النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كتاب الحج / باب فضل المدينة ... إلخ
قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ:((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّى أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا))- يُرِيدُ المَدِينَةَ.
٤٥٧ _ ( .. ) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلِمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ ، حَدَّثَنَا سُلِيْمَانُ بْنُ بلال، عَنْ
عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ؛ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ خَطَبَ النَّاسَ، فَذَكَرَ مَكَّةَ وَأَهْلِهَا
وَحُرْمَتَهَا، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَدِينَةَ وَأَهْلِهَا وَحُرْمَتَهَا. فَنَادَاهُ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ . فَقَالَ : مَالِى
أَسْمَعُكَ ذَكَرْتَ مَكَّةَ وَأَهْلِهَا وَحُرْمَتَهَا، وَلَمْ تَذْكُرِ المَدِينَةَ وَأَهْلِهَا وَحُرْمَتَهَا، وَقَدْ حَرَّمَ
رَسُولُ الله مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا، وَذَلِكَ عَنْدَنَا فِى أَدِيمِ خَوْلانِىٌّ، إِنْ شِئْتَ أَقْرَأْنُكَهُ. قَالَ: فَسَكَتَ
مَرْوَنُ ثُمَّ قَالَ: قَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ ذَلِكَ.
وقوله: ((ما بين [ لابتيها ](١) حرام))، قال الإمام : قال الأصمعى : اللابة :
الأرض ذات الحجارة السود ، وجمعها لابات فى القليل ، ولاب ولوب فى الكثير ، مثل
قارة وقور ، وشاجة وشوج ، وباحة وبوح. قال الهروى : يقال : ما بين لابتيها أجهل من
فلان ، أى ما بين طرفى المدينة .
قال القاضى : قال ابن حبيب : اللابتان : الحرتان ؛ الشرقية والغربية. وللمدينة
حرتان أخريان ؛ حرة فى القبلة وحرة فى الجوف ، ويرجع كلها إلى الحريين الغربية
والشرقية لاتصالهما بهما ؛ ولذلك حرم رسول الله عَّه ما بين لابتيها جميع دورها كلها
فى اللابتين ، وقد ردها حسان كلها حرة واحدة لاتصالها ، فقال :
لنا حَرّة ما طورة بجبالها
بنى العز فيها بيته فتأثَّلا
ومعنى (( ما طورة)) معطوفة بجبالها لاستدارتها .
وقوله: (( لا تقطع عضاهها، ولا يصاد صيدها)) : نص فى تحريم الصيد وقطع
شجرها ، على ما تقدم لجمهور العلماء ، خلافاً لأبى حنيفة وأصحابه فى إباحة ذلك فيها .
والعضاه ، مقصور : شجر له : شوك ، واحده عضاهة وعضهة وعضة ، كالطلح والعوسج
والبينوت. قال الخليل: ويقال له السدر أيضاً ، مما له أرومة تبقى على الشتاء. قال أبو زيد:
هو ما غلظ منه. قال ابن حبيب : أو تحريم النبى عَّه ما بين لابتى المدينة إنما ذلك فى
الصيد خاصة ، وأما فى قطع الشجر فبريد فى بريد فى دور المدينة كلها ، بذلك أخبر
مُطرف عن مالك ، وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن وهب .
وقد ذكر مسلم فى بعض طرقه : (( إنى أحرم ما بين جبليها )) وفى حديث أبى هريرة:
(( وجعل اثنى عشر ميلاً حول المدينة حِمّى)) وهذا تفسير لما ذكره ابن وهب ورواه مطرف
(١) ساقطة من الأصل ، واستدركت فى الهامش بسهم .

٤٨٢
كتاب الحج / باب فضل المدينة ... إلخ
٤٥٨ _ (١٣٦٢) حَدَّثَنَا أُبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْئَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، كلاهُمَا عَنْ أَبِى أَحْمَدَ.
قَالَ أَبُو بَكْر: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَسْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِىِ الزُّبَيْرِ، عَنْ
جَابِرِ، قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ◌َهُ: ((إِنَّإِبْرَاهِيَمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّى حَرَّمْتُ المَدِينَةَ مَا بَيْنَ لاَبَيِّهَا ،
لا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا، وَلَا يُصَادُ صَيِّدُهَا)) .
٤٥٩ - (١٣٦٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ نُمَيْرِ. ح وَحَدَّثَنَا
ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَثْنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُّ حَكِيمٍ، حَدَّثَنِى عَامِرُ بْنُ سَعَدَ عَنْ أَبِّهِ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ عَّةُ: ((إِنِّى أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لابِتَىِ الَدِينَةِ، أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا ، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا)).
وَقَال : ((الَدِينَةُ خَيْرٌ لُهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلِمُونَ، لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنّهَا إِلا أَبْدَلَ اللهُ فِيهَا مَنْ
هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ ، وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لِأَوَائِهَا وَجَهْدِهَا، إلا كُنْتُ لُهُ شَفِيعًا - أَوْ شَهِيدًا - يَوْمَ
القيامة )) .
عن مالك وعمر بن عبد العزيز، قال المهلب: قَطع النبى معَّي النخل فيها حتى بنى مسجده،
يدل أن النهى لا يتوجه لقطع شجرها للعمارة وجهة الإصلاح ، وأن يقطع شجراؤها
وشوكها ليتخذ موضعه بنياناً وعمارة ، وأنَّ توجّه النهى إنما هو القطع للفساد لبهجة المدينة
وخضرتها ، فى عين الوارد عليها والمهاجر إليها .
قال القاضى : وقد ذكر ابن نافع عن مالك نحو هذا ، قال : إنما نهى عنه لئلا
يتوحش ، ويبقى فيها شجرها ليستأنس به ، ويستظل به من هاجر إليها. وحكى الخطابى
وغيره أن قطع الشوك غير ممنوع لما فيه من الضرر، وقد ذكر مسلم فى حديث نغير: (( ولا
يختلا شوكها))، وقيل : بل قطعه - عليه السلام - للنخيل إنما هو قطع لما غرسه الآدمى ،
والنهى إنما يتوجه إلى ما أثبته الله مما لا صنع فيه لآدمى .
وقوله: ((لا يثبت أحد على لأوائها))، وفى الرواية الأخرى: (( لا يصبر على
لأوائها وجهدها)» : اللأواء ، ممدود ، قال الإمام : هو الجوع وشدة الكسب .
قال القاضى: وتفسيره قوله: ((وجهدها))، وقيل: يحتمل أن تعود الشدة على
الجوع ، وعلى كل ما يشتد معه سكناها ويستضر به .
وقوله: ((إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة)»: سئلنا قديما عن معنى هذا ولم
٢٢٧ / أ خصص - عليه السلام - ساكن المدينة بهذا من شفاعته ، ومع ما يثبت من ادخاره / إياها
لجميع أمته ، وهل ((أو)) هنا للشك أو لغيره ؟ ولنا على هذا جواب شافع مقنع فى أوراق
اعترف بصوابه كل من وقف عليه ، نذكر منه هنا لمعنى تليق بالموضع: والأظهر أن ((أو ))

