النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
كتاب صلاة الاستسقاء / باب الدعاء فى الاستسقاء
وَاَ عَلَيْنَا. اللّهُمَّ، عَلَى الآكَامِ وَالظَّرَابٍ، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةَ، وَمَنَابت الشَّجَر)) فَانْقَلَعَتْ.
وَخَرَجْنَا نَمْشِى فِى الشَّمْسِ. قَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالك: أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ ؟
قَالَ : لاَ أَدْرِى .
٩ - ( .. ) وحدّثَنَا دَاوُدُ بْنُ، رشَّيِّد، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، حَدَّثَنِى
إِسْحَقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك. قَالَ : أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَّةٌ عَلَى عَهْد
رَسُولِ اللهِ عَّهِ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ عَّهُ يَخْطُبُ النَّسَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، إِذْ قَامَ
أَعْرَابِىٌّ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ. وَسَاقَ الَحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ. وَفِيهِ قَالَ:
والثانى يحملونه على أنه أراد من سبت إلى سبت ، وإنما هو القطعة من الزمان ، يقال :
سَبَتْ من الدهر، وسَبْتَةٌ وَسَنْبَتَة، وقد رواه الداودى: ((ستا)) وفسره : أى ستة أيام من
الدهر، أى من الجمعة إلى الجمعة ، وهو تصحيف .
قال القاضى : وأصل السبت القطع ، ومنه سمى يوم السبت ، قالوا : لأن الله تعالى
أمر فيه بنى إسرائيل بقطع الأعمال ، وقيل : لأن فيه قطع الله بعض خلف الأرض .
وقوله - عليه السلام - بعد إذ سئل الدعاءَ فى الإمساك: ((اللهم حوالينا ولا علينا ،
اللهم على الآكام والظّراب وبطون الأودية ومنابت الشجر)) : فيه استعمال أدبه الكريم
وخلقه العظيم فى الدعاء ، ومقابلة كل حال بما يليق بها ، إذ لم يدعو - عليه السلام -
برفع المطر عنهم جملة ، إذا كان غياثا من الله ورحمة ، ولكن دعا بكشف ما يضر بهم
عنهم ، وتصييره حيث يبقى نفعه ، ويوجد خصبه ، ولا يستضر به ساكن ولا ابن سبيل،
فيجب التأدب بأدبه فى مثل هذه النوازل . ومخافة التأذى بما فيه منفعة .
وقوله: (( فما أشار بيده إلى ناحية إلا انفرجت)) (١) : أى انقطعت السحاب ، وبان
بعضها من بعض ، والفرجة - بالضمّ - الخلل بين الشيئين ، وهو معنى قوله فى الحديث
الآخر: (( فانقلعت وخرجنا نمشى فى الشمس)): وفيه وشبهه من الأحاديث جواز
الاستصحاء إذا احتيج إليه وأضرَّ المطر بالناس ، ولكن ليس فيه بروز ولا صلاة . وفيه
إجابة دعوة النبى ◌ٍَّ فى الموطنين [وكرامته على ربّه ] (٢).
قال الإمام: وقوله : ((على الآكام والظّرابِ)): الآكامُ دون الجبال ، قال الثعالبى :
الأكمة أعلى من الرابية .
قال الإمام: / والظّرابُ: الروابى الصغار، واحدها ظَرِبٌ (٣)، ومنه الحديث: ((فإذا ١٤٨/أ
(١) فى المطبوعة : فما يشير بيده إلى ناحية إلا تفرّجت.
(٣) مثل كيفٌ ، ويجمع فى القلة على أظْرِبِ.
(٢) سقط من س .

٣٢٢
كتاب صلاة الاستسقاء / باب الدعاء فى الاستسقاء
((اللَّهُمّ، حَوَاَلَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا)) قَالَ: فَمَا يُشيرُ بَيَدَه إِلى نَاحِيَةٍ إِلاَّ تَفَرَّجَتْ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ
فِى مِثْلِ الْجَوْبَةِ. وسَلَ وَادِى قَنَاةَ شَهْرًا، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّ أَخْبَرَ بِجَوْدِ.
١٠ - ( ... ) وحدثنى عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرِ الْمُقَدَّمِىُّ، قَالاً:
حوت مثل الظَّرِبُ)) (١) .
وقوله: ((إلا أخبر (٢) بجود)) الجود المطر الواسع الغزير.
قال القاضى : يقال : آكام ، بالفتح والمد ، وإكام ، بالكسر ، وأكم وأُكم ، بفتحها
وضمهما ، قيل : والأكمة الموضع الغليظ لا يبلغ أن يكون حجرًا يرتفع على ما حوله ،
وقال الخليل : هو تلٌّ من حجرٍ واحدٍ .
وقوله: (( حتى رأيت المدينة فى مثل الجوبة)): هى الفجوة بين البيوت ، والجوبة -
أيضا - مكان مُتَسِعٌ من الأرض ، المعنى : أن السحاب تقطّع حول المدينة مستديرا ،
وانكشف عنها حتى باينت ما جاورها مباينة الجوبة المذكورة لما حواليها ، وصارت من
الضياء والشمس بين ظلل السحاب والمطر كالأرض البيضاء من سواد البيوت ، أو السهلة
بين سواد الحزون ، وأصله القطع ، جاب يجوب جوبا إذا قطع ، قال الله تعالى: ﴿وَثَمُودَ
الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ (٣) أى نقَّبوه وخرَّقوه ، فكأنها فى متكاثب السحب حولها كالثَّقْبِ
فى الشىء، وهذا مثل قوله فى الحديث الآخر: ((مثل الإكليل)). قال أبو عبيد: الإكليل
ما أحاط بالظفر من اللحم، والإكليل - أيضا - العصابة (٤) ، وروضة مكللة محفوفة
بالنور، وأصله الاستعارة ، ومنه سمى الحوق ، وهو ما أحاط بالكمرة(٥) إكليلاً، وقال
الداودى: ((مثله الجوبة)): أى كالحوض المستدير، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ
كَالْجَواب﴾ (٦) ، ولم يقل شيئًا ، وإنما واحدة الجوابى جابية .
وقوله: ((وسال وادى قناة شهرًا)»: قناة اسم الوادى نفسه ، وهو من أودية المدينة ،
وعليه حَرْث فَأضافه إلى نفسَه (٧) ، أو يكون سمى المكان قناة ، وقد جاء فى غير الكتاب:
(١) جزء حديث أخرجه البخارى فى صحيحه ، ومالك فى موطئه ، البخارى ك الشركة، ب الشركة فى الطعام
والنهد والعروض ٢/ ١٨٠، مالك فى صفة النبى عَّ، ب جامع ما جاء فى الطعام والشراب ٢/ ٩٣٠.
من حديث جابر .
(٢) فى المعلم : أخبره .
(٣) الفجر : ٩ .
(٤) فى الأصل : العصايب ، والمثبت من س.
(٥) جاء فى اللسان : والحوق ما استدار بالكمرة من حروفها ، قال ثعلب : الحوق استدارة فى الذكر ،
والكمرة: رأس الذكر ، والجمع كمر .
وقد نقلها الأبى متصرفا فيها فقال : ومنه سمى الطوق وهو ما أحاط بالأكمة إكليلا ٤٨/٢ .
(٦) سبأ : ١٣.
(٧) قال فى معجم المعالم الجغرافية للسيرة النبوية : وهو وادٍ فحل يستسيل مناطق شاسعة من شرق الحجاز ، =

