النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كتاب الحيض / باب التيمم
جَالِسًّا مَعَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِى مُوسَى، فَقَالَ: أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَنِ، أَرَأَيْتَ لوْ أَنَّ
رَجُلاً أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا، كَيْفَ يَصْنَعُ بَالصَّلاةِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ : لا يَتَيَمَّمُ وَإِنْ لَمْ
يَجِد المَاءَ شَهْراً. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ بِهَذه الآيَةِ فِى سُورَةَ الَمَائِدَةَ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءٌ
فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَّا﴾(١) فَقَالَ: عَبْدُ الله: لوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِى هَذه الآيَةِ، لِأَوْشَكَ، إِذَا بَرَدَ
أنكره لردَّ حجة أبى موسى بالآية عليه ، وقد أدخل / البخارى هذا الحديث تحت ترجمة ٧٦ /ب
( إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت ) ، وذكر حديث عمرو بن العاص فى تيممه
فى ليلةٍ باردة وتلاوته: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ (٢) وأنه ذكر ذلك للنبي عَّهِ فلم يُعنُّهُ،
ثم أدخل حديث أبى موسى وعبد الله ليُشعِرَ بالخلاف فى المسألة والله أعلم (٣).
ولا خلاف بين فقهاء الأمصار إذا خاف التلف باستعمال (٤) الماء أنه يتيمم ، إلا شىء
روى عن الحسن : يغتسل وإن مات ، فإن خاف دوام المرض أو زيادته أو حدوثه فلمالك فى
هذا الأصل قولان ، حكاهما ابن القصار ، وكذلك للشافعى ، والذى فى الأمهات لمالك
أنه / يتيمم، وأبو حنيفة والثورى يجيزان ذلك، ومنعه الحسنُ وعطاء وأبو يوسُفُ ت ١٥١/ أ
وصاحبُه فى الحضر وأجازه فى السفر ، وذهب بعض أصحاب الحديث أنه يجزئه الوضوء
هنا عن الغسل لحديث عمرو بن العاص ، وفيه أنه توضأ وصلى بهم (٥) ، وبه قال من
أصحابنا أحمد بن صالح المصرى المعروف بابن الطبرى من أصحاب ابن وهب لغلبة
الحديث عليه .
وفى هذا الحديث عادةُ الصحابة فى المناظرة فى العلم والحجاج بكتاب الله وسنة نبيه ،
والمقاييس الصحيحة عليها والالتفات فى الاجتهاد لقطع الذرائع لما تؤول إليه ، وفيه جواز
الانتقال من دليلٍ إلى دليلٍ أظهر منه إذ حقيقة المناظرة التعاون على إظهار الحق وبيانه ،
خلاف ما يذهب إليه أهل الجدل من المتكلمين من منع الانتقال وأنه انقطاع ، والأصل فى
هذا قصة إبراهيم - عليه السلام - فى انتقاله من الحجة بالإحياء والإماتة إلى الحجة بالإتيان
بالشمس من المغرب .
(١) المائدة : ٦ .
(٢) النساء : ٢٩ .
(٣) ك التيمم ، ب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت ٩٥/١ .
(٤) فى ت : من استعمال .
(٥) راجع : بدائع الصنائع ٤٨/١ .

٢٢٢
كتاب الحيض / باب التيمم
عَلَيْهِمُ الَاءُ، أَنْ تَيَمَّمُوا بِالصَّعيد. فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْد الله : أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّار: بَعَثَنِى
رَسُولُ اللهِ عَّهُ فِى حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ ، فَلَمْ أَجِدِ الَاءَ ، فَتَمَرَّغْتُ فِى الصَّعِيدِ كَمَّا تَمَرَّغُ
الدَّابَّةُ ، ثُمَّ أَيْتُ النَّبِىِّ ◌َثِّ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بيَدَيِّكَ
هَكَذَاً)) ثُمَّ ضَرَبَ بِيَّدَيّهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِينِ ، وَظَاهِرَ
وقولُ عمارِ: ((فتمرَّغتُ كما تتمرغُ الدابَّةُ)): هو بمعنى ما جاء فى الرواية الأخرى :
((فتمعكتُ فيه)) لأنه لم يحمل الآية على عموم الأحداث .
وفيه جواز الاجتهاد فى زمان النبى عَّه عند الضرورة والبعد منه، كما قال معاذٌ - رضى
الله عنه - له: ((أجتهد رأيي))(١)، واستعمال القياس، لأنه لما رأى آية التيمم فى الوضوء
فى بعض الأعضاء - إذ(٢) كان الوضوء مختصاً ببعض الأعضاء - وكان طُهر الجنابة لعموم
الجسد استعمل التيمم بالتراب(٣) فى جميع الجسد .
وقوله عَّ: ((إنما كان يكفيك هكذا - وضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما)) يحتج به
فى نفض اليدين ، وقد أجاز مالك النفض الخفيف فى ذلك. وهو قول الكوفيين .
وقوله : (( فمسح بها وجَهه وكفيه)) : فى ظاهره حجةٌ لمن يرى الفرض ضربةً واحدةً،
وهو قول بعض أصحابنا ، ودليل قول مالك ، وأنه لا إعادة على من فعله أو يُعيد فى
الوقت ، وأن الضربة الثانية عنده سنةٌ ، وجمهور العلماء على أنه لا يجزيه إلا ضربتان ،
وهو قول بعض أصحابنا ، وجعله بعضهم قول مالك (٤) ، ويحتج بها - أيضاً - من يقول:
التيمم إلى الكوعين ، وهو قول جماعة من العلماء وفقهاء أصحاب الحديث وبعض أصحابنا ،
وتأولوها على رواية ابن القاسم عن مالك فيمن صلى بذلك أنه يعيد فى الوقت ، والمعروف
من مذهب مالك أن فرضه إلى المرفقين ، وهو قول أكثر أئمة الفتوى والسلف(٥).
وقوله فى الرواية الأخرى: ((يمسح الشمال على اليمين وظاهِرُ كفّه)) : تفسيرٌ لصفة
المسح وعمومه. وإنكار عُمَر الخَبَرَ على عمّارِ لأنه حدثه أنه كان حاضراً له عند النبى معَّ
فلم يذكره ، وقول عمار له : ((إن شئت لِمَا جعل اللهُ علىَّ من حقك لم أُحَدِّث به )) لما
يلزم من طاعة الأئمة والرجوع إلى مذاهبهم ، وتقليد من لم يبلغ منزلتهم فى العلم لهم ،
ت ١٥١ / ب لا سيما / مسألةً وقع فيها الخلاف بين اثنين من نقل قضيّةٍ أثبتها أحدُهما ونفاها الآخر ،
(٢) فى ت : إذ لو .
(١) حديث ضعيف أخرجه أبو داود .
(٣) فى ت : فى الوضوء ، وهو خطأ نساخ .
(٤) المنتقى ١١٤/١. والقول بضربة واحدة قول عطاء، أما مالك فقال : يضرب ضربة لوجهه وضربة لليدين
ويمسحهما إلى المرفقين ، وله قول آخر : بإجزاء ضربة واحدة روى عن ابن القاسم .
(٥) المنتقى ١١٤/١ .

