النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كتاب صلاة المسافرين وقصرها / باب صلاة الخوف
٣٠٧ - (٨٤٠) حدَّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الله بْنِ نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلك
ابْنُ أَبِى سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُول الله عَّهِ صَلَاةً
الخَوْفِ . فَصَفَّنَا صَفَّيْن: صَفَهُّ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ عَّهُ وَالعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَبْلَةِ، فَكَّرَ النَبِىُّ
◌َ* وَكَبَرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّرَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا،
ثُمَّانْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّالَّذِىِ يَلِيهِ، وَقَامَ الصَّفْ المؤَخَّرُ فِى نَحْرِ العَدُوِّ. فَلَمَّا قَضَى
الأخرى فصلى بهم ركعة ، ثم ثبت جالساً حتى أتموا لأنفسهم ، ثم سلم بهم))، وبهذا أخذ
مالك والشافعى وأبو ثور وذكر عنه من طريق آخر (( أنه صفهم خلفه صفين ، فصلى بالذين
يلونه ركعة ، ثم قام فلم يزل قائما حتى صلى الذين خلفه ركعة ، ثم تقدموا وتأخر الذين
كانوا قدامهم فصلى بهم ركعة ، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة ثم سلم )) زاد فى
كتاب أبى داود (١): ((بهم جميعاً))، وترجم عليه أن هذه الأولى إذا صلت ركعة (٢) أو
تقدمت لم يسلم .
وذكر حديث عطاء وأبى الزبير عن جابر أن النّى عَلَّ صفهم صفين خلفه ، والعدو
بينهم وبين القبلة ، وذكر أنه (٣) صلى جميعهم بصلاته، حتى إذا سجد سجد معه الصف
الذى يليه ، وقام المؤخر فى نحو العدو ، فلما قضى السجود سجد الصف المؤخر وقاموا ،
ثم تقدموا وتأخر المقدم ، وذكر فى عملهم فى الركعة الثانية كما ذكر فى الأولى ، ونحوه
حديث ابن عباس ، إلا أنه [ يقول ] (٤): ليس فيه [ ذكر] (٥) ، تقدم الصف الثانى فى
الركعة الثانية وتأخر الأول ، وبهذا قال ابن أبى ليلى وأبو يوسف ، إذا كان العدو فى
القبلة، وروى عن الشافعى أيضاً مثله ، واختاره بعض أصحابنا وأصحابه ، إلا أن فى رواية
عطاء عن جابر: ((صفَّهم صفين خلفه)) وليس للفظة صف هنا معنى كما جاءت ساقطة
فى غيره ، لأنهما جميعاً كانوا خلفه .
وذكر - أيضاً - حديث أبى سلمة عن جابر ، أنه صلى أربع ركعات بكل طائفة
ركعتين ، وهو اختيار الحسن ، وذكر عن الشافعى ، ورواه غير مسلم من طريق أبى بكرة
وجابر وأنه سلم من كل ركعتين . وقال الطحاوى : إنما كان هذا أول الإسلام إذا كان يجوز
أن تصلى الفريضة مرتين، ثم نسخ ذلك فهذه ستة وجوه فى صلاة الخوف، وفيها وجه سابع
رواه ابن مسعود وأبو هريرة وهو الذى أخذ به أبو حنيفة وأصحابه إلا أبا يوسف ، وهو
(١) ك الصلاة، ب صلاة الخوف ٢/ ١٥.
(٢) فى س : ركعتها .
(٤) من س .
(٣) فى س : أنهم .
(٥) ساقطة من س .

٢٢٢
كتاب صلاة المسافرين وقصرها / باب صلاة الخوف
النَّبِىُّ ◌َّهِ السُّجُودَ، وَقَامَ الصَّفَبُّالَّذِى يَلِيهِ انْحَدَرَ الصَّفْتُّ الْمُؤَخَّرُ بالسُّجُودِ، وَقَامَ الصَّفُّ
الَّذِى يَلِيه، انْحَدَرَ الصَّفْتُّالمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، وَقَامُوا. ثُمَّ تَقَدَّمُ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ، وَتَأَخَرَ
الصَّفَبُّ الُقَدَّمِ ثُمَّ رَكَعَ النَّبِىُّ ◌َّهُ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرِّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا،
نص قول أشهب من أصحابنا ، خلاف ما تأول عليه ابن حبيب أن النبى - عليه السلام -
صلى بالطائفة التى وراءه ركعة ثم انصرفوا ولم يسلموا ، فوقفوا بإزاء العدو وجاء الآخرون
فصلى بهم ركعة ثم سلم ، فقضى هؤلاء من ركعتهم ثم سلموا وذهبوا ، فقاموا مقام
أولئك، ورجع أولئك فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا .
والفرق بين هذه الرواية ورواية ابن عمر أن ظاهر قضاء أولئك فى حديث ابن عمر فى
حال واحدة ، ويبقى الإمام حارساً لهم فيه وحده وهاهنا قضاؤهم متعرف على صفة صلاته ،
وقد تأول بعضهم حديث ابن عمر على مافسر فى حديث ابن مسعود .
وفيه وجه ثامن ، ذكره أبو داود فى حديث ابن مسعود أنه - عليه السلام - كَبَّر فكبّر
معه الصفان جميعاً. وفيه أن الطائفة الثانية لما صلت معه ركعة وسلم رجعت إلى مقام
أصحابها ، وجاءت الطائفة الأولى فصلوا ركعة لأنفسهم فرجعوا إلى مقام أصحابهم ، وأتم
أولئك لأنفسهم ركعة .
وفيه وجه تاسع ذكره أبو داود (١) من رواية أبى هريرة أنه قامت مع النبى عَّه طائفة
مقابل العدو ، وظهورهم إلى القبلة ، فكبر جميعهم ثم صلى بالذين معه ركعة والآخرون
قيام ، ثم قام وذهبت الطائفة التى معه إلى العدو وأقبلت تلك فصلى بهم ركعة ، ثم أقبلت
الطائفة الأولى فصلوا ركعة ورسول الله عَّ قاعد ومن معه، ثم سلم وسلموا جميعا (٢).
وفيها وجه عاشر من رواية عائشة أنه - عليه السلام - كبر وكبرت معه الطائفة التى
(١) ك الصلاة، ب من قال: يُصلِّى بكل طائفة ركعةً ثم يُسلم، فيقوم الذين خلفه فيصلون ركعة ثم يجىء
الآخرون إلى مقام هؤلاء فيصلون ركعة ١ / ٢٨٦، من طريق عمران بن ميسرة ، ولفظه عنه قال: صلى
بنا رسول الله عَّ صلاة الخوف، فقاموا صفّا خلف رسول الله عَّه وصفًا مستقبل العدو ، فصلى بهم
رسول الله عَّ ركعة. ثم جاء الآخرون فقاموا مقامهم، واستقبل هؤلاء العدوَّ، فصلَّى بهم النبى معَُّ
ركعةً ثم سلَّم ، فقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعةً ثم سلموا ، ثم ذهبوا ، فقاموا مقام أولئك مستقبلى
العدو ، ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعةً ثم سلموا .
ومن طريق تميم بن المنتصر بلفظ: ((فكبّر نبى الله عَّه فكَبَّر الصفَّن جميعاً)). وقد صلاها عبد الرحمن
ابن سمرة على هذه الصورة فى غزوهم أرض كابل بأفغانستان - كما أخرجه أبو داود عن عبد الصمد بن
حبيب .
(٢) أبو داود، ك الصلاة، ب من قال: إذا صلى ركعةً وثبت قائما أتموا لأنفسهم ركعةً ثم سلموا ، ثم
انصرفوا فكانوا وجاه العدوِّ، واختَلِفَ فى السلام ١ / ٢٨٣ . وكان ذلك عام غزوة نجد .

