النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
-
کتاب الطلاق / باب طلاق الثلاث
أنت طالق ، فإنها كانت عندهم محمولة فى القديم على التأكيد ، فصار الناس الآن
يحملونها على التحديد ، فألزموا ذلك لقصدهم له .
وقد زعم بعض من لا خبرة له بالحقائق ، أن ذلك كان ثم نسخ . وهذا غلط فاحش
لأن عمر - رضى الله عنه - لا ينسخ، ولو نسخ - وحاشاه منه ــ لبادرت الصحابة إلى
إنكار ذلك عليه، وإن كان يريد أنه نسخ فى حياة النبى عَّه ، فمعنى ما أراد صحيح ،
لكنه يخرج عن ظاهر الخبر فى قوله: ((كان على عهد النبى عَّهِ وأبى بكر))؛ لأنه إذا
نسخ فى عهد النبى ◌ّ لم يصدق الراوى فيما قال ، فإن قال : كان الصحابة قد تجتمع
على النسخ ، فيسمع ذلك منها ، قلنا : صدقت ، ولكن يستدل بإجماعها على أن عندها
نصًا نسخت به نصا آخر ، ولم ينقل إلينا الناسخ اكتفاء باجتماعها ، وإما أن تنسخ من
تلقاء نفسها ، فمعاذ الله ؛ لأنه إجماع على الخطأ ، وهى معصومة منه .
ولو قدر أن النسخ ظهر لهم فى أيام عمر ، وقد أجمع عصر أبى بكر الصديق - رضى
الله عنه - على خلاف حكم الناسخ، لم يصح ذلك، ولأنه لا يكون إجماعاً على الخطأ،
ونحن لا نراعى انقراض العصر ، وهو مذهب المحققين من أهل الأصول .
وأما رواية أبى داود عن أبى الصهباء ؛ أن ذلك كان فيمن لم يدخل بها ، فقد ذهب
إلى هذا المذهب قوم من التابعين ، من أصحاب ابن عباس ، ورأوا أن الثلاث لا تقع على
غير المدخول بها ؛ لأنها بالواحدة تبين ، وبقوله : أنت طالق ، بانت . وقوله ثلاثا ،
كلام وقع بعد البينونة فلا يعتد به ، وهذا باطل عند جمهور العلماء ؛ لأن قوله : أنت
طالق، أعناه : ذات طلاق، وهذا اللفظ يصلح للواحدة كما ذكر. وقولهم: (( ثلاثا))
تبين لمعنى قوله : ذات طلاق ، فلا يصح إطراحه .
قال القاضى: قوله: ((كانت لهم فيه أناة)»: أى مهلة وبقية استمتاع وانتظار
للرجعة، كما قال تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (١).
وقوله: ((فلما كانت فى عهد يتايع الناس فى الطلاق ، فأجازه عليهم)» : كذا
روايتنا عن أكثرهم: ((يتابع)) بياء باثنتين تحتها، وكان عند ابن أبى جعفر: (( تتابع ))
بياء واحدة ، وهما بمعنى ، إلا أن الياء باثنتين إنما تستعمل فى الشر ، وهى أليق بهذا
المعنى .
ومعنى: ((هات من هناتك)): أى من أخبارك / وأمورك، وكأنها هنا فيما يستغرب ٢٥٢ /ب
وينكر، كأنه قال : من فتواك المنكرة وأخبارك المكروهة ، يقال : فى فلان هنات : أى
أشياء منكرة . وهى جمع هنة ، ولا يستعمل هكذا إلا فيما يكن عنه . وأما الهنة والهنات
تحملا فى غير هذا ، فيستعمل فى كل شىء ، ويكنى عن كل أمر وقد تقدم من شرحه .
(١) الطلاق : ١ .

٢٢ -
کتاب الطلاق / باب طلاق الثلاث
وذهب بعض أهل الظاهر إلى أن إيقاع الثلاث واحدة ، وهو مذهب طاووس ؛ أخذًاً
بظاهر الحديث . وقيل : هو مذهب الحجاج بن أرطاة ، ومحمد بن إسحق ، وقد روى
عنهما ، أنه لا يلزم منها شىء . وهذان قولان لم يقل بهما أحد من فقهاء الأمصار وأئمة
الفتوى .

٢٣
كتاب الطلاق / باب وجوب الكفارة على من حرّم امرأته ... إلخ
(٣) باب وجوب الكفارة على من حرّم امرأته ولم ينو الطلاق
١٨ - (١٤٧٣) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَاَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ
هِشَامٍ - يَعْنِى الدَّسْتَوَانِىَّ - قَالَ: كَتَبَ إِلَىَّ يَخْتَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ يُّحَدِّثُ عَنْ يَعْلَى بّنِ
حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنَ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنٍ عَّاسٍ ؛ أَنَّهُ كَّانَ يَقُولُ فِى الْحَرَامِ : يَمِنَّ
يُكَفَّرُهَا .
وَقَلَ ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١).
١٩ - ( .. ) حدّثْنا يَحْيَى بْنُ بِشْر الْحَرِيرِىُّ، حَدَّثَنَاَ مُعَاوِيَةُ - يَعْنِى ابْنَ سَلام -
عَنْ يَحْبَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ ؛ أَنَّ يَعْلَى بْنَّ حَكِيَمَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ سَعِيَدَ بْنَ جُبَيْرِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ
سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : إِذَا حَرّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ أَمْرَأَتَهُ فَهِىَ يَمِينْ يُكَفِّرُهَا. وَقَالَ: ﴿لَقَدْ
كَانَّ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ .
٢٠ - (١٤٧٤) وحدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتم، حَدَّثْنَاَ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّد، أَخْبَرَنَاَ
ابْنُ جُرِيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَّ عُمَيْرٍ يُخْبِرُ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تُخْبِرُ ؛
أَنَّ النَّبِىَّ ◌َّهُ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشِ فُيَشْرَبُ عِنْدَهَاَ عَسَلاَ. قَالَتْ:
فَتَوَطَّيْتُ أَنَاَ وَحَفْصَةُ ؛ أَنَّ أَتَنَاَ مَادَخَلَّ عَلَيَّهَاَ النَّبِىُّ ◌َّهِ فَلْنَقُلَّ: إِنِّى أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ
مَغَفِيرَ. أَكَلْتَ مَغَفِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَاَ فَقَالَتْ ذَلَكَ لَهُ. فَقَالَ: (( بَلْ شَرَبْتُ
عَسَلَا عِنْدَ زَيَّنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَلَهُ)) فَنَزَلَ: ﴿لَمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّاللَّهُ لَكَ﴾.
قال الإمام : ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول فى الحرام: (( يمين يكفرها ))، وقال
ابن عباس : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ ، وذكر حديث سبب نزول قوله
تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك﴾ (٢)، وتواطؤ عائشة وحفصة على قولهما: ((أجد منك
ريح مغافير))، قال الإمام : إذا قال لزوجته : أنت علىّ حرام ، فاختلف المذهب فى
ذلك. فالمشهور أنها ثلاث تطليقات ، يكون كما قيل فى غير المدخول بها خاصة ، ولعبد
الملك فى المبسوط : لا ينوى فى أقل وإن لم يدخل ، وعند أبى مصعب ومحمد بن عبد
(١) الأحزاب : ٢١ .
(٢) التحريم : ١ .