٢٢٣
كتاب الحيض / باب التيمم
كَفَّيْهِ ، وَوَجْهَهُ ؟ فَقَالَ : عَبْدُ اللهِ : أَوَلَمْ تَرَ عُمَرَ لمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ ؟.
١١١ - ( ... ) وَحَدَّثَنَا أَبُوْ كَامِلِ الْجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبَدُ الوَاحد، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ،
عَنْ شَقِيقٍ ، قَالَ : قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللهِ . وَسَاقَ الحَديثَ بقصَّتَه، نَحْوَ حَديثِ أَبِى
مُعَاوِيَةً. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُوُلُ اللهِ عَّهُ: ((إِنِّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا)) ،
وَضَرَّبَ بِيَدَيْهِ إِلى الأَرْضِ، فَفَضَ يَدَيْهِ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّهِ.
فالرجوع فى ذلك إلى ما يفتى به الإمامُ المقلدَ ، فكيف إذا كان الإمامُ هو المنكرُ لها ، مع أن
أداء الحديث والتبليغ ليس بفرض على العين ، إلا لمن لم يكن عند أحد السنة التى رواها
سواه فيتعين عليه أداؤها ، وآيةُ التيمم فى الجنب أو غيره تُغْنى عن حديث عمَّارِ ، فكيف إذا
كان الحديث مما خالف رواية إمام المسلمين وخطَّاه فيه ؟ فهو فى سَعَةٍ من ذكره .
وفيه من الفقه أنَّ المتأول المجتهد لا إعادةَ عليه؛ لأن النبى عَّه لم يأمر عماراً بالإعادة
وإن كان خطأ اجتهاده؛ لأنه إنما ترك هيئة الطهارة وقد جاء بها على غير هيئتها وأكمل مما يلزمه .
وقوله : ((ألم تر عُمَر لم يقنع بقول عمارٍ)) ؛ لأنه أخبره خبراً ذكر أنه شاهَدَه ولم
يذكره فجوَّز عليه الوهم كما جَوَّر على نفسه النسيانَ له، ثم تركه وما اعتقَدَه وصححه ، إذ
لم يتَّهِمْهُ بقوله: (( نُوَليك من ذلك ما تَوَلَيْتَ)) ، بخلاف لو قطع على خطئه فيه .
وقوله : (( فنفض يديه فنفخ فيهما )) : حجةً لمن أجاز نفض اليدين من التراب ، وهو
قول مالك والشافعى ، دون استقصاء لما فيهما من التراب ، لكن لخشية ما يضر به من ذلك
من كثرته بتلويث وجهه، أو مصادفة رُفاق حجرٍ فيه يؤذيه ونحوه ، وكان ابن عمر لا ينفُض.
وخرَّج مسلم فى الباب(١) : روى الليث بن سعد ، عن جعفر بن ربيعة ، عن ابن
هرمز ، عن عمير مولى ابن عباس ؛ أنه سمِعَه يقول: (( أقبلتُ أنا وعبد الرحمن بن يسارِ
مولى ميمونة حتى دخلنا على أبى الجهم)) ، قال الإمام : كذا وقَع عند الجلودى والكسائى
وابن ماهان ، وهو خطأ، والمحفوظ : (( أقبلت أنا وعبد الله بن يسار)) وهكذا رواه
البخارى عن ابن بكيرِ عن الليث(٢)، و [هذا الحديث](٣) ذكره مسلم [ هنا ] (٤) مقطوعاً
وفى كتابه أحاديث يسيرة مقطوعة متفرقة فى أربعة عشر موضعاً ، منها هذا الحديث [ الذى
ذكرناه ](٥) - وهو أولها - ، سننبه على كل شىء منها فى موضعه، إن شاء الله /.
قال القاضى : روايتنا فيه من طريق السمرقندى ، عن الفارسى ، عن الجلودى فيما
٧٧ /١
(١) فى المعلم : فى باب التيمم .
(٢) البخارى ، ك التيمم، ب التيمم فى الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة ١/ ٩٢ .
(٣) من المعلم .
(٥) من المعلم .
(٤) ليست فى المعلم .

٢٢٤
كتاب الحيض / باب التيمم
١١٢ - ( ... ) حَدَّثَنِى عَبْدُ الله بْنُ هَاشم العَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْبَى - يَعْنِى ابْنَ سَعيد
القَطَّانَ - عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ : حَدَّثَنِى الْحَكَمُ، عَنَّ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ،
عَنْ أَبِيه ؛ أَنَّ رَجُلاً أَنَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّى أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ مَاءٌ . فَقَالَ: لا تُصَلّ. فَقَالَ
عَمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِى سَرِبَّةٌ فَأَجْنَبْنَا ، فَلَمْ نَجِدْ مَاءً، فَأَمَّا أَنْتَ
فَلَمْ تُصَلِّ ، وَأَمَّا أَنَا فَتَّمَعَّكْتُ فِى التُّرَابِ وَصَلَيْتُ. فَقَالَ النَّبِىِّ عَّهُ: ((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ
أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الأَرْضَ، ثُمَّ تَنْفُخَ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ)). فَقَالَ عُمَّرُ:
اتَّقِ اللهَ يَا عَمَّارُ. قَالَ : إِنْ شِئْتَ لِمْ أُحَدِّثْ بِهِ .
قَالَ الحَكَمُ: وَحَدَّثَنِهِ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِهِ ، مِثْلَ حَديث ذَرٍّ، قَالَ :
وَحَدَّثَنِى سَلَمَةَ عَنْ ذَرٍّ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ الذِى ذَكَرَ الْحَكَمُ . فَقَالَ عُمَرُ : نُوَلَيْكَ مَا تَوَلَيْتَ .
١١٣ - ( .. ) وَحَدَّثَنِى إسْحَقُ بْنُ مَنْصُور، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْل، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ
عَنِ الْحَكَمِ ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَرًّا، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، قَالَ : قَالَ الْحَكَمُ : وَقَدْ
سَمِعْتُهُ مِنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَىَ عَنَّ أَبِهِ؛ أَنَّ رَجَّلاً أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّى أَجْنَبْتُ فَلَمْ
أَجَدْ مَاءَ. وَسَّاقَ الَحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ: قَالَ عَمَّارٌ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين، إِنْ شِئْتَ، لِمَا جَعَلَ
اللَّ عَلَىَّ مِنْ حَقِّكَ، لاَ أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا. وَلَمْ يَذْكُرْ: حَدَّثَنِى سَلَمَةُ عَنَ ذَرٍّ.
١١٤ - (٣٦٩) قَالَ مُسْلِمٌ: وَرَوَى اللَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَن
عَبِّدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ هُرْمُزَ ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلِى ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: أَقْبَلتُ أَنَا
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَسَارِ ، مَوْلَى مَيْمُونَةَ - زَوْجِ النَّبِىِّ يَّهُ ـ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِى الْجَهْمِ بْنِ
حدثنا به أبو بحر عنه عبد الله بن يسار على ما ذكره ، وكذلك قاله النسائى وأبو داود
وغيرهما من الحفاظ (١)، وهو أخو عبد الرحمن هذا الآخر ، قال البخارى فى تاريخه :
عبد الله بن يسار مولى ميمونة أخو عبد الملك وعطاء(٢).
وقوله فى الحديث: (( دخلنا على أبى الجهم)): كذا فى الأم ، وكنّاه مسلم فى كتاب
(١) أبو داود فى الطهارة، ب التيمم فى الحضر، والنسائى فى الطهارة، ب التيمم فى الحضر ١٦٥/١. وقال
أبو داود : أبو الجهيم ، وقال النسائى : أبو جهيم .
(٢) البخارى فى التاريخ الكبير ٢٣٣/٥.

٢٢٥
كتاب الحيض / باب التيمم
الحَارث بْنِ الصِّمَّةَ الأَنْصَارِىِّ. فَقَالَ أَبُو الْجَهْمِ: أَقْبَلَ رَسُولُ الله عَّهِ مِنْ نَحْوِ بِثْرِ جَمَل ،
فَلْقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَمَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ عَّهُ عَلَيْهِ، حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجَدَارِ فَمَسَحَ
وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ.
١١٥ - (٣٧٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ
الضَّحَاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَجُلاً مَرَّ، وَرَسُولُ اللهِعَهِ يَبُولُ ،
مروة
فَسَلَمَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ .
الرجال والبخارى فى تاريخه والنسائى وأبو داود : أبو الجُهَمْ(١).
وقوله فى الحديث: ((أقبل النبى عَّه من نحو بئر جَمَلِ ... )) وذكر تيمُّمَهُ لرَدِّ
السلام، احتج به البخارى وغيره فى جواز التيمم فى الحضَر لمن خاف فوات الوقت(٢)، وقد
اختلفت الرواية فى جوازه عن مالك ، وفى إعادة الصلاة لمن فعله/ إن وجد الماء فى الوقت ت ١٥٢/ أ
على القول بإجازته(٣). وفى استدلال البخارى بهذا الحديث نظر لكنه يؤنس إليه، إذ لم يرَ أن
يرد السلام ولا يذكر الله إلا على طهارة، وخشى ذهاب الرجل وفوات ردِّ السلام عليه
فتيمم .
وفيه حجةٌ بجواز التيمم بالتراب المنقول عن وجه الأرض ، لتيممه بالجدار وهو ترابٌ
مفصول (٤) ، وفيه حجة لسقوط شرط الغبار ونقل التراب فى التيمم لعدم ذلك فى تراب
الجدار لتعقده ، وجواز التيمم مع وجود غيره ، وفيه جواز التيمم للنوافل كالفضائل .
قال الطحاوى : وهذا الحديث من باب الأخذ بالفضائل ، وقال الطبرى : هو على
التأديبَ للمُسلَّم عليه فى حال الحَدثِ التى نهى عن السلام فيها ، وليس فى الحديث ما يَدلُ
على ما قال ؛ لأنه إنما سلم عليه بعدَ إقباله من قضاء الحدث وليسٍ بموضع النهى ، لكن فى
الحديث الآخر: ((أن رَجُلاً مَرّ عليه وهو يبول فسلّم عليه فلم يَرُدَّ عليه))(٥) .
(١) هو أبو جُهيم بن الحارث بن الصمَّة بن عمرو، الخزرجى، الأنصارى، له صحبة وهو ابن أخت أبى بن كعب،
قيل : اسمه عبد الله، وقد ذكره الشافعى فى الأم بابن الصَّمّة. تهذيب الكمال ٢٠٩/٣٣، الأم ١/ ٥١.
(٢) ك التيمم ، ب التيمم فى الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة ١/ ٩٢ .
(٣) راجع فى ذلك: المنتقى ١١٨/١. وقد قال: والمشهور من مذهب مالك أنه لا يعيد ، وقال ابن حبيب
ومحمد بن الحكم : يعيد أبداً .
(٤) فى ت : منقول .
(٥) الحديث أخرجه أبو داود فى سننه فى الطهارة ، ب فى الرجل يذكر الله تعالى على غير طهر ٥/١ ،
والترمذى فى الطهارة، ب فى كراهة رد السلام غيرَ متوضئ ١/ ١٥٠، والنسائى ، ب السلام على من
يبول ٣٦/١، وابن ماجة فى الطهارة، ب الرجل يسلم عليه وهو يبول ١٢٧/١ جميعاً عن ابن عمر ،
قال أبو داود: وروى عن ابن عمر وغيره أن النبى معَّهُ تيمم ، ثم ردّ على الرجل السلام ، وقال الترمذي
فى الحديث : هذا حديث حسن صحيح ، وإنما يُكره هذا عندنا إذا كان على الغائط والبول ، وقد فسر
بعض أهل العلم ذلك ، وهذا أحسن شىء روى فى هذا الباب .