٢٢٣
كتاب صلاة المسافرين وقصرها / باب صلاة الخوف
ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَُّّ الَّذِى يَلَيهِ الَّذِى كَانَ مُؤَخَّرًا فى الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَقَامَ الصَّفُّ
المُؤَخَّرُ فِى نُحُورِ العَدُوِّ. فَلَمَّا قَضَىَ الثَّبِىُّ عَّهِ السُّجُودَ وَالصَّفَبُّالَّذِى يَلِيه، انْحَدَرَ
الصَّفَبُّ المُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا. ثُمَّ سَلَّمَ النَِّىُّ ◌َُّ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا. قَالَ جَابِرٌ: كَمَا
يَصْنَعُ حَرَسُكُمْ هَؤُلاء بِأُمَرَائِهِمْ .
تليه وصلى بهم ركعة وسجدة وثبت جالساً ، وسجدوا هم السجدة التى بقيت عليهم ، ثم
انصرفوا القَهْقَرَى [ حتى](١) قاموا من ورائهم ، وجاءت الطائفة الأخرى فكبّروا ثم ركعوا -
يعنى لأنفسهم - ثم سجد النبى عَّ ــ يعنى سجدته التى بقيت عليه من الركعة الأولى -
فسجدوا معه ، ثم قام النبى ◌َّه وأتموا هم السجدة التى بقيت عليهم ، ثم قامت الطائفتان
فصلى بهم جميعاً ركعة كأسرع الإسراع .
وفيه وجه حادى عشر جاء فى حديث ابن أبى حَثْمة من رواية صالح بن خوات بن
جبير (٢)، أن الطائفة الأولى لما صلت ركعتها مع النبى ◌َّ ثم صلت الركعة الأخرى
لأنفسها سلَّمِت ثم تقدمت ، وجاء الأخرى (٣) ، وهذا خلاف الحديث الآخر الذى ذكر فيه
آخراً: (( ثمَّ سلم بهم جميعاً » (٤) / .
١٣٨/ ب
وفيه وجه ثانى عشر من رواية يحيى بن سعيد عن القاسم فى حديث ابن أبى حثمة :
أن النبى - عليه السلام - سلَّم عند تمام صلاته الركعة بالطائفة الثانية ، وأتموا بعد سلامه،
خلاف الروايات الأخر عن القاسم ويزيد بن رومان أنه انتظرهم حتى قضوا ثم سلَّم (٥)،
وقد اختلف قول مالك فى الأخذ برواية القاسم أو رواية يزيد . وبرواية يحيى عن القاسم
(١) فى الأصل : حين ، وهو تصحيف.
(٢) فى الأصل: حيى، وهو تصحيف . راجع: التاريخ الكبير للبخارى (٤)، الترجمة (٢٧٩٥). الجرح
والتعديل (٤) الترجمة (١٧٤٦)، تهذيب الكمال (١٣) الترجمة (٢٨٠٣).
(٣) الباب السابق .
من حديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح بن خوَّات عن سهل بن أبى حثمة أن النبى معَّه
صلى بأصحابه فى خوفٍ ، فجعلهم خلفه صفين ، فصلَّى بالذين يلونه ركعة ، ثم قام ، فلم يزل قائماً
حتى صلى الذين خلفهم ركعة، ثم تقدموا وتأخَّر الذين كانوا قدامهم، فصلى بهم النبى عَّه ركعة ثم
قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة ثم سلَّم ١ / ٢٨٣ .
(٤) حديث يزيد بن رومان عن صالح بن خوّات .
(٥) من طريق مالك ، ولفظه عن سهل بن أبى حثمة الأنصارى : أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام وطائفة من
أصحابه وطائفة مواجهة العدو ، فيركع الإمام ركعةً ويسجد بالذين معه ثم يقوم ، فإذا استوى قائماً ثبت
قائما ، وأتموا لأنفسهم الركعة الباقية ، ثم سلموا وانصرفوا والإمام قائم ، فكانوا وجاه العدو ، ثم يقبل
الآخرون الذين لم يصلوا فيكبرون وراء الإمام ، فيركع به ويسجد بهم ، ثم يسلم ، فيقومون فيركعون
لأنفسهم الركعة الباقية ، ثم يسلمون ١ / ٢٨٣ .

٢٢٤
كتاب صلاة المسافرين وقصرها / باب صلاة الخوف
٣٠٨ - ( ... ) حدَّثَنَا أَحَمْدُ بْنُ عَبْد الله بْنِ يُونُسَ، حَدَّثْنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابر، قَالَ:
غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ عَّهُ قَوْمًا مِنْ جُهَيْنَةَ، فَقَاتَلُونَا قَتَالا شَديدًا، فَلَمَّا صَلَيْنَ الظُّهْرَ قَالَ
المُشْرِكُونَ: لَوْ مِلْنَا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً لَاقْتَطَعْنَاهُمْ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللهِ عَّهَ ذَلِكَ. فَذَكَرَ
أخذ أكثر أصحاب مالك لصحة [القياس ] (١) أن القضاء يكون بعد سلام الإمام ، وهو
اختيار أبى ثور ، واختار الشافعى الرواية الأخرى .
وفيه وجه ثالث عشر ، وهو الذى حكاه الإمام أبو عبد الله عن إسحق قبل من صلاة
الإمام لكل طائفة ركعة ، فيكون له ركعتان ولهم ركعة ركعة ، وتجزيهم. وذكر أبو داود من
[ رواية] (٢) حذيفة وأبى هريرة وابن عمر عنه - عليه السلام - قال: ((ولم يقضوا)) (٣)
ويعضده الحديث المتقدم فى القصر من قوله : (( وصلاة الخوف ركعة ))، وذهب أحمد بن
حنبل والطبرى وإسحق وبعض الشافعية إلى التخيير فى العمل [ بهذه الأحاديث ] (٤)،
وتجويز الجميع منها ، قالوا : ويجوز أن يكون ذلك فى مراتب على حسب شدة الخوف ،
إلا أن أحمد اختار حديث سهل بن أبى حثمة (٥) وقال إسحاق : كلها جائز ، وذلك على
قدر الخوف ، وخيّر الثورى فيها بين ثلاثة أوجه [ بين ] (٦) العمل بحديث ابن مسعود ، أو
حديث حذيفة ، أو حديث [ ابن عباس ] (٧) ، وهو اختيارى على اضطراب من قول الثورى
فى الباب (٨) . قال الخطابي: صلاة الخوف أنواع، صلاها النبى معَّيه فى أيام مختلفة
وأشكال متباينة ، يتوخى فى كلِّها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ فى الحراسة ، وهى على
(١) من س .
(٢) ساقطة من الأصل .
(٣) باب من قال: يصلى بكل طائفة ركعة ولا يقضون ١ / ٢٨٦.
وهو من حديث ثعلبة بن زهدم قال : كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان ، فقام فقال : أيكم صلى مع
رسول الله ﴾ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة : أنا ، فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ، ولم يقضوا . قال
أبو داود : وكذا رواه عبيد الله بن عبد الله، ومجاهد عن ابن عباس عن النبى تَّه، وعبد الله بن شقيق
عن أبى هريرة عن النبى ◌ّ . وأبو موسى رجل من التابعين ليس بالأشعرى جميعا عن جابر عن النبى
۵﴾ ،وكذلك رواه سماك الحنفی عن ابن عمر عن النبی م#ے ،وكذلك رواه زيد بن ثابت عن النبى
قال الشوكانى فى النيل : إسناده رجال الصحيح . إعلاء السنن ٨ / ١٦٣ .
(٥) فى س : خيثمة ، وهو خطأ.
(٤) من س ، وفى الأصل : بها .
(٦) من س .
(٧) فى الأصل: أبى عياش الزرقى . والمثبت من س ، وهو الذى ترجح لنا فى دراستنا لمرويات صلاة الخوف
حيث قلنا : إن رواية عباس الزرقى لاتصلح لأن تكون أصلاً فى المسألة ، وذلك لأن عياش الزرقى
مختلف فى صحبته ، وإنما جاء القول بصحبته من المتأخرين . انظر : بذل المجهود ٦ / ٣٢٨، ورواية ابن
عباس هى التى يترجّح بها كونها ركعة للمأمومين وركعتين فى الرباعية للإمام .
(٨) الذى فى أبى داود هو رواية الثورى بمعنى رواية ابن مسعود عن خصيف ١ / ٢٨٦.