٢٤
كتاب الطلاق / باب وجوب الكفارة على من حرّم امرأته ... إلخ
إِلَى قَوْله: ﴿ إِن تَتُوبَا﴾(١) لعَائِشَةً وَحَفْصَةَ ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىْ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ (٢)
القَوْله: ((بَلْ شَرِبْتُ عَسلا)) .
٢١ - ( ... ) حدّثنا أُبُو كُرَيْب مُحَمَّدُ بْنُ الْعُلَا وَهَرُونُ بْنُ عَبْد الله، قاَلًا:
حَدَّثَنَاَ أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبيّه، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِعَّهُ يُحِبُّ
الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ . فَكَانَ إِذَاً صَلَّى الْعَصْرَ دَارَ عَلَى نسائه، فَيَدْنُو مِنْهُنَّ. فَدَخَلَ عَلَى
حَفْصَةَ فَاحْتَبَسَ عِنْدَهَا أَكْثَرَ ممَّا كَانَ يَحْتَبَسُ ، فَسَأَلْتُّ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ لِى : أَهْدَتْ
لَهاَ امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةً مِنْ عَسَل، فَسَقَّتْ رَسُولَ اللهِعَ مِنْهُ شَرْبَّةٌ. فَقُلْتُ: أَمَا
وَله، لَنَحْتَالَنَّ لَهُ. فَذَكَرَّتَّ ذَلِكَ لِسَوْدَةَ، وَقُلْتُ : إِذَا دَّخَلَ عَلَيْكِ فَإِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ،
الحكم : هى لمن لم يدخل بها واحدة ، وللمدخول بها ثلاث . وذكر ابن خويز منداد عن
مالك : أنها واحدة بائنة ، وإن كانت مدخولا بها ، وحكى ابن سحنون عن عبد العزيز
ابن أبى سلمة أنها واحدة رجعية .
وقد اختلفت أجوبة مالك وأصحابه ، فى كنايات الطلاق ، فسلكوا فيها طرقا مختلفة،
ففى بعضها يحمل اللفظ على الثلاث ، ولا ينوى فى أقل ، وفى بعضها [ ينوى فى أقل
وفيه ] (٣) يحمل على الواحدة حتى ينوى أكثر منها ، وفى بعضها : ينوى قبل الدخول ولا
ينوى بعده ، وبعضها فيمن لم يدخل بها واحدة ، وفى المدخول بها ثلاث .
هذا جملة ما يقولونه فى ذلك ، ويختلفون فى بعض الألفاظ من أى هذه الأقسام هو
تفصيل ذلك ، وذكر / الروايات فيه وتعديد الألفاظ فيه طول ، ولكنا نعقد أصلا يرجع إليه
جميع ما وقع فى الروايات على كثرتها ، ويعلم منه سبب اختلافهم ، فيما اختلفوا فيه،
ووجه تفرقتهم فيما فرقوا فيه ، ووجه التنويه فى [ بعض ] (٤) دون بعض .
١/٢٥٣
فاعلم أن الألفاظ الدالة على الطلاق ، إما أن تدل عليه بحكم وضع اللغة ، وبحكم
عرف الاستعمال ، أو لا تكون لها دلالة عليه أصلا ، وإن لم يكن لها دلالة عليه فلا فائدة
فى ذكرها ها هنا ، وإن كانت لها دلالة عليه فلا تخلو إما أن تكون دلالتها عليه فى اللغة
أو فى الاستعمال تتضمن البينونة والعدد بقولهم : أنت طالق ثلاثاً فهذا لا يختلف فى وقوع
الثلاث وأنه لا ينوى ، ولا يفترق الجواب فى المدخول بها وغير المدخول بها ، ويكون
(١) التحريم : ١ - ٤.
(٣) سقط من الأصل ، واستدرك فى الهامش بسهم.
(٤) ساقطة من الأصل ، واستدركت بالهامش .
(٢) التحريم : ٣.

٢٥
كتاب الطلاق / باب وجوب الكفارة على من حرّم امرأته ... إلخ
فَقُولى لَهُ: يَرَسُولَ اللهِ، أَكَلْتَ مَغاَفِيرَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَك: لا. فَقُولِى لَهُ: مَا هَذه
الرِّيَحُ؟ - وَكَانَ رَسُولُ الله ◌َّهُ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ - فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكَ:
سَقَتْنِى حَقْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلَ . فَقُولِى لَهُ: جَّرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ . وَسَأَقُولُ ذَلِكَ لَهُ،
وَقُولَيْهِ أَنْت بِأَصَفيَّةٌ . فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى سَوْدَةَ . قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: وَاَلَّذِى لاَ إِلَهَ إلا
هُوَ ، لَّقَدْ كَدْتُ أَنْ أُبَدتَهُ بِالَّذِى قُلْت لى، وَإِنَّهُ لَعَلَى الْبَبِ، فَرَقًا مِنْكَ. فَلَمَّا دَنَاَ
رَسُولُ اللهِ عَّهُ قَالَتْ: يَاَ رَسُولَ اللهِ، أَكَّلْتَ مَغَافِيرَ؟ قالَ: (( لا)). قَأَلَتَ: فَمَاَ هَذه
الرِّيحُ؟ قَالَ: ((سَقَتَّنِى حَقْصَةُ شَرْبَةً عَسَل)). قَلَتْ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ . فَلَمََّ
دَخَلَ عَلَىَّ قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى صَفِيَّةً فَقَالَتْ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، فَلَمَّا دَخَلَ
دلالتها على البينونة وانقطاع الملك خاصة ، فينظر فى ذلك ، هل يصح انقطاع الملك
والبينونة بالواحدة أو لا يصح فى الشرع إلا بالثلاث ؟ وهذا أصل مختلف فيه ، إذا لم تكن
معه معاوضة، أو يكون يدل على عدد غالبا قد يستعمل فى غيره نادراً ، فيحمل مع عدم
القصد على الغالب ، ومع وجود القصد على النادر إذا قصد إليه وجاء مستفتياً فيه ، وإن
كانت عليه بينة ، فتختلف فروع هذا القسم ، وإن كان يستعمل فى الأعداد استعمالا متساويا
وقصد إلى أحد الأعداد ، قبل منه ، جاء مستفتيا أو قامت عليه بينة ، وإن لم يكن له قصد
فهذا موضع الاضطراب .
فمن أصحابنا من يحمله على أقل الأعداد واستصحاباً لبراءة الذمة ، وأخذا بالمتيقن
ودون ما زاد، ومنهم من يحمله على أكثر الأعداد أخذاً بالاحتياط ، واستظهارا فى صيانة
الفروج ، ولا سيما على قولنا : إن الطلقة الواحدة تحرّم ، فكأن الاستباحة بالرجعة مشكوك
فيها هنا ، ولا تستباح الفروج بالشك .
فاضبط هذا ، فإنه من أسرار العلم ، وإليه ينحصر جميع ما قاله العلماء المتقدمون فى
هذه المسائل ، وبه تضبط مسائل الفتوى فى هذا الفن ، وأقرب مثال يوضح لك هذه
الجملة، ما نحن فيه من مسألة القائل : الحلال علىّ حرام ، فقولهم فى المشهور أنها ثلاث،
وينوى فى غير المدخول بها فى أقل ، بناء على أن هذا اللفظ وضع لإبانة العصمة ، وأنها
لا تبين بعد الدخول بأقل من ثلاث ، وتبين قبل الدخول بواحدة ، ولكنها فى العدد غالبا
فى الثلاث ، ونادرا فى أقل منه ، فحملت قبل الدخول على الثلاث ، ونوى فى أقل .
وقول عبد الملك : لا ينوى فى أقل وإن لم يدخل بها ، بناء على أنها موضوعة
للثلاث ، لقوله : أنت طالق ثلاثا ، ويلحق بأول الأقسام التى ذكرنا .
وقول أبى مصعب : هى فى التى لم يدخل بها واحدة ، والمدخول بها ثلاث ، بناء

٢٦
كتاب الطلاق / باب وجوب الكفارة على من حرّم امرأته ... إلخ
عَلَى حَفْصَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلا أَسْقِيكَ مِنْهُ؟ قَالَ: ((لا حَاجَةً لِى بِهِ)) .
قالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: سُبْحَانَ الله لَقَدْ حَرَمْنَاهُ. قالَتْ: قُلْتُ لَهاَ: اسْكُنِى.
( .. ) قاَلَ أَبُو إسْحَقَ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَاَ الْحَسَنُ بَنْ بِشْرِ بْنِ الْقاسم ، حَدَّثَنَاَ
أَبُو أَسَامَةَ، بَهَذَا سَوَاءٌ. وَحَدَّثَنِيْهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَاَ عَلِىٌّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ
ابْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَاَدِ ، نَحْوَهُ.
على أنها لا تفيد عددا ، وإنما تفيد البينونة لا أكثر ، والبينونة تصح فى غير المدخول بها
بواحدة ، ولا تصح فى المدخول بها إلا بالثلاث ، على إحدى الطريقتين التى ذكرنا .
وقول ابن خويز منداد عن مالك : أنها واحدة ثابتة ، وإن كانت مدخولاً بها ، بناء
على أنها لاتفيد عددا ، كطريقة أبى مصعب ، ولكن عنده أن البينونة تصح بعد الدخول
بواحدة . فمن هاهنا افترقت طرقهم .
٢٥٣/ ب
وقول ابن أبى سلمة ، بناء على أنها تفيد انقطاع الملك/ على صفة ، ولا تستعمل
غالباً فى الثلاث، فحكم. لكونها واحدة لصحة معنى اللفظ فى الواحدة، وهى كونها محرمة
عندنا وإن كانت الطلقة رجعية، وهكذا محتمل قول عبد الملك وربيعة فى الخلية
والبرية، والبائنة: أنها فى غير المدخول بها واحدة، مأخوذ من إحدى هذه الطرق التى ذكرنا.
وتنويه أشهب فى الخلية والبرية وإن كانت مدخولا بها على ما حكى عنه أبو الفرج ،
يؤخذ - أيضا - من إحدى هذه الطرق التى قدمنا .
وعلى هذا يخرج من المسائل مالا يحصى كثرة فاحتفظ به فإنه عقد حسن .
وقد كثر اختلاف الصحابة فى مسألة القائل : الحلال علىّ حرام ومن سواهم من
العلماء ، هل هو ظهارٌ أو يمين تكفر ، ولا يلزم فيه شىء إلا فى الزوجة كما قال مالك :
والذى يلزم فى الزوجة فيه الخلاف الذى ذكرناه وفى بعض ما أوردناه كفاية .
قال القاضى : للعلماء خلاف كثير فى الحرام ، فمنها هذه الأقوال المتقدمة الخمسة ،
ومشهور قول مالك منها بقول جماعة ، منهم : على وزيد والحسن والحكم ، وبقول عبد
الملك، قال ابن أبى ليلى ، وفيها ثمانية أقوال أُخر ، منها قول ابن شهاب : أن له نيته ولا
تكون أقل من واحدة . وقول سفيان : إن نوى ثلاثا فثلاث ، وإن نوى واحدة فواحدة ،
وإن نوى يمينا فيمين، وإن لم ينو شيئا فلاشىء، هى كذبة. وقول الأوزاعى وأبى ثور مثله،
إلا أنه قال : وإن لم ينو شيئا فكفارة يمين .
وقول الشافعى : إن نوى الطلاق فما أراد من عدده وإن كان نوى واحدة فهی رجعية،

