النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كتاب الحج / باب بيان وجوه الإحرام ... إلخ
١٤٣ - ( ... ) وحدَّنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيّم، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ نَافِعٍ، قَالَ :
قَدِمْتُ مَكَّةَ مُتَمَتِّعًا بِعُمْرَةَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِأَرْبَعَةٍ أَيَّامٍ، فَقَالَ النَّاسُ: تَصِيرُ حَجَتْكَ الآنَ مَكِيَّةً ،
فَدَّخَلْتُ عَلَى عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ فَاسْتَفَتَيْتُهُ. فَقَالَ عَطَاءٌ : حَدَّثَنِى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله
الأَنْصَارِىُّ - رَضِى اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ حَجَّ مَعَ رَسُولِ اللهِ تَّهُ عَامَ سَاقَ الهَدْىَ مَعَهُ، وَقَدْ
أَهَلُوا بِالحَجِّ مُفْرَدًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ تَّةٍ: ((أَحِلُوا مِنْ إِخْرَامِكُمْ، فَطُوفُوا بِالبَيْتِ وَبَيْنَ
((دخلت العمرة فى الحج، [ لا ] (١)، بل لأبد الأبد))، ويحتمل عندنا أن يريد بقوله:
((دخلت العمرة فى الحج)) : أى جازت فى أشهر الحج ، خلافاً لما كانت الجاهلية تعتقده ،
ويحتمل أن يكون دخولها فى الحج فى عمل القارن ، وقد تأوله بعض من لم ير العمرة
واجبة على أن المراد به سقوط فرض العمرة بالحج ، فمعنى دخول العمرة فى الحج : سقوط
وجوبها، وقد ذكر النسائى (٢) [ فى كتابه أنه سئل، فقيل له: ألعامنا أم للأبد؟ فقال ] (٣):
إنه قال - عليه السلام - فى هذا الحديث: ((لكم خاصةً))، فهذا يؤكد ما قلناه ، ويحمل
هذا - على الفسخ، وهو الذى لهم خاصةً، والأول على إجازة العمرة فى أشهر الحج ،
وهو الذى لهم ، وللناس بعدهم .
قال القاضى : قد ذكر مسلم بعد هذا فى حديث أبى ذرِ: ((كانت لنا رخصةٌ)):
يعنى المتعة فى الحج (٤)، وفى الحديث الآخر: ((لأصحاب محمد خاصةً)) (٥)، وذكر
النسائى حديث سراقة، وفيه: تمتعنا مع رسول الله عَّه فقلنا : لنا خاصة أم للأبد ؟ فقال:
((بل للأبد)) (٦)، وذكر حديث الحارث بن بلال عن أبيه ،وفيه : فقلت: يا رسول الله ،
فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: ((بل لنا خاصةً)) (٧)، فقد تبين بمجموع هذه
الأحاديث وتفسير ما فُسرّ منها فى روايةٍ وبيانه لما أجمل فى غيرها - أن الخصوص لفسخ
الحج فى العمرة ، وعموم الإباحة فعل العمرة فى أشهر الحج .
وقوله لمن أمره بالحل: ((طوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصروا)) : بين [ هذه
الزيادة ] (٨) ما لم يذكره فى الأحاديث الأخر ، هذا لا خلاف فيه أن التحلل من العمرة
بعد تمامها بالخلاف ، وسيأتى الكلام على التحليق والتقصير بعد هذا .
(١) من ع .
(٢) النسائى، ك الحج، ب إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدى. الكبرى ٢ / ٣٦٦.
(٣) من ع .
(٤) سيأتى قريباً فى ب جواز التمتع برقم (١٦١).
(٥) انظر السابق .
(٦) النسائى، ك الحج، ب إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدى. انظر: الكبرى ٢ / ٣٩٧.
(٨) فى الأصل : بهذه الرواية ، والمثبت من س .
(٧) انظر السابق .

٢٦٢
كتاب الحج / باب بيان وجوه الإحرام ... إلخ
الصَّفَا وَالَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا، وَأَقِيمُوا حَلالاً، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَأَهلُّوا بِالحَجِّ،
وَاجْعَلُوا الَّتِى قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً )) . قَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الحَجَّ ؟ قَالَ :
(افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ، فَإِنِّى لَوْلا أَنِّى سُقْتُ الهَدْىَ، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِى أَمَرْتُكُمْ بِهِ ، وَلَكِنْ
لا يَحِلُّ مِنِّى حَرَامٌ، حَتَّى يَبْلُغُ الهَدْىُ مَحِلَّهُ ) فَفَعَلُوا .
١٤٤ _ ( .. ) وحدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِىِّ القَيْسِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو هشَام الْمُغيرَةُ
ابْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِىُّ، عَنْ أَبِى عَوَنَةَ، عَنْ أَبِى بِشْرِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحِ ، عَنْ جَابِ
ابْن عَبْد الله - رَضى اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَدِمْنَا مَعَّ رَسُول الله عَّهُ مُهلِّينَ بِالحَجِّ ، فَأَمَرَنَا
رَسُولِ اللهِ عَّ أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً، وَنَحِلَّ. قَالَ: وَكَانَ مَعَهُ الَهَذَىُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَجْعَلَهَا
عُمْرَةً.
وقوله: (( حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج ، واجعلوا ما قدمتم به متعة )» قالوا:
كيف يجعلها متعةً وقد سمينا (١) الحج ؟ : دليل على أن إحرامهم كان بالحج ، وأن معنى
رواية من روى أنهم تمتعوا إنما أخبر عن ثانى حالٍ ، وهو فسخهم الحج فى العمرة ، ثم
الحج بعدها ، وفيه حجة [ على ] (٢) أن الإهلال للمكيين ومن بها يوم التروية ، وقد تقدم
الكلام فيه ، وقد احتج داود بما جاءه فى هذه الأحاديث ومن روى فيها القران ، على أنه لا
دم على القارن ؛ إذ لم يأتِ فى الحديث ذكر الدم ، بخلاف ما جاء من النص على الدم
على المتمتع ، ولم ير القياس كما قاسه غيره .
(١) فى الأصل : سميت ، والمثبت من الصحيحة ، س.
(٢) من س .

٢٦٣
كتاب الحج / باب فى المتعة بالحج والعمرة
(١٨) باب فى المتعة بالحج والعمرة
١٤٥ - (١٢١٧) حدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّار، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ
ابْنُ جَعْفَر ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِّى نَضْرَةَ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسِ
يَأْمُرُ بِالْعَّةِ ، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْهَا، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ . فَقَالَ :
عَلَى يَدَىَّ دَارَ الحَدِيثُ، تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِعَّهِ، فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ قَالَ: إِنَّ اللهَ كَانَ يُحِلُّ
لِرَسُولِهِ مَاشَاءَ بِمَا شَاءَ، وَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَزَلَ مَنَازلَهُ، فَأَنْمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لله، كَمَا أَمَرَكُمْ
اللهُ ، وَأَبُّوا نِكَاحَ هَذِهِ النِّسَاءِ، فَنْ أَوتَى بِرَجُلٍ نَكَّحَ امْرَةٌ إِلَى أَجَل، إِلَا رَجَمَتُهُ بِالحِجَارَةِ .
( .. ) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا عَقَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ. وَقَالَ فِى الَحَدِيثِ: فَافْصِلُواْ حَجَّكُمْ مِنْ عُمْرَتِكُمْ، فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّكُمْ، وَأَتَمُّ
لِعُمْرِنَكُمْ .
٢٠٤ / ب
وذكر مسلم اختلاف ابن عباس وابن الزبير فى المتعة ، وأن ابن الزبير كان ينهى /
عنها، وقول جابر: ((على يدى دار الحديث، تمتعنا مع رسول الله عَّ ، فلما قام عمر
قال : إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله ، فأتموا الحج
والعمرة لله))، وفى بعض طرقه ((فافصلوا حجكم من عمرتكم))، قال الإمام : اختلف
فى المتعة التى نهى عنها عمر فى الحج ، فقيل : هى فسخ الحج فى العمرة ، وقيل : بل
هى العمرة فى أشهر الحج ، والحج بعدها ، ولكون نهيه عن ذلك على جهة الترغيب فيما
هو الأفضل الذى هو الإفراد ، وليكثر تردد الناس إلى البيت. والتمتع عندنا له ستة شروط :
أن يعتمر ويحج فى عام واحد ، فى سفر واحد ، ويقدم العمرة على الحج ويفرغ منها ، ثم
ينشئ الحج ، ويوقع العمرة أو بعضها فى أشهر الحج ، ويكون غير مكى ، فإن اختل من
هذه الشروط الستة شرط واحد لم يكن عليه دم .
قال القاضى : جاء من الاختلاف فى المتعة فى الأم ما تقدم ، وجاء فيه بعد هذا عن
أبى موسى أنه كان يفتى بالمتعة، ويحتج بأمر النبى معَّه له بالإحلال بها ، كما تقدم عنه ،
وقول عمر له : أن تأخذ بكتاب الله ، فإن الله يأمر بالتمام ، وذكر عن عثمان - أيضا -
أنه كان ينهى عن المتعة أو العمرة ، ومخالفة علىّ له فى ذلك ، وأنه أهل بهما جميعاً ،
وقول أبى ذر: كانت المتعة فى الحج لأصحاب محمد عَّه خاصةً ، وفى الرواية الأخرى :
رخصةً ، وقول عمران بن حصين : إن النبى - عليه السلام - أعمر طائفة من أهله فى