٢٢٥
كتاب صلاة المسافرين وقصرها / باب صلاة الخوف
ذَلِكَ لَنَا رَسُولُ اللهِعَّهُ. قَالَ: وَقَالُوا: إِنَّهُ سَتَأْتِيهِمْ صَلاة هِىَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ الأَوْلادِ،
فَلَمَّا حَضَرَتِ العَصْرُ، قَالَ: صَفَّنَا صَفَّيَّن. وَاَلُشْرِكُونَ بَيْتَنَا وَبَيْنَ القَبْلَةِ. قَالَ : فَكَبَّرَ
رَسُولُ اللهِ عَّهِ وَكَبَّرْنَا، وَرَكَعَ فَرَكَعْنَا، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ. فَلَمَّا قَامُوا
سَجَدَ الصَّفَةُّ الثَانِى، ثُمَّ تَأَخَّرَ الصََّتُّالأَوَّلُ وَتَقَدََّ الصَّفُّالثانِى، فَقَامُوا مَقَامَ الأَوَّل ،
فَكَّرَ رَسُولُ الله ◌َةٍ وَكَبَّرْنَا، وَرَكَعَ فَرَكَعْنَا، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ، وَقَامَ
الثَّانِى، فَلَمَّا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِى، ثُمَّ جَلَسُوا جَمِيعًا، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ
اختلاف صورها [ مؤتلفة فى المعانى ] (١) . وهذا يعنى حديث جابر وابن عباس هو الاختيار
إذا كان العدو بينهم وبين القبلة (٢)، فإذا كان وراء القبلة صلى بهم صلاة يوم ذات الرقاع ،
يعنى على حديث سهل بن أبى حثمة (٣) .
قال القاضى: صلى النبى معَّه صلاة الخوف فى مواطن كثيرة ، ذكر ابن القصَّار أنه
صلاها فى عشرة مواضع ، وذكر غيره أنه صلاها أكثر من هذا العدد . ففى حديث ابن أبى
حئمة وأبى هريرة وجابر صلاها فى يوم ذات الرقاع سنة خمس من الهجرة ، وفى حديث
أبى عياش الزرقى أنه صلاها بعُسْفان ويوم بنى سُليم ، وحديث جابر فى غزاة جهينة وفى
غزوة بنى محارب بنخل ، وروى أنه صلاها بغزوة نجد يوم ذات الرقاع ، وهى غزوة نجد
وغزوة غطفان ، وقد ذكر بعضهم صلاته إياها ببطن نخل على باب المدينة ، وعليها حمل
بعضهم صلاته بكل طائفة ركعتين ، لكن مسلماً قد ذكرها فى غزوة ذات الرقاع ، وأيضاً
فقد ذكر سلامه منها من كل ركعتين فى حديث أبى بكرَة وجابر [ للدارقطنى ] (٤)، وذكر
من حديث أبى بكرة - أيضا - أنه صلى المغرب بهم أثلاثا (٥) .
وقوله فى حديث جابر من رواية أبى الزبير: (( فى الركعة الثانية ، ثم سجد وسجد
[معه] (٦) الصف الأول)) يعنى المقدم الآن .
وقوله: ((وأقام معه الثانى، فلما سجد الصفَّ الثانى)) يعنى المؤخر كما جاء مفسّرًا
(١) من المعلم ، والذى فى نسخ الإكمال : متفقة المعنى.
(٢) عبارة المعلم : وهذا النوع منها هو الاختيار إذا كان العدو بينهم وبين القبلة ٢ / ٦٤ .
(٣) سبق قريبا ، ص ٢٢١ .
(٤) فى جميع النسخ : الدارقطنى ، وما أثبتنا هو مقتضى السياق ، وقد أخرجها الدارقطنى فى سننه ، ك
العيدين ، ب صفة صلاة الخوف ٢ / ٩١ .
(٥) أى ثلاثا ثلاثا. وذلك فيما أخرجه عن أبى بكرَة أن النبى معَّ صلى بالقوم صلاة المغرب ثلاث ركعات ،
ثم انصرف وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاث ركعات، فكانت للنبى عليه ست ركعات وللقوم ثلاث ثلاث.
(٦) ساقطة من الأصل .

٢٢٦
كتاب صلاة المسافرين وقصرها / باب صلاة الخوف
قَالَ أَبُو الزَّبَيْرِ: ثُمَّ خَصَّ جَابِرٌ أَنْ قَالَ: كَمَا يُصَلِّى أُمَرَاؤُكُمْ هَؤُلاء.
٣٠٩ - (٨٤١) حدَّنا عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذ العَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْد
الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَّوَّاتِ بَّنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِى حَتْمَةَ؛ أَنَّ
رَسُولَ الله عَّه صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِى الْخَوْفِ، فَصَفَّهُمْ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ يَلُونَهُ
رَكْعَةً، ثُمَّ قَامَ. فَلَمْ يَزَلْ قَائِمَا حَتَّى صَلَّىَ الَّذِينَ خَلْفَهُمْ رَكْعَةً. ثُمَّ تَقَدَّمُوا وَتَأَخَّرَ الَّذِينَ
كَانُوا قُدَّامَهُمْ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ قَعَدَ حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ تَخَلَّقُوا رَكْعَةً ، ثُمَّ سَلَّمَ .
فى رواية عطاء . واختلف العلماء بعد هذا فى صفة صلاة الإمام المغرب فى الخوف ، فمالك
والشافعى وأحمد وإسحق وجماعة أنه يصلى بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة ، وأبو حنيفة
وأصحاب الرأى مثله إلا أنه يخالف فى صفة القضاء على أصله ، بل يخالف أصله فى
صلاة المغرب فيجعل إذا سلم الإمام بالآخرة نهضت من غير سلام ولا قضاء إلى مقام
أصحابها وجاه (١) العدوّ. وجاءت الأولى فلا تقضى على أصله إلا بعد سلام الإمام ،
فتقوم مقام أصحابها وتقضى ما بقى عليها وتسلّم ، ثم ترجع إلى مصافِّها ، وتنصرف
الأخرى فتقضى ما سبقها به الإمام ، وذهب الحسن إلى أن الإمام يصلّى ست ركعات ،
لكل طائفة ثلاث ركعات .
وقوله فى الحديث: (( قام فلم يزل قائماً حتى صلى الذين خلفهم ركعة )) وقوله فى
الحديث الآخر : (( ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم)) لا خلاف فى أن هذا حكم الإمام إذا
صلى بكل طائفة ركعة أنه يثبت قائما ، وأما إن كان فى صلاة حضر أو كانت المغرب ،
فاختلف فيه ، هل ينتظرهم قائماً أو جالسا (٢) ؟ واختلف فيه قول مالك وأصحابه ، وهل
يقرأ مادام يقضى الأولى إذا كان قائما أم لا حتى تأتى الطائفة الثانية؟ اختلف فيه أصحابنا ،
وقال بعضهم : هو مخيّرٌ بين أن يسكت أو يدعو إلى أن تحرم خلفه الطائفة الأخرى الثانية،
ولا يقرأ إلا أن يكون فى صلاة سفر ، وحيث يمكنه تطويل القراءة حتى تحرم الطائفة الثانية
(١) فى س : وجاء ، وهو خطأ .
(٢) إلى القول بجواز صلاتها فى الحضر إذا وقع الخوف ذهب الشافعى والجمهور ، وذلك لعموم قوله تعالى:
﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [ النساء: ١٠٢ ] فلم يقيد ذلك بالسفر . راجع بحثنا السابق ذكره:
٢٧٥ .
وقال الشافعى : وكل جهاد كان مباحاً فخاف أهله كقتال أهل البغى ، وجهاد قطاع الطريق ، ومن أراد
مال رجلٍ أو نفسه أو حريمه يُصلِّى ، صلاة الخوف ، ولأبى حنيفة : تجوز صلاة الخوف من كل خوف
كهرب من سيل ، أو حريق ، أو سبع ، أو جمل ، أو كلب ضار ، أو صائل ، أو لصٍ ، أو ثعبان ، أو نحو
ذلك ، ولم يجد معدلا عنه . راجع: معرفة السنن والآثار ٥ / ٣٦.

٢٢٧
كتاب صلاة المسافرين وقصرها / باب صلاة الخوف
٣١٠ - (٨٤٢) حدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ
رُوْمَانَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ عَّهُ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلاةَ
خلفه قبل تمامها ، وحجة من قال: لا يقرأ، قوله: (( فصلى بهم الركعة الثانية ))، ولو
قرأ قبلهم لقال : فركع بهم .
وقول ابن عمر: ((فإن كان خوفاً أكثر من ذلك فصلِّ راكباً أو قائماً يومئ إيماءً)) (١)
قال فى الموطأ: ((مستقبلى القبلة أو غير مستقبليها)) (٢) وبهذا أخذ مالك والثورى
والأوزاعى والشافعى وعامة العلماء ، وقاله أهل الظاهر لعموم قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُم ﴾ الآية(٣)،
قال بعض شيوخنا : هذا بحسب الحال وحسب ما يتفق له من التمكن من الصلاة والقبلة
[ أم لا ] (٤)، ومنع أبو حنيفة وابن أبى ليلى من صلاة المسايف، وأنه لايصلى الخائف
إلا إلى القبلة (٥) ، وقال جماعة من السلف : يصلى فى الخوف ركعة يومئ بها إيماء ، وهو
قول جابر بن عبد الله والحسن وطاووس والحكم وحماد وقتادة ومجاهد ، وذلك فى القتال،
وقاله الضحّاك قال: فإن لم يقدر على ركعة فتكبيرتان حيث كان وجهه ، وقال إسحق :
أمّا عند السِّة(٦) فتجزئ ركعة يومئ بها، فإن لم يقدر فسجدة، فإن لم يقدر فتكبيرة (٧)،
وقال الأوزاعى نحوه إذا تهيأ الفتح ، لكن إن لم يقدر على ركعة ولا على سجدة لم يجزه
التكبير وأخرها حتى يأمنوا ، وعن مكحول نحوه ، وقد تقدم فى الأم فى باب قصر الصلاة
فى حديث ابن عباس : (( فرض الخوف ركعة))، ومنع مكحول وبعض أهل الشام من
صلاة الخائف جملة متى لم يتهيأ له صلاتها على وجهها ، وأنه إن لم يقدر على ذلك
(١) ولفظه: ((فإذا كان خوفٌ أكثرَ من ذلك فصَلِّ راكباً أو قائما تومئ إيماءً)). وقد نسبه ابن عبد البر فى
التمهيد للثورى ١٥ / ٢٨٢ .
(٢) ك صلاة الخوف، ب صلاة الخوف ١ / ١٨٤ .
(٣) البقرة : ٢٣٩ .
(٤) من س .
(٥) قالا : لا يصلى الخائف إلا إلى القبلة ، ولا يصلى أحد فى حال المسايفة ، قال ابن عبد البر : قال الثورى :
إذا كنت خائفاً فكنت راكباً أو قائماً أومأت إيماء حيث كان وجهك ركعتين ، تجعل السجود أخفض من
الركوع ، وذلك عند السلة ، والسلة المسايفة . التمهيد ١٥ / ٢٨٢ .
(٦) فى س : السلف .
(٧) لعله أبو إسحق ، فهو وحده الذى وجدنا له رواية فى هذا الباب ، ولكنها على غير ما ذكر القاضى . وما
ذكره فهو . عن مجاهد والحكم قالا : إذا كان عند الطراد وعند سلِّ السيوف أجزأ الرجل أن تكون
صلاته تكبيرا ، فإن لم يكن إلا تكبيرة واحدةً أجزأته أينما كان وجهه ، مصنف ابن أبى شيبة ٢ / ٤٦٠.
أما ما جاء عن أبى إسحاق فى هذا الباب فهو فيما أخرجه ابن أبى شيبة عنه عن الحارث عن على قال:
صليت صلاة الخوف مع النبى معَّه ركعتين ركعتين إلا المغرب فإنه صلاها ثلاثا)).
وله عنه عن سليم بن عبد عن حذيفة قال : صلاة الخوف ركعتان وأربع سجدات ، فإن أعجلك
العدوّ فقد حلّ لك القتال والكلام بين الركعتين . السابق ٢ / ٤٦٥ .
وأبو إسحق هو عمرو بن عبد الله بن عبيد السبيعى الكوفى .

