النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ كتاب الحيض / باب مباشرة الحائض فوق الإزار بسم الله الرحمن الرحيم ٣ - كتاب الحيض (١) باب مباشرة الحائض فوق الإزار ١ - (٢٩٣) حدّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنْ مَنْصُورِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: كَانَ إِحْدَنَا، إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ عَّهِ فَتَأْتَزِرُ ◌ِرَارٍ، ثُمَّيُكْشِرُهَا. ٢- ( ... ) وحدّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِىِّ. ح وَحَدَّثَنِى عَلَىُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِىُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا عَلَىُّ بْنُ مُسْهَر، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: كَانَ إِحْدَنَا، إِذَا كَانَتْ [ قول عائشة - رضى الله عنها -: ((كانت إحدانا إذا كانت حائضا أمرها رسول الله عَِّ أن تأتزر فى فور حيضتها ثم يباشرها ، قالت : وأيكم يملك إربه كما كان رسول اللـه ◌َُّ يملك إربه))] (١). وقوله فى الحائض: ((تأتزر ثم يباشرها)) وفى / الحديث الآخر: ((فى فور حيضتها)) ٦٦ /أ فور الشىء جأشه واندفاعه وانتشارُه، وفور الحيض مُعْظم صبِّه ، ومنه فورُ العين وفور القدر إذا جاشا ، قال الله تعالى: ﴿وَفَارَ الْتُّورُ﴾ (٢)، ومنه فى الحديث: ((فإن شدة الحرٍّ من فور جهنم)) (٣)، وفى كتاب أبى داود: ((فى فوج حيضها)) (٤)، وكذلك فى البخارى: ((من فوج جهنم)) و(( فيح جهنم)) (٥) والكل بمعنى واحدٌ . (٢) هود : ٤٠ . (١) من المعلم . (٣) جزء حديث أخرجه البخارى فى بدء الخلق، ب صفة النار وأنها مخلوقة (٣٣٠) بلفظ: ((الحمى من فور جهنم)). (٤) أبو داود، فى الصلاة، ب إتيان الحائض (٢٧٣). (٥) البخارى، ك بدء الخلق، ب صفة النار وأنها مخلوقة (٣٣٠، ٣٣١). كتاب الحيض / باب مباشرة الحائض فوق الإزار سـ ١٢٢ حَائِضًا، أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ عَّهِ أَنْ تَأْتَزِرَ فِى فَوْرِ حَيْضَتَهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا. قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبُهُ، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِلَّهُ يَمْلِكُ إِرْبَهُ. وقوله: ((فأيكم يملك إربه كما كان رسُول الله عَّه يملك إرْبَه)): كذا رُويناه فى الأم فيه بكسر الهمزة وسكون الراء ، أى لعضوه ، والإربُ العضوُ، والآراب الأعضاءُ، كَنَّت به عن شهوة الجماع، والإِرْبُ أيضاً الحاجةُ وهى الإربة والمأرُّبَةُ - أيضاً - بضم الراء وفتحها ، ورواه بعضهم: ((لأَرَبَه)) بفتح الهمزة والراء، وكذا رواه أبو ذر فى كتاب البخارى (١)، وعاب الخطابى رواية أصحاب الحديث فيه بالكسر والإسكان ، وصَوَّب رواية الفتح ، وقال: يعنى حاجته، قال: والإربُ [أيضاً ] (٢) الحاجة، قال: والأول أظهر (٣). قال الإمام: قال الهروى (٤): ((لإرْبِه)) أراد الحاجةَ (٥) يعنى أنه كان غالباً لهواه (٦)، [ قال ] (٧)، : والإربُ والمأربةُ الحاجةَ، قال غيره والأَربُ - أيضاً - بفتح الهمزة والراء، وأما المأرَبَةُ فبفتح الراء [ فيها ] (٨) وضمها ، قال : وقال الهروى فى تفسير قوله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيض﴾ (٩) قال ابن عرفة : المحيض والحيض اجتماع الدم إلى ذلك المكان ، وبه سمى الحوض لاجتماع الماء فيه (١٠) ، يقال : حاضت المرأةُ وتحيضت حيضاً ومحاضاً ومحيضاً إذا سال الدمُ منها فى أوقات معلومة ، فإذا سال فى غير أيام معلومات (١١) من غير عرق الحيض قيل (١٢): استحيضت فهى مستحاضة، [ قال ] (١٣): ويقال : حاضت المرأة وتحيضت ودرَسَت وعركَت وَطَمِئت . (١) البخارى، ك الحيض، ب مباشرة الحائض ١ / ٨٢، ٨٣ . (٢) ساقطة من ت . (٣) إصلاح غلط المحدثين . وإنما أنكر الخطابى رواية الكسر من حيث قصرها على العضو وتفسيرها به ، إذ أنها بالكسر مشترك بين العضو والحاجة مطلقا . (٤) زاد فى المعلم بعدها : فى حديث عائشة: ((كان أملككم لإربه )) أرادت الحاجة. (٥) غريب الحديث ٣ / ٣٣٦. (٦) فقولها على هذا علة فى عدم إلحاق الغير به ، ومن يجيز المباشرة يجعل قولها علة فى إلحاق الغير به ، أى إذا كان أملك الناس لإربه يباشر هذه المباشرة فكيف لا يتاح لغيره . (٧، ٨) من المعلم . (٩) البقرة : ٢٣٢. (١٠) قال الفارسى : لقد زل فيه لفظا ومعنى ، أما لفظاً : فإن الحوض من ذوات الواو ، والحيض من ذوات الياء ، فلا يشتق أحدهما من الآخر ، وأما معنى : فلأن الخوض إنما سمى حوضاً لاجتماع الماء فيه من قولهم : استحوض إذا اجتمع ، والحيض هو سيلان الدم . إكمال ٢ / ٧٤ . (١١) فى المعلم : معلومة. (١٣) من المعلم . (١٢) فى المعلم : قلت . ١٢٣ كتاب الحيض / باب مباشرة الحائض فوق الإزار ٣ - (٢٩٤) حدّثْنا يَحْيَى بْنُ يَحْنَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنِ الشَّيْبَانِىِّ ، عَنْ عَبْدِ الله بْن شَدَّاد، عَنْ مَيْمُونَةَ؛ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوْقَ الإِزَارِ، وهن حيض . قال القاضى: قد قيل فى هذا - أيضا -: ((نفست)) بفتح النون ، وحكى بعضهم فيه الضم أيضا، وضَحِكتْ - أيضا - بمعنى حاضت، وقيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَت﴾ (١) ، وقيل: سُمى الحيض حيضاً من قولهم : حاضت السَمُرة إذا خرج منها ماء أحمرُ ، قال القاضى : ولعل قولهم هذا فى السمرة أصلُه من حيض المرأة . قال الإمام : يحتمل أن يكون إنما أمر عَّه أن تأتزر من فور الحيضة خشية أن يناله أذىُ حين مضاجعته ؛ لأن الدمَ حينئذ يُثُجُّ ، أى يندفع ، وليس كذلك الحال (٢) فى آخر الحيضة . وقولها: ((ثم يباشرها)) : يحتمل أن يراد به مماسة الجسد ؛ لإن إصابة الحائض من تحت الإزار يمنعُه أهل العلم (٣). قال القاضى: صحح هذا الاحتمال الذى ذكره ورفع الرَّيبَ فيه قوله /: (( إنه كان ت ١٣١ ب يُباشر نساءه فوق الإزار)). (١) هود : ٧١ (٣) المنتقى ١ / ١١٧ (٢) فى ت : الحامل . ١٢٤ - كتاب الحيض / باب الاضطجاع مع الحائض فى لحاف واحد (٢) باب الاضطجاع مع الحائض فى لحاف واحد ٤ - (٢٩٥) حدّثَنِى أَبُو الطَّهرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب عَنْ مَخْرَمَةَ. ح وَحَدَّثَنَا هَرُونُ ابْنُ سَعيد الأَيْلِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبِ، أَخْبَرَنَى مَخْرَمَةُ عَنْ أَبيه، عَنْ كُرَيْبَ ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاس؛ قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ◌َُّ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِعَُّ يَضْطَجِعُ مَعِى وَأَنَا حَائِضٌ، وَبَيْنِى وَبَيْنَهُ ثَوْبٌ. وقولها: (( يضطجع معى وأنا حائض وبينى وبينه ثوبٌ))، فهذا الثوب يرجع إلى الإزار فى الحديث الآخر ، وتكون المباشرة حقيقةً لما فوق الإزار ويجتنب ما تحت الإزار ، وقال ابن الجهم وابن القصار: حدّ من السُرَّةٍ إلى الركبة؛ لأنه موضع الإزار ، ولأنه مفسر فى حديث آخر ، وهذا مذهب عامة أئمة أهل العلم فى جواز الاستمتاع من الحائض بما فوق الإزار، ومضاجعتها ومباشرتها فى مئزر بمفهوم هذه الأحاديث، وبقوله فى غير هذا الكتاب : (( ثم لك ما فوق الإزار)) (١)، وقوله: ((ثم شأنك بأعلاها)) (٢)، وتعلق بعض من شذَّ بظاهر القرآن إلى اعتزال النساء فى المحيض جملة (٣) ، وقد بيَّنت السنة هذا الاعتزال وفسرته بما تقدم، وبقوله عليه بعد هذا: ((اصنعوا كل شىء إلا النكاح))، وقد يتعلقون بظاهر حديث ميمونة وقولها: (( وبينى وبينه ثوب)) ولكن قولها فى الرواية الأخرى: (( فوق الإزار)) يُفُسِّرُ أنه الثوب الذى عنَتْهُ، وفى البخارى: ((كان إذا أراد أن يباشر أحداً من نسائه أمرها فاتزرت)) (٤) . وذهب بعض السلف وبعض أصحابنا إلى أن الممنوع منها الفرج وحده، وأن غيره مما تحت الإزار حمايةً منه مخافة ما يُصيبُه، وروى عن عائشة معناه (٥)، وحكى ابن المرابط فى شرحه إجماع السلف على جواز ذلك ، وقد يحتج باختصاصه الشد (١) جزء حديث أخرجه أبو داود فى الطهارة، ب فى المذى من حديث العلاء بن حكيم عن عمه أنه سأل رسول الله عَّ: ما يحلَّ لى من امرأتى وهى حائض؟ قال: ((لك ما فوق الإزار)). (٢) مالك فى الموطأ من حديث زيد بن أسلم، أن رجلاً سأل رسول الله عَّه فقال : - ما يحلُّ لى من امرأتى وهى حائض؟ فقال رسول الله عَّه: ((لِتَشُدَّ عليها إزارَها، ثم شأنك بأعلاها)) والحديث من رواية محمد بن الحسن ، ص ٥٧ . (٣) وهو قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيض﴾ [البقرة ٢٣٢]. (٤) البخارى فى الحيض ، ب مباشرة الحائض ، وفى الاعتكاف ، ب غسل المعتكف ، كما أخرجه أبو داود فى الطهارة ، ب فى الرجل يصيب منها دون الجماع ، والترمذى فى الطهارة ، ب ما جاء فى مباشرة الحائض، والنسائى فى الطهارة ، ب مباشرة الحائض . (٥) رواه أيوب عن أبى معشر عن إبراهيم عن مسروق قال: سألتُ عائشة: ما يَحلُّ لى من امرأتى وهى حائض؟ قالتْ: كلَّ شىء إلا الفرج. وكذلك قالت لحكيم بن عقال. راجع: الاستذكار ٣ / ١٨٥ ، السنن الكبرى ١ / ٣١٤ . ١٢٥ كتاب الحيض / باب الاضطجاع مع الحائض فى لحاف واحد ٥ - (٢٩٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ يَحَْى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ حَدَّتْهُ أَنَّ بفور حيضتها فى الحديث المتقدم . وكذلك اختلفوا متى يحلُّ وطؤها، بانقطاع الدم ؟ وهو مذهب الكوفيين وإن لم تطهر ، وإليه نحا بعض أصحابنا البغداديين ، وأن الإمساك إلى أن تتطهر بالماء استحبابٌ ، وتأوله على قول مالك (١)، وقال ابن نافع من المدنيين: له وطؤها إذا احتاج وإن لم تتطهر بالماء ، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْن﴾ (٢) فهى الغاية (٣) ومشهور المذهب وقول عامة السلف والفقهاء أنها لا توطأ حتى تغتسل لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُن﴾ فقرن بالغاية وصفاً وشرْطاً لا بُدَّ منهُ (٤) ، وقال الأوزاعى وأصحاب الحديث: إذا طهرَت وغسلتَّ فرجها حلَّ وطؤها وإن لم تغتسل ، وهو نحو القول الأول ، أو لأنهم حملوا التطهر على اللغوى والذى بمعنى التنظيف وغسل الأذى ، وقال آخرون : المراد به الطهارة الصغرى ، فإذا توضأت حل له وطؤها وإن لم تتطهر ، كما أمُرِ الجنبُ ألا ينام حتى يتوضأ ، وكذلك اختلفوا ، هل على الواطئ فى الحيض كفارةً أم لا ؟ فذهب ابن عباس / إلى ماجاء فى ٦٦ ب الحديث : أنه يتصدَّق بدينار أونصف دينار ، وهو قول ابن حنبل ، وعن ابن عباسٍ - أيضاً - فى أول الدم بدينار وفى آخره بنصفه (٥) ، وقال النخعى وإسحاق والشافعی فی / القديم، ونحوه للأوزاعى إلا أنه جعل النصف لمن وطئها بعد انقطاع الدم (٦) ، وقال الحسن : عليه ماعلى الواطئ فى رمضان ، ونحوه لسعيد بن جبير قال : عتق رقبةٍ ، وذهب مالك ت ١٣٢ / أ (١) ما جاء فى الموطأ: وذكر مالكٌ أنه بلغه أن سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار سئلا عن الحائض ، هل يصيبها زوجَها إذا رأت الطّهرَ قبل أن تغتسل ؟ فقالا : لا حتى تغتسل . قال أبو عمر : قال مالك : وأكثر أهل المدينة : إذا انقطع عنها الدم لم يجز وطؤها حتى تغتسل ، وبه قال الشافعى، والطبرى، ومحمد بن سلمة . المنتقى ١ / ١١٨، بداية المجتهد ١ / ٧٦ . (٢) البقرة : ٢٢٢ . (٣) يعنى أن ما بعد حتى بخلاف ما قبلها . (٤) ولأن ﴿تَطَهَّرْن﴾ تفعّلن، قال أبو عمر: وقد يقع التحريم بالشىء ولا يزول بزواله. كقوله تعالى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَه﴾ [ البقرة: ٢٣٠]، قال: وليس بنكاح الزوج تحل له حتى يطلقها الزوجُ وتعتدَّ منه . الاستذكار ٣ / ١٩٠ . (٥) الحديث أخرجه أبو داود فى السنن ، ك الطهارة ، ب فى إتيان الحائض ، والترمذى فى الطهارة ، ب الكفارة فى إتيان الحائض ، والنسائى فى المجتبى ك الطهارة ، ب ما يجب على من أتى حليلته فى حال حيضتها ، وابن ماجه فى السنن ، ك الطهارة ، ب فى كفارة من أتى حائضا ، كما أخرجه أحمد فى المسند ١ / ٢٧٢، ٣٢٥، والدارمى فى