كتاب الحج / باب فى المتعة بالحج والعمرة
٢٦٤
١٤٦ - (١٢١٦) وحدَّثْنَا خَلَفُ بْنُ هشَام وَأَبُو الرَّبِيعِ وَقُتَيْبَةُ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّاد،
قَالَ خَلَفٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ جَابِرِ بَّن
عَبّد الله - رَضى اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَدَمْنَا مَعَ رَسُول اللهِ عَّهُ ، وَنَحْنُ نَقُولُ : لَبَّيْكَ
بِالحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ عَِّ أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً .
العشر ، فلم تنزل أنه فسخ ذلك ، وفى الرواية الأخرى جمع بين حجة وعمرة ، ثم لم
ينزل فيها كتاب ولم ينه عنها ، وظاهر هذا فى حديث جابر وعمران ، وأبى موسى : أن
المتعة التى اختلفوا فيها إنما هى فسخ الحج والعمرة ، ولذلك جاء ضرب عمر عليها ، وما
كان ليضربهم على مجرد التمتع فى أشهر الحج ، وإنما ضربهم على ما اعتقده هو وسائر
الصحابة: أنه كان خصوصاً قبل ذلك فى تلك الحجة من فسخ الحج فى العمرة. قال أبو عمر
الحافظ : لا خلاف بين العلماء فى [ أن ] (١) التمتع المراد بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ
إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الْهَدْي﴾ (٢): أنه الاعتمار فى أشهر الحج قبل الحج ، على ما تقدم
من صفته ، ومن التمتع - أيضا - عند العلماء القران ؛ لأنه تمتع بسقوط سفره الثانى من
بلده كما صنع الأول . ووجه ثالث من التمتع : فسخ الحج فى العمرة . والوجه الرابع :
ماذهب إليه ابن الزبير من تمتع المحصر بعدها أو عذر حتى تذهب أيام الحج ، فيحل
بالطواف بالبيت والسعى ، وتمتع بحله إلى قابل ، ثم يحج ويهدى ، وأما نهى عمر عن
متعة النساء فهو أمر كان خاصاً أولا - كما جاء فى حديث أبى ذر - ثم نسخ ، وكان فيه
خلاف فى الصدر الأول ثم وقع الإجماع ، وسيأتى بيانه فى كتاب النكاح إن شاء الله تعالى .
وعلى ما ذكره من شروط التمتع الموجب للهدى الذى ذكر الله كافة فقهاء الأمصار ،
وروى عن الحسن إسقاط شرط الحج من عامه ، ورأى أن على التمتع (٣) فى أشهر الحج
هدياً حج أو لم يحج ، وروى عنه - أيضا - إسقاط شرط العمرة [ فى أشهر الحج ] (٤)
وقال : إن اعتمر فى غير أشهر الحج ثم حج من عامه فعليه الهدى ، وهذان القولان شاذان
لم يقل بهما أحد من العلماء غيره ، وروى عنه [ أيضا ] (٥) إسقاط شرط الإقامة وإلزام
الهدى ، وإن حج من عامه بعد أن رجع بعد العمرة إلى بلده .
(١) ساقطة من س .
(٣) فى س : المتمتع .
(٢) البقرة : ١٩٦ .
(٤، ٥) زائدة فى س .

٢٦٥
كتاب الحج / باب حجة النبى
١٩ - باب حجة النبى معَّ﴾.
١٤٧ - (١٢١٨) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ حَاتِمِ،
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الَمَدَنِيُّ عَنَّ جَعْفَرِ بْنٍ مُحَّمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَّ:
دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبَدِ اللهِ، فَسَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَىَّ. فَقُلْتُ: أَنَا مُحمَّدٌّ بْنُ عَلَىِّ
ابْنِ حُسَيْن، فَأَهْوَى بِيَدِه إِلَى رَأْسِى فَتَزَعَ زِرِّى الأَعْلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّى الأَسْفَلَ ، ثُم وَضَعَ
كَفَّهُ بَيْنَ ثَّدْيَىَّ وَأَنَا يَوْمَئِذَ غُلاَمٌ شَابُّ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ. يَا ابْنَ أَخِى، سَلْ عَمَّا شِئْتَ،
فَسَأَلْتُهُ، وَهُوَ أَعْمَى، وَحَضَرِ وَقْتُ الصَّلاَةِ. فَقَامَ فِى نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفًا بِهَا، كُلَّمَا وَضَعَهَا
عَلَى مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهِ مِنْ صِغَرِهَا، وَرِدَاؤُهُ إِلَّى جَنْبِهِ، عَلَى الْمِشْجَبِ فَصَلَّى بِنَا .
حديث جابر الطويل
قال القاضى - رحمه الله -: قد تكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا، وقد ألف فيه
أبو بكر بن المنذر جزءًا كبيرا وخرج فيه من الفقه مائة نوع ونيفاً وخمسين [ نوعا ] (١)،
ولو تقصى لزيد على هذا العدد قريب منه ، وقد تقدم الاحتجاج أثناء ما تقدم فيه من الكلام
بنكت منه وسنذكر هنا فصولا مما يحتاج إليه إلى التنبيه عليه من غامض فقه ، أو مما يحتاج
الاحتجاج به فى موضع الخلاف إن شاء الله ، ففيه أولاً قول محمد بن على بن حسين لما
دخل عليه : أنه سأل عن القوم حتى انتهى إلىَّ ، لأن جابراً كان قد عمى حينئذ ، وفيه
الاهتيال بالداخلين على الرجل والسؤال عنهم لينزل كل واحدٍ منزله ، كما جاء فى
الحديث(٢) ويعرف لأهل الحق حقه، كما فعل جابر وتقديمه فى السؤال لمحمد [ بن
علی](٣) وتأنيسه له ، وقوله : « مرحباً بك يا ابن أخی ، سل عما شئت وحله إزاره بيده،
وجعله كفه بين ثدييه)»: كل هذا براً بالزائر ، ويستفاد من هذا إكرام الزائر بنزع ردائه ،
وخلع خفيه.
وقوله: ((وأنا يومئذ غلام شاب)) : تنبيه أن موجب فعل جابر له ذلك تأنيسا له
لصغره ، ورقةً عليه ؛ إذ لا يفعل هذا بالرجال الكبار ، من إدخال اليد فى جيوبهم إكباراً
لهم ، وفيه أن لمس الغلمان الأجانب على وجه الرقة ولغير التلذذ جائز ، بخلاف شباب
الجوارى ، وحكم لمسهم كالنظر إليهم ، وإنما يحرم من لمس الغلمان والنظر إليهم ، ما
كان من ذلك على وجه التلذذ [ وقد ] (٤) تقدم تفسير ((مرحبا)) (٥) .
(١) زائدة فى س .
(٤) ساقطة من س .
(٢) سبق فى أوائل المقدمة .
(٣) سقط من س .
(٥) سبق فى كتاب الإيمان ، ب الأمر بالإيمان بالله .
٠٫٤