٤٨٣
كتاب الحج / باب فضل المدينة ... إلخ
٤٦٠ - (.) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ
ـلالته
حَكِيمِ الأَنْصَارِىُّ، أَخْبَرَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيه ؛ أَنَّ رَسُولَ الله
هنا ليست للشك، خلاف من ذهب من شيوخنا إلى ذلك ؛ إذ قد روى هذا الحديث جابر،
وأبو هريرة ، وابن عمرو ، وأبو سعيد ، وسعد بن أبى وقاص ، وأسماء بنت عميس ،
وصفية بنت أبى عبيد ، عن النبى معَّه بهذا اللفظ، وبعيد اتفاق جميعهم أو رواتهم على
الشك ووقوعه من جميعهم وتطابقهم فيه على صيغة واحدة، بل الأظهر أنه كذا قاله النبى -
عليه السلام - فإما أن يكون أعلم - عليه السلام - بهذه الجملة هكذا أو تكون [ أو ](١)
للتقسيم ، ويكون أهل المدينة صنفين ؛ شهيداً لبعضهم ، وشفيعاً لآخرين ، إما شفيعاً
للعاصين وشهيداً للمطيعين ، أو شهيداً لمن مات فى حياته وشفيعاً لمن مات بعده ، أو غير
ذلك مما الله [أعلم ] (٢) به، وهذه خاصية زائدة على الشفاعة للمذنبين أو للعالمين فى
القيامة ، وعلى شهادته على جميع الأمة ، وقد قال - عليه السلام - فى شهداء أحد: (( أنا
شهيد على هؤلاء)) فيكون لتخصيصهم بهذا كله زيادة منزلة وغبطة وحظوة .
وقد تكون ((أو )» هنا هى التى بمعنى الواو ، فيكون لأهل المدينة شهيداً وشفيعاً ، وقد
روى: ((إلا كنت له شهيداً أو له شفيعاً))، وإذا جعلناها للشك - كما ذهب إليه المشايخ -
فإن كانت اللفظة الصحيحة الشهادة اندفع الاعتراض ؛ إذ هى زائدة على الشفاعة المدخرة
المجردة لغيرهم ، وإن كانت اللفظة الصحيحة الشفاعة فاختصاص أهل المدينة بهذا ، مع ما
جاء من عمومها وادخارها لجميع أمته، أن هذه شفاعة أخرى غير العامة التى هى لإخراج
أمته من النار ، ومعافاة بعضهم منها بشفاعته فى القيامة ، وتكون هذه الشفاعة لأهل المدينة
بزيادة الدرجات ، أو تخفيف الحساب ، أو ما شاء الله من ذلك ، أو بإكرامهم يوم القيامة
بأنواع من الكرامة والمبرة ؛ من إيوائهم فى ظل عرش الرحمن ، أو كونهم فى روح وعلى
منابرٍ ، أو الإسراع بهم إلى الجنة ، أو غير ذلك من خصوص المبرات الواردة لبعض دون
بعض فى الآخرة - والله أعلم .
وقوله: ((لا يخرج أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه)) : ذهب
بعضهم أن هذا خصوص مدة حياته - عليه السلام - وقال آخرون : هو عموم أبداً ، وهذا
أظهر ؛ لقوله فى الحديث الآخر أول الكلام: (( يأتى على الناس زمان يدعو الرجل ابن
عمه وقريبه : هلم إلى الرخاء ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، والذى نفسى بيده ،
لا يخرج أحد منها رغبة عنها إلا أخلف الله فيها من هو خير منه)) الحديث، وأن كلامه -
عليه السلام - ممن يخرج عنها ممن كان مستوطنا بها .
(١، ٢) سقطتا من الأصل ، واستدركتا فى الهامش بسهم .

كتاب الحج / باب فضل المدينة ... إلخ
٤٨٤
قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَديث ابْن نُمَيْرِ . وَزَادَ فِى الْحَديثِ: (( وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الَدِينَةِ بِسُوء
إِلا أَذَهُ اللهُ فِى النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِّ أَوْ ذَوْبَ المِلِحِ فِى الَاءِ » .
٤٦١ - (١٣٦٤) وَحَدَّثَنَا إسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنِ العَقدِىِّ .
قَالَ عَبْدُ: أَخْبَرَنَا عَبِّدُ الَلِكِ بْنُ عَمْرو، حَدَّثَنَا عَّدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بَنِ مُحَمَّدٍ،
عَنْ عَامِرٍ بْنِ سَعْد؛ أَنَّ سَعْدًا رَكَبَ إِلى قَصْرِهِ بِالعَقِيقِ، فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا
أَوْ يَخْبِطَهُ، فَسَلَبَهُ. قَلِمَّا رَجَعَ سَعْدَ جَاءَةً أَهْلُ العَبَدِ، فَكَلَمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلامِهِمْ،
وقوله : (( من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله فى النار ذَوْبَ الرصاص »: هذه الزيادة
فى النار ترفع إشكال الأحاديث التى لم تذكر فيها ، وأن هذا حكمه فى الآخرة ، وقد
يكون المراد به من أرادها فى حياة النبى ◌ّه فى الدنيا ، فيكفى أمره ، ويضمحل كيده كما
يضمحل الرصاص، ويكون فى ((النار)) مقدماً فى اللفظ ، كما قال فى الحديث الآخر :
(( كما يذوب الملح فى الماء ))، أو يكون ذلك لمن أرادها فى الدنيا فلا يمهله الله ، ولا يُمكن
سلطانه ، ويذهبه عن قرب ، كما انقضى من شأن من حاربها أيام بنى أمية مثل مسلم بن
عقبة ، وهلاكه منصرفه عنها ، ثم هلاك يزيد بن معاوية مرسلة على إثر ذلك ، وغيرهم
ممن صنع مثل صنيعهم.
قيل : قد يكون الحديث فيمن كادها مغتالاً وطلب غرتها ، فلا يتم له ذلك ، خلاف
من أتى ذلك جهارًا كالأمراء الذين استباحوها على ظاهر لفظة الحديث: ((لا يكيد ))،
وهى فى الباب: ثنا أبو بكر بن أبى شيبة وعمرو الناقد، كلاهما عن أبى حامد، قال أبو بكر:
ثنا محمد بن عبد الله الأسدى(١)، وعند العذرى: الأزدى، وهو خطأ. وفيه فى حديث
ابن أبى شيبة ثنا عامر بن سعد(٢): ((فسلبه)) الذى يقطع شجراً، عن أبيه. وعند
الصفدى : عمرو ، والصواب عامر .
وذكر فى الحديث عن سعد: سَلَبَهُ الذى يقطع شجرًا أو يخبطه. وقال لما كلم فى
ذلك: ((معاذ الله أن أرد شيئا نفَّلنيه رسول اللـه عَّه)). حجة فى تحريم المدينة ومنع لقطع
شجرها، وعضد للحديث الآخر عنه - عليه السلام -: (( من وجدتموه يصيد فى حرم المدينة
(١) هو محمد بن عبد الله بن الزبير أبو أحمد الأسدى ، قال ابن معين : ليس به بأس ، وقال مرة : ثقة .
روى عنه أحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبى شيبة ، وحدث عن سفيان وأيّمْن بن نائل وغيرهما . انظر :
التهذيب ٩/ ٢٥٤، ٢٥٥ .
(٢) هو عامر بن سعد بن أبى وقاص الزهرى المدنى ، روى عن أبيه وعثمان والعباس بن عبد المطلب وغيرهم،
وروى عنه ابنه داود ومحمد بن المنكدر وسعيد بن المسيب. ذكره ابن حبان فى الثقات. انظر : التهذيب
٦٤،٦٣/٥ .

كتاب الحج / باب فضل المدينة ... إلخ
٤٨٥
أَوْ عَلَيْهِمْ، مَا أَخَذَ مِنْ غُلامِهِمْ. فَقَالَ: مَعَاذَ اللهِ، أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلِنِهِ رَسُولُ اللهِ عَّه،
وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلْهِمْ.
٤٦٢ - (١٣٦٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد وَابْنُ حُجْرِ ، جَميعًا عَنْ
إِسْمَاعِيلَ . قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ ، أَخْبَرَنِّى عَمْرُو بْنُ أَبِى عَمْرو ،
مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَّ مَالِكِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهَّ
لأَبِى طَلِحَةَ: ((التَمِسْ لِى غُلامًا مِنْ غِلمَانِكُمْ يَخْدُمُنِى)). فَخَرَجَ بِى أَبُو طَلِحَةَ يَرْدِفُتِى
وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ الله ◌ََّ كُلَمَا نَزَلَ . وَقَالَ فِى الَحَدِيث: ثُمَّ أَقَبَلَ ، حَتَّى إِذَا بَدَاَ
لهُ أُحُدٌ قَالَ: ((هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ))، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى المَدِينَةِ قَالَ: «اللهُمَّ ، إِّى أُحَرِّمُ
مَا بَيْنَ جَبَلِيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ. اللّهُمَّ، بَارِكْ لَهُمْ فِى مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ)).
ويقطع شجرها فخذوا سلبه))(١)، ولم يثبت عند أئمة الفتوى هذا الحكم ، فلم يقله أحد
منهم بعد زمن الصحابة إلا الشافعى فى قوله القديم ، فى صيد المدينة يؤخذ سلبه وفى فعل
سعد(٢). وما روى عن غيره من الصحابة فى الأمهات ، من إنكارهم صيد حرم المدينة ،
وإطلاقه من يد من وجدوه ، وتأديبهم عليه، واحتجاجهم تحريم النبى عَّه لها ، وكثرة
من روى ذلك - يرد حجة أبى حنيفة المتقدمة. وقد ذكر مسلم من ذلك حديث أنس ورافع
ابن خديج وعبد الله بن زيد بن عاصم وجابر وسعد وعلى وأبى هريرة وأبى سعيد وسهل
ابن حنيف سوى من ذكر غيره .
وقوله: [فى جبل أحد ](٣) ((هذا جبل يحبنا ونحبه))، قال الإمام: قيل: المراد :
يحبنا أهله ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كما قال الله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي
قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (٤)، أى حب العجل، وقال تعالى: ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾(٥) أى أهلها .
قال القاضى : وقيل : هو على ضرب آخر من المجاز ، أى نحن نحبه ونستبشر برؤيته،
فلو كان هو ممن يعقل لأحبنا على سبيل مطابقة الكلام ومجانسة / الألفاظ. وقيل: يحتمل ٢٢٧ / ب
(١) ذكره الهندى فى كنز العمال وعزاه لعبد الرزاق فى جامعه عن سعد بن أبى وقاص ، قال : سمعت رسول
الله عنه يقول: ((من وجدتموه يعضد أو يخبط عضاة المدينة بريداً فى بريد فلكم سلبه ، فلم أكن أرد
شيئاً أعطانيه رسول الله عَّ)) ١٣٨/١٤.
(٢) انظر: الأثر السابق .
وذكره ابن عساكر بلفظ: ((من وجدتموه يقطع من الحمى شيئًا فلكم سلبه)) ٣٠٢/٣، ١٠/ ٢٩٦.
(٣) زائدة فى ع .
(٤) البقرة : ٩٣ .
(٥) يوسف : ٨٢ .