السنن ١ / ٢٥٤ . (٦) وهو قول فرقة من أهل الحديث. الاستذكار ٣ / ١٨٨، ونقل عن الأوزاعى أن عليه التصدق بخمسى دينار. ١٢٦ كتاب الحيض / باب الاضطجاع مع الحائض فى لحاف واحد والشافعى آخرا والكوفيين والليث ومعظم السلف والفقهاء : أنه لا كفارةَ عليه وليستغفر الله ويتوب إليه ، والحديث عندهم مضطرب غير محفوظ (١) . قال الإمام : واختلف أهل العلم فى أقل الحيض الموجب لترك الصلاة (٢) ، فمذهب مالك (٣) : أن الدَّفعة من الدم حيض ، ومذهب الشافعى (٤) : يوم وليلة ، فإذا انقطع قبل ذلك فليس بحيض، ومذهب أبى حنيفة كالشافعى، إلا أنه يجعل حدَّ ذلك ثلاثة أيام (٥)، ومقتضى مذهبهما أن المرأة إذا رأت الدم كفَّت عن الصلاة ، فإن بلغ إلى الحد الذى ذكروه لم يجب عليها قضاء ، وإن انقطع قبل ذلك قضت ، وألزمنا المخالف أن يَقول فى الاستبراء : إن الدَّفعة من الدم تجرى (٦) فيه كما قلنا : إن ذلك موجب لترك الصلاة . وقال الأبهرى من أصحابنا : القياس أن تكون الدفعةُ من الدم يعتدُ بها فى الاستبراء ويكون قرءاً، ولكن أخذنا بالاحتياط لبراءة الأرحام وصيانة الأنساب ، وقد ذكر بعض الناس أنَّ نساء الأكراد يحضن لمعةً أو دفعةً فقط (٧). والحيّض ثلاثٌ: مبتدأةٌ، ومعتادةٌ، ويائسةٌ، فأما المبتدأةُ [ إذا رأته ] (٨) فتمادى بها فقيل : تجلس خمسة عشر يوماً ، وإن (٩) زاد على ذلك كانت مستحاضةٌ ، وقيل : تترك الصلاةَ قدر أيام لداتها [ و] (١٠) قيل معناه: أترابها. وهل تستظهر على ذلك أم لا (١١)؟ فيه قولان ، وأما المعتادة إذا زاد الدم على أيام حيضتها (١٢) ، فقيل: تتم خمسة عشر يوماً ، وقيل : تستطهر على أيامها ثم تغتسل وتُصلى . والقول فى الحيض مبسوط فى كتب الفقهاء وليس هذا موضع بسْطِه . وأما اليائسات إذا رأين دَماً فإنه لا يكون براءةً للأرحام ، واختلف هل تترك له الصلاةُ والصيام ؟ وسيأتى (١) وحجّتُهم فى ذلك اضطراب الحديث عن ابن عباس مرسلا، وأن الذِّمم على البراءة لا يجبُ أن يُثبُتَ فيها شىء لمسكن ولا غيره إلا بدليلٍ لا مدفع فيه . قال ابن عبد البر: وذلك معدوم فى هذه المسألة ، السابق . (٢) لأن الواجب الاحتياط للصلاة، فلا تُتْرك إلا بيقين لا شكَّ فيه، ولهذا نقل عن مالك وغيره من العلماء : لأن تُصلى المستحاضة وليس عليها ذلك خيرٌ من أن تدع الصلاةَ وهى واجبةُ عليها . (٣) غير أنها لا تعتدُّ بها من طلاق. قال ابن عبد البر: كان مالك لا يوقّتُ فى قليل الحيض ولا فى كثيره. الاستذكار ٣ / ٢٤١ . (٤) وبه قال أحمد بن حنبل ، وهو قول عطاء بن أبى رباح والأوزاعى . (٥) وهو قول محمد بن مسلمة . (٦) فى المعلم : تجزئ . (٧) ذكره الأوزاعى، ونقله ابن عبد البر قال: وعندنا امرأةٌ تحيضُ غُدْوةً وتطهرُ عشيَّةً. السابق ٣ / ٢٤٢. (٩) فى المعلم : فإن . (٨) فى المعلم : إذا رأت الدم . (١٠) ليست فى المعلم. (١١) الاستظهار - بالطاء المعجمة - هو أن ترى الحامل الدم فتجلس فى الشهر والشهرين قدر أيامها ؛ لأن الحمل لا يظهر فى شهر ولا فى شهرين ، وهذا قول مالك المرجوع إليه وهو الراجح فى المذهب . الموسوعة الفقهية ١٨ / ٢٩٩ . (١٢) فى المعلم : عادتها . ١٢٧ كتاب الحيض / باب الاضطجاع مع الحائض فى لحاف واحد أُمِّ سَلَمَةَ حَدَّثَنْهَا قَالَتْ: بَيْنَمَا أَنَا مُضْطَجِعَةٌ مَعَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ فِى الْخَمِيلَةِ ، إذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حَيْضَتِى. فَقَالَّ لِى رَسُولُ اللهِ عَّهِ: (( أَنْفِسْتِ؟)) قُلَتُّ: نَعَمْ. فَدَعَانِى فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِى الْخَمِيلَةِ . قَالَتْ: وَكَانَتْ هِى وَرَسُولُ اللهِ عَّهُ يَغْتَسِلانِ، فِى الإِنَاءِ الْوَاحِدِ، مِنَ الْجَنَابَةِ . ذكر المستحاضة . قال القاضى : ماألزمنا المخالف وقاسَه الأبهرىُ هو حقيقة مذهب ابن القاسم على ما ذهب إليه بعض حُذاق شيوخنا ، وأن الدفعَةَ متى كان قبلها طهرٌ فاصِلٌ وبعدها طهرٌ فاصِلٌ فهى حيضٌ يعتدُ به فى العِدَد ، وعليه حُمِل قول ابن القاسم فى المَعتَدَّةِ: فإذا رأت أول قطرة من الحيضه [ الثالثة ] (١) فقد تم قرؤها، وانقضت الرجعة، وحلَّت للأزواج ، وإن قول أشهب خلاف له ، وإليه نحا اللخمى ، خلاف قول غيرهما : إنه تفسيرٌ ووفاق ، ويعضده ما وقع لمالك فى الاستبراء وقوله : يسأل النساء عن ذلك (٢). وقول أم سلمة : (( بينا أنا مضطجعةٌ فى الخميلة [ إذ حضت ، فانسللت فأخذت ثياب حيضتى، فقال رسول الله عَّهِ: ((أَنفسْت ... ])) (٣) الحديث، قال القاضى: الخميلة القطيفة ، قال ابن دريد ، وقال الخليل: الخَمَيلةُ ثوبٌ له خمْلٌ . وقولها: (( فأخذت ثياب حيضتى)): كذا ضبطناه بكسر الحاء ، وكذا قال / الخطابى ت ١٣٢/ ب فى قوله عَّ لعائشة: ((إن حيضَتَك ليست فى يدك)) (٤)، وإن صوابه بكسر الحاء ، يريد الهيئة والحالة كقولهم : القعْدَة والجلْسَه (٥) ، أى الهيئة والحالة ، قال : والمحدثون يقولونها بفتح الحاء ، وعندى أن هذَا [ غير ] (٦) بَيِّن فى هذا الموضع ، بل الحيضة هنا الدَمُ لقوله : (( ليست فى يدك)) يعنى : أن النجاسة التى يجب تجنبها المسجد وأسباب الصلاة وهو دم الحيضة ليست فى يدك ، وأن الصواب ما قاله المحدثون هناك بخلاف حديث أم سلمة هذا ، ويحتمل الكسر، أى الثياب التى ألبسها فى حال حيضتى ، ويحتمل الفتح ، أى الثياب التى ألبسها أيام الدم ، ولا أتحفظ بها من الحيض ، وأنزِّ غيرها من ثياب التجمل والصلاة عن ذلك . وقوله: ((أنْفُسْت))، قال الإمام: قال الهروى وغيره: نُفِست [المرأة ] (٧) ونَفِسَت إذا ولدت ، فإذا حاضتَ قيل : نَفِست بفتح النون لا غير . (١) ساقطة من الأصل . (٢) الاستذكار ٣ / ٢٤١، وهو منقول أيضاً عن الشافعى. (٣) من المعلم . (٤) سيرد إن شاء الله قريبا فى الحديث الحادى عشر. (٥) معالم السنن ١ / ٨٣ . (٦) ساقطة من الأصل . (٧) من المعلم ١٢٨ كتاب الحيض / باب الاضطجاع مع الحائض فى لحاف واحد قال القاضى : روايتنا فى الأم بضم النون وهى رواية أهل الحديث ، وذلك صحيح ، وقد قال أبو حاتم عن الأصمعى الوجهان فى الحيض والولادة ، وذكر ذلك غير واحد ، وأصل ذلك كله من خروج الدم ، والدم يُسمَّى نفساً ، ومنه قول الشاعر : تسيلُ على حدِّ السيوف نفوسنا وليست على غير السيوف تسيل وفيه نوم النبى ◌َّ مع زوجه فى الخميلة ، وكذلك فى حديث عائشة وغيرها ، وأن ذلك من سنن أهل الفضل خلاف سيرة [ بعض ] (١) الأعاجم . وقولها : ((وكانت هى ورسول الله عَّه يغتسلان فى الإناء الواحد من الجنابة)»: فيه جواز غسل الرجل مع المرأة من إناءٍ واحدٍ ووضوئهما ، وهذا لا خلاف فيه ، وإنما الخلاف من أحمد بن حنبل ومن تبعه فى وضوء الرجُلِ وغسله من فضل وضوئها أو غسلها ، وسيأتى هذا مُعيَّناً بعد . (١) ساقطة من ت . ١٢٩ كتاب الحيض / باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ... إلخ (٣) باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها والاتكاء فى حجرها وقراءة القرآن فيه ٦ - (٢٩٧) حدّثْنا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ؛ قَالَتْ: كَانَ النَِّيُّ عَّةُ، إِذَا اعْتَكُفَ، يُدَّنِىَ إِلَىِّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ . ٧ - ( ... ) وحدّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَبٍ ، عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ عَائشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ◌َّهُ قَالَتْ: إِنْ كُنْتُ لْأَدْخُلُ الْبَيْتَ لْحَاجَةِ، وَالْمَريضُ فيه ، فَمَّا أَسْأَلُ عَنَّهُ إِلا وَأَنَا مَرَّةٌ، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ لَيُدْخُلُ عَلَىَّ رَأْسَهُ وَهُوَ فِى الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لا يَدْخُلُ الْبَّتَ إِلا لِحَاجَةِ . إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا . وَقَالَ ابْنُ رُمْح : إِذَا كَانُوا مُعْتكفين . وقول عائشة: ((إن كان رسول الله عَّهُ لِيُدخِلَ علىَّ رأسَهُ وهو فى المسجد وأنا فى حجرتى فأرجِّلُه ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفاً )) وبيَّن فى الحديث الآخر: ((فأرْسِلُهُ)) وهو بمعنى أرَجِّلُه، وفى آخر: ((فأغسِلُهُ وأنا حائض)) ، وفيه ذكر مناولتها وهى حائض الخمرة والثوب، ووضعُهُ عَّ فاه فى موضع شربها وأكلها / ، ٦٧ / أ فيه كله أنَّ جَسَد الحائض طاهِرٌ مالم يُصبْ نجاسةً ، وكذلك ريقُها ، وأن ما يلمسه من ذلك لا يتنجَّس ، وأنها لا تُمنع من المسجد إلا مخافة ما يكون منها . وإلى هذا نحا محمد بن سلمة من أئمتنا ، وأجاز ذلك للجنب - يعنى إذا لم يكن به أذىًّ - وهو قول زيد بن أسلم إذا كان عابِرَ سبيلٍ ، وحكاه الخطابى عن مالك والشافعى (١) وأحمد ، وأهل الظاهر يجيزون للجنب دخوله ، إلا أن أحمد يستحب له الوضوء بدخوله ، ومنع سفيان وأصحاب الرأى دخوله المسجد جملة ، وهو مشهور قول (٢) مالك، وذهب بعض المتأخرين (٣) إلى (١) الأم ١ / ٥٤، المغنى ١ / ٢٠٠ . (٢) بداية المجتهد ونهاية المقتصد ١ / ٦٦، المغنى ١ / ٢٠٠، ٢٠١ . (٣) هو اللخمى . كتاب الحيض / باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ... إلخ ١٣٠ ٨ - ( ... ) وحدّثَنِى هَرُون بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارث عَنْ مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ نَّوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبِيِّرِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِّ ◌َّهِ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ عَهُ يُخْرِجُ إِلَىَّ رَأْسَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَهُوَ مُجَاوِرٌ، ت ١٣٣ /أ جواز ذلك للحائض إذا استقرت بثوب [ قال ] (١) كما / جاء فى المستحاضة فى الطواف ، وليس هذا عندى بصواب ؛ لأنها متى استثفرت وخرج منها فى الذى [ استثفرت ] (٢) به شىء ، وإن أومن تنجيسه المسجد ، فإنها نجاسةٌ فى الثوب يُنزَّه المسجدُ عن كونها فيه ، والمستحاضة فى الطواف معذورة من وجهين ؛ من الاستحاضة التى لزمتها ، ومن تمام عقد العبادة التى دخَلتها ، فلم يكن لها بُدٌ من ذلك والحائض فلا ضرورة لها لدخول المسجد جملة . وفيه أن مس المرأة زوجها فى الاعتكاف لغير لذة ، وترجيل شعره وغسيله ، ومناولته (٣) الثوب وشبهه له ، لا يضر اعتكافه ، وأن إخراج المعتكف رأسه من المسجد وغسله شعره وترجيله لا يضره ، ولا قص شعره ولا ظفره . وفيه أن من حلف ألا يدخل بيتاً فأدخل فيه رأسه لا يحنث، لإخراج النبى ◌َّه رأسه من المسجد وهو لايجوز له الخروج ، وإن أدخل ذلك منه من المسجد بيته لقول عائشة: (( وأنا فى حجرتى)) ، وأن المعتكف لا يدخل البيت إلا لضرورة حاجة الإنسان ، وأنه لا يعود مريضاً ولا يشتغل بغير ما هو فيه ، وأن سؤاله عن المريض والتسليم على الناس ومكالمتهم وشبه هذا فى مسيره إلى حاجته لا يضره، وهذا قول مالك والأوزاعى والشافعى وأبى حنيفة ، وبظاهر هذا أخذ إسحاق وقال : لا يخرج إلا لبول أو غائط ، وقال جماعة من السلف ، لكن إسحاق فرق بين التطوع والفرض ، فأجاز اشتراط خروجه فى التطوع ولم يُجز أكثرهم الشرط فيه ، واختلف فيه قول أحمد ، واختلف قول مالك فى خروجه لما يضطر إليه ؛ من خروجه لشراء طعامه وشرابه وما يحتاج إليه ، وروى عن بعض السلف من الصحابة وغيرهم : جواز خروجه للجُمعة والجنازة وعيادة المريض ، وأجاز أصحاب الرأى خروجه للجمعة ، ومنعه مالك ورآه يفسد اعتكافه ، وأنه لا يعتكف إلا فى الجامع ، وسيأتى هذا مفسراً فى الاعتكاف إن شاء الله تعالى . وقوله: ((وهو مجاور)) : أى معتكف ، والجوارُ والاعتكاف سواء . وذكر قولها : ((قال لى النبى عَّهُ: ناولينى الخمرة من المسجد))، قال الإمام: قال الهروى فى تفسير الحديث : ((أنه كان يسجُد على الخُمر)) يعنى هذه السجادة ، وهى مقدار ما يضع عليه الرجلُ حُرَّ وجهه فى سجوده من حصيرٍ أو نسيجة من خوص (٤) . (١) ساقطة من الأصل. (٣) فى الأصل : ومناولتها ، والمثبت من ت . (٤) غريب الحديث ١ / ٢٧٧ . (٢) فى ت : تستثفر . ١٣١ كتاب الحيض / باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ... إلخ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَّا حَائضٌ . ٩ - ( .. ) وحدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ هِشَامٍ، أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ يُدْنِى إِلَىَّ رَآسَهُ وَأَنَا فِى حُجْرَّتِى، فَأُرَجِّلُ رَآسَهُ وَأَنَا حَائضٌ . ١٠ - ( ... ) حدّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِىٌّ عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ ؛ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ رَأْسَ رَسُول الله عَّ وَأَنَّا حَائضٌ. ١١ - (٢٩٨) وحدّثْنا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْب - قَالَ يَحْيَى : أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدِ، عَنْ القَاسِمْ بْنِ مُحَمَّد، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: قَالَ لَى رَسُولُ اللهِعَّهُ: (نَاوِلِينِى الْخُمْرَةَ مِنْ المَسْجِد )). قَالَتْ: فَقُلْتُ: إِنِّى حَائِضٌ. فَقَالَ: ((إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِى يَدِك )). ١٢ - ( .. ) حدّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ عَنْ حَجَّاجِ وَابْنِ أَبِى غَنَّةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَنِى رَسُولَّ اللهَ أَنْ أُنَاوَلَهُ الخُمْرَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ . فَقُلْتُ: إِنِّى حَائِضٌ. فَقَالَ: ((تَنَاوَلَيهَا ، فَإِنَّ الْحَيْضَةَ لَيْسَتْ فِ يَدِكِ)). قال القاضى : سميت بذلك لأنّها تخمِّرُ الوجه أي تستُره ، وأصل هذا الحرف كله من الستر ، ومنه الخمارُ لستره الرأس . وقولها: ((من المسجد)) معناه: أن النبى عَّه قال ذلك لها من المسجد ليناولها إياه من خارج (١)، لا أن النبى عَّ أمرها أن تُخرجها له من المسجد؛ لأنه عَّهُ إنما كان فى المسجد معتكفاً ، ولقوله لها: ((إن حيضتك ليست فى يدك))، فإنما حذرت هى من / ت ١٣٣ / ب إدخالها يدها فى المسجد لا غير ذلك ، ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لذكر اليد معنى (٢) . (١) فـ (من المسجد ) متعلق بقال. (٢) ورغم هذا قال القرطبى: وعلق قوم ( من المسجد) بـ ( ناولينى ) ، قال : وأجازوا عليه دخول الحائض المسجد لحاجة تعرض ، إذا لم تكن على جسدها نجاسة ، ومنعها منه إنما هو خوف ما يخرج منها . كتاب الحيض / باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ... إلخ ١٣٢ ١٣ - (٢٩٩) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَأَبُو كَامِلِ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، كُلَّهُمْ عَنْ يَحْنَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْنَى عَنْ يُزِيدَ بْنَ كَيِّسَانَ، عَنْ أَبِىٌّ حَازِمٍ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ قَالَّ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ عَّهُ فِى الَسْجِدِ، فَقَالَ: ((يَا عَائشَةُ، نَاولينى الثَّوْبَ)). فَقَالَتْ: إِنِّى حَائِضٌ. فَقَالَ : ((إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِى يَدِك )) فَنَاوَلَهُ . ١٤ _ (٣٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب، قَالا: حَدَّثْنَا وَكِيعٌ عَنْ مَسْعَر وَسُفْيَانَ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْجُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ؛ قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌَ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَِّىَّ ◌َّهِ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَّوْضِعٍ فِىَّ، فَيَشْرَبُ، وَأَنَعَرَّقُ العَرْقَ وَأَنَا حَاتِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلَهُ الَِّىَّ ◌َهُ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعَ فِىَّ. وَلَمْ يَذْكُرْ زُّهَيْرٌ: فَيَشْرَبُ. ١٥ - (٣٠١) حدّثْنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْد الرَّحْمَن المَكِّىُّ عَنْ مَنْصُور عَنْ أُمِّه، عَنْ عَائِشَةَ ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ يَتَّكِئُ فِى حِجْرِى وَأَنَا حَائِضٌ، فَيَقْرَأُ القُرآنَ . وقولها: (( أتعرَّقُ العَرْقَ)) بفتح العين وسكون الراء ، وهو العظم الذى عليه اللحم ، وجمعه عُرَاقٌ ، ويقال : عرقتُ العظمَ واعترقتُهُ وتعرَّقَتُه إذا أخذتَ عنه اللحم بأسنانِك ، وقال أبو عبيد : العَرْقُ القِدْرَةُ من اللحم (١) ، وقيل : هو العظم عليه بقية اللحم ، قال الخليل : والعُراق العظم بلا لحم ، قال الهروى : وهو جمع عَرْق نادراً ، وقيل إنما قيل : أتعرَّقُه أى أستأصل أكل مافيه حتى أكل عروقه ، أى عُصبَه المتعلقة بالعظم ، والصواب أن اشتقاق العَرْق من العظم نفسه الذى فسرناه . وقولها : ((كان يتكئ فى حجرى وأنا حائض فيقرأ القرآنَ)) : كذا لعامة شيوخنا وكافة الرواة، وكذا عند البخارى، ووقع للعذرى: (( فى حجرتى )) وهو وَهْمٌ، والمعروف الأول . وفيه دليلٌ على طهارة جسد الحائض، إذ لو كان نجساً لنزَّه عَّه القرآن وتلاوته فى مكان نجس . وقد استدل به بعض العلماء على قراءة الحائض القرآن ، وإليه نحا البخارى فى كتابه (٢) ، وكذلك فى حملها المصحف . وقد اختلف العلماء فيها وفى الجُنُب ، فمنهم (١) غريب الحديث: ٣ / ٢٦٨، ولم يذكر أن العرق القدرة من اللحم، وإنما أضاف القرية إلى العرق ، أى عرق القرية . (٢) ك الحيض ، ب قراءة الرجل فى حجر امرأته وهى حائض . : ١٣٣ كتاب الحيض / باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ... إلخ ١٦ - (٣٠٢) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَس؛ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ ◌َؤَاكِلُوهَا. وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ. فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِىِّ ◌َّهِ النَّبِىَّ عَلَّهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذِّى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّةٍ: « اصْنَعُوا كُلَّ شَىْءٍ إلا النّكَاحَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ فَقَالُوا : من رَخَّص لهما فى حمل المصحف وقراءة القرآن ، وهو قول جماعة من السلف وأهل الظاهر، وتأولوا الآية فى قوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٢) أنها خبرٌ لانهىٌّ ، وأن المراد الملائكة وأنها بمعنى الآية الأخرى التى فى عبس: ﴿ بِأَيْدِي سَفَرَةَ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (٣). وإلى هذا التفسير نحا مالك فى موطئه (٤) ، وعلى هذا يكون منع مسِّه لغير المتطهر على وجه الندب لا على الإيجاب ، وذهب جمهور العلماء ومالك والشافعى وأبو حنيفة إلى أنه لا يُس القرآنَ إلا طاهرٌ ، وحملوا الآية على ظاهرها ، وأن الخبر هنا مقتضاه النهى. كما قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾ الآية (٥)، الصورة خبرٌ ومقتضاه الأمر ، ولا يقرؤه (٢) الواقعة : ٧٩ . (٣) عبس : ١٥، ١٦. (١) البقرة : ٢٢٢ . (٤) الموطأ برواية محمد بن الحسن عن عبد الله بن أبى بكر بن حزم مرسلا، ولفظه: أنَّ فى الكتاب الذى كتبه رسول الله ◌َّ لعمرو بن حزم «ألا يمسَّ القرآنُ إلا طاهر» ١ / ٩٩ . قال مالك : ولا يحملُ أحدٌ المصحف بعلاقة ، ولا على وسادة إلا وهو طاهرٌ ، ولو جاز ذلك لحُمِل فى خبيئته . ولم يكره ذلك لأن يكون فى يدى الذى يحمله شىء يُدَنَّس به المصحفُ ، ولكن إنما كِره ذلك لمن يحمله وهو غيرُ طاهرِ ، إكراماً للقرآنِ وتعظيماً له . قال ابن عبد البر : ورواه معمر عن مالك عن عبد الله بن أبى بكرٍ عن أبيه ، وذكره ابن المبارك وعبد الرزاق عن معمر . قال : وأجمع فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى وعلى أصحابهم بأن المصحف لا يمسُّه إلا الطاهر . قال : وهو مالك والشافعى ، وأبى حنيفة ، وأصحابهم ، والثورى ، والأوزاعى ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وأبى ثور ، وأبى عبيد . وروى ذلك عن سعد بن أبى وقاص، وعبد الله بن عمر ، وطاووس ، والحسن ، والشعبى ، والقاسم بن محمد ، وعطاء . قال إسحاق بن راهويه : لا يقرأ أحدٌ فى المصحف إلا وهو متوضئ، وليس ذلك لقول الله عز وجل: ﴿ لا يَمْسُّهُ إِلَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ ولكن لقول رسول الله عَّه: ((لا يمسُّ القرآنَ إلا طاهرٌ)). الاستذكار ٨ / ٩. وفى إسناد هذا الحديث وقيمة الاستدلال به قال ابن عبد البر : لا خلاف عن مالك فى إرسال هذا الحديث بهذا الإسناد ، وقد روى سنداً من وجه صالح ، وهو كتاب مشهور عند أهل السير ، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة تستغنى بشهرتها عن الإسناد ، لأنه أشبهه التواتر فى مجيئه ، لتلقى الناس له بالقبول والمعرفة . التمهيد ١٧ / ٣٣٨ . (٥) البقرة : ٢٢٨ . ١٣٤ كتاب الحيض / باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ... إلخ مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلَا خَالَفَنَا فِيهِ . فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّدُ بْنُ بِشْرِ فَقَالا: يَا رَسُولَ الله ، إنَّ الَهُودَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، فَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ عَِّ حَتَّى ظَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنِ إِلَى النَّبِىِّ ◌َُّ. فَأَرَسَلَ فِى آثَارِهِمَا، فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا . ٦٧ / ب الجنب / والحائض (١) واختلف فيه عن مالك (٢) فى قراءة الحائض له عن ظهْرِ أو نَظَرٍ ولا تمسُ المصحفَ ويُقَلبُ لها ، فأباحَهُ مرَّةً لطولِ أمرِها ، وأنها لا تقوى على رفع حدثها ومشهور قوله فى الجنب أنه لا يقرؤه لقدرته على رفع حدثه (٣) ، وروى عنه الرخصةُ له فى ذلك ، وخفف هو وأبو حنيفة (٤) وبعضهم قراءة اليسير منه للتعوّذ وشبهه إلا أن أبا حنيفة لا يجيزُ آيَةً كاملة . واختلف عن الشافعى فى قراءة الحائض وقال: لا يقرأ الجنُب ، وعلى هذا منَع المذهبُ من استناد المريض المصلى لحائض أو جُنبٍ تنزيهاً للصلاة عن القرب من النجاسة والاعتماد عليها ؛ إذ لا تخلو ثيابها من نجاسة، وإذا لا فرق بين الاستناد والجلوس ، ورخَّص فى ذلك إذا كانت ثيابُها طاهرة ، ومنعه بعضُهم على كل حال لمعونتها المصلى ت ١٣٤ /أ فكأنهما مُصليان بغير طهارة (٥). قال فى هذا الحديث عند بعض الرواة /: ((وأنا حائضة)): (١) فى وجه أخذ ذلك من الحديث قيل: إن المؤمن وعاء القرآن ، فإذا مسته الحائض جاز منها المصحف ، وقد روى عن ابن عباس : أنه قرأ القرآن وهو جنب ، فقيل له فى ذلك ، فقال: ما فى جوفى أكثر مما أقرأ ، قال الأبى : ولم يحل غيره هذا المذهب إلا عن داود ، فقد أجاز للحائض والجنب مس المصحف . (٢) بالغ ابن العربى فى الإنكار على الفقهاء فى قولهم هذا وقال : إنه قلب للحقائق فلا يجوز . إكمال ٢ / ٠٨٠ (٣) واستدل لذلك بحديث على بن أبى طالب: ((كان رسول الله عَّه لا يحجبه عن تلاوة القرآن شىءٌ إلا الجنابة)) الترمذى فى الطهارة، ب فى الرجل يقرأ القرآن على كل حال مالم يكن جنباً ١ / ٢٧٣، وقال: ((حسن صحيح))، والنسائى فى الطهارة، ب حجب الجنب عن قراءة القرآن ١ / ١٤٤، وابن ماجه كذلك ، ب ما جاء فى قراءة القرآن على غير طهارة ١ / ١٩٥، كما أخرجه أحمد فى المسند ١ / ٨٤، ١٠٧، ١٧٤، وابن أبى شيبة فى مصنفه ١ / ١٠١، والحميدى فى مسنده ٥٧، والدارقطنى فى سننه ١ / ٦١٨، والحاكم فى المستدرك ٤ / ١٠٧ وصححه ووافقه الذهبي. (٤) وحجتهم فى ذلك ما أخرجه مالك عن مخرمة بن سليمان عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباسٍ فى حديث صلاة رسول الله عَّه بالليل، والذى فيه: ((فاستيقظ رسول الله ◌ّ من نومه فجلس، ومسح النومَ عن وجهه، ثم