النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
( ... ) وحدّثَنَاه إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ، قَالا: أخْبَرَنَا عِيسَ بْنُ يُونُسَ. ح
وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ
التَّميمِىُّ ، أخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِر ، كُلُّهُمْ عَنِ الأعْمَشِ ، فىِ هَذَا الإِسْنَادِ ، بِمَعْنَى حَديث أبى
مُعَاوِيَةً . غَيْرَ أنَّ فِى حَديثَ عِيسَى وَسُفْيَانَ : قَالَ: فَكَانَ أصْحَابُ عَبْدِ اللّه يُعْجِبُهُمْ هَذَا
الْحَدِيثُ؛ لأنَّ إِسْلاَمَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ .
ذلك فقال : إنما هى أحاديث وكتابُ الله أحقُّ أن يُتَبع. وأما جواز المسح فالحجة الأحاديث
الواردة فى المسح ، وقد ذكر بعض التابعين من بلوغها بالكثرة (١) [ ما ] (٢) رُبَّما دَلّ على
أنها ترتفع عن رتبة أخبار الآحاد ، وتلحق بما هو متواتر فى المعنى ، والمفهوم كمثل ما
ذهب إليه أهل الأصول فيما نُقِل من الأخبار فى بعض آيات الرسول عَّه أنها متواترة على
المعنى والمحصول .
وأما وجه القول بالتفرقة بين الحضر والسفر في المسح فلأن أكثر الأحاديث إنما وردت
فى السفر ؛ لأن السفر محلُّ الرخص وقد خُصَّ بالقصر والفطر والتنفُّلِ [ عندنا ] (٣) على
الدابة وشبه ذلك ، ويصح أن يجعل حديث السباطة المتقدم حجةً على المسح فى الحضر لأن
الغالب أن السباطة - وهى المزبلةُ - إنما تكون فى الحواضر، وقد قال: ((سباطة قوم))،
فأضافها إلى قوم مخصوصين ولو كانت فى الفلوات لم تكن كذلك .
وهل من شرط جواز المسح على الخفين أن يُلبسا على طهارة أم لا ؟ مذهب داود أنه
يجوز المسح عليهما إن كان قد لبسهما ورجلاه طاهرتان من النجاسة ، وإن لم يكن مستبيحًا
للصلاة، والفقهاء على خلافه، وسببُ الخلاف قوله عَِّ: ((دعهُما ، فإنى أدخلتُهما
طاهرتين)) ، هل هذا محمول على الطهارة اللغوية أو الشرعية ؟ وهذا المعنى [ ما ] (٤) قد
اختلف أهل الأصول فيه ، وهو تقدمة الاسم العرفى على اللغوى أو تقدمة اللغوى على
العرفى (٥) ؟ والخلاف فيما ذكرنا كالخلاف فى قوله: ((توضؤوا مما مست النار))، هل
يُحمل / ذلك على الوضوء اللغوى الذى هو غسل اليد ، أو على الوضوء الشرعى ؟ ٦١ / ب
واختلف القائلون باشتراط الطهارة الشرعية هل يجزئ أن يمسح عليهما المتيممُ ؟ وهذا على
الخلاف فى التيمم ، هل يرفع الحدث أو لا ؟ واختلف - أيضا - فيمن لبس خُفَّين على
(١) فى المعلم : فى الكثرة .
(٣) من المعلم .
(٢) من المعلم .
(٤) ليست فى المعلم .
(٥) من ذلك قوله معَة: ((توضؤوا مما مسَّت النار)) فقيل: المراد غسل اليدين، وقيل : الوضوء حقيقة.
إكمال ٢ / ٥٢ .

