النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
كتاب الجنائز / باب التشديد فى النياحة
فُلاَن ، فَإِنَّهُمْ كَانُّوا أَسْعَدُونِى فِى الْجَاهِلِيَّةِ، فَلاَ بُدَّلِى مِنْ أن أُسْعِدَهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ الله
عَ﴾: ((إلاَّآَلَ فُلاَن)).
ما كان معه شىء من أفعال الجاهلية من شق الجيوب ، وخمش الخدود ، ودعواها التى
كانت تضيفه من فعل (١) المصائب إلى الدهر .
(١) فى س : فعال.

٣٨٢
كتاب الجنائز / باب نهى النساء عن اتباع الجنائز
(١١) باب نهى النساء عن اتباع الجنائز
٣٤ - (٩٣٨) حدّثَنَا يَحْنَى بْنُ أُبُّوبَ، حَدَّثْنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أُوبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
سيرينَ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: كُنَّا تُنْهَى عَنِ اتَّبَاعِ الْجَنَائِزِ ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا .
٣٥ _ ( .. ) وحدّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ
إِيْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَ بْنُ يُونُسَ ، كِلاَهَّمَا عَنْ هِشَامٍ، عَنْ حَقْصَةَ، عَنْ أُمَّ عَطِّةَ . قَالَتْ:
نُهِيْنَا عَنِ اتَّاعِ الْجَنَائِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَاَ.
وقولها : (( نهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزم علينا)): أى لم يوجب ولم يفرض أو
لم يشدد . اختلف العلماء فى إباحة اتباع النساء الجنائز ، فجمهورهم على منعه لظاهر
النهى فى الحديث ، واختاره (١) جماعةُ علماء المدينة ومالك يجيزه ويكرهه للشابة ، وفى
الأمر المستنكر (٢) . وقال ابن حبيب من أصحابنا بالقول الأول ، وحجة من أجازه أنه لم
یعزم علیهن فى ذلك.
(١) فى الأصل : وأجازه ، وهو خطأ، والمثبت من س .
وقد قال ابن عبد البر فى تمهيده : ممكن أن يكون هذا قبل الإباحة ، وتوقى ذلك للنساء امتجالات
أحب إلىّ، فأما الشواب فلا أومن الفتنة عليهن وكلهن حيث ترضى ، ثم قال : وما أظن سقوط فرض
الجمعة عنهن إلا دليلاً على إمساكهن عن الخروج . فيما عداها ، والله أعلم ٢٣٣/٣ .
(٢) فى الأصل : المستكره .

٣٨٣
كتاب الجنائز / باب فى غسل الميت
(١٢) باب فى غسل الميت
٣٦ - (٩٣٩) وحدّثْنا يَحْتَى بْنُ يَحْتَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ أُوبَ، عَنْ مُحَمَّد
ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِىُّ ◌َهِ وَنَحْنُ نَغْسلُ ابْتَتَهُ، فَقَالَ:
(غْسِلْنَهَا ثَلاَثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءِ وَسِدْرِ، وَاجْعَلْنَ فِى
وقوله فى ابنته : ((اغسلنها ثلاثا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك))، قال
الإمام : اختلف فى غسل الميت ، هل هو واجب أم سنة ؟ وسبب الخلاف : قوله - عليه
السلام -: ((إن رأيتن [ ذلك](١))) هل معناه: إن رأيتن الغسل ، أو إن رأيتن الزيادة فى
العدد ؟ وهذا أو أشباهه مما اختلف فيه أهل الأصول ، وذلك أنهم مختلفون فى التقييد(٢)
والاستثناء والشروط إذا (٣) تُعُقِّبت الجمل، هل يرجع إلى جميعها إلا ما أخرجه الدليل أو
إلى أقربها ؟ وأما اعتبار الوتر فى الغسل فإنه فى الثلاث معتبر . وفيما زاد عليه معتبر عندنا
وعند الشافعى ، وغير معتبر عند أبى حنيفة بعد الثلاث .
قال القاضى: ليس عند مالك - رحمه الله - وبعض أصحابه فى غسل الميت حَدٌّ لازم
يقتصر عليه ، لكنه ينقى ولا يقتصر [مع ] (٤) الإنقاء على دون الثلاث، فإن زاد على
ثلاث استُحِبَّ الوترُ ، وليس لذلك عنده حدٍّ وإلى هذا يرجع قول الشافعى وغيره (٥) من
العلماء ، وكذا إذا احتاج الغاسل إلى ذلك أو خرج من الميت شىء بعد غسله أعاد
الغسل، وحجتهم الحديث بقوله: ((إن رأيتن [ ذلك] (٦)))، وصرف الأمر إلى اجتهاد
الغاسل بحسب ما يحتاج إليه من زيادة الإتقاء ، وقد جاء (٧) فى بعض روايات هذا
الحديث: ((أو سبعًا))، وإلى هذا نحا أحمد وإسحق ألا يزاد على سبع وإن خرج منه
شىء بعد السبع غُسل الموضع وحده ، وقاله الثورى والمزنى وجماعة من المالكية ، قالوا:
وحكمه حكم الجنب إذا أحدث بعد الغسل (٨)، ومنهم من قال : يوضأ إذا خرج منه شىء
(١) ليست فى ع .
(٢) فى س : التغيير ، والمثبت من الأصل ، ع .
(٣) فى المطبوعة من المعلم : إذ .
(٤) جاءت عند الأبى : بعد ، وهو وهم .
(٥) قال الشافعى - رحمه الله -: وأَقلُّ غُسْلِ المَيِّت فيما أحب ثلاثًا، فإن لم يبلُغ الإنقاء فخمسًا .
الحاوى ٣/ ١٠.
(٦) ساقطة من س .
(٧) فى س : قال .
(٨) قال أبو عمر : وتحصيل مذهب مالك أنَّه إذا جاء منه حدثٌ بعد كمال غسله أعيد وضوؤه للصلاة ولم يعد
غسله . الاستذكار ١٩٢/٨، وفى مذهب الشافعى فى هذا يراجع الحاوى ٣/ ١٢ .
أ