٢٢٨
كتاب صلاة المسافرين وقصرها / باب صلاة الخوف
الخَوْف؛ أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ. وَطَائِفَةٌ وُجَاهَ العَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةٌ ، ثُمَّ ثَبَتَ
قَائِمًا وَأَتَمُوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُوا وُجَاهَ العَدُوِّ، وَجَاءَتَ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَصَلَّى
بِهِمْ الرَّكْعَ الَّتِى بَقِيَّتْ، ثُمَّ ◌َبَتَ جَالِسًا، وَأَنَّمُوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمَ .
أخَّرها حتى يقدر (١) ، وحكى عنهم - أيضاً - إنما ذلك إذا لم يقدروا على صلاتها إيماءً،
واحتجوا بصلاة النبى معَّه يوم الخندق وبقوله: ((شغلونا عن الصلاة)) (٢) قالوا : ولو كان
يجوز صلاتها كيف تهيأت لم يشغله ذلك عنها ، والحجة عليهم أنَّ صلاة الخوف إنما
شرعت بعد ذلك ، فهى ناسخة لكل ما تقدمها ، واختلف بعد هذا من قال : يصلى كيف
تيسّر عليه فى الطالب (٣)، مع اتفاقهم فى المطلوب . فمالك يسوِّى بينهما وجماعة من
أصحابه ، وقال الشافعى والأوزاعى وفقهاء أصحاب الحديث / : لا يصلى الطالب إلا
بالأرض ، وهو قول ابن عبد الحكم ، إلا أن الشافعى يقول : إن خشى الطالب كرّةً
المطلوبين وانقطع عن أصحابه ، كان له أن يصلى إيماءً . وقال الأوزاعىّ نحوه إن كان
الطالب قرب المطلوب صلى إيماء .
١٢٩ / أ
واختلفوا - أيضا - فيما يباح له من العمل فى الصلاة فجمهورهم على جواز كل ما
يحتاج إليه فى مطاردة العدو ، وما يضطر إليه من مدافعته والمشى إليه ، وقال الشافعى :
إنما يجوز من ذلك الشيء اليسير والطعنة والضربة ، فأما ما كثر فلا تجزيه الصلاة به ،
ونحوه عن محمد بن الحسن .
وقوله : ((وُجَاهَ العدوِّ)) بكسر الواو وضمِّها ، مثل قوله : مواجهة العدوّ ، أى
مقابلته ، كما قال فى الحديث الآخر: ((وجوههم إلى العدو)) وقوله فى الرواية الأخرى :
((( فى نحر العدوِّ )) وبمعناه، أى فى مقابلته، ونحو كلِّ شيء أوله.
وقوله فى حديث جابر: (( ستأتيهم صلاة هى أحب إليهم من الأولاد » كذا روايتنا
عن شيوخنا، وعند بعضهم: ((من الأولى)) والصواب الأول ، وكذا رواها ابن أبى شيبة:
(( وقال: هى أحب إليهم من أبنائهم)) (٤) . ورواه الدارقطنى (٥) من حديث عبد الرزاق
كذلك وزاد: (( وأنفسهم ».
(١) حكاه ابن عبد البر عن الأوزاعى. التمهيد ١٥ / ٢٨٢ .
(٢) الحديث سبق فى كتاب المساجد، ب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هى صلاة العصر (٣٦).
(٣) والمراد بالطالب هو الذى يكون فى طلب العدو ، سائرا خلفه ليقتله .
(٤) المصنف ٢ / ٤٦٥، ولفظها فيه: ((هى أحب إليهم من أموالهم وأبنائهم)).
(٥) فى السنن ، ك الصلاة، ب صفة صلاة الخوف وأقسامها ٢ / ٥٩، وعبد الرزاق فى المصنف، ب كيف
كانت الصلاة قبل صلاة الخوف ٢ / ٥٠٥ .

1
كتاب صلاة المسافرين وقصرها / باب صلاة الخوف
٢٢٩
٣١١ - (٨٤٣) حدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ،
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ ؛ قَالَ : أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ الله
ـلى الله
حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَّرَةَ ظَلِيلَة تَرَكْنَاهَا لَرَسُول الله عَُّ
قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَسَيُّ رَسُول الله عَّةٍ مُعَلَّقٌ بِشْجَرَةَ، فَأَخَذَ سَيَّفَ نَبِىِّ الله
◌َِّ فَاخْتَرَطَهُ. فَقَالَ لِرَسُولَ الله عََّ: أَنْخَافُتِى؟ قَالَ: (( لا)). قَالَ: فَّمَنْ يَمْتَعُكَ مِنِّى ؟ قَالَ:
(اللّهُ يَمْتَعُنِى مِنْكَ )) . قَالَ: فَتَهَدََّهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِعٍَّ. فَأَغْمَدَ السَّفَ وَعَلَّقَهُ. قَالَ:
فُنُودِىَ بَالصَّلاةِ. فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ .
قَالَ : فَكَانَتْ لَرَسُولِ الله ◌َُّ أَرْبَعَ رَكْعَاتِ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ .
٣١٢ - ( ... ) وحدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبد الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى -
يَعْنِى ابْنِ حَسَّنَ - حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - وَهُوَ ابْنُ سَلام - أَخْبَرَنِى يَحْيَى، أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ
ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ جَابِرًا أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ عَِّ صَلَاةَ الْخَوْفِ ، فَصَلَّى
رَسُولُ اللهِ عَّهُ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، فَصَلَّى
رَسُولُ اللهِ عَّهُ أَرْبَعَ رَكْعَاتٍ، وَصَلَّى بِكُلَّ طَائِقَةٍ رَكْعَتَيْنِ.
وقوله: (( بذات الرقاع)) : غزوة ذات الرقاع سنة خمس من الهجرة بنجد من أرض
غطفان (١)، سميت بشجرة هناك يقال لها ذات الرقاع، وقيل : فيها فرضت صلاة الخوف ،
(١) هذا ما ذهب إليه ابن سعد وابن حبان . وعند أبى معشر أنها كانت بعد بنى قريظة والخندق ، ولما كانت
غزوة قريظة فى ذى القعدة سنة خمس فتكون ذات الرقاع فى آخر السنة وأول التى تليها ، وجزم موسى بن
عقبة بتقدم غزوة ذات الرقاع ، لكن تردّد فى وقتها ، فقال : لا ندرى كانت قبل بدر أو بعدها أو قبل أحد
أو بعدها . قال الحافظ : وهذا التردد لا حاصل له ، بل الذى ينبغى الجزم به أنها بعد غزوة بنى قريظة
الفتح ٧ / ٤٨٢ .
قلت : وقد ذهب أهل المغازى إلى أنها كانت قبلها ، ثم اختلفوا فى زمانها ، فعد ابن إسحق : أنها
بعد النضير وقبل الخندق سنة أربع، قال: أقام رسول الله # بعد غزوة بنى النضير شهر ربيع وبعض
جمادى - يعنى من سنته - وغزا نجداً يريد بنى محارب وبنى ثعلبة من غطفان ، حتى نزل نخلاً ، وهى
غزوة ذات الرقاع .
وإلى القول بأن ((ذات الرقاع)) كانت بعد خيبر مال الإمام البخارى . السابق.
وغزوة (( ذات الرقاع)) هى غزوة محارب خصفة من بنى ثعلبة من غطفان ، وكان سببها أن أعرابيا قدم
بجلب إلى المدينة فقال : إنى رأيت ناساً من بنى ثعلبة ومن بنى أنمار ، وقد جمعوا لكم جموعاً وأنتم فى
غفلة عنهم ، فخرج النبى معه فى أربعمائة ويقال: سبعمائة. فتح البارى ٧ / ٤٨١ ..