٠٠
٨٢
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
خُفَّين ، هل يمسح على الأعليين ؟ والخلاف مبنىٌ على الخلاف فى القياس على الرخص (١)،
وكذلك اختلف فى المُحرِمِ إذا تعدَّى (٢) فلبس الخفين ، هل يمسح عليهما ؟ ويُبنى الخلافُ
على الخلافِ فى سفر المعصية ، هل تباح فيه الرُخصُ كأكل الميتة وشبه ذلك ؟ فإن غَسَل
الرجلين خاصةً بَنِيَّةِ الطهارة ثم لبَسَ خُفيه وأكمل بعد ذلك بقيَّة وضوئه فإنه يُختلفُ فى
جواز المسح عليهما ، ويُبنى الخلافُ على أصلين يُختلَفُ فيهما جميعًا، وهما : هل يصحِ
الوضوء مع التنكيس أم لا ؟ وهل يرتفع الحدث عن كل عضو [ بتمام غسله أو يتوقف
ارتفاع الحدث على إكمال الوضوء ؟ فمن صحَّح الوضوء مع التنكيس ورأى أن الحدث يرتفع
عن كل عضو ] (٣) بغسله خاصة ، اقتضى مذهبه جواز المسح فى المسألة المذكورة .
قال القاضى : ما أشار إليه من تأويل قول مالك فى إنكار القول بالمسح جملة ، أن
ت ١٢٢ / ب المراد به فى خاصة نفسه لا إنكارَه هو الحق /، والرواية التى [ لا ] (٤) شك فيها ، كذلك
جاءت الرواية عن ابن وهب عنه: ((لا أمسح فى حضَرٍ ولا سفرٍ )) وكأنَّه كرهه ، وكذا
نقلها أبو محمد فى نوادره وغيرُهُ ، وعلى هذا تأول أحمد بن حنبل قول مالك ، وأنه آثر
الغسل كما روى عن عُمَر أنه أمرهم أن يمسحوا خفافهم وخلع هو وتوضأ وقال : حُبِّب إلىَّ
الوضوء (٥) ، ونحوه عن أبى أيوب وعن ابن عمر ، قال أحمد : فمن ترك ذلك على نحو
ما تركه أبو أيوب ومالك لم أنكر عليه ، وصلينا خلفه ، ولم نعبهُ ، إلا أن يترك ذلك
ولا يراهُ كما صنع أهل البدع فلا نصلى خلفه ، ويؤيد هذا التأويل لمالك قوله فى المبسوط
لابن نافع عند موته : المسح على الخفين فى الحضر والسفر صحيح يقين ثابت لا شك فيه ،
إلا أنى كُنتُ آخُذُ فى خاصة نفسى بالطهور ، فلا أرى من مسَح مقصِّرًا فيما يجبُ عليه .
وهذا بيِّنٌ جلِيٌّ فى تأويل قوله .
قال القاضى: وقوله بعد ذكر حديث جرير فى المسح: ((كان أصحاب عبد الله
يُعجبهم هذا)) لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة . فيه ردّ على من ذهب أن المسح على
الخفين منسوخ ، ولم يذهب إلى هذا أحدٌ من أئمة العلماء وأئمة الفتوى ، إلا أشياء رويت
عن بعض الصحابة محتملةٌ ومختلفٌ عليهم فيها ، نحو ما تقدم من الشاذ عن مالك مع
احتماله ، قال الحسن: حدثنى سبعون من أصحاب رسول اللّه عَّه أنه مسح على الخفين.
والأظهر أن مراد أولئك الأخذ بالشدة [وترك ] (٦) الرخصة لا إنكار المسح ، وإنما أنكر
ميسـ
(١) مذهب الشافعى : أنه يجوز إثبات التقديرات والكفارات والحدود والرخص بالقياس . وقال أبو حنيفة
وأصحابه : أنه لا يجوز. راجع فى ذلك: المحصول ٢ / ٢ / ٤٧١، وانظر: بيان المختصر ٣ / ١٧٦.
(٢) فى ت : تعرى .
(٣) جاء فى ت : فمن رأى أن الحدث يرتفع عن كل عضو .
(٤) ساقطة من الأصل .
(٦) فى ت : فى ترك .
(٥) المغنى ١ / ٣٦١ .