٢٧
كتاب الطلاق / باب وجوب الكفارة على من حرّم امرأته ... إلخ
وروى مثله عن أبى بكر وعمر وغيرهم من الصحابة والتابعين ، وإن أراد تحريمها فكفارة
يمين ، وليس بُجُلٍ .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن نوى الطلاق فواحدة بائنة ، إلا أن ينوى ثلاثا ، فإن
نوى اثنتين فهى واحدة ، وإن لم ينو شيئا فهى يمين وهو مول ، وإن نوى الكذب ، فليس
بشىء ، وقال مثله زفر إلا أنه قال : إذا نوى اثنتين لزمتاه ، وقال إسحق : فيها كفارة
الظهار ، وقال بعض التابعين : هى يمين يكفرها ما يكفر اليمين ، وذكره مسلم عن ابن
عباس ، وقيل : هى كتحريم الماء والطعام، لا يلزمه فيه شىء ، وهو قول الشعبى ومسروق
وأبى سلمة ، وهو قول أصبغ .
وهذا فى الحرائر ، وأما فى الإماء فلا يلزم التحريم فيهن عند مالك ، كالطعام ،
وذلك لغو فيما عدا الأزواج ، وذهب عامة العلماء إلى أن عليه كفارة يمين لمجرد التحريم ،
وقال أبو حنيفة : إذا قال ذلك حرم عليه ما قاله فيه من طعام وغيره ، ولا شىء عليه ،
حتى إذا تناوله لزمته كفارة يمين ، وأم الولد كالأمة على ما تقدم .
وقوله: ((إنى أجد منك ريح مغافير))، قال الإمام : المغافير جمع مغفور ، وهو
صمغ حلو كالناطف ، وله رائحة كريهة ، ينفخه شجر يقال له : العرفط وهو بالحجاز .
وقوله : ((جَرَسَتْ نَحْلُه )»: أى أكلت ، قال أبو عبيد فى مصنفه : يقال : جرست
النحل تجرس جرساً : إذا أكلت لتعسل . قال الهروى : ويقال : النحل جوارس ، بمعنى:
أواكل .
قال القاضى: وقع فى الأصل: ((مغافر)) بغير ياء التعويض ، والصواب إثباتها ؛
لأنها عوض من الواو أتى فى المفرد ، وإنما جاءت محذوفة فى ضرورة الشعر . وقال
بعضهم : العرفط نبات له ورقة عريضة تفترش على الأرض له شوكة حجناء ، وثمرة بيضاء
كالقطن ، مثل زر القميص ، خبيث الرائحة ، وتخبث رائحة راعيه ورائحة ألبانها ، حتى
يتأذى منه الناس ، وزعم المهلب أن رائحة المغافير والعرفط حسنة ، وهو خلاف ما يقتضيه
الحديث ، وما قاله الناس ، قال أهل اللغة : العرفط من شجر العضاة ، وهو كل شجر له
شوك ، وقيل : رائحته تشبه رائحة النبيذ ، وكان النبى - عليه السلام - يكره أن يوجد منه
رائحة تكره .
وقوله: ((عكة من عسل)) : هى أصغر من القربة .
وقولها : ((فكدت أن أبادئه فَرَقاً مِنْكٍ)) : أى ابتداؤه بالكلام قبل أن تدنو منى خوفا
منك، وفى رواية ابن الحذاء: (( أناديه )) من النداء ، وليس بشىء.
٠٠

٢٨
كتاب الطلاق / باب وجوب الكفارة على من حرّم امرأته ... إلخ
وفى هذا الحديث إفشاء السر ذنب تجب التوبة منه، لقوله تعالى: ﴿إِن تُتُوبَا إِلَى
الله﴾(١)، وكذلك التظاهر على الزوج وعلى المؤمن فيما يضر به، ويتأذى منه ، ويقطع
منفعة عنه . وفيه كرامة نبينا - عليه السلام - وهذه الأمة ، بأن الله لم يلزمها ما حرمته
على نفسها ، كما فعل بمن تقدم من الأنبياء والأمم .
وقوله : فنزل: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك﴾ (٢): قد اختلف فى سبب نزولها ، فجاء
عن عائشة : أنه فى هذه القصة ، وعن زيد بن أسلم : أنها نزلت فى تحريمه عليه مارية
جاريته ، وحلفه ألا يطأها .
ولا حجة لمن أوجب فى التحريم بظاهر الآية كفارة يمين بقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ
تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٣) لما روى أنه قال: ((والله لا أطؤها))، ثم قال: ((هى علىّ حرام))،
وروى مثل ذلك من حلفه على شربه العسل المذكور وتحريمه ، ذكره ابن المنذر فى رواية
البخارى: ((لن أعود له وقد حلفت، لا تخبرى بذلك أحداً )) (٤).
وقال الطحاوى: قال النبى معَّه فى شرب العسل : لن يعود إليه ، ولم يذكر يمينا ،
لكن قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ يوجب أن يكون قد كان هناك يمين .
قال القاضى : قد ذكرنا ما فى كتاب البخارى من قوله: ((قد حلفت ، لا تخبرى
بذلك أحدا)) ، فهذه يمين إن نوى بها الحلف بالله ، وهو ظاهره . وقد استدل بعض
العلماء بقوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك﴾ على أن ماعدا الزوجات لا يحرم بلفظ التحريم
من الإماء وغيرهن على ما تقدم لإباحة ذلك فى الحرة بالطلاق .
وقوله: ((كان - عليه السلام - يحب الحلواء والعسل)): حجة فى استعمال مباحات
الدنيا ، وأكل لذيذ الأطعمة . والحلواء هنا : كل طعام مستحلى .
١/٢٥٤
ودورانه المذكور فى الحديث بعد العصر على نسائه إما لأن حكمه فى القسم بخلاف
غيره كما تقدم / فإن العدل غير واجب ، لكنه كان مع هذا يعدل ، فيفعل هذا فى كل
واحدة، ليسوى بينهن فى نفسه ، وأما على وجوب القسم ، فإنما لكل واحدة يومها ، ولا
يسوغ مثل هذا معهن إلا برضى جميعهن ؛ لأنها مشاركة فى يومها لهن ، وقد يحتج بهذا
من يرى العدل إنما يختص بالمبيت لا فى الزيادة ، وقد تقدم هذا وقد جاء فى الأم : (( كان
رسول الله ﴾ يستأذننا إذا كان فى يوم المرأة منا))، وهذا يوضح صحة ما تأولناه قبل ،
وقال الداودى : كان جعل ما بعد العصر ملغى ، كأنه يشير إلى ما تقدم ، أن جعله وقتا
مشتركا لجميعهن .
وذكر فى حديث حجاج عن ابن جريج ؛ أن التى شرب عندها العسل زينب ، وأن
(١) التحريم : ٤ .
(٤) البخارى ، ك التفسير، ب سورة التحريم. الفتح (٤٩١٢).
(٣) التحريم: ٢ .
(٢) التحريم : ١ .