٢٣٠
كتاب صلاة المسافرين وقصرها / باب صلاة الخوف
وقيل : فى غزوة بنى النضير ، وقيل : سميت هذه الغزوة ذات الرقاع بجبل هناك يقال له :
الرقاع لبياض وحمرة وسواد فيه ، وقيل : بل لأن المسلمين [ نقبت ] (١) أقدامهم وتخرَّقت
نعالهم ، فلقُّوا الرقاع على أرجلهم ، وكذا فسره فى الأم وقيل : بل رقعوا راياتهم .
(١) فى الأصل تعبت، والمثبت من س، والأبى، وهى ما جاءت به رواية البخارى ، ك المغازى، ب غزوة
ذات الرقاع ٥ / ١٤٥ .

٢٣١
كتاب الجمعة / باب وجوب غسل الجمعة ... إلخ
بسم الله الرحمن الرحيم
٧ - كتاب الجمعة
١ - (٨٤٤) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى التَّمِيمِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجرِ ، قَالاً:
أَخْبَنَا اللَّيْثُ حَ وَحَدَّثَنَا قُنَةُ، حَدَثْنَا لَيْثٌ. عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: سَمِعَتُ رَسُولَ
الله عَّ يَقُولُ: ((إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِىَ الْجُمُعَةَ، فَلَيَغْتَسِلْ)) .
٢ - ( .. ) حدّثَنَا قُتَيَّةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ
عَنِ ابْنِ شِهَبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ رَسُول الله
تََّ؛ أَنَّهُ قَالَ - وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِثْبَرِ -: (( مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ)).
( ... ) وحدّثَنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى
ابْنُ شِهَبٍ، عَنْ سَالِمٍ وَعَبْدِ اللهِ ابْنَىْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهُ.
بمثله .
٠٠
( .. ) وحدّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْنَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ
شِهَبٍ، حَدَّثَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِهِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِعَّه يَقُولُ بِمِثْلِهِ.
٣ - (٨٤٥) وحدّثْنِى حَرْمَلَهُ بْنُ يَحْنَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب ، اخْبَرِنِی یُونُسُ ، عَنِ ابْنِ
شِهَبٍ، عَنْ سَالِمِ بْنُ عَبْدِ الله عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، بَيْنَ هُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ
الْجُمُعَةٌ ، دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول الله عَّهُ، فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةَ سَاعَةِ هَذه؟ فَقَالَ:
إِّى شُغِلْتُ الْيَوْمَ ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِى حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ، فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضأتُ .
قَالَ عُمَرُ : وَالْوُضُوءَ أَيْضًا! وَقَدْ عَلَمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ !
٤ - ( .. ) حدّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الأَوْزَعِىِّ، قَالَ:
حَدَّثَنِى يَحْبَى بْنُ أَبِى كَثِيرِ، حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَى أَبُو هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ :
بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ؛ إِذْ دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّنَ ؛ فَعَرَّضَ به
عُمَرُ ، فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَال يَتَأَخَّرُونَ بَعْدَ النَّدَاءِ! فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا زِدْتُ
حينَ سَمِعْتُ النِّدَاءَ أَنْ تَوَّضأتُ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ. فَقَالَ عُمَرُ : وَالْوُضُوءَ أَيْضًا! أَلَمْ تَسْمَعُوا

٢٣٢
كتاب الجمعة / باب وجوب غسل الجمعة ... إلخ
رَسُولَ اللهِ عَّهُ يَقُولُ: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلَيَغْتَسِلْ)) .
(١) باب وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من
الرجال وبيان ما أمروا به
٥ - (٨٤٦) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَیْم،
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ، عَنْ أَبِى سَعِيد الْخُدْرِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَهُ قَالَ: ((الْغُسْلُ، يَوْمَ
الْجُمُعَةِ ، وَاجبٌ عَلَّى كُلِّ مُحْتَلِمِ)) .
أحاديث الأمر بالغسل يوم الجمعة
وقوله - عليه السلام -: ((غسل (١) يوم الجمعة واجب على كل محتلم))، قال
القاضى: اختلف السلف والعلماء فى غسل الجمعة ، فروى عن بعض الصحابة وجوبه ، وبه
قال أهل الظاهر ، وتأول ابن المنذر أنه مذهب مالك وحكاه الخطابى عنه وعن الحسن ،
وعامة فقهاء الفتيا وأئمة الأمصار على أنه سنة ، وهو حقيقة مذهب مالك والمعروف من
قوله ومعظم قول أصحابه ، وجاء عنه ما دلّ على أنه مستحب ، وقال به طائفة من العلماء،
وقال بعضهم : الطيب يجزئ منه . ومعنى ذكر وجوبه هاهنا التأكيد فى امتثاله وتشبيهه
بغسل الجنابة فى الحديث الآخر (٢) ، أى فى صفة العمل لا فى وجوب الحكم .
قال الإمام: [((والغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم))] (٣). من الفقهاء من
أخذ بظاهر [ الحديث ] (٤) ورأى [ أن غسل الجمعة ] (٥) يجب ، وأكثر الفقهاء أنه لا
يجب ، تعلقًا بقوله - عليه السلام -: ((من أتى الجمعة وقد توضأ فبها ونعمت ، ومن
اغتسل فالغسل أفضل )) (٦) .
وقوله: ((فبها ونعمت)) : يفيد جواز الاقتصار على الوضوء ، ولو كان ممنوعًا من
الاقتصار عليه لم يقل: ((فبها ونعمت))، وأيضا فإنه قال: ((ومن اغتسل فالغسل أفضل))
فدل على أن فى الوضوء فضلاً حتى تصح المبالغة ، واعتمدوا - أيضا - على قول عمر على
المنبر للداخل عليه لما قال له: ((ما زدت على أن توضأت)) فقال عمر: ((والوضوء أيضا؟))
(١) الذى فى المطبوعة: ((الغسل)).
(٢) طريق قتيبة بن سعيد . وفى التمهيد: وقد يحتمل أن يكون قوله : واجب ، أى وجوب السنة ، أو واجب
فى الأخلاق الجميلة ، كما تقول العرب : وجب حقك ١٦ / ٢١٢ .
(٣) فى المعلم .
(٤) فى المعلم : هذا .
(٥) فى الإكمال : أنه .
(٦) أبو داود ، ك الطهارة ، ب الرخصة فى ترك الغسل يوم الجمعة ٩٦/١، والترمذى ، أبواب الصلاة، ب
ما جاء فى الوضوء يوم الجمعة ٣٦٩/٢، وقال فيه: حديث حسن ، والنسائى فى الكبرى ، ك الجمعة ،
ب فضل الغسل ٥٢٢/١.

٢٣٣
كتاب الجمعة / باب وجوب غسل الجمعة ... إلخ
٦ - (٨٤٧) حدّثَنِى هَرُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ
وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِى جَعْفَر؛ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ
ابْنِ الزُّبْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَتَّبُونَ الْجُمُعَةَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ مِنَ الْعَوَلِ،
فِيَأْتُونَ فِى الْعَبَاءِ، وَيُصِيبُهُمُ الْغُبَارُ، فَتَخْرُجُ مِنْهُمُ الرِّيْحُ؛ فَأَتَى رَسُولَ اللهِعَّهِ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ
وَهُوَ عِنْدِى. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ: (لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا » .
( .. ) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْبَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ
عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ أَهَّلَ عَمَلٍ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ، فَكَانُوا يَكُونُ لَهُمْ تَفَلٌ .
ولم يأمره بالغسل .
قال القاضى : وهذا قول من عمر وإقرار بمحضر جماعة الصحابة ، ولا منكر له ولا
مخالف ، فهو كالإجماع ، وعامة الفقهاء والأصوليين منهم يَعدون هذا إجماعًا ، وحجةً ،
وقال آخرون : وفى قول الواحد من الصحابة إذا انتشر (١) ولم يعلم له مخالف وسكوتهم
كالنطق ، وقال آخرون : هذا حجة وليس بإجماع ، والذى اختاره محققو الأصوليين : أن
هذا كله ليس بإجماع ، والسكوت ليس كالنطق ، وهو اختيار القاضى أبى بكر وطبقته ،
وقد جاء فى الكتاب: (( غسل يوم الجمعة على كل محتلم ، وسواك ، ويمس من الطيب))
ولا خلاف فى السّواك والطيب فكذلك الغسْلُ ، وقد قال بالاستدلال بالقرآن قوم من
الأصوليين ، قال الخطابي : ولم تختلف الأمة أن صلاة من كان يغتسل للجمعة جائزةٌ .
وقد ذكر مسلم حديث عائشة فى علة الغسل أن الناس كانوا ينتابون الجمعة من منازلهم
فيأتون فى العباء ويصيبهم الغبار ، فتخرج منهم الريحُ ، وأنهم كانوا عمال أنفسهم، ولم يكن
لهم كُفَاةٌ، فكان يكون [ لهم ] (٢) تفلُ، فقال النبى عَّه: ((لو اغتسلتم يوم الجمعة))
و((لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا)) هذا كله يدل على الحضِّ والترغيب لا على الوجوب، وكذا
وقع عند السمر قندى والطبرى وعامة الرواة: (( فى العباء))، وعند العذرى وغيره: ((فى
الغبار)) وهو وَهْم ، والصواب الأول . والعباء جمع عباءة ، وهى أكسية خشان فيها
خطوط.
وقوله: (( ينتابون)): أى يأتون ، والانتياب المجىء والاسم النوب ، وأصله ما كان
من قرب . قيل : النوب ما كان على فرسخ أو فرسخين . والكُفاةُ جمع کافٍ ، أی عبيد
وخدم يكفونهم الخدمة والعمل .
وقوله: ((ولهم تفل)) بفتح التاء والفاء، أى رائحة كريهة، وفى قوله: (( ينتابون
(١) فی س : اشتهر .
(٢) ساقطة من الأصل .

