة فهى بالنقد أجوز ، وجواز شراء الطعام بالنسيئة إذا لم يكن الثمن طعاماً ، أو كان الطعام المشترى نقداً ، وفيه جواز الرهن فى الحضر وهو قول الكافة ، خلافاً لداود ومجاهد. قال الإمام : شذ بعض الناس فمنع الرهن فى الحضر ؛ تعلقاً بدليل الخطاب من قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًّا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٍ ﴾ (١) ، فاشترط السفر ، فدل أن الحضر بخلافه. وقال أصحابنا : هذا الحديث حجة عليه فى جواز الرهن فى الحضر ، وفيه دلالة على جواز معاملة اليهود وإن كانوا يستحلون من المكاسب ما لا يستحل . وقد أكثر الناس القول فى وجه مبايعة النبى عَّ لليهودى ورهنه درعه عنده ، وأمثل ما يقال فيه : إنه (١) البقرة : ٢٨٣ . كتاب المساقاة / باب الرهن وجوازه فى الحضر والسفر ٣٠٤ ( ... ) حَدَّثَنَاهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثِى الأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَِّّنَّهِ، مِثْلَهُ. وَلُمْ يَذْكُرْ: مِنْ حَدِيدٍ . فعل ذلك ليريه عَّ جواز معاملة اليهود ، أو فعل ذلك ؛ لأنه لم يحضره حينئذ من عنده طعام سوى هذا اليهودى ، أو يكون - عليه السلام - علم أن أصحابه - رضى الله عنهم - لا يقبلون منه الرهن إكراماً له ، أو لا يقتضونه فى الثمن إذا حلَّ تقرباً إليه ، فعدل إلى معاملة من يفعل ذلك معه لئلا يجحف بأصحابه . قال القاضى : أجمع العلماء على جواز معاملة أهل الذمة وجواز معاملة المشركين ، إلا ما يتقوى به أهل الحرب على محاربة المسلمين كسلاح الحرب وآلاتها وما تصرف فيها ، أو ما يستعين به جميعهم على إقامة شريعتهم ، وإظهار تصرفهم وما لا يجوز تملكه لهم لحرمته كالمسلم والمصحف . ومنع ابن حبيب بيع الحرير والكتان والبسط والطعام من أهل الحرب ، وتأول ذلك إما عند الشدائد فيطمع أن يتمكن منكم بضعف الجوع ، فإن ما ذكر من الكتان والحرير والبسط مما يتحملون به فى حروبهم . ورهن النبى عمّ الدرع عند اليهودى أنه لم يكن من أهل الحرب ، وممن كان بين ظهرى الإسلام ، وإلا فرهنها ممن يخشى منه التقوى بها كبيعها . وظاهر الخبر ما كان عليه - عليه السلام - من التقلل من الدنيا والاكتساب ، وأنه لو كان عنده غير الدرع لباعه أو رهنه مكان درعه ، وفيه اتخاذ الدروع والعدد للأعداء والتحصن منه ، وأن ذلك غير قادح فى التوكل . واستدل إبراهيم النخعى بهذا الحديث على جواز الرهن فى السلم ؛ لأن المسلم دين فى الذمة فلا فرق بينه وبين السلف ، وهو مذهب مالك وكافة السلف والعلماء ، وكذلك الكفيل . وذهب زفر والأوزاعى وأحمد إلى كراهة ذلك فيهما ، وروى عن بعض السلف. وكره مالك الكفالة برأس مال السلف إذا كان فى العقد ، ويفسد بذلك السلم على تفصيل فيه فى كتب الفقه . ٣٠٥ كتاب المساقاة / باب السلم (٢٥) باب السلم ١٢٧ - (١٦٠٤) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَعَمْرٌوَ النَّاقدُ - وَاللَّفْظُ لَيَحْبَى - قَالَ عَمْرُوَ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ يَحْتَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبِنَةَ - عَنِ ابْنِ أَبِى نَحِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِبْنِ كَثِير، عَنْ أَبِى الْمِنْهَلِ، عَنِ ابْنِ عَّاسٍ. قَالَ: قَدِمَ النَِّىُّ ◌َهَالَمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِىَ الثَّمَارِ ، السََّ وَالَّتَيْنِ. فَقَالَ:((مَنْ أَسْلَفَ فِى تَمْرٍ، فَلَيُسْلِفْ فِى كَيّلٍ مَعْلُومٍ، وَزْنٍ مَعْلُومٍ ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ » . ١٢٨ - ( ... ) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ ، حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِ الْمِنْهَلِ، عَنِ ابْنِ عَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ الهِ مَّهُ وقوله: ((من استلف فى تمر فليسلف فى كيل معلوم ، إلى أجل معلوم)) ، وفى رواية السجزى: ((من سلم))، وكلاهما بمعنىَ. سمى سلما؛ لتسليمه رأس المال دون قبض عوضه ، وسمى سلفاً بتغريمه رأس المال على العوض ، ومنه : سلف الرجل ، لمتقومين أمامه . وحكى الخطابى عن عمرو فى رواية ابن عمر كراهة تسمية السلم سلفا ، وقال : هو الإسلام لله ، كأنه ضن بالاسم أن يمتهن فى غير هذا / . ١/٢٣٧ قال الإمام : قد تقدم الكلام فى ربا بيع النقد ، ونحن نتكلم الآن على الربا فى النسيئة . فاعلم أن الربا يدخل فى بيع النسيئة فى الستة المذكورة فى الحديث وما قيس عليها ، سواء اتفقت الأجناس أم اختلفت ، وما سوى الستة وما قيس عليها لا يدخل الربا فى بيع النسيئة فيه إذا اختلفت الأجناس ؛ كسلم عبد فى ثوبين . فإن تساوت الأجناس فاختلف الناس ، فمنعه أبو حنيفة ، وأجازه الشافعى ، وقال مالك : إذا اتفقت المنافع فى الجنس منع ، وإن اختلفت جاز . وأمّا أبو حنيفة فحجته قول الله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾(١). والربا الزيادة، وهذا