٢٩
كتاب الطلاق / باب وجوب الكفارة على من حرّم امرأته ... إلخ
المتظاهرتين عائشة وحفصة ، وكذلك جاء فى حديث ابن عباس وعمر؛ أن المتظاهرتين هما .
وذكر مسلم - أيضا - من رواية أبى أسامة عن هشام أن حفصة هى التى شرب عندها
العسل ، وأن عائشة وسودة وصفية هن اللواتى تظاهرن عليه ، والأول أصح.
قال النسائى فى حديث حجاج : إسناد جيد صحيح غاية . قال الأصيلى : حديث
الحجاج أصح طرقه ، وهو أولى بظاهر كتاب الله وأكمل فائدة ، يريد بقوله: ﴿ وَإِن تَظَاهَرَا
عَلَيْهِ﴾ (١)، فهما اثنتان لا ثلاثة كما جاء فى رواية أبى أسامة ، وأن المتظاهرتين عائشة
وحفصة كما قال فيه، واعترف به عمر - رضى الله عنه - وانقلبت الأسماء فى الرواية
الأخرى .
كما أنه الصحيح فى أمر العسل ، لا فى قصة أم إبراهيم ، كما جاء فى غير
الصحيحين (٢) ، ولم يأت بتلك القصة طريق صحيح ، قال النسائى : حديث عائشة فى
العسل إسناده جيد صحيح غاية .
وقوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىْ بَعْضٍ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ (٣) لقوله: ((بل شربت عسلاً)) كذا
جاء فى مسلم ، وفيه اختصار وتمامه: ((ولن أعود إليه وقد حلفت ، لا تخبرى بذلك
أحدا )) على ما رواه البخارى، فهذا أحد الأقوال فى ذلك ، وذلك لئلا تبلغ الأخرى الخبر ،
وأنه فعله ابتغاء مرضاة أزواجه ، فيتغير قلبها . وقيل بل ذلك فى قصة مارية ، واستكتامه
حفصة ألا تخبر بذلك عائشة . قيل : بل أسرّ إلى حفصة أن الخليفة بعده أبو بكر ثم
عمر .
(١) التحريم : ٤ .
(٢) الطبرانى فى الكبير رقم (١١١٣٠) وقال الهيثمى فى المجمع: ورواه الطبرانى فى الأوسط من طريق موسى
ابن جعفر بن أبى كثير عن عمه . وقال الذهبى : مجهول وخبره ساقط .
(٣) التحريم : ٣ .

٣٠
كتاب الطلاق / باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية
(٤) باب بيان أن تخییر امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية
٢٢ _ (١٤٧٥) وحدّثنى أُبُو الطَّاهر، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب. ح وَحَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ
يَحْيَى النُّجَبِىُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَ عَبَّدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرِنِى يُونُسَُ بْنُ يَزِيدَ،
عَنِ ابْن شهاَب، أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْد الرَّحْمَن بْنَ عَوْف؛ أَنَّ عَائشَةَ قَالَتْ:
لَمَّا أُمَرَّ رَّسُولُ اللهِ عَ بِتَخْبِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِى. فَقَلَ: (( إِنَّىَّ ذَاكِرٌ لَكَ أَمْرًا ، فَلا
عَلَيْكَ أَلا تَعْجَلِىَ حَتَّى تَسْتَأْمَرِى أَبَوَّيَّك))َ. قَلَتْ: قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَىَّ لَمْ يَكُونَاَ
لِيَأْمُرَانِى بِفرَاقِهِ. قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: ((إنَّ اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَالَ: ﴿ يَا أَيُّهَا النَِّيُّ قُل
لِأَزْوَاجِكَ إِن كُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً . وَإِن
كُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًاً عَظِيمًا﴾)) (١).
قَالَتْ: فَقُلْتُ: فى أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَىَّ ؟ فَإِنِّى أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخرَةَ .
قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللهِ ◌َّهُ مِثْلَ مَا فَعَّلْتُ .
٢٣ _ (١٤٧٦) حدّثنا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَاَ عبَّاهُ بْنُ عَبَّاد، عَنْ عَاصِمِ، عَنْ
مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَلَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ عَّةٍ يَسْتَأْذُنُنَاَ، إِذَا كَانَ فِى يَوْمٍ
الْمَرْأَةُ منَّا، بَعَّدَ مَا نَزَلَتْ: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنَ تَشَاءَ﴾ (٢). فَقَلَتَّ
لَهاَ مُعَاذَةُ: فَمَاَ كُنْت تَقُولِينَ لَرَسُول الله عَّهِ إِذَا اسْتَأْذَنَك؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَقُولُ: إِنْ
كَانَ ذَاكَ إِلَىَّلَمْ أُوْثِرْ أَحَدًا عَلَى نَفْسِى.
( ... ) وحدّثناه الْحَسَنُ بْنُ عيسَى، أَخْبَرَنَاَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَاَ عَاصِمٌ، بِهَذَا
وقول عائشة : (( لما أمر النبى
نساءه فلم يكنّ طوالق .
ـّه بتخيير أزواجه بدأ بى)) الحديث: وفيه أنه خيرٌ
قال الإمام : التخيير عندنا والتمليك حكمهما مفترق ، ففى التمليك ، وهو قوله :
((أمرك بيدك))، له التناكر فى الثلاث إذا نوى أقل، وفى التخيير لا مناكرة له، وقال
ابن الجهم من أصحابنا : له المناكرة فى التخيير ، ويصدّق أنه أراد واحدة ، وتكون بائنة ،
(١) الأحزاب : ٢٨، ٢٩ .
(٢) الأحزاب : ٥١ .

٣١
كتاب الطلاق / باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية
الإِسْنَاَدِ، وَنَحْوَهُ.
٢٤ - (١٤٧٧) حدّثْنا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى التَّميمىُّ، أَخْبَرَنَاَ عَبْثَرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ
ابْنِ أَبِى خَالد، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ مَسْرُوق قَالَ: قَلَتْ عَائِشَةُ: قَدْ خَيَّرَنَاَ رَسُولُ الله
◌َ فَلَمْ نَعُدَُّ طَلَاقًا .
٢٥ _ ( ... ) وحدّثّناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلَىُّ بْنُ مُسْهِر، عَنْ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالد، عَن الشَّعْبِىُّ، عَنَّ مَسْرُوق، قالَ: مَا أَبَلَى خَيَّرْتُ امْرأَتى
وَأَحدَةً أَوْ ماتَّةً أَوْ أَلْقَّاً، بَعْدَّ أَنْ تَخَتَرَنِى. وَلَقَدْ سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: قَدْ خَّرَنَا
رَسُولُ اللهِعَّ، أَفَكَانَ طَلَاقًا ؟
٢٦ - ( ... ) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَاَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر، حَدَّثَنَاَ شُعْبَةَ،
عَنْ عَاصِمِ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ مَسْرُوق، عَنْ عَائشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِّعٌَّ خَّرَ نسَاءَهُ.
فَلَمْ يَكُنْ طَّلاقًا .
٢٧ - ( ... ) وحدّثنى إسْحَقُ بْنُ مَنْصُور، أَخْبَرَنَاَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ ،
عَنْ عَاصِمِ الأَحْوَلِ وإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنَّ مَسْرُوقٍ ، عَنْ
وهذا كلّه يعرف وجه التحقيق فيه ، من العقد الذى قدمناه قبل هذا ، فكأنهم فى المشهور
من المذهب، رأوا أن التخيير وضع للبينونة ولا يكون فى المدخول بها بأقل من ثلاث ، فلم
يمكنوه من المناكرة ، ورأى ابن الجهم ، أنها تكون بالواحدة البائنة ، فمكنه من المناكرة.
وفرق المذهب بين التخيير والتمليك لهذا المعنى أيضا ، وهو أن التخيير جرى
الاستعمال فيه بالبينونة ، فلم يجر الاستعمال بذلك فى التمليك ، فافترق حكمهما ، وإذا
ملكها عدداً ، فلا يخلو - أيضا - أن نورده بلفظ لا يدل الاقتصار على ما تضمنه ، أو لفظ
يدل على الاقتصار عليه ، فإن كان بلفظ لا يدل على الاقتصار ، فقضت بالأقل ، فلها
ذلك، لأنه ملكها العدد فما دونه ، وإن قضت بأكثر ، ففى لزوم العدد الذى ملكها خلاف
أيضا، وإن قضت بأقل ففى لزوم ما قضت به أيضا خلاف .
ووجه الخلاف فى الأكثر إذا قضيت به هل يسقط ما ملكها أو يثبت ؟ أن من أسقطه
رأى أنه ملكها على صفحة ، فقضت بخلافها ، فلا يلزمه ما قضت به ؛ لأنه إذا ملكها
تطليقتين فقضت بالثلاث ، فإن الثلاث غير التطليقتين ، فلا يلزمه التطليقتان وقد قضت
بغيرهما ، ووجه القول باللزوم ، أن الزائد على ما تملكه كالعدد ، فكأنها لم تنطق به
واقتصرت على ما تملكه فلزمه .