٢٣٤
كتاب الجمعة / باب وجوب غسل الجمعة ... إلخ
٠٥٠٠٩٩٠
فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ .
الجمعة من منازلهم [ ومن ] (١) العوالى)): ردّ على الكوفى الذى لا يوجبها على من خارج
المصر ؛ لأن عائشة هنا أخبرت عن أمر يتكرر منهم لظاهر قولها : (( كانوا)).
وقد اختلف فى المسألة ، فقال الكوفيون ما تقدم ، ومالك وأصحابه يوجبونها على من
[كان] (٢) خارج المصر بثلاثة أميال ونحوها . قال مالك: وعلى من سمع النداء ، ونحوه
قول (٣) أحمد وإسحق والشافعى إلا أنهم لم يحدّوا الثلاثة الأميال. واختلف أئمتنا هل
ترعى الثلاثة الأميال من طرق المدينة أو من المنار، ولا خلاف أنها تجب على أهل المصر وإن
عظم وزاد على ستة أميال ، إلّ شيئًا روى عن ربيعة أن الجمعة إنما تجب على من إذا سمع
النداء وخرج ماشيًا أدرك الصلاة ، وروى عن جماعة من السلف أنها تجب على من آواه
الليل إلى أهله ، فيأتى على هذا من يكون على نصف يوم ، وهو مذهب الحكم والأوزاعى
وعطاء وأبى ثور ، وذهب الزهرى أنها تجب على من هو من أهل المصر على ستة أميال ،
وروى عنه وعن ابن المنكدر وربيعة أربعة أميال ، وذكر بعض الشارحين أن فى قوله: (( على
كل محتلم )) دليلاً على سقوطها على الصبيان، وهذا بيّنٌ ، قال: وعن النساء إذْ الغالب
عليهن فى التكليف الحيض لا الاحتلام، وفى ما قاله ضعف. وفى قوله: (( ينتابون فى
العباء)) و((يصيبهن الغبار)) وفى رواية: (( والعرق، فيكون منهم الريح » (٤) دليل على أن
معنى التهجير لها السّعى فى الهاجرة ، على ما ذهب إليه مالك ، وأن سعيهم إليها لم
يكن بُكرةً ، على ما ذهب إليه المخالف ، ولو كان أفضل لفعلوه ، والعرق وخروج الريح
لا يكون إلا مع الحرّ والهاجرة .
وقد اختلف أصحابنا متى يجب السّعى إليها ؟ هل بالنداء أو بالزوال (٥) أو بمقدار ما
يأتى المسجد قبل الشروع فى الخطبة ؟ والخلاف فى ذلك مبنىٌّ على: هل يلزم الحضور لسماع
الخطبة ، ومن شرطها الجماعة ؟ وهو المتأول على المدونة ، أو ليس ذلك بشرط؟ وهو قول
أبى حنيفة وظاهر قول جماعة من أصحابنا ، ولا خلاف أن من بعدت دارُه فى المصر حتى
لو جاء عند الأذان فاتته الصلاة أنه لا ينتظر الأذان ، وعليه السعى قبل المقدار ما يدرك
الخطبة أو الصلاة ، على القولين المتقدمين .
قال الإمام : السفر عندنا يمنع يوم الجمعة إذا زالت الشمس لدخول وقت صلاة الجمعة،
(١) فى المطبوعة: من .
(٢) ساقطة من س .
(٣) فى س : قال .
(٤) أخرجه ابن حبان من طريق عروة بن الزبير عن عائشة، بلفظ: ((ويصيبهم الغبار والعرق فيخرج منهم
الريح)) ك الطهارة، ب غسل الجمعة ٣٩/٤ وانظر: أسباب ورود الحديث ١٣٥، ١٣٦، وكذا أخرجه
البخارى ، ك الجمعة، ب من أين تؤتى الجمعة وعلى من تجب ؟٢ /٨ عن عائشة .
(٥) فى الأصل : بالنزول .

٢٣٥
كتاب الجمعة / باب وجوب غسل الجمعة ... إلخ
وتوجه (١) الخطاب خلافًا لمن منعه قبل الزوال ، فإن كان فى مصر يعلم أنه لا يصل من
منزله إلى الجامع إلا أن يخرج قبل الزوال لساعة (٢) أو ساعتين [ فأراد ] (٣) السفر فهل (٤)
يكون المنع معلقاً بالزوال الذى خوطب به الناس على العموم أو معلقًا بزمن خروجه من داره
الذى يصل فيه (٥) إلى الجامع ؟ اختلف فيه أصحابنا على قولين ، وكذلك اختلفوا على
قولين فى مراعاة ثلاثة أميال التى هى المقدار المقدّر بها إتيان الجمعة ، هل المعتبر / من الجامع ١٤٠/أ
أو من طرف المصر ، وهذا فيمن كان سكناه خارجًا عن المصر .
قال القاضى: وقوله - عليه السلام -: ((لو أنكم تطهرتم)): دليل على تنزيه المساجد
عن الأرواح الكريهة ، ولما لم تكن هذه من الكراهة مثل رائحة البصل والثوم وإنما كانت
مثل ريح الضأن ، كما ذكر فى الحديث ، لم يمنع أهلها من حضور المساجد ، لكنهم حُضّوا
على إزالتها والتنظيف جملة ، ولأنها كانت من الغالب ، والأكثر منهم ، وكثر إلفها لهم
والأنس بها ، ولو أنَّ جماعة مسجد كلهم أصحاب أرواح كريهة كالحواتين (٦) وأشباههم
يُخالطهم فى مسجدهم غيرهم لم يمنعوا منه ، بخلاف لو كان معهم غيرهم ممن يتأذى
بذلك. وأمره بالطيب للجمعة من هذا لقطع تلك الروائح وإدخال المنفعة والمسرة بذلك على
من يجالسه من المسلمين ، وتعظيم لحرمة المسجد ، ولأجل الملائكة الكاتبين فيه .
(١) فى الأصل : ويوجه ، وفى س : وتوجيه ، والمثبت من المعلم.
(٢) فى الإكمال : بساعة ، والمثبت من المعلم.
(٣) فى الأصل: فإذا أراد ، والمثبت من المعلم وس .
(٤) فى الأصل : هل .
(٥) فى الأصل : به ، والمثبت من س والمعلم.
(٦) بائعو السمك .