موجود فى هذا البيع ، فمنع بحق عموم الآية . وإنما خصَّ منها اختلاف الأجناس بما قدمناه من الحديث وبغير ذلك . (١) البقرة : ٢٧٥ . ٣٠٦ ٠ كتاب المساقاة / باب السلم وَلنَّاسُ يُسْلِفُونَ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله ◌َُّ: ((مَنْ أَسْلَفَ فَلاَ يُسْلِفْ إِلَّ فِى كَّيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنِ مَعْلُومٍ)). وأمَّا الشافعى فإنه يحتج بأنه أمر ◌َّة بعض أصحابه بأن يعطى بعيراً فى بعيرين إلى أجل (١)، وهذا يخص قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) إذا قلنا: إن الزيادة فى عوض الشىء تسمى ربا حقيقة ، وجماعة من أهل الأصول يذهبون إلى تخصيص العموم بخبر الواحد ، وبعضهم يمنع منه . وأمَّا مالك ، فإنه توسط بين القولين ، وعدل بين المذهبين ، وسلك حماية الذريعة ، وأصله القول بها ، فينظر إلى أن الأجناس إذا اختلفت جاز التفاضل فيها نسيئة ، والغرض من المتملكات الانتفاعات ، وأمَّا نفس الذوات فلا يملكها إلا الله الذى يؤخرها ويقدمها ، وإنما ملك الخلق الانتفاع بها ، فإذا كانت المنافع مختلفة وهى المقصودة التى يتعلق بها الملك، وجب أن تحل محل اختلاف الأجناس . وإذا كان الغرض فى دابة الحمل عليها، والغرض من أخرى الجرى بها ، صار فى الأنفس كدابة يراد ركوبها ، وثوب يراد لباسه . فإذا تساوت المنافع نظر إلى قوله : إن النبى ◌َّ نهى عن سلف جرَّ نفعاً . فإذا دفع ثوباً فى ثوبين الغرض فيهما كالغرض فى الثوب مكانه ، أسلفه واشترط عليه أن ينتفع بالزيادة . ولو أسلم ثوبين فى ثوب تتفق الأغراض فيها لأنّها - أيضاً - على أن يكون أعطاه أحد الثوبين ليضمن له الثانى فى ذمته أجلاً سمياه ، فيصير ذلك مُعاوضة على الضمان وسلفاً لينتفع بالضمان ، وذلك لا يجوز. ولوتحققنا حصول السلف والغرض على وجه لا منفعة فيه محققة ، وهى الزيادة المحسوسة ، ولا منفعة فيه محققة ليتهم الناس عليها - لأجزنا ذلك إذا سلك به مسلك الفرض . وقد وقع عندنا اضطراب فى المذهب فى التبايع بما اتفقت أجناسه ومنافعه ولم تقع فيه زيادة ، هل يجوز أم لا ، كسلم ثوب فى مثله ؟ فأجيز ؛ لأن تقدير منفعة فى ذلك يهم الناس عليها يبعد فى النفوس ، ومنع لئلا يقصد الانتفاع بضمان القابض عوضاً عن منفعته بما قبض . وأمَّا الشافعى فيجيز ذلك ، وهو يجيزه وإن حصل فيه التفاضل الذى هو منفعة (١) البخارى ، ك البيوع، ب بيع العبد والحيوان بالحيوان نسيئة، تعليقاً. الفتح ٤١٩/٤ . (٢) البقرة : ٢٧٥ . ٣٠٧ كتاب المساقاة / باب السلم ( ... ) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَّبِى شَيْبَةَ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِى نَحِيحٍ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: محققة، فكيف به مع التساوى الذى لا منفعة فيه محققة ؟ فإذا ثبت جواز النَّساء فيما اختلفت أجناسه مما عدا الستة وما فى معناها بالسلم يجوز فى كل شىء تضبطه الصفة . وقد وقع اختلاف بين مالك وأبى حنيفة ، وبين مالك والشافعى فى مسائل ، هل يجوز السلم فيها أم لا ، وهو اختلاف فى حال ، فمن يمنع السلم يعتقد أن الصفة لا تحصر ما منع منه ، ومن يجيزه يعتقد أن الصفة تحصره . وهذا مثل ما يقول أصحاب أبى حنيفة: كيف يجيزون السلم فى الجوارى مع اختلافهن فى الرشاقة والملاحة ، وأنهن يتفاوتن فى ذلك تفاوتاً عظيماً يختلف الثمن باختلافه ؟ ومالك لم يثبت عنده ما قالوا ، ورأى أن ذلك مما يضبط المقصود منه أجاز السلم فيهن . وعلى هذا الاختلاف جرى الأمر فى اختلافهم فى غير ذلك من المسائل . وأمَّا قوله - عليه السلام -: ((إلى أجلٍ معلوم)): فقد تعلق به بعض أصحابنا فى افتقار صحة السلم إلى أجل ، والمشهور عندنا منع السلم الحال . وكان بعض شيوخنا يخرج من المدونة القول بجواز من سأله إذا اشترى بعروض وباع بمثلها مرابحة ، وهو مذهب الشافعى. / ومن أجاز السلم الحال يحمل الحديث على أن المراد به : إن كان أجلاً فليكن معلوماً . واختلف القائلون من أصحابنا بإثبات الأجل ، فقال بعضهم : ثلاثة أيام، وقال بعضهم : بل أكثر من ذلك مما تتغير فيه الأسواق ؛ كنصف الشهر ونحوه ، إذا كان يقبض السلم فى البلد بعينه . قال القاضى : لم يجر فى الأحاديث فى هذا الباب ذكر للصفة ، وهى مما أجمع العلماء على شرطها فى صحة السلف ، لكن لما كانت العادة فى التمر أنه أجناس وأنواع ، ولكل نوع منه اسم وصفة والعرف فى شرائه أن يسمى بجنسه - قام مقام الصفة ، ومثل هذا فيما له عرفٌ جائز عندنا . وشروط السلم عندنا التى لا تصح إلا بها على مشهور مذهبنا خمسة : كونه مضموناً، وموصوفاً بصفة تحصر ، ومؤجلاً لأجلٍ معلوم ، ومما لا يتعذر وجوده عند أجله ، وكونه معلوم القدر من وزن أو كيل أو عدد أو تجر أو مساحة أو درع أو سن ، وأن يكون رأس ماله معجلاً أو فى حكم المعجل حتى لا يبعد قبضه بعد اليومين والثلاثة . ولم يجز الكوفيون والشافعى تأخيره عن العقد ، والافتراق كالضرب عندهم . وليس من شرطه أن ٢٣٧/ ب ٣٠٨ - كتاب المساقاة / باب السلم (إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ). ( .. ) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالا: حدَّثَنَا وَكَيْعٌ. ح وَحَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِّ بْنُ مَهَدِىٌّ ، كِلَهُمَا عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيِحٍ ، يِإِسْتَدِهِمْ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عَُّةَ. يَذْكُرُ فِيهِ: ((إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ)) . يكون المسلم وليه مالك ، خلافاً لبعض السلف ، وأن يكون مما لا ينقطع من أيدى الناس جملة ، خلافاً لمن شرط ذلك ، وأن يكون موجوداً حين العقد إلى الأجل ، خلافاً لأبى حنيفة ، وكل من شرطه ذكر موضع القبض عندنا ، وعند فقهاء أصحاب الحديث ، خلافاً للكوفيين فى اشتراطهم ذلك لما له حمل ومؤونة. وعندنا إن لم يشترط فموضع البيع موضع القبض ، وليس من شرطه عندنا ألا يكون رأس السلم جزافاً فيما يجوز فيه الجزاف ، خلافاً لأبى حنيفة فى منعه ذلك فى كل شىء ، وليس من شرط المسلم فيه أن يكون حيواناً ، خلافاً لأبى حنيفة ؛ إذ لا تحصر عنده الصفة ، ولا من شرطه ألا يكون من الجواهر كالدر والياقوت ، خلافاً للشافعى ؛ إذْ لا تحصر الصفة . قال الإمام : خرج مسلم فى الباب : نا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبى شيبة وإسماعيل بن سالم ، جميعاً عن ابن علية ، قال بعضهم ، هكذا فى نسخة أبى العلاء بن ماهان عن مسلم عن شيوخه عن ابن علية ، وهو إسماعيل بن إبراهيم ، وفى رواية (١) الجلودى: ((ابن عيينة)) بدل ((ابن علية))، والصواب رواية أبى العلاء ، ومن تأمل الباب بان ذلك له . قال القاضى : لأنه ذكر أول الباب حديث ابن عيينة عن ابن أبى نجيح ، وفيه ذكر الأجل ، ثم ذكر حديث عبد الوارث عن ابن أبى نجيح ، وليس فيه ذكر الأجل ، ثم ذكر حديث ابن علية عن ابن أبى نجيح، وقال بمثل حديث عبد الوارث، ولم يذكر: (( إلى أجل معلوم)) ، ثم ذكر حديث سفيان عن الثورى عن ابن أبى نجيح ، وقال بمثل حديث ابن علية ، فذكر فيه: (( إلى أجل معلوم )) وهو بَّن . (١) فى ع : روايتنا . ٣٠٩ كتاب المساقاة / باب تحريم الاحتكار فى الأقوات (٢٦) باب تحريم الاحتكار فى الأقوات ١٢٩ - (١٦٠٥) حدّثَنَا عَبّدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَب، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلَاَل - عَنْ يَحْنَى - وَهُوَ ابْنُ سَعيد - قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُّ الْمُسَيَّبِ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ مَعْمرًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَُّ: ((مَنِ اخْتْكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ )) . فَقِيلَ لِسَعِيدِ : فَإِنَّكَ تَحْتْكِرُ ؟ قَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ مَعْمَرًا الَّذِى كَانَ يُحَدِّثُ هذَا الْحَدِيثَ كَانَ يَحْتَكِرُ . ١٣٠ - ( ... ) حدّثْنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِوَ الأَشْعَتِىُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلاَنَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِوَ بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَّبِ، عَنْ مَعْمَرِ وقوله: (( من احتكر فهو خَاطئ، فقيل لسعيد : فإنك تحتكر قال سعيد : إن [ معمرًا الذى كان يحدث هذا الحديث كان يحتكر](١)))، قال الإمام : أصل هذا مراعاة الضرر بكل ما أضرَّ بالمسلمين ، وجب أن ينفى عنهم ، فإذا كان شراء الشىء بالبلد يُغلى سعر البلد ويضر بالناس ؛ منع المحتكر من شرائه نظراً للمسلمين عليه كما قال العلماء : إنه إذا احتيج إلى طعام رجل واضطر الناس إليه ألزم بيعه منهم . فمراعاة الضرر هى الأصل فى هذا ، وقد قال بعض أصحاب مالك : إن احتكار الطعام ممنوع على كل حال ؛ لأن أقوات الناس لا يكون احتكارها أبداً إلاَّ مضر بهم ، ومحمل ما روى عن رواة هذا الحديث من أنهم كانوا يحتكرون: أنهم احتكروا ما لا يضر بالناس، وحملوا قول النبى معَّه على ذلك، وحمله على هذا يؤكد ما قلناه . قال القاضى : الاحتكار : هو الادخار مما كان لقوت الإنسان ، وليس بممنوع ولا مكروه ، وما كان للبيع والتجارة ممّا كان منه مُضرا بالناس ومتعلقاً بشرائه أسعارهم مُنِع ، وأشرك فيه أهل السوق والمشترون بما اشتراه به . وما لم يضر لم يمنع ، على مشهور المذهب فى أىِّ شىء كان ، وهو قول الشافعى وأبى حنيفة ، خلافاً لابن حبيب من أصحابنا فى قوله : إنَّ حكرة الطعام والحبوب كلها ، والغلو فى السمن والزيت والعسل واللبن ممنوع ، أى وقت كان ، أضرَّ أو لم يضر ، وهذا ما اشترى فى أسواقهم ، فأمَّا ما جلب فلا / يبيع من مدخره إلاَّ عند الضرورة الفادحة وحاجة الناس إليه ، ولم يوجد سواه (١) سقط من جميع نسخ الإكمال التى لدينا، وأثبتناها من المعلم والحديث رقم (١٢٩). ٢٣٨/أ ٣١٠ - كتاب المساقاة / باب تحريم الاحتكار فى الأقوات ابْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُول الله عَُّ، قَالَ: (( لا يَحْتَكُرُ إِلا خَاطِئٍّ)) . ( .. ) قَالَ إِبْرَاهِيمُ: قَالَ مُسْلِمٌ: وَحَدَّثَنِى بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْنِ، أَخْبَرَنَا خَالدُ بْنُ عَبْد الله، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْمَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عَنَّ مَعْمَرِ بْنِ أَبِى مَعْمَرِ - أَحَدِ بَنِى عَدِىٌّ بْنِ كَعْبٍ - قَالَ: قَالَ رَسُولَ الهِ. فَذَكَرَ بِمِثَلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلاَّلْ عَنْ يَخْتَى. فيؤخذ بيعه . وما ذكر عن سعيد ومعمر أنهما كانا يحتكران ، قال ابن عبد البر : إنما كانا يحتكران الزيت ، وحملا النهى على أنه فى القوت عند الحاجة إليه ، وكذلك قال الشافعى وأبو حنيفة : إنه مما يختص بالطعام المقتات الذى هو مصالح أجسام الناس ، وليس هذا فى الأدم والزيت والفاكهة . ومعمر هذا هو ابن عبد الله بن نضلة العدوى قديم الإسلام ، كان مُعَمِّراً، وقد قبله مسلم، وهو معمر بن أبى معمر ، وقد ذكره كذا مسلم فى الحديث الآخر. قال الإمام : خرج مسلم فى الباب : نا بعض أصحابنا عن عمرو بن عون ، حدثنا خالد بن عبد الله ، عن عمرو بن يحيى ، عن محمد بن عمرو وعن سعيد بن المسيب ، 24] (١) الحديث . وهذا عن معمر بن عبد الله ، أحد بنى عدى بن كعب ، [ عن النبى حديث مقطوع [ الإسناد، وهو ] (٢) أحد الأربعة عشر حديثاً المقطوعة فى كتاب مسلم . وأمَّا أبو داود فرواه عن وهب بن بقية عن خالد بن عبد الله ، عن عمرو بن يحيى (٣). قال القاضى : قد تكلمنا على مثل هذا قبلُ ، وأنه لا يدخل فى باب المقطوع ما يكفى. وقوله: عن معمر بن عبد الله، ليس هو فى هذا الحديث ، كذا فى هذا السند ، وإنَّمَا فى معمر بن أبى معمر، أحد بنى عدى بن كعب، وإنما جاء ذلك فى حديث سعيد بن عمرو الأشعثى ، وفيه عن معمر بن عبد الله عن رسول الله عَّه ليس فى هذا أحد بنى كعب. (١، ٢) سقط من المخطوطة، وزيادة من مخطوطة كتاب ((المعلم)) للمازرى. (٣) أبو داود، ك البيوع ، ب فى النهى عن الحكرة برقم (٣٤٤٧). : ٣١١ كتاب المساقاة / باب النهى عن الحلف فى البيع (٢٧) باب النهى عن الحلف فى البيع ١٣١ - (١٦٠٦) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ الأُمَوِىُّ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهر وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب ، كلاهُمَا عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شَهَبٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّب؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عَّةٍ يَقُولُ: ((الْحَلِفُ مَنَّفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلرِّبْحِ » . ١٣٢ - (١٦٠٧) حدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَلَّفْظُ لاِبْنِ أَبِى شَيْبَةَ - قَالَ إِسْحَقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ - عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَّعْبِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ الأَنْصَارِىِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ عَّ يَقُولُ: ((إِيََّكُمْ وَكَثْرَةَ الْخَلِفِ فِى الَّعِ، فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ)) . قوله: ((الحلف منفقة للسلعة ممحقة للربح)): قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَات﴾ (١) ، فقيل: هذا المحق هو فى الآخرة كما تربو الصدقة حتى تأتى مثل أحد وذلك يمحق الربا حسناته ، إمَّا برجحانه عليه فى الميزان أو بهذا من أجلها ، أو لأن من تصدق به أو أكل من الربا لا يؤجر فيه كذلك إثمان لما أخره بالحلف الفاجر وزين به سلعته، وحلف أننى أعطى فيهما ما لم يعط ، وغر بذلك كله أخاه المسلم ، وقيل : بل المحق فى الدنيا والآخرة ممحقة فى الدنيا ترفع البركة منه ، أو تكون لتسليط الجوائح عليه حتى يمحق - والله أعلم . (١) البقرة : ٢٧٦ . ٣١٢ - كتاب المساقاة / باب الشفعة (٢٨) باب الشفعة ١٣٣ _ (١٦٠٨) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثْنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزَّبَيْرِ، عَنْ جَابر. ح وَحَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهُ: ((مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِى رَبْعَةٍ أَوْ نَخْلِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيِكَهُ، فَإِنْ رَضِىَ أَخَذَ، وَإِنْ كَرِهَ تَرَكَ)) . ١٣٤ - ( ... ) حدّثنا أُبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرِ وَإِسْحَقُ بْنُ إِيْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لاِبْنِ نُمَيْرٍ - قَالَ إِسْحَقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّنًا عَبْدُ اللهِ بْنُ قوله - عليه السلام -: (( من كان له شريك فى ربعة أو نخل ، فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه ، فإن رضى أخذ ، وإن كره ترك))، وفى بعض طرقه: (( قضى رسول الله ◌َُّ بالشفعة فى كلِّ شركة لم تقسم ، ربعة أو حائط ، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه ، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك ، فإذا باع ولم يؤذن فهو أحق به )) ، وفى بعض طرقه : (( الشفعة فى كل شرك ، فى ربع أو أرض أو حائط ، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه)) ، قال الإمام : اختلف فى اشتقاق الشفعة ، فقيل : لأنه شفع فى أخذ نصيب غيره ، وقيل : لأن نصيبه كان وتراً فصار شفعا . قال القاضى : قيل : أصلها أن أهل الجاهلية كان الرجل إذا باع منزلا أو حائطا أتاه الجار ، أو الشريك يشفع إليه فيما باع فيشفعه ، ويجعله أولى ممن يعد شريكه ، فسميت القضية : شفعة ، وطالبها : شفيعا ، وقيل : لأنه كثر نصيبه بما ضم إليه بالشفعة ، وزاده. وأصل الشفعة : الزيادة. وقيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿ مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةٌ حَسَنَةٌ يَكُن لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ (١) ، قيل: [ من يزدد عملا صالحا ] (٢)، وقد أجمع العلماء فى وجوب الشفعة للشريك فى الربع المبيع فيما لم يقاسم . واختلفوا فيما وراء ذلك . والربعة ، (١) النساء : ٨٥ . (٢) فى الأبى : من يزد عملا صالحا إلى عمله . ٠٠ ٣١٣ كتاب المساقاة / باب الشفعة بسكون الباء وفتح الراء ، يكون تأنيث ربع وهو الدار والمسكن ، وأصله : المنزل الذى كانوا يربعون فيه ، وقد يصح أن يكون الربعة هو الواحد ، والربع جمعه ، ثم يجمع رباعا مثل تمر وتمرة وذر وذرة . قال الإمام : الأصل أن الشفعة إنما أثبتت فى الشرع لنفى الضرر ، ولما كان الضرر يختلف باختلاف الأنواع خص بذلك العقار ؛ لأنه أشد ضررا من غيره من السلع ؛ لأنه قد يدعوه المشترى إلى المقاسمة أو إلى البيع ، أو يضر به ويسىء جواره . ومنه المعانى يعظم صوره فى العقار . ٢٣٨/ب وقد اختلف أصحابنا فى إثبات/ الشفعة فى مسائل ، وسبب اختلافهم : ما وقع فيها من إشكال ، هل تشبه العروض والسلع التى لا شفعة فيها ، أو هى بالعقار أشبه ، مثل اختلافهم فى التمر إذا بيع منفرداً ؟ وقيل : فيه الشفعة ؛ لأنه من جملة الحائط وكأحد أجزائه، وقيل : لا شفعة فيه ؛ لأنه مما ينقل ويزال به فأشبه العروض . وقد اختلف الناس فى الشفعة فى المقسوم ، فمذهبنا أن لا منفعة فيه ، وعند أبى حنيفة إثبات الشفعة فى المقسوم ، ورأى أن الشفعة تكون بالجوار ؛ لأنهم يضطربون فى ترتيب الجوار ، ويقدمون الشريك على من سواه ، والشريك فى الطريق على الجار . وقد اختلفت الأحاديث ، فالذى فى كتاب مسلم هاهنا إثبات الشفعة للشركة ، وفى طرقه : (( كل شركة لم تقسم))، وفى غير كتاب مسلم: ((الشفعة فى كل ما لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة))، واعتمد أصحابنا على هذا الحديث. والرد على أبى حنيفة، بقوله: ((فى كل ما لم يقسم))، حصر الشفعة فيما لم يقسم، ودليله: أنه إذا قسم فلا شفعة. وقوله: (( فإذا وقعت الحدود ، وصرفت الطرق فلا شفعة)) : فلو اقتصر على قوله : ((فإذا وقعت الحدود)) ولم يضف إليه قوله: ((وصرفت الطرق))، لكان ذلك حجة لأصحاب مالك فى الرد على أبى حنيفة ؛ لأن الجار بينه وبين جاره حدود ، ولكنه لما أضاف قوله: (( وصرفت الطرق )) تضمن أنها تنتفى بشرطين : ضروب الحدود ، وضروب الطرق ، فيقول أصحابنا : ضرب الطرق يراد به صرف الطرق ، التى كانت قبل القسمة . ويقول أصحاب أبى حنيفة : المراد به ضرب الطرق التى يشترك فيها الجاران ، فينبغى النظر فى أى التأويلين أظهر . وقد روى - أيضا - عن النبى معَّه أنه قال: ((الجار أحق بصقبه)) (١)، وخرج (١) البخارى، ك الإكراه، ب احتيال العامل ليهدى له ٣٦/٩ وأحمد ٦/ ٣٩٠. وروى: ((بسقبه)) بالسين. انظر: البخارى ١١٥/٣، أبا داود رقم (٣٥١٦)، النسائى ٣٢٠/٧، ابن ماجه (٢٤٩٥) . ٣١٤ كتاب المساقاة / باب الشفعة الترمذى وأبو داود: قال النبى معَّ: ((جار الدار أحق بجار الدار والأرض)) (١)، واحتج أبو حنيفة بظاهر هذا الحديث . ونقول نحن : لم يبين بماذا يكون أحق ؟ هل بالشفعة أو بغيرها من وجوه الرفق والمعروف ؟ ونقول أيضاً : يحتمل أن يحمل الجار على الشريك والمخالط قال الشاعر : أيا جارتى يبقى ما بك طالعة فسمى الزوجة لمخالطتها له. وقد خرج أبو داود والترمذى: قال علي: ((الجار أحق بشفعته ينظر به وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحداً)) (٢) ، وهذا من أظهر ما يستدلون به ؛ لأنه بين بماذا يكون الحق ، ونبه على الاشتراك فى الطريق ، ولكن هذا الحديث لم يثبت عند أصحابنا ، ورأيت من بعض المحدثين الطعن فيه ، وقال فى رواية : إنه لو روى حديثاً آخر مثله تركت حديثه . والصقب بالصاد والسين : القرب ، قال الشاعر : لا أمم دارها ولا صقب قال القاضى: حمل بعض شيوخنا قوله: ((الجار أحق بصقبه)) أنه على الندب للبائع، وحضه على إيثار جاره لا على وجه القضاء والحق الواجب ، وهذا كما تقدم فى الحديث ، فلا يحل له أن يسعى حتى يؤذن شريكهُ ، وحمله آخرون على معنى : أحق بالبر والإتحاف والصلة لجواره . قال الإمام: وقد خرج الترمذى - أيضاً - قال عَّ: ((الشريك شفيع، والشفعة فى كل شىء )) (٣)، وهذا - أيضاً - ظاهر مع القول بالعموم؛ يثبت الشفعة فيما سوى العقار من العروض ، وقد شذ بعض الناس ما أثبتها فى العروض . وحكى بعض أصحاب الشافعى عن مالك نحواً من هذا ، قال شيخنا - رحمه الله - : وما أدرى أين وقف لمالك على هذا ، ولعله رأى قولنا فى الحائط إذا بيع وفيه حيوان أن الشفعة فيه وفى حيوانه ، فظن من ذلك أن الشفعة تثبت فى العروض ، وليس كما ظن لأن الحيوان هاهنا لما كان من مصلحة الحائط أعطى حكمه فى الشفعة لها لما بيع مضافاً إليه . والملك ينتقل فى الرباع على ثلاثة أقسام : بمعاوضة وفيها الشفعة باتفاق ، وبغير معاوضة وهى على قسمين ؛ اختيارية وغير اختيارية ، فالاختيارية : الهبة والصدقة ، وغير الاختيارية : الميراث ، وقد حكى بعض أصحابنا باتفاق على أن لا شفعة فى الميراث ، (١) أبو داود، ك البيوع، ب الشفعة رقم (٣٥١٧)، الترمذى، ك الأحكام، ب ما جاء إذا حُدت الحدود ووقعت السهام فلا شفعة ٣/ ٦٥٣ رقم (١٣٧٠). (٢) أبو داود، ك البيوع، ب الشفعة رقم (٣٥١٨)، الترمذى، ك الأحكام، ب ما جاء فى الشفعة للغائب. (٣) الترمذى، ك الأحكام، ب ما جاء أن الشريك شفيع ٣/ ٦٥٤ رقم (١٣٧١) . ٣١٥ كتاب المساقاة / باب الشفعة إِدْرِيسَ - حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيِّجٍ، عَنْ أَبِىِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ: قَضَى رَسُولُ الله ◌ُ بالشُّفْعَةِ فِى كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ، رَبْعَةً أَوْ حَائِط، لا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءِ أَخَذَ وَإِنْ شَاء تَرَكَ، فَإِذَابَاعَ وََّمْ يُؤْذِتَهُ فُهُوَ أَحَقُّبِهِ . ٢٣٩/ب وانفرد الخطابى فحكى عن مالك / إثبات الشفعة فى الميراث ، وهو قول شاذ لم يسمع إلا منه فيما أعلم ، وأما الهبة والصدقة فى إثبات الشفعة ففيها قولان مشهوران بالإثبات لقوله عَّ: ((الشفعة فيما لم يقسم)). ولم يفرق بينها إلا مالك، ولأنها لنفى الضرر، والضرر لا يختلف باختلاف طرق الملك . ووجه نفيها قوله فى كتاب مسلم : (( لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه)) (١) ، فكأنه أشار إلى أن ما تقدم فى صدر الحديث من إثبات الشفعة إنما يكون فى البيع لتركه المبيع فى آخر الحديث ، ولو كان غير البيع كالبيع لقال : لا يحل أن يخرج ملكه. وقال بعض شيوخنا: قوله: (( لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه ، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك)) : فيه إشارة إلى وجوب الشفعة قبل البيع . وأما ما لا يقسم من العقار فهل فيه شفعة أم لا ؟ فيه قولان عندنا بإثبات الشفعة لقوله - عليه السلام: ((الشفعة فيما لم يقسم)) (٢)، وهذا لم يقسم ، ولأن الضرر يلحق فى ذلك بسوء المعاشرة والدعاء إلى البيع ، ووجه نفيها أن الشفعة فيما لم يقسم يشعر أن ذلك مما يحتمل القسم ، ولأن من الضرر المعتبر الدعاء إلى المقاسمة وهى مفقودة هاهنا . [ قال القاضى: قوله: ((قضى بالشفعة فى كل شركة ما لم تقسم)): يدل أن الشفعة فيما تصح فيه القسمة ، وما لا تصح فيه فلا يقال فيه : ما لم يقسم . وما يقسم نوعان : فيما ينقسم مما لا ينقل ، وما يقسم بالعدد والوزن والكيل ، وما فى معناه مما ينقل، كما جاء فى الحديث. وما لا ينقسم لا قسم فيه، ويحتج لنفى الشفعة فيه، قوله: ((فيما لم يقسم )) يشعر أن ذلك فيما يحتمل القسم ، ويحتج لثبوتها فيه بقوله: (( الشفعة فيما لم يقسم وهذا لم يقسم )) أجمعوا على ذلك، واختلفوا فى ثبوتها فيما بيع بعد القسم ، فأثبتها أبو حنيفة حتى إنه أثبتها للجار - على ما تقدم - ثم إذا اختصت مما ينقسم ، فظاهر الحديث ــ سواء انقسم بالحدود ولا ينتقل كالعقار أو انقسم بعدد أو كيل أو وزن - يدل على تخصيصها بما ينقسم بالحدود ؛ لأن الحكم إذا علق بصفة يدل على أن تلك الصفة هى علة الحكم عند كثير من الأصوليين، لاسيما وقد وقع الإجمال بقوله: ((ربعة حائط)) ] (٣). (١) مسلم فى المساقاة ، حديث رقم (١٣٣). (٢) أخرجه النسائي ٣٢١/٧. (٣) نقلت عبارة القاضى هذه من الأبى . ٣١٦ كتاب المساقاة / باب الشفعة ١٣٥ _ ( .. ) وحدّثَنِى أَبُو الطَّاهر، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ؛ أَنَّ أَبَا الزَّبَيْرِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْد الله يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِعَّهُ: (( الشُّفْعَةُ فى كُلِّ شرْك فى أَرْضِ أَوْ رَبْعٍ أَوْ حَاتِطِ، لاَ يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَّ عَلَى شَرِيكِهِ فَيَأْخُذَ أَوْ يَدَعَ، فَإِنْ أَبِى فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذَنَهُ » . وقوله: (( حتى يؤذن شريكه ، فإن رضى أخذوا ، وإن كره تركه )»: واختلف العلماء إذا أذن فى البيع وتسلم المبيع منه ثم بدا له ، فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه وعثمان البتى وابن أبى ليلى، أن ذلك له، وهو مذهب الشافعى. وقال الثورى والحكم وأبو عبيد: ليس ذلك له . ولأحمد فى ذلك القولان معاً. وحجة هؤلاء قوله: ((وإن كره ترك ، ويأخذه إن رضى ، وما ترك لا يرجع فيه)) ، وحجتنا : أن الشفعة له حق ، لم يجب له إلا بعد مضى البيع فحينئذ ينظر فيه ، وليس ذلك الشىء أولاً بالذى يوجب إسقاط ما وجب له بعده . وقوله: ((فإن أبى فشريكه أحق به )): ظاهره أنه أحق به إن وقع به التبايع من نقدٍ أو أجل ، وهو قول مالك وأصحابه ، وذهب أبو حنيفة والشافعى إلى أنه لا يشفع إلى أجل ، ولكنه إن شاء شفع الآن فيأخذ بالنقد ، وإن شاء صبر إلى الأجل ، فيشفع به عند حلوله بالنقد . واختلف أصحابنا إذا لم يقم الشفيع إلا بعد حلول الأجل ، هل يضرب له مثل ذلك الأجل أو يأخذ بالنقد ؟ وقوله: (( من كان له شريك)) : عموم فى المسلم والذمى ، وأن الشفعة بينهم وبين المسلمين [ ] (١) . (١) بياض فى الأصل. ٣١٧ كتاب المساقاة / باب غرز الخشب فى جدار الجار (٢٩) باب غرز الخشب فى جدار الجار ١٣٦ - (١٦٠٩) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِك ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: ((لا يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِى جِدَارِهِ » . قَالَ : ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَالِى أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَالله، لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ وقوله عيّة: ((لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة فى جداره ))، قال الإمام : اختلف المذهب عندنا ، هل هذا النهى على الإلزام أم على الندب ؟ فالمشهور عندنا أنه على الندب، والحث على حسن الجوار ، وقيل : بل هو على الإلزام ، وبين أهل الأصول اختلاف فى الأصل ، قد تقدمت الإشارة إليه . وقد قال بعض أهل العلم : يحتمل أن يكون الضيعة من جداره عائداً على الجار ، فكأنه قال : لا يمنع أحد جاره أن يغرز خشبة فى ملك نفسه ، وهذا التحيل فى التأويل لئلا يكون فيه حجة على القول المشهور . قال القاضى : وبأنه على الإلزام قال الشافعى وأحمد ، وبأنه على الندب قال الكوفيون. قوله: (( خشبة)): رويناه فى غير الأم وغيرها بوجهين؛ بلفظ الإفراد، و((خشبه)) بلفظ الجمع . قال عبد الغنى : كان الناس يقوله بالجمع إلا الطحاوى . وقال روح بن الفرج : سألت أبا زيد الحارث بن بكير ويونس وكلهم يقوله : ((خشبة)) بالإفراد . وقوله: ((مالى أراكم عنها معرضين)) : حجة للندب ؛ لأن الصحابة - رضى الله عنهم - لا تعرض عن واجب، لكن لما فهموا الندب تساهلوا . قال الباجى : ويحتمل أن مذهب أبى هريرة الندب ؛ إذ لو كان عنده للوجوب لوبخ الحكام على تركه، ولحكم به لأنه كان مستخلفاً بالمدينة . واختلف إذا احتاج الإذن بجداره لمنفعة له فيه أيحل له إزالته ، أو حكم لزمه وإن كان لغير حاجة ، بل لإرادة الضرر ، فلم يختلف أن ليس له ذلك ؛ لأنه لا يرجع فيما أبيح ، إلا أن يكون أباحه عارية لأمد انقضى . وقوله: ((لأرمين بها بين أكتافكم)): قال القاضى: (( أكتافكم)) هو بالتاء المثناة من كتاب المساقاة / باب غرز الخشب فى جدار الجار ٣١٨ - أَكْتَافِكُمْ. ( ... ) حدثنا زُهُيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهر وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا : أَخْبَرِنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ . ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَّنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. فوق ، والمعنى : أصرح بها لكم وأرجعكم بالتوبيخ على ترك ما رغب فيه رسول الله عَبّ. ورواه بعض رواة الموطأ: ((أكنافكم)) بالنون ، ومعناه : بينكم ، والكنف : الجانب. خالي ٣١٩ كتاب المساقاة / باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها (٣٠) باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها ١٣٧ _ (١٦١٠) حدّثْنَا يَحْتَى بْنُ أُوبَ وَقُتََّةُ بْنُ سَعيد وَعَلَىُّ بْنُ حُجْر، قَالُوا : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرِ - عَنِ الْعَلاَءِ بْنِ عَبِّدِ الرَّحْمَنِّ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِّ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِىِّ، عَنْ سَعِيد بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنٍ نُفّيّلِ؛ أَنَّ رَسُولَ الله عَُّ قَالَ: «مَن اقْتَطَعَّ شِيْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلَمَا، طَوِّقَهُ الله ◌َِّهُ يَوْمَ الْقِيَامَّةِ مِنْ سَيْعٍ أَرَضِينَ)) . ١٣٨ - ( ... ) حدثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى، أَخْبَرَنَا عَبدُ الله بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ مُحَمَّد؛ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيّدِ بْنِ عَمرو بْنِ نُفَيَّلِ ؛ أَنَّ أَرْوَى خَاصَمتُهُ فِى بَعْض وقوله: ((من اقتطع شبرا من الأرض ظلماً ، طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين))، قال الإمام : كان شيخنا أبو محمد عبد الحميد - رحمه الله - كتب إلى بعد فراقى له : هل وقع فى الشرع ما يدل على كون الأراضين سبعاً ؟ فكتبت إليه قول الله تعالى : ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُن﴾ (١) ، وذكرت له هذا الحديث الذى رواه سعيد بن زيد وأبو هريرة وعائشة فى كتاب مسلم ، فأعاد كتابه الذى يذكر فيه أن الآية محتملة : هل مثلهن فى الشكل والهيئة ؟ أو مثلهن فى العدد ؟ وأن الأخبار من أخبار الآحاد، والقرآن إذا احتمل ، والأثر إذا لم يتواتر لم يصح القطع بذلك ، والمسألة ليست من العمليات فيتمسك فيها بالظواهر وأخبار الآحاد ، فأعدت إليه المجاوبة فاحتج لبعد الاحتمال عن الفراق ، وبسطت القول فى ذلك ، وترددت له فى آخر كتابى فى احتمال ما قال أو بقطع المجاوبة . قال القاضى: وقوله: ((طوقه من سبع أرضين)): يحتمل ظاهر لفظه إليه مثله ((من سبع أرضين)) . قيل : هو من الطاقة ، والمعنى : يكلف أن يطيق حمل مثله من سبع أرضين، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢)، ويشهد له قوله فى غير الأم: ((جاء يحمله يوم القيامة إلى سبع أرضين))، وفى أخرى: ((كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر)) . وقيل : هو من الطوق . والمعنى : جعل مثله من سبع أرضين أطواقاً فى عنقه. وغير بعيد أن يطول عنقه لمثل ذلك ، كما جاء فى غلظ جلد الكافر ، وغلط - - (١) الطلاق : ١٢ . (٢) آل عمران : ١٦١ . ٣٢٠ - كتاب المساقاة / باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها دَارِهِ، فَقَالَ : دَعُوهَا وَإِيَّهَا، فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِعَّهُ يَقُولُ: (( مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ، طُوَقَهُ فِى سَبَعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) . اللَّهُمَّ، إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةٌ ، فَأَعْمِ بَصَرَهَا، وَاجْعَلْ قَبْرَهَا فِى دَارِهَا . قَالَ : فَرَأَيْتُهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمسُ الْجُدُرَ ، تَقُولُ : أَصَابَتْنِى دَعْوَةُ سَعِيدِ بْنِ زَيّدٍ. فَبَيْنَمَا هِىَ تَمْشِى فِى الدَّارِ مَرَّتْ عَلَى بِثَرٍ فِى الدَّارِ، فَوَقَعَتْ فِيهَا، فَكَانَتْ قَبْرَهَا. ١٣٩ - ( ... ) حدثنا أَبُو الرَّبيع الْعَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ ؛ أَنَّ أَرْوَى بِنْتَ أُوَيْسَ ادَّعَتْ عَلَى سَعِيدٍ بْنِ زَيْدِ أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهَا، فَخَاصَمَتْهُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمَ . فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئًا بَعْدَ الَّذِى سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ عَُّ؟ قَالَ: وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ عََّ؟ قَالَ: سَمِعَتُ ضرسه، كما قال تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١)، ويشهد له حديث عائشة: ((طوقه من سبع أرضين))، ويحتمل أن يريد أنه يلزم إثم ذلك كلزوم الطوق العنق . وقيل : المعنى: خسف به ومثل الطوق منها . ويشهد له قوله فى الآخر: (( إلى سبع أرضين)) وفى البخارى: ((خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين)) (٢). وقوله: ((من سبع أرضين)) : قال القاضى: الأراضون سبع طباق ، وإنما الخلاف هل فتق بعضها من بعض ؟ قال الداودى : الحديث يدل أنها لم تفتق ؛ لأنها لو فتقت لم يطوق بما ينتفع به غيره . وجاء فى غلظهن وفيما بينهن خبر ليس بصحيح ، واستدل به بعضهم على أن من ملك ظاهر الأرض يملك ما تحتها مما يقابله ، فله منع من تصرف فيه أو يحفر . وقد اختلف العلماء فى هذا الأصل فيمن اشترى دارًا فوجد فيها كنزاً ، أو وجد فى أرضه معدنا ، فقيل : له ، وقيل : للمسلمين . ووجه الدليل من الحديث أنه غصب شبراً فعوقب بحمله من سبع أراضين ، وكذلك يملك مقابل ذلك من الهواء يرفع فيه من البناء ما شاء ما لم يضر بأحد . وتأول بعضهم الحديث على أن المراد بالسبع أراضين : السبعة أقاليم ، وهو تأويل أبطله العلماء ؛ لأنه لو كان المراد ذلك لم يطوقه من غصب شبراً من إقليم شبراً من إقليم آخر ، بخلاف طباق الأرض فإن من ملك شبراً من الأرض ملك تحته . (١) آل عمران: ١٨٠. (٢) البخارى، ك المظالم، ب إثم من ظَلَم شيئاً من الأرض ٣/ ١٧٠، وكذا فى بدء الخلق ، ب ما جاء فى سبع أرضين ٤/ ١٣٠ .