٣٢٣
كتاب صلاة الاستسقاء / باب الدعاء فى الاستسقاء
حَدَّثَنَا مُعْتَمَرٌ، حَدَّثْنَا عُبَيْدُ الله عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِىِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالكِ، قَالَ: كَانَ النَِّىُّ ◌َّهُ
يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَقَامَ إِلَّهِ النَّاسُ قْصَاحُّوا ، وَقَالُوا: يَانَبِىَّ اللهَ، قَحِطَ الْمَطَرُ، وَاحْمَرَّ
الشَّجَرُ ، وَهَلَكَتِ الْبَهَائِمُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ مِنْ رِوَايَةٍ عَبّدِ الأَعْلَى: فَتَقَشَّعَتْ عَنْ
الْمَدِينَةِ، فَجَعَلَتَّ تُمْطِرُ حَوَلَيْهَا، وَمَا تُمْطِرُ بِالْمَدِينَةِ قَطْرَةً، فَنَظَرْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَإِنَّها
لَفِى مِثْلِ الإِكْلِيلِ .
١١ - ( ... ) وحدّثناه أُبُوكُرَيْب، حَدَّثَنَا أَبو أُسَامَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ
ثَابِت، عَنْ أَنَس، بِنَحْوه . وَزَادَ : فَأَلَّفَ اللهُ بَيْنَ السَّحَابِ، وَمَكَنْنَا حَتَّى رَأَيْتُ الرَّجُلَ
٠
الشَّدَيْدَ تُهِمُّهُ نَفْسُهُ أَنْ يَأْتِىَ أَهْلَهُ.
((وسال الوادى قناة)) (١) على البدل.
وقوله: ((فَحِط المطر)) فى البارع: قَحِط المطرُ ، بفتح الحاء والقاف ، وقحط الناس،
بفتح القاف وكسر الحاء، وفى الأفعال معًا فى المطر ، وحكى : قُحط الناسُ (٢) بضم
القاف.
وقوله : ((واحمَّر الشجرُ )): كنايةٌ عن يُبس ورقها ، وسقوطه بالشمس ، وظهور
عودها .
وقوله: ((فألَّفَ الله بين السحاب وهَّتنا (٣) )) كذا رويناه بالهاء عن الأسدى ومعناه :
أمطرتنا ، قال الأزهرى : يقال : هال السحابُ بالمطر هللاً، والهلل المطر، ويقال : انهلَّت
أيضا، وكان عند شيوخنا الصدفى عن العذرى والخشنى عن الطبرى [وغيرهم] (٤): ((ملتنا))
بالميم مخففة مكان (( هلتنا ))، فإن لم يكن تصحيفًا من ((هلتنا)) فلعل معناه : أوسعتنا
مطرًا وسقيا ، وكذا قيَّده القاضى التميمى عند الجيانى: ((ملأتنا)) بهمزة وميم، أو يكون
تصل إلى مهد الذهب جنوبًا ، وإلى أواسط حرّة النار ، وهى حرة خيبر اليوم ، وبينهما قرابة مائتى كيل،
=
أما من الشرق فإنه يأخذ مياه الربذة ، ورحرحان ، والشقران على قرابة ١٥٠ كيلو من المدينة ، وله روافد
كبارٌ ، منها وادى نخل ، والشعبة ، والعقيق الشرقى ، وأودية فحولٌ غيرها ، وكان إذا سال قد يقطع
الطريق عن المدينة من جهة نجد شهرا أو نحوه ، وتجرى قناة بين المدينة وأحد ، فإذا اجتمع مع بطحان
وعقيق المدينة تكوَّن وادى إضم ، وهذه الأودية الثلاثة تكتنف المدينة من جميع نواحيها ، ويذهب إضم إلى
البحر الأحمر ٢٥٧ .
(١) البخارى فى صحيحه ، ك الجمعة، ب الاستسقاء فى الخطبة يوم الجمعة، ولفظه: ((وسال انوادى قناة شهرا
٠ ٢ / ١٥.
(٣) الذى فى المطبوعة من طريق أبي كريب : ومكثنا .
(٢) فى س : المطر .
(٤) من س .

٣٢٤
كتاب صلاة الاستسقاء / باب الدعاء فى الاستسقاء
١٢ - ( ... ) وحدّثْنَا هَرُونُ بْنُ سَعيد الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، حَدَّثَنَى أُسَامَةُ، أَنَّ
حَقْصَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ حَدَّثَهُ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكَ يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِىٌ
إِلَى رَسُولِ اللهِعَِّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيْثَ. وَزَادَ : فَرَأَيْتُ
السَّحَبَ يَتَمَزَّقُ كَأَنَّهُ الْمُلاَءُ حينَ تُطْوَى .
١٣ - (٨٩٨) وحدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِىِّ،
((ملتنا)) مشددة اللام من قولهم : تملَّ حبيبًا ، أى لتطل أيامك معه ، ومنه قولهم : هو
أمل به أى أوسع له ، والملى - مقصور -: الصحراء الواسعة ، أو يكون من الملل ، أى
أكثر ذلك حتى شقَّ علينا وكرهناه ، وأخبر عن منتهى الحال بهم ، حتى اشتكوا ذلك
للنبى معَّ ، وسألوه رفع ذلك عنهم .
وقوله: (( حتى رأيت الرجل الشديد تهمه نفسُهُ أن يأتى أهلَه »: أى يهتم لذلك من
شدة المطر ومشقته ، يقال: همه وأهمه ، وقيل : همّنى أذابنى ، وأهمنى أغمنى .
وقوله : ((فرأيت السحاب يتمزَّقُ كأنه الملاء حين تطوى)): الملا - مقصور - جمع
ملاءة ، وهى الريطة مثل الملحفة وشبهها ، مما ليس بلفقين (١) ، فشبَّه انقشاع السحابِ
وانجلاءة وتقطّعة عن المدينة بالملاءة المنشورة إذا طويت ، [ وهذا مثل ](٢) قوله فى الحديث
الآخر: ((وانجابت عن المدينة انجياب الثوب)) (٣) قيل: تقبَّضَتْ وتداخلت ، من قولك :
جُبت الفلاة، أى دخلتها ، وقيل : تقطّعت عنها تَقَطُّعَ الثوب ، وانكشفت عنها انكشافه ،
وفى سندها وفى سند الأيلى فى هذا الحديث : حدثنى ابن وهب ، قال : حدثنى أسامة ؛
أن حفص بن عبيد الله(٤)، كذا لهم، وعند العذرى : حدثنى سلمة، والأول الصوابُ
وهو أسامة بن زيد ، [ اللیثی ](٥) شیخ ابن وهب ، مشهور ، وذکر فی حدیث ثابت عن
أنس:((أنَّ الناس قاموا إلى النبى - عليه السلام - [ فصاحوا و] (٦) قالوا: قحط المطر)) (٧)،
وفى سائر الروايات عن أنس: ((أنَّ رجلا))، (( وجاء أعرابىٌّ)) فقيل : يحتمل أن الرجل
ابتدأ بالكلام فشايعه [ الناس ] (٨). واستغاثوا بالنبى معَّه استغاثته، فمَّرة ذكر المبتدئ
(٢) فى س : ومثل هذا .
(١) يعنى محاطة مع غيرها .
(٣) البخارى فى صحيحه، ك الاستسقاء، ب من اكتفى بصلاة الجمعة فى الاستسقاء ٣٦/٢، النسائى ك
الاستسقاء، ب متى يستسقى الإمام ١٢٥/٣ ولفظه فيهما: ((فانجابت )).
(٤) الذى فى المطبوعة : ابن عبيد الله بن أنس بن مالك.
(٥) ساقطة من الأصل ، وأسامة بن زيد هذا روى عن الزهرى ، ونافع ، وعطاء ، وابن المنكدر ، وعمرو بن
شعيب ، وعنه غير ما ذكر ابن المبارك ، والثورى ، والأوزاعى . مات سنة ثلاث وخمسين ومائة.
(٦) من س والمطبوعة .
(٨) من س .
(٧) الذى فى المطبوعة : وقالوا : يانبى الله قحط المطرُ.