٣٨٤
كتاب الجنائز / باب فى غسل الميت
بعد الثالثة (١)، وذهب بعضهم إلى أنه لاحَدَّ فيه أولاً ولا آخرًا وأنه يجزئ فيه ما يجزئ
الغسل من الجنابة ، ونحوه قول عطاء : الواحدة السابغة (٢) فى ذلك يجزئ.
وقوله : (( بماء وسدر )) يحتج به ابن شعبان ومن يجيز غسله بماء الورد والماء المضاف ،
وقد تأوله بعض شيوخنا على قول مالك : يغسل بماء وسدر ، ومالك وغيره - ممن قال
بذلك - إنما اتبع لفظ الحديث ، ولم يذهبوا إلى ما ذهب إليه هذا ، وهو قول كافة
العلماء: أن يُغَسَّلَ الميتُ بماء وسدر . ولا يجيزوا غسله بغير الماء المطلق ، وحجتهم
تخصيص النبى معَّهُ الماء وهو قول كافة العلماء ، أنْ يُغَسَّلَ الميتُ بماء وسدر ، أوليس معنى
قولهم : بماء وسدر ، أن تلقى ورقات السدر فى الماء عند كافتهم ، بل أنكروه ونسبوا فعله
إلى العامة . وقد ذكر الداودى نحوا منه ، قال: يسحق (٣) [ السدر ] (٤) ويلقى فى الماء،
ولكنه عند جمهورهم على أن يغسل أولا بالماء القراح (٥) فيتم (٦) الطهارة ، ثم بالثانية
بالماء والسدر للتنظيف ، ثم بالثالثة بالماء والكافور للتطبيب ، والتجفيف ، وهذا حقيقة
مذهب مالك - وحكاه ابن حبيب ، وقال : بل نبدأ (٧) بالماء والسدر ليقع التنظيفُ أولاً ،
ثم بالماء القُراح ثانيًا ، وقال أبو قلابة (٨) مثله، لكنه قال: ويحسب هذا (٩) غسلة واحدة،
وهذا (١٠) جار على قياسات الطهارة ، وذهب أحمد (١١) إلى أن الغسلات كلها تكون
بالسدر على ظاهر الحديث، وفى حديث آخر: (( كلهن بالماء والسدر)) (١٢).
(١) ولا يعاد غسله لأن حكمه حكم الجنب إذا اغتسل وأحدث بعد الغسل استنجى بالأحجار أو بالماء ، ثم
توضأ، فكذلك الميت . قال : وقال ابن القاسم : إن وضئ فحسن وإنما هو الغسل . التمهيد ٣٧٤/١.
(٢) قيّدها الأبى فى إكماله : السابقة .
وقد أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : يُغَلُ الميتُ ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا بماءٍ
وسدرٍ والواحدة السابغةُ تجزئُ ، المصنف ٣: ٣٩٧.
(٤) غير مثبتة فى س .
(٣) فى س : إسحق .
(٥) قريحة الشىء: طبيعته التى جبل عليها، وقريحة الشباب: أوله ، والقريحة والقرح أول ما يخرج من البئر
حين تحفر ، وقيل : السحاب أول ما ينشأ . انظر : اللسان .
(٦) فى س : فتتم .
(٧) فى س : يبدأ .
(٨) ذكره ابن أبى شيبة فى مصنفه عن ابن عون عن أيوب السختياني قال: كان أبو قلابة إذا غسَّل الميِّت أمَرَ
بالسدر فصُفِّىَ فى ثوبٍ فغسل صفوه ورمى بثقله. ٢٤٣/٣ .
وأبو قلابة هو عبد الله بن زيد بن عمرو بن نائل بن مالك، الإمام ، شيخ الإسلام ، حدَّث عن
ثابت بن الضحَّك فى الكتب كُلّها ، وعن أنس كذلك ، وعن عبد الله بن عباس ، وسمرة بن جندب ،
وأبى هريرة، والنعمان بن بشير وغيرهم من الصحابة الأجلة . مات بعريش مصر سنة ١٠٤ هـ . سير
٤/ ٤٧٤.
(٩) فی س : كله .
(١٠) فى س : وهو .
(١١) قال أبو بكر الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: تذهب إلى السدر فى الغسلات كلها ؟ قال : نعم ، السدر
فيها كلها . التمهيد ٣٧٥/١ .
(١٢) أخرجه ابن أبى شيبة فى المصنف عن إبراهيم ٢٤٢/٣٠.

٣٨٥
كتاب الجنائز / باب فى غسل الميت
١٥٣ / أ
وقد يكون معنى قولهم: (( غسلة بالماء والسدر)) ليس بأن يلقى فيه السدر كما قالوا ،
ولكنه يخضخض السدر بالماء حتى يخرج رغوته بالغسل (١) ، ثم نغسل به الميت ويصب
الماء من فوق ذلك للتطهير ، ولعل هذا مراد الداودى كسائر غسل ما يزال من النجاسات/
والأقذار اللَّزجة بالغاسول ، فلا يكون غسلا بمضاقٍ ، وغير السدر يقوم مقامه عند عدمه من
سائر الغاسولات عند كافة العلماء (٢) ، وروى عن عائشة فى غسل رأس الميت بالخطمى (٣)
نهى ، وغسل الميت عندنا ليس لنجاسة (٤) إلا أن تكون به ظاهرة فتزال ، وإنما هو
عبادة(٥)، وقيل : نظافة ، ولو كان لنجاسة لما زاده الغسل إلا نجاسة إذ الذات النجسة لا
يطهرها الماء ، على القول بنجاسة الآدمى إذا مات ، فكيف والصحيح طهارة المؤمن حيًا
وميتًا ؟ وقد قال - عليه السلام -: ((المؤمن لا ينجس)) (٦) وسنذكر هذا بعد.
وقوله: ((واجعلن فى الآخرة كافورًا)»: لشدة تبريده وتجفيف جسد الميت ، وحياطته
عن سرعة التغير والفساد ، ولتطيب رائحته للمصلين عليه ، ومن يحضره من الملائكة ،
وعلى استعمال هذا جماعة العلماء إلا أبا حنيفة وأصحابه . وروى عن النخعى إنما ذلك فى
(١) فى الأصل : للغسل .
(٢) قال الحسن فى الميت : اغسله بسدر ، فإن لم يوجد سدر فخطمى ، فإن لم يكن خطمى فبأشنان ، وقال
سعيد بن جبير : إذا لم يكن سدر فخطمى . مصنف ابن أبى شيبة ٣/ ٣٤٤ ، وكذا روى أيضا عبد الرزاق
فى مصنفه عن أبى قلابة قال: ((إذا طالَ ضنى الميتَ غُسِّل بالأشنان إن شاؤوا)) ٣٩٩/٣ والضنى: المرض
والهزال وسوء الحال.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه عن الأسود قال: قلت لعائشة: يُغسل رأس الميت بخطمى ؟ فقالت : لا
تعتنتوا مِتكم . ٣٤٤/٣.
والخطمى : هو ضرب من النبات . يغسل به . وفى الصحاح : يغسل به الرأس . قال الأزهرى : هو
بفتح الخاء ، ومن قال بالكسر فقد لحن . لسان العرب .
(٤) فى س : بنجاسة . قال ابن عبد البر فى الاستذكار : والقول عندى فى غسل الميت أنه تطهيرُ عبادة لا
لإزالة نجاسة ٨/ ١٩٢ .
(٥) قال أبو عمر : تطهير الميت تطهير عبادة لا لإزالة نجاسة ، وإنما هو كالجنب ، وغسله كغسل الجنب سواء.
التمهيد ٣٧٦/١.
وقد روى البخارى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: المسلم لا ينجس حياً ولا ميتًا.
وقال سعد : لو كان نجسًا ما مسته ، وقال : وحنط ابن عمر ـ رضى الله عنهما - ابنًا لسعيد بن زيد
وحمله ، وصلى ولم يتوضأ . صحيح البخارى ٢/ ٩٣ .
وقال ابن حجر : والمشهور عند الجمهور أنه غسل تعبدى . الفتح ٣ / ١٥١ .
(٦) سبق فى ك الحيض ، ب الدليل على أن المسلم لا ينجس، من حديث أبى هريرة بلفظ: « سبحان الله ،
إن المؤمن لا ينجس)».
وكذا أخرجه البخارى ، ك الغسل ، ب الجنب لا يخرج ويمشى فى الأسواق ٧٩/١ ، ك الجنائز ،
ب غسل الميت ووضوئه بالسدر ٩٣/٢، النسائى، ك الغسل، ب مماسة الجنب ومجالسته ١١٩/١،
ابن ماجه، ك الطهارة، ب مصافحة الجنب ١٧٨/١، أحمد فى المسند ٢٣٥/٢، ٣٨٢، ٤٧١، وجاء
بلفظ : ((إن المسلم لا ينجس)).