-----

٨٣
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
٧٣ _ (٢٧٣) حدّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى التَّميمىُّ، أخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ
شَقيق، عَنْ حُذَيْفَةَ ؛ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِىِّ نَّهَ ، فَانْتَهِى إِلَى سُبَاطَةٍ قَوْمَ ، فَبَالَ قَائِمًا ،
فَتَخَّيْتُ، فَقَالَ: (( الأَنْهُ)) فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقَبَيْهِ . فَتَوَضَّأْ، فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ .
٧٤ - ( .. ) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى وَائل؛ قَالَ:
كَانَ أَبُو مُوسَى يُشَدِّدُ فِى الْبَوْلِ ، وَيَبُولُ فىِ قَارُورَّةٍ وَيَقُولُ : إنّ بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَ إذَا
أَصَابَ جلدَ أحَدِهِمْ بَوْلٌ قَرَضَهُ بِالْمَقَارِيضِ . فَقَالَ حُذَيْفَةُ : لَوَدِدْتُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ لا
المسح الخوارج ؛ إذ ليس [ هو ] (١) فى القرآن على أصلهم ، والشيعة ؛ لما روى عن على
أنه كان لا يمسح .
وقوله فى حديث حذيفة: (( أتى سُباطة قومٍ فبال قائما)) : اختُلِف فى وجه ذلك
فقيل: بال قائما لأنها حالةٌ يؤمَن معها خروج الحدث فى الغالب ، وقيل : إنما فعل ذلك
لوجَعٍ كان به ، وقيل : لعلَّ تلك السُباطة كان فيها نجاسات رطبةٍ وهى رِخوةٌ يأمن إذا بال
[ فيها ] (٢) قائمًا أن يتطاير عليه، وخشى (٣) إن جلس ليبول أن ينال ثيابه النجاسة
ولذلك بال قائما (٤). [وذكر فى الحديث أنه عم ◌ّ مسح على خفيه] (٥)
قال القاضى : السُّباطةُ المزبلة ، وقد استُدِلّ بذكرها أنه كان فى الحضَر ، إذ الغالبُ
كونها فى المدن، وقد روى عن الأعمش فيه: ((كنت مع النبى معَّ بالمدينة))، والثابت
عن النبى عَّه أنه كان إذا أراد البراز أبعَدَ المذهبَ، وأنه كان يَرْتاد لبوله، وكان عَُّ من
الشغل بأمور المسلمين والنظر فى مصَالحهم بحيْثُ عُلِمَ ، وقد يطولُ عليه حتى يحفِزَه البولُ،
فلو أبعد لتأذى . فلذلك / والله أعلم بَال فى هذه المرة قائما لحُفْزَةٍ له ، وارتاد لذلك ت ١٢٣ / أ
السباطَةَ لِدَمَثِها ، وقام لقربه من الناس ، ومخافة ، ما يكون منه إن جلس ، ولذلك ما
تنحى عنه حذيفةُ حتى استدناه ، ولذلك قال عمر : البول قائما أحصَنُ للدُبُرِ ، وقد قال
مجاهد : ما بال قط قائما إلا مَرَّةً ، وأنكرت عائشة أنه بال قائما (٦) ، وإلا فكان أكثر
حالِه البعدُ ببوله وغيره ، وبحسب هذا ما اختلف السلف فى جوازه ، فأجاز ذلك جماعةً
منهم وكرهه آخرون ، وقال ابن مسعود : من الجفاء أن يبول قائمًا ، وردّ سعيدُ بن إبراهيم
(١) من ت .
(٢) ليست فى المعلم .
(٣) فى الأصل : وعسى.
(٤) هذه عبارة المازرى ، ومكانها عنده عقب قوله : ذكر المسح على الخفين .
(٥) من المعلم .
(٦) حديث إنكارها أخرجه الترمذى فى أبواب الطهارة ، ب ماجاء في النهى عن البول قائماً ، وليس بتكذيب
لحذيفة ، لاحتمال أن يكون مرادها - رضى الله عنها - نقى ذلك اختياراً أو عادة .