٢٢٦
كتاب الحيض / باب الدليل على أن المسلم لا ينجس
(٢٩) باب الدليل على أن المسلم لا ينجس
(٣٧١) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْنَى - يَعْنِى ابْنَ سَعْيد - قَالَ: حُمَيْدٌ
حَدَثْنَا. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْئَةُ - وَاللَفْظُ لُهُ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنٍّ عُلِيَّةَ عَنْ حُمَيْد
الطَّوِيل ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ لِقِيَهُ النَّبِىُّ ◌َّهُ فِى طَريقِ مِنْ طُرُقَ الَدِينَةً
وَهُوَ جُنُبٌ ، فَانْسَلَّ فَذَهَّبَ فَاغْتَسَلَ، فَتَفَقَّدَهُ النَّبِىُّ عَّهُ. فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ؟ يَاَ
أَبَا هُرَيْرَةَ!)) . قَالَ: يَارَسُولَ الله، لقيتَنَى وَأَنَا جُنُبٌ فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ .
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ يَّةٍ: (( سُبْحَانَ الله! إنَّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ)) .
١١٦ - (٣٧٢) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْب، قَالا: حَدَّثْنَا وَكِيعٌ عَنْ
مِسْعَرَ، عَنْ وَاصِل ، عَنْ أَبِى وَائل، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ لقيَهُ وَهُوَ جُنُبٌ ،
فَحَادَ عَنّهُ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: كُنْتُ جُنُبً قَالَ: ((إِنَّالْمُسْلِمَ لا يَنَّجُسُ)).
وذكر مسلم فى حديث: ((إن المؤمن لا ينجُس)): حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة ،
عن ابن عُلِيَّة، عن حُميد الطويل، عن أبى رافع [ عن أبى هريرة؛ أنه لقيه وَ ل فى
طريق من طرق المدينة ] (١)، وهذا منقطع (٢)، وإنما يرويه حميد ، عن بكر بن عبد الله
المزنى ، عن أبى رافع (٣)، وهكذا أخرجه البخارى وأبو بكر بن أبى شيبة فى مسنده(٤).
وقوله: ((إن المؤمن لا ينجُسُ)): يقال: نجس الشىء ونُجُس ، بالكسر والضم ،
ينجَسُ ، وينجُسُ ، بالفتح والضم ، ضد طَهَر .
وفيه حجةٌ على طهارة الآدمىِّ حيًا وميّاً ، وقد اختلف فيه مسلماً كان أو كافراً ، ولقول
الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم﴾(٥) الآية. وذهب بعض المتأخرين : أن الحكم للفضيلة
إنما يتعلق بالمؤمن ويحتج بهذا الحديث وشبهه ، وستأتى المسألة فى الجنائز .
وقوله فى الحديث: ((فحاد عنه)) أى مال عن طريقه ومشيه معَهُ وانصرف ، ومثله فى
الرواية الأخرى: ((فانسلّ عنه)): أى خرج من جملته وصحبته برفق من حيث لا يشعُر به.
(١) من المعلم .
(٢) الحديث موصول فى المعلم .
(٣) فى المعلم : عن حميد الطويل عن أبى رافع .
(٤) البخارى، ك الغسل، ب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس ٧٩/١، وابن أبى شيبة، ك الطهارات، فى
مجالسة الجنب ١/ ١٧٣ .
(٥) الإسراء : ٧٠ .
1

٢٢٧
كتاب الحيض/ باب ذكر الله تعالى فى حال الجنابة وغيرها
(٣٠) باب ذكر الله تعالى فى حال الجنابة وغيرها
١١٧ - (٣٧٣) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، قَالا :
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ عَنْ أَبِهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ الَّهِىَّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛
قَالتْ: كَانَ النَِّىُّ ◌َّهُ يَذْكُرُّ اللهَ عَلَى كُلِّ أَخْيَانِهِ .
وقوله : ((كان النبى عَّ يذكُرُ الله على كل أحيانه)). دليلٌ أنه لا يُمنع من على
غير طهارة من ذكر الله(١)، وإنما اختلف العلماء فى قراءة الجنب والحائض القرآن ظاهرا
ے
بالمنع لهما والإباحة لهما ، ومُنع الجنب لِملكِه طُهْرَه دون الحائض لأن أمرها يطول ،
والأقوال الثلاثة لمالك - رحمه الله - ولم يختلف قوله فى قراءة اليسير منه كالآية ونحوها
على وجه التعوذ(٢) .
وفيه حجة لمن أجاز الذكر على الحدث وفى المراحيض على ظاهره(٣) ، وقيل: معناه :
متوضئ وغير متوضئ ، وقد تقدم قبل الكلام عليه .
(١) قلت : أخرج أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه فى كثيرين عن على بن أبى طالب قال : كان
رسول الله عَّه لا يحجُبُه عن تلاوة القرآن شىء إلا الجنابة. وأخرجه الحاكم فى المستدرك وقال : على
شرط الشيخين، ووافقه الذهبي ٤/ ١٧٠، وكذا البيهقى فى السنن الكبرى ٨٩/١، وفى المعرفة ١/ ٧٧٤ ،
وابن أبى شيبة ١٠١/١، والدارقطنى فى سننه ١١٨/١ .
(٢) وذلك من غير مسٌّ. انظر: الاستذكار ١٤/٨، المغنى ١٩٩/١.
(٣) وهو قول شاذ ، شذّ به داود عن الجماعة ، كما ذكر ابن عبد البر.

٢٢٨
كتاب الحيض / باب جواز أكل المحدث الطعام ... إلخ
(٣١) باب جواز أكل المحدث الطعام وأنه لا كراهة فى ذلك،
وأن الوضوء ليس على الفور
١١٨ - (٣٧٤) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى التَّمِيمِىُّ وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ - قَالَ يَحْتَى:
أَخْبَرَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ . وَقَالَ أَبُو الرَّبيِعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَعید بْنِ
الحُوَيّرِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ أَنَّالنَّبِىَّ ◌َُّ خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ، فَأَنِىَ بِطَعَامٍ، فَذَكَرُوَا لَهُ
الوُضُوءَ فَقَالَ: ((أُرِيدُ أَنْ أُصَلَىَ فَأَنَوَضَّأَ؟ )) .
١١٩ - ( .. ) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنْ عَمْرو ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِث، سَمِعْتُ ابْنُ عَبَّاسِ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِىِّ ◌َّهُ، فَجَاءَ منَ الْغَائط،
وَأَنِّى بِطَعَامٍ، فَقِيلَ لَهُ: أَ تَوَضَّأَ؟ فَقَالَ:((لِمَ ؟ أَأُصَلَى فَأَنَوَضَاً؟ ».
١٢٠ - ( .. ) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ الطَّائِفِىُّ، عَنْ عَمْرِو
ابْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، مَوْلَى آلِ السَّائِبِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الله بْنَ عَبَّاس قَالَ :
ذَهَبَ رَسُولُ اللهِعَّهُ إلى الغَائِطِ، فَلَمَّا جَاءَ، قُدِّمَ لَهُ طَعَامٌ . فَقِيلَ: يَارَسُولَ الله، أَلَا
تَوَضَّأُ؟ قَالَ: ((لَمَ؟ أَلِلَصَّلاةِ؟)).
١٢١ - ( .. ) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّدِ بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ ، عَنِ
ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حُوَيْرِثَ؛ أَنَّهُ سَمَعَ ابْنَ عَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّالنََِّّ ◌َ
قَضَى حَاجَتَهُ مِنَ الْخَلَاءِ ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فَأَكَلَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً . قَالَ : وَزَادَنَى عَمْرُو بْنُ
دِينَار عَنْ سَعِيد بْنِ الْحُوَيْرِثِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ عَّهُ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لِمْ تَوَضَّأْ؟ قَالَ: « مَا أَرَدْتُ
صَلَةً فَأَنَوَضَاً)) وَزَّعَمَ عَمَّرُوَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ .
وقوله: (( أتى بطعامٍ فذُكر له الوضوء فقال: أريد أن أصلى فأتوضأ؟)): أخذ
مالك بظاهر هذا الحديث ، وكره غسل اليد قبل الطعام ، وقال : إنه من فعل الأعاجم ،
وقال مثله الثورى ولم يكن من فعل السلف ، وحمله غيره على أنه ليس بواجب ، واحتجوا
ت ١٥٢ / أ بحديث ذكره أبو داود / وغيره عنه عَّه: ((الوضوء قبل الطعام وبعده بركة)).