كتاب الحج / باب فضل المدينة ... إلخ
٤٨٦
( .. ) وَحَدَّثْنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُور وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ
عَبّد الرَّحْمَنِ القَارِىُّ - عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِى عَمْرٍو ، عَنَّ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِىِّ
صر الـ
بمثْلِه . غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : ((إِنِّى أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لابِتَيِّهَا)) .
٠٠
٤٦٣ _ (١٣٦٦) وَحَدََّاهُ حَمِدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثْنَا عَبِّدُ الوَاحِدِ، حَدَّثْنَا عَاصِمٌ، قَالَ:
قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكِ: أَحَرَّمَ رَسُولَّ اللهِ عَّهُ الَدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمَّ . مَا بَيْنَ كَذَا إِلى كَذَا،
فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَّثَّا. قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِى: هَذِهِ شَدِيدَةٌ: ((مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثَّا فَعَلَيْهِ
لِعْنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلاً)) . قَالَ:
فَقَالَ ابْنُ أَنَسٍ : أَوْآَوَى مُحْدِثًا.
أن يكون حقيقة، وأن الله جعل فيه أو [ فى ](١) بعضه إدراكاً ومحبة ، كما قيل فى
تسبيح الحصى ، وحنين الجذع وشبه ذلك ، وتكون هذه من خوارق العادات ، وجملة
الآيات ، وقيل : يحتمل أن يكون المعنى: أن محبتنا له محبة من يعتقد أنه يحبنا، وقيل :
أن تكون المحبة هنا عبارة عن الانتفاع بمن يحبنا فى الحماية والنصرة .
وقوله: ((من أحدث حدثاً، أو آوى محدثاً)): [ أى أتى إثماً ، أو آوى من أتاه
وحماه وضمه إليه، وهو نحو قوله تعالى فى مكة: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ
عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾(٢)، ويقال: آوَى وَأَوَى، فى اللازم والمتعدى، والقصر فى اللازم أشهر ،
والمد فى المتعدى أكثر، ولم نرو هذا الحرف إلا محدثاً، بالكسر ](٣).
قال الإمام: ((فى محدث)) روايتان، فتح الدال وكسرها ، فمن فتح نسبة إلى نفس
الأحداث ، ومن كسر نسبة إلى فاعل الحدث .
قال القاضى: وقوله - عليه السلام -: ((فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ،
لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً)): وعيد شديد لمن فعل ذلك ، ممن استحل
حرمتها ، أو أحدث فيها. وقد استدلوا لما جاءت به اللعنة أنه من الكبائر .
وقوله آخر الحديث من رواية حامد بن عمر: ((قال: فقال ابن أنس: أو آوى محدثاً)):
كذا عند عامة شيوخنا: (( فقال ابن أنس )) وهو الصحيح إن شاء الله ، أن ابن أنس ذكّر
أباه هذه الزيادة ، وإلا فسياق الحديث كان من أوله من كلام أنس ، فلا وجه لاستدراكه
على هذا هو تلك اللفظة. وقد وقعت أول الحديث نفسه فى سياق أنس فى أكثر الروايات ،
(١) ساقطة من الأصل ، واستدركت بالهامش .
(٢) الحج : ٢٥ .
(٣) سقط من ع .

٤٨٧
كتاب الحج / باب فضل المدينة ... إلخ
٤٦٤ - (١٣٦٧) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَرُونَ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ
وسقطت عند السمرقندى. وسقوطها هناك ، يشبه أن يكون الصحيح ؛ ولذلك استدركت
آخر الحديث - والله أعلم .
وقوله: (( لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً))، قال الإمام : اختلف فى تفسير ذلك ،
فقيل : الصرف : الفريضة، والعدل : التطوع. وقال الحسن: الصرف : النافلة ، والعدل:
الفريضة. وقال الأصمعى: الصرف : التوبة، والعدل: الفدية. وروى ذلك عن النبى
وقال يونس : الصرف : الاكتساب ، والعدل : الفدية. وقال أبو عبيدة : العدل : الحيلة ،
وقال قوم : العدل: المثل ؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾(١) [ معناه: صومتك ذلك
صياماً ](٢)، وقال بعضهم: العَدل والعدل لغتان، لا فرق بينهما كالسَّم والسِّم. وقال
الفراء : العَدل : ما عادل الشىء من غير جنسه . والعدلُ : ما عادل الشىء من جنسه.
يقال : عندى عَدل ثوبك ، أى قيمته .
قال القاضى : وقيل : الصرف : الدية ، والعدل : الزيادة ، وروى عن الحسن فى
معنى الصرف هنا التصرف فى العمل ، فيحتمل أن يكون ما أوعد به من ترك قبول التوبة
على ما فسّر به الصرف ، وهى معرضة لجميع العاصين فى قبوله الطاعات ، ولا يحبطها إلا
الكفر على ما فسر به الصرف. والعدل إما أن يكون فعل ذلك مستحلاً ، فأحبط الكفر
أعماله ، ولا يصح توبته إلا برجوعه إلى الإسلام، لا بإقلاعه عن ذلك الذنب وحده.
وقيل: المراد هاهنا : لا يقبل توبته فى الآخرة ، وهو فى الحديث مفسر: (( لا يقبل الله منه
يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً))، أى لا يعف عن ذنبه هذا فى الآخرة ، واعترافه بخطئه فيه ،
إن لم يتب منه فى الدنيا ، وأما توبة الدنيا فمقبولة إن شاء الله من كل ذنب. وسيأتى
الكلام على ذلك فى موضعه إن شاء الله .
وقيل : يكون أيضاً معنى : لا تقبل فريضته ولا نافلته قبول رضى ، وإن قبلت قبول
جزاء ؛ لأن الله لا يظلم عباده مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها. وقيل : قد يكون القبول
هنا عبارة عن تكفير تلك السيئة والذنب بها، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ
السَِّئَاتِ﴾(٣). وتكون معنى الفدية هاهنا : لا يجد فى القيامة فدى يفتدى به ، بخلاف غيره
من المذنبين الذين جاء من تفضل الله على من شاء منهم أن يفديه من النار باليهود
والنصارى ، ومن شاء من الكفار .
وقيل : معنى لعنة الله هنا : يحتمل أن يراد به العذاب الذى يستوجبه على ذنبه ،
والطرد عن الجنان أولاً ، ودخول النار حتى يخرجه الله منها. واللعنة معناها : الإبعاد ،
(١) المائدة : ٩٥ .
(٢) من ع .
(٣) هود : ١١٤ .