٨٤
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِى أَنَا وَرَسُولُ اللّهِ عَهُ نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةٌ خَلْفَ حَائِطِ ،
فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ ، فَالَ، فَانْتَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَىَّ فَجِئْتُ، فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتّى
فَرَغَ .
٧٥ _ (٢٧٤) حدّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ
الْمُهَاجر ، أخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جَبَيْرٍ ،
شهادة من فَعل ذلك ، وقد ذكر الخطابى أنه فعل ذلك عَّه لجرح كان بمأيضِهِ (١) ، يعنى
لعَّله لم يتمكَّن من أجله بالجلوس ، وكانت العربُ تستشفى من وجع الصلبِ بالبول قائمًا،
وقال بعضهم : بولةً فى الحمام قائمًا خير من فصدة .
قال الإمام: وقوله لحذيفة: ((ادنُه . قال حذيفةُ: قد دنوت حتى قمت عند عقبه ))،
وفى الحديث : أنه [ قال] (٢) لما أراد قضاء حاجته، [قال] (٣): ((تنح عنى فإنَّ كُلَّ
بائِلةٍ تُفِيحُ)) يصح حملُ الحديث الأول على أنه أمن [ من ] (٤) خروج الحدث ، وأراد أن
يستتر بالقائم خلفه عن الناس ، والحديث الثانى على أن هذه الوجوه فيه مفقودة .
قال القاضى : قال المروزى فى هذا الحديث : من السنة القربُ من البائل إذا كان قائمًا
فأما إذا كان قاعدًا فالسنةُ البُعدُ منه، وقال غيره: فيه أنه عَّه كان يتوارى لمثل هذا ؛ لأنها
٦٢ / أ حالة عورة وهيئة مكروهة /، ألا تراه كيف قال: ((أتى سباطة قوم خلف حائط))، وقال
غيره : استدناؤه لحذيفة وقيامه عند عقبه أنه - والله أعلم - استقبل الحائط تَستُرًا ، ولم
يأمن من يمرّ به من أحد الجانبين فيكشفه ، فأقام حذيفة من ذلك الجانب ساترًا له إذ أمِن
من الحدث لقيامه. ومعنى ((انتبذتُ)) معنى ((بعدت وتنحيَّت)) فى الحديث الآخر،
وقيل: لعل هذا الحائط كان غير متملك؛ لإضرار البول بالحيطان ، أو لعله لم يقرُب منه
قُربًا يضَرُ به .
قال الإمام : [ وخرج مسلم أيضا فى باب المسح على الخفين : حدثنا محمد بن نمير ،
ثنا زكريا عن عامر ، حدثنى عروة بن المغيرة عن أبيه، قال: كنت مع رسول الله عَّه
ذات ليلة ... الحديث . ثم عقب بعد ذلك فقال : حدثنى محمد بن حاتم ، قال : ثنا
إسحق بن منصور ، قال : ثنا عمر بن أبى زائدة ، عن الشعبى ، عن عروة بن المغيرة ،
عن أبيه ، عن النبى عَّ بهذا ] (٥).
(١) معالم السنن ١ / ٢٠ .
(٣، ٤) ليست فى المعلم.
(٢) من المعلم .
(٥) من المعلم .

٨٥
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أبيهِ الْمُغيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ رَسُول اللّهِ عَّهُ؛ أنَّهُ خَرَجَ
لِحَجَته، فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ بِإِدَاوَةَ فِيهَا مَاءٌ، فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتَهِ ، فَتَوَضَّأْ وَمَسَحَ
عَلَى الْخُفَيْنِ. وَفِى رَوَايَةِ ابْنِ رَمْحِ مَكَانَ ((حِينَ)): ((حَتّى )) .
( .. ) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْتَى بْنَ
سَعِيد، بِهَذَا الإِسْنَادِ وَقَالَ: فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى الْغُفَيْنِ .