قرأ العشرَ الآيات من سورة آل عمران، ثم قام إلى شنِّ مُعَلّقةٍ فتوضأ منها)» الموطأ ، ك صلاة الليل ، ب صلاة النبى عَّ فى الوتر . قال ابن عبد البر: وهذا نصّ فى قراءة القرآن طاهراً على غير وضوء . الاستذكار ٨ / ١٥ . (٥) قال الأبى : ومن تنزيه القرآن عن قراءته فى المحل النجس تنزيهه أن يقرأ فى الأسواق والطرق النجسة، قال :. والتعليل بأن ثيابهما لا تخلو من نجاسة هو لابن أبى زيد ، ومنعه جملة لإعانتهما هو لعبد الوهاب ، وقال اللخمى : وعلى إجازة ابن مسلمة دخولهما المسجد يجوز الاستناد إليهما. إكمال ٢ / ٨٠ . ١٣٥ كتاب الحيض / باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ... إلخ وكذا كان عند شيخنا الصدفى والخشنى ، والوجهان جائزان ، قال الله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةٍ﴾ (١) وقال: ﴿وَجَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِف﴾ (٢) ، فأما إثبات الهاء فيها فعلى إجرائها على فعل المؤنث حاضت فهى حائضة، وأما قولهم: حائض، فللنحاة فيها وجهان : أحدهما : أن حائض وطالق ومرضع مما لا يشترك فيه المذكَّر ، فاستغنى فيه عن علامة التأنيث ، والثانى - وهو الصحيح - : أن ذلك على طريق النسب، أى ذات حيض ورضاع وطلاق، كما قال تعالى : ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ (٣) . وفعله عَُّ مع الأنصار بَيِّنٌ فى تطييب نُفُوسِهما ، وزوال الوحشة من قلوبهما بسقيهما اللبن ، إثرَ ما أظهر من الإنكار لسؤالهما فى وطء الحائض مخالفة لليهود، وتَغَيُّر وجه النبى عَّهِ لذلك حتى ظُنَّ أن قد وجَد عليهما [ فيه] (٤) من حُسن العشرة والرفق والرأفة بالمؤمنين ، والرحمة التى جعلها الله من صفات نبيه عَّه، لا سيما لعظم ما كان يلحقُهماً من ظنِّهما بِوَجْد النبى معَّهِ عليهما ، ولا سيما فيما هو من باب الدين والشريعة . (١) الأنبياء : ٨١. (٢) يونس : ٢٢ . (٣) المزمل : ١٨ . (٤) ساقطة من الأصل . ١٣٦ كتاب الحيض / باب المذى (٤) باب المذى ١٧ - (٣٠٣) حدّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَهُشِيْمٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِر بْنِ يَعْلَى - وَيُكنَى أَبَا يَعْلَى - عَنِ ابْنِ الْحَنَفيَّةِ، عَنْ عَلَىٌّ؛ قَالَ : كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءٌ ، وَكُنْتُ أَسْتَحِى أَنْ أَسْأَلَ النَّبِىَّ عَّهِ لِمَكَانِ ابْنَتَهِ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدَ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: (( يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأَ)) . ١٨ - ( .. ) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبيب الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحَارث - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، أَخْبَرَنِى سُلَيْمَانُ قَالَ: سَمِعَّتُ مُنْذِرًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلَىِّ، عَنْ عَلِى؛ أَنَّهُ قَالَ : اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ النَّبِىَّ ◌َّهُ عَنْ الَمَذْىِ مِنْ أَجْلِ فَاطِمَةَ ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ، فَسَأَلَه، فَقَالَ: «مِنْهُ الْوُضُوءُ)) . ١٩ - ( ... ) وحدّثنى هَرُونَ بْنِ سَعيد الأَيْلِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِى مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِهِ، عِّنْ سُلَيْمَانَ بْنُ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قال الإمام: وقوله: ((إن عليا أمر المقداد أن يسأل له رسول الله عَّه عن المدى)) وفى إحدى الروايات: ((فسأله ، فقال: منه الوضوء)) ولم يبين فى هذا الحديث على أى وجهٍ وقع سؤاله ؟ هل سأله سؤالاً يخصُّ السائل ؟ أو يعمَّه وغيره ؟ ، وفى رواية أخرى قال : فأرسلنا المقداد ، ثم قال : فسأله عن المذى يخرجُ من الإنسان ، ولم يبين على أى صفة أمره علىّ أن يسأل [ له ] (١) فإن كان لم يلتفت على أى وجْهٍ وقع سؤاله ففيه دليلٌ على أنه كان يرى أن القضايا على (٢) الأعيان تتعدَّى ، وهى مسألة خلاف بين أهل الأصول ؛ لأنه لو كان يقول [ بغير] (٣) ما يتعدَّى لأمره علىٍّ [رضى الله عنه] (٤) أن يُسَمّيه للنبى (٥) عَّة، إذا قد يبيح له ما لا يبيح لغيره، إلا أنه قد ذكر فى إحدى الروايتين [ المتقدمتين] (٦) أن السؤال من المقداد لرسول الله عَّه وقع علي صفةٍ تعُم (٧). (١) من المعلم . (٢) فى الأصل وفى المعلم : فى ، والمثبت من ت . (٣) من المعلم . (٤) كذا فى المعلم وبدون على . (٥) فى المعلم : له . (٦) من المعلم . (٧) قلت : ولفظ أبى داود : كنت ألقى من المذى شدةً، فكنتُ أغتسل منه حتى تشقق ظهرى . ١٣٧ كتاب الحيض / باب المذى قَالَ عَلَىُّ بْنُ أَبِى طَالب: أَرْسَلَنَا المقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ إلَى رَسُولِ اللهِلَّهِ، فَسَأَلَّهُ عَنِ الْمَذْىِ يَخْرُجُ مِنَ الإِنْسَانِ، كَيَّفَ يَفْعَلُ بِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( تَوَضَّأْ وَانْضَحْ فَرْجَكَ )) . ١ قال القاضى : وقع فى هذا الحديث فى الموطأ (١) فى السؤال عن الرجل إذا دنا من أهله وأمذى ماذا عليه؟ وفى هذا فائدةً حسنةً؛ أنَّ جواب النبى معَّهُ فى مثل هذا فى غير المعتاد (٢) بخلاف المستنكح والذى (٣) من علة، فحقيقة هذا أنه لا وضوء عليه، وإنما يتوضأ ما جرت العادةُ فى خروجه للذةِ ، وعليه حمل بعضُهم قولَ مالك (٤) إذا خرج منه المرَّةَ بعد المرة أنه يتوضأ . قال الإمام : وفيه - أيضاً - أن عليا كلَّفَ من يسأل له مع القدرة على المشافهة، فإن كان أراد أن يكون سؤاله (٥) الرسولَ بحضرته فيسمع منه ، وإنما احتشم من مشافهته لكون ابنته / عنده فلا اعتراض فى ذلك، وإن لم يُرد ذلك فإنه يقال: كيف يجزئ خبرُ الواحدُ ت ١٣٤ / ب عن النبى عَّه مع القدرة على القطع وسمع قوله ؟ وهل يكون هذا كالاجتهاد مع القدرة على النص ؟ وفى ظاهر الرواية المذكورة فيها أنه قال: ((فأرسلنا المقداد )) إشارةٌ إلى أنه لم يحضر مجلس السؤال . قال القاضى : قد تفترق عندى هذه المسألة من مسألة الاجتهاد مع وجود النص ، فإن الاجتهاد مع القدرة على النص خطأ محضٌ حتى لو كان النص خبر واحد لكان الاجتهاد معه خطأ ، إلا إذا خالف الخبرُ الأصولَ وعارض القياس فبين الأصوليين والفقهاء فيه اختلاف ، والأصح تقديم خبر الواحد بدليل عادة الصحابة لامتثال قبوله ، والمبادرة للعمل به ، وقطع التشاجر ومنازعات الاجتهاد عند حصوله ، وهاهنا إنما طلب النص ووثق بالطريق إليه وبَعُد عنده الخلف فى خبر الواحد الناقل والكذب ، لا سيما على النبى معَّه ولتزكيته للناقل ، (١) الموطأ، ك الطهارة، ب الوضوء من المذى ١ / ٤٠ . (٢) قال ابن عبد البر : وأما المذى المعهود المعتاد المتعارف وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله ، لما يجده من اللذة أو لطول عزوبة، فعلى هذا المعنى خرج السؤال فى حديث على هذا، وعليه وقع الجواب، وهو موضع إجماع لا خلاف بين المسلمين فى إيجاب الوضوء منه وإيجاب غسله لنجاسته . التمهيد ٢١ / ٢٠٧ . (٣) فى ت : والمذى . (٤) راجع: المنتقى ١ / ٨٨، التمهيد ٢١ / ٢٠٦، وعبارته هناك: هذا حديث مجتمع على صحته ، لا يختلف أهل العلم فيه ، ولا فى القول به ، والمذى عند جميعهم يوجب الوضوء ، مالم يكن خارجاً عن علة أبردة وزمانة ، فإن كان كذلك فهو - أيضاً - كالبول عند جميعهم ، فإن كان سلساً لا ينقطع فحكمه كحكم سلس البول عند جميعهم أيضا، إلا أن طائفة توجب الوضوء على من كانت هذه حاله لكل صلاة ، قياساً على الاستحاضة عندهم ، وطائفة تستحبه ولا توجه . التمهيد ٢١ / ٢٠٧ . (٥) فى المعلم : سؤال ، بدون ضمير الغائب . ١٣٨ كتاب الحيض / باب المذى وثنائه عَّه عليه، وثناء الله فى كتابه عليه، وبعد الوهم والخطأ لقرب (١) النازلة وسماع الجواب ، وفهم السائل الناقل ، فارتفع الأمرُ إلى أعلا درجات غلبة الظن (٢) ولم يبق إلا تجويزٌ يبعُد ، وقد كان الصحابة ينتابون لسماع العلم من رسول الله عَّهُ ويجزى بعضهم ٦٨ / أ عن بعض، وما علمنا أحداً ولا بلغنا أن أحداً استثبت فيما سمعه [ من ] (٣) النبى / عَّ، إلا فيما مبتدأ الإسلام كحديث ضمام وغيره ، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ (٤) ، والأكثر قادر على النفير والسماع بغير واسطة، وقد قال ضمام: ((أنا رسول مَنْ ورائى)) وقال لوفد عبد القيس: ((وأخبروا بهنَّ من ورائكم )) ونفذَتْ كتُبُه إلى عُمَّالِه وأمُم المسلمين ورُسُلُه فوقفوا عندها ولم يترجَّح أحد فى قبولها ولا أعملَ الراحلة فى تحقيقها . قال الإمام: واختلف أصحابنا فى المذى ، هل يجزى منه الاستجمار كالبول أو لابد من الماء ؟ وقال : من فرق بينهما إنَّما رُخِّص فى ذلك فى الأحداث لأنها تعترى الإنسانَ غَلَبَةٌ فى مواضع لا يتفق وجود الماء فيها ويشُقَ الصبرُ إلى وجوده ، وهى - أيضاً - متكررةً ، والمذى لا يتكررُ، ويكون غالباً مُكْتَسبا ففارق الحدث. واختلف القائلون بغَسْل الذكر (٥) من الوضوءِ (٦)، هل يجزئ أن يغسَل منه ما يُغسَلُ من البول ؟ أو لا بد من غسل جميعه ؟ والخلاف مبنى على الخلاف فى تعلق (٧) الحكم بأوّل الاسم أو بآخره ، لأن فى بعض الروايات: ((يغسل ذكره))، واسم الذكر ينطلق على البعض والكل . واختُلِفَ - أيضاً - هل يفتقر إلى نيَّةٍ فى غسْل ذكره أم لا ؟ ت ١٣٥ / أ قال القاضى : المذىُ هو الماء الرقيق الذى يخرج / عند الإنعاظ والملاعبة ، وفيه وجهان ؛ مَذْىٌ بالتخفيف ومذىٍّ بالتثقيل ، والنضح المذكور فى هذا الحديث الغسلُ ؛ بدليل قوله فى الرواية الأخرى: ((فاغسل فرجك))، وهكذا رواه أكثر أصحاب الموطأ (٨). وخرَّج مسلمٌ فى الباب حديث هرون بن سعيد الأيلى وأحمد بن عيسى عن ابن وهب قال : أخبرنى مخرمةُ بن بكير ، عن أبيه ، عن سليمان بن يسار ، عن ابن عباسٍ ، وهو (١) فى الأصل : لقربه ، والمثبت من ت. (٢) درجات الظن ظن ، فالإشكال باق ، والجواب يمنع أن علياً اكتفى بالظن ، بل إنما عمل بالعلم ، لما تقرر أن خبر الواحد المحتف بالقرائن يفيد العلم ، وخبر المقداد من ذلك. حكاه الأبى ٢ / ٨٢ . (٣) ساقطة من الأصل ، والمثبت من ت . (٥) المغنى ١ / ٢١٠، ٢١١ . (٧) فى المعلم : تعليق . (٨) الموطأ ١ / ٤١، المنتقى ١ / ٨٨ . (٤) التوبة : ١٢٢ . (٦) فى المعلم : المذى . ١٣٩ كتاب الحيض / باب المذى مما استدركه الدارقطنى على مسلم وقال : قال حماد بن خالد سألت مخرمة : سمعت من أبيك ؟ قال: لا (١) ، وقد خالفه الليث عن بكير فلم يذكر فيه ابن عباس ، وتابَعَه مالك عن أبى النضر . قال القاضى : وسليمان بن يسار لم يسمع من على ولا من المقداد (٢) . (١) ذهب مالك ومعن بن عيسى أنه سمع من أبيه ، قال مالك: قلت له ما حدثت به عن أبيك أسمعته منه ؟ فحلف بالله ، لقد سمعته منه . قال مالك : وكان مخرمة رجلا صالحا . قال النووى : وأياما كان فالحديث صحيح من الطرق التى ذكرها مسلم قبل هذا الطريق ومن طريق غيره . (٢) هذا قول ابن عبد البر فى التمهيد ، قال : ومولد سليمان بن يسار سنة أربع وثلاثين ، وقبل : سنة سبع وعشرين ، ولا خلاف أن المقداد توفى سنة ثلاث وثلاثين. التمهيد ٢١ / ٢٠٢ . وبعد أن ساق إسناد مسلم فى كتابه الاستذكار لهذا الحديث قال: والحديث ثابت عند أهل العلم صحيح ، له طرق شتى عن على، وعن المقداد، وعن عمار أيضاً، كلها صحاح حسان . الاستذكار ١١/٣ . ١٤٠ كتاب الحيض / باب غسل الوجه واليدين إذا استيقظ من النوم (٥) باب غسل الوجه واليدين إذا استيقظ من النوم (١) ٢٠ - (٣٠٤) حدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِ شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْب، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ◌َّهُ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَقَضَى حَاجَتَهُ ، ثُمَّ غَسَّلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ، ثُمَّنَامَ . (١) ستأتى الإشارة إليه فى الباب التالى .