٢٦٦
كتاب الحج / باب حجة النبى
فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِى عَنْ حَجَّةَ رَسُول الله تَِّ. فَقَالَ بَيَدِه، فَعَقَدَ تَسْعًا. فَقَالَ : إِنَّ رَسُول الله
◌َُّ مَكَثَ تَسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَّنَ فِى النَّاسِ فِى الْعَاشِرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ حَاجٌّ ،
فَقَدِمَ الْمَدِيَنَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَّسُولِ اللهِ عَّهِ، وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلُه،
فَخَرَجْنَا مَّعَهُ ، حَتَّى أَيْنَا ذَا الْحُلِيْفَةِ ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَّ أَبِى بَكَّرٍ ،
وقوله : (( وحضر وقت الصلاة فقام فى ساجة ملتحفا بها )» وذكر صغرها ، قال :
(ورداؤه على المشجب)): السّاجة: ثوبٌ كالطيلسان وشبهه ، وكذا فى روايةَ الجمهور وهو
الصواب، وعند الفارسى: ((نساجة))، وفى كتاب ابن عيسى: ((نساجَة))، وكذا رواه
أبو ذر (١): ((نساجة))، وقال: تعنى ثوبا ملففا [وكذا ] (٢) قال بعضهم : وهو خطأ
وتصحيف ، والمشجب : أعواد توضع عليها الثياب ، ومتاع البيت ، وفيه جواز الصلاة
بمثل هذا ، وإمامة الأعمى ، وقد مر منه فى الصلاة أتم من هذا .
وقوله: ((مكث رسول الله عَّ تسع سنين لم يحج)): يعنى/ فى المدينة، وقد
روى أنه - عليه السلام - حج بمكه حجتين (٣).
١/٢٠٥
وقوله : (( ثم أذن فى الناس فى العاشرة أن رسول الله عَّه حاج ، فقدم المدينة خلق
كثير))، يحتج به من لم ير الحج على الفور ، وقد تقدم أن فرض الحج كان فى سنة تسع ،
وقيل : خمس ، والأول أصح . وأول من أقام للمسلمين الحج عتّاب بن أَسيْد (٤) سنة
ثمان ، ثم أبو بكر سنة تسع . وحج - عليه السلام - فى سنة عشر ، وقد يجيب عنه من
خالفه بأنه - عليه السلام - إنما أخره حتى لايرى منكراً بالمسجد الحرام ؛ من حج المشركين
وتلبيتهم ، وطواف العراة ، وقد جاء ذلك فى حديث مبيناً ، وأن النبى عَّ أراد أن يحج
ذلك العام ، ثم ترك ذلك لأجل المشركين ، ووجّه أبا بكر وعلياً، وقيل: بل كان النبى -
عليه السلام - [ قد ] (٥) أدى فرضه بمكة، وهذا يعترض عليه بأن الفرض إنما نزل بالمدينة ،
وبأنه لم يأمر الناس بالمبادرة للحج من فريضته .
(١) فى س: أبو داود. انظر: أبا داود، ك الحج، ب صفة حجة النبى ٣ ٤٤٥/١.
(٢) زائدة فى س .
(٣) الترمذى، ك الحج، ب كم حج النبى ﴾ ١٦٩/٣ برقم (٨١٥) وقال: حديث غريب، البيهقى فى
السنن، ك الحج ، ب من اختار القران : ١٢/٥ عن جابر بن عبد الله، وعقب فقال: وكيف يكون هذا
صحيحاً وقد روى من أوجه عن جابر فى إحرام النبى معَّ خلاف هذا . وقد قال أبو عيسى الترمذى :
سألت محمد بن إسماعيل البخارى عن هذا الحديث ، فقال : هذا حديث خطأ وإنما روى هذا عن الثورى
مرسلا . قال البخارى : وكان زيد بن الحباب إذا روى حفظاً ربما غلط فى شىء ، وقد رواه البيهقى أيضاً ،
ك الحج ، ب تأخير الحج ٤/ ٣٤٢ مرسلاً عن مجاهد .
(٤) هو ابن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس الأموى ، أسلم يوم الفتح ، وحج بالناس فيها وأمَّره أبو بكر
على مكة إلى أن مات ، وكان صالحاً فاضلاً ، واستعمله عمر - أيضا - وقد استعمله الرسول قبلهما على
الطائف، روى عنه أصحاب السنن حديثاً واحداً، ومات فى آخر خلافة عمر. انظر : الإصابة ٤/ ٤٣٠.
(٥) ساقطة من الأصل ، واستدركت بالهامش بسهم .
م

٢٦٧
كتاب الحج / باب حجة النبى
فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ عٍَّ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: ((اغْتَسلى، وَاسْتَغْفِرِى بَثَوْبٍ وَأَحْرِمِى،
فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ عَّةٍ فِى الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْواءَ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهَ نَاقَتُهُ عَلَى
وقد اختلف العلماء فى حجة أبى بكر سنة تسع ، هل كانت حجة الإسلام بعد نزول
فرضها، وهو الأظهر لوقوف جميع الناس بعرفة ولإنذار علىّ فيها ببراءة ، وفيها ذكر النسىء
وشرائع الحج ، وقيل : بل كانت على غير الفرض ، وعلى ما كانت عليه قبل الإسلام ،
والأول أظهر ، وقيل بل كان يقع حج الناس تلك السنة فى ذى القعدة على تحقيق الحساب
لأجل نسئ الجاهلية ، فتركه - عليه السلام - للعام الثانى حتى وقع الحج بموضعه . ولهذا
قال: ((إن الزمان قد استدار كهيئة (١) يوم خلق الله السموات والأرض)) (٢) ، وقد أنكر
هذا بعضهم ، وقيل : بل كان حجه فى ذي الحجة صحيح كما تقدم ، ذكره القاضى
إسماعيل ، وسيأتى الكلام على حديث استدارة الزمان فى موضعه من الكتاب .
وفيه ما يستحب [ من فعل الأئمة ] (٣) من إنذار الناس للتأهب للأمور العظيمة ،
لاسيما فى مثل هذه العبادة المفترضة ابتداء ، الكثيرة الأحكام ، المحتاجة إلى البيان بالقول
والفعل، المضطر فيها إلى الاقتداء به - عليه السلام - ولهذا قال: (( خذوا عنى
مناسککم»(٤) .
وقوله: ((كلهم يلتمس أن يأتم برسول اللـه عَ)): هذا مما يبين أنهم كانوا كلهم
حجاجا ؛ إذ كان - عليه السلام - أحرم بالحج لائتمامهم به ، وبعيدٌ أن يخالفوه فيما أحرم
به، وهذا جائز، يقول فى حديثه: ((وما عمل من شىء عملنا به))، ومن هذا [ فى ] (٥)
الحديث توقفهم عن التحلل بالعمرة لما لم يتحلل حتى أغضبوه واعتذر لهم ، وقال : ((افعلوا
ما آمركم به)) ، وهذا علىَّ وأبو (٦) موسى لما غابا لم يقدما على تعيين شىء ، وعلقا
إحرامهما بما أحرم به - عليه السلام - وتقدم الكلام فى قصة أسماء بنت عميس .
وقوله: ((استثفرى))(٧): أى اجعلى لنفسك كثفر (٨) الدابة ؛ ليمتنع ذلك الموضع
من سيلان شىء من الدم ، تنزيهاً للعبادة عن إظهار هذه النجاسة على صاحبها . إذ لم
يقدر على أكثر من هذا ، وتقدم الكلام على إحرامه من المسجد والخلاف فيه ، وذكر الصلاة
قبل الإحرام .
وقوله: ((ثم ركب القصواء)): ممدود بفتح القاف ، ووقع عند العذرى بضم القاف
(١) فى الأصل : كهيئته .
(٢) أحمد فى مسنده ٥ / ٧٣ .
(٣) سقط من س .
(٤) سيأتى فى ك الحج، ب استحباب رمى جمرة العقبة يوم النحر راكبا برقم (٣١٠).
(٥) ساقطة من س .
(٦) فى الأصل : أبى .
(٨) فی س : كثير .
(٧) فى س : استثبرى .