٤٨٨
كتاب الحج / باب فضل المدينة ... إلخ
الأَحْوَلُ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا: أَحَرَّمَ رَسُولُ اللهِ عَهُ الَدِينَةَ؟ قَالَ : نَعَمْ ، هِىَ حَرَامٌ ، لا
يُخْتَلَى خَلَاهَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لِعْنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ .
٤٦٥ _ (١٣٦٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ - فِيمَا قُرِئْ عَليْهِ - عَنْ
إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلِحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّ رَّسُولِ اللهِ عَّهُ قَالَ: ((الَلُهُمَّ ،
بَارِكْ لُهُمْ فِى مِكْيَلِهِمْ، وَبَارِكْ لِهُمْ فِى صَاعِهِمَّ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِى مُلِّهِمْ)).
٤٦٦ - (١٣٦٩) وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّد السَّمِىُّ، قَالا:
حَدَّثْنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، قَالَ: سَمِعْتُ يُونُّسَ يُحَدَّثُ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَنَسٍ
ابْنِ مَالِك، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((اللّهُمَّ، اجْعَلْ بِالمَدِينَةِ ضِعْفَىْ مَا بِمَكَّةً مِنَ البَرَكَةِ )).
٠
ولا يكون هذا كلعنة الكفار الذين يبعدون عن رحمة الله رأساً .
ولعنة الملائكة والناس هنا : الدعاء عليهم بمثل هذا. وقد يكون لعنة الملائكة هنا ترك
الدعاء لهم والاستغفار وإبعادهم عنه ، وإخراجهم من جملة المؤمنين الذين يستغفرون لهم،
كما حكى الله تعالى عنهم .
وقوله : ((اللهم بارك لهم فى مكيالهم وصاعهم ومدهم)) : البركة تكون بمعنى النماء
والزيادة ، وتكون بمعنى الثبات واللزوم .
فقيل : يحتمل أن تكون هذه البركة دينية بما تتعلق بهذه المقادير من حقوق الله فى
الزكوات والكفارات، فيكون هنا بمعنى الثبات والبقاء بها للحكم بها ببقاء الشريعة وثباتها .
وتكون دنيوية من تكثير المكيل ، والقدر بهذه الأكيال حتى يجزئ منه ، ويكفى ما لا
يجزى من غيره فى غير المدينة ومكانتها ، أو ترجع البركة إلى التصرف بها فى التجارة
وأرباحها، أو إلى كثرة ما يكال بها من غلاتهم وثمارهم ، أو يكون للزيادة فیما یکال بها؛
لاتساع عيشهم وكثرته بعد ضيقه ، لما فتح الله عليهم ، ووسع من فضله لهم وملكهم من
بلاد الخصب والريف من الشام والعراق ومصر، حتى كثر الحملُ إلى المدينة ، واتسع
عيشهم ، وانتقلوا عن ذلك إلى حال آخر ، ورغد سائغ ، حتى صارت هذه البركة فى
الكيل نفسه غير ذلك ، فانتقلوا عن مقاديرهم فى عيشهم المعلوم ، من مد النبى - عليه
٢٢٨ / أ السلام - إلى المد الهاشمى / فزادوا فى مدهم مثل نصفه أو ثلثه أو مثله على الخلاف فى
مقداره ، فى هذا كله ظهور إجابة دعوة النبى عَلَّه لهم ، وقبولها ، قالوا : وفيه الندب إلى
استعمال الكيل فيما يكال ، وقيل : يحتمل أن هذا خاص بزمنه وزمن من تلاه من أئمة
الحق بعده.

٤٨٩
كتاب الحج / باب فضل المدينة ... إلخ
٤٦٧ - (١٣٧٠) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْئَةَ وَزْهَيْرُ بْنُ حَرْب وَأَبُو كُرَيْب، جَميعًا
عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةٌ. قَالَ أَبُو كُرَيْب: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثْنَا الأَعْمَشُ ، عَنْ إِيْرَاهِيمَ التَّيْمِىِّ،
عَنْ أَبِيهِ، قَالَ : خَطَبَا عَلَىُّ بْنُّ أَبِى طَالِبٍ فَقَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَؤُهُ إِلا كِتَابَ الله
وَهَذِه الصَّحِيفَةَ - قَالَ: وَصَحِيفَةٌ مُعَلَقَةٌ فِى قِرَابٍ سَيّفه - فَقْدَ كَذَبَ، فِيهَا أَسْنَانُ الإِبْلِ ،
وَأَشْيَاءُ مِنَ الجَرَاحَاتِ، وَفِيهَا قَالَ النَّبِىُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ
عَيِّرِ إِلَى ثَوْرِ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدثًا، فَعَلَيْهِ لعْنَةُ الله وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ
وقوله فى حديث على - رضى الله عنه -: ((من زعم أن عندنا شيئاً نقرؤه إلا كتاب
الله وهذه الصحيفة فقد كذب)): ردّ على الرافضة والشيعة فيما تدّعيه من إيداع أسرار العلم
والشريعة لآل البيت ، وتخصيصهم بما لم يطلع عليه سواهم، وتكذيب لهم، وهو مراد على -
رضى الله عنه - بقوله هذا ، وفيه أن علياً ممن كتب العلم قديماً ، وممن كان يجيز كتب
الحديث والعلم ، وقد تقدم الكلام فى ذلك والخلاف فيه.
وقوله: ((المدينة حرم ما بين غير إلى ثور)): كذا للرواة، وللعذرى: ((عاير))
بألف، هذان الاسمان هما اللذان جاء فى الحديث الآخر ، من كذا إلى كذا ، فإما أن يكون
فى ذاك الحديث لم يضبط الراوى الاسمين ، أو كنى عنهما لإنكار مصعب الزبيرى وغيره
هذين الكلمتين ، وقال : ليس بالمدينة عير ولا ثور. قالوا : وإنما ثور بمكة. وقال الزبير :
عير جبل بناحية المدينة. وأكثر الرواة فى كتاب البخارى (١) ذكروا عيراً. وأما ثور ، فمنهم
من كنى عنه [ بكذا ](٢)، ومنهم من ترك مكانه بياضاً، إذ اعتقدوا الخطأ فى ذكره .
قال الإمام : قال بعض العلماء : ثور ها هنا وهْمٌ من الراوى ؛ لأن ثوراً بمكة ،
والصحيح إلى أُحد .
قال القاضى : كذا قال أبو عبيد، كان الحديث أصله: ((من عير إلى أحد))(٣)،
وذكر ما جاء فى هذا الحديث من الوعيد واللعنة على من ادعى إلى غير أبيه ، أو انتمى
لغير مواليه ، مما يدل على عظم ذلك ؛ لما فيه من كفر النعمة للمنعمين بالعتق وحق الآباء
وولائهم وتربيتهم صغاراً ، وتكلف مؤنهم من قطع الأنساب والأرحام التى أمر الله أن
(١) البخارى، ك الجزية، ب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة يسعى بها أدناهم ٦/ ٢٧٣.
(٢) ساقطة من الأصل ، واستدركت بالهامش بسهم .
(٣) قال الشيخ محمد فؤاد عبد الباقى فى طبعته على صحيح مسلم ، نقلاً عن الفيروزآبادى فى قاموسه :
تصحيف أبى عبيد لهذا الحديث خطأ ، وأثبت لفظة ثور أنه فى المدينة وهو جبل صغير خلف أحد .
وقال عبد الباقى: وقع بسبب هذا الخطأ ثلاثة من كبار المؤلفين أبو عبيد البكرى وابن الأثير وياقوت فى
معجمه، ورد عليهم، وكذا ابن حجر فى الفتح. انظر: صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقى ٢/ ٩٩٥.

٤٩٠
كتاب الحج / باب فضل المدينة ... إلخ
أَجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللهِ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفًا وَلا عَدْلاً، وَذمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاَحَدَةٌ ، يَسْعَى بِهَا
أَدْنَاهُمْ، وَمَنِ اَّعَى إِلى غَيْرِ أَبِيهِ ، أَوِ انْتَمَى إِلى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لِعْنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةً
وَلنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرَّقًا وَلاَ عَدْلاً)).
وَأَنْتَهَى حَدِيثُ أَبِى بَكْرِ وَزُهَيْرِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ((يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ)) وَلَمْ يَذْكُرَاَ مَا بَعْدَهُ.
وَلَيْسَ فِى حَدِيثَّهِمَا: مُعَلَقَةٌ فِى قِرَبِ سَيَّفِهِ.
٤٦٨ - ( .. ) وَحَدَّثَنِى عَلِىُّبْنُ حُجْرِ السَّعْدِىُّ، أَخْبَنَا عَلِىُّبْنُ مُسْهِرٍ. حِ وَحَدَّثَنِى
أَبُو سَعِيدِ الأَشَجُ ، حَدَّثَنَا وَكِيعَ، جَمِيعًا عِنِ الأَغْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِى
كُرَيْب، عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ إِلى أَخْرِهِ. وَزَادَ فِى الْحَدِيثِ: ((فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهَ لِعْنَّةُ الله
وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَلَيْسَ فِى حَديثِهِمَا:
(مَنِ اَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِهِ)) ، وَلَيْسَ فِىَ رِوَةٍ وَِعٍ ذِكْرُ يَوْمِ القِيَامَةِ .
( ... ) وَحَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ القَوَارِيرِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرِ المُقَدَّمِىُّ، قَالا:
حَدَّثَنَا عَبَّدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ
ابْنِ مُسْهِرٍ وَوَكِيعٍ . إِلاَ قَوْلُهُ: (( مَنْ تَوَلَى غَيْرَ مَوَلِهِ)) وَذِكْرَ اللعْنَةِ لُهُ.
توصل ، واختلاط ذلك ، ونقل المواريث وحقوق الولاء والولاية لغير أربابها ، وظلمهم
بذلك. وليس قوله: (( بغير إذنهم)) كالشرط لهذا المنع حتى يباح بالإذن ، لكنه كالتأكيد
والتنبيه على حق من له حق فى ذلك ، والافتيات عليهم فيه ، وقد يحتج بهذه اللفظة من
يجيز هبة الولاء وبيعه، وسيأتى فى العتق. قال الداودى: ويحتمل قول: (( من تولى
قوماً بغير إذن مواليه)) الحلف. ويحتمل الموالاة. قال : وفى الحديث المنع من مولاة من أقام
بمكة من المسلمين بعد خروج النبى عَّه عنها إلى أن فتحت .
وقوله: ((وذمة المسلمين واحدة ، يسعى بها أدناهم))، قال الإمام : فيه دلالة لمن
أجاز أمان المرأة ، ومن فى معناه ، وقد تقدم القول فى ذلك .
وقوله : ((فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله )) : يعنى نقض عهده .
قال القاضى : يقال : أخفرت الرجل : إذا غدرته ، وخفرته : إذا أجرته .
وقوله: ((لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها)) : يعنى أن ترعى ، وقيل : معنى
((ترتع)): تسعى وتنبسط. والرتْعة بسكون التاء: حركتها للاتباع فى الخصب .