٣٨٦
كتاب الجنائز / باب فى غسل الميت
الآخرة كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافور. فَإذَا فَرَغْتُنَّ فَاذَنَّنَى))، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا
حقْوَهُ. فَقَالَ: ((أشْعِرْنَهَا إِيَّهُ)).
٣٧ _ ( ... ) وحدّثْنا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّد
ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ حَقْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ، عَنْ أُمِّ عَطَّةَ ، قَالَتْ: مَشَطْنَاهَا ثَلاَثَةَ قُرُون.
الحنوط (١) لا فى الغسل ويمكن أن يتأول من قال هذا فى الآخرة ، أى بعد تمامها .
والظاهر خلافه ، والله أعلم .
وفائدة تخصيص الكافور لتبريده وإمساكه ، ومنعه سرعة التغيير ، ولقوة رائحته
وسطوعها ، وغلبتها على غيرها ، وإذا عدم قام غيره من الطيب مقامه .
وقوله: ((فألقى إلينا حِقْوه، فقال: أَشْعرنها إياه)»، قال الإمام : الحِقْو : الإزار
هاهنا ، والأصل فى الحقو معقد الإزار ، وجمعه أحْقٍ وأحقاء وحُقى ، ثم يقال للإزار :
حِقْوٌ ؛ لأنه شُدَّ على الحقو ، كقول العرب : عُذّت بحقو فلان ، أى استجرتُ به
واعتصمت ، ومعنى ((أشْعِرْنها إياه)): أى اجعلنه شعارها الذى يلى جسدها، سُمى
شعارًا لأنه يلى شعر الجسد، ومنه الحديث: ((أنتم الشعار دون الدثار)) (٢) أى أنتم
الخاصة والبطانة .
قال القاضى : هذيل تقول : حقو، بكسر الحاء ، وغيرهم يقوله بالفتح (٣). ومعنى
قول من فسره بالإزار أى المئزر ، واختلف فى صفة إشعارها إياه ، فقيل : يجعل لها مئزرا،
وهو قول ابن وهب ، وقيل : لا تؤزر ولكن تُلف فيه ، هو قول ابن القاسم وجماعة، من
العلماء . قال ابن سيرين : المرأة تشعر ولا تؤزر ، قال ابن جريج: ((أشعرنها)) الففنها
[فيه] (٤)، وقال النخعى: الحقْوُ فوق الدِّرع، وقال ابنُ علية: الحقوُ النطاق، سبنيَّة (٥)
طويلة يجمع به فخذاها تحصينًا لها ، ثم تلف على عجزها . وفعل النبى عَّه ذلك بها،
لتنالها بركة ثوبه ، وفيه جواز تكفين النساء فى ثياب الرجال .
قال القاضى: وقولها: ((فمشَّطناها (٦) ثلاثة قرون)): فيه مشط رأس الميت ،
(١) الحنوط : طيبٌ يخلط للميت خاصة.
(٢) معنى حديث سيأتي إن شاء الله فى الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوى إيمانه.
وقد أخرجه ابن ماجه فى المقدمة، ب فضل الأنصار ٥٨/١، ولفظه: ((الأنصار شعار، والناس دثار)».
(٣) وجمعُهُ حُقَىٌّ، وأحقاءُ ، وأحقٍ . حكاه ابن عبد البر فى الاستذكار ١٩٥/٨.
(٤) من المشارق .
(٥) السبنيَّةُ: ضربٌ من الثياب تتّخذ من شاقة الكتان ، أغلظ ما يكون ، وقيل : منسوبة إلى موضع بناحية
المغرب يقال له: سبنٌ . لسان العرب ، وانظر: التمهيد ٣٧٩/١.
(٦) الذى فى المطبوعة : مشطناها .

٣٨٧
كتاب الجنائز / باب فى غسل الميت
٣٨ - ( ... ) وحدّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثْنَا أَبُوالرَّبِيِعِ
الزَّهْرَانِىُّ وَقُتَّةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَاَ حِّمَّادٌ. حَ وَحَدَّثَنَا يَحْيِّى بْنُ أُوبَ، حَدَّثَنَا أَبْنُ
عُلَّةَ، كُلُّهُمْ عَنْ أُوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: تُوُقِيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَِّىِّ
◌َُّ. وَفِى حَدِيثِ ابْنِ عُلَّةَ قَالَتْ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ عَّةٍ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْتَهُ . وَفِى حَديث
مَالكِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ◌َِّ حِينَ تُوُقِّيَتِ ابْنَتُهُ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ
عَنْ أُبُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطَّةً.
٣٩ - ( .. ) وحدّثَنَا قُتََّةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَقْصَةَ، عَنْ أُمِّ
عَطَيَّةَ، بَنَحْوِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((ثَلاَا أَوْ خَمْسَا أَوْ سَبْعًا ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ)).
فَقَالَتْ حَقْصَةُ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ : وَجَعَلْنَا رَأْسَهَا ثَلاثَةَ قُرُون.
( ... ) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ أُيُّوبَ، حَدَّثَنَ ابْنُ عُلَيَّةَ، وَأَخْبَرَنَا أُوبُ ، قَالَ : وَقَالَتْ
حَقْصَةُ: عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ، قَالَت: اغْسِلْنَهَا وتْرًا، ثَلاَنَا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا. قَالَ: وَقَالَتْ أُمُّ
عَطَّةَ : مَشَطْنَاهَا ثَلاَثَةَ قُرون.
٤٠ - ( .. ) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيَّةَ وَعَمْرٌوِ النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى مُعَاوِيَّةَ، قَالَ
عَمْرٌو : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمِ أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ الأَحْوَلُ، عَنْ حَفْصَةً بِنْت
سِيرِينَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ . قَالَتْ: لَمَّ مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِعَُّ، قَالَ لَنَا رَسُولُ الله
تَُّ: «غْسلْنَهَا وثرًا، ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا، وَاجْعَلْنَ فِى الْخَامِسَةِ كَافورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُور،
٥
فَإِذَا غَسَلْنَّهَا فَأَعْلَمْتَى)). قَالَتْ: فَأَعْلَمْنَاهُ، فَأَعْطَانَا حَقْوَهُ وَقَالَ: ((أَشْعِرْنَهَا إِيَّهُ).
وظفره، وبهذا قال الشافعى ، وأحمد ، وإسحق ، وابن حبيب ، على ما جاء فى
الحديث: ((ومشطناها ثلاثة قرون، قرنيها، وناصيتها)) (١)، وفى غير مسلم: ((مقدم
رأسها، وقرنيها وألقيناها خلفها)) (٢)، وقال الأوزاعى: لا يجب المشط ، ولم يعرف ابن
القاسم الضفر ، وقال : تُلفُّ. وذهب الكوفيون والأوزاعى إلى تفريقه وإرساله من
الجانبين، بين ثدييها ودون تسريح ، ومن حجتهم أنه ليس فى الحديث معرفة النبى
بفعل أم عطية فيجعل سنة وحجة .
(١) جمع القاضى هنا بين طريقين ، طريق يحيى بن أيوب وطريق عمرو الناقد .
(٢) أخرجه أبو داود، ك الجنائز، ب كيف غسل الميت عن أم عطية بلفظ: ((وضفرنا رأسها ثلاثة قرون ، ثم
ألقيناها خلفها مقدم رأسها وقرنيها )) .