٢٢٩
كتاب الحيض/ باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء
(٣٢) باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء
١٢٢ - (٣٧٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْنَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْد، وَقَالَ يَحْيَى أَيْضًا:
أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَس، - فِى حَديث حَمَّد : كَانَ
رَسُولُ اللهِ عََّ إِذَا دَخَلَ الخَلاَءَ. وَفِىَ حَدِيثِ هُثْنَيْمٍ: أَنَّ رُّسُولَ اللهِ عَّهَ كَانَ إِذَا دَخَلَ
وقوله: ((كان إذا دخل الخلاء .. )) وفى الحديث الآخر: ((الكنيف )) وهو بمعناه ،
وسُمى بذلك للتستر فيه ، والكنف (١) الستر ، فلما كان يستتر فى ذلك الموضع من يأتيه
للحدث سُمى به ، وكذلك سُمى الخلاء - أيضاً - بالخلوة فيه عن الناس .
وقوله : ((يقول : أعوذ بك من الخبث والخبائث)) : رويناه عن شيوخنا بالوجهين
سكون الباء وضمها ، وأكثر روايات الشيوخ فيه بالإسكان ، وكذا ذكره أبو عُبيد وفسَّره
بالشر ، وبالضم سمعناه من القاضى الشهيد ، وكذا صَوَّبه الخطابى ووهَّم أصحاب الحديث
فى روايتهم السكون .
قال الإمام : قال الهروى : قال أبو الهيثم : الخبث بالضم (٢) جمع الخبيث، وهو
الذكر من الشياطين ، والخبائث جميع الخبيثة وهى الأنثى من الشياطين ، وقال أبو بكر [ بن
الأنبارى ](٣): الخبث الكفر ، والخبائث الشياطين .
قال الإمام : والأول أشبه ؛ لأن تلك [ المواضع ] (٤) مواضع الشياطين. قال القاضى:
قال الخطابى فى رواية الضم : استعاذ بالله من مردة الجن ذكورهم وإناثهم ، قال ابن
الأعرابى : أصل الخبث فى كلام العرب المكروه .
قال القاضى : ولا يبعد أن يستعيذَ من الكفرِ ومن الشياطين ومن سائر الأخلاق الخبيثة
والأفعال المذمومة وهى الخبائث ، وجاء بلفظ الخبث لمجانسة الخبائث ، والله أعلم ؛ ولأنه
لما كان الموضع خبيثاً فى نفسه استعاذ من كل ما جاء فى لفظه . وقال الداودى : الخبثُ
الشيطان ، والخبائث المعاصى ، وقال غيره : استعاذ أولاً من الشياطين وخبثها لتضاحكها
من عورة الإنسان عند انكشافها للبراز والبول ، فإذا ذكر الله واستعاذ به أُعيذَ وولَّت
الشياطينُ هاربةً ، قال: ثم استعاذ من الخبائث وهى البول والغائط لئلا يناله منهما مكروه . / ٧٧ / ب
(١) فى ت : والكنيف.
(٣) ليست فى المعلم .
(٢) فى المعلم : بضم الباء .
(٤) من المعلم .

٢٣
كتاب الحيض/ باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء
الكَنِيفَ - قَالَ: «اللهُمَّ! إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْحُبْثِ وَالخَبَائِث)) .
( .. ) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ
ء
ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ عَبْد العَزِيزِ، بِهَذَاَ الإِسْنَادِ. وَقَالَ: ((أَعُوذُ بالله منَ الْخُبْث والخَبَائث)).
قال الإمام: وقوله: ((إذا دخل)): يحتمل أن يكون معناه : إذا أراد الدخول ، كما
[ قال تعالى] (١): ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (٢) الآية [ أن] (٣) معناه: إذا أردت
[أن تقرأ ] (٤) .
قال القاضى : قد ذكر البخارى فى بعض طرق هذا الحديث : ( كان إذا أراد أن
يدخل) (٥) ويجمع بين اللفظين بردِّ أحدهما إلى الآخر ، ومن جهة المعنى أنه إذا كان
متصلاً بالدخول قيل فيه : إذا دخل .
وقد اختلف السلف والعلماء فى هذا الحديث ، فذهب بعضهم إلى جواز ذكر الله فى
الكنيف وعلى كل حال ، ويحتج قائله بهذا وبحديث ذكر النبى ◌ّه على كل أحيانه ،
وبقوله : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الَّكَلِمُ الطَّيِّب﴾ (٦) وهو قول النخعى والشعبى وعبد الله بن عمرو بن
العاص وابن سيرين ومالك بن أنس ، وروى كراهيةُ ذلك عن ابن عباس وعطاء والشعبى
ت ١٥٣/ أ وغيرهم ، وكذلك / اختلفوا فى دخول الكنيف بالخاتم فيه ذكر الله(٧).
(١) فى المعلم : قيل فى قوله تعالى .
(٢) النحل : ٩٨. قلت: والأمر بالاستعاذة عند الجمهور هو أمر ندب ، ليس بواجب ، قال الحافظ ابن كثير:
والمعنى فى الاستعاذة عند ابتداء القراءة لئلا يلبس على القارئ ويخلط عليه ، ويمنعه من التدبر والتفكر ،
ولهذا ذهب الجمهور إلى أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة ، وحكى عن حمزة ، وأبى حاتم السجستانى
أنها تكون بعد التلاوة ، واحتجا بهذه الآية. تفسير القرآن العظيم ٤/ ٥٢٢.
(٣، ٤) من المعلم .
(٥) البخارى فى الوضوء، ب ما يقول عند الخلاء ٤٨/١ .
(٦) فاطر: ١٠ .
(٧) المغنى ٢٢٧/١، ٢٢٨.

٢٣١
كتاب الحيض/ باب الدليل على أن نوم الجالس ... إلخ
(٣٣) باب الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء
١٢٣ - (٣٧٦) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلِيَّةَ. ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ
ابْنُ فَرُوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ ، كَلاهُمَا عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أَنَس ؛ قَالَ : أُقِيمَت
الصَّلَاةُ وَرَسُولُ اللهِ عَّهُ نَجِيٌّ لِرَجُلٍ - وَفِى حَدِيثِ عَبْدِ الَارِثِ. وَنَبِىُّاللهِ عَُّ يَتَاجِىَ
الرَّجُلَ - فَمَا قَامَ إِلى الصَّلاةِ حَتّى نَامَ القَوْمُ.
١٢٤ - ( ... ) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذِ العَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ؛ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاةُ وَالنَِّىُّ عَّهُ يُنَاجِى
رَجُلاً ، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاجِهِ حَتَّى نَامَ أَصْحَابُهُ ثُمَّ جَاءً فَصَلَى بِهِمْ .
وقوله : ((أقيمت الصلاةُ ورسول الله عَّهُ يناجى رَجُلاً فلم يزل يناجيه حتى نام
أصحابُه [ ثم جاء فصلى بهم (١) ]))، قال الإمام: يحتمل أن تكون مناجاته عَّه وتأخيره
المبادرة للصلاة بعد الإقامة إنما كانت لأن(٢) الذى ناجاه فيه أمرٌ مهمٌ [ من أمر الدين] (٣)،
كان تقديمُ النظر فيه أولى من المبادرة إلى العبادة .
قال القاضى: وفى الرواية الأخرى: ((وهو نجىٌّ لرجلٍ)): أى مسارِرٌ له، وهو لفظٌ
يُستعملُ للواحد والاثنين والجميع ، قال الله تعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾(٤) فى الجميع ، وقال :
﴿ وَقَرَّْنَاهُ نَجِيًّا ﴾(٥) فى الواحد .
وفيه مناجاة الاثنين بحضرة الجماعة (٦)، وجواز الكلام بعد إقامة الصلاة لا سيما فى
الأمور المهمة ، وأما فى غيرها فيكره ، وتقديم الأمور المهمة التى يخشى فواتها أو شغل
السِرِّ بها [عن ] (٧) الصلاة .
وقوله هنا: (( حتى نام الصحابةُ ثم صلى بهم)) وفى الحديث الآخر : ((كان
أصحاب رسول الله عَّه ينامون ثم يُصلون ولا يتوضؤون)): فيه دليل أن النوم ليس
(٣) من المعلم .
(٢) فى المعلم : لأجل أن .
(٥) مريم : ٥٢ .
(١) من المعلم.
(٤) يوسف : ٨٠.
(٦) مادام أمن سلامة قلوب الآخرين .
(٧) فى الأصل : على ، والمثبت من ت.

