النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كتاب الجمعة / باب فى قوله تعالى : ﴿وإذا رأوا تجارة ... ﴾
٣٧ _ ( .. ) وحدّثنا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَم الواسطىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى الطَّحَّانَ - عَنْ
حُصَيْنِ، عَنْ سالِمٍ وَأَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِ عَّهُ يَوْمَ
الْجُمُعَةَ؛ فَقَدِمَتْ سُّوَيِقَةُ قَالَ: فَخَرَجَ النَّاسُ إِلَيْهَا، فَلَمْ يَقَ إِلَّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً، أَنَا فِيهِمْ.
بالإمام الذى يُخاف مخالفته ، ونحوه لمحمد بن مسلمة ، قالوا : ولا خلاف أن النظر فى
إقامتها للوالى إذا حضر، وقيل : لا جمعة إلا فى مصر جامع وهو قول الحسن والنخعى
وأبى حنيفة ومحمد بن الحسن وابن سيرين (١) ، وداود لا يشترط فيها شرطًا ويلزمها
للمنفرد ، وهى ظهر ذلك اليوم عنده لكل أحدٍ ، وهو خلاف الإجماع ، والخلاف كثير
فيمن تجب عليهم الجمعة وفيمن يصح بهم الجمعة بعد وجوبها عليهم إذا لم يحضرها جملة
من وجبت عليه أو تفرقوا عن الإمام وهو فى الخطبة ؟ وكذلك اختلفوا إذا تفرقوا عن الإمام
وهو فى الصلاة على الاختلاف المتقدم من اشتراط بقاء اثنين غير الإمام ، وهو قول الثورى
والشافعى، أو يجزى بقاء واحد وهو قول أبى ثور ، وحكى عن الشافعى أو يجزى الإمام
ولمن (٢) أتمها وحده ، وهو قول أبى يوسف وابن الحسن . وقال أبو حنيفة: إن عقد بهم
ركعة وسجدة ثم نفروا عنها أجزاه أن يتمها جمعة ، وإن كان قبل ذلك استقبل الظهر .
وقال مالك والمزنى : إن كان صلى بهم ركعة بسجدتيها أتمها جمعة وإلا لم تجزه ، وقال
زفر : متى نفروا عنه قبل الجلوس للتشهد لم تصح جمعة /، وإن جلس ونفروا عنه قبل
السلام صحت صلاته ، وقال ابن القاسم وسحنون : إن نفروا عنه قبل سلامه لم تجزه
جمعة ، وللشافعى قول ثالث : أنه لا تجزئهم حتى يبقى معه أربعون تتم بهم الصلاة ،
وقال إسحق : إذا بقى معه اثنا عشر رجلاً أجزته الجمعة .
١٤٢/ ب
وقوله فى هذا الحديث: (( وهو يخطب قائمًا)) يفسر مجمل قوله فى الرواية الأخرى
عنه فى صحيح البخارى (٣): (( بينا نحن نصلى مع النبى عَّه إذ أقبلت عيرٌ)) الحديث،
وأن ذلك حين كان يخطب لا فى الصلاة ، وقد بينًا اختلاف العلماء فى الموضعين .
(١) وقد أخرج عبد الرزاق عن معمر عن أبى إسحق عن الحارث عن على قال: لا جمعة ولا تشريق إلا فى
مصر جامع ٣/ ١٦٧ .
ولابن أبى شيبة عن على أيضًا : لا جمعة ولا تشريق ولا أضحى إلا فى مصر جامع أو مدينة عظيمة
١٠١/٢.
وله عن حذيفة قال : ليس على أهل القرى جمعة ، إنما الجمع على أهل الأمصار مثل المدائن ٢٠ /
١٠١ . وانظر كلام الحسن ومحمد بالمصنف المذكور.
(٢) فى الأصل : وإن .
(٣) ك الجمعة، ب إذا نفر الناس عن الإمام فى صلاة الجمعة فصلاة الإمام ومن بقى جائزة ( ٩٣٦)،
وكذلك فى ك البيوع ، ب قول الله عز وجل: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها﴾ (٢٠٥٨).

٢٦٢
كتاب الجمعة / باب فى قوله تعالى : ﴿وإذا رأوا تجارة ... ﴾
قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهُوَاَ انفَضُوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ إلى آخِرِ الآيَّةِ .
٣٨ _ ( ... ) وحدّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ ، عَنْ
أَبِىِ سُفْيَانَ وَسَالِمٍ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله؛ قَالَ: بَيْنَا النَّبِىُّ ◌َّهُ قَائِمٌ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ ، إِذْ قَدِمَتْ عِيرٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَابْتَدَرَّهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ عَّهَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ
إِلَّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ . قَالَ: وَنَزَّلَتْ هَذِه الآيَةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ
لَهواً انفَضُوا إِلَيْهَا ﴾ .
٣٩ _ (٨٦٤) وحدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وابْنُ بَشَار، قَالا: حَدَّثَنَا مَحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مَنْصُور، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِّى عُبَيْدَةَ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةً ؛
قَالَ: دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعَبّدُّ الرَّحْمَنِ ابْنُ أُمِّالْحَكَمِ يَخْطُبُ فَاعِدًا. فَقَالَ: انْظُرُوا إِلى هَذَا
وقوله: فى الحديث الآخر: ((إذا أقبلت سويقة)) (١) وهو بمعنى العير المتقدم.
والعير : الإبل تحمل الطعام أو التجارة ، لا تسمى عيرًا إلا بذلك ، والسويقة تصغير
سوق، وإنما سميت بذلك لأن البضائع والأموال تساق إليها .
ذكر أبو داود فى مراسيله (٢) أن خطبة النبى عَّ هذه التى انفضّ الناس منها إنما
كانت بعد صلاته الجمعة ، لم يظنوا فى ترك الخطبة شيئًا عليهم وأنه قبل ذلك ، إنما كان
يصلى قبل الخطبة (٣) ، حتى جرت هذه القصة ، وهذا أشبه بحال الصحابة أنهم كانوا لا
يدعون مع النبى ◌َّه الصلاة ويتركونه ، بل تأولوا بعد تمامها جواز ترك الخطبة ، وهو -
أيضا - ظاهر الآية لقوله: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٤) ولم يقل : تركوا الصلاة . وإن كان
بعض العلماء أنكر أن يكون النبى عمّ خطب قط فى الجمعة بعد الصلاة ، وبحسب
الخلاف فيما تقدم اختلفوا فيما يدرك به صلاة الجمعة ، فقال جمهور السلف وفقهاء الفتيا :
إنه بإدراك ركعة مع الإمام يكون مدركا لها ، ويضيف إليها ركعة ، ولا يكون له جمعة بأقل
من ذلك، وجاء بمعنى ذلك حديث صحيح خرجه أصحاب المصنفات (٥) ، وقال الحكم
(١) الذى فى المطبوعة : فقدمتْ سُويقة.
(٢) ب ما جاء فى الخطبة يوم الجمعة ، ص ١٠٥ .
(٣) أى كصلاة العيد .
(٤) الجمعة : ١١ .
(٥) سبق فى مسلم ، ك المساجد ومواضع الصلاة ، ب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة
(٦٠٧)، والترمذى فى أبواب الصلاة، ب ما جاء فيمن أدرك من الجمعة ركعة (٥٢٤)، وقال : حديث
حسن صحيح ، والنسائى ، ك الصلاة، ب من أدرك ركعة من الصلاة (٥٥٣)، وابن ماجه ، ك الإقامة،
ب ما جاء فيمن أدرك من الجمعة ركعة (١١٢٣) . .

٢٦٣
كتاب الجمعة / باب فى قوله تعالى : ﴿وإذا رأوا تجارة ... ﴾
الْخَبِيثِ يَخْطُبُ قاعدًا، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهُوْاَ انفَضُوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ
قائمًا﴾ (١).
وحماد وأبو حنيفة : من أدرك التشهد مع الإمام فى الجمعة صلاها ركعتين ، وقالت طائفة:
من لم يدرك الخطبة صلى أربعا ، وروى ذلك عن عطاء وطاوس ، ومجاهد ومكحول.
٠
(١) الجمعة : ١١ .