٣٢
كتاب الطلاق / باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية
عَائِشَةَ، قَلَتْ: خََّنَاَ رَسُولُ اللهِ عَهُ، فَاخْتَرْنَاهُ . فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلَاقًا.
٢٨ - ( ... ) حدّثنا يَحْبَى بْنُ يَحْبَى وَأَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأُبُوكُرَيْب - قَالَ
يَحْبَى: أَخْبَرَنَاَ. وَقَالَ الآخَرَان: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلَمٍ، عَنْ
مَسْرُوُقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتَّ: خَّرْنَاَ رَسُولُ اللهِ عَ فَاخْتَرْنَهُ. فَلَمْ يَعْدُذْهَا عَلَيْناً
شيئًا.
( ... ) وحدّثْنى أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَاً
الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَاتِشَةَ. وَعَنِ الأَعْمَشِ، عَنَّ مُسْلِمٍ ، عَنْ
مَسْرُوُقٍ ، عَنْ عَاتِشَةً . بِمِثْلِهِ.
٢٩ - (١٤٧٨) وَحَدَّثَنَا زُهْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَاَ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَاَ زَكَرَّاءُ
ابْنُ إِسْحَقَ، حَدَّثَنَاَ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبَّد الله، قاَلَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأَذِنُ عَلَى
رَسُولَ اللهِ عَُّ، فَوَجَدَ النَّاسََ جُلُوسَّا بِبَأَبِهِ لَمَّيُؤَذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ . قَلِّ: فَأَذَنَ لأَبِى
بَكْرٍ،َ فَدَّخَلَ . ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَّ فَأُذَنَ لَهُ. فَوَجَدَ النَّبِىَّ ◌َّهُ جَالِسًا، حَوََّهُ
ووجه الخلاف أيضا ، إذا ملكها عدداً فقضت بأقل ، إن من لم يلزمه فلأنها قضت
على غير الصفة التى أعطاها، فلا يلزمه ما قضت به، لا سيما وللمُملّك فى الأعداد غرض؛
لأن الأكثر منها يسقط النفقة ، ويحل لأخت المطلقة ، ولا يلزم خلاف غرضه، وكمن باع
منه ثلاث أثواب ، فأراد قبول واحد منها ، فليس ذلك له .
وقد ألزم ابن القصار إذا ملكها أمرها ، وأمر امرأة أخرى معها فطلقت نفسها خاصة،
أن ذلك لا يلزمه ، ورأى أنه فى معنى من ملك عدداً فقضت عليه بأقل منه . ومسألة ابن
القصار هذه للنظر فيها عندى مجال ، وتفتقر إلى تفصيل ، ووجه القول بأنه إذا قضت بأقل
لزم ، أنه كمن وهب ثلاثة أثواب ، فقبل واحداً منها ، وهذا للآخرين أن ينفصلوا منه ،
ويقولوا : لو صح أن يكون له غرض فى قبوله منه الثلاثة جميعا ، لم يكن الموهوب من
قبول واحد .
وقولها: ((فلم يعد ذلك طلاقاً)): فيه رد على من يقول : إنه يلزمه الطلاق وإن
اختارت الزوج .
قال القاضى: وقولها: ((فلم يكن طلاقاً)) وفى الرواية الأخرى: (( فاخترناه فلم يعد
علينا شيئا)) : اختلف العلماء فى التخيير إذا اختارت المرأة نفسها ما يكون ؟ ، فقيل

٣٣
كتاب الطلاق / باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية
نساؤُهُ، وَاجِمًا سَاكِتًا. قَالَ: فَقَالَ: لِأَقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ النَّبِىَّ ◌َِّ. فَقَالَ: بَآَ رَسُولَ
الله، لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارجَةَ سَأَلَتْنِى النَّفَقَةَ فَقُمْتُ إِلَيْهاَ فَوَجَأْتُ عُنقَهاَ . فَضَحِكَ
رَسُولُ اللهِ عَ وَقَالَ: ((َ هُنَّ حَوْلَى كَمَا تَرَى، يَسْأَلْنَتِى النَّفَقَةَ. فَقَمَ أَبُو بَكْرِ إِلَى
عَائِشَةَ يَجَأَ عُنْقَهاَ. فَقَمَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنْقَهَا. كَلاهُمَاَ يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ
الله ◌َُّ مَلَيْسَ عِنْدَهُ. فَقُلْنَ: وَالله، لا نَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ عَّهِ شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ.
٠
القولان المتقدمان عندنا : أنها ثلاث بكل حال ، وهو مشهور قول مالك ، وقاله الليث
والحسن .
ثم اختلف عندنا إذا قضت بأقل من ثلاث ، فقال مالك : لا يلزمه وسقط ما بيدها ،
وقال أشهب: ترجع على خيارها . وقال عبد الملك : هى ثلاث بكل حال ، وقيل : إنها
واحدة بائنة ، وهو قول أبى حنيفة ، وحكى عن مالك ، وروى عن على بن أبى طالب .
وقيل : واحدة رجعية ، وهو قول عبد العزيز والشافعى والثورى وابن أبى ليلى وأبى
يوسف ، وحكى ابن سحنون عن أبيه نحوه ، وروى عن عمر وابن مسعود .
وقالت فرقة: هو ما / قضت به الزوجة من واحدة أو أكثر ، وقيل: هو على ما نواه ٢٥٤/ب
الزوج ، وله مناكرتها فى الخيار كالتمليك . ، والطلقة بائنة ، وهو قول ابن الجهم من
أصحابنا وغيره . وقال بعضهم : تكون رجعية .
وقالت فرقة : ليس للمخيرة ولا للمملكة شىء من الطلاق .
واختلفوا إذا اختارت زوجها ، فكافتهم على أنه لا يلزم فيه شىء ، وهو قول جماعة
السلف ، وأئمة الفتوى ، ومشهور مذهب مالك ، وروى عن على وزيد بن ثابت والحسن
والليث : أن نفس الخيار طلقة واحدة بائنة ، وإن اختارت زوجها ، وحكاه الخطابى
والنقاش عن مالك ، ونحوه عن ربيعة فى التمليك ، قال : وإن اختارت نفسها فثلاث ولا
يصح هذا عن مالك ، والأحاديث الصحيحة ترده .
وكذلك اختلف شيوخنا : هل إيقاع الخيار مكروه وبدعة ، أو مباح وسنة ، فقيل :
ذلك مكروه لما تضمن من إيقاع الثلاث ، وقيل : غير مكروه ، فليس بنفس الطلاق
الثلاث، وإنما هو تخيير فى الإقامة أو فى الفرقة ؛ ولأن النبى عليه ، أمر به وفعله .
وقيل: إنما أمر الله نبيه بتخيير أزواجه بين الدنيا والآخرة ، فمن آثرت الدنيا طلقها بالطلاق
الذى أمره الله به ، فليس فيه حجة [ فى ] (١) التخيير فى الطلاق، ولا فى إباحة التخيير،
(١) ساقطة من الأصل ، واستدركت بالهامش .

كتاب الطلاق / باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية
٣٤
ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِه الأَيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَِّيُّ قُل
لِأَزْوَاجِكَ ﴾ حَتَّى بَلَغْ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًاً عَظِيمًا﴾ (١) قَالَ: فَبَدَأَ بِعَائشَةَ. فَقال:
(ياَعَائِشَةُ، إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا، أُحِبُّ أَلا تَعْجَلِى فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِرِى
أبويك )) .
قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَاَ رَسُولَ اللهِ؟ فَتَلَا عَلَيْهاَ الآيَةَ. قالَتْ: أَفيكَ ياَرَسُولَ الله
أَسْتَشِيرُ أَبَوَىَّ؟ بَلْ أَخْتَرُ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَلَا تُخْبِرَ امْرَأَةً منَّ
نسَائِكَ بالَّذِى قُلْتُ. قَالَ: ((لا تَسْأَلَنِى امْرَةٌ مِنْهُنَّ إِلا أَخْبَرْتُهَاَ، إِنَّاللهَ لَمْ يَبْعَثْنَى
مُعَنََّا وَلاَ مُتَعَنْتَّا، وَلَكِنْ بَعَثَنِى مُعَلَماَ مُيَسِّرًا)).
ولا حجة لجواز إيقاع الثلاث .
قال الإمام: وقوله: ((وجأت عنقها)): أى دققته، ومنه الحديث: ((فليأخذ سبع
تمرات فليجأهن)) (٢): [أى فأدقهن] (٣).
قال القاضى : هذا أصل الوجاء ، وليس كل دق فى العنق وجاء ، وإنما هو شبه
الطعن والغمز يقال : وجأت البعير : إذا طعنته فى منخره ، ووجأت الوتد : ضربته ،
ووجأته بالسكين : طعنته به .
(١) الأحزاب: ٢٨، ٢٩ .
(٢) أبو داود، ك الطب، ب فى تمرة العجوة (٣٨٧٥).
(٣) سقط من الأصل ، واستدرك بالهامش .