٣٨٨
كتاب الجنائز / باب فى غسل الميت
٤١ - ( ... ) وحدّنا عَمْرٌوَ النَّاقدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَرُونَ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ،
عَنْ حَقْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ، عَنْ أُمِّ عَطَّةٌ. قَالَتْ: أَنَانَا رَسُولُ اللهِ عٍَّ وَنَحْنُ نَغْسِلُ إِحْدَى
بَنَاتِهِ، فَقَالَ : ((اغْسِلْنَهَا وَثْرًا، خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ)) بِتَخَِّ حَدِيثِ أَبُوبَ وَعَاصِمٍ.
وَقَالَ فِى الْحَدِيثِ: قَالَتْ: فَضَفَرْنَا شَعْرَهَا ثَلاَثَةَ أَثْلاَثْ ، قَرْنَيْهَا وَنَاصِيَتَهَا .
٤٢ - ( ... ) وحدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيِّمٌ، عَنْ خَالد، عَنْ حَقْصَةَ بنْت
سِيرِينَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَْ حَيْثُ أَمَرَهَا أَنْ تَغْسِلَ ابْتَتَّهُ قَالَ لَهَا: «ابْدَأَنَّ
بِعِيَامِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَاَ)).
وقوله فى الحديث: (([لما ماتت زينب] (١)))، هو أكبر المروى ، وذكر بعض أهل
السير أنها أم كلثوم (٢) .
وقوله: ((ابدأن بميامينها ومواضع الوضوء))، قال الإمام: و [ أما ] (٣) وضوء الميت
[فمستحب ] (٤) عندنا وعند الشافعى ، وأبو حنيفة لا يراه مستحبًا .
قال القاضى : واختلف متى يوضأ عندنا ؟ هل فى المرة الأولى (٥) ؟ أو فى الثانية؟ أو
فيهما ؟ أو فى الثالثة ؟
وأمرُه بالبداية بالميامين على أصل الشريعة من البداية بها فى الطهارة والعبادات تيمنا
بلفظ اليمن ، وتفاؤلاً ليكون من أصحاب اليمين استدلَّ بعضهم بهذا الحديث أنَّ النساءَ أحقُّ
بغسل المرأة من الزوج وهو مذهب الحسن ، وأنه لا يغسلها إلا عند عدمهن ، والجمهور من
الفقهاء وأئمة الفتوى على خلافه ، وأنه أحق . وذهب الشعبى والثورى وأصحاب الرأى
إلى أنه لا يغسلها جملة ، وأجمعوا على غسل الزوجة زوجها ، وجمهورهم على أنه أحق به
من الأولياء . وقال سحنون : الأولياء أحق ، ولم يذكر فى هذا الحديث أمره بالغسل لمن
غَسَّلها ، وهو موضع تعليم ، وقد جاء فى الأمر بذلك حديث من طريق أبى هريرة ،
وحمله الفقهاء على الاستحباب لا على الوجوب . واختلف الصحابة فى الأخذ به ، ومعنى
(١) سقط من س .
(٢) قال ابن حجر : والمشهور أنها زينب زوج أبى العاص بن الربيع والدة أمامة التى تقدم ذكرها فى الصلاة ،
وهى أكبر بنات النبى عليه، وكانت وفاتها فيما حكاه الطبرى فى الذيل، فى أول سنة ثمان ، وقد وردت
مسماة فى هذا المسند - مسلم - من طريق عاصم الأحول عن حفصة عن أم عطية ، قالت: لما ماتت
زينب بنت رسول الله ﴾ قال: رسول الله : ((أغسلنها)) فذكر الحديث الفتح ١٥٣/٣.
(٤) ساقطة من س .
(٣) من ع .
(٥) فقد أخرج ابن عبد البر بإسناده إلى إبراهيم قال فى غسل الميت : الأولى بماء قراح يوضيه وضوءَ الصلاة ،
والثانية بماء وسدر ، والثالثة بماء قراح ، ويتبع مساجده بالطيب . التمهيد ٣٧٥/١.

٣٨٩
كتاب الجنائز / باب فى غسل الميت
٤٣ - ( ... ) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرُوَ النَّاقِدُ، كُلُّهُمْ عَنِ
ابْنِ عُلَيَّةَ. قَالَ أَبُو بَكْر: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالد، عَنْ حَقْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ؛
أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَّ لَهُنَّ فِى غَسْلِ ابْتِهِ: ((ابْدَأَنَ بِمَامِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا)).
الغسل ، والحكمة فيه لمن قال به ، إما ليكون على يقين من طهارة جسده مخافة ما يصيبه
من رش غسل الميت ويتطاير عليه من ذلك ، أو لأنه إذا عزم على الاغتسال كان أبلغ فى
غسله ، وأحرى ألا يتحفظ مما يصيبه فيجيدُ إنقاءه وتنظيفه . واختلف قول مالك فى ذلك ،
فروى المدنيون عنه سقوط الغسل ، وإن اغتسل فحسن (١) ، ونحوه قول الشافعى وأبى
حنيفة وأحمد ، وروى غيرهم عنه الغسل. قال الخطابي : لا أعلم أحداً قال بوجوب
ذلك(٢). وقال إسحق : أما الوضوء فلابد منه ، ونحوه قول أحمد بن حنبل ، ومذهب
كافة العلماء أنه لا يجب عليه وضوء منه .
(١) قاله الخطابى فى معالم السنن ٣٠٥/٤.
(٢) فى س : الغسل.

٣٩٠
كتاب الجنائز / باب فى كفن الميت
(١٣) باب فى كفن الميت
٤٤ - (٩٤٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى النَّميمِىُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً وَمُحَمَّدُ بْنُ
عَبْد الله بْن نُمَيْرِ وَأَبُو كُرَيْب ــ وَاللَّفْظُ لَيَحْيَى - قَالَ يَحْنَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ :
حَدَّثَنَا أَبُوَ مُعَاوِيَّةَ - عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ ، عَنْ خَبَّبِ بْنِ الأَرَتِّ، قَالَ هَاجَرْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهِ عَّهُ فِى سَبِيلِ الله، نَبْتَغَى وَجْهَ اللهِ ، فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ
يَكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنَّهُمَّ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيَّرِ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يَّوجَذَلَهُ شَىءٌ يُكَفِّنُ
فيه إلاَّ نَمِرَةٌ فَكُنَّا إِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رأسِهِ خَرَجَتْ رِجْلاَهُ، وَإِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رِجْلَيْهِ
خَرَجَ رَأَسُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَ: ((ضَعُوهَا مِمَّا يَلِى رَأْسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ
الإِذْخِرَ ))، وَمَنَّا مَنْ أَيْتَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ، فَهُوَ يَهْدُبُهَا.
وقوله: ((فوجب أجرنا على الله))، قال الإمام : معناه وجوب شرع لا عقل ، كما
تقول المعتزلة، وهذا [ نحو ] (١) ما قلنا فى معنى قوله - عليه السلام -: ((حق العباد على
الله)) (٢) .
وقول خباب: (( وَمِنَّا من أَيْنَعَتْ له ثمرته فهو يَهْدُّبُها)»: يقال: ينع الثمر وأينع
إذا أدرك ، فهو يانع ومونع ، قال ابن الأنبارى : اليانع : المدرك البالغ ، قال الفراء :
أينع أكثر من ينع ، وقول الله تعالى: ﴿وَيَنْعِهِ﴾ (٣)، المنع: النضج، قال أبو بكر : الينعَ
جمع اليانع ، و (( يهدِبُهَا)): أى يجتنيها ويقطفها ، يقال منه : هدَبَها يهدِبها ويهدُبُها هدبا.
قال القاضى : الهدب : ضربٌ من الحلب (٤)، والنَّمَرِةُ: ضربٌ مَن الأكسية مُعَلَّمةٌ ،
قد ذكرناه .
وقوله: (([ فمنا مَنْ لم يأكل من أجره شيئًا ] (٥) )) يعنى لم يكتسب من / الدنيا
شيئًا ، ولا اقتناه فانتقل عن حال الفقر والحاجة، وبقى أجره مُوَفَّرًا لذلك ، كما قال فى كتاب
البخارى فى هذا الحديث: (( لقد خشيت أن تكون عُجِّلَتْ لنا طيباتنا فى حياتنا الدنيا))(٦)،
فتلك السعة التى وُسِّعت على بعضهم نقص من أجره على الصبر على الفقر ، فجعل [ما
١٥٣/ب
(١) ساقطة من المعلم .
(٢) سبق فى كتاب الإيمان، ب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا.
(٤) وهدب الناقة: حلبها. مشارق ٢٦٦/٢.
(٣) الأنعام : ٩٩ .
(٥) فى المطبوعة : فمنَّا من مضى لم يأكل من أجره شيئًا .
(٦) ك الجنائز، ب الكفن من جميع المال، ب إذا لم يوجد إلا ثوب واحد ٩٧/٢، ٩٨ من حديث
عبد الرحمن بن عوف .