٢٦٤
كتاب الجمعة / باب التغليظ فى ترك الجمعة
(١٢) باب التغليظ فى ترك الجمعة
٤٠ - (٨٦٥) وحدّثَنِى الْحَسَنُ بْنُ عَلَىِّ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةٌ -
وَهُوَ ابْنُ سَلَّم - عَنْ زَيّدِ - يَعْنِى أَخَاهُ - أَنَّهُ سَمَعَ أَبَا سَلَّمَ قَالَ: حَدَّثَنِى الْحَكَّمُ بْنُ
مِينَاء؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرٌ وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِتَّهُ يَقُولُ - عَلَى
أَعْوَاَد مِنْبَرَه ـ: ((لَيَنْتَهَيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ
ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ )) .
١
وقوله: ((سمعت رسول الله عَّ يقول على أعواد منبره)): [ فيه ] (١) اتخاذ المنبر
لخطبة الجمعة ، وهو سنة مجمع عليها للخليفة ، فأمَّا غيره فإن شاء خطب على المنبر وإن
شاء على الأرض . واختلف عمل الناس وأهل الآفاق فى ذلك ، قال مالك : ومن لا يرقى
عندنا يقف يسار المنبر ، ومنهم من يقف عن يمينه وكلٌّ واسع .
وقوله: ((لينتهين أقوامٌ عن ودعهم الجُمعات)) وروى غير مسلم: ((تركهم)) (٢) [ قال
الإمام : قال ] (٣) شَمَرْ: زعمت النحوية أن العرب أماتوا مصدره وماضيه والنبى - عليه
السلام - أفصح [ العرب ] (٤)، وجاء فى الحديث: ((إذا لم ينكر الناس المنكر فقد تودُّعَ
منهم )) (٥) [ أى أسلموا] (٦) إلى [ ما استحقوه ] (٧) من النكير عليهم ، كأنهم تركوا
[وما استحقوا] (٨) من المعاصى حتى يصروا فيستوجبوا العقوبة فيعاقبوا ، وأصله من
التوديع وهو الترك .
قال القاضى : كان فى النسخ الداخلة إلينا من المعلم فى هذا الكلام اختلالٌ أصلحناه
:
(١) من س .
(٢) أخرجه فى الكنز وعزاه لابن النجار ٧/ ٧٣٠. وقد أخرج ابن ماجه حديث مسلم بلفظ: ((الجماعات))
ثم روى بعده: (( لينتهين رجال عن ترك الجماعة أو لأحرقن بيوتهم )) ك المساجد، ب التغليظ فى التخلف
عن الجماعة ٢٥٩/١ .
(٣) فى الأصل قال . معناه : تركهم .
(٤) ساقطة من جميع نسخ الإكمال .
(٥) الحديث أخرجه أحمد والبزار والحاكم بنحوه ، ولفظه لأحمد عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول
الله عَّ يقول: ((إذا رأيت أمتى تهاب الظالم أن تقول له: أنت ظالم، فقد تودع منهم)). قال البيهقى:
رواه أحمد والبزار بإسنادين ورجال أحد إسنادى البزار رجال الصحيح ، وكذلك رجال أحمد مجمع ٧ /
٢٦٢، وانظر: المسند ١٦٣/٢، ١٩٠، والمستدرك ٦٩/٤ عن عبد الله بن عمرو وقال فيه: صحيح
الإسناد ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي .
(٦) لفظه فى المعلم: ((أن يسلموا)).
(٨) فى المعلم : وما استخفوه .
(٧) فى المعلم : ما استخفوه .
!

٢٦٥
كتاب الجمعة / باب التغليظ فى ترك الجمعة
من كتاب أبى عبيد الهروى المنقول منه بلا شك ، حسب ما رويناه من طريق القاضى
الشهيد عن أبى بكر المفيد عن أبى عمر المليح ، عن الهروى وبحسب ما قيدًناه وأتقناه على
الحافظ أبى الحسن بن سراج اللغوى عن أبيه عن السفاقسى عن الصابونى عن الهروى ،
وقد ذكر أصحاب القراءات واللغة أنه قرئ: ((ما وَدَعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى)) (١) بالتخفيف ،
بمعنى تركك ، فهذا - أيضًا - استعمال ماضيه لا على ما زعمت النحوية .
وقوله: ((أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين)»: حجة بينةٌ فى
وجوب الجمعة وكونها فرضًا ؛ إذ العقاب والوعيد والطبع والختم إنما يكون على الكبائر ،
وأصله (٢) التغطية أى غطى عليها ومنعها من الهداية به ، حتى لا تعرف معروفًا ولا تنكر
منكرًاً، ولا تعى خيرًاً، قالوا فى قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىْ قُلُوبِهِمْ﴾(٣) : أى طبع عليها،
قالوا : وأصل الطبع فى اللغة : الوسخ والتدنيس (٤) ، واستعمل فيما يشبهه من الآثام
ومثله الرين ، وقيل : الرين أيسرُ من الطبع ، والطبع أيسر من الإقفال ، والإقفال أشدها.
وقد اختلف المتكلمون فى هذا اختلافا كثيراً ، فقيل : هو إعدام اللطف وأسباب الخير ،
والتمكين من أسباب ضده ، وقيل : هو خَلْق الكفر فى قلوبهم (٥) ، وهو قول أكثر
متكلمى [ أهل ] (٦) السنة ، وقال غيرهم : هو الشهادة عليهم ، وقيل : هو علم جعله الله
فى قلوبهم ؛ليعرف به الملائكة الفرق بين من يجب مدحه وبين من يجب ذمه.
قال الإمام (٧): اختلف الناس فى صلاة الجمعة ، هل هى فرض على الأعيان أو على
الكفاية ؟ فالأكثر أنها على الأعيان ، وذهب بعض الشافعية إلى أنها على الكفاية ، فتعلق
الأولون بقول الله سبحانه: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه﴾ (٨)، وهذا خطاب لسائر الناس فيجب
حمله على العموم، وبظاهر الخبر الذى قدمناه. وتعلق الآخرون بقول النبي عليه: ((صلاة
الجماعة أفضل من صلاة أحدكم )) (٩) الحديث ، وصلاة الجمعة تدخل فى عموم قوله :
((صلاة الجماعة))، فقد أثبت فضلها على [ ما تقتضيه] (١٠) المبالغة.
واختلف الناس - أيضا - هل تجب على العبد والمسافر ؟ فأسقطها عنهما مالك وأكثر
الفقهاء ، وأوجيها عليهما داود ، ووجه الخلاف ورود خبر الواحد بالتخصيص ، فهل
يخص عموم القرآن بأخبار الآحاد أم لا ؟ فيه اختلاف بين أهل الأصول ، وهذا على القول
بأن العبد يدخل فى الخطاب مع الحُرِّ ، وأما إذا قلنا : إنه لا يدخل فى خطاب الأحرار لم
يكن هاهنا عمومٌ عارض خبر واحد ، بل يكون الاستمساك بالأصل واستصحاب براءة الذمة
فى حقه هو الأصل المعتمد عليه ، وعلى أن - أيضا - هذا الخبر الوارد فيه ذكر أربعة لا
(٣) البقرة : ٧ .
(١) الضحى : ٣ .
(٤) فى س : والدنس .
(٦) من س .
(٨) الجمعة : ٩ .
(١٠) من ع .
(٢) يعنى الختم .
(٥) فى الأصل : صدورهم .
(٧) فى س : زيادة ( أبو عبد الله ).
(٩) سبق فى ك المساجد .