٣٥
كتاب الطلاق / باب فى الإيلاء واعتزال النساء ... إلخ
(٥) باب فى الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن ، وقوله تعالى :
﴿ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ﴾ (١)
٣٠ _ (١٤٧٩) حدّثنی زُهْرُ بْنُ حَرْب. حَدَّثَنَاَ عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفىّ،
حَدَّثَنَاَ عكْرِمَةُ بْنُ عَمَّار، عَنْ سَمَاك أَبِى زُمَيْلِ، حَدَّثَنِى عَبْدُ الله بْنُ عَبَّاس، حَدَّثَنِى
عُمَرُ بْنُّ الْخَطَّابِ، قالَ: لَمَّ اعْتَزَلِّ نَبِىُّ اللهِلَِّ نِسَاءَهُ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسَّجِدَ، فَإِذَا
النَّاسُ يَنْكُونَ بِالَحَصَى وَيَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ عَِّ نِسَاءَهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَّنَ
بالحجَاب . فَقَالَ عُمَرُ : فَقُلْتُ: لِأَعْلَمَنَّ ذَلِكَ الَّوْمَ . قَالَ: فَدَخَلَتُ عَلَى عَائِشَةً،
فَقُلَتُ: يَاَ بِنْتَ أَبِى بَكْرٍ، أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأَنَكُ أَنْ تُؤْذِى رَسُولَ اللهِعَِّ؟ فَقَلَتْ:
مَالِى وَمَالَكَّ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ عَلَيْكَ بِعَيْبَتَكَ قَالَ : فَدَّخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ بنْتِ عُمَرَ.
فَقُلْتُ لَهاَ: ياَ حَفْصَةُ، أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنَكَ أَنْ تُؤْذِى رَسُولَ اللهِعَِّ؟ وَهَ، لَقَدْ
عَلَمْتْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ لا يُحِبُّكَ، وَلَوْلاَ أَنَاَ لَطَلَّقَكْ رَسُولُ اللهِ عَِّ. فَبَكَتْ أَشَدَّ
الْبِّكَاءَ . فَقُلْتُ لَهاَ: أَيْنَ رَسُولُ اللهِ تَُّ؟ قَالَتْ: هُوَ فِى خِزَانَتِهِ فِى الْمَشْرُبَةِ .
وقولها: ((فعليك بعيبتك)) : تريد ابنته ، قيل : العيبة الابنة.
قال الإمام: أى بخاصتك وموضع سرّك، ومنه قوله عليه: ((الأنصار كرشى
وعيبتى)) (٢) قال ابن الأنبارى: يعنى ((كرشى)) أصحابى وجماعتى الذين أعتمد عليهم ،
وأصل الكيرش فى اللغة : الجماعة ، وجعل الأنصار عيبته : خصوصيته إياهم ؛ لأنه
يطلعهم على أسراره ، قال غيره: فمعنى (( عيبتى)) : خاصتى وموضع سرّى ، قال أهل
اللغة : والعيبة فى كلام العرب، معناها : ما يجعل فيه الرجل أفضل ثيابه ، وحرّ متاعه ،
وأنفسه عنده .
قال القاضى : كذا رواية العذرى والفارسىّ وكافة الرواة ، وهو الصواب على ما تقدم،
ورواه بعضهم عن السجزى: ((بغيبتك)) وليس بشىء، وعند ابن ماهان: ((بنفسك)).
وقوله : ((هو فى المشرُبة))، قال الإمام: فيها لغتان: فتح الراء وضمها . ورباح
المذكور فى هذا الحديث هو بفتح الراء ، وباء واحدة تحتها .
(١) التحريم : ٤ .
(٢) البخارى، ك مناقب الأنصار، ب قول النبى: ((اقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم)) (٣٨٠١)،
مسلم ، ك فضائل الصحابة ، ب من فضائل الأنصار وقريش (٣٩٠٧)، أحمد ١٥٦/٣.

٣٦
كتاب الطلاق / باب فى الإيلاء واعتزال النساء ... إلخ
فَدَخَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحِ غُلامِ رَسُولِ اللهِ عَُّ قَاعداً عَلَى أُسْكُفَّةَ الْمَشْرُبَةَ ، مُدَلِّ رِجْلَيْهِ
عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبَ - وَهُوَ جِذْعٌ يَرْقَى عَلَيْهَ رَسُولُ اللهِ عَهُ وَيَنْحَدَرُ - فَنَدَيَّتُ:
ياَرَبَاحُ، اُسْتَأَذِنْ لِى عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ عََّ. فَنَظَرَ رَبَحٌ إِلَى الغُرْقَةِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَىَّ
فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًاَ. ثُمَّ قُلْتُ: يَاَ رَبَحُ، اَسْتَأَذِنْ لِى عِنْدَكَ عَلَىَ رَسُولِ اللهِعَُّ. فَنَظَرَ
رَبَحٌ إِلَى الغُرْقَةِ، ثُمَّنَظَرَ إِلَىَّ ، فَلَمْ يَقُلْ شَيئاً . فُمَّ رَفَعْتُ صَوْتِى فَقُلْتُ: يَاَ رَبَاحُ،
اسْتَأْذَنْ لِى عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِعَّهِ. فَإِّى أَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَّهِ ظَنَّ أَنِّى جَثْتُ
مِنْ أَجْلَ حَفَصَةَ . وَاللهِ، لَئِنَّ أَمَرَّنَى رَسُولُ اللهِ عَّهُ بِضَرْبٍ عُنْقُهَاَ لأَضْرِبْنَّ عُنُقُهَاَ،
وَرَفَعْتُ صَوْتِى ، فَأَوْمَا إِلَىَّ أَن ◌َرَّقَهْ. فَدَخَلْتُ عَلَىَ رَسُولَ اللهَ عَّهُ وَهُوَ مُضْطَّجِعٌ
عَلَى حَصِيرِ ، فَجَلَسْتُ . فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَرَ
فِى جَنّبْهِ، فَنَظَرْتُ بِبَصَرِى فِى خِزَنَةَ رَسُولِ اللهِ عَُّ. فَإِذَا أَنَاَ بِقَبْضَةً مِنْ شَعِيرِ نَحْوِ
الصَّاعِ، وَمَثْلِهاَ قَرَظًا فى ناَحَيَة الْغُرْفَةِ، وَإِذَا أَفَيقٌ مُعَلَّقٌّ، قَالَ: فَابْتُدَرَتْ عَيْنَاىَ .
قال: (( مَا يُبَّكِيكَ ياَ أَبْنَ الْخَطَّابِ؟)) قُلَتُ: يأَنَبِىَّ اللهِ، وَمَالِى لاَبْكِى؟ وَهَذَاَ
الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فى جَنّبَكَ، وَهَذَهَ خزَانَتُكَ لا أَرَىَ فيهاَ إِلا مَاأَرَى، وَذَاكَ قَبْصَرُ
وَكَسْرَى فى الثمَرِ وَالأَنَهَرِ، وَأَنْتَّ رَسُولُ اللهِ عٍَّ وَصَفْوَتُهُ، وَهَذه خزَانَتُكَ. فَقَالَ:
((يَأَ ابْنَ الْخَطَّاب، أَلا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَناَ الآخَرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَاَ؟)). قُلْتُ: بَلَى. قَالَ:
وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ حَيْنَ دَخَلْتُ وَأَناَ أَرَى فِى وَجْهَهَ الغَضَبِ . فَقُلْتُ: يَاَ رَسُولَ اللهِ، مَا
يَشُقُّ عَلَيْكَ مَنَ شَأن النِّسَاءِ؟ فَإِنْ كَّنْتَ طَلَّقْتَّهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مَعَكَ وَمَلائِكَتَهُ وَجَبَرِيلَ
وَمَيكَائيلَ ، وَأَنّاً وَأَبُوَ بَكْر وَاَلْمُؤْمَنُونَ مَعَكَ. وَقَلَّمَ تَكَلَّمْتُ - وَأَحْمَدُ اللهَ - بِكَلامِ
إِلَ رَجَّوْتُ أَنْ يَكُونَ اللهُ يُصَدِّقُ قَوْلِى الَّذِى أَقُولُ، وَنَزَّلَتْ هَذه الآيَةُ ، آيَةُ التَّخْبِيرٌ
◌ْ عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُن﴾ (١) ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ
مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٍ﴾ (٢) وَكَانَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ
أَبِى بَكْر وَحَفْصَةُ تَظَاهَرَانِ عَلَى سَائرِ نسَاءَ النَّبِىِّ عَِّ. فَقُلْتُ: يَاَ رَسُولَ الله،
أَطَلَّقْتَهُنَّ؟ قَالَ : (( لا)). قُلْتُ: يَاَرَسُولَ اللهِ، إِنِّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَالْمُسْلِمُونَ
(١) التحريم : ٥ .
(٢) التحريم : ٤ .