وقوله فى حديث المغيرة: (( بإداوة)): أى بإناء الوضوء، كما قال فى الآخر :
(بميضأة وبمطهرة)).
وقوله: (( فصبَّ عليه حين فرغ من حاجته فتوضأ)) كذا قال مسلم [ عند قتيبة ، وعند
ابن رمح] (١) حتى فرغ، وكلاهما يصح لكن (( حين)) أبين ، لأنه صبَّ عليه للوضوء
للصلاة لا لغير ذلك بدليل الحديث الآخر، وذكر فيه تواريه عنه لحاجته، قال: (( ثم جاء
فصُبَّ عليه فتوضأ )) .
وفيه حجة للجماعة فى جواز صب الماء على المتوضئ ، ومثله فى حديث أسامة ،
خلاف ما روى عن عمر وابنه وعلىّ فى كراهة هذا وشبهه / من استقاء الماء للوضوء ت ١٢٣ / ب
لغيره ، وأنه من الشركة فى الوضوء ، وقول ابن عمر : لا أبالى أعاننى رجُلٌ على وضوئى
أو على ركوعى وسجودى ، قال الطبرى : وقد صح عن عمر خلافُه من صَبِّ ابن عباس
على يديه للوضوء ، وثبت عن ابن عمر خلاف ما روى عنه ، وأنه كان يُسْكِبُ له الماء
لوضوئه .
واستدل البخارى من هذا الحديث على جواز توضئة الرجل لغيره (٢) ؛ لأنه لما جاز له
أن يكفيه غرْفَ الماء لوضوئه فكذلك سائر الوضوء ، وهو من باب القربات التى يجوز أن
يعملها الرجل عن غيره، ولإجماعهم على جواز توضئة المريض وتيميمِه إذا عجز عن ذلك ،
بخلاف الصلاة ، ويحتمل أن صب المغيرة كان لضيق فم الإداوة ، ويُشبه إن كانت لحمل
الماء للشرب فلم يمكن الوضوءُ منها ولم يكن ميضأةً ولا مطهرةً كما جاء فى حديث غيره ،
وكذلك يختلف حكمُ الأوانى ، فما يمكن إدخال اليد فيه كان حكمُه وضعه على اليمين ،
وما ضاق عن ذلك كان حكمه وضعه على اليسار ليُفرغ منه على اليمين ويميله بياسره ، فهذا
اختيار أهل العلم .
وقول المغيرة فى صفة وضوئه: (( فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ثم على الخفين )
ولم يذكر من السُنن شيئا ، ليس فيه أنه لم يفعلها عَّه لكن المغيرة أخبر بالفرائض
(١) فى ت : عند ابن رُمح، وعند قتيبة، وكتب أمامها بهامش الأصل: لفظ مسلم، وفى رواية ابن رُمح
مكان حين : حتى .
(٢) البخارى ، فى الوضوء ، ب الرجل يوضئ صاحبه ١ / ٥٦ .

٨٦
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
٧٦ - ( .. ) وحدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْنَى النَّميمىُّ، أخْبَرَنَا أَبُو الأحْوَصِ عَنْ أشْعَثَ، عَنِ
الأسْوَدِ بْنِ هلال، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ؛ قَالَ: بَيْنَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ عَّهَ ذَاتَ لَيْلَةٌ. إذْ
نَزَلَ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ جَاءَ فَصَبَيْتُ عَلَيْهِ مَنْ إِدَاوَةٍ كَانَتْ مَعِى، فَتَوضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى
وبده
خُفَِّهِ.