٣٢٥
كتاب صلاة الاستسقاء / باب الدعاء فى الاستسقاء
عَنْ أَنَس. قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُول الله عَُّ مَطَرٌّ . قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ الله
◌َُّ ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: ((لأَنَّهُ
حَدِيثُ عَهْدِ بِرِبِّهِ تَعَالَى)) .
بالكلام، ومرة أخبر عن الجماعة ، وقيل : يحتمل أنه أراد بالناس الرجلَ الأعرابى المذكور ،
كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ (١) إنما قاله واحد، وهذا فيه بعدد [ لما جاء
بعده](٢) .
وقوله فى الحديث: (( أصابنا مطر فحسَرَ رسول الله عَّه ثوبَه حتى [ أصابه من
المطر](٣)))، وقوله: ((إنه حديث عهد بربه)) (٤). قال بعض أهل المعانى: معناه :
حديث عهد بالكون ، بإرادة الرحمة لقوله تعالى: ﴿ بَيْنَ يَدَيّ رَحْمَتِهِ ﴾ (٥) ، وقوله تعالى :
﴿مَاءً مِّبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾ الآية (٦)، وقوله: ﴿ مَاءٌ طَهُورًا. لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةَ مَّيْتًا﴾ (٧) ، بخلاف ما
أخبر به عنه فيما يقرب عهد كونه بإرادة الغضب والسخط وخوفه ، ذلك عند هبوب الرياح
وطلوع السحاب حتى تمطر ، كما جاء فى الحديث الآخر: ((أنه إذا كان يوم الريح والغيم
عرف ذلك فى وجهه وأقبل وأدبر فإذا أمطرت سُرَّ به ، ويقول : ((خشية أن يكون عذابا
سلط على أمتى)) (٨) الحديث ، حذر - عليه السلام - أن تعمهم عقوبةٌ بذنوب العاصين
[منهم] (٩)، ويقول إذا رأى المطر: ((رحمة)). وقد ذكر مسلم أحاديث فى هذا المعنى.
(١) آل عمران : ١٧٣.
(٢ ، ٣) سقط من س.
(٤) الذى فى المطبوعة : لأنه حديث عهد بربه .
(٥) الأعراف : ٥٧ ، الفرقان : ٤٨ .
(٦) ق : ٩ .
(٧) الفرقان : ٤٨، ٤٩. قال الأبى: الأظهر أن المراد قرب عهد بالإيجاد قبل أن تمسَّه الأيدى الخاطئة ولم
تدركه ملاقاة أرض عبد عليها غير الله تعالى ، وعلى القول أن أصل المطر من السماء ، فالمعنى : قرب
عهده من محل رحمة الله تعالى ، ويعنى بقرب العهد بإرادة الرحمة ظهور متعلق الإرادة ، وإلا فإرادته
تعالى قديمة . قال: وأنشد بعضهم فى معنى الحديث :
تضوع أرواح نجدٍ من ثيابهم
بعد القدوم لقرب العهد بالدار
قال السنوسى : وكما يتبرك به فلا يمتهَنَ باستعماله فى النجاسات ، كصبَّه فى مرحاض ، قال : واختار
بعضهم استعمال ماء المطر دون ماء الآبار لهذا الحديث ، والأطباء يقولون : إنه أنفع المياه ما لم يختزن ،
كاختزانه فى المراجل، الإكمال ومكمله ٤٩/٢ .
(٨) سیأتی فی الباب التالى رقم (١٤).
(٩) ساقطة من س .

٣٢٦
كتاب صلاة الاستسقاء / باب التعوذ عند رؤية الريح ... إلخ
(٣) باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم، والفرح بالمطر
١٤ - (٨٩٩) حدّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثْنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلاَلَ -
عَنْ جَعْفَرَ - وَهُوْ ابْنُ مُحَمَّدٍ - عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ زَوَّجَ النَّبِىِّ
صلابة
تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ عََّ إِذَا كَانَ يَوْمَّ الرَّحِ وَالْغَيْمِ، عُرِفَ ذَلِكَ فِى وَجْهِهِ ، وَأَقْبَلَ
وَأَدْبَرَ ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرَّ بِه، وَذَهَبَ عَنّهُ ذَلَكَ. قَالَتْ عَائشَةُ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: ((إِنِّى خَشِيتُ
أَنْ يَكُونَ عَذَابًا سُلِّطَ عَلَى أُمَّنِى)). وَيَقُولُ - إِذَا رَأَى الْمَطَرَ -: ((رَحْمَةٌ)) .
١٥ - ( ... ) وحدّثنى أُبُو الطَّاهر، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجِ
يُحْدِّثْنَا عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِىِّ ◌َُّ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِىُّ عَُّ
إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ : ((اللَّهُمَّ، إِنِّى أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ،
وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّمَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِه)). قَالَتْ: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ،
تَغََّ لَوْنُهُ ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ . فَإِذَا مَطَرَّتْ سُرِّىَ عَنْهُ ، فَعَرَفْتَّ ذَلَكَ فِى
وَجْهِهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ: ((لَعَلَّهُ، يَا عَائشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادِ: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ
عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرْنَا ﴾(١))) .
١٦ - ( .. ) وحدّثْنى هَرُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرو بْنِ الْحَارث.
ح وَحَدَّثَنِى أُبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُالله بْنُ وَهْبَ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارث؛ أَنَّ أَبَا النَّضَرَ
حَدَّثُهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِىِّ ◌َّهُ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله
يَّةِ مُسْتَجْمعًا ضاحكًا. حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ. قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى
وقوله: ((وإذا تخيلت السماءَ)) : المخيلة - بالفتح - سحابة فيها رعد وبرق ، يخيل
إليك أنها ماطرة بفتح الميم ، وأما السماء إذا تغيمت قيل : إخالت ، فهى مُخيلة بالضم ،
وهو قول أبو عبيد فى شرحه ، وضبطناه فى المصنف عنه فى السحابة مخيلة - بالضم -
وجاء فى الحديث هنا فى السماء: (( تخيلت)).
وقوله: (( ما رأيته مستجمعًا ضاحكًا ، حتى أرى لهواته )) أنه أقصى الفم ، واحدها
(١) الأحقاف: ٢٤ .

٣٢٧
كتاب صلاة الاستسقاء / باب التعوذ عند رؤية الريح ... إلخ -
غَيْمًا أَوْ رِيحًا، عُرفَ ذَلِكَ فِى وَجْهِهِ . فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَى النَّاسَ، إِذَا رَأَوُاُ
الْغَيْمَ، فَرِحَوا، رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيْهِ الْمَطَرُّ، وَأَرَاكَ رَأَيْتُهُ، عَرَفْتُ فِى وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ ؟
قَالَتْ: فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، مَا يُؤَمِّنَى أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ ، وَقَدْ
رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرْنَا ﴾)) .
لهاة، [وتجمع لهاة أيضا ] (١) وهى اللحمة الحمراء المعلقة فى أعلى الحنك قاله الأصمعى،
وقال أبو حاتم : هى ما بين منقطع اللسان إلى منقطع القلب من أعلى الفم ، ومعنى
((مستجمعًا)): أى مُجدا فى ضحكه، أتت فيه بغايته كما قالت بعد هذا: (( إنما كان
یبتسم)) .
(١) سقط من س .

٣٢٨
کتاب صلاة الاستسقاء / باب فى ريح الصبا والدبور
(٤) باب فی ریح الصبا والدبور
١٧ - (٩٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَبْنُ بَشَّارِ، قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ،
عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَِّّ ◌َُّ، أَنَّهُ قَالَ: ((نُصِرْتُ بِالصِّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ
بالدبُورِ)).
( .. ) وحدّثْنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَبَةَ وَأَبُو كُرَيْب، قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً. ح وَحَدَّثْنَا
عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَِّ بْنِ أَبَانِ الْجُعْفِىُّ. حَدَّثَنَا عَبّدَةُ - يَعْنِى ابْنَ سُلَيْمَانَ - كَلاَهُمَا
عَنِ الأَعْمَئِ، عَنَّ مَسْعُودِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبٍِّ، عَّنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَِّّ
﴾﴾ ، بمثله .
وقوله: ((نُصِرتُ بالصَّبًا وأهلكت / عادٌ بالدبور)): الصَّبا - مقصورٌ - الريح الشرقية،
والدبور - بفتح الدال ـ الغربية (١).
١٤٨/ب
(١) فى الصحاح : ومهبها المستوى أن تهبَّ من موضع مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار .
قال الطيبى : الصبا : الريح التى تجىء من ظهرك إذا استقبلت القبلة ، والدبور التى تجىء من قبل
وجهك إذا استقبلت القبلة أيضا .
ونصرته عيه بالصبا هو حين حاصرت الأحزاب المدينة يوم الخندق، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْا
عَلَيْهِمْ رِيحًاً وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ﴾ [ الأحزاب: ٩] .
قال الأعرابى : فإن قلت : كل من الريحين وقع به نصر وهلاك ، فبالصبا نصرته عَّه وهلكة قومه ،
وبالدبور نصر هود - عليه السلام - وهلك قومه ، فلم روعى فى الصبا طرف النصرة وفى الدبور طرف
الهلاك؟ قلت: روعى فى كلٌّ من الريحين ما جاءت له، فالصَّبا إنما جاءت لنصرته عَّه على الأحزاب
والدبور إنما جاءت لهلاك عاد حين عتوا ٢/ ٥١ .