٤٩١
كتاب الحج / باب فضل المدينة ... إلخ
٤٦٩ _ (١٣٧١) حَدَّثَنَا أُبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلىِّ الْجُعْفِىُّ، عَنْ
زَائِدَةَ، عَنْ سُلْمَانَ، عَنْ أَبِى صَالِحِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّيَّهِ، قَالَ: ((المَدِينَةُ
حَرَّمٌ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثَّا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لِعْنَةُ الله وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا
يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَدْلٌ وَلَا صَرْفٌ)) .
٤٧٠ - ( ... ) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّصْرِ بْنِ أَبِى النَّضْرِ، حَدَّثَنِى أَبُو النَّصْرِ، حَدَّثَنِى
عُبَيْدُ اللهِ الأَشْجَعِىُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلُهُ. وَلَمْ يَقُلْ: (( يَوْمَ
القِيَامَةِ)) وَزَادَ : (( وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ
اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَدْلٌ وَلَا صَرْفٌ )) .
٤٧١ - (١٣٧٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى، قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ،
عَنْ سَعِيدِ بْنِ المَسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَوْ رَأَيْتُ الظَبَاءَ تَرْتَعُ بِالمَدِينَةِ مَا
ذَعَرْتُهَا. قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( مَا بَيْنَ لاَبَتَيِّهَا حَرَامٌ » .
٤٧٢ - ( ... ) وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد. قَالَ
إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيْدِ بْنِ الْمُسَّيَّبِ، عَنْ أَبِى
هُرَيْرَةَ. قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ مَا بَيْنَ لاَبَىِ الَدِينَةِ. قَالَ أَبُوَ هُرَّيْرَةَ : فَلَوْ وَجَدْتُ
الظِّبَاءَ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا مَا ذَعَرْتُهَا، وَجَعَلَ اثْنَىْ عَشَرَ مِيلاً - حَوْلَ المَدِينَةِ - حِمَّى .
٤٧٣ _ (١٣٧٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ - فِيمَا قُرِئَّ عَلَيْهِ -عَنْ
سُهّلٍ بْنِ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ
وقوله: (( ما ذعرتها))، قال الإمام : الذعر : الفزع ، ومنه قول زهير - هو ابن أبى
سُلمی ۔ :
دُعِيَت نَزَالِ وَلُجَّ فِى الذُّعْرِ (١)
ولأَنْتَ أَشْجَع مِنْ أُسَامَةَ إِذ
قال القاضى : وقيل : معناه هنا: أى ما نفرتها. وقد تقدم نهيه - عليه السلام - عن هذا.
وقوله : (( كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاؤوا به إلى النبى - عليه السلام )» وذكر
(١) الذى فى ديوان زهير :
ولنعم حشو الدرع أنت إذا
دعيتَ نزال ولج فى الذعر

٤٩٢
كتاب الحج / باب فضل المدينة ... إلخ
جَاؤُوا به إلى النَّبِىِّ ◌َّهِ. فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِعَِّ قَالَ: ((اللّهُمَّ، بَارِكْ لَنَا فِى ثَمَرِنَا،
وَيَارِكْ لِنَا فِى مَدِينَتَنَا، وَبَارِكْ لِنَا فِى صَاعِنَا، وَيَارِكْ لنَا فِى مُدِّنَا. اللّهُمَّ، إنَّ إِيْرَاهِيمَ عَبْدُكَ
وَخَلَيْلُكَ وَنَبِيُّكَ ، وَإِّى عَبَّدُكَ وَنَبِيُّكَ ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لمَكَّةَ، وَإِنِّى أَدْعُوكَ للمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا
دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَمَثْلِهِ مَعَهُ)) . قَالَ: ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدِ لهُ فُيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ .
٤٧٤ - ( .. ) حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّد الَدَنَىُّ، عَنْ
سُهَيْلٍ بْنِ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَُّ كَانَ يُؤْتَّى بِأَوَّلَ الثَّمَر
فَيَقُولُ : ((اللهُمَّ، بَارِكْ لِنَا فِى مَدِينَتَنَا وَفِى ثِمَارِنَا وَفِى مُدِّنًا وَفِى صَاعِنَا بَرَكَةً مَعَ بَرَكَةٍ)) .
ثُمَّ يُعْطِهِ أَصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنَ الوِلِدَانِ .
دعائه فيه. وفى المدينة كانوا يفعلون ذلك رغبة فى دعائه ، ورجاء تمام ثمرهم لبركة ذلك ،
وإعلاماً له - عليه السلام - بابتداء صلاحها ؛ لما يتعلق بها من حقوق الزكاة [ والشرع وتوبة
الخرّاص وبيان الزكاة ](١) وقد روى الخشنى هذا الحديث عن مالك أنه - عليه السلام - كان
إذا أخذ ذلك ، وضعه على وجهه ، ثم قال ما تقدم .
وفيه تخصيص الرئيس فى العلم والسلطان بالهدية والطرفة تفضيلاً له ، وتقديماً ورجاء
بركة دعائه. وفيه ما كان عليه - عليه السلام - من الرفق بالصغير والكبير ، ومراعاة حقوق
كل صنف منهم بحسبه ، ودفع هذه الطرفة للصغار ؛ إذ هم أولى بذلك لشدة حرصهم
على مثل ذلك ، وإعجابهم به ، وقيل : يحتمل أن يفعل ذلك لطلب الأجر بدفعه لمن لا
ذنب له ، وإدخال المسرة عليه بذلك ، وتخصيصه ذلك بأصغر وليد يحضره، لما لم يكن
لقلته فيه ما نقسم على الولدان رحم أصغرهم به ؛ إذ هو أولى بالألطاف ولقلة صبره ،
وحرصه وشرهه على مثل هذا بحسب صغره ، وكلما كبر تخلق بأخلاق الرجال من الصبر
والحياء وسماحة النفس ، وقلة الشره .
قال الإمام : وقد يكون لى فى معناه : أنه - عليه السلام - فعله تفاؤلاً بنمو الثمرة
وزيادتها بأن يدفعها إلى من هو فى سن النماء والزيادة ، ويكون هذا نحو ما تأول أهل
العلم فى قلب الرداء فى الاستسقاء ؛ أنه تفاءل لأن ينقلب الجدب خصباً .
(١) سقط من الأصل ، واستدرك بالهامش .