٢٦٦
كتاب الجمعة / باب التغليظ فى ترك الجمعة
١/١٤٣
جمعة عليهم ، وعد فيه المسافر والعبد، لا يعارضه الخبر الذى ذكرنا فى كتاب مسلم(١)؛ ولأن
المسافر رُدَّ من أربع إلى ركعتين لمشقة السفر،/ والخطبة [فى ] (٢) يوم الجمعة أقيمت مقام
ركعتين ، فلو أوجبناها عليه لأوجبنا عليه الإتمام ، وذلك لا يصح ، ولأن العبد لو خوطب
بالجمعة لوجب عليه السعىُ وإيقاع عبادة فى مكان مخصوص ، وذلك لا يلزمه، كالحج .
فإن قيل : هذا يدل على أنه إنما سقط ذلك عنه لحق السيد ، فلو أذن له سيده وأسقط
حقه هل يستقر عليه الوجوب لزوال العلة المسقطة له؟ (٣) اختلف أصحابنا فى ذلك ، ولم
يختلفوا فى أن الحجَّ لا يجب عليه بإسقاط السيد حقه .
قال القاضى : ذكر بعض من نقل اختلاف قول مالك من العلماء أن ابن وهب روى
عنه أنَّ الجمعة سنة ، قال : وكذا فى سماعه ، وهذا لا يقوله مالك على هذا ، وإنما جاء
من سوء تأويل الناقل ، وإنما تكلم مالك فى رواية ابن وهب فى القرى المتصلة البيوت
وفيها جماعة من المسلمين ، قال : ينبغى أن يجمعوا إذا كان إمامُهم يأمرهم أن يُجمَّعوا،
وليأمروا رجلاً فيُجمع بهم ؛ لأن الجمعة سنةٌ ، هذا نص روايته عنه، ولهما تأويلان:)
أحدهما : أن التجميع لها وصلاتها على تلك الهيئة إنما هوفرض بسنة الرسول ووحى
الله على لسانه لا بنصَّ القرآن ، وقد استمر العرف بإطلاق السنة على مثل هذا أيضا .
والوجه الثانى : أن تكون السنة على عرفها المعهود النازل عن رتبة القرآن ، ويكون
قول مالك هذا فى المسألة المتكلم فيها الذى اختلف فيها العلماء ، هل يجوز لهؤلاء الجمع أم
لا يجمع إلا أهل الأمصار ؟ فرأى مالك المسألة والخلاف[ فيها ] (٤) واختلاف قوله هو
أيضًا هل يلزم هؤلاء التجميع كان لهم سوق أم لا (٥) ، حتى يكون لهم سوق ويكون
كهيئة بناء المدن والأمصار وتأكد عنده (٦) تجميعهم بأمرالوالى لهم ، وأن هذا لا يقوى قوة
الأمصار المجمع عليها ، وإنما تجمع هؤلاء تشبيههم بأهل الأمصار والقياس عليهم ، فسمى
ما أخذ بالاجتهاد ووجد عليه عمل بلده سنة ، كما قيل : سُنة العمرين . وأما فى المصر
الكبير فلا يختلف فيه قوله، وبحسب هذا اختلف قوله ومذهبه فى الأخذ بحديث عثمان وإذنه
لأهل العوالى يوم عيد وافق يوم الجمعة في التخلف عنها إن شاء. وقد رویت عن النبى
فى مثل ذلك آثار ، وما كان عثمان ليضع عن الناس فريضة بمحضر جماعة الصحابة فلا
(١) أما الخبر الأول فقد أخرجه أبو داود، ك الصلاة ، ب الجمعة للمملوك والمرأة والحاكم عن طارق بن شهاب
ولفظ أبى داود: (( الجمعة حق على كل مسلم فى جماعة إلا أربعة : عبد مملوك ، أو امرأة أو صبى أو
مريض)) قال أبو داود: طارق ابن شهاب قد رأى النبى ولم يسمع منه شيئًا ٢٤٥/١، والحاكم فى
المستدرك ١/ ٢٨٨ وقال فيه الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، ومن عجب أن وافقه
الذهبى ، فإن طارقًا وإن كان من رجال الصحيحين، إلا أنه هنا روى عن النبى معَّه بغير واسطة.
(٢) من ع .
(٤) ساقطة من الأصل .
(٣) بعدها فى ع : قيل ، ولا وجه لها .
(٥) بعدها فى الهامش أم ، ولا حاجة لها .
(٦) فى الأصل : عندهم ، والمثبت من س والأبى.

٢٦٧
كتاب الجمعة / باب التغليظ فى ترك الجمعة
ينكرون ، فمرة قال مالك : ليس عليه العمل ، ومرة قال به ، وفيه رَوَى عنه عبد الملك
ومطرف وابن وهب ذلك عنه (١) .
(١) قال الأبى : جهل أبو عمر من حمل رواية ابن وهب على ظاهرها من أنها سنة ، وأولها بنحو ما ذكر
القاضى ، وخرج اللخمى أنها فرض كفاية من قول ابن نافع وابن وهب : إن صلى الظهر من تلزمه الجمعة
لوقت لو سعى فيه لأدرك لم يعد . إكمال ٢١/٢ .
أ
أ

٢٦٨
-
كتاب الجمعة / باب تخفيف الصلاة والخطبة
(١٣) باب تخفيف الصلاة والخطبة
٤١ - (٨٦٦) حدّثنا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قَالاَ: حَدَّثَنَا
أبُو الأَحَوَص، عَنْ سماك، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةً ؛ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّى مَعَ رَسُول الله عَّه ،
فَكَانَتْ صَلاَتُهُ قَصْدًا، وَخُطِبتُهُ قَصْدًا .
٤٢ - ( .. ) وحدّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْر،
حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ حَدَّثَنِى سماكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ؛قَالَ : كُنْتُ أُصَلِّى مَعَ النَّبِىِّ
◌َّ الصَّلَوَّات، فَكَانَتْ صَلاَتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا.
على
وَفِى رِوَايَةٍ أَبِى بَكْرِ : زَكَرِيَّاءُ عَنْ سِمَاك .
٤٣ _ (٨٦٧) وحدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْد الْمَجيد، عَنْ
جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ إذا خَطَبَ
احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَ صَوْتُهُ، وَاشْتَكَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ : صَبَّحَكُمْ
وَمَسََّكُمْ. وَيَقُولُ: ((بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ، كَهَتَيْن)) وَيَقْرِن بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّابَةِ وَالْوُسْطَى.
وقوله: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) : يحتمل أنه تمثيل لمقاربتهما ، وأنه ليس بينهما
أصبع أخرى ، وأن كل واحدة متصلةٌ بصاحبتها ، كما أنه لا شىء بين محمد - عليه
السلام - والساعة ، وقد تكون لتقريب ما بينهما من المدة تقدّر بقدر السبابة من الوسطى
وقوله : ((والساعة)): نصبٌ على المفعول معه .
وقوله : (( كان إذا خطب احَمَّرتْ عيناه ، وعلا صوته ، واشتد غضَبُه ، كأنه منذرُ
جيش))(١): هذا حكم المحدِّر والمنذر ، وأن تكون حركات الواعظ والمذكِّر وحالاته فى وعظه
بحسب الفصل الذى يتكلم فيه ومطابق له ، حتى لا يأتى بالشىء وضده ، وأما اشتداد
غضبه فيحتمل أنه عند نهيه عن أمر خولف فيه شرعه ، أو يريد أن صفته صفة الغضبان
عند إنذاره .
وقوله: ((أما بعد)): ترجم البخارى ترجمته على هذه الكلمة فى الخطبة (٢) ، وهو
فصل بين الكلامين وبين الثناء على الله والحمد لله وبين ما يريد الخطيب أن يتكلم به ، وقد
(١) الذى فى المطبوعة : حتى كأنه منذِرُ جيش.
(٢) البخارى فى صحيحه ، ك الجمعة ، ب من قال فى الخطبة بعد الثناء: أما بعد (٩٢٢).

٢٦٩
كتاب الجمعة / باب تخفيف الصلاة والخطبة
وَيَقُولُ: (( أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّد، وَشَرُّ
الأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلُّ بِدْعَةِ ضَلالَةٌ)). ثُمَّ يَقُولُ: ((أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ
قيل فى قوله تعالى: ﴿ وَأَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَّابِ﴾ (١) هو قوله : أما بعد ، وقيل فيه
غير هذا (٢) ، وأولى الأقوال في الآية أنه الفصل بين الحق والباطل كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ
لَقَوْلٌ فَصْلٌ . وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ (٣) .
وقوله : ((خير الهدى هدى محمد)): رويناه هنا بضم الهاء فيهما وفتح الدال ، ومعناه:
الدلالة ، والهدى هديان : هدى دلالة وإرشاد وبيان وهو الذى يضاف إلى الرسول والقرآن
والعباد، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىْ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤) و﴿ٍ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ
الْجَحِيمِ﴾ (٥) و﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَِّي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ (٦) و﴿ هُدِّى لِلْمُتَّقِين﴾ (٧) . والهداية
الثانية: بمعنى التأييد والعصمة والتوفيق وهى التى تفرد بها جل جلاله وتقدست أسماؤه ،
قال الله لنبيه عَّجُ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ (٨)، وحملت
القدرية الهدى حيث وقع على البيان بناء على أصلهم الفاسد فى القدر (٩) . وقول الله
تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١٠) وتفريقه بين
الدعاء والهدى يرد قولهم .
وروينا الحرف فى غير الكتاب : ((خيرٌ الھَدْى هَدْىُ محمد » بفتح الهاء فيهما وسكون
الدال، وفى هذا [الكتاب ] (١١) أدخله الهروى وفسَّره بالطريق، أى إن أحسن الطريق
طريق محمد ، يقال : فلان حسن الهَدْى ، أى المذهب فى الأمور كلها والسيرة ، ومنه:
((اهدُوا هدى عمار)) (١٢) وقوله: ((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه)) يكون ((أولى)) هنا
(١) ص: ٢٠ . وما ذكره القاضى أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره بإسناده عن أبى موسى - رضى الله عنه -
قال: أول من قال: ((أما بعد)) داود - عليه السلام - وهو فصل الخطاب. قال ابن كثير: وكذا قال
الشعبى : فصل الخطاب : أما بعد ٧ / ٥١ .
(٢) وذلك مثل قول مجاهد والسدى : هو إصابة القضاء وفهمه ، وقال : شريح والشعبى : فصل الخطاب
الشهود والأيمان ، وقال قتادة : شاهدان على المدعى أو يمين المدعى عليه هو فصل الخطاب ، الذى فصل
به الأنبياء والرسل ، وهو قضاء هذه الأمة إلى يوم القيامة . السابق .
(٣) الطارق: ١٣، ١٤ .
(٥) الصافات : ٢٣ .
(٤) الشورى : ٥٢ .
(٦) الإسراء : ٩ .
(٨) القصص : ٥٦ .
(٧) البقرة : ٢ .
(٩) يعنى بمذهبهم الفاسد قولهم : إن العبد يخلق أفعاله ، وأن الإيمان والهداية من فعله .
(١٠) يونس : ٢٥ .
(١١) فى الأصل : الباب ، والمثبت من س.
(١٢) أحمد فى المسند من حديث حذيفة ٣٩٩/٥، وقد نقلها الأبى: ((اهتدوا بهدى عمار)) ٢٢/٢، وهو
لفظ الطبرانى فى الأوسط ، قال الهيثمى : وفيه يحيى بن عبد الحميد الحمانى، وهو ضعيف ٢٩٥/٩،
ولم يشر لرواية أحمد .

٢٧٠
كتاب الجمعة / باب تخفيف الصلاة والخطبة
تَرَكَ مَالاَ فَلَأَهْلِه، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنَا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَىَّ وَعَلَىَّ)).
٤٤ - ( ... ) وحدّثنا عَبّدُ بْنُ حُميد، حَدَّثَنَا خَالدُ بْنُ مَخْلَد، حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ بْنُ
بلال، حَدَّثَنِى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ ؛ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَّ عَبْد الله يَقُولُ : كَانَتْ
بمعنى أقرب ، كما قال بعضهم فى قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ﴾ (١) أى
الأقربان ، وقد تكون ((أولى )) بمعنى أحق من بعضهم بعضا ومن أنفسهم لها.
وقوله: ((من ترك دَينا أوضياعًا (٢) فإلىّ وعلىّ))، قال الإمام : قال النضر بن
شميل: الضياع : العيال ، قال ابن قتيبة : هو مصدر ضاع يضيع ضياءًا ، ومثله مضى
يمضى مضًا، وقضى يقضى قضًا . أراد : من ترك عيالاً عالة وأطفالاً ، فجاء بالمصدر
[هنا](٣) [نائبًا] (٤) عن الاسم كما يقول : وترك فقرًا، أى فقراء ، والضياع بكسر الضاد
جمع ضائع ، مثل جائع وجياع، وفى الحديث: (( فسد (٥) الله عليه ضيعته)). قال
الهروى : ضيعة الرجل ما يكون منه معاشه من صناعة أوغلَّة وغيرها ، وكذلك أسمعنيه
الأزهرى. قال شمر : ويدخل فيها الحرفة والتجارة ، ويقال : ما ضيعتك ؟ فيقول : كذا .
قال القاضى : اختلف الشارحون فى معنى هذا الحديث ، فذهب بعضهم إلى / أنه
ناسخ لتركه الصلاة على من مات وعليه دين .
١٤٣/ب
وقوله: ((صلوا على صاحبكم)) وأن النبى معَّه تكفَّل بديون أمته والقيام بمن تركوه،
وهو معنى قوله هذا عنده ، وقيل : ليس معنى الحمالة ، لكنه بمعنى الوعد بأن الله ينجز له
ولأمته ما وعدهم من فتح البلاد وكنوز كسرى ، فيقضى منها ديون من عليه دين ، وهو
معنى قوله هذا عنده ، وقيل : ليس بمعنى الكفالة ، وحجة هذا حديث أبى هريرة : كان
النبى معَّ يرى الرجل المتوفى عليه الدين فيسأل: ((هل ترك لدينه قضاء»: فإن قيل : إنه
ترك وفاءً صلى عليه، فلما فتح الله الفتوح قال: ((وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، من
توفى وترك دينًا فعلىّ، ومن ترك مالاً فلورثته )) (٦).
وهذا مما يلزم الأئمة من الفرض فى مال الله للذرية وأهل الحاجة ، والقيام بهم وقضاء
[ديون] (٧) محتاجيهم .
وقوله: ((كانت خطبته يحمد الله ويثنى عليه)) (٨): هو من سنة الخطبة أن يكون
(١) المائدة : ١٠٧ .
(٢) فى ز : ضاعيا .
(٣) غير مثبتة فى ع .
(٤) من المعلم .
(٥) فى المعلم : أفسد .
(٦) البخارى ، ك الكفالة، ب الدين (٢٢٩٨)، وسيأتى إن شاء الله فى الفرائض، ب ((من ترك مالا فلورثة))
(١٦١٩). وقد أخرجه الترمذى فى الجنائز، ب ما جاء فى الصلاة على المديون (١٠٧٠) وقال: هذا
حديث حسن صحيح ، والنسائى كذلك ، ب الصلاة على من عليه دين (١٩٦٣) ، وغيرهم .
(٧) فى س : دين .
(٨) فى المطبوعة : كانت خطبة يوم الجمعة .