٣٧
كتاب الطلاق / باب فى الإيلاء واعتزال النساء ... إلخ
يَنْكُونَ بِالْحَصَى، يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ عَِّ نِسَاءَهُ، أَفَأَنْزِلُ فَأُخْبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ
تُطَلِّقْهُنَّ؟ قالَ: ((نَعَمْ، إَنْ شِئْتَ )). فَلَمَّ أَزَلْ أُحَدِّثُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَنْ
وَجْهِه، وَحَتَّى كَشَرَ فَضَحِكَ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاس ◌َغْرًا، ثُمَّ نَزَلَ نَبِىُّ الله ◌ِمَّهُ
وَنَزَلَتُ . فَزَلْتُ أَتَشَّبَتُ بَالْجِذْعِ وَنَزَلَّ رَسُولُ اللهِ عَّهَ كَأَنَّمَاَ يَمْشِى عَلَّى الأَرْض
مَيَمَسُّهُ بَيَدِهِ . فَقُلْتُ: ياَ رَّسُولَ الله، إنَّماَ كُنْتَ فَى الْغُرْفَة تسْعَةً وَعَشْرِينَ . قالَ :
((إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تَسْعًا وَعِشْرِينَ )) ، فَقُمْتُ عَلَىَ بَبِ الْمَسْجِدِ ، فَنَدَّيْتُ بِأَعْلَى
صَوْتِى: لَمْ يُطَلَّقْ رَسُولُ اللهِعَِّ نِسَاءَهُ. وَنَزَّلَتْ هَذه الآيَةُ: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ
الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىْ أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنِطُونَهُ
مِنْهُمْ﴾ (١) فَكُنْتُ أَناَ اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الأَمْرَ، وَأَنْزَلَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - آيَةَ التَّخْيير.
٣١ - ( .. ) حدّثَنَا هَرُونُ بْنُ سَعيد الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَاَ عَبْدُ الله بْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِى
سُلَيْمَنُ - يَعْنِى ابْنَ بِلال - أَخْبَرَنِى يَّخِّى. أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّدَ
الله بْنَ عَبَّاس يُحَدِّثُّ. قَالَ: مَكَثَتُ سَنَّةً وَأَناَ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بَّنَ الْخَطَّابِ عَنْ
آيَةَ، فَمَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ، حَتَّى خَرَجَ حَاجًا فَخَرَجْتُ مَعَهُ ، فَلَمَّا رَجَعَ ،
فَكِنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، عَدَلَ إِلَى الأَرَاكِ لِحَاجَةً لَهُ. فَوَقَفْتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ سِرْتُ
مَعَهُ. فَقُلْتُ: ياَ أَمْيَرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَن اللَّتَأَن تَظَاهَرَتَاَ عَلَى رَسُولِ اللهِعَّهُ مِنْ أَزْوَاجُه؟
فَقَالَ : تَلْكَ حَفْصَّةُ وَعَائِشَةً. قالَ : فَقُلْتُّ لَهُ: وَالله، إنْ كُنْتُ لَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ
هَذَا مُنْذُّ سَنَةٍ فَمَا أَسْتَطِيَعُ هَيَّةً لَكَ . قالَ : فَلا تَفْعَلَ . مَاظَنَنْتَ أَنَّ عِنْدِى مِنْ عِلم
فَسَلْنِى عَنّهُ، فَإِنْ كُنْتُ أَعْلَمُهُ أَخْبَرْتُكَ. قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ، إِنْ كُنَّا فِى الَجَاهِلِيَّةِ
وقوله: (( فلم أزل أحدثه حتى كشر)) : قال ابن السكيت : كشر وابتسم وبَسم وافْتَرّ
وأنكل كله بمعنى واحد ، فإن زاد قيل : قهقه ، وزهْدق وكركر ، فإن أفرط قيل : استغرب
ضحكاً ، وقال صاحب الأفعال : كشَّر : أبدى أسنانه تبسما أو غضبا .
قال القاضى : فيه بسط نفس الغضبان ، وتسلية لمغتم بما يباح من الحديث ، لا
بالسخف من الكلام والأفعال ، ومثله قوله فى الرواية الأخرى: (( لأقولن شيئا أضحك به
النبى معٍَّ)) (٢).
(١) النساء : ٨٣ .
(٢) حديث رقم (٢٩) بالباب السابق .

كتاب الطلاق / باب فى الإيلاء واعتزال النساء ... إلخ
٣٨ -
مَانَعُدُّ للنِّسَاءِ أَمْرًا، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تَعَلَى فيهنَّ مَا أَنْزَلَ، وَقَسَمَ لَهُنَّ مَاقَسَمَ . قالَ :
فَبَيْنَماَ أَناَ فِى أَمْرِ أَأْتَمَرُهُ، إِذْ قَآَلَتْ لِى امْرَّأَتَى: لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا. فَقُلْتُ لَهاَ:
وَمَلَك أَنْتَ وَلَمَا هَاهُّناً؟ وَمَا تَكَلُّفُكَ فِى أَمَّرِ أُريدُهُ؟ فَقَلَتْ لى: عَجَبًا لَكَ، يَا ابْنَ
الْخَطََّب ! مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ ، وَإِنَّ ابْنَتَّكَّ لَتُرَاجِعُ رَسُولَ عَّهِ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ
غَضْبَانَ. قَلَ عُمَّرُ : فَآَخُذُ رِدَائِى ثُمَّ أَخْرُجُ مَكَانِ، حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى حَفْصَةَ . فَقُلْتُ
لَهاَ: يَا بُنِيَّةُ، إِنَّك لَتُرَاجعينَّ رَسُولَ اللهِعَِّ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَّهُ غَضْبَنَ. فَقَالَتْ حَقْصَةُ:
وَاَلله، إِنَّا لَتُرَاجَعُهُ. فَقُلْتُّ: تَعْلَمِينَ أَنَّى أُحَذِّرُكِ عَقُوبَةَ الله وَغَضَبَ رَسُوله. ياَ بُنيَّةُ ،
لا تَغُرَنَّكِ هَذهَ الَّتِى قَدْ أَعَجَبَهاَ حُسْنُهاَ، وَحُبُّ رَسُول اللهِعَّهُ إِيَّاهَاَ، ثُمَّ خَرَجْتُ
حَتَّى أَدْخُلَ عَلَّى أُمِّ سَلَمَةَ، لِقَرَابَتَى مِنْهاَ، فَكَلَّمْتُهاَ. فَقَلَتَّ لِى أُمُّ سَلَمَةَ: عَجِبًا لَكَ
ياَ ابْنَ الْخَطَّابِ! قَدْ دَخَلْتَّ فِى كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى تَبْتَغِى أَنْ تَدَخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِعَّه
وَأَزْوَاجه ! قالَ : فَأَخَذَتْنِى أَخْذَا كَسَرَتْنَى عَنْ بَعْضَ مَاكُنْتُ أَجِدُ ، فَخَرَجْتُ مِنْ
عِنْدهَا، وَكَانَ لى صَاحِبٌ مِنَ الأَنْصَارِ، إِذَا غِبْتُ أَثَنَّى بِالْخَبَرِ، وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَناَ
آتَّهَ بالْخَبَرِ، وَنَّحْنُ حينَئِذ تَتَخَوَّفُ مَلَكًا مَنْ مُلُوكِ غَسَّانَ ذُكرَّ لَناَ أَنَّهُ يَرِيدُ أَنْ يَسيرَ
إِلَيْنَاَ، فَقَدَ امْتَلأَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ، فَأَتِى صَاحَبِى الأَنْصَارِىُّ يَدُقُّ الْبَابَ، وَقَالَ: اقْتَحْ،
افْتَحْ. فَقُلَتُ: جَاءَ الْغَسَّانِىُّ ؟ فَقَالَ: أَشَدُّ مَنْ ذَلِكَ، اغْتَزَلَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ أَزْوَاجَهُ .
فَقُلْتُ: رَغِمَ أَنْفُ حَقْصَةَ وَعَائِشَةَ ثُمَّ آخُذُ ثَوْبَى فَأَخْرُجُ، حَتَّى جِئْتُ. فَإِذَا رَسُولُ
الله عَُّ فِى مَشْرُبَةٍ لَهُ يُرْتَقَى إِلَيَّهاَ بِعَجَلَةٍ، وَغُلَامٌ لِرَسُولِ اللهِ عََّ أَسْوَدُ عَّلَى رَأْس
الدَّرَجَةَ. فَقُلْتَ: هَذَا عُمَرُ. فَأُذنَّ لى. قَالَ عُمَرُ: فَقَصَّصْتُ عَلَى رَسُول الله عَ
هَذَا الْحَّديثَ . فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ أُمَّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ بَّهُ، وَإِنَّهُ لَعَلَى خَّصير
مَبَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَىْءٌ . وَتَحْتَ رَأْسَه وسَادَةٌ مِنْ أَدَم حَشْوُهَا لِيفٌَ، وَإِنَّ عَنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَّظًا
مَضْبُورًا، وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهْبَا مُعَلَّقَةً، فَرَأَيْتُ أَثِّرَ الْحَصيرَ فى جَنْب رَسُولِ اللهِعَّهُ
فَبَكَيْتُ. فَقَلَّ: ((مَا يُبَّكِيكَ؟)). فَقُلْتُ: يَارَسُولَ اللهَ، إِنَّ كَسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَاَ هُمَاَ
فيه، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((أَمَّا تَرَّضَىَ أَنْ تَكُونَ لَهُمَّاَ الدُّنْيَاَ
وَلَكَ الآخِرَةُ؟ » .
قال الإمام: وقوله: (( فبينا أنا فى أمر أأتمره )): أى أرتئى فيه وأشاور نفسى ، يقال:
ائتمر رأيه/ وشاور نفسه وارتأى قبل مواقعة الأمر .
٢٥٤/ب