٤٩٣
كتاب الحج / باب الترغيب فى سكنى المدينة ... إلخ -
(٨٦) باب الترغيب فى سكنى المدينة ، والصبر على لأوائها
٤٧٥ - (١٣٧٤) حَدَثْنَا حَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُليَّةَ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ وُهَيّب، عَنْ
يَحْبَى بْنِ أَبِى إِسْحَقَ؛ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ مَوْلَى المَهْرِىِّ؛ أَنَّهُ أَصَابَهُمْ بِالمَدِينَةُ جَهْدٌ
وَشَدَّةٌ، وَأَنَّهُ أَتَى أَبَا سَعِيد الْخُدْرِىَّ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّى كَثِيرُ العَيَالِ، وَقَدْ أَصَابَتْنَا شدَّةٌ ،
فَأَرَّدْتُ أَنْ أَنْفُلَ عِبَالِى إِلَى بَعْضِ الرِّيفِ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ، لَا تَفْعَلِ، الزَمِ المَدِينَةَ ، فَإِنَّا
خَرَجَنَا مَعَ نَبِىِّاللهِنَّهِ - أَظُنُّأَنَّهُ قَالَ: حَتَّى قَدِمْنَا عُسْفَانَ، فَأَقَامَ بِهَا لَيَالِىَ . فَقَالَ النَّاسُ:
وَله، مَا نَحْنُ هَاهُنَا فِى شَىْءٍ ، وَإِنَّ عِيَالنَا لُخُلُوفٌ. مَا نَامَنُ عَلَيْهِمْ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّىَّ ◌َُّ
فَقَالَ: «مَا هَذَا الذى بَلِغَنَى مِنْ حَدِيثِكُمْ؟ - مَا أَدْرِى كَيْفَ قَالَ - وَالذى أَحْلِفُ به ، أَوْ
وَالذى نَفْسِى بِيَدِهِ، لِقَدْ هَمَمْتُ أَوْ إِنْ شِئْتُمْ - لا أَدْرِى أَيَتُهُمَا قَالَ - لَآَمُرَنَّ بِنَاقَتِى تُرْحَلُ،
ثُمَّ لَا أَحُلُّ لِهَا عُقْدَةً حَتَّى أَقْدِمَ الَدِينَةَ)) . وَقَالَ: ((اللّهُمَّ، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَجَعَلَهَا
حَرَمًا ، وَإِّى حَرَّمْتُ الَدِينَةَ حَرَامًا مَا بَيْنَ مَأَزِمَيْهَا، أَلا يُهَرَاقَ فِيهَا دَمٌّ ، وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا
وقوله فى حديث أبى سعيد: ((إن عيالنا لُخُلوف)» بضم الخاء ، قال الإمام : أى لا
راعى لهم ولا حامى. قال الأزهرى : يقال: الحىُّ الخلوف، بمعنى المتخلفين المقيمين فى
الدار، وبمعنى الغُّيَّب الطاعنين .
وقوله فى هذا الحديث: (( ما هذا الذى يبلغنى من حديثكم - ما أدرى كيف قال -
والذى أحلف به ، أو الذى نفسى بيده)): شك من أبى سعيد فى أحد القسمين ، وتحرى
.
عليـ
رواية لفظ النبى
/ وقوله: ((لآمرن براحتى ترحل ثم لا أحل لها عقدة حتى آتى المدينة)): أى لا ٢٢٨ / ب
أحل من رباط رحلى عليها شيئاً ، بل أصل سيرى ، وأدأبه حتى أصل المدينة ولا أريح
ركابى ، ولا أنزل عنها منزلا لا أحط فيه عنها .
وقوله: ((حراما ما بين مأزمَيْها)) بكسر الزاى ، أى جبليها ، كما قال فى الحديث
الآخر: ((جبليها))، وبه فسر ابن شعبان ((مأزمى مكة)). وأما ابن دريد فى الجمهرة
فقال: المأزم : المضايق ، ومنه : مأزمى منى ، وهذا يقرب مما تقدم ؛ لأن المضايق متقطع
الجبال بعضها من بعض .
وقوله فى هذا الحديث: ((لا يحمل فيها سلاح، ولا يخبط فيها شجرة)) : تسويتها
سے

٤٩٤
كتاب الحج / باب الترغيب فى سكنى المدينة ... إلخ
سلاحٌ لِقَال ، وَلَا يُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ إلا لِعَلِف. اللّهُمَّ، بَارِكْ لِنَا فِى مَدِينَتِنَا . اللهُمَّ، بَارِكْ
لِنَا فِى صَاعِنَا. اللهُمَّ، بَارِكْ لنَا فِى مُدَنَا. اللَّهُمَّ بَارِكْ لنَا فِى صَاعِنَا. اللّهُمَّ، بَارِكْ لِنَا فِى
مُدِّنَا، اللهُمَّ، بَارِكْ لِنَا فِىَ مَدِيَ اللهُمَّ، اجْعَلْ مَّعَ البَرَكَّةِ بَرَكَتَيَّنٍ. وَالذِى نَفْسِى بِيَدِهِ،
مَا مِنَ الْمَدِينَةِ شِعْبٌ وَلا تَقْبٌ إلا عَلَيْهِ مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا حَتَّى تَقْدَمُوا إِلَيْهَا)). ثُمَّ قَالَ
للنَّاسُ:((ارْتَحلوا))، فَارْتَحَلْنَا، فَأَقْبَلنَا إلى المَدِينَةِ، فَوَ الذى نَحْلِفُ بِهِ أَوْ يُحْلِفُ به -
الشَّكُّ مِنْ حَمَّاد - مَا وَضَعْنَا رِ حَالنَا - حِيْنَ دَخَلْنَا الَّذِينَةَ - حَتَّى أَغَارَ عَلَيْنَا بَنُو عَبْدِ اللهِ بْنِ
غَطَفَانَ ، وَمَا يَهِيجُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ شَىْءٌ .
فى حرمة مكة فى كل الأمور، ورد على أبى حنيفة. وقد جاء فى الحديث الآخر: ((لا
يختلى خلاها )) كما قال فى مكة .
وقوله : ((لا يخبط فيها شجرة إلا لعلف)): حجة على جواز أخذ الورق للعلف ،
وإنه بخلاف قطع الأغصان ، وخبطها ليتكسر حطباً ، ولم يقع هذا الاستثناء فى حديث
تحريم مكة، ويفسر هذا الاستثناء - والله أعلم - الحديث الآخر: (( لا يخبط ولا يعضد ،
ولكن يهش هشاً رفيقاً))، والهش : تحريك الغصن ليسقط ورقه [ قال صاحب العين ،
وقال غيره: هو خبط الشجر بالعصا ليسقط ورقه](١)، قال الله تعالى: ﴿وَأَهُثُّ بِهَا عَلَى
غَنَمِي﴾(٢) على ظاهره، ومعناه: لا تخبط لتكسر أغصانها ، ولا يجوز أن يؤخذ منها إلا
أن يحرك أو يضرب ضرباً رفيقاً لأخذ الورق للعلف .
وقوله : (( ما من المدينة شعب ولا نقب إلا عليه ملكان يحرسانها حتى تقدموا إليها)):
فيه فضل المدينة وحمايتها فى حياة النبى - عليه السلام - من العدو. والشعب بكسر الشين:
هو ما انفرج ما بين الجبلين. وقال يعقوب : هو الطريق فى الجبل. والنقَبُ ، بفتح النون
وضمها ، مثله. وقيل : الطريق على رأس الجبل .
قال الإمام : قال الأخفش : أنقاب المدينة طرقها وفجاجها .
قال القاضى: وقوله: ((ارتحلوا)): فيه ما كان عليه - عليه السلام - من مساعدة
المسلمين والتيسير عليهم فى أمورهم .
وقوله: (( فما وضعنا رحالنا حين دخلنا المدينة ، حتى أغار علينا بنو عبد الله بن
غطفان ، وما يهيجهم قبل ذلك بشىء)) : يعنى أن المدينة فى مغيبهم لم يحركهم عدو ولا
(١) سقط من الأصل ، واستدرك فى الهامش بسهم.
(٢) طه : ١٨ .