كتاب الحيض/باب الدليل على أن نوم الجالس ... إلخ
٢٣٢
١٢٥ - ( ... ) وَحَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ حَبيب الحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - وَهُوَ ابْنُ الْحَارث -
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَّا يَقُولُ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِلَّهُ يَنَامُونَ .
ثُمَّ يُصَلُونَ وَلَا يَتَوَضَّؤُونَ قَالَ: قُلتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ أَنَسِ؟ قَالَ : إِى، وَاللهِ.
بحدث فى نفسه(١) ، وأن موجب الوضوء منه المستثقل الذاهب بحسُّ المرء حتى لا يعلم
بالحدث إذا خرج منه(٢)، وأن الخفيف اليسير منه لا يجب منه وضوء خلافاً للمزنى فى
إيجابه الوضوء من قليله وكثيره(٣)، وقد تأوله على المذهب بعض شيوخنا (٤) ، ثم اختلفت
أقاويل أئمتنا وغيرهم فى هيئات النائم الذى يحكم له بنقض الطهارة إما لإمكان
الاستثقال(٥) أو لسرعة خروج الحدث كالراكع والقائم والجالس والراكب بما هو مُفَسَّرٌ فى
أصولنا ، وعلى هذا يحملُ نوم الصحابة - رضى الله عنهم - لأنهم كانوا جلوساً ينتظرون
الصلاة، ولأنه قال فيه: (( حتى تخفق رؤوسهم)) ، وهذه أول سنات النوم ومخامرته
الحِسَّ، ولم يقل: حتى [ يسقطون أو يغطون ](٦) ، وقد كان بعض السلف لا يرى النوم
حدثاً على أى وجه كان حتى يُحقق خروج الحدث فيه(٧) ، وكان بعضهم يجعل من يحرُسُهُ
إذا نام(٨) ، وذهب بعض متأخرى الشافعية إلى أن النائم إذا ضم نفسه وزمَّ وركيْه عند نومه
(١) وهذا القول مروىٌ عن أبى موسى الأشعرى، وحكاه ابن عبد البر ، قال : إن النوم عنده ليس بحدث
على أىِّ حال كان حتى يحدث النائم حدثاً غيرَ النوم ؛ لأنه - يعنى أبا موسى الأشعرى - كان ينامُ ويوكِّل
من يحرُسهُ. الاستذكار ٢/ ٧٤.
وقد عقب ابن عبد البر فى التمهيد على ذلك بأنه قول شاذ والناس على خلافه . التمهيد ١٨/ ٢٤٧ .
(٢) وروى عن عُبْيدَة نحو ذلك، قال أبو عمر: وهو يشبه ما نزَع إليه أصحابُ مالك ، فإنهم يوجبون الوضوء
مع الاستثقال من أجل ما يداخله من الشك . الاستذكار ٢/ ٧٤ .
(٣) فقد قال: النومُ حدثٌ كسائر الأحداث ، قليله وكثيرُهُ يوجب الوضوء. وحجته فى ذلك حديث صفوان بن
عسَّال المرادى قال: ((كنا مع رسول الَّله عَّه فى سفَرِ، فأمَرنا ألا ننزع خفافنا من غائط أو بول أو نوم ،
ولا ننزعها إلا من جنابة))، قال: فلما جعلهن النبىّ عَّه فى معنى الحديث واحداً، استوى الحدث فى
جميعهن ، مضطجعاً كان أو قاعداً ، قال : ولو اختلف حدث النوم لاختلاف حال النائم لاختلف كذلك
حدث الغائط والبول ، ولأبانه - عليه السلام - كما أبان الآكل فى الصوم - عامداً مفطر ، وناسياً غير
مفطر. راجع المختصر ١٦/١، وانظر: معرفة السنن والآثار ٩٢٨/١ .
(٤) واحتجوا لذلك بحديث على ومعاوية أن رسول الله عَّه قال: ((وكاء السَّه العينان، فمن نام فليتوضأ)).
والسّه هو الدبر ، والوكاء هو الخيط الذى يشد به الوعاء . قال أبو عمر : وهما حديثان ضعيفان ، لا حجة
فيهما . انظر : التمهيد ٢٤٧/١٨.
(٥) وعليه حملوا قوله عَّه: ((إذا استيقظ أحدُكُم من نومه فليغسل يَدَه قبل أن يُدخلها فى وَضوئه، فإن
أحدَكم لا يدرى أين باتت يدُه)). راجع: الاستذكار ٦٧/٢ - ٧٨ .
(٦) فى الأصل : يُغطوا أو يسقطوا .
(٧) وهو مروى عن ابن عباس وأبى هريرة وأنس بن مالك ، وبه قال الحسن وسعيد بن المسيب ، فقد جاء
عنهم : إذا خالط النومُ قلبَ أحدكم واستغرق نوماً فليتوضأ . السابق
٣٠
(٨) هو أبو موسى الأشعرى - رضى الله عنه، وقد سبق .

٢٣٣
-
كتاب الحيض / باب الدليل على أن نوم الجالس ... إلخ
١٢٦ - ( .. ) حَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ سَعِيد بْنِ صَخْرِ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا حَبَّنُ، حَدَّثَنَا
حَمَّادٌ، عَنْ ثَابت، عَنْ أَنَّس ؛ أَنَّهُ قَالَ: أُقَيْمَتْ صَلَاةُ الْعِشَاء، فَقَالَ رَجُلٌ : لِى حَاجَةٌ .
فَقَامَ النَِّىُّ ◌َّهُ يُنَاجِهِ، حَتَّى نَامَ القَوْمُ، - أَوْ بَعْضُ القَوْمِ ثُمَّ صَلَوْا .
منّالله
زمّا يأمَنُ معه خروج الحدث أنه لا وضوء عليه ، وربما احتج لهذا المذهب بصلاة النبى
بعد نومه حتى نفخ (١)، والنبى عَّه بخلاف غيره لقوله عَّه: ((إن عينى تنامان ولا ينام
قلبى))(٢)، أو يكون هذا النوم خفيفاً فى نفسه وقد يعترى أثناءه النفخ وإن لم يثقل فيسقُط
معه . وسيأتى الكلام على هذا فى كتاب الصلاة إن شاء الله .
[ كمل كتاب الطهارة بحمد الله وعونه ، ويتلوه إن شاء الله عز وجل كتاب الصلاة.
بسم الله الرحمن الرحيم. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ](٣).
(١) وهو ما أخرجه ابن ماجه وأحمد عن عائشة قالت: كان رسول الله عَّهُ ينامُ حتى ينفُخَ، ثم يقومُ فيُصلى
ولا يتوضأ . ابن ماجه ، ك الطهارة، ب الوضوء من النوم ١/ ١٦٠، أحمد فى المسند ١٣٥/٦ . قال
ابن ماجه : قال الطنافِسىُّ : قال وكيعٌ : تعنى : وهو ساجد .
وقد أخرج ابن ماجه بسند ضعيف عن ابن عباس قال : كان نومُهُ ذلك وهو جالسٌ ، قال أبو عمر :
ليس بنا حاجةٌ إلى هذا فى النبى معَّه، لأنه محفوظ مخصوص بأن تنام عينه ولا ينام قلبُهَ عَّ، وإنما النوم
الموجب للوضوء ما غلب على القلب أو خالطه. التمهيد ١٨/ ٢٥٠، الاستذكار ٧٦/٢ .
(٢) البخارى ، ك التهجد ، ب قيام النبى فى رمضان وغيره ٢/ ٦٧ .
(٣) من ت ، وغير مذكورة فى الأصل.

٢٣٤
كتاب الصلاة / باب بدء الأذان
بسم الله الرحمن الرحيم
٤ - كتاب الصلاة
(١) باب بدء الأذان
١ - (٣٧٧) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْر. حِ وَحَدَّثَنَا
كتاب الصلاة
اختلف فى اشتقاق اسمها ممَّ هو ؟ فقيل : من الدعاء الذى تشتمل عليه ، وهو قول
أكثر أهل العربية والفقهاء ، وتسمية الدعاء صلاة معروف فى كلام العرب ، وقيل : لأنها
ثانية الشهادتين وتاليتهما كالمُصَلى من السابق فى الحلبة (١) ، وقيل : بل لأنه مُتتبع فِعل
النبى عَّهِ كالْمُصَلِّى مع السابق ، ولعل هذا فى أول شرع الصلاة وائتمامهم فيها بالنبى
سَاله
علينا ،
لكن هذا يضعف فى تسميتها فى حقه ◌ّه وهو السابق ، وقيل : بل هو من الصَّلَوَين (٢)،
وهما عِرقان مع الرِّدف ، وقيل : عظمان ينحنيان فى الركوع والسجود ، قالوا : وبه سُمى
المصلى من الخيل ؛ لأن أنفه يأتى مُلاصقاً صِلَوى السابق ، قالوا : ومنه كُتب بالواو فى
المصحف ، وقيل : بل من الرحمة وتسميتها بذلك معروف فى كلام العرب (٣) ، ومنه :
صلاة الله على عباده ، أى رحمته، وقيل : أصلها الإقبال على الشىء ، تقرباً إليه، وقيل :
معناها : اللزوم ، من قولهم : صَلِيَ بالنار ، وقيل : الاستقامة من قولهم: صَلَيْتُ العودَ
على النار إذا قوَّمته (٤)، والصلاة تقيم العبد على طاعة ربه ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ
تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ﴾(٥)، وقيل: لأنها صلة بين العبد وربه (٦)، ثم تشعبت مذاهب
المتكلمين والنظار من الفقهاء فى هذه الأسماء المستعملة فى الشرعيات كالصلاة والزكاة
والصيام والحج وشبهها ، هل هى منقولةٌ عن موضوعها فى اللغة رأساً ؟ وهذا بعيد ومؤد
(١) اعترض عليه بأنه اشتقاق من الفروع.
(٢) قالوا: لا يصح؛ لأنه اشتقاق من الجوامد. إكمال ٢/ ١٣٠.
(٣) حيث قالت فى العظمين السابقين: إنهما لا ينحنيان إلا لعظيم أو ليتيم، ومن الانحناء لليتيم أخذت معنى الرحمة.
(٤) لا يصحّ اشتقاقها من هذا ؛ لأن صليت من ذوات الياء ، والصلاة من ذوات الواو.
(٥) العنكبوت : ٤٥ .
(٦) لا يصحُّ اشتقاقها من هذا أيضاً ؛ لأن الصلة معتلة الفاء ؛ لأنها مصدر وصل ، والصلاة معتلة اللام .