٣٢٩
کتاب الكسوف / باب صلاة الكسوف
بسم الله الرحمن الرحيم
١٠ - كتاب الكسوف
(١) باب صلاة الكسوف
١ - (٩٠١) وحدّثَنَا قُتَيَّةُ بْنُ سَعيد، عَنْ مَالكِ بْنِ أَنَس، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ. ح وَحَدَّثْنَا أَبُو بَكْرٍ بَنُّ أَبِى شَيْئَةَ - وَلَّفْظُ لَّهُ - قَالَ: حَدََّنَا عَبْدُ الله بْنُ
أحاديث صلاة الكسوف
ذهب بعض أهل اللغة المتقدمين إلى أنه لا يقال فى الشمس إلا خسفت ، وفى القمر
كُف ، وذكر بعضهم هذا عن عروة ، ولا يصح عنه والقرآن (١) يرده ، قال الله تعالى:
﴿ وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ (٢)، والذى فى كتاب مسلم عن عروة: لا تقل (٣) كسفتُ الشمسُ،
ولكن (٤) خسَفَتْ ، ويقال بفتح الخاء ، وهى لغة القرآن ، وبضمها على ما لم يسم فاعله،
وقال ابن دريد : يقال : خسف القمر وإنكسفت الشمس ، وقال بعضهم : لا يقال :
انكسف القمر أصلاً ، إنما يقال: خسف القمر وكسفت الشمس، وكسفها والله [وكُسفت] (٥)
فهى مكسوفة ، وقيل : هو بمعنى (٦) فيهما . وقال الليث بن سعد : الخسوف فى الكل
والكسوف فى البعض ، وقال [ أبو عمر ] (٧) : الخسوف عند أهل اللغة : ذهاب لونها ،
والكسوف : تغييره (٨) . وقد جاء فى الأحاديث الصحاح فى مسلم وغيره (٩) : كسفت
الشمس وخسفت وانكسفت . وأن الشمس والقمر لا يخسفان ولا يكسفان ولا ينكسفان ،
فإذا خسفا وإذا كسفا .
(١) فى س : فالقرآن .
(٢) القيامة : ٨.
(٣) فى س : يقال ، والمثبت من الأصل والمطبوعة .
(٤) فى المطبوعة بعدها : قل .
(٥) من س .
(٦) فى الأصل : لمعنى ، والمثبت من س .
(٧) فى الأصل : عمر ، والمثبت من س.
(٨) قال أبو عمر : قال أهل اللغة : خسفت : إذا ذهب ضوؤها ولونها . وكسفت إذا تغير لونها ، يقال: بئر
خسيف إذا ذهب ماؤها . وفلان كاسف اللون أى متغير اللون . ومنهم من يجعل الخسوف والكسوف
واحدًا والأول أولى . التمهيد ١١٦/٢٢ .
(٩) البخارى فى صحيحه، ك الكسوف، ب الصلاة فى كسوف الشمس (١٠٤٠ - ١٠٤٨)، أبو داود ك
الصلاة ، ب صلاة الكسوف ( ١١٧٧، ١١٧٨)، النسائى، ك الكسوف، ب كسوف الشمس والقمر
(١٤٥٩)، ابن ماجه، ك إقامة الصلاة والسنة فيها، ب ما جاء فى صلاة الكسوف (١٢٦١)، الدارمى ك
الصلاة، ب الصلاة عند الكسوف ١/ ٣٥٩ . أحمد فى المسند ١١٨/٢، ١٨٨، ٣١٨/٣.

كتاب الكسوف / باب صلاة الكسوف
٣٣٠
نُمَيّر، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ ؛ عَنْ عَائِشَةَ . قَالَتْ : خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِى عَهْد رَسُول الله
ذكر مسلم صلاة النبى عليه فى كسوف الشمس، وهى سنة عند جميع الفقهاء،
وكذلك التجميع لها ، وحكى الخطابى عن العراقيين أنه لا يُجَمَّع لها (١) ، واختلفوا فى
صفتها ، فجمهورهم على ما جاء فى حديث عائشة من رواية عمرة وعروة وما وافقه من
الأحاديث عن ابن عباس وجابر وعبد الله بن عمرو بن العاص بأنها ركعتان ، فى كل ركعة
ركعتان وسجدتان . قال أبو عمر : وهذا أصح ما فى هذا الباب . وغيره من الروايات التى
خالفتها معلولةٌ ضعيفة وهذا قول مالك والشافعى والليث وأحمد وأبى ثور وجمهور علماء
أهل الحجاز ، وقال أهل الكوفة : هما ركعتان كسائر النوافل على ظاهر حديث أبى سمرة
وأبى بكرة: ((أنَّه صلى ركعتين ))، وحمله أصحابنا أنَّ الأحاديث الأخر تفسِرها بأنها
ركعتان، فى كل ركعة ركعتان . وقد ذكر مسلم من طريق عائشة [ وابن عباس وجابر :
ركعتان ، فى كل ركعة ثلاث ركعات ، وقد ذكر عن ] (٢) ابن عباس - أيضا - وعن على
ابن أبى طالب : ركعتان ، فى كل ركعة أربع ركعات (٣) ، والروايات الأول أصح ،
ورواته أحفظ وأضبط ، وذكر أبو داود من حديث أبى بن كعب : ((ركعتان ، فى كل ركعة
خمس ركعات)) (٤) ، وقد قال بكل مذهب منها بعض الصحابة .
قال الإمام : قال بعض أهل العلم : إنما ذلك حسب مكث الكسوف ، فما طال مكثه
زاد تكرير الركوع فيه ، وما قصر اقتصر فيه ، وما توسط اقتصد فيه .
قال القاضى : وإلى هذا نحا الخطابى وإسحق بن راهويه وغيرهما (٥) . وقد يُعترض
عليه بأن طولها ودوامَها لا يُعلم من أول الحال ولا من الركعة الأولى ، وقد جاء بالركعتين
(١) فقال: وأهل العراق يصلون منفردين. معالم السنن ٢/ ٤٠ .
(٢) سقط من س .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف ١٠٣/٣، ولفظه عن على: أنه أمَّ الناس فى المسجد لكسوف الشمس ،
قال حنش : فجهر بالقراءة ، فقام ، فقرأ ثم ركع ، ثم قام فدعا ، ثم ركع أربع ركعات فى سجدة، يدعو
فيهن بعد الركوع ، ثم فعل فى الثانية مثل ذلك .
قلت: حنش هو ابن المعتمر وابن ربيعة ضعفوه .
(٤) ك الصلاة، ب من قال: أربع ركعات ١/ ٢٧٠ بلفظ: ((صلَّى بهم فقرأ بسورة من الطول، وركع خمس
ركعات ، وسجد سجدتين ، ثم قام الثانية فقرأ سورة من الطول ، وركع خمس ركعات ، وسجد سجدتين
ثم جلس )).
وقد أخرجه ابن أبى شيبة عن الحسن عن على بلفظ: (( أن عليا صلى فى الكسوف عشر ركعات
بأربع سجدات٨ ٤٦٨/٢.
(٥) راجع معالم السنن ٤٥/٢ .
وفى التمهيد : قال إسحق بن راهويه فى صلاة الكسوف : إن شاء أربع ركعات فى ركعتين ، وإن شاء
ست ركعات ، كل ذلك مؤتلف يُصدّق بعضه بعضا ؛ لأنه إنما كان يزيد فى الركوع إذا لم ير الشمس قد
تجلَّت ، فإذا تجلَّت سجد ، قال : فمن هاهنا زيادة الركعات ، ولا يجاوز بذلك أربع ركعات فى كل
ركعة؛ لأنه لم يأتنا عن النبى معَّه أكثر من ذلك ٣١٣/٣ .