٢٧١
كتاب الجمعة / باب تخفيف الصلاة والخطبة
خُطَبَةُ النَّبِىِّ ◌َِّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ يَحْمَدُ اللهَ وَيُثْنِى عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرٍ ذَلِكَ ، وَقَدْ عَلَاَ
صَوْتُهُ. ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ .
٤٥ _ ( .. ) وحدّنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثْنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَعْفَرِ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ جَابر ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ يَخْطُبُ النَّاسَ، يَحْمَدُ اللهَ وَيُثْنِى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ
أَهْلُّهُ، ثُمَّ يَقُولُ: ((مَنْ بَهْدِهِاللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ ، وَخَيْرُ الَحَدِيثِ
كِتَابُ اللهِ». ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ التَّقَفِىِّ.
٤٦ - (٨٦٨) وحدّثنا إِسْحَقُ بْنُ إِبرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى، كلاَهُمَا عَنْ
عَبْد الأَعْلَى. قَالَ ابْنُ الْمُثَنِى: حَدَّثَنِى عَبْدُ الأَعْلَى - وَهُوَ أَبُو هَمَّامٍ - حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ
عَمْرِو ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبٍِّ، عَنِ ابْنِ عَّاسٍ، أَنَّ ضِمَادًا قَدِّمَ مَكَّةَ - وَكَانَ مِنْ
أَزْدِ شِئُوءَةً، وَكَانَ يَرْقِى مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ - فَسَمِعَ سُفَهَاءُ مِنْ أَهَلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا
مَجْنُونٌ. فَقَالَ: لَوْ أَنّى رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ لَعَلَّ اللهَ يَشْفِيهِ عَلَى يَدَىَّ. قَالَ: فَلَقِيَهُ. فَقَالَ:
يَا مُحَمَّدُ، إِنِّى أَرْقِى مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ، وَإِنَّ اللهَ يَشْفِى عَلَى يَدِى مَنْ شَاءَ، فَهَلْ لَكَ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ عَُّ: (( إِنَّ الْحَمَّدَ للهِ ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنَ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضلَّ لَهُ ، وَمَنْ
يُضْلِلْ فَلَّ هَادِىَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إلَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعَدُ)). قَالَ: فَقَالَ: أَعدْ عَلَىَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلاءِ. فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ الله ◌ِمَّ
ثَلاَثَ مَرَّات. قَالَ: فَقَالَ: لَقَدْ سَمَعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ وَقَوْلَ السَّحَرَةَ وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ ، فَمَا
سَمِعْتُ مِثْلَّ كَلِمَتِكَ هَؤُلاءِ ، وَلَقَدْ بَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ. قَالَ: فَقَالَ: هَاتِ يَدَكَ أَبَايِعْكَ
عَلَى الإِسْلاَمِ. قَالَ: فَبَايَعَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِعَهُ: (( وَعَلَى قَوْمِكَ)) . قَالَ : وَعَلَى قَوْمِى.
أصلها حمدًاً وثناءً على الله .
وقوله: (( ما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ، لقد بلغن قاعوس البحر )) : كذا وقع فى
أكثر النسخ ، وكذا عند شيوخنا بالقاف ، من طريق العذرى والسمرقندى والطبرى وابن
ماهان، ووقع عند أبى محمد بن سعيد : (( تاعوس )) بالتاء باثنتين من فوقها ، ورواه
بعضهم : ((ناعوس)) (١) بالنون. وذكره أبو مسعود الدمشقى فى كتاب أطراف الصحيحين،
وعبد الله بن أبى نصر الحميدى فى كتاب جمع الصحيحين: ((قاموس )) بالميم، وقال
(١) وهو ما جاءت به المطبوعة.

٢٧٢
كتاب الجمعة / باب تخفيف الصلاة والخطبة
قَالَ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ عَُّ سَرِيَّةً فَمَرُّوا بِقَوْمِهِ . فَقَالَ صَاحِبُ السَّرِّيَّةِ لِلْجَيْشِ : هَلْ
أَصَبْتُمْ مِنْ هَؤْلاَءِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَصَبْتُ مِنْهُمْ مِطْهَرَةً. فَقَالَ : رُدُّوهَا، فَإِنَّ
هَؤُلاءِ قَوْمُ ضِمَادٍ.
٤٧- (٨٦٩) حدّثَنِى سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ
أَبْجَرَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيَّنَ، قَالَ : قَالَ أَبُو وَائِلِ: خَطَبَنَا عَمَّارٌ، فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ،
فَلَمَّا نَزِلَ قُلْنَا: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ، لَقَدْ أَبلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ، فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ فَقَالَ: إِنَّى
بعضهم : هو الصواب . قال أبو عبيد : قاموس البحر وسطه، وفى الجمهرة: لجته ، وفى
كتاب العين : قال فلان قولاً بلغ قاموس البحر ، أى قعره الأقصى ، وهذا المعنى بيِّنٌ فى
هذا الحديث (١) نحوه . وقال الحربى: قاموس البحر قعره . وقال أبو مروان بن سراج :
قاموس فاعول من قمسته إذا غمسته ، فقاموس البحر لُجَّته التى تضطرب أمواجها ولا تستقر
مياهها ، كأنَّ بعض أجزائه تغمس بعضا ، وهى لفظة عربية صحيحة.
قال القاضى: ومنه ما جاء فى الحديث فى المرجُوم: ((إنه لينغمس فى أنهار الجنة))(٢)
((وأن ملكًا موكل بقاموس البحار)) (٣) . قال أبو على الجبائى: لم أجد فى هذه اللفظة
ثلجًا . وقال لى شيخنا أبو الحسين : قاعوس البحر صحيح فى رواية من رواه - أيضًا -
بمعنى قاموس ، كأنه من القعس وهو تطامن الظَهْر وتعمقه ، يرجع إلى عمق البحر ولجته
الداخلة . وذكر أبو عمر المطرزى فى كتاب اليواقيت : القاعوس الحيّة ، فعلى هذا - إن
صحت الرواية - يكون معناه بلغن حيوان البحر وحياته وحيتانه .
جاء فى الحديث: ((كانت خطبته قصداً وصلاته قصدًا)) أى متوسطة بين الطول
والقصر ، ومثله القصد من الرجال ، والقصد فى المعيشة مجانبة السرف، وهى سنة الخطبة،
لئلا يطول على الناس ، ولما فى تطويلها من التصنع بالكلام والتشدق فى الخطاب، ولأمْره ـ
عليه السلام - (( من صلى بالناس فليخفف)).
وقولهم لعمار وقد خطب فأبلغ وأوجز: ((لقد أبلغت فأوجزت ، فلو كنت تَنَفَّسْتَ ))
أى أطلت الكلام شيئًا ووسَّعته (٤) يقال : نفسَّ الله فى مدته ، أى أطالها.
(١) فى الأصل : البحر .
(٢) أبو داود فى سننه، ك الحدود، ب رجم ما عز بن مالك ولفظه: ((والذى نفسى بيده، إنه الآن لفى أنهار
الجنة ينغمس فيها)) ١٤٥/٤، بيد أنه فى نسخة الحلبى قد تصرف المحقق فيها وقيّدهما: ينغمس.
(٣) أحمد فى المسند ٥/ ٣٨٢ عن ابن عباس بلفظ: ((بقاموس البحر)).
(٤) زيد بعدها فى هامش س : فإنه اختصر .