٧٧ _ ( ... ) وحدّنا أَبُو بَكْر بْنُ أبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْب، قَالَ أَبُو بَكْر: حَدَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَةَ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوق، عَنِ الْمُغِيرةَ بْنِ شُعْبَةَ؛ قَالَ : كُنْتُ مَعَ
النَّبِىِّ ◌َّهُ فِى سَفَرَ. فَقَالَ: (( يَا مُغيرَةُ، خُذُ الإِدَّاوَةَ)) فَأَخَذْتُهَا، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ . فَانْطَلَقَ
رَسُولُ اللّهِ عَُّ حَتَّى تَوَارَى عَنِّى، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ
الْكُمَّيْنِ، فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ عَلَيْهِ، فَأَخْرَجَ بَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَصَبَيْتُ
عَلَيْهِ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَيْهِ ثُمَّ صَلَّى .
٧٨ - ( ... ) وحدّثْنا إسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ ، جَمِيعًا عَنْ عِيسَى بْنِ
يُونُسَ ، قَالَ إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا عِيسَى، حَدََّنَا الأَغَمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَسْرُوَقٍ ، عَنِ
الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ؛ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ عَّيْ لِيَقْضِىَ حَاجَتَهُ. فَلَمَّا رَجَعَ تَلَقَّيْتُهُ بِالإِدَاوَةِ ،
وصارت سننُها فى طيِّها وبحكم التبع لها ، وقد ذكر فى بعضها ابتداءه بغسل الكفين .
وقوله : (( فغسل وجهه ثم ذهب ليغسل ذراعيه ، وضاقت الجبّة فأخرجهما من تحت
الجُبة فغسلهما)) ، قال الباجى: لأنه كان عليه إزار . وفيه جواز لباس مثل هذه الثياب
لاسيما فى الأسفار والمغازى لتشمَّرٍ (١) الإنسان فيها وانضمامه وجمع ثيابه عليه (٢) . وفيه
جواز إخراج اليد من تحت الثوب لمثل هذه الضرورة لا فى المجامع والمحافل والرفاهية ، وفيه
جواز التفريق اليسير فى الطهارة ، وأن مثل هذا لا يقطع الموالاة فيها ، لا سيما إن كانت
من سببها مثل هذا ومثل نزع الخفين .
وقد اختلف فى الموالاة هل هى من فروضها أو سننها ؟ فمشهور المذهب أنه سُنَّةً ،
وقيل : فرض . قال ابن القصار : وهو ظاهر قول مالك (٣) ، وقيل: فرض مع الذكر
ساقط مع النسيان ، وقيل : فرض فى المغسول دون الممسوح ، وقيل : مستحب . واختلف
قول الشافعى فى وجوب ذلك ، ولم يوجبه أبو حنيفة ، ثم اختلف فى مفروضها (٤) على
(١) فى ت : ليتشمَّر.
(٢) لم أجد القول للباجى فى مظانه .
(٣) راجع: المغنى ١ / ١٩٠، وقد ذكر أقوال المذاهب فى الموالاة.
(٤) فى ت : من تركها .

٨٧
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
فَصَبَيْتُ عَلَيْهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ لَيَغْسِلَ ذرَاعَيْهِ فَضَاقَتِ الْجُبَّةُ
فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجِبَةِ، فَغَسَلَهُمَا، وَمَسَحَ رَأْسَهُ وَمَسَحَ عَلَى ثُقَّهِ، ثُمَّ صَلَّى بِنَا.
٧٩ - ( .. ) حدّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر، حَدَّثَنَا أبِى، حَدَّثْنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِر،
قَالَ: أَخْبَرَفِى عُرْوَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: كُثْتُ مَعَ النَّبِّ ◌َّهِ ذَاتَ لَيَّةِ فِي مَسِيرٍ .
فَقَالَ لى: (( أمَعَكَ مَاءٌ؟ )) قُلْتُ: نَعَمْ. فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ ، فَمَشَى حَتَّى تَوَارَى فىِ سَوَادِ
اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ ، فَلَمَّ
يَسْتَطِعْ أنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْهَا ، حَتَّى أخْرَجَهُمَا مِنْ أسْفَلِ الْجُبَّةَ، فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ، وَمَسَحَ
بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَهْوَيْتُ لَأَنْزِعَ خُفَيْهِ فَقَالَ: (دَعْهُمَا ، فَإِّى أدْخَلَّهُمَا طَاهِرَيْنِ، وَصََّحَ عَلَيْهِمَا.