٢٦٨ -
كتاب الحج / باب حجة النبى
الْبَيْدَاءِ ، نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِى بَيْنَ يَدَيْهِ ، مِنْ رَاكِب وَمَاش، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَعَنْ
يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمَنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلَكَ، وَرَسُولُ الله ◌َّهُ بَيِّنَ أَظْهُرْنَا ، وَعَلَيْهِ يَنْزَلُ الْقُرْآنُ،
وَهُوَ يَغَرَفُ تَأْوِيلَهُ، وَمَا عَمَلَ بَهِ مِنَّ شَىْءٍ عَمِلْنَا بِهِ، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدَ: ((لَيْكَّ اللَّهُمَّ لَّكَ،
لَبَّيِّكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنَّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ)). وَأَهَلَّ
والقصر ، وهو خطأ فى هذا الموضع ، والصواب الفتح هنا والمد . قال الإمام : يعنى ناقته.
قال ابن قيتبة : كانت للنبى - عليه السلام - نوق ، منها : القصواء ، والجدعاء ،
والعضباء. قال أبو عبيد: العضباء: اسم ناقة للنبى - عليه السلام - ولم تسم بذلك لشئ
أصابها .
قال القاضى : جاء هنا أنه ركب القصواء ، وفى آخر الحديث أنه خطب على القصواء،
وفى غير مسلم أنه خطب على ناقته الجدعاء (١) وفى حديث آخر على ناقة خرماء (٢) ،
وفى آخر مخضرمة (٣) . وفى الحديث : أنه كانت له ناقة لا تسبق تسمى: القصواء ، وفى
حديث آخر تسمى : العضباء (٤) ، فدليل هذا كله أنها ناقة واحدة ، خلاف ما قال ابن
قتيبة ، وأن ذلك كان اسمها ، أو وصفها لهذا الذى بها ، خلاف ما قال أبو عبيد . لكن
يأتى فى كتاب النذور ما يدل أن العضباء غير القصواء على ما بيناه هناك .
قال الحربى : العضب والجدع والحزم والقصو والخضرمة مثلةٌ فى الأذن ، قال ابن
الأعرابى : القصواء التى قطع طرف أذنها ، والجدع أكثر منه ، وقال الأصمعى فى القصواء
مثله ، قال : وكل قطع فى الأذن جدع ، فإن جاوز الربع فهى عضباء ، والمخضرم :
المقطوع الأذنين ، فإذا اصطلمتا فهى صلماء ، وقال أبو عبيدة : القصواء : المقطوعة الأذن
عرضا ، والمخضرمة : المستأصلة ، والعضباء : النصف فما فوقه ، قال الحربى : فالحديث
يدل أنه اسمها وإن كانت عضباء الأذن ، فقد جعل اسمها ، قال الخليل : الخضرمة : قطع
الواحدة ، والعضباء : المشقوقة الأذن .
وقوله : (( نظرت إلى مد بصرى من بين راكب وماشٍ)) : فيه جواز الحج للركبان
(١) النسائى ، ك الحج ، ب الخطبة قبل يوم التروية ٢٤٧/٥ برقم (٢٩٩٣).
(٢) أحمد فى مسنده ٧٨/٤ من حديث قيس بن عائذ، ٣٠٦/٤ من حديث أبى كاهل .
(٣) أحمد فى مسنده ٤٧٣/٣، ٤١٢/٥ من حديث مرة عن رجل من أصحاب النبي عَّه، ابن ماجة ، ك
المناسك ، ب الخطبة يوم النحر ١٠١٦/٢ برقم (٣٠٥٧) من حديث عبد الله بن مسعود.
(٤) البخارى، ك الجهاد، ب ناقة النبى عَّه ٣٨/٤.

كتاب الحج / باب حجة النبى معَّه
٢٦٩
النَّاسُ بِهَذَا الَّذِى يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِعَّهِ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللهِعَّ
والمشاة ، وقد اختلف العلماء أيهما أفضل ؟ فذهب مالك والشافعى فى آخرين إلى أن
الركوب أفضل ؛ لأنه الذى فعله النبى - عليه السلام - ولفضل النفقة فيه ، ولأن فى راحة
جسمه [ من تعب المشى] (١) توفيراً على إقامة وظائف [ مناسك الحج ، والصبر على
استيعابها . قال بعضهم : ولما فيه من تعظيم شعائر الحج بأَبَّهة الركوب فى تلك ] (٢)
المناسك . ولا خلاف بينهم أن الركوب فى الوقوف بعرفة أفضل لما ذكرناه ، وذهب
غيرهما إلى أن المشى أفضل ؛ لما فيه من المشقة على النفس ، ولأنها عبادة فى نفسها . وقد
اختلف على هذا فى الراحلة ، هل هى شرط فى الاستطاعة أم لا ؟ فذهب أكثرهم على أنها
القدرة على الحج على العموم ، إما بنفسه/ إن قدر على المشى ، أو بالراحلة إن لم تكن ممن
تقدر على المشى مع الزاد ووجود السبيل . والاستطاعة فى اللغة : القدرة ، وهو قول مالك
فى كافتهم ، وذكر (٣) عن جماعة من السلف أن الاستطاعة : الزاد والراحلة ، وهو قول أبى
حنيفة والثورى وأحمد وإسحق ، وبه قال الشافعى (٤) . فلم يروا على من لا يملك راحلة
حجاً ، وإن قدر على المشى ؛ لما فيه من المشقة ، وأنه ليس من الاستطاعة ، وأن
الاستطاعة هنا بالمال ، قاله مرة لمن قدر على هذا ، وإن لم يستطع الركوب يستأجر عنه من
يحج عنه ، وسيأتى [ تمام] (٥) الكلام على هذا ، وقد تأول القاضى إسماعيل ما جاء عن
السلف من هذا التغليظ لمن ترك الحج بعد قدرته على الزاد والراحلة .
٢٠٥/ ب
وقوله: ((فأهل بالتوحيد)»: إشارة إلى قوله: ((لا شريك لك))، ومخالفة لقول
المشركين فى تلبيتهم ، وقد تقدّمت ، وتقدم الكلام على تفسير التلبية .
وقوله: ((وأَهَلَّ الناس بهذا الذى يهلون به، فلم يردّ [عليهم ] (٦) رسول اللـه عَّ﴾.
عليهم شيئاً منه)) : إشارة إلى مارُوى من زيادة الناس فيها فى الثناء على الله والذكر ، كما
روى فى ذلك عن عمر، وذلك أنه كان يزيد: (( لبيك ذا النعماء والفضل الحسن ، لبيك
مرهوباً منك ومرغوباً إليك))، وعن ابن عمر (( لبيك وسعديك ، والخير بيديك ،
والرغباء إليك والعمل))، وعن أنس: ((لبيك حقاً تعبداً ورقا)).
والاستحباب عند أكثر العلماء أن تلبى بما لبى به النبى عَّه ، قال مالك : وإن اقتصر
عليها فحسن ، وإن زاد فحسن . وقال الشافعى : الأفضل الاقتصار عليها إلا أن يزيد
(١) سقط من الأصل ، واستدرك بالهامش .
(٢) سقط من س .
(٣) فى س : روى .
(٥) ساقطة من الأصل ، واستدركت فى الهامش بسهم .
(٦) زائدة فى س .
(٤) انظر: الاستذكار ٥٩/٢ .

كتاب الحج / باب حجة النبى
٢٧٠
تَلْبَتَهُ. قَالَ جَابِرٌ - رضى الله عنه -: ◌َسْنَا نَنْوِى إِلَّ الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حَتَّى إِذَا
ألفاظاً رويت عن النبى معَّه، مثل قوله: ((لبيك إله الحق)) (١) ونحوه .
وقول جابر : لسنا ننوى إلا الحج ولا نعرف العمرة ، مع قوله فى الحديث الآخر قبل:
((مهلّين مع رسول الله عَّه بحج مفرد)»: يرد كل ما خالفه من رواية: أن منهم من كان
معتمراً أو متمتعاً وقارناً، وكيف وهو يقول: (( لا نعرف العمرة )) وكذلك كانوا لا
يعرفون العمرة في أشهر الحج حتى جاء الإسلام؛ ولذلك جعل النبى معَّهِ عُمرَه كلها فى
أشهر الحج على الصحيح ، وسيأتى هذا ، وقد أثبتنا قبل ترتيب هذه الأخبار وتأليف
مختلفها ،ومن خالف حديث جابر ومن وافقه ، إنما هو إخبار عن مآل الحال واستقرار
العمل كما تقدم .
وقوله: (( حتى أتينا [ البيت ] (٢))): فيه أن الواجب على داخل مكة لنسك البداية
به ، إلا مضطراً (٣) يخشى على رَحْلِهِ ، فله الصبر على تثقيفه وحرزه . والبداية بذلك لئلا
يضيع .
وفى قوله: ((لا ننوى)): حجةٌ على أن التسمية [غير ] (٤) واجبة ، وقد تقدم.
وذكر البداية باستلام النبى معَّ للركن وَرَملِه ثلاثا ومشيه أربعاً بهذا طواف الورود .
الحج ثلاثة أطوَاف :
أولها : طواف الورود : وهو طواف القدوم ، وهو سُنة لغير المكى عند جميعهم وأنه
[لا] (٥) رجوع على تاركه . واختلف هل على تاركه دم ؟ فعن مالك روايتان ، وإن كان
مراهقاً فلا شىء عليه ، فقال مالك مرة : إن كان غير مراهق فعليه دم ، وقال - أيضاً -
إنه يجزئه منه طواف الزيارة ، وهو قول الشافعى وأصحاب الرأى، وأوقع مالك [ عليه](٦)
مرة أنه واجب ، قالوا : معناه : وجوب السنن ، وقال أبو ثور : عليه لغير المكى دم.
والطواف الثانى : طواف الزيارة : وهو طواف الإفاضة ، وهو فريضة بغير خلاف .
والثالث : طواف الوداع : وهو طواف الصَّدْر ، وهو سنة ، وسيأتى الكلام على كثير
منها فى مواضعها إن شاء الله .
(١) النسائى فى الكبري، ك الحج، ب كيف التلبية ٣٥٤/٢ برقم (٣٧٣٣)، ابن ماجة، ك المناسك، ب
التلبية ٩٧٤/٢ برقم (٢٩٢٠) .
(٢) ساقطة فى الأصل ، واستدركت فى الهامش.
(٤، ٥) سقطتا من س .
(٣) فى س : مضطر .
(٦) زائدة فى س .