٣٣١
کتاب الکسوف / باب صلاة الكسوف
عَّهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ عَِّ يُصَلِّى، فَأَطَالَ الْقِيَامَ جدًّا، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدّاً ، ثُمَّ
فى كل رواية على صفة واحدة ، مع أن كون النبى معَّه فى الصلاة فى المسجد لا يكاد يحقق
أمرها منه (١) يَرُد قولَ بعض الكوفيين أنَّ رفع النبى معَّه من الركوع ثم رجوعه إليه إنما كان
ليتطلع حالَ الشمس لا لقصده القيام آخر ، إذ لا يصل إلى ذلك فى صلاته فى المسجد وهو
مُظَلّلٌ معرَّشٌ ، ولا روى أحدٌ أنه بَرزَ لها فى الصحراء ، مع أن التطويل فى القيام الثانى
يشهد ببطلان هذا التأويل وبعدها ، وإن كان روى عن بعض السلف أنه إذا ركع فقال:
سمع الله لمن حمده ، نظر ، فإن لم تنجل قرأ ثم ركع ، فإذا قال : سمع الله لمن حمده ،
نظر، وهكذا أبدا لا يسجَدُ حتى تنجلى (٢) وقال بعض العلماء: صلى النبى معَّه الكسوف
غيرَ مرة ، وفي غير سنةٍ فروى كلَّ واحد ما شاهده من صلاته، وضبطه عن فعله واختلافُ
صلاته فيها بحسب دوام الكسوف وخفته ، وأن الأمر موسع ؛ ولهذا نحا الطبرى وإسحق
وابن المنذر، ورأوا أن المصلى لها مخيَّرٌ أن يأخذ بما شاء من هذه الأحاديث، إن شاء ركعتين،
وإن شاء أربعَ ركعات فى ركعتين. وإن شاء ثلاثا فى كل ركعة، وإن شاء أربعًا (٣).
وقوله فى حديث هشام: (( فأطال القيام جداً)) ، وذكر فى كل قيام وركوع من الركعة
الأولى كذلك مع قوله وهو دون الأول (٤) سنة صلاة كسوف الشمس لا إطالةً فيها عند
مالك والشافعى وعامة العلماء ، كما جاء فى الأحاديث الصحيحة (٥) فى ذلك من تقدير
قراءتها بالسور الطوال ، وقد جاء حديث آخر أنه قرأ - عليه السلام - بالنجم (٦)، وروى
عن قوم من السلف والصحابة أنه قرأ فيها بـ ﴿ يسَ﴾(٧) و﴿ سَأَلَ سَائِلٌ﴾ (٨) ونحو هذا،
ومجملها ليجمع بين الأحاديث أنها فى كسوف القمر إذ لم يأت هناك بيان أن قراءته - عليه
سـ
(١) فى الأصل : منها ، والمثبت من س .
(٢) هى رواية ثعلبة بن عبّاد العبدى من أهل البصرة ، أخرجه أبو داود فى ك صلاة الكسوف ، ب من قال:
أربع ركعات ٢٦٩/١، والترمذى وابن ماجه مختصرًا، والنسائى مطوّلًا فى الكبرى ، ك كسوف الشمس
والقمر ، ب نوع آخر من صلاة الكسوف ٥٧٥/١، وانظر : مختصر سنن أبى داود ٢/ ٤٢ .
(٣) انظر: التمهيد ٣١٢/٣، ٣١٣، مختصر سنن أبى داود لابن القيم ٤٣/٢.
(٤) الذى فى المطبوعة : وهو دون القيام الأول .
(٥) البخارى، ك الكسوف، ب خطبة الإمام فى الكسوف (١٠٤٦)، ومالك فى الموطأ، ك صلاة الكسوف،
ب العمل فى صلاة الكسوف ١٨٦/١، ١٨٧، والنسائى ، ك صلاة الكسوف ، ب قدر القراءة فى صلاة
الكسوف ١٤٩٣ .
(٦) مصنف ابن أبى شيبة ، ك الصلوات ، ب ما يقرؤون فى الكسوف ٢/ ٤٧١.
(٧) يس : ١ .
(٨) المعارج: ١ .

٣٣٢ -
-
کتاب الکسوف / باب صلاة الكسوف
رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدّاً، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرَّكُوعَ جِدّاً، وَهُوَ
دُونَ الرَّكُوعِ الأَوَّلِ ، ثُمَّ سَجَدَ ، ثُم قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ
فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرَّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَه فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ
الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرَّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرَّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ . ثُمَّ انْصَرَفَ
السلام بالنجم كانت فى كسوف الشمس . واختلف المذهب عندنا ، هل نقرأ فى كل ركعة
من الأربع بأم القرآن وهو المنصوص عن مالك ؟ أم لا يقرؤها إلا فى الأولى من كل ركعة؟
وهو قول محمد بن مسلمة (١) .
وقوله: فى جميعها: ((وهو دون القيام الأول ))، وفى الركوع: (( وهو دون الركوع
الأول)) : لا إشكال فى القيام الثانى والركوع الثانى من الركعة الأولى ، ولا خلاف فيه
بين العلماء أنه أقصر مما قبلها (٢) ، وكذلك القيام الثانى والركوع الثانى من الركعة الثانية
أنه أقصر مما قبلهما . واختلف العلماء فى القيام الأول والركوع الأول من الركعة الثانية ،
هل هو أقصر من القيام الثانى والركوع الثانى من الأول وأنه معنى (٣) [ قوله ] (٤): ((دون
القيام الأول )) أو مساوٍ لذلك وأقصر من أول قيام وأول ركوع ؟ وأن هذا معنى قوله:
((دون(٥) القيام الأول)). والركوع الأول [ من الركعة الثانية، هل هو أقصر](٦) والوجه
الأول أظهر ، وهو قول مالك : أن كل ركعة دون التى قبلها ، وهو مقتضى الحديث؛ لأنه
كذلك قال فى كل قيام وركعة أنه [ دون التى قبلها ] (٧) ودون/ الأول ، يَدُل أنه يريد
الذى قبله ، ويعضده قوله فى الحديث الآخر عن جابر: (( [ ليس منها ركعة ](٨) إلا التى
قبلها أطول من التى بعدها )) .
١/١٤٩
وقوله: (( ثم انصرف وقد تجلت الشمس فخطب الناس)) : يحتج به الشافعى وإسحق
والطبرى وفقهاء أصحاب الحديث فى كون الخطبة مشروعة فى صلاة الكسوف ، ومالك
وأبو حنيفة لا يريان (٩) ذلك، وحجتهما (١٠) أن خطبة النبى معَّه إنما كانت الإعلام الناس
أنَّ الكسوف آيةٌ ، وأنه ليس على ما قالوه من كسوفها لموت إبراهيم - عليه السلام - ولموت
عظيم ، على ما كانت [تقوله ] (١١) الجاهلية، قيل: ولتعليمه سنتها لقوله: ((فإذا
رأيتموهما (١٢) فافزعوا للصلاة))، وبما أطلع عليه من أمر الجنة والنار فى صلاته ، وهذا
(١) من المالكية .
(٤) ساقطة من الأصل .
(٣) فى الأصل : بمعنى.
(٢) فى الأصل : قبلهما .
(٥) من هامش الأصل .
(٨) لفظها فى المطبوعة : ليس فيها ركعة .
(١٠) فى س : وحجتهم.
(١١) ساقطة من س .
(٦، ٧) سقط من س .
(٩) فى س : لا يرون .
(١٢) فى المطبوعة : رأيتوها .