٤٩٥
كتاب الحج / باب الترغيب فى سكنى المدينة ... إلخ
٤٧٦ - ( ... ) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ
الْبَارَك، حَدَّثَنَا يَحْنَى بْنُ أَبِى كَثِيرِ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى المَهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَعِيد الْخُدْرِىِّ؛
أَنَّرَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: (« اللهُمَّ، بَارِكْ لِنَا فِى صَاعِنَا وَمُدْنَا، وَاجْعَلْ مَعَ البَرَكَةِ بُرَكَتَيْنِ)) .
( .. ) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا شَيْبَانُ .
ح وَحَدَّثَنِى إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُور، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبٌ - يَعْنِى ابْنَ شَدَّاد -
كلاهُمَا عَنْ يَخْتَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلُهُ .
٤٧٧ - ( ... ) وَحَدَّثَنَا قُتَيَّةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ ، عَنْ
أَبِى سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِىِّ؛ أَنَّهُ جَاءَ أَبَا سَعِيدُ الْخُدْرِىَّ لَيَالِىَ الحَرَّةِ، فَاسْتَشَارَهُ فى الجَلَاء منَ
المَدِينَةِ ، وَشَكَا إِلَيْهِ أَسْعَارَهَا وَكَثْرَةَ عَالِهِ، وَأَخْبَرَهُ أَنْ لاَ صَبْرَ لهُ عَلَى جَهْدِ الَدِينَةَ وَلَأوَائِهَا.
فَقَالَ لهُ: وَيْحَكَّ! لا آمُرُكَ بِذَلِكَ، إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِعَُّ يَقُولُ: ((لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ
عَلَى لِأَوَتِهَا فَيَمُوتَ، إِلا كُنْتُ لَهُ شَفِيَعًا أَوْ شَّهِيدًا يَوْمَ القِيَامَّةِ، إِذَا كَانَ مُسْلِمًا)) .
٤٧٨ _ ( .. ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيّرِ وَأَبُو كُرَيْب،
جَمِيعًا عَنْ أَبِى أُسَامَةَ - وَاللفْظُ لأَبِى بَكْرِ وَابْنُ نُمَيْر - قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أَسَامَّةَ، عَنِ الوَليد
ابْنِ كَثِيرٍ ، حَدَثَنِى سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى سِّعِيدِ الْخُدْرِىِّ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِّ حَدَّثَهُ
عَنْ أَبِيهِ أَبِى سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ عَُّ يَقُولُ: ((إِنِّى حَرَّمْتُ مَا بَيْنَ لابَتِىَ المَدِينَةِ،
كَمَا حَرََّ إِبْرَاهِيمُ مُّكََّ)). قَالَ: ثُمَّ كَانَ أَبُو سَعِيدٍ يَأْخُذُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجِدُ - أَحَدَثَا فِى
يَدِه الطَّيْرُ ، فَفْكُّهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ يُرْسِلُهُ .
٤٧٩ _ (١٣٧٥) وَحَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيَّةَ، حَدَّثْنَا عَلَىُّبْنُ مُسْهِر، عَنِ الشَََّّانِىِّ،
عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْف ، قَالَ : أَهْوَى رَسُولُ اللهِ عَّهُ بِيَدِهِ إِلى المَدِينَةِ
فَقَالَ: «إِنَّهَا حَرَمٌ آمِنٌ » .
أثارهم مخوف، وهو معنى ((تهيجهم)) هنا، يقال : هاج الشر ، وهاجت الحرب ،
علي فيما أخبر به من
وهاجها الناس ثلاثى ، يعنى حتى وصلوا المدينة. ففيه تصديق النبى
حمايتها بالملائكة مدة مغيبهم ، وبنو عبد الله بن غطفان كان يقال لهم فى الجاهلية : بنو
عبد العُزى ، فسماهم النبى عَّه: بنى عبد الله، فسمتهم العرب بنى مُحولة ، لتحويل

٤٩٦
كتاب الحج / باب الترغيب فى سكنى المدينة ... إلخ
٤٨٠ _ (١٣٧٦) وَحَدَّتْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيَّةَ، حَدِّثْنَا عَبِّدَةُ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِهِ،
عَنْ عَائشَةَ، قَالتْ: قَدِمْنَا المَدِينَةَ وَهِىَ وَبَيْئَةٌ ، فَاشْتَكَى أَبُو بَكْر وَاشْتَكَى بلالٌّ، فَلَمَّا رَأَى
رَسُولُ اللهِ عَّهِ شَكْوَى أَصْحَابِهِ قَالَ : ((اللّهُمَّ، حَبِّبْ إليْنَا الَدِينَةَ كَمَا حَيَّيْتَ مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ،
وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لِنَا فِى صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَحَوّلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ)).
( .. ) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ ، نَحْوَهُ.
اسمهم ، كذا حدثنا به أبو محمد الخشنى عن الطبرى عن الفارسى: بنو عبد الله على
الصواب ، وعند سائر شيوخنا. ونسخ مسلم من طريق ابن ماهان والجلودى : بنو عبيد الله
وهو خطأ. والجلاء بالفتح والمد: الانتقال عن الوطن، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَن كَتَّبَ
اللّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾(١).
وقوله: ((قدمنا المدينة وهى وبيئة)): يقال: أرض وبيئة ، مهموز مخفف ؛ إذا
كانت ذات وباء. هذا - والله أعلم - غير مخالف لنهيه - عليه السلام - عن القدوم عليه إذا
سمع به بأرض ؛ لأن ذلك فى الوباء العام ، والطواعن النازلة ، وهذا إنما هو من حال
البلاد الوحمة بحرارة هَوائها ، وقد يألفها الساكنون بها ، ويختلف فيها حال النازل والوارد
عليها ، فتعتريهم أمراض لاختلاف الهواء عليهم ، وقد نصب ذلك أهلها ، وقد يستقلون
منه كسائر الأمراض باختلاف. ووباء الطاعون إنما هو موت ذريع ، وقد يقال : إن هذا قبل
نهيه - عليه السلام - عن ذلك ، كما كان ؛ لأن هذا الحديث فى أول الهجرة والإسلام .
وقوله : ((وصححها وحول حماها إلى [الجُحفَةِ](٢)))، قال الإمام : قال بعض
أهل العلم : كان سكانها يومئذ كفاراً .
قال القاضى : قال الخطابي : كانوا يهوداً. وفيه جواز الدعاء على العدو الكافر بما
يهلكه ، ويشغله عن المسلمين ، والدعاء للمسلمين بالصحة والسلامة ، وفيه حجة لكافة
المسلمين فى جواز الدعاء بالخير وكشف الضر ، خلافاً لبعض المتصوفة فى أن [ هذا ](٣)
عندهم قدح فى التوكل والرضا ، وللمعتزلة فى قولهم : إنه لا فائدة فى الدعاء مع سابق
القدر. والدعاء عندنا عبادة لا يأتى ولا يستجاب منه إلا ما سبق فى القدر كونه ، خلافاً لمن
(١) الحشر : ٣ .
(٢) هكذا نص الحديث ، وفى الأصل : الحجنة .
(٣) ساقطة من الأصل، واستدركت بالهامش .

٤٩٧
كتاب الحج / باب الترغيب فى سكنى المدينة ... إلخ
٤٨١ - (١٣٧٧) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثْنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ
حَقْصِ بْنِ عَاصِمٍ ، حَدَثْنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِعَُّ يَقُولُ: (( مَنْ
صَبْرَ عَلَى لِأَوَائِهَاً، كُنْتُ لُهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِدًا يَوْمَ القِيَامَةِ » .
٤٨٢ _ ( ... ) حَدَّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنْ قَطَنِ بْنِ وَهْبِ بْنِ
عُوَيْمِرِ بْنِ الأَجْدَعِ، عَنْ يُحَّسَ مَوْلى الزُّبَيْرِ، أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ كَانَ جَالسًا عِنْدَ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ
فى الفتْنَةِ ، فَتَّهُ مَوْلَاةٌ لَهُ نُسَلِّمُ عَلَيْهِ . فَقَالتْ: إِنِّى أَرَدْتُ الْخُرُوجَ، يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ !
اشْتَدَّ عَلَيْنَا الزَّمَانُ. فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللهِ: اقْعُدى، لكَاعٍ! فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عَّهُ يَقُولُ:
((لا يَصْبِرُ عَلَى لِأَوَائِهَا وَشِدَّتَهَا أَحَدٌ، إلا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ القِيَامَةِ)) .
قال بالبداء إن الدعاء يصرف القدر ، على ظاهر ما جاء فى الآثار ، وقد تقدم من هذا فى
حديث أم حبيبة .
وفى هذا آية للنبى معَّه وعلامة من علامات نبوته ، فإن الجحفة من يومئذ ، وبيئة
متجنبة، لا يشرب أحد من مائها إلا حُمّ. و ((يُحَّسُ)) مَولى الزبير المذكور فى حديث
مالك ، كذا ضبطناه هنا عن القاضى الشهيد ، وكذا أثبتنا فيه ، وضبطناه عن أبى بحر
بالفتح ، وكذا روى فى كتاب الحاكم ، وبالوجهين ضبطناه عن غيره فى غير مسلم .
وقول ابن عمر لمولاته حين شكت إليه اشتداد الزمان، وشاورته فى الخروج/ عن ٢٢٩ / أ
المدينة: ((اقعدى لكاع))، قال الإمام: يقال: امرأة لكَاع، وَرَجل لُكَع. واللكع:
اللئيم، وأيضاً : العبد ، وأيضاً : العَىُ الذى لا يتجه لنطق ولا غيره أحد من الملاكيع ،
وهو الذى يجرح مع السَّلا من البطن. واللُكع - أيضاً -: الصغير، ومنه الحديث : أن
النبى - عليه السلام - طلب الحسن فقال: (( أثم لكع أثم لكع))(١) أى أثم صغير، وسُئل
بلال بن جرير عن اللكع ، فقال : هو فى لغتنا : الصغير. وإلى هذا ذهب الحسن ؛ إذ
قال لإنسان: يالكع ، يُريد : يا صغير فى العلم. قال أهل النحو : ومما لا يقع إلا فى
النداء خاصة ولا يستعمل فى غيره قولهم للمؤنثة : يا خباث ، ويا لكاع. وربما استعمل
[فى الشعر ](٢) فى غير النداء ضرورة قال الحطيئة:
أطَوَّف ما أطوْف ثم آوى
إلی بیت قعیدته لکاع
(١) صحيح البخارى ، ك البيوع، ب ما ذكر فى الأسواق ٣ / ٨٧ وسيأتى فى مسلم ، ك فضائل الصحابة
ب، فضائل الحسن والحسين (٢٤٢١ / ٥٧).
(٢) زائدة من ع .