٢٧١
علـ
كتاب الحج / باب حجة النبى
أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلاَثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامٍ إِبْرَاهِيم - عَلَيْهِ
السَّلامُ - فَقَرَاً: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ (١) فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ،
فَكَانَ أَبِى يَقُولُ - وَ أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّ عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهَ -: كَانَ يَقْرَأَ فِى الرَّكْعَتَيْنِ ﴿قُلْ هُوَ
اللَّهُ أَحَدَّ ﴾ ، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ. ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ
إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّ دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٢) (( أَبْدَأُ بِمَا
والبداية [ باستلام ] (٣) الركن الأسود (٤) سُنة، وهى تحية المسجد ولا يبتدئ
بالركوع.
وقوله : ((ثم نفذ إلى مقام إبراهيم، وقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى ﴾ ،
فجعل المقام بينه وبين البيت)) وذكر ما قرأ به فى الركعتين : أجمع المسلمون على أن صلاة
[ الركعتين ] (٥) على الطائف بالبيت ، وأن سنة ذلك أن تكون عند المقام ، وأن من
صلاها حيث شاء من المسجد أجزأه ، وأن يُتبع كل أسبوع ركعتين . واختلفوا فى جواز
جمع أسابيع ثم يركع آخرها ركوعاً واحداً ، فكرهه مالك وكافة فقهاء الأمصار (٦) ، وروى
عن بعض السلف إجازته (٧) ، وهو قول أبى يوسف وأحمد وإسحق (٨) فمن نسيهما وهو
بمكة ركعهما . واختلف عندنا هل يعيد الطواف لهما أم لا ؟ واختلفوا فيمن نسى الطواف
حتى خرج من الحرم أو رجع إلى بلاده ، فرأى مالك عليه الدم (٩) ، ولم ير غيره عليه
دماً ، وقالوا كلهم : يركعهما متى ما ذكرهما حيث كان . قال الثورى : ما لم يخرج من
الحرم (١٠) .
وقوله: ((نبدأ بما بدأ الله به ))، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبله :
هذا المستحب فعله ، وكلما فعل الراقى من ذلك أجزأه ، ويُكره الجلوس عليهما ، وهذا
حكم الرجال ، وأما النساء فيقفن أسفلهما لأجل مخالطة الرجال ، إلا أن يكون الموضع
(١) البقرة : ١٢٥ .
(٢) البقرة : ١٥٨.
(٣) ساقطة من الأصل ، واستدركت فى الهامش .
(٤) انظر: الحاوى ١٣٤/٤.
(٥) ساقطة من س .
(٧) منهم عائشة ، والمسور بن مخرمة ، ومجاهد. انظر: الاستذكار ١٢/ ١٦٦ .
(٦) انظر: الاستذكار ١٢/ ١٦١.
(٨) انظر: الاستذكار ١٦٦/١٢، ١٦٧.
(٩، ١٠) انظر: الاستذكار ١٢/ ١٧٠ .

٢٧٢
علي
كتاب الحج / باب حجة النبى
بَدَأَ الله به )) فَبَدَأَ بالصَّفَا، فَرَقِىَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقَبْلَةَ، فَوَحَّدَ الله، وَكَبَّرَهُ،
وَقَالَ: ((لا إلَهَ إلاَّ الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلَكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ،
لا إِلَهَ إلا الله وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ)) ، ثُمَّ دُعَا بَيْنَ
ذَلَكَ . قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلاَثَ مَرَّات، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِى بَطْنِ
الْوَادِى سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعَدَتَا مَشَى، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةَ كَمَا فَعَلَ
دون رجال فحكمهن حكم الرجال حينئذ . [ وبالبداية ] (١) بالصفا هى السنة (٢)،
واحتجاج النبى - عليه السلام - بما بدأ الله به، احتج به من قال: إن الواو ترتيب لامتثال
النبى عَّى ذلك، واحتج به من قال: لا ترتيب لقوله - عليه السلام -: ((بما بدأ الله به))،
وأنه إنما امتثل ذلك تأنيسًا / لا التزاماً ، ولو كانت الواو تعطى الرتبة لما احتاج إلى هذا
التوجيه ، وقد تقدم من هذا . واختلف فى وجوب السعى بين الصفا والمروة وسيأتى الكلام
عليه فى حديث عائشة .
٢٠٦ / أ
واختلف فيمن نسى وبدأ بالمروة ، فرأى مالك أن يلغى ذلك ويحسب من سعيه
[من] (٣) الصفا ويعد شوطا (٤)، وهو قول الشافعى والحسن وأصحاب الرأى والأوزاعى،
وروى عن عطاء أنه إن جهل ذلك أجزأ عنه . وسنته أن يكون بعد الطواف ، فمن سعى
قبله كمن لم يسع عند مالك وجملة العلماء ، وعليه ما على من لم يسع ، إلا الثورى فإنه
[قال] (٥): يجزئه، فى أحد قوليه . وقال أبو حنيفة وصاحباه : عليه دم ولا إعادة
عليه (٦)، وحكمه عندنا إذا كان بالقرب أن يعيد السعى وحده حتى يأتى به بعد الطواف .
وقوله: ((فوحّد الله وكبّره)) إلى آخر ما ذكره من الذكر والدعاء: مما يستحب أن
يفعل ، وهو من مواطن الدعاء ، ويستحب تبيين الذكر والتكبير والتهليل ما جاء عن النبى -
عليه السلام - وليس فيه دعاء مؤقت .
وقوله: (( حتى إذا انصبت قدماه فى بطن الوادى حتى إذا صعدنا مشى)» : كذا فى
جميع النسخ الواصلة إلينا من مسلم ، ليس فى أصول شيوخنا فيها اختلاف ، وفيه وَهْم
وإسقاط لفظة رَمَل وبها يتم الكلام ، وكذا جاء فى غير مسلم: (( حتى إذا انصبت قدماه
(١) فى س : البداية .
(٣) ساقطة من الأصل ، واستدركت فى الهامش.
(٥) ساقطة من س .
(٦) انظر: الاستذكار ٢٠٢/١٢ .
(٢) انظر: الاستذكار ١٢/ ٢٠٠ .
(٤) انظر: الاستذكار ١٩٩/١٢ .