٢٣٦
كتاب الجمعة / باب الطيب والسواك يوم الجمعة
(٢) باب الطيب والسواك يوم الجمعة
٧ - (٨٤٦) وحدّثْنَا عَمْرُو بْنُ سَوَادِ الْعَامِرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْب، أَخْبَرَنَا
عَمْرُو بْنُ الْحَارث؛ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِى هِلاٍَّ وَبُكََّ بْنَ الأَشَجِّ، حَدََّاهُ عَنْ أَبِّ بَكْرِ بْنِ
الْمُنكَدِرِ، عَنْ عَمَّرِو بْنٍ سُلَّيْمٍ، عَنَّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى سَعِيدِ الْخُدْرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ
رَسُولَ الله ◌َّ قَالَ: ((غُسْلُ بُّوْمِ الْجُمُعَةَ عَلَى كُلِّ مُخْتَلِمٍ، وَسِوَكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطَّيْبِ
مَا قَدَرَ عَلَّهِ)».
إِلاَّ أَنَّ بُكَيْرًا لَمْ يَذْكُرْ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ. وَقَالَ فِى الطِّيبِ: وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرَّأَةِ .
٨ - (٨٤٨) حدّثنا حَسَنٌّ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيَجٍ . ح
وَحَدَّثَنِى مُحمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيّجٍ ، أَخْبَرِنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ
مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِىِّ ◌َّهُ فِى الْفُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ .
وقوله : ((الغسل [ يوم الجمعة ] (١) واجب على كل محتلم)): دليل على وجوب
الجمعة على الأعيان. وسيأتى الكلام عليه لقوله: (( على كل محتلم))، وفيه أن من لا
يلزمه السعى إليها (٢) من غير المحتلمين وغيرهم فلا غسل عليه ، وقد استحب العلماء ،
لمن حضرها ممن لا تلزمه كالنساء والعبيد والصبيان الغسل إذا حضرها ، وهذا (٣) مذهب
مالك.
وقوله: ((ويمسّ من الطيب ما قدر عليه)): يحتمل لتكثيره ، ويحتمل لتأكيده مما
وجده من طيب ، وبدليل قوله: ((ولو من طيب امرأته)) (٤) ، يريد المكروه للرجال ،
وهو ما ظهر لونه ، فأباحه هنا له لعدم غيره وللضرورة إليه ، وهذا يدل على تأكيده .
وقول عمر للداخل عليه وهو يخطب: (( أية ساعة هذه ؟)) على طريق التقرير
والتوبيخ والتعريف للداخل ، بما فاته من فضل التهجير ، وأنه وقت طىِّ الصحف . وفيه
أمر الإمام فى خطبته بالمعروف ونهيه عن المنكر إذا حضره وسؤاله [ من ] (٥) يحتاج سؤاله
فى أمور الناس ، وجواب الآخر له ، وأن ليس أحَدٌ (٦) منهم لاغيًا، وإنما اللاغى من
أعرض عن استماع الخطبة وشغل نفسه عنها بكلام أو غيره ، مما يمنعه من السماع .
(١) فى الأصل : للجمعة ، والمثبت من س والمطبوعة.
(٣) فى الأصل : وهو ، والمثبت من سٍ.
(٥) فى س : لمن .
(٢) فى الأصل : عليها ، والمثبت من س .
(٤) طريق عمرو بن سواد بلفظ: ((المرأة)).
(٦) فى س : واحدٌ .

٢٣٧
كتاب الجمعة / باب الطيب والسواك يوم الجمعة
قَالَ طَاوُسٌ: فَقُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: وَيَمَسُّ طِيبًا أَوْ دُهْنَا، إِنْ كَان عنْدَ أَهْلِه؟ قَالَ: لاَ أَعْلَمُهُ.
( .. ) وحدّثناه إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْر. ح وَحَدَّثَنَا هَرُونُ بْنُ
عَبّد الله، حَدَّثْنَا الضَّحَّكُ بْنُ مَخْلَدِ، كِلاَهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيِّجٍ ، بِهِّذَا الإِسْنَاءِ.
وقول عثمان وهو الداخل (١) - رضى الله عنهما - كما جاء مفسراً فى الحديث الآخر
فى الكتاب: ((شغلت فلم أنقلب إلى أهلى حتى سمعت النداء)) (٢) فى الموطأ: ((انقلبت
من السوق)) (٣) فى ذلك كله أبدى عذره ، وأنه لم يقصد التأخير اختياراً ، وإنما غافصه
الوقت (٤) لشغله قبل . وفيه جواز العمل يوم الجمعة قبل النداء والتجارة والمبايعات، وقد
كان أصحاب النبى ◌َّ﴾ يكرهون ترك العمل يوم الجمعة كى لا يتشبَّه باليهود .
وقوله: ((فلم أزد على أن توضأت)» : اعتذارٌ وإعلامٌ أنه لم يشتغل منذ سمع النداء
بغير فرض الطهارة ، ولعله إنما ترك الغُسْلَ لأنه رأى أن السعى قد تعيَّن عليه ووجب بالنداء
والغسل غير واجبٍ ، والشغل به وتطلب الماء له شغل عن الواجب ، فلم يشتغل بغير
الفرض من الوضوء ؛ ولهذا قالوا : لم يرده عمرُ للغسل ، وإن كان أنكر عليه ترك
الغسل.
وقوله: ((والوضوء أيضًا!)): تنبيه لئلا يتشاغل مرة أخرى حتى يضيق عليه الوقت
ويفوته ، ورأى أن استماعه للخطبة آكد وأولى من رجوعه للغسل .
وقوله: ((وقد علمت أن رسول الله عَّه كان يأمر بالغسل)): يحتج به من لا يرى
الأوامر على الوجوب إلا بقرينة بدليل فعل عثمان وإقرار عمر ، وترك إنكار الصحابة وترك
الغسل مع اعترافهم بالأمر به، و [ قد ] (٥) جاء فى الحديث الآخَرِ: (( فعرَّض به عمر )
وقال: (٦) ((ما بال رجال يتأخرون بعد النداء؟)) أى لم يُصَرِّح بالإنكار عليه والتوبيخ له.
فيه حسن التلطف فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وترك المواجهة بخشن القول
وصريح الإنكار ، وكثيرًا ما كان يفعل النبى معَّ مثل هذا ، ولاسيما لأهل الفضل ولمن لا
يُظَنَّ به إلا الخير، أو من له عذر، وكذلك قوله (٧) المتقدم: ((أيةُ ساعة هذه )) كله من
لطيف التنبيه ، وأنه لا يلزم فى التنبيه على ترك غير الواجبات والأمر بها إلا ميسور القول
ألا ترى قولَ عمر: ((والوضوء أيضًا)) الحديث.
(١) فى س : الداخل عليه .
(٢) الذى فى المطبوع: إنى شغلت اليوم فلم أنقلب إلى أهلى حتى سمعت النداء .
(٣) ك الجمعة، ب العمل فى غسل يوم الجمعة ١٠٢/١.
(٤) المغافصة : الأخذ على غرة .
(٥) من س .
(٧) فى س : القول .
(٦) فى المطبوعة : فقال .

٢٣٨
كتاب الجمعة / باب الطيب والسواك يوم الجمعة
٩ - (٨٤٩) وحدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتم. حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله
ابْنُ طَاوُس، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىُّ عَّهُ؛ قَالَ: ((حَقَّللهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِم، أَنْ
يَغْتَسِلَ فِى كُلِّ سَبْعَةٍ أَيَّامٍ، يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ)).
١٠ - (٨٥٠) وحدّثْنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ، فَيَما قُرِئَّ عَلَيْهِ ، عَنْ سُمَيِّ
مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِى صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَّسُولَ اللهِعَّهُ قَالَ: ((مَن
اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَّةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَة، ومَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ
وفى قول عثمان: ((سمعتُ النداء )): حجة أنَّ السعى إنما يجبُ بسماعه ، وأن
شهود الخطبة ليس بواجب على مقتضى قول أكثر أصحابنا ، ولا يشترط فى صحة صلاة
الجمعة ، على قول آخرين ، وأنه (١) لم يعتذر عن تأخره إلى وقت سماع النداء ، ولا
عاتبه عمر على هذا ، ولو كان السعى يجب قبله لم تكن له فيه حجةٌ ولا عذر .
وقوله: «حق لله (٢) على كل مسلم أن يغتسل فى كل سبعة أيام)»: محمول على
غُسل الجمعة عندنا ، وقد يحتج به من يوجب الغسل لمجرد اليوم .
وقوله : ((إذا أراد أحدكم أن يأتى الجمعة فليغتسل)): حجةٌ لقول كافة العلماء : إن
الغسل إنما هو بحضورها لا لليوم ، وأنَّ من لا يحضرها لا غسل عليه ، واختلف فيمن
حضرها ممن لا تلزمه ، هل عليه غسل أم لا ؟ وحكى عن بعض السلف أنه يغتسل ، وإن
كان مسافرًا ، وهو قول أبى ثور ، وأنه لا يترك الغسل بحال ، وهذا الحديث يرد عليهم ،
فرأوا / الغسل لليوم ، وعلى هذا اختلفوا فيمن اغتسل بعد الفجر ، هل يجزيه رواحه به إذا
قربت الصلاة ؟ فجمهورهم على الإجزاء ، وهو قول ابن وهب من أصحابنا ، وأبى ذلك
مالك إلا أن يكون متصلاً برواحه ، وهو أحد قولى الليث ، والأوزاعى .
١٤٠/ب
وقوله : (( من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرَّب بدنة ، ومن راح فى
الساعة الثانية)) الحديث، قوله: ((غسل الجنابة)): أى على صفة غسل الجنابة وهيئته ،
وقد يحتج به من يذهب فى قوله: (( من غسَّل واغتسل)) (٣) أنه جامع، يروى ((غسل))
(١) فى س : إن .
(٢) فى س : الله .
(٣) النسائى وابن ماجه وأحمد وابن خزيمة وغيرهم من حديث أوس بن أوس ولفظه كما فى النسائى: ((من
غسَل واغتسل ، وغدا وابتكر ، ودنا من الإمام ، ولم يلغ ، كان له بكل خطوة عملٍ سنة صيامها
وقيامها)) ك الجمعة، ب فضل غسل يوم الجمعة ٧٧/٣. ولفظ ابن ماجه: ((من غسَّل يوم الجمعة
واغتسل ، وبكَّر وابتكر ، ومشى ولم يركب ، ودنا من الإمام فاستمع ، ولم يلغ ، كان له بكل خطوة
عمل سنة أجر صيامها وقيامها)) ك إقامة الصلاة والسنة فيها، ب ما جاء فى الغسل يوم الجمعة ٣٤٦/١.
وانظر : أحمد فى المسند ٩/٤، وابن خزيمة فى صحيحه ١٣٨/٣.