٣٣٣
کتاب الکسوف / باب صلاة الكسوف
رَسُولُ اللهِ عٍَّ وَقَدْ تَجَلَّت الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللهَ وَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ
الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وَإِنَّهُمَا لاَ يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لحَيَاتِه ، فَإِذَا
خاص به - عليه السلام (١)
.
وقوله ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله)): خصَّهما [بهذا ] (٢) وكل شىء له
آية لمعان كثيرة ، منها نفى ما كان تعتقده الجاهلية فيهما ، ويقوله أهل الفضاء والنجوم من
دليلهما على ما يحدث فى العالم ، ألا ترى كيف قال فى الحديث: ((انكسفت الشمس يوم
مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم))، وفى الحديث الآخر: ((وكانوا
يقولون: لا يخسفان إلا لموت عظيم))، وكيف وصل كلامه هذا بقوله: ((لا يخسفان (٣)
لموت أحد ولا لحياته ))، وأيضا [فلما كان كثير ] (٤) من الكفرة يعتقد فيهما من التعظيم ،
لأنهما أعظم الأنوار الظاهرة ، حتى ارتقى الحال ببعضهم إلى عبادتهما ، وقال جماعة من
الضلال بتأثيرهما فى العالم ، فأعلم النبى عَّ أنهما آيتان على حدوثهما وتفصيهما عن
هذه المرتبة لِطُروء التغيُّر والنقص عليهما ، وإزالة نورهما الذى به (٥) عُظِّما فى النفوس
عنهما، وأيضا فلما جاء أن القيامة تكون وهما مكسوفان ، ولهذا - والله أعلم - جاء فى
الحديث الآخر: ((فقام فزعًا يخشى أن تكون الساعة)) فقيل : فى هذا آيتان على قيام
الساعة ، وأيضا فإن الآيات غيرها من طلوعهما وإشراقهما وجرى البحار وتفجر الأنهار ونمو
الثمار وغير ذلك مألوفٌ، وليس فيها تغيُّر حال ، وهذه [غيرُ ] (٦) مألوفة فى سائر الأيام
والليالى، وإلى هذا أشار بقوله فى الرواية الأخرى: ((يخوِّف الله بهما عباده)). وفيه أنه
ليس فى قولهم : كسفت لموت إبراهيم ، ما يوجب تكفيرَ قائله ؛ لأنه لم يجعل الفعل فى
ذلك لغير الله، وإنما قال ذلك القائل إنهما كالدليل والعلامة فكذب ذلك النبيُّ عَّ،
وأن كسوفهما ليس إلا لما (٧) ذكره.
(١) قال الصنعانى فى سبل السلام: وفى قوله: ((خطب الناس)) دليل على شرعية الخطبة بعد صلاة الكسوف
وإلى استحبابها ذهب الشافعى وأكثر أئمة الحديث . وعن الحنفية : لا خطبة فى الكسوف لأنها لم تنقل ،
وتعقب بالأحاديث المصرحة بالخطبة والقول بأن الذى فعله عَّه لم يقصد به الخطبة بل قصد الرد على من
اعتقد أن الكسوف بسبب موت أحد متعقب بأن رواية البخارى: (( فحمد الله وأثنى عليه)» ، وفى رواية :
((وشهد أنه عبده ورسوله))، وفى رواية للبخارى: ((أنه ذكر أحوال الجنة والنار وغير ذلك)) وهذه مقاصد
الخطبة ، أ.هـ سبل السلام ٢/ ٧٢ .
(٢) ساقطة من س
(٣) لفظها فى المطبوعة: ((لا ينخسفان)).
(٤) فى المطبوعة : فإن كثيرا .
(٥) فى الأصل: بهما .
(٦) ساقطة من س .
(٧) فى الأصل : ما .

٣٣٤
کتاب الکسوف / باب صلاة الكسوف
رَأَيْتُمُوهُمَا فَكَبِّرُوا، وَادْعُوا اللهَ وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا. يَا أُمَّةَ مُحَمَّد، إنْ مِنْ أَحَدِ أَغْيَرَ مِنَ
الله أَنْ يَزْنِىَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِىَ أَمَنُّهُ. يَا أُمَّةَ مُحَمَّد، وَالله، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَّيْتُمْ كَثِيرًاً
وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلاَ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟ )). وَفِى رَوَايَةٍ مَالك: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ
آيات الله )».
٢ - ( .. ) حدّثَنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَاَ
الإِسْنَادِ. وَزَادَ: ثُمَّ قَالَ: (( أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ الله ))، وَزَادَ أَيْضًا: ثُمَّ
رَفَعَ يَدَّهِ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ، هَلْ بَلَّغْتُ)) .
٣ - ( ... ) حدّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنِى ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونَسُ. ح
وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِى، قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ،
عَنِ ابْنِ شِهَبٍ ، قَالَ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِّ ◌َُّ، قَالَتْ:
وقوله: (( يا أمة محمد، ما من أحد أغيرُ من الله)) (١)، قال الإمام : معناه : [ ما
من أحد ] (٢) أمنعُ للفواحش من الله ، والغيور يمنع حريمه [ وكلما ] (٣) زادت غيرته زاد
منعه ، فاستعير لمنع البارى سبحانه عن معاصيه اسم الغيرة مجازًا واتساعًا ، وخاطبهم النبى
عَ﴾ بما يفهمونه .
قال القاضى: قيل : الغيرة مشتق من تغيَّر حال الغيران [ لما رآه ] (٤) من قبيح فعل
من غار (٥) عليه ، [ وتغيُرُ قلبه وهيجان حفيظته بسبب هتك حريمه لديه عنهم ، ومنعهم
من ذاك ] (٦) ، والله تعالى يتقدّس (٧) عن تغير ذاته وصفاته ، وغيرته ما غيره من حال
العاصى كان بانتقامه منه وأخذه له ، ومعاقبته فى الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ
حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ (٨) .
وقوله: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)»، قال القاضى : قال
الباجى : يريد أنه - عليه السلام - قد خصه الله بعلمٍ لا يعلمه غيره، ولعله مما رآه فى
(١) الذى فى المطبوعة: ((إن من أحد أغير من الله))، والذى فى المعلم: ((ما أحدٌ أغير من الله)).
(٢) الذى فى المعلم : ما أحدٌ .
(٣) فى الأصل : وكل من ، والمثبت من المعلم ، س .
(٥) فى س : يُغار .
(٤) سقط من س .
(٦) سقط من س .
(٧) فى س: تقدَّس .
(٨) الرعد : ١١ . وقيل: الغيرة حمية وأنفة، فغيرته تبارك وتعالى محمولة على المبالغة فى إظهار غضبه عزَّ
وجل . الأبى ٢/ ٥٤ .

٣٣٥
كتاب الكسوف / باب صلاة الكسوف
خَسَفَتِ الشَّمْسُ فى حَيَاة رَسُولِ اللهِ عَةٍ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ عَُّ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَقَامَ
وَكَبَّرَ وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُُوعًا
طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: (( سَمِعَ اللهُ لَمَنْ حَمَدَهُ. رَبَّنَا ، وَلَكَ الْحَمْدُ))، ثُمَّ قَامَ فَاقْتَرَاً
قِرَاءَةٌ طَوِيَلَةً، هِىَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الأولى، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، هُوَ أَدْنَى مِنَ
الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ:((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ اُلْحَمْدُ ثُمَّ سَجَدَ - وَلَمْ يَدْكُرْ
أَبُو الطَّاهِرِ: ثُمَّ سَجَدَ - ثُمَّ فَعَلَ فَى الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ
رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَأَنْجَلَتَ الشَّمْسُّ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ،
فَأَثْنَى عَلَّى الله بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ : ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لاَ يَخْسِفَانِ
لِمَوْتٍ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَافْزَعُوا الصَّلاَةَ)). وَقَالَ أَيْضًا: ((فَصَلُّوا حَتَّىَ
مقامه من النار وشناعة منظرها (١) .
وقوله: (( ألا قد بلغت)) (٢): يعنى ما أمر به من التحذير والإنذار ، وما نزل
إليهم، ويدل أنه لم يُلزم تبليغ جميعَ ما شاهده واطلع عليه من الغيوب ، وتفصيل ذلك
الذى قال: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً))، فلو لزم [ تبليغه ] (٣) لأعلمهم بذلك.
ووقع عند السمرقندى فى حديث قتيبة أول الباب فى الركعة الثانية ورفعه رأسه من ركعتها
الثانية زيادة (( فأطال القيام وهو دون القيام الأول ثم سجد)) (٤) ، وهذه الزيادة وهم وليست
عند غيره من رواة مسلم فى هذا الحديث ولا غيره ، وكلهم يقول: ((ثم رفع رأسه من الركوع
ثم انحدر فسجد)) (٥)، وفى الآخر: ((فقال: سمع الله لمن حمده))، ولم يذكر أحد من
الفقهاء التطويل فى القيام الذى قبل السجود ، لكن مسلم ذكره فى حديث جابر من رواية
أبى الزبير .
وقوله: ((فإذا رأيتموها فافزعوا للصلاة)» : أى بادروا إليها ، وقيل : اقصدوا ،
والفزع يكون بمعنى الاستغاثة ، وبمعنى المبادرة للإغاثة ، وبمعنى الهبوب من النوم وغيره.
(١) المنتقى ٣٢٨/١ وتمام عبارته: بعلم لا يعلمه غيرُه، ونوَّر به قلبه، ولعله أن يكون ما آراه فى عرض الحائط
من النار ، فرأى منها منظراً شنيعاً ، لو علمت أمة من ذلك ما علم لكان ضحكُهم قليلاً ، وبكاؤهم كثيرًاً
إشفاقًا وخوفًا .
(٢) الذى فى المطبوعة: ((ألا هل بلَّغْت)) ((اللهم هل بَلَّغْت)).
(٣) ساقطة من س .
(٤) جاءت بها المطبوعة، وتمامها: ((وهو دون القيام الأول ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول ، ثم
سجد)) .
(٥) طريق ابن أبى شيبة، ولفظه: ((ثم انحدر بالسجود فسجد)).