٢٧٣
کتاب الحج / باب حجة النبى ێ.
-
عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخرُ طَوَافِه عَلَى الْمَرْوَةَ فَقَالَ: (( لَوْ أَنَّى اسْتَقْبِلْتُ مِنْ أَمْرِى ما
اسْتَدَرَتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدِىَ ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْىٌّ فَلْيَحِلَّ،
وَلَيَجْعَلْهَا عُمْرَةً)) ، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالكِ بْنِ جُعْشُمْ فَقَالَ: يَارَسُول الله، أَلَعَامَنَا هَذَا أَمْ
لأَبَدِ ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فى الْأُخْرَى، وَقَالَ: (( دَخَلَت الْعُمْرَةُ فى
الْحَجِّ)) مَرَتَيْنِ (( لا بَلْ لِأَبَدِ أَبَدِ ))، وَقَدِمَ عَلَىٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِيُدْنِ النَّبِىِّ ◌َّهِ، فَوَجَدَ فَاطِمَةً -
رضى الله عنها - ممَّنْ حَلَّ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا ، وَاكْتَحَلَّتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ:
إِنَّ أَبِى أَمَرَنِى بِهَذَا. قَالَ : فَكَانَ عَلِىٌّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُول الله عَّهُ مُحَرِّشًا
عَلَى فَاطمَةٌ ، لَلَّذِى صَنَعَتْ، مُسْتَفْيًا لِرَسُولَ الله عَّهُ فِيمَا ذَكَرَتْ عَنَّهُ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّى
أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا. فَقَالَ: ((صَدَقَتَ صَّدَقَتْ، مَاذَا قُلْتَ حينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟)) قَالَ :
قُلْتُ: اللَّهُمَّ، إِّى أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ . قَالَ: ((فَإِنَّ مَعِىَ الْهَدْىَ فَلاَ تَحِلّ)). قَالَ:
فى بطن الوادى رَمَل ، حتى إذا صعدنا مشى )) وعلى هذا ذكره الحميدى فى اختصار
الصحيح ، وفى الموطأ: (( حتى إذا انصبت قدماه من بطن الوادى سعى حتى يخرج منه)) (١)
وهو بمعنى رَمِل، وهذه سنة - أيضاً - فى السعى. وقد اختلف على من لم يرمل فى الطواف
والسعى ، هل عليه إعادة أو دم؟ واختلف [ فيه ] (٢) قول مالك. واختلف فى علة ذلك،
فقيل : فعله النبى - عليه السلام - ليرى المشركون جلد أصحابه ، كما فعل فى الطواف ،
وقيل : بل اقتدى بهاجر فى سعيها لطلبها الماء لولدها ، على ما جاء فى الحديث .
وقوله: ((حتى إذا كان آخر طواف (٣) على المروة )): قيل : فيه استحباب ما يقال فى
الطواف بالبيت بين الصفا والمروة ، وتسمية (٤) ذلك طوافاً وسعياً ، ولا يقال : شوطاً ولا
دوراً. وقد كره ذلك الشافعى [ وغيره من السلف ] (٥) ، وتقدم أمره لهم بالإحلال .
وقوله [ لسراقة] (٦): ((دخلت العمرة فى الحج، لا بل لأبد أبدٍ))، وما ذكر من
إحلال فاطمة على ما تقدم من إحلال غيرها بعمرة، وقول علىّ: فذهبت إلى النبى عَّه
مُحرّشا عليها : أى مغريا بها ، لما أنكر من إحلالها حتى أعلمه النبى - عليه السلام -
بأمره بذلك، وتقدم الكلام على إهلال على كإهلال النبى معَّه وعلى إحلال الناس .
(١) مالك فى الموطأ، ك الحج، ب جامع السعى ٣٧٤/١ (١٣١).
(٣) فى س : طوافه .
(٢) ساقطة من الأصل .
(٤) فى س : شبه .
(٦) زائدة فى س .
(٥) سقط من الأصل ، واستدرك فى الهامش .

٢٧٤
كتاب الحج / باب حجة النبى معَ ◌ّه
فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدِىِ الَّذِى قَدِمَ بِهِ عَلَىٌّ مِنَ الْيَمَنِ ، وَالَّذِى أَتَى به النَّبِىُّ عَّه مائَةً. قَالَ:
فَحَلَّ النَّاسُ كَلُّهُمْ وَقَصَّرُوا ، إلا النَّبِىَّ ◌َهُ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْىٌ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَة
تَوَجَّهُوا إِلَى مِنَّى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكَبَ رَسُولُ اللهِ عَّةٍ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ
وَالْمَغْرِبَ وَالْعَشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَليلاً حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقْبَّةً مِنْ شَعَر
تُضْرَبُ لَهُ بِنَمْرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللهِ عَُّ وَلا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إلا أَنَّهُ وَقفٌ عنْدَ
وقوله: ((فحل الناس كلهم وقصّروا إلا النبى معَّ﴾ ومن كان معه الهدى)): دليل
على ما تقدم من أنهم كانوا مفردين ، وفسخوا فى عمرة إلا من كان معه الهدى ، ولو كانوا
قارنين لم يمكنهم الإحلال . وفيه الإخبار بالعموم عن الأكثر ، وقد صحت الأخبار أن
عائشة لم تحلّ لعذرها المذكور ، ولم تكن ممن معه هدى .
وقوله: ((فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج )): يوم التروية - وهو
اليوم الثامن من ذى الحجة - سمى بذلك لأن قريشا كانت تحمل الماء من مكة إلى منى
تسقيهم وتطعمهم فيرووا منه وهذا هو المستحب عند كثير من العلماء ؛ ليكون إحرامهم
متصلاً بسيرهم ، وتلبيتهم مطابقة لمبادرتهم للعمل . واستحب بعضهم أن يكون ذلك أول
هلال ذى الحجة ليلحقهم من الشعب إلى وقت الحج ما لحق غيرهم، والقولان عن مالك ،
وقد تقدم . وورد فى بعض طرق حديث جابر: ((أهللنا من البطحاء ))، وأجمع العلماء
أن مُهلَّ أهل مكة من مكة بالحج ، وقد تقدم هذا ، وقد تقدم فى المواقيت الكلام على من
أهلّ بالحج من مكة من أهلها ، أو غيرهم من المتمتعين بها ، والخلاف فى وقت استحبابه
وموضعه ، واستحباب مالك أن يكون من المسجد . وفيه أنه لا يتقدم إلى منى قبل يوم
التروية ، وقد كره ذلك مالك وأباحه غيره ، واستحب مالك أن يكون خروجه إلى منى
قدر ما يصلى ، فيصلى بها الظهر .
وذكر صلاة النبى معَّه الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر بمنى ، فيه سنة هذه
الصلوات بمنى ، والمبيت فيها وهو مستحب عند جميع العلماء ، ولا حرج عليهم فى تركه .
وفيه أن النبي ◌َّه لم يأمرهم بطواف قبل الخروج ، وأن ذلك غير لازم ، ولو كان لأمرهم
به - عليه السلام . وقد ذهب جماعة من العلماء إلى استحبابه .
وقوله: « ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس فأمر بقيّة من شعر فضربت بنمرة
فسار)» : فى هذا أن السنة فى الخروج من منى هذا الوقت بعد طلوع الشمس ، وفيه جواز

٢٧٥
كتاب الحج / باب حجة النبى
الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللهَِّهُ حَتَّى أَتَّى
عَرَفَةَ ، فَوَجَدِ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ
بِالْقَصْوَاءِ ، فَرُحِلَتْ لَهُ ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِى، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَقَالَ: ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ
وَأَمْوَلَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةٍ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِى شَهْرِكُمْ هَذَا، فِى بَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ
الركوب فى أعمال الحج ، لاسيما ولما فيه من القوة على طول الوقوف للدعاء والذكر،
ولاسيما فى حق النبى - عليه السلام - فى الوقوف بعرفة، فقد استحبه العلماء اقتداء بالنبى -
عليه السلام - وما رُوى من طوافه راكباً وسعيه راكباً فليراه الناس ، وليسمعوا قوله، ويروا
فعله فيقتدوا به ، وسيأتى الكلام على طوافه - عليه السلام - راكباً . وفيه جواز استظلال
المحرم فى القباب والخيام ولا خلاف فيه . واختلف فى استظلال الراكب فى حال الوقوف ،
وكرهه مالك وأهل المدينة وأحمد بن حنبل ، وأجاز ذلك غيرهم ، وعليه عند مالك
الفدية، وكذلك استظلاله عندنا فى سائر/ سفره فى الحج حال ركوبه ، وكذلك لو كان
نازلاً بالأرض أو راجلاً فاستظل بما يقرب من رأسه ، وسيأتى بقية الكلام عليه . ونمرة
المذكورة فى هذا الحديث موضع بعرفة ، وهو الجبل الذى عليه أيضاً (١) الحرم على يمين
الخارج من مأزَمَىْ منى إلى الموقف . ونمرة أيضاً موضع بقديد آخر .
٢٠٦ / ب
وقوله: ((حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت» : أى ردّ عليها رحلها الذى
تركب عليه . فيه أن وقت زيغ الشمس - وهو ميلها وزوالها - وقت الرواح إلى عرفة .
وقوله: ((فخطب)) : هى من سنن الحج للأئمة عندنا فى قول جميع المدنيين
والمغاربة، وقال الشافعى وأبو حنيفة : ليس عرفة بموضع خطبة ، وهو قول العراقيين من
أصحابنا ، وزعموا أن هذه الخطبة إنما هى تعليم .
وخطب الحج ثلاثة قبل يوم التروية بيوم :
خطبة بعد صلاة الظهر فى المسجد الحرام عندنا ، وقيل : قبل الزوال .
الثانية : بعرفة ، خطبتان يجلس فيهما (٢) ، وهو تعليم للناس لمناسكهم .
والثالثة : بعد يوم النحر بيوم ، وهو أول أيام الرمى ، واحدة أيضاً بعد صلاة الظهر
تعليم لما بقى من المناسك . ووافق أبو حنيفة فى جميعها وخالف الشافعى فى خطبة ثانى
النحر وزاد خطبة [ يوم النحر بعد الظهر ] (٣) ذلك [ بعد ] (٤) يوم النفر. وفيه استدلال
(١) فى س : أنصاب .
(٣) زائدة فى س .
(٢) فى س : بينهما .
(٤) ساقطة من س .