٣٩١
كتاب الجنائز / باب فى كفن الميت
( ... ) وحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيَّةً، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ الثَّمِيمِىُّ، أَخْبَرَنَا عَلَىُّ بَنُ مُسْهِرٍ.
ح وَحَدََّا ◌ِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُّنَةَ، عَنِ الأَعْمَئِ، بِهَذِّ
الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٤٥ _ (٩٤١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْب - وَاَللَّفْظ
لِيَحْبَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَان: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - عَنْ هِشَامَ بْنِ عُرْوَةَ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُفْنَ رَسُولُ اللهِ عَُّ فِى ثَلاَثَةُ أَثْوَابٍ بِيضِ سَحُولِيَّةٍ مِنْ
كُرْسُفُ ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عمَامَةٌ ، أَمَّا الْحُلَّةُ فَإِنَّمَا شَبََّ عَلَى النَّاسَ فِيهَا، أَنَّهَا
اشْتُرِيَتَ لَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهَا. فَتُركَت الْحُلَّةُ. وَكُفِّنَ فِى ثَلاثَةَ أَثْوَاب بيض سَحُولِيَّةَ . فَأَخَذَهَا
عَبدُ اللهِ بْنُ أَبِى بَكْرَ ، فَقَالَ: لِأَحْبِسَّهَا حَتَّى أُكَفِّنَ فِيهَا نَفْسِىَ، ثُمَّ قَالَ: لَّوْ رَضِيَهَا اللهُ
عَزَّ وَجَلَّ لنَبِّه لَكَفَتَهُ فِيهَا، فَبَاعَهَا وَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا .
أصاب من الدنيا وأكل من غضَارَتها ، كأنه أكلٌ لما كان يناله من أجر على الفقر ] (١) ،
والحاجة لو لم يصبها ، ومن لم يُصب من الدنيا ولم يأكل من فتحها شيئا ، بقى أجرُهُ
موفرا ، لم يأكل عوضًا عنه ، وفيه فضل الصبر على الفقر ، وقد يستدل بهذا الحديث [من
يُفضله على الغنى ، واحتج بعضهم من هذا الحديث أن الكفن من رأس المال ، لقوله : ((لم
يوجد له إلا نَمِرة)»، وهو قول عامة العلماء والسلف وأئمة الفتوى ، إلا ما حكى عن
طاوس أنه من الثلث ، إن كان المال قليلا (٢)، ولبعض السلف أنه من الثلث على
الإطلاق (٣)، ولم يتابعا على هاتين المقالتين. وفيه أنَّ الكفن إذا ضاق عن الميت ، ولم
يستر جميعة فتغطية رأس الميت أولى من رجليه ؛ لأجل تغيَّر محاسن الوجه بالموت ،
وإكراما للوجه والرأس ، وإن ضاق عن العورة والوجه غطيت العورة ، وما أمكن من
أعلاه، لوجوب سَترها فى الحياة .
وقوله : ((كُفِّنَ رسولُ الله عَيه فى ثلاثة أثواب)): تكفين الميت عند العلماء واجبُ
من غير خلاف ، من رأس ماله ، على ما تقدم، فإن لم يكن له مال فعلى بيت المال أو جماعة
(١) سقط من س .
(٢) وجاء عنه - أيضا - أنه من جميع المال. راجع: المصنف لعبد الرزاق ٤٣٦/٣.
(٣) قال أبو عمر فيه : وليس بشىء ؛ لأن مُصعب بنَ عُمير لم يترك إلا نَمرة قصيرة ، كفَّنه فيها رسول الله
◌َُّ، ولم يلتفت إلى غريمٍ ولا وارِثٍ. الاستذكار ٢١٦/٨.

كتاب الجنائز / باب فى كفن الميت
٣٩٢
٤٦ - ( .. ) وحدّثَنِى عَلَىُّ بْنُ حُجْر السَّعْدِىُّ، أَخْبَرَنَا عَلَىُّ بْنُ مُسْهِر، حَدَّثَنَا هِشَامُ
ابْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أُدْرِجَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ فِى حُلَّةٍ يَّمِّيَّةٍ كَانَتْ لِعَبْدِ
المسلمين (١). واختلف أصحابنا ، هل يلزم ذلك من كان تلزمه نفقته فى حياته أم لا ؟
وقوله: (( فى ثلاثة أثواب)) : المستحب فى الكفن الوتر ، وثلاثة أثواب لا ينقص
منهن مع الاختيار المستحب فى الكفن عند مالك وكافة الفقهاء ، وكلهم مجمعون أنه ليس
فيه حدَّ واجب لا يتعدى ، وذكر بعض شيوخنا أنَّ المستحبَّ عند مالك خمسة أثواب
بالقميص والعمامة (٢) ، وقال سويد بن غفلة (٣) يكفن فى ثوبين، [ وقال مالك ] (٤):
لا يبعد لمن لم يجد غيرهما ، وهو معنى قول الأوزاعى وأبى حنيفة ، وقال ثوبان : هما
أدنى ما يُكَفَّنَ فيه الرجل ، وهما أفضل عند أصحابنا ، وعلى مساق مذهبنا من ثوب ،
وأجاز الشافعى الثوب الواحد ، وجمهورهم على أن السنة للمرأة خمسة أثواب ، وأدناها
ثلاثة (٥) ، وقد اختلف فيها قول الشافعى ، فقال هذا مرةً ، وقال مرة : يجزئ ثوب
واحد .
وقوله: ((بيض)): [ بيض ] (٦) الأكفان أفضل من غيرها وأولى، وكره مالك
والأوزاعى الثيابَ المصبغة فى الكفن إلا العَصْبَ ، وكذلك عند مالك ما صبُغ بالطيب
كالورس ، والزعفران (٧) ، واختلف قوله فى المعصفر ، فأجازه مَرَّةً لكونه من الطيب ،
لاسيما مع طراءته ، أو لغلبة لباس العرب لها ، ومنعه مرةً لكونه غيرَ محسوب من الطيب،
ولأنها من ملابس الجمال ، والزينة ، وليس موضعه .
(١) قال ابن عبد البر - فى قول عيسى بن دينار: أن الكفن من رأس المال -: يُجبرُ الغرماء والورثة على ثلاثة
أثواب من رأس مال الميت تكون وسطا . قول عيسى فى هذا الباب كله حسن . السابق ٢١٦/٨.
(٢) فقد أخرج عبد الرزاق فى المصنف أن ابن عمر كان يُعمِّمُ المِيِّت. المصنف ٤٢٥/٣، وله : أن ابن عمر
كفَّن ابنه واقد فى خمسة أثواب ، قميص وثلاثة لفائف وعمامة.
قال ابن عبد البر : زعم أصحاب ابن عُليَّةً أن العِمامَةَ عندهم فى كفن الميتِ معروفة بالمدينة ، وكذلك
الخمارُ للمرأة . الاستذكار ٢١١/٨ .
(٣) ابن عوسجة بن عامر ، الإمام القدوة ، أبو أمية الجعفى ، الكوفى ، قيل : له صحبة ، قال الذهبى : ولم
يصح، بل أسلم فى حياة النبى معَّ وسمع كتابه إليهم ، وشهد اليرموك ، وحدَّث عن أبى بكر ، وعمر،
وعثمان ، وعلى ، وأبى بن كعب ، وبلال ، وأبى ذر ، وابن مسعود ، وطائفة ، وعنه الشعبى ،
والنخعى، وسلمة بن كهيل، وجماعة . قيل: إنه من أقران رسول الله عَلَّه فى السن. سير ٤ / ٦٩.
(٦) ساقطة من الأصل .
(٤) سقط من س .
(٥) راجع الاستذكار ٨/ ٢١٠ .
(٧) وذلك لما أخرجه فى الموطأ عن يحيى بن سعيد فيما بلغه عن أبى بكر قال: ((خذوا هذا الثوب - لثوب
عليه - قد أصابه مِشقٌ أو زعفران - فاغسلُوهُ ثم كفنونى فيه مع ثوبين آخرين )»، وقد أخرجه البخارى
بنحوه فى الجنائز ، ب موت يوم الإثنين ١٧١/٢ .