٣٣٦
كتاب الكسوف / باب صلاة الكسوف
يُفَرِّجَ اللهُ عَنْكُمْ)) . وَقَالَ رَسُولُ الله ◌َِّةُ: ((رَأَيْتُ فى مَقَامِى هَذَا كُلَّ شَىء وُعِدْتُمْ، حَتَّى
لَقَدْ رَأَيْتُنِى أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةَ حينَ رَأَيْتُمُونِى جَعَلْتُ أُقَدِّمُ - وَقَالَ الْمُرَادِىُّ :
أَنَقَدَّمُ - وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَخْطِمُ بَعْضُّهَا بَعْضَا، حِينَ رَأَيْتُمُونِى تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهًا
ابْنَ لُحَىِّ وَهُوَ الَّذِى سَيَّبَ السَّوَائِبَ)). وَانْتَهَى حَدِيثُ أَبِى الطَّاهِرِ عِنْدَ قَوْله: ((فَافْزَعُوا
الصَّلاَةِ )). وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
٤ - ( ... ) وحدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِىُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم، قَالَ: قَالَ
الأَوْزَاعِىُّ أَبُو عَمْرو وَغَيْرُهُ: سَمِعْتُ ابْنَ شهَابِ الزُّهْرِىَّ يُخْبرُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ؛ أَنَّ
الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُول الله عَّهِ، فَبَعَّثَ مُنَادِيًا: ((الصَّلاَةُ جَامعَةٌ)) فَاجْتَمِعُوا،
وقوله فى الرواية الأخرى: ((فصلوا حَتَّى يُفرِّج عنكم» ليس يدل أن الصلاة سببٌ(١)
التفريج دليلاً واضحًا ؛لكن أمرهم بالمبادرة للطاعة عند ظهور هذه الآية العظيمة . والقدرة
الشنيعة لهذا الخلق المعظم عند الناس ، والإخلاص لله تعالى ومخالفة الكفرة الذين
يعتقدونهما إلهين.
وقوله: ((فصلوا حتى يفرج الله عنكم)): يجب تطويل الصلاة ما لم تنجل ، فإن
أتمها على سنتها قبل الانجلاء لم يلزم الجمع لصلاة أخرى على سننتها (٢) ، ولكن للناس
أن يصلوا أفرادا (٣) ركعتين كسائر النوافل ، ويدعوا ويذكروا الله ، وإن انجلت وهو فى
الصلاة ، فاختلف كبراء أصحابنا ، هل يتمها على سنتها ركعة بركعتين أم بركعة واحدة
كسائر النوافل ؟
وقوله: (( فبعث مناديا : الصلاة جامعة )) استحسن الشافعى هذا ، وهو حسن ، وهم
متفقون أنه لا يؤذَّن لهما .
قال الإمام : فى كتاب الترمذى أنه جهر بالقراءة (٤) ، وحكى أن مالكًا قال به ،
[وهذا الذى حكاه الترمذى عن مالك ] (٥) رواية (٦) شاذة ، ما وقعت عليها (٧) فى [كتاب
سوى ] (٨) كتابه وذكرها ابن شعبان عن الواقدى عن مالك .
قال القاضى : فذكر مسلم فى حديث الوليد / بن مسلم ((أن النبى تَُّ جهر فى صلاة
١٤٩/ب
(١) فى س : بسبب .
(٢) قيَّدها الأبى عنه هكذا : يجب تطويل القراءة ما لم تنجل ، فإن أتم الصلاة بسنتها قبل أن تنجلى لم يلزمه
إعادة الصلاة بسنتها ٥٥/٢ .
(٣) فى س : أفزاذا ، وعند الأبى : أفذاذا .
(٥) من المعلم .
(٤) أبواب الصلاة، ب ما جاء فى صفة القراءة فى الكسوف (٥٦٣).
(٦) قبلها عند القاضى: وهى، ولا وجه لها بعد إثبات ما أثبتناه عن الإمام .
(٧) فى س : عليه .
(٨) عند القاضى : غير ، والمثبت من المعلم .

٣٣٧
كتاب الكسوف / باب صلاة الكسوف
وَتَقَدَّمَ فَكَبَّرَ ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِى رَكْعَتَيْنٍ ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتِ.
ء
٥ - (.) وحدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ مَهْرَانَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ
ابْنُ نَمِرٍ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَبِ يُخْبِرُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّالَّبِىَّ ◌َُّ جَهَرَ فِى صَلاَةِ
الْخُسُوَفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَصَلَّى أَرْبُعَ رَكَعَاتٍ فِى رَكْعَيْنِ ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ .
(٩٠٢) قَالَ الزُّهْرِىُّ: وَأَخْرَنِى كَثِرُ بْنُ عَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَّاسٍ، عَنِ النَِّّ ◌َِّهِ، أَنَهُ
صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتِ فِى رَكْعَتَيْنٍ ، وَأَرْبَعَ سَجَدَات .
( .. ) وحدّثَنا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوليد
الزَُّيْدِىُّ، عَنِ الزُّهْرِىِّ. قَالَ: كَانَ كَثِيرُ بْنُ عَّاسِ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ أَبْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ عَنَّ
صَلَةِ رَسُولِ اللهِ ◌َّ يَوْمَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ. بِمِثْلِ مَا حَدَّثَ عُرْوَةٌ عَنْ عَائِشَةَ.
٦ - (٩٠١) وحدّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيم، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج،
قَالَ : سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرِ يَقُولُ: حَدَّثَنِى مَنْ أُصَدِّقُ - حَسْتُهُ
الخسوف)) وتأوله بعضُهم على صلاته بالليل فى خسوف القمر . اختلف العلماء فى ذلك ،
فأخذ بالجهر فيها بالنهار لهذا الحديث جماعة من السلف ، وقاله محمد بن الحسن
وأبو يوسف ، وقاله أحمد وإسحق وفقهاء الحديث ، ورواه معن ، والواقدى عن مالك (١)،
ومشهور قول مالك الإسرار فيهما ، وهو قول الشافعى وأبى حنيفة والليث بن سعد وسائر
أصحاب الرأى ، وحجتهم تقديرهم القراءة بسورة البقرة وغيرها (٢) ، وقوله فى الحديث
الآخر: ((ولو جهر لعلم ما قرأ به)) (٣) إلى ما فى حديث ابن عباس وغيره من أنه لم
يسمع له قراءة (٤) ، وخير الطبرى بين الجهر والسر (٥) .
(١) ومن حجتهم فى الجهر فى صلاة الكسوف إجماع العلماء على أن كل صلاة تصلى فى جماعة من
صلوات السنن سنتها الجهر ؛ كالعيدين والاستسقاء ، وكذلك الخسوف . التمهيد ٣١٢/٣ .
(٢) قال أبو عمر: ولذلك روى سمرة بن جندب عن النبى عَّ﴾ ((أنه لم يسمع له صوت فى صلاة الكسوف))
التمهيد ٣٠٩/٣.
(٣) يشير بذلك إلى حديث سمرة الذى أخرجه أبو داود وفيه: (( فصلى فقام بنا كأطول ما قام بنا فى صلاة
قط، لا نسمع له صوتا)) ك الصلاة، ب من قال: أربع ركعات ١/ ٢٧١، وانظر كذلك : التمهيد
٣٠٩/٣.
(٤) احتج ابن عبد البر برواية ابن عباس التى أخرجها مالك بلفظ: (( فقام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة))
على أن سنة القراءة فى صلاة الكسوف أن تكون سرا . السابق ٣٠٨/٣.
(٥) وذلك فى الكسوف . راجع التمهيد ٣١٢/٣.