٤٩٨
كتاب الحج / باب الترغيب فى سكنى المدينة ... إلخ
٤٨٣ _ ( .. ) وَحَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْك، أَخْبَرَنَا الضَّحَّكُ، عَنْ
قَطَنِ الْخُزَاعِىِّ، عَنْ يُحَسَ مَوْلِى مُصْعَب، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله
◌ََّ يَقُولُ: ((مَنْ صَبَرَ عَلَى لأوَائِهَا وَشِدَّتْهَا، كُنْتُ لهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ القِيَامَةِ - يَعْنِى
المَدِينَة )) .
٤٨٤ _ (١٣٧٨) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ جُحْر، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ
ابْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَُّ
قَالَ: ((لا يُصْبِرُ عَلَى الأَوَاءِ الَدِينَةِ وَشِدَتِهَا أَحَدٌ مِنَّ أَمِّى، إِلَ كُنْتُ لُهُ شَفِعًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَوْ
شهيدًا)) .
( .. ) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثْنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى هَرُونَ مُوسَى بْنِ أَبِى عِيسَى؛ أَنَّهُ
سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللهِ القَرََّظَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ ، بِمِثْلِه .
( .. ) وَحَدَّثْنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثْتَ الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةً،
عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِعَّةٍ: (( لا يَصْرُ
أَحَدٌ عَلَى لأوَاءِ الْمَدِينَةِ )) بِمِثْله .
قال القاضى : وقول ابن عمر لها ذلك على طريق الإنكار ، والتبسيط بمثل هذا لمن
يدل عليه الإنسان من حاشيته وآله ، لا سيما استعماله فى الموالى. وقد يكون معناه هنا على
نحو ما ذكر فى تأويل قول الحسن ، أى يا قليلة العلم وصغيرة الحظ منه ؛ لما فاتها من
معرفة فضل المدينة ، والذى عندى فى معنى قول الحسن إنما أورده على جهة الذم والسَّب ،
وعلى أصله بمعنى الوغد واللئيم ؛ لأنه لم يخاطب به معيا ، إنما خاطب به فى وعظه من
صور اغتراره بالدنيا ، وجمعه لها ، ومخادعته الله ومرايأتِه بعمله ، وشبه هذا . ومثل هذا
جدير بغليظ القول والتأديب بالسبّ .
وفى هذه الأحاديث دليل على فضل سُكنى المدينة ، وأن ذلك محمول عندهم على
استمرار هذا الفضل بعد وفاة النبى عَّةٍ وإلى يوم القيامة ، وقد بينه فى حديث أبى هريرة
بقوله: ((لا يصبر على لأوائها أحد من أمتى)).

٤٩٩
كتاب الحج / باب صيانة المدينة من دخول الطاعون ... إلخ
(٨٧) باب صيانة المدينة من دخول الطاعون والدجال إليها (١)
٤٨٥ _ (١٣٧٩) حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ يَحْبَى، قَالَ : قَرَأَتُ عَلَى مَالِك، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ
الله، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَة مَلائِكَةٌ، لا يَدْخُلُهَا
الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَالُ)) .
٤٨٦ - (١٣٨٠) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أُبُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْر، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ
ابْنِ جَعْفَرِ، أَخْبَرَنِى العَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَّهُ قَالَ: (( يَأْتِى
الَسِيحُ مِنْ قِبَلِ الَشْرِقِ، هِمَّهُ المَدِينَةُ، حَتَّى يَنْزِلَ دَبْرَ أُحُدٍ، ثُمَّتَصْرِفُّ المَلائِكَةُ وَجْهَهُ قِبَّلَ
الشَّامِ، وَهُنَالكَ يَهْلِكُ)) .
(١) ترك الإمام والقاضى هذا الباب بغير تعليق .
وقوله : ((أنقاب المدينة)): جمع نَقْب، وهو الطريق بين الجبلين . أراد: أنه لا يَطْلِعُ الطاعون - ولا
الدجال - من طريق المدينة. انظر: النهاية في غريب الحديث ١٠٢/٥ .

٥٠٠
كتاب الحج / باب المدينة تنفى شرارها
(٨٨) باب المدينة تنفی شرارها
٤٨٧ _ (١٣٨١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثنَا عَبْدُ العزیز -یعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ-عَنِ
العَلَاء، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: ((يَأْتِى عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَدْعُو
الرَّجُلُ ابْنَ عَمَّهِ وَقَرِيبَهُ: هَلَمَّ إِلى الرَّخَاءِ، هَلَمَّ إِلى الرَّخَاءِ، وَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا
يَعْمَلُونَ. وَالذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَ يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَغْبَةً عَنَّهَ إِلا أَخْلَفََ اللهُ فِيهَا خَيْرًا مِنْهُ،
أَلا إِنَّ الَدِينَةَ كَالكِيرٍ ، تُخْرِجُ الْخَبِيثَ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِىَ الَدِينَةُ شِرَارَهَا، كَمَا
يَتْفِىِ الكِبرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)).
٤٨٨ _ (١٣٨٢) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ - فِيمَا قُرِئَّ عَلَيْهِ -عَنْ
يَحْبَى بْنِ سَعيد، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعَيَدَ بْنَ يَسَارَ يَقُولُ: سَمَعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْغُرَى ، يَقُولُونَ: يَغْرِبَّ وَهِىَ الَدِينَةُ، تَنْفِى
وقوله: (( تنفى شرارها كما ينفى الكير خبث الحديد )) وذكر أيضاً خبث الفضة ،
وخبثهما هو ما يخرج النار من قناهما وتخلصه منهما ، الأظهر هنا أنه فى زمن النبى
ح ،
فإنه كان لا يصبر على الهجرة والمقام معه ، إلا من ثبت إيمانه ، وأما المنافقون وجهلة
الأعراب ومن آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه ، فلا يصبرون على شدة المدينة ولا يحتسبون
أجرهم فى ذلك ، أولئك شرار الناس وخبثاؤهم ، كما جرى للأعرابى فى الحديث الآخر
لما أصابه وعك الحمى بها ، واستقال النبى معَّ من بيعته ولم يقلها النبى - عليه السلام -
لأنه لا يحل ذلك ، ولا يجوز للمهاجر أن يترك هجرته ويرفض بيعته على ذلك ، وقد
لعن النبى ◌َُّ من فعل ذلك، وارتدَّ أعرابياً بعد هجرته ، وهذا الأعرابى - والله أعلم -
كان ممن بايع على المقام معه فيها ، ولذلك ما سأله الإقالة من ذلك ، وهذا أظهر الوجوه ،
وقيل : يحتمل أنه كان بعد الفتح وسقوط الهجرة ، وإنما استقال من الإسلام فلم يقله النبى
عَّ؛ إذ لا تحل الرجعة إلى الكفر بعد الإيمان، ولا يسوغه النبى معَّه لأحد، وفى قصته
ضرب النبى ◌ّ هذا المثل لمن خرج من المدينة ، ولم ينتظر الإذن والإباحة ، فدل على
خبث طويته وضعف دينه. والوعك : الحمى، وما يوجد من الألم لها، ووعك كل شىء معظمه
وشدته. وسيأتى الكلام على الهجرة وبيعة الأعراب فى الجهاد .
وقوله: ((أمرت بقرية تأكل القرى)): أى أمرت بالهجرة إليها وسكناها. و (( تأكل
القرى)) قيل : منها تُفتح ، وقيل : منها يكون أكلها لما جلب من فى القرى المفتتحة إليها