٣٩٣
كتاب الجنائز / باب فى كفن الميت
اللهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ. ثُمَّنُزِعَتْ عَنْهُ، وَكُفْنَ فِى ثَلاَثَةِ أَثْوَابٍ سُحُول يَمَانِيَةٍ ، لَيْسَ فِيهَا عَمَامَةٌ
وَاَ قَمِيصٌ . فَرَفَعَ عَبْدُ الله الْحُلَّةَ فَقَالَ: أُكَفَّنُ فِيهَا، ثُمَّ قَالَ: لَمْ يُكَفَّنْ فِيهَا رَسُولُ اللهَُِّ
وَأَكَفَّنُّ فِيهَا ! فَتَصَدَّقَ بِهَاَ.
( .. ) وحدّثناه أُبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيَّةَ، حَدَّثْنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاتِ وَابْنُ عُبَيْنَةَ وَابْنُ إِذْرِيسَ
وقوله: ((سَحوليَّة))، قال الإمام : قال ابن الأعرابى : معناه : بيض نقية . من
القطن خاصة، قال الإمام: وكذلك [جاء] (١) فى الحديث: [ («سُحولية من كرسُفَةٍ))،
وقال القتبى : سحولية جمع سحل ، وهو ثوب أبيض ، ولم يفرق بين الكرسفَ ،
وغيره، وقال ] (٢): سحولية منسوبة إلى سحول، قرية باليمين (٣) .
قال القاضى : قد جاء فى كتاب مسلم فى الحديث الآخر : («ثلاثة أثواب سَحُولية
يمانية)) : كذا عند العذرى هنا ، وابن ما هان ، وعند السمرقندى والشنتجالى : ((فى ثلاثة
أثواب سُحول)» ، هكذا مهمل اللفظ ، فيحتمل أن يكون بضم السين ، ويكون بدلا من
أثواب إذا قلنا : إنها ثياب قطن بيض تسمى بذلك ، وسَحُول على هذا جمع سَخْل ،
ويجمع - أيضا - سُحْل بالضم ، ويكون - أيضا - وصفًا إذا قلنا : إن معناها بيض ،
لكن قد اعترض على تفسيرها (( بيض))؛ لقوله قبلُ: ((بيض))، فلا وجه لتكرار وصفها
بالبياض ، كما أنه يُعترض على تفسيرها بأنها ثيابُ قطن معلومة من كرسف ، وهو
القطن، ولكن (٤) الاعتراض على هذين الفصلين قد يجاب عنه بأنه لا ينكر تكرّار المعنى
الواحد بلفظين مختلفين فى كلام العرب للتأكيد كما قال تعالى : ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ (٥)،
وقد قال ابن وهب: السَّحول : قطن ليس بالجيّد (٦) ، وقد كره مالك وعامة العلماء تكفين
(١) ساقطة من المعلم .
ـبـ
(٢) سقط من س .
(٣) وقال ياقوت: هى قبيلة من اليمن، وهو السحول بن سوادة بن عمرو بن سعد بن عوف، وينتهى إلى
الهميسع بن حمير بن سبأ ، قرية من قرى اليمن ، يحمل منها ثياب قطن بيض . قال طرفة بن العبد:
يمان وشَتْه رَيْدٌ وسُحول
وبالسفح آياتٌ كأنَّ رسومها
ريدة وسحول : قریتان ، أراد وشته أهل ريدة وسحول . معجم البلدان ١٩٥/٣ .
(٤) فى س : وكان .
(٥) فاطر : ٢٧ . وقد قال عكرمة : الغرابيب : الجبال الطوال السود ، قال ابن كثير: وكذا قال أبو مالك ،
وعطاء الخراسانى وقتادة . وقال ابن جرير: والعرب إذا وصفوا الأسود بكثرة السواد قالوا : أسود غربيب .
تفسير القرآن العظيم ٦ / ٥٣٠، تفسير الطبرى ٢٢ / ٨٦ .
(٦) وقال الليث: السَّحيلُ والجمع السُحُل ثوبٌ لا يُبَرَمُ غزله، أى لا يفتل طاقتين، يقال: سحلوه : أى لم
يقتلوا سُداه . معجم البلدان.

٣٩٤
كتاب الجنائز / باب فى كفن الميت
وَعَبْدَةُ وَوَكِيْعٌ . ح وَحَدَّثَنَهُ يَحْتَى بِنُ يَحْنَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، كلُّهُمْ عَنْ
هِشَامٍ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ . وَلَيْسَ فِى حَدِثِهِمْ قِصَّةُ عَبْدِ اللهِبْنِ أَبِی بَكْرٍ.
٤٧ _ ( ... ) وحدّثَنِى ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثْنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
الموتى ذكرانًا وإناثًا فى الحرير (١) ، قال ابن المنذر : ولا أحفظ خلافه .
قال القاضى : وأجازه ابن حبيب للإناث ، وعن مالك أنه إن وقع ذلك ، وفُعِل فى
الرجال والنساء فواسعٌ مع كراهيتها له .
وقولها: (( ليس فيها قميص ، ولا عمامة )) ، قال الإمام : استحب الشافعى ألا يكون
فى الكفن قميص ولا عمامة، فحمل الشافعى قولها: ((ليس [ فيها ] (٢) قميص ولا
عمامة )) على أن ذلك ليس فى الكفن بموجودٍ ويحمله مالك علي أنه ليس بمعدود ، بل
يحتمل أن تكون الثلاثة الأثواب زيادةٌ على القميص والعمامة ، ويرجح الشافعى تأويله بقول
الراوى وأما الحلة (٣) فإنما شُبِّه على الناس فيها [بأنها ] (٤) اشتريت له ليُكَفَّنَ فيها فتُرِكَت
الحُلَّة، وكُفِّن فى سواها (٥) ، ويحتج أيضا من جهة القياس بأنها لُبسة (٦) فى حالة
المقصود فيها التقرب ، والخضوع ، فشابهت لُبسةَ الْمُحرِمِ [الذى لم يُشرع فيها قميصٌ ولاً
عمامة، واحتج ] (٧) أصحابنا بإعطائه - عليه السلام - القميص [ لعبد الله ] (٨) بن أبى
ابن سلول ، وانفصلوا عن هذا الحديث بأنه(٩) [قد ] (١٠) قيل: إنما أعطاه ذلك عِوَضًا
عن القميص الذى كسا العباس .
قال القاضى : حكى ابن القصَّار أن القميص والعمامةَ غير مستحب عند مالك [ ونحوه
عن ابن القاسم كقول الشافعى ، وهذا خلاف ما حكاه مقدمو أصحابنا / ابن القاسم وغيره
عن مالك ] (١١) . وغيره من أنه يُقُمَّصُ، ويُعَمَّم، وهو قول أبى حنيفة (١٢) ، فعلى
قوله: ((لا يُقُمَّص)) يدرج فى ثلاثة أثواب على ما روى عنه، وعلى قوله: ((يُقَمَّص،
ويعمّم )) يدرج فى ثلاثة أثواب فتكون خمسةٌ، على ما قاله بعض شيوخنا، [ وقد ] (١٣)
١/١٥٤
(١) قلت : الإجماع منعقدٌ فى حق الرجال دون النساء. راجع الاستذكار ٢١٦/٨.
(٣) ما فى المطبوعة : أمَّا الْحُلَّة .
(٢) من ع ، وما فى الإكمال فهو : فيه .
(٤) من ع ، وما فى المطبوعة : أنها .
(٥) الذى فى المطبوعة: ثلاثة أثوابٍ بيضٍ سَحولَيَّة. وفى المعلم: فيما سواها.
(٦) الذى فى الإكمال: لبسته ، والمثبت وهو الصحيح من ع .
(٩) فى س : فإن .
(٧) من المعلم .
(١٠) ساقطة من س .
(٨) من س ، والمعلم .
(١١) سقط من س .
(١٢) وذلك لما روى أنه عَُّ ((كُفْن فى ثلاثةِ أثوابٍ نَجْرَانيَّةٍ، الحلة ثوبان وقميصه الذى مات فيه)). أخرجه
أبو داود من حديث ابن عباس ٢/ ١٧٧ .
(١٣) ساقطة من س .