٣٣٨
كتاب الكسوف / باب صلاة الكسوف
يُرِيدُ عَائِشَةَ - أَنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُول الله عَّةٍ ، فَقَامَ قِيَامًا شَدِيدًا ، يَقُومُ
قَائِمًا ثُمَّيَرْكَعُ ، ثُمَّ يَقُومُ ثُمَّيَرْكَعُ ، ثُمَّيَقُومُ ثُمَّ يَرْكَعُ، رَكْعَتَيْنِ فِى ثَلَثِ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعِ
سَجَدَاتٍ، فَانْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ قَالَ: ((اللهُ أَكْبَرُ )) ثمَّ يَرْكَعُ،
وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ: (( سَمِعَ اللهُ لَمَنْ حَمِدَهُ)) ، فَقَامَ فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ . ثُمَّ قَالَ: ((إنَّ
الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَكْسِفَان لِمَوْت أَحَدٍ وَلاَ لحَيَاتِه، وَلَكنَّهُمَا مِنْ آيَات الله يُخَوِّفُ اللهُ
بِهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَآَيْتُمْ كُسُوقًا فَاذْكُرُّوا الَّ حَتَّى يَنْجَلِيَّ)).
٧ - ( ... ) وحدّثَنِى أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالاَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ -
وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ - حَدِّثْنِى أَبِى، عَنْ فَتَادَةً، عَنَّ عَطَاءِ بْنِ أَِّى رَبَاحٍ، عَنْ عُبِّدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ
عَائِشَةَ؛ أَنَّنَبِّ اللهِعَهُ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتِ.
قال القاضى: قوله فى حديث عطاء عن عبيد بن عمير: (( حدثنى من أصدق حديثه
يريد عائشة)) (١) كذا عند السمرقندى ولغيره من الرواة : (( من أصدق - حسبته - یرید
عائشة )).
وقوله فى هذا الحديث: ((ركعتين فى ثلاث ركعات)): أى فى كل ركعة ثلاث
ركعات، كقوله فى الرواية الأخرى: ((صلى ست ركعات وأربع سجدات)).
(١) لم تأت بها المطبوعة.

٣٣٩
كتاب الكسوف / باب ذكر عذاب القبر فى صلاة الخسوف
(٢) باب ذكر عذاب القبر فى صلاة الخسوف
٨ - (٩٠٣) وحدّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلاَل -
عَنْ يَحْنَى، عَنْ عَمْرَةَ ؛ أَنَّ يَهُودِيَّةً أَنَتْ عَائشَةَ تَسْأَلُهَا، فَقَالَتْ: أَعَاذَك اللهُ مِنْ عَذَاب
الْقَبْرِ . قَالَتْ عَائشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، يُعَذَّبُ النَّاسُ فِى الْقُبُورِ؟ قَالَتْ عَمْرَةُ :
فَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((عَائِذًا بالله))، ثُمَّ رَكَبَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ ذَاتَ غَدَاة
ء
مَرْكَبًا، فَخَسَفَتْ الشَّمْسُ . قَالَتْ عَائشَةً: فَخَرَجْتُ فِى نَسْوَةَ بَيْنَ ظَهْرَىِ الْحُجَرِ فِى
الْمَسْجِد، فَأَتَى رَسُولُ اللهِ عَُّ مِنْ مَرْكَبَهِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُصَلَّهُ الَّذِى كَانَ يُصَلِّى فيه،
وقولها فى الحديث الآخر: « ركب رسول الله عَ﴾﴾ ذات غداة مركبا فخسفت الشمس)،
وذكر فيه أن رسول الله عَّ أتى من مركبه حتى انتهى (١) إلى مصلاه )) وذكرت أنه فى
المسجد ، وهو فى الموطأ من رواية مالك (٢) بيِّنٌ . فيه حجة لمالك والجمهور أن سنة
صلاتها فى المسجد ، وأنه لا يبرز لها ، إذ لو تكلف البروز لها والخروج إليها لفاتت سنتُها
وتجلَّت الشمس قبل الاجتماع لها ، ولم يدركها كثير من الناس ، ولأنه لم يرو أن رسول
اللـه عَّ صلاها بالصحراء ، وكفى برجوعه منها إلى المسجد حجة ، لكن أصبغ وابن
حبيب يخيران فى صلاتها فى المسجد أو الصحراء .
وقوله فى هذا الحديث: ((ذات غداة مركبًا))، وزاد فى الموطأ (٣): ((فرجع ضحى)):
لا خلاف أنَّ أول وقتها وقتُ جواز صلاة النافلة وهو ارتفاع الشمس واختلف فى آخره ،
فعن مالك فى ذلك ثلاث روايات ، إحداها : للزوال (٤) فلا تصلى بعده وهو معنى قول
الليث ، الثانية : تصلى إلى صلاة العصر ولا تصلى بعدها ، وهذا قول كثير من السلف
والثورى وأبى حنيفة وأصحابه والطبرى ، وأكثر أصحاب مالك ، والثالثة : أنها تصلى فى
جميع النهار ، وهو قول الشافعى وأبى ثور وإسحق ، قال : ما لم تصفر الشمس إلى
الغروب ، وكذلك يصلى الخسوف (٥) القمر ما لم يطلع (٦) إلى أن يرتفع ، وفيها قول رابع
[ أيضا ] (٧): أنها تصلى النهار كله [ إلا] (٨) فى هذين الوقتين الطلوع والغروب ، وعند
(١) فى الأصل : أتى ، والمثبت من المطبوعة ، س.
(٢) ك صلاة الكسوف ، ب ما جاء فى صلاة الكسوف ١٨٨/٢.
(٣) السابق ، ب العمل فى صلاة الكسوف ١٨٧/١ .
(٥) فى س : خسوف .
(٧، ٨) ساقطة من الأصل .
(٤) فی س : الزوال.
(٦) بعدها فى الأصل : الشمس ، وهو وَهْم .

٣٤٠
كتاب الكسوف / باب ذكر عذاب القبر فى صلاة الخسوف
فَقَامَ وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ . قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً ثُمَّ رَكَعَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً ثُمَّ
رَفَعَ ، فَقَامَ قِيامًا طَوِيلاً وَهُوْ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ
ذَلِكَ الرَّكُوعِ، ثُمَّ رَفَعَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ. فَقَالَ: ((إِنِّى قَدْ رَأَيْتُكُمْ تُفْتُونَ فِى الْقُبُورِ
كَفَتَْةَ الدَّجَّال)».
قَالَتْ عَمْرَةُ: فَسَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: فَكُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِعَُّ؛ بَعْدَ ذَلِكَ،
يَتَعَوَُّ مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَعَذَابِ الْقَّرِ.
( .. ) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. ح وَحَدَّثْنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ،
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ. بِمِثْلٍ مَعْنَى حَدِيثِ سُلَيْمَانَ
ابْنِ بلال.
الزوال وهو اختيار ابن المنذر ، وهو (١) على القول يمنع التنفل عند الزوال (٢).
وقول عائشة : ((فخرجت فى نسوة بين ظهرى الحُجَرِ فى المسجد)»: دليلٌ على صلاة
النساء لها ، وخروجهن لصلاتها ، وقد اختلف العلماء فى خروجهن لها على ثلاثة أوجه -
كما تقدم فى صلاة العيد - وهى لازمة للنساء والمسافرين وغيرهم عند مالك ، وعلى مشهور
مذهبه ، وعند الشافعى وعن مالك ما يدل أنها لا تلزم إلا من تلزمه الجمعة ، والجمهور
على أنهن يجمعن لها ويقدمن من يصلى بهن إذا لم يكن يقيمها الإمام ، وكذلك من فاتته
من الرجال . وذهب الكوفيون والحسن إلى أنهم يصلون أفذاذا إلا جماعة ، وذهب بعض
أئمتنا إلى أن من فاتته مع الإمام لا تلزمه .
وذكر فى هذا الحديث من رواية سليمان بن بلال الركوع مرتين لا غير ، ثم قال: ((ثم
رفع وقد تجلت الشمس فقال ... )) الحديث ، ولم يذكر سجودا ولا تكرير ركوع ، وذكر
تَعوذه من عذاب القبر ، وإخباره - عليه السلام - بذلك، وفتنة القبر عندنا صحيحة غير
مستحيلة، وسيأتى الكلام عليها فى الجنائز وآخر الكتاب .
(١) فى الأصل : وهذا، والمثبت من س .
(٢) راجع فى هذا : التمهيد ٣١٢/٣.