٢٧٦
ـخ
كتاب الحج / باب حجة النبى ثم
شَىْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهليَّةِ تَحْتَ قَدَمَىَّ مَوْضُوعٌ ، وَدَمَاءُ الْجَاهليَّةِ مَوْضُوعَةٌ ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَم
أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِى بَنِى سَعْد فَقَتَلَتْهُ هُذَيّلٌ ،
وَرِبَا الْجَاهِلَّةِ مَوْضُوعُ، وَأَوَّلُ رِبَّا أَضَعُ رِبَّنَا، ربَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَِّبِ، فَإِنَّهُ مَوْضوعٌ
بخطبة النبى معَّه على راحلته لاتخاذ المنابر للخطابة (١)، مع اتخاذه هو له - عليه السلام.
وفيه أن الوقوف على ظهور الدواب لمنافع وأغراض لراكبها جائز ، ما لم يكن ذلك
مجحفاً بالدابة أو لغير غرض صحيح ، وأن النهى فى ذلك فى الأغلب والأكثر ، ولمن
يتخذ ذلك عادة للتحدث عليها لا لغير ذلك وشبهه ، كما كانت تفعله الجاهلية ، وأما من
كان راكباً عليها فأخذه الحديث مع جماعة ولم [ يطل ] (٢) ذلك كثيراً حتى يضرّ بها فلا
يدخل فى النهى ، ومن فعل ذلك قاصدًا لغرض صحيح كفعل النبى - عليه السلام - فى
تبليغ كلامه من لم يسمعه ، أو لخوف على الدابة إن تركها ، أو على نفسه ، فركبها
ليحرزها أو يحرز نفسه بذلك - فلا حرج .
وفيه أن تحريم الأموال والدماء على حد واحد ونهاية من التحريم وفيه ضرب الأمثال
وقياس ما لم يعلم على ما علم [ لقوله ] (٣): (( كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى
بلدكم هذا)): لإصفاقهم على تحريم ذلك وتعظيمه . وفيه وضعه - عليه السلام - أمور
الجاهلية ورباها ودخولها ، والبداية فى ذلك بما يختص به ليتأسى بذلك غيره ، ويطيب
بذلك نفس من بقى فى نفسه شىء من قرب عهده بالإسلام .
وقوله: ((وأَول دم أضعه دم ابن ربيعة بن الحارث ، [ كان مسترضعاً فى بنى سعد
فقتلته هذيل)): كان طفلا صغيراً اسمه إياس بن ربيعة بن الحارث ] (٤) بن عبد المطلب ،
وقيل : اسمه حارثة ، وقيل : آدم . قال الدارقطنى : وهو تصحيف ، وما أراه تصحيفا إلا
من دم المذكور قبل ، ويقال : (( تمام )) كان صبياً يحبو من البيوت ، فأصابه حجر فى حرب
كانت بين بنى سعد وبنى ليث بن بكر ، [ قاله ] (٥) الزبير ، وسماه آدم . ورواه بعض
رواه مسلم : (( دم ربيعة بن الحارث )) وكذا رواه أبو داود (٦) عن سليمان بن عبد الرحمن ،
قيل : وهو وَهْم بين، وإنما هو ابنه [ و] (٧) ربيعة [ و] (٨) قد عاش بعد النبى - عليه
(١) فى س : للخطبة .
(٣) زائدة فى س .
(٢) ساقطة من س .
(٤) سقط من الأصل ، واستدرك فى الهامش بسهم ، ولم يثبت فى س .
(٥) ساقطة من س .
(٦) أبو داود، ك الحج، ب صفة حجة النبى مع٤َ ١/ ٤٤٠.
(٧) من س .
(٨) ساقطة من س .

٢٧٧
کتاب الحج / باب حجة النبى
كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِى النِّسَاءِ ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَة الله،
وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبَا غَيْرَ
مُبُرٍِّ. وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَاَ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ
إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ ، كِتَابَ اللهِ ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّى، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟)) . قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ
قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ . فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُنِهَا إِلَى
النَّاسِ: ((اللّهُمَّ، اشْهَدْ . اللّهُمَّ، اشْهَدْ)) ثَلاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ،
السلام - إلى زمان عمر، وقال أبو عبيد: معنى قوله/: ((دم ربيعة)) لأنه وَلَىّ الدم فنسبه ٢٠٧ / أ
إليه .
وقوله فى الوصاة بالنساء: ((استحللتم فروجهن بكلمة الله ))، قال الإمام : قيل :
المراد ((بكلمة الله))، قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان﴾ (١) ، ويحتمل
أن يكون (( بكلمة الله)) بإباحة الله تعالى لمنزله فى كتابه.
قال القاضى: وقيل: المراد ((بكلمة الله)): التوحيد وقول : لا إله إلا الله محمد
رسول الله ؛ إذا لا يحل لمن كان على غير الإسلام أن يتزوج مسلمة ، قاله بكر القشیری،
وعن مجاهد فى قوله: ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِيثَاقًّا غَلِيظًا ﴾ (٢): هى كلمة النكاح التى تستحل بها
الفروج .
وقوله: (( ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه ، فإن فعلن ذلك
فاضربوهن ضرباً غير مبرّح)» ، قال الإمام : قيل : المراد بذلك ألا يستخلين مع الرجال ،
ولم يرد زناها ؛ لأن ذلك يوجب حدها ، ولأن ذلك حرام مع من نكرهه نحن أولا
نكرهه، وقد قال: (( أحداً تكرهونه )» .
قال القاضى : كانت عادة العرب حديث الرجال مع النساء ، ولم يكن عيباً ولا ريبة
عندهم ، فلما نزلت آية الحجاب نهى عن ذلك . ومعنى (( غير مبرح)) : أى شديد شاق .
والبرح : المشقة . وفيه إباحة تأديب الرجل زوجته .
وفى قوله: (( ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف)): وإيجاب ذلك لهن . وقوله : فقال
بإصبعه السّبابة ينكتها إلى الناس ((اللهم اشهد)) : كذا الرواية بالتاء باثنتين من فوقها ،
(١) البقرة : ٢٢٩ .
(٢) النساء : ٢١ .

٢٧٨
كتاب الحج / باب حجة النبى
وهو بعيد المعنى قيل: صوابه (١): ((ينكبها)) بباء واحدة ، وكذا رويناه عن شيخنا أبى
الوليد هشام بن أحمد من طريق ابن الأعرابى عن أبى داود (٢) فى تصنيفه (٣) بالباء بواحدة
وبالتاء اثنتين من طريق أبى بكر النجار عنه ، ومعناه : يردها ويقلبها إلى الناس مشيراً
إليهم . ومنه : نكَت كتابته : إذا قلبها ، ثم ذكر أنه صلى بعد ذلك . فيه أن سنة خطبة
عرفة قبل الصلاة كخطبة الجمعة دون غيرها . قال القاضى: [ قال ] (٤) أبو عبد الله:
أجمعوا أن الخطبة يوم عرفة قبل الصلاة ، وأنه لو صلى الظهر فيها بغير خطبة أجزأته
صلاته .
وقوله: ((ثم أذن ثم أقام)) : دليل على أن الأذان متصل بالصلاة ، وهو أحد أقوال
مالك : أنه يؤذن فى آخر خطبة الإمام ، حتى يكون فراغ الإمام من الخطبة ، [ مع ] (٥)
فراغ المؤذن من الأذان ، وهو قول الشافعى ، وروى عن مالك - أيضاً - أنه يؤذن بعد تمام
الخطبة ، فيجلس الإمام على المنبر ويؤذن المؤذن ، وروى عنه أنه يؤذن لها إذا جلس بين
الخطبتين ، وقال أبو ثور : يؤذن المؤذنون والإمام يخطب على المنبر قبل خطبته كالجمعة ،
وروى - أيضاً - مثله عن مالك ، فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما
شيئاً ، وقال مثله بعد فى صلاته بالمزدلفة بأذان واحد وإقامتين ، ولم يسبح بينهما شيئاً (٦)،
أى لم يتنفل . هذه سنة صلاة الجَمْع فى عرفة ومزدلفة وليلة المطر ألا تتنفل بينهما إلا لمن
يرى الأذان لكل صلاة ، فيباح التنفل ما دام يؤذن المؤذن لمن يخف [عليه ] (٧) ذلك، فقد
رخص فيه ، وجمعه فى عرفة والمزدلفة بأذان واحد وإقامتين ، اختلف العلماء فى جمع
الصلاة بمزدلفة للإمام لاختلاف الآثار ؛ إذ روى هذا وروى الجمع بإقامة واحدة لهما ، ولم
يذكر أذاناً، وقد ذكر مسلم بعد هذا [ وروى الجمع ] (٨) ولم يذكر إقامة لكل صلاة، فقيل
بأذان واحد وإقامتين على حديث جابر ، وإلى هذا ذهب أحمد وأبو ثور وعبد الملك ابن
الماجشون والطحاوى ، وقال مالك : يؤذن ويقيم لكل صلاة قياساً على سائر الصلوات،
وهو مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود ، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أذان واحد
وإقامة واحدة ، وقال الشافعى وأحمد - فى أحد قوليه - بإقامتين دون أذان لهما، وروى
هذا عن القاسم وسالم، ومثله عندنا فى كتاب (( الجلاب )) فى عرفة ومزدلفة، وقال
الثورى: تجزئ إقامة واحدة لا أذان معها ، وحكى عن ابن عمر (٩) ، وأما جمع عرفة فقال
(١) فى س : صوابها ، والمثبت من الأصل .
(٢) أبو داود، ك الحج، ب صفة حجة النبى عَيه ١/ ٤٤٢.
(٣) فى س : مضيفه .
(٦) انظر: الاستذكار ١٣٧/١٣، الحاوى ٤/ ١٧٠.
(٨) من س .
(٤، ٥) سقطتا من س .
(٧) فى هامش س .
(٩) الاستذكار ١٣/ ١٥٠، الطحاوى فى الشرح ٢١٣/٢.