٨٠ - ( ... ) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتم، حَدَّثَنَا إسْحَقُ بْنُ مَنْصُور، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ
أبى زائدَةَ عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُّغِيرَةِ ، عَنْ أبِهِ ؛ أَنَّهُ وَضََّ النَّبِىَّ ◌َّهِ، فَتَوَضَّأَ
وَمَسَحَ عَلَى خُفَّهِ، فَقَالَ لَهُ ، فَقَالَ: (( إِّى أَدَخَلُّهُمَا طَاهِرَتَيْنِ)) .
هذا ، فعلى [ القول] (١) أنه فرض يعيدُ فى العمد والنسيان ، وعلى القول أنه سنةً، فعند
ابن عبد الحكم لا شىء عليه ، وعند ابن القاسم لا شىء فى النسيان ويعيدُ فى العمد / - ت ١٢٤ / أ
على مذهبه فى ترك السنن عامدًا - وقد يكون هذا على القول باشتراطه مع الذكر ، والدليل
على صحة كونها مشروعة مسنونةً: مثابرتُه عَّه على الموالاة ولم يذكر عنه تفريق . واختلف
فى حد التفريق المبطل للطهارة فقيل : جفاف الوضوء وقيل : ذلك يرجع إلى الاجتهاد ،
فقد يُسرع جفافُ الوضوء فى بعض الأوقات والبلاد والأبدان الحارة وبالضد من ذلك .
وقيل فائدةُ حمل العنزة والماء معه فى هذا الحديث وغيره : أنه عَّه كان التزم ألا
يكون إلا على طهارة فى أكثر أوقاته ، وكان إذا توضأ صلى ما أمكنه .
وذكر مسلم فى طريق حديث المغيرة : حدثنى محمد بن حاتم ثنا إسحق بن منصور
ثنا عمر بن أبى زائدة ، عن الشعبى ، عن عروة ، قال الإمام : قال بعضهم : هكذا روى
لنا [ عن] (٢) مسلم إسناد هذا الحديث عن عمر بن أبى زائدة من جميع الطرق ، ليس بينه
وبين الشعبى أحدٌ ، وذكر أبو مسعود أن مسلمًا خرَّجه عن عمر بن أبى زائدة ، عن عبد
الله بن أبى السَّفَر، عن الشعبى، عن [عروة ] (٣) [ وهكذا قال الجوزى فى كتابه الكبير :
(١) من ت .
(٣) ليست فى المعلم .
(٢) من المعلم .

٨٨
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
الذى رواه زكريا عن عامر الشعبى عن عروة ] (١) ثم قال : ورواه عمر بن أبى زائدة عن
ابن أبى السَّفَرِ عن الشعبى ، وذكر البخارى فى تاريخه أن عمر بن أبى زائدة سمع من
الشعبى ، وأنه كان يبعث ابن أبى السفَر وزكريا إلى الشعبى يسألانه (٢).
وفى الباب بعد هذا : حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع ، ثنا يزيد بن زريع ، ثنا
٦٢ / ب حميد ، ثنا بكر / ، ثنا عروة بن المغيرة بن شعبة ، قال بعضُهم : قال أبو مسْعُود : هكذا
يقول مسلم فى حديث ابن بزيع ، عن يزيد بن زريع ، عن عروة بن المغيرة ، وخالفه
الناس فقالوا فيه : حمزة بن المغيرة بدل عروة ، وأما الدارقطنى فينسب الوهم فيه إلى
[ يزيد] (٣) لا إلى مسلم، والله أعلم (٤).
(١) من المعلم .
(٢) التاريخ الكبير ٣ / ٢ / ١٥٢، وزكريا هو أخوه، قال أبو عبيد الأجرى عن أبى داود: عمرَ بن أبى زائدة
أكبر من زكريا ، وعمر يرى القدر. وقال فى موضع آخر : زكريا أعلى من أخيه عمر بكثير . راجع
سؤالات أبى عبيد الأجرى الترجمة ١٧٤، ٢٠٣ .