٣٩
كتاب الطلاق / باب فى الإيلاء واعتزال النساء ... إلخ
٣٢ - ( ... ) وحدّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتِى، حَدَّثَنَاَ عَفَّنُ، حَدَّثَنَاَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ،
أَخْبَرَنَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس ، قاَلَ : أَقْبَلْتُ مَعَ عُمَرَ،
حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَرِّ الظَّهْرَانَ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بَطُولِهِ. كَنَحْوِ حَدِيثِ سُلَيْمَنَ بْنِ بِلالِ غَيْرَ
أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: شَأْنُ الْمَرْأَتَيْن؟ قالَ: حَقْصَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ. وَزَادَ فيه: وَأَيْتُ الْحُجَرَ، فإذَا
فِى كُلِّبَيْتِ بُكَاءٌ . وَزَادَ أَيْضًا: وَكَانَ آلَى مِنْهُنَّ شَهْرًا، فَلَمَّا كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ نَزَلَ إِلَيْهِنَّ.
٣٣ - ( .. ) وحدّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب - وَاللَّفْظُ لأَبِى بَكْر -
قَلًا: حَدَّثَنَاَ سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنْ يَخْتَى بْنِ سَعِيدٍ ، سَمِعَ عُبَيْدٌ بْنَ حُنَيْنٍ - وَّهُوَ مَوَّلَى
الْعَبَّاسِ - قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ يَقُولُ: كُنْتَّ أُرِيدُ أَنَّ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْآتَيْنِ اللَّيْنِ
تَظَاهَرَتَاً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ عَُّ، فَلَبِئْتُ سَنَةً مَا أَجِدُلَهُ مَوْضِعًا، حَتَّى صَحِبْتُهُ إِلَى مَكَّةَ.
فَلَمَّا كَانَ بِمَرَّ الظَّهْرَانِ ذَهَبَ يَقْضِى حَاجَتَهُ . فَقَالَ : أَدْرِكْنِى بِإِدَاوَةَ مِنْ مَاء ، فَأَتَيْتُهُ بِهاَ ،
فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ وَرَجَعَ ذَهَبْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ . وَذَكَرْتُ فَقُّلِتَّ لَهُ: يَأَمِيرَ الَّمُؤْمِنِينَ، مَنِ
الْمَرْأَتَنِ؟ فَمَاَ قَضَيْتُ كَلامِى حَتَّى قَلَ : عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ .
٣٤ - ( .. ) وحدّثنا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عُمَرَ - وَتَقَرَبَاَ فِى
◌َفْظِ الْحَديث - قاَلَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ: حَدَّثَنَاَ - وَقَالَ إِسْحَقُ: أَخْبَرَنَاَ - عَبْدُ الرَّزََّقِ أَخْبَرَنَاَ
مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى ثَوْرِ، عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ ، قَالَ: لَمْ أَزَلْ
حَرِيصًا أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِىِعَهَ اللَّتَيْنَ قَالَ اللهُ تَعَلَىَ: ﴿إِن تَتُوبَا
إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ (١) حَتَّى حَجَّ عُمَّرُ وَحَجَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا كُنَّا بَبَعْضِ الطَّرِيقِ
عَدَلَ عُمَرُ وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالإِدَاوَةِ. فَتَبَرَّزَ. ثُمَّ أَنَاَنِى فَسَكَّبْتُ عَلَى يَدَيّهِ، فَتَوَضَا. فَقُلْتُ: بَأَّ
أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ الْمَرَّأَتَنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِىَِّّهُ اللَّتَنِ قَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَ: ﴿إِن تَتُوبَا
إِلَّى اللَّهِ فَقَّ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ ؟ قَالَ عُمَّرُ : وَعَجَبَا لَكَ يَاَ ابْنَ عَبَّاس - قاَلَ الزُّهْرِىُّ: كَرِهَ
وَالله مَاسَأَلَهُ عَنّهُ وَلَمْ يَكْتُمْهُ - قَلَ: هِىَ حَقْصَةُ وَعَائِشَةُ. ثُمَّ أَخَذَ يَسُوقُ الْحَدِيثَ . قالَ:
كُنَّاً - مَعْشَرَ فُرَيْش - قَوْمًا نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمََّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْناَ قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ
نسَاؤُهُمْ، فَطَفَقَ نِسَاؤُنَاَ يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ . قَالَ : وَكَانَ مَنْزِلِى فِى بَنِى أُمَّيَّةَ بْنِ زَيْدِ
(١) التحريم : ٤.

٤٠
كتاب الطلاق / باب فى الإيلاء واعتزال النساء ... إلخ
بِالْعَوَاَلِى، فَتَغَضَّبْتُ يَوْمًا عَلَى امْرَأَتِي، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِى، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِى.
فَقَلَتْ: مَا تُنْكُرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللهِ، إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِىِّ ◌َيْ لَيُرَاجِعْنَهُ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ
الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ. فَانْطَلَقْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَقْصَةَ . فَقُلْتُ: أَتُرَاجَعينَ رَسُولَ الله عَّةٍ ؟
فَقَلَتْ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: أَنَهْجُرُهُ إِحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قُلْتُ: قَدْ خَابَ
مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُنَّ وَخَسِرَ ، أَقَتَأْمَنُ إِحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ عَلَيْهَاَ لِغَضَبِ رَسُولِهِ﴾،
فَإِذَا هِىَ قَدْ هَلَكَتْ، لا تُرَاجِعِى رَسُولَ اللهِ لَّهُ وَلَا تَسْأَلِيهِ شَيْئًا، وَسَلَيْنِى مَا بَدَا لَكِ. وَلَا
يَغُرَّنَّكَ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِىَّ أَوْسَمُ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ عَّهُ مِنْك ـ- يُرِيدُ عَائِشَةً. قالَ:
وَكَانَ لِى جَارٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَكُنَّا نَتَوَبُ النّزُولَ إِلَى رَسُولِ اللهِعَُّ، فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ
يَوْمًا ، فَيَأتِيْنِى بَخَرِ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَآتِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الْخَيْلَ
لِتَغْزُوَنَاَ، فَتَزَّلَ صَاحِى، ثُمَّ أَثَنِى عِشَاءً فَضَرَبَ بَبِى، ثمَّ نَادَانِى، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ. فَقَالَ:
حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قُلْتُ: مَاذَا؟ أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟ قَالَ: لا . بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَطْوَلُ،
طَلَّقَ النَّبِىُّ عَِّ نِسَاءَهُ. فَقُلْتُ: قَدْ خَابَتْ حَقْصَةُ وَخَسِرَتْ، قَدْ كُنْتُّ أَظُنُّ هَذَا كَائِنًا،
حَتَّى إِذَا صَلَّيْتُ الصُّبْحَ شَدَدْتُ عَلَىَّ ثِيَبِى، ثُمَّنَزَلْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَقْصَةَ وَهْىَ تَبكى .
فَقُلْتَّ: أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِعَِّ؟ فَقَالَتْ: لا أَدْرِى، هَاهُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِى هَذِهِ الْمَشْرِبَة .
فَأَتَيْتُ غُلَامًا لَهُ أَسْوَدَ. فَقُلْتُ: اسْتَأَذِنْ لِعُمَرَ ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَىَّ. فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ
فَصَمَتَ . فَانْطَلَقْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ فَجَلَسْتُ ، فَإِذَا عِنْدَهُ رَهْطٌ جُلُوسٌ بَيْكِى
بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَنَى مَا أَجِدَّ، ثُمَّ أَتَيْتُ الْغُلامَ فَقُلْتُ : اسْتَأَذِنْ لِعُمَرَ .
فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَىَّ. فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتِ ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا، فَإِذَا الْغُلامُ يَدْعُونِى.
فَقَالَ: ادْخُلْ، فَقَدْ أَذْنَ لَكَ، فَدَخَلَتُ فَسَلَّمْتُ عَلَى رَسُولَ اللهِعَه، فَإِذَا هُوَ مُتَّكِىءٌ عَلَى
وَمْلٍ حَصِيرِ، قَدْ أَثَرَ فِى جَنْبِهِ . فَقُلْتُ: أَطَلَّقْتَ، يَاَ رَسُولَ اللهِ نسَاءَكَ ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَىَّ
وَقَالَ: ((لا)). فَقُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ ، لَوْ رَأَيْتَنَاَ ياَ رَسُولَ الله وَكُنَّا - مَعْشَرَ قُرَيْش ــ قَوْمًا
نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْناَ قَوْمًا تَغْلُبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفَقَ نِسَاؤُناً يَتَعَلَّمْنَ مِنْ
نِسَائِهِمْ. فَتَغَضِّبْتُ عَلَى امْرَأَتِى يَوْمًا، فَإِذَا هِىَ تُرَاجِعُنِى ، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِى. فَقَالَتْ:
وقوله: ((على رمال حصير)): قال ابن القوطية: رملت الحصير رملاً وأرملته : إذا نسجته.
قال القاضى: تفسير هذا قوله فى الحديث الآخر: ((وإذا الحصير قد أثر فى جنبه))،