٢٧٣
كتاب الجمعة / باب تخفيف الصلاة والخطبة
سَمَعْتُ رَسُولَ الله عَّةٍ يَقُولُ: ((إِنَّ طُولَ صَلاَةَ الرَّجُلِ، وَقَصَرَ خُطْبَتِهِ، مَثَنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ،
١
وقوله : سمعت رسول الله عَُّ يقول: ((إنَّ طول صلاة الرجل وقصْرَ خطبة مَثَنَّةٌ من
فقهه)) : كذا روايتنا فيه هنا مقصور مشدد النون ، من طريق شيخنا أبى بكر ، وكذا عند
الحذاق منهم والمتقنين وهو الصواب . ووقع فى رواية القاضى الصدفى وابن أبى جعفر
((ماينة)) بالمد [ وآخره هاء] (١)، وهو غلط، وكذلك كل ضبط خالف الأول .
قال الإمام : قال الأصمعى : سألنى شعبة عن هذا الحرف فقلت : هو كقولك علامة
ومخلقة ومجدرة (٢) . قال أبو عبيد: يعنى أن هذا مما يستدل به على فقه الرجل. قال
أبو منصور : جعل أبو عبيد الميم فيه أصلية وهى ميم - مفْعِلةً ، وإن كان كذلك فليس هو
من هذا الباب ، هذا الذى نقلناه عن الهروى فى حرف الميم ، وزاد فى حرف الهمزة مع
النون أن أبا عبيد أنشد للمرَّار :
فتهامسوا [ شيئًا ] (٣) [فقالوا ] (٤) عرِّسوا
من غير تمئنةٍ لغير معرَّس
وذكر الهروى عن الأزهرى أن تفسير أبى عبيد صحيح ، واحتجاجه بالبيت غلط ؛
لأن الميم فى التمنية أصلية وهى فى مئنة ميم مفعلة ، وليست بأصلية ، ومعنى قوله: ((من
غير تمئنة)) أى من غير تهيئة ، ولا فكر فيه ، يقال : أتانى فلان وما مأنت مأنه وما شأنت
شأنه ، أى لم أفكر فيه ولم أتهيأ له .
قال القاضى: قال لى أبو الحسين شيخنا: الميم فى ((مئنة)) أصلية. ووزنها فَعْلَة من
مأَنتُ إذا شعرت ، وقاله أبوه أبو مروان .
وقوله فى هذا الحديث (٥): (( فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة )) غير مخالف لقوله فى
الحديث : ((كانت صلاته قصداً وخطبته قصدًا)) وذلك أن كلَّ واحدة قصدًا فى بابها ، إذ
سنة الخطبة بالتقصير فكان تقصيره - عليه السلام - فيها قصداً غيرَ مخل بها ، وسنة
الصلاة التطويل ، وتطويله - عليه السلام - قصدٌ فيها غير مخرج لها بالتطويل إلى أذى
من خلفه ، ولكل شىء عدل وقصد فى ذاته ، وإن خالف قصدَ أحدهما الأخرى .
(١) من س .
(٢) قيّدها أبو عبيد هكذا: قال الأصبعى: قد سألنى شعبة عن هذا فقلت: مَثَنَّة يقول: هى علامة لذاك،
خليق لذاك . قال أبو عبيد : يعنى أن هذا مما يعرف به فقه الرجل ويستدل به عليه ، وكذلك كل شىء
دلَّك على شىء فهو مثنَّة له ٦١/٤ .
(٣) من الغريب للهروى ، والذى فى نسخ الإكمال: سرّاً
(٤) فى الإكمال : وقالوا ، والمثبت من الهروى .
(٥) بعدها فى نسخ الإكمال: ((كانت صلاته))، وليست فى حديث عمار، وإنما هى من حديث جابر بن
سَمُرة. وليس فيه: ((فأطيلوا الصلاة ، وأقصروا الخطبة)).

٢٧٤
كتاب الجمعة / باب تخفيف الصلاة والخطبة
فَأَطيلُوا الصَّلاةَ، وَقْصُرُوا الْخُطْبَةِ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سَحْرًا ».
٤٨ _ (٨٧٠) حدّثَنا أَبُوبَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا
وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ،عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفِيْعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِم ؛ أَنَّ
رَجُلاً خَطَبَ عِنْدَ النَّبِىِّ ◌َّهُ فَقَالَ: مَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشِدَ . وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ
٠٠
وقوله: ((إن من البيان سحرا)): قال أبو عبيد: هو من الفهم وذكاء القلب مع
اللسان(١)، وقيل فى قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَان﴾(٢) هو الفصل بين كل شيئين ، وفيه
تأويلان : أحدهما : على وجه الذمِّ ، قيل : هو إمالة القلوب وتحريكها وصرفها بمقاطع
البيان إليه حتى تكتسب به من الإثم ما يكتسب [ به من السحر ] (٣) . واستدل هؤلاء
بإدخال مالك الحديث فى موطئه فى باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله (٤) وأنه مذهبه
فى تأويل الحديث ، والثانى : المدح ، وهو أنَّ الله تعالى قد امتن بتعليم البيان على عباده
بقوله: ﴿عَلَّمَهَ الْبَيَانِ﴾، وشبهه بالسحر لميل القلوب إليه، وأصل السحر الصرفُ، والبيان
يصرف القلوبَ ويميلها إلى ما يدعو إليه .
وهذا الحديث (٥) مما استدركه الدارقطنى على مسلم وقال : تفرد به ابن أبجر عن
واصل عن أبى وائل قال : خطبنا عمار ، وخالفه الأعمش وهو أحفظ لحديث أبى وائل
فحدَّث به عن أبى وائل عن عبد الله (٦) .
وقوله فى الذى خطب فقال : من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فقد
(٢) الرحمن : ٤ .
(١) فى الأصل: الألسن ، والمثبت فى س.
(٣) فى الأصل : بالسحر .
(٤) الموطأ ، ك الكلام ٢/ ٩٨٦ .
(٥) يعنى حديث عمار: ((إن طول صلاة الرجل وقصرَ خطبته)).
(٦) عبارة الدار قطنى: وهو أحفظ لحديث أبى وائل منه، رواه عن أبى وائل عن عمرو بن شرحبيل عن
عبد الله ، قوله : غير مرفوع ، قاله الثورى وغيره عن الأعمش. التتبع : ١٩٤ .
قلت : سئل الدارقطنى فى العمل عن هذا الحديث فقال : يرويه أبو وائل ، واختلف عنه ، فرواه
الأعمش عن أبى وائل عن عبد الله موقوفاً، وخالف الأعمش واصل بن حيَّان ، فرواه عن أبى وائل عن
عمار بن ياسر عن النبى معَّة ، تفرَّد به عبد الملك بن أبجر عن واصل ، وقد روى هذا الكلام عن
عبد الله من وجه آخر موقوفا أيضا . وروى عن عمار بن ياسر أيضًا من وجه آخر ، ورواه عدى بن
ثابت، واختلف عنه، فرواه العلاء بن صالح عن عدى بن ثابت عن أبى راشد عن عمار ، ورواه مسعر
عن عدى ابن ثابت عن عمار مرسلاً ، والقولان عن أبى وائل محفوظان ؛ قول الأعمش وقول واصل
جميعا ٢٢٤/٥٠.
وانظر ما نقله محقق الإلزامات والتتبع ، حيث يُعد الموقوف مرفوعا ، وأسقط ( عن ) قبل عبد الله .
ومراجع القولين فى ابن أبى شيبة فى مصنفه ٢/ ١١٤.
٠٠

٢٧٥
كتاب الجمعة / باب تخفيف الصلاة والخطبة
غَوَى. فَقَالَ رَسُولُ اللهِعَّهُ: ((بِثْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ).
قَالَ ابْنُ نُمَّيْرِ : فَقَدْ غَوِى .
٤٩ - (٨٧١) حدّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً وَإِسْحَقُ الْحَنْظَلِىُّ، جَميعًا
عَنِ ابْنُ عُبَيْنَةَ ، قَالَ قُتِبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمَّرو ، سَمِعَ عَطَاءٌ يَخْبِرُ عَنْ صَقْوَانَ بْنِ
يَعْلَى، عَنْ أَبِيِهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ◌َّهُ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبرِ: ﴿وَنَادَوْ يَا مَالِكُ﴾(١).
٥٠ _ (٨٧٢) وحدّثَنِى عَبْدُالله بْنُ عَبد الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّان،
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلَ عَنْ يَحْنَى بَنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِثْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أُخْت
لِعَمْرَةَ؛ قَالَتْ: أَخَذْتُ ﴿قَ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾(٢) مِنْ فِى رَسُولِ اللهِ عَُّ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ،
وَهُوَ يَقْرَأُ بِهَا عَلَى الْمِنْبَرِ ، فِى كُلِّ جُمُعَةٍ .
( ... ) وَحَدَّثَنِهِ أَبُوالطَّاهِرِ، أَخْبَرَفَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْبَى بْنِ أُوبَ، عَنْ يَخْبَى بْنِ
غوى، فقال: ((بئس خطيب القوم أنت (٣) قل: ومن يعص الله ورسوله )) أنكر - عليه
السلام - جمع اسمه مع اسم الله فى كلمة واحدة وضمير واحد ؛ لما فيه من التسوية ؛
تعظيما لله تعالى ، وقد قال - عليه السلام - : « لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء فلان،
ولكن ثم شاء فلان)) (٤) وذلك لما فى معنى ((ثم)) من التراخى ، بخلاف الواو الذى
تقتضى التسوية ، وإن كان الله تعالى قد شرَّف نبينا بذكره مثل ذلك فى حقه ، وعُدَّت من
خصائصه، كقوله: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ (٥) و﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ (٦) وشبه هذا .
وفيه : توقى الكلام - المجمل والمحتمل - فى حق الله ، والتحفظ من إيراد أمثاله فى
الخطب والمقامات المشهودة وهذا بيِّنُ فى معنى الحديث ، وعليه إنكاره - عليه السلام - وقد
روى أنَّ إنكاره - عليه السلام - وقوفُه على قوله: ((ومن يعصهما)) أو احتجَّ به المفسرون
على تخطئة الوقوف على غير التام ، وما رده - عليه السلام - فى الكتاب عليه، وهو أصح،
يخالف هذه الرواية. وقد اختلف المفسرون فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى
(١) الزخرف : ٧٧ .
(٢) ق : ١ .
(٣) الذى فى المطبوعة: ((بئس الخطيب أنت))، وكذا أخرجه أحمد فى المسند ٢٥٦/٤. وما هاهنا هو لفظه
فى الشفا ١/ ٦٥.
(٤) أبو داود فى ك الأدب، ب لا يقال: خبثت نفسى (٤٩٨٠)، والنسائى فى الكبرى ، ك عمل اليوم
والليلة، ب النهى أن يقال: ما شاء الله وشاء فلان ٢٤٥/٦، وأحمد فى المسند ٣٨٤/٥ عن حذيفة.
(٥) آل عمران : ١٣٢، وجاءت فى س: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول) وهى من النساء : ٥٩، وليست
بمقصودة للمسألة .
(٦) الحديد : ٧ .