٣٩٥
كتاب الجنائز / باب فی کفن الميت
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ◌َُّ، فَقُلْتُ لَهَا: فِى كَمْ كُفِّنَ
رَسُولُ اللهِ عَْ؟ فَقَالَتْ: فِى ثَلاثَةِ أَثْوَبٍ سَّخُولِيَّةٍ.
جاء عنه - أيضا - : لا بأس بالقميص فى الكفن ، ويكفن معه بثوبين فوقه ، فهذا على
قوله ثلاثةُ أثوابٍ. وقولها: ((وأما الحلة فإنما شُبه على الناس [ فيها ] (١) لأنها (٢)
اشتريت لِيُكَفَّن فيها، فتركت الحُلَّةُ وكفن فى ثلاثة أثواب))، وفى الحديث بعده: ((أدرج
رسول الله ﴾ فى حلة يَمنَّة كانت لعبد الله بن أبى بكر، ثم نزعت عنه)) كذا عند
العذرى من رواية الأسدى عنه: ((يَمنيّة))، وللصدفى عنه: ((يمانيَّة)) كل ذلك منسوبٌ
إلى اليمن، وعند الفارسى: (( حُلَّةٌ يُمْنَةٌ)) بضم الياء وسكون الميم وهو صحيح ، ويتكلم
به على الإضافة : حلة يُمْنَةِ . [ قال الخليل: هى ضرب من برود اليمن ، وقال أبو عبيد:
الحلة : برود اليمن، والحُلَّة: إزار ورداء، لا يسمى حلة ] (٣) حتى يكونا ثوبين ، وقد
تقدم تفسيره .
(١) من المطبوعة .
(٢) فى المطبوعة : أنها .
(٣) سقط من س .

٣٩٦
كتاب الجنائز / باب تسجية الميت
(١٤) باب تسجية الميت
٤٨ _ (٩٤٢) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَحَسَنُ الْحُلْوَانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْد - قَالَ عَبْدٌ:
أَخْبَرَنِى. وقَالَ الآخَرَانِ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْد - حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ
صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَبٍ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ
قَالَتْ: سُجِّىَ رَسُولُ اللهَ عَِّ حِينَ مَاتَ بِثَوْبِ حِبَرَةٍ.
( ... ) وحدّثناه إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيّد، قَالاَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق. قَالَ:
وقولها فى الحديث الآخر : (( سُجّى رسولُ الله عٌَّ [ حين مات ] (١) بثوب حبَرَةٍ)
تفسير اليُمنة المتقدمةَ، وتفسير معنى قولها قبل: (( أدرج فيها ثم نزعت عنه )) على ظاهر ما
قال فى الحديث .
وفى هذا تسجيةُ المِيِّتِ فى الثياب، وتغطية وجهه، على ما مضى به العمل ، لتغيَّر صفته
بالموت ، عما كانت عليه. قال: واستدل بعضهم من قولها: (( ليس فيها قميص)) أن
القميص الذى غُسِّل فيه - عليه السلام - ونهوا عن نزعه حينئذٍ نزع عنه حين كُفِّن، وسُتر
بالأكفان ؛ ولأنها [ كانت مبتلة ] (٢)، ولا يتفق كفنه فيه [ وهى مبلولة] (٣). وهذا إنما
يتجه على تأويل من تأول: ((ليس فيها قميص)): أى ليس فى الأكفان جُملةً، لا فى
الثلاثة خاصة، وقد ذكر أبو داود عن ابن عباس: (( كفن النبى معَّه فى ثلاثة أثواب،
الحلة ثوبان، وقميصه الذى مات فيه)) (٤)، وروى عنه ((فى سبعة))، قيل: الثلاثة التى
أدرج فيها ، والعمامة والقميص ، والسراويل، والقطيفة التى فرشت فى قبره - عليه السلام -
فعدوها سابعة ، وقد روى أنهم لما فرغوا من غسلهِ نزعوا القميص حين أدرج فى أكفانه ،
فأخذها عبد الله بن أبى بكر ليُكَفَّن فيها ، ثم تركها ، وقال: ((لم يرضها الله لنبيه )).
وأما ما ذكره من خبر قميص ابن أُبيِّ ، فالأصح فى ذلك أن ابنه [عبد الله ] (٥) طلب
ذلك منه ليتبرَّك به، فأجابه النبى عَّه إلى ذلك، وكان ابنه من جلة الصحابة والفضلاء،
(٢) فى الأصل : كان مبتلاً ، والمثبت من س .
(١) من المطبوعة .
(٣) فى الأصل : وهو مبلول ، والمثبت من س .
(٤) سنن أبى داود، ك الجنائز، ب فى الكفن ١٧٧/٢ سبق، أخرجه أحمد والبزار من حديث على بن أبى
طالب ثم قال البزار بعده : ولا نعلم أحدًا تابَع ابن عقيل على رواية هذه ، تفرد به حمادٌّ عنه . كشف
الأستار ٤٠١/١، أحمد فى المسند ٩٤/١، وقال الهيثمى: إسناده حسن. مجمع ٢٣/٣.
(٥) سقط من س .

٣٩٧
كتاب الجنائز / باب تسجیة الميت
أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّتْنَا عَبّدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا
شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، سَوَاءٌ.
وقد جاءت القصة مفسرةً فى صحيح البخارى (١) . وإلى القول الأول مال سفيان بن عيينة،
وقد خرَّج - أيضا - تلك القصة الأخرى (٢) .
وفى أمره بغسله فى القميص ونهيهم عن نزعه عنه - عليه السلام - ما يُستدل به على
ستر جسد الميت ، واستحب العلماء أن يُغسّل تحت ثوبٍ لتغّير جَسَدِه بالمرض ، وأنه كان
فى حياته يكره على أن يُطلع على ذلك منه بتلك الصفة.
(١) البخارى، ك الجنائز، ب الكفن فى القميص ٩٦/٢، ٩٧ .
(٢) السابق ، ب هل يُخرج الميت من القبر واللحد لعلة ١١٦/٢، وكذا فى الجهاد والسير ، ب الكسوة
للأسارى ٧٣/٤ ، واللباس ، ب لبس القميص ٧/ ١٨٤ ، كلاهما من حديث جابر .
٠