٢٣٥
كتاب الصلاة / باب بدء الأذان
مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنِى هَرُونُ بْنُ
إلى أن العَرَبَ خوطِبت وأُمِرت بغير لغتها ، أو هى مُبُقَاةٌ على مقتضاها فى أصل اللغة ،
فالصلاة الدعاء ، والصيامُ الإِمْسَاكُ، والحج القصدُ ، وهكذا فى سائرها وهو المرادُ بها
والمفهوم منها ، وغير ذلك مما أضيف إليها من أقوال وأفعال غيرُ داخِلٍ تحت الاسم ، وهو /
٧٨ / أ
مذهب القاضى أبو بكر ، أو هى واقعةٌ على أصولَ مُسَمَّيَاتِها ، ثم أطلق على ما انضاف
إليها بحكم الاشتمال أو الاستعارة لمشابهة معناها ، وهو مذهب الأشياخ والمحققين من
متكلمى أهل السنة وغيرهم من الفقهاء(١) ، وقد أطال المصنفون فى الأصول الكلام فى هذا
الباب ومدّوا أطنابه ، ومخالفة الجماهير من الموافقين والمخالفين جُرأةٌ تامةٌ وجسارةٌ ، وقول
المرء لقول قيلَ يعتقد(٢) الصواب فى خلافه غيرُ بيِّنٍ وخسَارةٌ ، فالحق أحق أن يُتبع لا سيما
بخلافٍ ليسَ فى قاعدة دين ومقالة تلوح بالحق اليقين ، ولا تخرج عن مراد مشايخنا
المحققين ، وذلك أنه متى أعطيت هذه الألفاظ من البحث حقها وُجِدَتْ عند المخاطبين بها
لأول ورودها من أهل الشريعة معروفة المعنى على ما جاءت به من أفعال مخصوصة
وعبارات مُقْرَّرةٍ إلا ما غيَّر الشرع فيها من بدع الجاهلية أو نسخ من شرائع من تقدم من
الكتابيَّة ، لكنّ لا يبعد أن أصل استعمال العرب لها فى جاهليتهم قبل ورود الشريعة كان
على ما أشار إليه الأشياخ ، إما من إيقاعها على المعنى الحقيقى فى اللغة دون اعتبار المزيد / ت ١٥٤ / أ
فيها ، على مذهب القاضى أبى بكرٍ ، أو على الجميع بحكم تشابه المعنى والاستعارة على
ما ذهب إليه غيره ، ثم استُمِرَّ استعمالهُم لهذه الألفاظ عرفاً على جميع العبادة فصارت
كاللغة الصحيحة والتسمية الموضوعة، فجاءهم الشرع واستعمالهم لها مفهوم عند جميعهم ،
فقد حققنا قطعاً بمطالعة السِّير ومدارسة الأثر واستقراء كلام العرب وأشعارها : أن الصَلاة
كانت عندهم معلومةً على هيئتها عندنا من أفعال وأقوالٍ ودعاءٍ وخضوعٍ وسجود وركوع ،
وقد تنصَّرَ كثير منهم وتهوَّد وتمجَّس ، وتقربوا بالصلوات والعبادات ، وجاوروا أهل
الديانات ، وداخلوا أهل الملل ووفَد أشرافهُم على ملوكهم ، وألفت قريش رحلة الشتاء
والصيف إلى بلادهم ، وثاقبوا ربَّانيِّهِم وأحبارهم ، وشاهدوا رهبانيتَهم وشرائعهم ، وثابَرَ
كثيرٌ منهم على بقايا عندهم من دين إبراهيم ، وعرفوا السجود والركوع والصوم والحج
والعمرة والاعتكاف ، وحجوا كل عام واعتمروا واعتكفوا وحضوا على الصدقة ، وصاموا
عاشوراء ، وفى الحديث: ((كان عاشوراء يوماً تصومُه الجاهلية)) (٣). وقال عُمر: ((نذرتُ
(١) الفارق بين النقل والاستعارة : هو أن النقل إخراج اللفظ عن موضوعه لغة، واستعماله فى غير موضوعه
لا لعلاقة بين ما نقل عنه وإليه ، والاستعارة استعماله فى غير موضوعه لعلاقة بينهما ، فالنقل غير مراعى
فيه سبق الوضع ، بل هو وضع جديد من الشارع ، والاستعارة مراعى فيها ذلك .
(٢) فى الأصل : يبعُدُ ، والمثبت من ت .
(٣) ابن ماجة ، ك الصيام ، ب صيام يوم عاشوراء (١٧٣٧).

٢٣٦
كتاب الصلاة / باب بدء الأذان
عَبْد الله - وَاللفْظُ لهُ - قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّد، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِى نَافِعٌ
ء
فى الجاهلية أن أعتكف يوماً فى المسجد الحرام )) (١)، وفى إسلام أبى ذرِ وأنه صلى قبل
المبعث بثلاث سنين مع صواحبه ، وأنه كان يتوجه عشاءً حيث يوجِّهه الله (٢).
ومن طالع أخبارهم ودرس أشعارهم علم ذلك منهم ضرورة ، فجاء الشرع بالأمر بهذه
العبادات ، وهى عندهم معلومةٌ مفهوم المراد منها ، من أنَّ الصوم : إمساك مخصوص على
أفعال مخصوصةٍ بالنهار دون الليل ، والاعتكاف : لزوم للتعبد والتبرَّز بمكان مخصوص ،
والحج : قصد مخصوص لبيت الله الحرام يشتمل على وقوف بعرفة وطواف بالبيت ودعاء
وذكر وتبرُّر ، وأن الصدقة : بذل المال للمحتاج ، ثم سميت زكاةً لما فيها من زكاة المال
ونمائه ، أو زكاة صاحبه وتطهيره ، كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (٣)، فإن لم تجد تسمية الزكاة الشرعية قبل معروفةً فالصدقة معروفةٌ ، وقد
قال الأعشى فى مدحه عَّ :
له صدقاتٌ ما تَغِبُّ ونائِلُ
ومع هذا التقرير فلا مجال للخلاف مع الإنصاف ، وقد طالعت بهذا الرأى أهل
التحقيق من شيوخى فما رأيت منهم مُنْصِفاً ردَّه .
ثم اختلف الأصوليون والفقهاء من أصحابنا وغيرهم فى ورود هذه الأوامر بهذه الألفاظ
الشرعية كقوله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَأَتُوا الزَّكَاةِ﴾ (٤) و﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامِ﴾(٥)، ﴿ وَلِلَّهِ
عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٦)، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾(٧)، فقيل : هى مجملة تحتاج إلى
بيان ، وقيل : هى عامةٌ تحملُ على العموم إلا ما خصَّ منها الدليل ، وقيل : تحمل على
أصل ما يتناوله اللفظ ، واستقصاء هذا فى علم الأصول(٨).
(١) متفق عليه. سيأتى، ولفظه: ((إنى نذرت فى الجاهلية أن أعتكف فى المسجد الحرام فقال: أوف بنذرك))،
وانظر كذلك: السنن الكبرى ٧٦/١٠ .
(٢) راجع: أسد الغابة ٣٠١/١، وفيه: وكان يعبد الله تعالى قبل مبعث النبى عَّ بثلاث سنين.
(٤) البقرة : ٤٣.
(٣) التوبة : ١٠٣.
(٥) البقرة : ١٨٣.
(٦) آل عمران : ٩٧.
(٧) البقرة : ٢٧٥.
(٨) قال الرازى فى المحصول : كون اللفظ مفيدا للمعنى إمَّا أن يكون لذاته ، أو بالوضع - جعل اللفظ بإزاء
المعنى - سواء كان الوضعُ من الله تعالى أو من الناس ، أو بعضه من الله تعالى وبعضه من الناس. راجع :
المحصول ٢٤٣/١، حاشية البنانى على جمع الجوامع ١/ ٢٧٠ .

٢٣٧
كتاب الصلاة / باب بدء الأذان
مَوْلِى ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَبْد الله بْن عُمَرَ ؛ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدينَةَ
يَجْتَمِعُونَ . فَيَتَحَيَُّونَ الصَّلَوَاتِ، وَلَيْسَ يُنَادِى بِهَا أَحَدٌ ، فَتَكَلَمُوا يَوْمًا فِى ذَلِكَ . فَقَالَ
وقوله: (( كانوا يتحينون الصلاة)) : أى يقدرون حينها ليأتوا إليها فيه ، لا أنهم
كانوا يتحينون وقت جواز صلاتها ، فإن ذلك يُعرف ضرورة / معرفة أوقاتها ، والحينُ: ت ١٥٤ / ب
الوقتُ من الزمان ، وتشاورهم فيما يتخذون لها علماً يجتمعون إليه يدلُ على ما قلناه ،
وفى ذلك : التشاور فى الأمور المهمة كانت مما يتعلق بالدين أو بالدنيا . ويستدل به من
يجيز اجتهاد النبى معَّه فى الشرعيات ، لكن هذه بالمصالح أشبه ؛ لأن المقصد فى ذلك
اتفاقهم على شىء يكون علماً لاجتماعهم لئلا يستضرون بالبكور إلى تحصيله قبل وقته
وتتعطّل بذلك معايشهم أو يتأخرون فتفوتُهم الجماعة(١).
وذكر فى الخبر أن عمر أشار عليهم بالنداء وقال: ((ألا تبعثون رجلاً ينادى بالصلاة))،
فظاهره أنه إعلام ليس على صفة الأذان الشرعى ، ولكن إعلام بالصلاة كيف كان ، كما
(١) للأصوليين فى اجتهاد النبى عَّ فيما لا نص فيه مذاهب سبعة:
الأول : جواز الاجتهاد مطلقا شرعاً وعقلاً، سواء أكان فى الأحكام الشرعية أم المعاملات العامة
كالأقضية والخصومات من غير تقييد بإنتظار الوحى. وإلى هذا ذهب عامة الأصوليين، ومالك والشافعى فى
المشهور عنه، وأحمد بن حنبل، وعامة أهل الحديث، وهو منقول عن أبى يوسف من الحنفية على تفصيل فيه.
الثانى : مثل الأول لكن بشرط انتظار الوحى مدة تقدر بخوف فوات الغرض الصحيح، وذلك بأن
تعرض عليه الحادثة التى لا وحى ظاهر فيها، فينتظر، فإن لم ينزل عليه وحى بعده كان ذلك دليلاً على أنه
مأذون له فى الاجتهاد، بل ومأمور به ، حتى لا تترك الحادثة بغير حكم ، وإلى هذا ذهب جمهور الحنفية .
الثالث: لا يجوز له الاجتهاد مطلقاً، لا عقلاً ولا شرعاً ، وهو قول الجبائى وابنه أبو هاشم من المعتزلة.
الرابع: يجوز له ◌َّه الاجتهاد عقلاً، لكنه لم يتعبد به شرعاً، بمعنى أن الاجتهاد منه عَّه لا يترتب
على فرض وقوعه محال لذاته ولا لغيره ، أما عدم تعبده به شرعا فلقوله تعالى : ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى .
إِنْ هُوَ إِلَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤،٣]، وقد رد عليه بأن الاجتهاد منه عَّ هو من قبيل الوحى الباطن،
لا من قبيل الرأى وهوى النفس المنفى عنه عَّه فى الآية .
الخامس : أنه يجوز له عَدّه الاجتهاد فى الحروب والأمور الدنيوية، ولا يجوز له فى الأحكام الشرعية.
حكاه السراج الهندى .
السادس : أنه يجوز له فى الحروب فقط ، ولا يجوز فى غيرها ، وهو محكى عن القاضى والجبائى.
السابع : التوقف وعدم القطع بشىء من ذلك ، وهو منسوب إلى الشافعى ، واختاره الغزالى لتعارض
المدارك ؛ لأن القول بترجيح رأى معين فيه ترجيح لأحد الدليلين المتساويين على الآخر بلا مُرُجُح ،
والترجيح بلا مرجح باطل.
راجع: كشف الأسرار ٩٢٤/٣، تيسير التحرير ١٨٤/٤، حاشية البنانى على جمع الجوامع ٤٠٤/٢،
المحصول ٢٢/٢، الأحكام للآمدى ٢٤٢/٣، المستصفى ١٠٤/٢.

٢٣٨
كتاب الصلاة / باب بدء الأذان
بَعْضُهُمُ : أَنَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى . وَقَالَ: بَعْضُهُمْ: قَرْنَا مِثْلَ قَرْنِ النَّهُودِ .
فَقَالَ: عُمَرُ أَوَلاَ تَبْعَثُونَ رَجُلاً يُنَادِى بِالصَّلَاة؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّةُ: (( يَا بِلالُ قُمْ . فَنَاد
بِالصَّلاةِ» .
جاء فى الحديث الآخر عنه عَّه: ((لقد هممتُ أن أئت رجالاً ينادون المسلمين لحين الصلاة))(١)،
وفى الأحاديث الصحيحة غيره أنه من رؤيا عبد الله بن زيد وأن عمر ذكر أنه رأى مثل ذلك(٢)،
------
(١) لعله يعنى بذلك ما أخرجه البخارى فى صحيحه وأحمد فى المسند عن أبى هريرة عن النبى عم ◌ّه قال: ((لقد
هممتُ أن آمر بالصلاة فتُقام ، ثم أخالِفَ إلى منازل قوم لا يشهدون الصلاة فأُحَرِّق عليهم)» ك
. الخصومات ، ب إخراج أهل المعاصى والخصوم من البيوت بعد المعرفة ٣/ ٦٠ .
(٢) يعنى بذلك ما أخرجه أبو داود والترمذى وابن ماجة من حديث محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه ،
ولفظه : حدثنى أبى عبد الله بن زيد قال: لما أمَرَ رسول الله ◌َّه بالناقوسِ يُعملُ، ليضرِبَ به الناس فى
الجمع للصلوات ، طافَ بى وأنا نائم رجلٌ يحمل ناقوساً فى يده ، فقلت : يا عبد الله ، أتبيعُ الناقوس ؟
قال : وما تصنع به ؟ فقلتُ، ندعو به إلى الصلاة ، قال : أفلا أَدُلُّك على ما هو خير من ذلك ؟ فقلتُ
له : بلى ، قال : فقال: تقولُ : الله أكبر الله أكبر، فذكر الأذان مثنى مثنى ، قال : ثم استأخر عنى غير
بعيد ، ثم قال : ثم تقول إذا أقيمت الصلاة : الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن
محمداً رسول الله ، حىَّ على الصلاة ، حىَّ على الفلاح ، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة ، الله
أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله .
قال: فلما أصبحتُ أتيتُ النبى معَِّ فأخبرتُهُ بما رأيتُ، فقال: (( إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال
فألق عليه ما رأيت فليؤذن به ، فإنه أندى صوتاً منك)) . فقمتُ مع بلال ، فجعلتُ ألقيه عليه ، ويؤذن به .
قال : فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو فى بيته ، فخرج يجُرّ رداءه يقول : والذي بعثك بالحق يا
رسول الله صلى الله عليك، لقد رأيتُ مثل ما رأى. فقال رسول الله عَّه: ((فله الحمد)). أبو داود
فى الصلاة ، ب كيف الأذان، الترمذى كذلك، ب ما جاء فى بدء الأذان، بغير ذكر ألفاظ الأذان والإقامة ،
ابن ماجة، ب بدء الأذان ، أحمد فى المسند ٤/ ٤٣ ، كما أخرجه ابن خزيمة فى صحيحه ، جملة أبواب
الأذان والإقامة، ب ٣٧ - ١٩١/١، وابن حبان فى صحيحه ٥٧٣/٤، البخارى فى أفعال العباد جميعا
من طريق ابن إسحق ، وقد صرح فى كثير منها بالسماع ، فالحديث على ذلك حسن ، وقال فيه
الترمذى : حديث حسن صحيح .
وقدأخرجه أحمد فى المسند ٤/ ٤٢، البيهقى فى السنن ٤١٤/١ من طريق الزهرى عن سعيد بن
المسيب عن عبد الله بن زيد، أخرجه عبد الرزاق فى المصنف ( ١٧٨٧ ) عن إبراهيم بن محمد عن أبى
جابر البياضى عن ابن المسيب ، عن عبد الله بن زيد، وأخرجه أيضا هو وابن أبى شيبة ٢٠٣/١،
الطحاوى فى شرح معاني الآثار ١/ ١٣٢،١٣١، البيهقى فى السنن ١/ ٤٢٠ من طريق عمرو بن مرة عن عبد
الرحمن بن أبى ليلى ، قال فى الجوهر النقى: وقال ابن حزم: هذا إسناد فى غاية الصحة ١٠٨/١، وقال
الزيلعى فيه: وهذا رجاله رجال الصحيح، وهو متصل على مذهب الجماعة فى عدالة الصحابة ١/ ١٤٠ .
قال فى إعلاء السنن: اعلم أن الأذان قد ثبت فى الشرع برؤيا غير النبى معَّه، لكن مقروناً بتقريره عَ ليه،
فهو وحى حكمى ، وما يروى فى ثبوته بالوحى الحقيقى ابتداءً فالأحاديث فيه لا تخلو من جرح ٢٠/ ٩٥.
٠٫٠