٢٧٦
كتاب الجمعة / باب تخفيف الصلاة والخطبة
سَعيد، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ أُخْتِ لَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْهَا . بِمِثْلِ حَدِيثٍ
سُلَيْمَانَ بْنِ بِلاَل .
٥١ - (٨٧٣) حدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ
خُبَيْبُ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُحَمَّد بْنِ مَعْن، عَنَّ بِنْت لِحَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَان؛ قَالَتْ: مَا حَفَظْتُ
﴿قَ﴾ إِلَّ مِنْ فِى رَسُولِ اللهِ عَه. يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةَ. قَالَتْ: وَكَانَ تَثُّورُنَا وَنُورُ
رَسُول الله عَّةٍ وَاحداً .
٥٢ _ ( ... ) وحدّثْنَا عَمْرُوَ النَّاقدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثْنَا أَبِى
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَقَ ، قَالَ: حَدَّثَنِىَ عَبْدُ الهِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ بَنٍ مُّحَمَِّ بَنِ عَّمْرِو بْنِ حَزْمٍ
الأَنْصَارِىُّ، عَنْ بَحْتَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بَّنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَّنِ سَعَدِ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ أُمَّ هِشَامٍ بَنْتِ
النَّبِيِّ﴾(١) هذا الضمير راجع إلى نفسه والملائكة، فأجازه بعضهم، ومنعه آخرون، لعلة
التسوية والتشريك، وخصوا الضمير بالملائكة ، وقدَّروا الآية أنَّ الله يصلى والملائكة
يصلون .
وقوله: ((فقد غوى)» : وقع فى روايتى مسلم بفتح الواو وكسرها ، والصواب الفتح
هنا من الغيِّ ، وهو الانهماك فى الشر .
وقول بنت حارثة وأخت عمرة: ((ما أخذت ﴿ق﴾ إلا من فى رسول الله عَّ يقرؤ
بها كل جمعة على المنبر )) وذلك - والله أعلم - لما فيها من أمر الآخرة والموت والمواعظ
الشديدة .
وقوله : فى سند الحديث : عن يحيى بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة ، كذا هو فى
النسخ (٢) وفى رواية شيوخنا ، وهو صواب . وقال بعض المتعقبين من شيوخنا : صوابه
ابن أسعد بن زرارة ، وغلط في رده ، والصواب غير ما قاله ، وإنما أوقعه فيه غلط ما في
كتاب أبى عبد الله بن البيع فيه ، فأتبعه وظن أنه الصواب ، وذلك أن الحاكم قال :
صواب هذا أسعد ، ووهم من قال فيه : سعد ، وحكاه عن البخارى ، وكذا وقع فى النسخ
المروية عندنا عن الحاكم ، فإن كان لم يهم الرواة عن ابن البيع فهو الواهم ، والذى حكاه
عن البخارى غلطٌ ، ضده فى كتاب التاريخ ، وإنما قال البخارى فى نسبه (٣) سعد ، ثم
قال : وقال بعضهم : أسعد ، ووهم ، فانقلب الكلام فى كتاب أبى عبد الله الحاكم ،
(١) الأحزاب : ٥٦ .
(٣) فى س : نسبته .
(٢) وفى مصنف ابن أبى شيبة ١١٥/٢ .

٢٧٧
كتاب الجمعة / باب تخفيف الصلاة والخطبة
حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ؛ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ تَثُّورُنَا وَتَتُّورُ رَسُولِ اللهِ عَّهُ وَاحدًا، سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةً
وبَعْضَ سَنَّةَ، وَمَا أَخَذْتُ ﴿قَ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ﴾ إِلَّ عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللهِ عَّهَ يَقْرَؤُهَا
كُلَّيَوْمٍ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْرِ، إِذَا خَطَبَ النَّاسَ.
٥٣ _ (٨٧٤) وحدّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثْنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ حُصَيْن،
عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ، قَالَ: رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ، فَقَالَ: قَّحَ اللهُ
هَاتَّيْنِ الْيَدَيْنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ لَّهُ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدَه هَكَذَا. وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ
الْمُسَّحَة .
( ... ) وحدّثناه قُتَيَّةُ بْنُ سَعِيد، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَنَةَ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؛ قَالَ:
رَأَيْتُ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ، يَوْمَ جُمُعَةٍ ، يَرْفَعُ يَدَّهِ، فَقَالَ عُمَارَةُ بْنُ رُّؤَيَّةَ . فَذَكَرَ نَحْوَّهُ.
وإنما أسعد أخوه أبو أمامة أسعد بن زرارة سيد الخزرج ، وأما أخوه هذا جدّ يحيى (١)
وعمرة (٢) فهو سعد وأدرك الإسلام ، ولم يذكره كثير فى الصحابة لأنه ذكر فى المنافقين ،
وقال أبو عبد الله الحميدى : ذكر بعضهم فى سند هذا الحديث عمرة بنت عبد الرحمن ،
يعنى حديث يحيى بن عبد الرحمن ، قال : وذلك وهم ، ولم يذكر ذلك البرقانى ولا
الدمشقى .
وإنكار عمارة بن رُؤَيْبَةَ رفع اليدين فى الخطبة، وأن النبى عَّهُ لم يزد على الإشارة
بالُسَبحة . اختلف فى هذا ، فكره قوم من السلف رفعَ اليدين فى الخطبة والدعاء ، وهو قول
مالك (٣)، وحجة من قال ذلك هذا الحديث، وأجازه آخرون، وهو قول بعض
أصحابنا، وحجتهم رفع النبى معَّه يديه ومدّها فى الخطبة [والدعاء ] (٤) يوم الجمعة حين
استسقى(٥) .
(١) هو يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد.
(٢) هى عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة ، روت عن عائشة وحمنة بنت جحش .
(٣) والزهرى ومسروق ، فقد أخرج ابن أبى شيبة عنه قال: رفع الأيدى يوم الجمعة محدث ٢/ ١٤٧ . وله عن
عبد الله بن مُرَّة عن مسروق قال : رفع الإمام يوم الجمعة يديه على المنبر فرفع الناس أيديهم فقال
مسروق: قطع الله أيديهم . السابق.
(٤) من س .
(٥) ولابن أبى شيبة عن شعبة عن سماك بن حرب قال : قلت له : كيف كان يخطب النعمان ؟ قال : كان يلمع
بيده ، قال : وكان الضحاك بن قيس إذا خطب ضم يده على فيه . المصنف ١٦/٢ .
وما ذكره القاضى أخرجه أبو داود عن عمير مولى بنى أبى اللحم، أنه رأى النبى معَّ يستسقى عند
أحجار الزيت - موضع بالمدينة قريبا من الزوراء - قائما يدعو ، يستسقى ، رافعًا يديه قبل وجهه ، لا
يجاوز بهما رأسه . ك الصلاة ، ب رفع اليدين فى الاستسقاء ٢٦٦/١.