٣٩٨
كتاب الجنائز / باب فى تحسين كفن الميت
(١٥) باب فی تحسین کفن الميت
٤٩ - (٩٤٣) حدّثَنَا هَرُونُ بْنُ عَبّد الله وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالاَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ
مُحَمَّد، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ
النَّبِيَّ ◌َهُ خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَّرَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ فَى كَفَنٍ غَيْرٍ طَائِلٍ ، وَقُبِرَ
ونهيه - عليه السلام - فى حديث الذى كفن فى كفن غير طائل، ودفن ليلاً أن يُقبر
الرجل بالليل حتى يُصلى عليه، إلا أن يُضطَّر إنسانٌ إلى ذلك، وقال: ((إذا كَفَّنَ
أَحَدُكم أخاه فليحسن كفنه)) فيه تعليقه - عليه السلام - الدفن بشرط الصلاة، وهذا يدل
على قول مالك ، وجمهور أصحابنا بوجوب الصلاة عليها ، إذ لا خلاف فى وجوب
الدفن، وإذا تعلق بشرط الصلاة وجب الشرط، ومعنى ((غير طائل)) : أى لا خطر له
ولا قيمةَ ، أو لا ستر فيه ، ولا كفاية أو لا نظافة فيه ولا نقاوة .
قال الإمام : اختلف عندنا فى الصلاة على الجنازة ، فقيل : فرض على الكفاية ،
وقيل: سُنة ، فمن قال : [إن ] (١) أفعاله على الوجوب قوى عنده القول بوجوبها ، [ومن
توقف فى ذلك أو قال : إننا مندوبون إليها ] (٢)، ومن قال بالندب أو التوقيف قوى عنده
القول بأنَّها سنة.
قال القاضى : ما فى هذا الحديث يؤكد (٣) وجوبها ، وأمره - عليه السلام -
بالصلاة على الجنائز، وقد استدل بعض أصحابنا بقوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ
أَبَدًا﴾ (٤)، قال بعضهم : هو من باب دليل الخطاب. وقال آخرون (٥) هو من باب أن النهى
عن الشىء أمر بِضدّ، وهذا [ كله ضعفٌ كثير وخطأ بين ] (٦) ، ليس يصح الاستدلال به
بوجهٍ من هذين الوجهين ، ولا دليل فيه على الوجوب جملةً، واستدل بعضهم بقوله: ﴿ خُذْ
مِنْ أَمَّوَالِهِمْ صَدَقَةْ ﴾ إلى قوله: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِم﴾ (٧) ، وهذا يحتمل وهو فى الدعاء أظهر (٨).
(٣) فى الأصل : ما يؤكد ، والمثبت من س .
(٦) فى س : ضعيف وخطأ كثيرٌ بَيِّنٌ .
(٥) فى س : آخر .
(١، ٢) من ع .
(٤) التوبة : ٨٤.
(٧) التوبة : ١٠٣ .
(٨) جمهور علماء المسلمين من الصحابة والتابعين على أنه لا يجوز أن تُتْرك الصَّلاةُ على مسلم مات، وأنه لا
يجوز دفنه دون أن يُصّلى عليه ، وذلك لما جاء فى حديث الصلاة على النجاشى ، وكذا أجمعوا على أنه
لا يجوز ترك الصلاة على المسلمين المذنبين من أجل ذنوبهم ، وإن كانوا أصحاب كبائر . راجع الاستذكار
٢٣٦/٨، مجمع الزوائد ٢/ ٦٧.
وكره مالك من بين سائر العلماء أن يُصلى أهلُ العلم والفضل على أهل البدع. الاستذكار ٢٨٥/٨.

٣٩٩
كتاب الجنائز / باب فى تحسين كفن الميت
لَيْلاً ، فَزَجَرَ النَّبِىُّ ◌َّهُ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ، إلاَّ أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى
ذَلَكَ، وَقَالَ الَِّىُّ ◌َّهُ: ((إِذَا كَفَّنَ أَحَدُّكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَتَهُ».
ونهيه فيه عن الدفن بالليل جمهور العلماء والسلف (١) على جواز الدفن ليلا، إلا ما
روى عن الحسن من كراهيته (٢) إلا لضرورة ، وأما فى الأوقات المنهى عن الصلاة فيها،
فاختلف فى الدفن ، والصلاة فيها السلف والخلف ، ومشهور مذهب مالك ، وأصحابه لا
يُصلى عليها حينئذٍ ، وعند ابن عبد الحكم جواز الصلاة عليها فى كل وقت ، وهو قول
الشافعى كالفرائض ، وقال أبو حنيفة : لا يصلى عليها عند الطلوع والغروب ونصف
النهار، وقال الثورى : لا يصلى عليها بعد الفجر حتى تطلع الشمس ولا عند الغروب، ولا
نصف النهار (٣) وقال الليث: تكره الصلاة عليها فى الأوقات التى تكره فيها الصلاة (٤)،
واختلف فى تأويل نهيه - عليه السلام - عن ذلك ، فقيل : للعلة التى ذكر من قوله :
((حتى يصلى عليه))، يعنى لئلاً يفوته صلاته عليه هو - عليه السلام - وصلاة الكثير (٥)
من المسلمين وجماعتهم لتناله بركة صلاته - عليه السلام - ودعائه ، ودعاء المسلمين/
وصالحيهم ، بخلاف دفن الليل الذى إنما يحضره الخصوص والآحاد ، وقيل : بل للعلة
الأخرى المذكورة [ فى الحديث] (٦)، ولقوله (٧): ((فكفن فى كفنٍ غير طائل))، وأنهم
كانوا يفعلون ذلك بالليل لتستر إساءة الكفن، فنهى النبى معَّه عن ذلك لهذه العلة، ويدل
عليه قوله آخر الحديث: ((إذا كفن أحدكم أخاه فليُحسن كَفْنَه )).
١٥٤/ب
قال القاضى: العلَّتان بيِّنتان فى الحديث، والظاهر أن النبى معَّ قصدهما جميعًا
وعلل بهما ، وقد قيل هذا . وتحسين الكفن مأمور به ، وليس المراد به السرفَ فيه ، ولكن
[نظافته ونقاؤه، وكثافته، وستره ] (٨) وتوسطه ، وکونه من جنس لباسه فى حياته غالبا،
وهو الذى يقضى به عندنا على الورثة إذا تشاجروا فى ذلك (٩).
وقوله: ((فليُحسِن كفْنه)» : كذا ضبطناه ، عن أبى بحرٍ ، بسكون الفاء يعنى الفعل،
من عمومه ، وستره ، وعن غيره بالفتح ، وفتحها عندى أصوب وأظهر ، للفظ الحديث
(١) فى س : التوقف .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة، قال: حدثنا أبو داود، عن أبى حرة ، عن الحسن ؛ أنه كان يكره أن يدفن ليلاً،
انظر : المصنف ٣٤٧/٣.
(٣) انظر: عبد الرزاق ٣/ ٥٢٣ رقم (٦٥٦٣، ٦٥٦٤).
(٤) أخرجه عبد الرزاق برواية الليث بلفظ: ((نهانا رسول الله أن نصلى فى ثلاث ساعات ... )) الحديث.
٥٢٥/٣.
(٥) فى س : الكثرة .
(٧) فى الأصل : وقوله، والمثبت من س
(٩) وكذا للشافعى. انظر: الحاوى ٣/ ٣٠ .
(٦) سقط من س .
(٨) سقط من س .

٤٠٠
كتاب الجنائز / باب فى تحسين كفن الميت
أنه أراد الكفن نفسه ؛ لأنه الذى أنكر فى الحديث لقوله: ((بكفن غير طائل» ، وإحسانه
[أيضا] (١) من جهة الثياب سُبُوغُها، وسترها، وكثافتها ونقاؤها، ولا تكون وسخةً ولا
هجنة ، وإذا اتفق هذا جمع تحسين الثوب ، والفعل ، وقد فسره سلام بن [ أبى] (٢) مطيع
فى جامع الترمذى (٣) واختلفت عنه فى تفسيره الرواية ، ففى رواية شيخنا القاضى الشهيد
هو الصفاق ، وليس بالمرتفع ، وفى رواية غيره هو الصفاء ، يعنى النقاء والبياض.
(١) من س .
(٢) ساقطة من س .
(٣) ك الجنائز، ب ما يستحب من الأكفان ٣١٢/٣. قال سلام فيه: هو الصفاء وليس بالمرتفع.