٢٣٩
كتاب الصلاة / باب بدء الأذان
وقد ذكر أصحاب المسندات أن النبى عَّهِ عُلِّم الأذان على صفته ليلة الإسراء (١) ، وفى
حديث آخر ذكره أبو داود فى مراسيله وغيره : أن عُمَر لما رأى الأذان فى المنام / أتى يُخبرُ ٧٨ / ب
به النبى عَّ، وقد جاء الوحى بذلك فما راعَهُ إلا بلالٌ يؤذن، فقال له النبى معَّه:
((سبقك بذلك الوحى))(٢)، وذكر فى غير الأم كراهة النبى عَّه لما أشاروا به من الناقوس
والبوق والنار وتعليل ذلك ؛ لأنه فعل غيرهم ممن تقدَّمهم من أهل الملل .
وقوله: ((قم يا بلال فناد بالصلاة)): حجةٌ لشرع الأذان والقيام له ، وأنه لا يجوز
أذان القاعد عند العلماء إلا أبا ثورٍ فأجازه ، وبه قال أبو الفرج من أصحابنا ، وأجاز مالك
وغيرُهُ لعلَّةٍ به إذا أذَّن لنفسه (٣)، إذ المقصود من الأذان الإعلام وهو معنى الإعلام ولا يتأتى
من القاعد. ومضمن الإعلام فيه لثلاثة أشياء : لدخول الوقت ، والدعاء للجماعة ومكان
صلاتها ، ولإظهار شعائر الإسلام ، وأن الدارَ دار إسلام .
وقد يحتج داود والأوزاعى ومن قال قولهما أن الأذان الصلاة فرض بأمره عَّه لبلال
بالأذان، إذا سلمنا حمل الأوامر على الوجوب ، لكن هذا فى الأوامر المطلقة المجردة عن
القرائن فهى المختلف فيها ، وأمَّا هنا فالقرينة معلومةٌ ، وهو تشاورٌ الناس ورغبتهم أن
يجعلوا لصلاتِهِم عَلماً ، وكونُ هذا عن رأى عمر أو رؤيا ، وكل هذا قرائن تُبعِدُ الوجوبَ
وتشهد أنه سُنَّة للصلاة ، وهو مذهب مالك وجمهورُ الفقهاء (٤) .
واختلف المذهب فى أذان الجمُعةِ أهو فرضٌ أم سُنَّةٌ ؟ واختلفَ فى الأذان على الجملة
فظاهر قول مالك فى الموطأ أنه على الوجوب فى الجماعات والمساجد ، وقال به بعض
أصحابنا ، وأنه فرض على الكفاية ، وهو قول بعض أصحاب الشافعى ، وقال الأوزاعى
وداود فى آخرين : هو فرض ولم يُفَصِّلوا(٥) ، ورَوى الطبرىُ عن مالك إن ترك أهلُ مصرٍ
الأذانَ عامدين / أعادوا الصلاة(٦)، وذهب بعضهم ومعظَمهُ أصحابنا إلى أنه سُنَّةٌ (٧). ت ١٥٥/ أ
(١) لم أقف عليه .
(٢) مراسيل أبى داود ٨١ ، ورجاله ثقات .
(٣) أخرج عبد الرزاق عن الثورى عن أبى إسحق قال: يكره للمؤذِّن أن يؤذن وهو قاعد. وله عن ابن جريج
قال : قلت لعطاء : هل يؤذن المؤذن غير قائم ؟ قال : لا إلا من وجع، قلت : من نعاس أو كسل ؟ قال :
لا. المصنف لعبد الرزاق ٤٧٩/١، وراجع: المصنف لابن أبى شيبة ٢١٣/١.
(٤) راجع فى ذلك الشرح الصغير ٢٤٨/١، مغنى المحتاج ١٣٥/١، الجموع ٩٧/٣ ، اللباب شرح الكتاب
٦٢/١، بدائع الصنائع ١٤٧/١.
(٥) وهو قول عطاء ومجاهد . التمهيد ٢٧٨/١٣ .
(٦) السابق .
(٧) قال ابن عبد البر: واختلف المتأخرون من أصحاب مالك على قولين فى وجوب الأذان، فقال بعضهم:
الأذان سنة مؤكدة واجبة على الكفاية وليس بفرض ، وقال بعضهم : هو فرض على الكفاية فى المصر
خاصة. التمهيد ١٣/ ٢٧٧ .

٢٤٠
كتاب الصلاة / باب بدء الأذان
والأول هو الصحيح ؛ لأن إقامة السنن الظاهرة واجبٌ على الجملة حتى لو تَرك ذلك أهلُ
بلد ◌ُجُوهدوا حتى يقيمُوها. وقال أبو عمر بن عبد البر : لم يختلفوا أن الأذان واجبٌ فى
الجملة على أهلِ المِصرِ لأنه شعار الإسلام ، قال بعضُ شيوخنا : أمَّا لهذا الوجه ففرض
على الكفاية، وهو أكثر مقصود الأذان، إذ كان عَّه إذا غزا فإن سَمِعَ أذاناً أمسَكَ وإلا
أغار ، فإذا قام به على هذا واحدٌ فى المصرِ وظهر الشعار ، سقط الوجوبُ وبقى المعنى
الثانى بتعريف الأوقات ، وهو المحكىُّ الخلافُ فيه عن الأئمة والذى اختلف لفظ مالك
وبعض أصحابه فى إطلاق الوجوب عليه ، فقيل : معناه : وجوبُ السُنن المؤكدة - كما جاء
فى الجمعة والوتر وغيرهما . وقيل : هو على ظاهره من الوجوب على الكفاية ، إذ معرفة
الأوقات فرض وليس كل أحد يقدر على مراعاتها ، فقام به بعض الناس عن بعض ، وتأوَّل
هذا قول الآخرين سُنَّةٌ ، أى ليس من شرط صحة الصلاة كقولهم فى ستر العورة وإزالة
النجاسة(١) .
واختصاصه عَّه بلالاً وعدوله عن ابن زيد [ الذى ](٢) رأى الرؤيا، وقد كان رغبَ
فى أن يؤذنَ هو على ما جاء فى المصنفات للعلة التى ذكرها عَّه فى قوله: ((فإنه أندى
منك صوتاً )) قيل: أرفع ، ويحتمل أن يكون معناه : أحسنُ ، وفى بعض الروايات :
((إِنَّك فظيع الصوت))(٣)، ففيه أنَّه يختار للأذان أصحاب الأصوات النَّدِية المستحسنة ،
ويكره من ذلك ما فيها غلظٌ وفظاعةٌ ، أو تكلفٌ وزيادةٌ ، ولذلك قال عمرُ بن عبد العزيز :
((أذّن أذاناً سمحاً، وإلا فاعتزلنا)» (٤)، وروى عن الأنصار أن عبد الله بن زيد كان يومئذ
مريضاً، ولولا ذلك لجعله رسول الله عَّه مؤذناً (٥)، وهذا منهم تأويل وإلا فقد أبان عَّه.
العلة، وقد جعل ابنَ زيدٍ يُقيم بقوله: ((أقم أنت ... )) فى الحديث الآخر ، وجاء فى غير
الأَمِّ .
(١) راجع: التمهيد ٢٧٦/١٣. قال: وكان عَّه يأمر سراياه جذلك، وقال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى
الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [ المائدة: ٥٨]، وقال: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمْعَةِ ﴾ [ الجمعة: ٩]،
وقال عَّ: ((إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان )) الحديث .
(٢) ساقطة من النسختين ، واستدركت بهامش ت استدراكا سقيماً.
(٣) لفظ عبد الرزاق عن عبد الله بن زيد: فقال له النبى معَّ: ((قُمْ فأذِّن))، فقال: يا رسول الله، إنى
فظيع الصوت، فقال له: ((فَعلِّم بلالاً ما رأيت)). المصنف ١/ ٤٦١.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة من حديث سفيان عن عمر بن سعد المكى أن مؤذِّناً أذن فطرب فى أذانه فقال له
عمر ... الخبر. وهو معنى ما أخرجه عن إبراهيم قال: الأذان حزم. المصنف ٢٢٩/١.
(٥) أخرجه أبو داود فى سننه عن أبى بشر ١١٦/١، وانظر: التمهيد ٢١/٢٤ .