كتاب الجمعة / باب الطيب والسواك يوم الجمعة
٢٣٩
فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الثَّالثَة فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشَا أَقْرَنْ، وَمَنَ رَاحَ فِى
بالتخفيف والتشديد ، يقال : غسَّل وغسَل ، إذا جامع ، أو يكون أوجب الغسل على
غيره، أو يكون غسَّل من الجنابة بالتشديد ، وغسل بالتخفيف للجمعة ؛ لأنه إذا فعل ذلك
كان أغض لبصره فى سعيه للجمعة ، وقيل: غسَل هنا أسبغ الوضوء ، واغتسل : أى
للجمعة، وقيل : غسل رأسه واغتسل فى بقية جسمه ، وقيل غسّل بالتشديد ، بالغ فى
دلك [جسمه](١) وتنظيفه، واغتسل بصب الماء عليه، وقد قيل فى رواية البخارى: ((من
اغتسل يوم الجمعة وتطهر بما استطاع من طهر)) (٢) قيل: اغتسل غسلاً كاملاً إن أمكنه،
وإلا تطهر بالوضوء ، كما قال فى الحديث الآخر: (( من توضأ فبها ونعمت ، ومن اغتسل
فالغسل أفضل )).
قال الإمام: قوله - عليه السلام -: (( من راح إلى الجمعة)) الحديث، حمل مالك
الحديث على أن المراد به بعد الزوال تعلقًا بأن الرواح فى اللغة لا يكون فى أول النهار ،
وإنما يكون بعد الزوال، وخالفه بعض أصحابه ، ورأى أنَّ المراد به أول النهار تعلقًا بذكر
الساعات [فيه ] (٣) الأولى والثانية [والثالثة] (٤) [إلى ما ذكر ] (٥)، وذلك لا يكون إلا
من أوَّل النهار ، فمالك تمسك بحقيقة الرواح وتجوَّز فى تسمية الساعة ، ويؤكده عنه أيضًا
قوله فى بعض طرق الحديث: ((مثل المهجَّر كمثَلِ الذى يهدى بدنة)) الحديث (٦) ،
التهجير لا يكون أوَّلَّ النهار ، وتمسك بعض أصحابه بحقيقة لفظ الساعة ، وتجوَّز بلفظ
الرواح .
قال القاضى : اختلف تفسير أهل اللغة فى التهجير فى هذا الحديث ، فذهب بعضهم
إلى أنه السيرُ فى الهاجرة ، وكذا معناه فى مختصر العين ، وحكاه الحربى عن أبى زيد عن
الفرَّاء وغيره، وحكى عن الخليل أنه التبكير، وبه فسروا قوله: ((ولو يعلمون ما فى
التهجير لاستبقوا إليه )»(٧) أى التبكير إلى كل صلاة ، وذهب بعض أصحاب الشافعى فى
تأويله ، قال : معناه هجر منزله وتركه ، ولذلك قال بعضهم - أيضًا - فى قوله: ((راح))
أن معناه: خفَّ (٨) إليها، ويقال: تروَّح القوم وراحوا إذا ساروا أىَّ وقتٍ كان ، وأقوى
معتمد مالك فى المسألة وكراهية البكور إليها خلاف ما قاله الشافعى ، وأكثر العلماء وابن
(١) ساقطة من س .
(٢) ك الجمعة، ب لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة ٣٩٢/٢.
(٣، ٤) من المعلم.
(٥) سقط من المعلم .
(٦) سيأتي إن شاء الله تعالى فى ب فضل التهجير يوم الجمعة برقم (٧)، وقد أخرجه أيضًا البخارى ، ك
الجمعة، ب الاستماع إلى الخطبة ١٤/٢، والنسائى، ك الجمعة، ب التبكير إلى الجمعة ٣/ ٨٠.
(٧) سبق فى ك الصلاة، ب تسوية الصفوف وإقامتها ٣٢٥/١، وقد أخرجه البخارى أيضا، ك الأذان، ب
الاستهام فى الأذان ١/ ١٦٠ .
(٨) فى الأصل : أخفّ ، والمثبت من س .

كتاب الجمعة / باب الطيب والسواك يوم الجمعة
٢٤٠
السَّاعَةِ الرَّابِعَة فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الْخَامسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً،
حبيب من أصحابنا على عمل المدينة المتصل بترك ذلك ، وسعيهم إليها قرب صلاتها وهو
نقل معلومٌ غير منكر عندهم، ولا معمول بغيره ، وما كان أهل عصر النبى - عليه السلام -
ومن بعدهم ممن يترك الأفضل إلى غيره ويتمالؤون على العمل بأقل الدرجات، ومما يؤيد
تأويله - أيضا - أنه لو كان كما تأوله غيرُه فى سائر ساعات النهار كان حكم [الساعات](١)
كلها فى الفضل واحد ، ثم الثانية كذلك ثم الثالثة ، على الترتيب.
قد جاء فى الحديث: ((يكتبون الأول فالأول))، وفى الحديث الآخر: ((فالمهجر
كمثل الذى يهدى بدنة))، وفى الرواية الأخرى: (( ثم الذى يليه ، ثم الذى يليه ، ثم
الذى يليه)) وهذا يقتضى أن يكون فى ساعة واحدة، [وأيضًا ] (٢)، فإنَّ الزوال إنما هو
فى آخر الساعة السادسة وقد انقضت على قولهم الفضائل فى الخامسة ، وإنما انقطعت فى
الحديث بخروج الإمام ، فلم يبق على قولهم للسادسة إلى خروج الإمام فضل ، وهو
خلاف الحديث . ومعنى الساعة الأولى والثانية والثالثة على هذا أجزاؤها أو وقت رواحه
على طريق التقريب كما يقال: اقعد بنا ساعة ، ولم يرد ساعة الزمان المعهودة .
والبدنة من الإبل ما أهدى إلى الكعبة ، سميت بذلك لأنها تُبَدَّنُ ، والبدانة السِمن ،
والجزور - أيضا - لا يكون إلا من الإبل، وقد يحتج بهذا الشافعى وأبو حنيفة فى تفضيل
البُدنِ فى الضحايا على الغنم ، وأنها أفضل ، ثم البقر ، ثم الغنم ، وسووا بين الهدايا
والضحايا وسائر النسك ، ومالك وأصحابه يقولون : أما فى الضحايا فالضأن أفضل من
الماعز ، ثم البقر ، ثم الإبل ، من أصحابنا من قدَّم الإبلَ على البقر ووافقوا فى الهدايا ،
وحجتهم قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٣)، وأن النبى معَّه إنما ضحى بالضأن،
وما كان ليترك الأفضل كما لم يتركه فى الهدايا ، ولأن الغرض فى الضحايا استطابة اللحم
وفى الهدايا كثرتُه .
وقوله: ((بدنة ثم بقرة)): يحتج به عطاءُ فى أن البدن لا تكون إلا من الإبل
وحدها، ومالك يرى البقر من البدن ، وفائدة هذا فيمن نذر بدنة يكون ببلد لا يجدون إلا
البقرة ، وذلك عند عدم الإبل أو قصر النفقة .
وقوله: (( أهدى دجاجة وأهدى بيضة )) وليس هذان مما يطلق عليه اسم هدى ، لكنه
لما عطفه على ما قبله من الهدايا وجاء به بعده ، لزمه حكمه فى اللفظ ، وحمل عليه ،
كقوله: متقلداً سيفًا ورمحًا ، أى وحاملاً رمحاً وكذلك هنا ؛ لأنه قال: كالمتقرب بالصدقة (٤)،
فدجاجة أو بيضة ، وأطلق [ عليه ] (٥) اسم الهدى لتقدمه وتحسين الكلام به، وقد جاء فى
(١) من س ، والذى فى الأصل : الساعة .
(٣) الصافات : ١٠٧ .
(٢) ساقطة من س .
(٤) هذه العبارة نقلها الأبى وصدرها بعبارة: قلت، وليست له لما ترى. راجع إكمال الإكمال ١٥/٣ .
(٥) فى س : على ذلك .