٢٧٩
كتاب الحج / باب حجة النبى
الطحاوى : إنهم لم يختلفوا أن الأولى فيهما يؤذن لها ويقام (١) ، وقد حكى شيوخنا
الخلاف فى ذلك كالخلاف فى صلاة المزدلفة سواء .
وقوله : فى صلاة عرفة ومزدلفة سواء ، خالف أبو حنيفة فقال فى صلاة عرفة مثل
قول الشافعى سواء ، بأذان وإقامتين ، وهو مذهب أبى ثور وقال أحمد : هما سواء بإقامتين
دون أذان ، وهو قول إسحق ، قالا : أو بأذان (٢) وإقامتين إن شاء، واختار الطبرى على
مذهبه العمل بما شاء من ذلك ، ولا خلاف أن صلاتهما بعرفة هكذا بالجمع ، وصلاة
العشاءين بمزدلفة هكذا مع الإمام ، وإنما اختلفوا [ فيمن فاتته صلاة عرفة مع الإمام (٣)
فجمهورهم على أنه يجمع بينهما إتباعاً لفعله - عليه السلام - ولقوله: (( خذوا عنى
مناسككم)) (٤)، و((صلوا كما رأيتمونى أصلى))(٥) وقال الكوفيون : يصليها من فاتته
لوقتها ، ولا يجوز الجمع إلا مع الإمام .
قال الطحاوى : ولم يختلفوا أنَّ من صلاهما فى وقتهما غير الإمام أن صلاته جائزة ،
واختلفوا ] (٦) فيمن صلى قبل أن يأتى المزدلفة العشاءين ، فذهب الكوفيون أنه لا يجزئه
ويعيدهما ، وإن صلاّهما بعد مغيب الشفق ، وقاله ابن حبيب من أصحابنا ، وقال مالك:
لا يصليهما قبل المزدلفة إلا من به عذر أو بدابته ، ولا يجمع هذا بينهما حتى يغيب
الشفق، وقال محمد : يصليهما كل صلاة لوقتها ، وقيل : يجزئه صلاته لهما فى وقتهما
قبل مزدلفة ، كان إمام الحاج أو غيره ، وهو مروى عن جماعة من الصحابة والتابعين ،
وقاله الشافعى والأوزاعى وأبو يوسف وأشهب من أصحابنا وفقهاء أصحاب الحديث (٧) ،
وفيه دليل أنه لا يجهر بالقراءة فى ظهر عرفة ، وكونها سراً ؛ إذ لو كان جهراً لنقل إلينا ،
وهو اتفاق من العلماء . وفيه دليل أن (٨) أوقات هذه الصلوات للجمع .
قال القاضى [رحمه الله](٩): قال الخطابي : سميت مزدلفة لاقتراب الناس بها إلى
منى للإفاضة من عرفات (١٠) ، يقال: ازدلف القوم : إذا اقتربوا ، وقال ثعلب : لأنها
منزلة من الله وقربة، قال: ومنه قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَة﴾ (١١). وقال الهروى: سميت
بذلك لاجتماع الناس بها . والازدلاف: الاجتماع . وقال الطبرى : سميت بذلك الازدلاف
آدم إلى حواء ، أو تلاقيهما بها . وقد يقال : سميت بذلك للنزول بها بالليل وفى زلفه
(١) الطحاوى فى شرح معانى الآثار ٢١٤/٢.
(٢) فى س : أذان.
(٤) أحمد ٣ / ٣١٨ .
(٣) فى س : الناس .
(٥) البخارى، ك الأذان، ب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة ٢ / ١١١.
(٦) سقط من الأصل واستدرك بالهامش بسهم .
(٧) الاستذكار ١٦١/١٣، الحاوى ١٧٤/٤.
(٨) فى س : على .
(١٠) فى س: عرفة . وانظر: غريب الحديث للخطابى ٢٤/٢ .
(١١) الملك : ٢٧ .
(٩) من س .

٢٨٠ -
كتاب الحج / باب حجة النبى
ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكَبَ رَسُولُ اللهِ عَُّ، حَتَّى أَتَى
الْمَوْقفَ ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَل حَبّلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ،
٢٠٧/ ب وصلاة العشاءين بها ليلاً وهى (١) المشعر سميت بذلك بمعنى الأعلام ، والمشاعر/ :
المعالم، وهى جمع ، سميت بذلك للجمع فيها بين العشاءين ، وقيل : لاجتماع الناس
[بها] (٢). قال ابن حبيب : وهى قُرح أيضا .
قال القاضى : وقرح إنما هو موضع منها ، فيه كانت تقف قريش فى الجاهلية ، وهو
داخل الحرم . [و] (٣) سميت منى لما يُمْنَى بها من الدم، أى يراق ، وقيل: لأن آدم تمنى
بها الجنة . قال الطبرى : واختلف فى تسمية عرفة ، فقيل : لأن جبريل حج بإبراهيم -
عليه السلام - فكان يعرفه المواضع والمناسك، فيقول: قد عرفت (٤) ، وقيل: بل عرّفه
عرفةً ، فقال: قد عرفت لأنه كان قد رآها مرة قبل ذلك، [ والمعُرَّف ] (٥) موضع الوقوف
بعرفة ، والتعريف الوقوف بها .
وقوله: (( حتى يأتى الموقف ، فجعل نظرنا فيه إلى الصخرات ، واستقبل القبلة ، فلم
يزل واقفاً حتى غربت الشمس ، وذهبت الصفرة)»: فيه أن سنة الوقوف هذه إلهية ،
واستحبوا هذا الموضع . والوقوف بعرفة ركن من أركان الحج لا خلاف فيه .
وقوله: ((حتى غربت الشمس)) : إبانة عن وقت الوقوف وأنه من بعد الزوال ، ولا
خلاف أنه لا يجزئ قبله . واختلف هل يكفى فيه وقوف النهار دون الليل ؟ وهل محل
الفرض الليل وحده ، أو النهار والليل ؟ مع أن الاتفاق على أن وقوف الليل يجزئ ،
وأكثرهم على أن وقوف النهار يجزئ إلا مالكاً ، فإنه عنده فى معروف قوله كمن لم
يقف(٦) وفيه الاحتياط بالمكث حتى تزول الصفرة ، وأن تحقق المغيب ليأخذ جزءاً من
الليل، وكذا يجب الاحتياط للفطر والصلاة ، لاسيما فيما تستره الجبال وخرج عنه أيضاً
كقول الكافة ، واختلف القائلون بالجواز ، هل عليه إذا لم يقف دمٌ أم لا ؟ وأجمعوا على
أنه لا دم على من وقف بالليل دون النهار .
وقوله: ((وذهبت الصفرة حتى غاب القرص)) : كذا فى النسخ كلها ، قيل : لعل
(١) فى س : وفى .
(٢) ساقطة من س .
(٣) من س .
(٤) ابن جرير الطبرى فى التفسير ١٦٧/٢ .
(٥) فى س : والمعروف ، وهو تصحيف . قال ابن منظور فى لسانه: والُعَرَّفُ فى الأصل موضع التعريف ،
وهو الوقوف بعرفة. مادة ((عرف)).
(٦) الاستذكار ٢٩/١٣، الحاوى ١٧١/٤.