٢٧٨
كتاب الجمعة / باب التحية والإمام يخطب
(١٤) باب التحية والإمام يخطب
٥٤ _ (٨٧٥) وحدّثْنا أَبُو الرَّبَيعِ الزَّهْرَانِىُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، قَالاَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -
وَهُوَ ابْنُ زَيّد - عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ؛ قَالَّ: بَيْنَا النَّبِىُّ عَّهِ يَخْطُبُ
يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّعَهُ: ((أَصَلَّيْتَ يَا فُلاَنُ؟)) قَالَ: لاَ. قَالَ:
((قُمْ فَارْتَعْ )) .
( ... ) حدّثْنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيَّةَ وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِىُّ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أُّوبَ، عَنْ
عَمْرٍوٍ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ الَّبَِّّهِ. كَمَا قَالَ حَمَّدٌ. وَلَمَّ يَذْكُرِ الَرَّكْعَيْنِ.
٥٥ _ ( .. ) وحدّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْراهِيمَ - قَالَ قُتَيْيَةُ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ
إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ - عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ يَقُولُ: دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ،
وَرَسُولُ اللهِلَّهُ يَخْطِبُ، يَوْمَ الْجِّمُعَةَ. فَقَالَ: ((أَصَلَيْتَ ؟)) قَالَ: لاَ. قَالَ: (( قُمْ فَصَلٌ
الرَّكْعَتَيْنِ)). وَفِى رِوَايَةٍ قُتََّةً قَالَ: ((صَلِّ رَكْعَتَيْنِ)) .
٥٦ - ( ... ) وحدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ
وقوله: بينما النبى معَّ يخطب، إذ جاء رجل فقال له النبى معَة: ((أصليت
يا فلان؟)) قال: لا، قال: ((قم فاركع الركعتين)» ثم قال فى الحديث الآخر: ((إذا جاء
أحدكم والإمام يخطب فليركع ركعتين )) (١): قد تقدم كلام أبى عبد الله فى طرق منه أول
الباب ، ونزيد هنا ما لم يذكره ، فنقول : ذهب مالك والليث وأبو حنيفة والثورى
وأصحابهما وجمهور عن السلف من الصحابة والتابعين : أنه لا يركع ، وهو مروى عن
عمر وعثمان وعلى ، وحجتهم الأمر بالإنصات للإمام ، وقول ابن شهاب : خروج الإمام
يقطع الصلاة (٢)، ولم يخبر عن رأيه ، وأن ذلك سنة وعمل مستفيض فى زمن الخلفاء،
ولقوله الذى رآه يتخطى رقاب الناس: ((اجلس فقد آذيت)) (٣) ولم يأمره بركوع، وتأولوا
(١) الذى فى المطبوعة : والإمام يخطب يوم الجمعة .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة عن سعيد بن المسيب ٢/ ١١١ .
(٣) ابن خزيمة فى صحيحه ، ك الجمعة ، ب النهى عن تخطى الناس يوم الجمعة والإمام يخطب ، وإباحة زجر
الإمام عن ذلك فى خطبته من حديث عبد الله بن بسر بلفظ: ((اجلس فقد آذيت وآنيت)) ١٥٦/٣، وقد
أخرجه ابن أبى شيبة عن الحسن مرسلا بلفظ: ((أتيت وآذيت)) ١٤٤/٢، وكذا عبد الرزاق ٣/ ٢٤٠.

٢٧٩
كتاب الجمعة / باب التحية والإمام يخطب
الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ دِينَارِ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْد الله يَقُولُ:
جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِىُّ ◌َُّ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَوْمَ الْجُمُعَةَ، يَخْطُبُ. فَقَالَ لَهُ: (( أَرَكَمْتَ
رَكْعَتَيْنِ؟)) قَالَ: لاَ. فَقَالَ: ((ارْكَعْ )) .
٥٧ _ ( ... ) حدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرَ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ عَمْرو ؛ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله؛ أَنَّالنَّبِىَّ ◌َّهِ خَطَبَ فَقَالَ: (( إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ
يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ خَرَجَ الإِمَامُ ، فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ )).
٥٨ _ ( .. ) وحدّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنَ رُمْحِ،
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِر ؛ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِىُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ،
وَرَسُولُ اللهِ عَّهُ قَاعِدٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَعَدَ سُلَيْكٌ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّى، فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ عَ﴾:
(َرَكَعْتَ رَكَّعَتَيْنٍ؟)) قَالَ: لاَ . قَالَ: ((قُمْ فَارْكَمْهُمَا)).
٥٩ - ( .. ) وحدّثنا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِىُّ بْنُ خَشْرَمِ، كِلاَهُمَا عَنْ عِيسَى بْنِ
يُونُسَ، قَالَ ابْنُ خَشَرَمٍ: أَخْبَرَنَا عِيسَى عَنِ الأَعْمَثِ ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ
عليّ
حديث الداخل أنه إنما أمره النبى معَّه لأنه كان عُريانا أتى عليه خرقة ، فأمره النبى
ليقوم يصلى فيراه الناس ، وأنه فعل به ذلك فى الثانية / وفى الثالثة، وأمر الناسَ فى
الثالثة أن يتصدقوا بكسوة . رواه أبو سعيد الخدرى ، وأنها قضية فى عين ورجل مخصوص
ولعلّةٍ)) (١) لكن يعارضه الحديث الآخر: أمره - عليه السلام - بذلك من جاء يوم الجمعة،
وذهب الشافعى وأحمد وإسحق وفقهاء أصحاب الحديث إلى جواز ذلك ، وحجتهم هذه
الأحاديث . وقاله الحسن وأبو ثور (٢) ، وقال الأوزاعى: إنما يركعهما من لم يركعهما فى
بيته على ظاهر الحديث ، ورأى بعض المتأخرين من أصحاب الحديث استعمال الحديثين
والتخيير للرجل بين الوجهين (٣) .
١٤٤/أ
(١) أخرجه أحمد فى المسند ولفظه عن أبى سعيد قال: كنا مع رسول الله ﴾ يوم الجمعة، فدخَلَ أعرابىّ
ورسول الله عيه على المنبر، فجلس الأعرابى فى آخر الناس، فقال له النبي عليه: «أركعْت ركعتين؟»
قال: لا، قال: فأمره فأتى الرحبة التى عند المنبر فركع ركعتين. ٣/ ٧٠، وزاد الترمذى: فى هَيْئَة بذَّةٍ:
٣٨٥/٢.
(٢) وأخرجه ابن أبى شيبة فى المصنف ٢/ ١١٠، وقد أخرجه الترمذى من حديث العلاء بن خالد القُرشى
قال: رأيت الحسن البصرىَّ دخَلَ المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب، فصلَّى ركعتين ثم جلس . ك
الصلاة، ب ما جاء فى الركعتين إذا جاء الرجلُ والإمام يخطب ٣٨٦/٢ .
(٣) وهو قول ابن عباس وقتادة والثورى. راجع: المصنف لعبد الرزاق ٢٤٥/٣.

كتاب الجمعة / باب التحية والإمام يخطب
٢٨٠
الله؛ قَالَ: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِىُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ الله ◌َّهُ يَخْطُبُ، فَجَلَسَ، فَقَالَ
لَهُ: (يَاسُلَيْكُ، قُمْ فَارْكَعْ رَكْمَتَيْنٍ، وَتَجَوَّزَ فِيهِمَا)). ثُمَّ قَالَ: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلَرْكَعْ رَكْعَيْنٍ، وَلَيْتَجَّوَّزْ فِهِمَا ».
ومضمون هذه الأحاديث كلها أن الجمعة فى الجامع لا يبرز بها إلى الصحراء، ولا
تصلى فى غير مسجد ، وأنه من شروطها ، وهذا إجماع من العلماء إلا شىء حكاه
القزوينى تأويلا على المذهب أنه ليس من شرطها ، وقد أنكره شيوخنا .