وابن أبى السفر هو عبد الله بن سعيد بن يحمّد ، ويقال : ابن أحمد أبو السفر الهمدانى .
(٣) ساقطة من ت .
(٤) قال أبو عمر . وإسناد هذا الحديث من رواية مالك فى الموطأ وغيره إسناد ليس بالقائم ، لأنه إنما يرويه ابن
شهاب عن عباد بن زياد عن عروة وحمزة ابنى المغيرة بن شعبة عن أبيه المغيرة بن شعبة ، وربما حدَّث به
ابن شهاب عن عباد بن زياد عن عروة بن المغيرة عن أبيه ولا يذكر حمزة بن المغيرة . وربما جمع حمزة
وعروة ابنى المغيرة فى هذا الحديث عن أبيهما المغيرة ورواية مالك لهذا الحديث عن ابن شهاب عن عباد بن
زياد عن المغيرة مقطوعة، وعباد بن زياد لم ير المغيرة ولم يسمع منه شيئًا . التمهيد ١١ / ١٢١ .
قال : قال مصعب : وأخطأ فيه مالك خطأً قبيحًا . أخبرنا به أبو محمد وكتبته من أصل سماعه عن
ابن حمدان ، وحدّثنا أيضًا قال : حدثنا ابن حمدان قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال :
حدثنى أبى قال : قرأت على عبد الرحمن - يعنى ابن مهدى - عن مالك عن ابن شهاب ، عن عباد بن
زياد من ولد المغيرة بن شعبة ، عن أبيه المغيرة ؛ أن رسول الله عَّه ذهب لحاجته فى غزوة تبوك ، فذكره
سواء كما فى الموطأ .
قال : وكتبته - أيضًا - من الأصل الصحيح لأبى محمد - رحمه الله - من أصل سماعه ، وقد
ذكر عبد الرزاق هذا الخبر عن معمر فى كتابه عن الزهرى ؛ أن المغيرة بن شعبة قال : كنت مع رسول الله
◌َّة فى سفر ... وذكر الحديث ، هكذا مقطوعًا. وأظن هذا إنما أوتى من قبل الزهرى ، والله أعلم ؛
لأن أحمد بن عبد الله بن محمد بن على حدثنا ، قال : حدثنا أبى قال : حدثنا أحمد بن خالد ، قال :
حدثنا قاسم بن محمد ، قال : حدثنا أبو عاصم خشيش بن أصرم قال : حدثنا عبد الرزاق قال : حدثنا
معمر ، عن الزهرى ، عن عباد بن زياد ، عن عروة بن المغيرة بن شعبة ، عن المغيرة بن شعبة قال .
.
وساق حديث مسلم .
وقال : وحدثنى سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا
إسماعيل بن إسحق ، قال : حدثنا إسماعيل بن أبى أويس قال : حدثنى أخى عن سليمان بن بلال ، عن
يونس ، عن ابن شهاب قال : حدثنى عباد بن زياد ، عن عروة وحمزة ابنى المغيرة بن شعبة أنهما سمعا
المغيرة بن شعبة يخبر أن رسول الله عَّ توضأ على الخفين ثم صلى فيهما انظر: التمهيد ١١ / ١٢٠
١٢٣.

٨٩
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
قال القاضى : حمزة بن المغيرة هو عندهم الصحيح فى هذا الحديث ، وإنما عروة بن
المغيرة فى الأحاديث الأخر ، وحمزة وعروة أبناء المغيرة ، والحديث مروى عنهما جميعًا ،
لكن رواية بكر بن عبد الله المزنى إنما هى عن حمزة بن المغيرة أو بن المغيرة - غير
مسمى - ولا يقول : عروة ، ومن قال : عروة عنه وهِمَ ، وكذلك اختلف عنه ، فرواه
معتمر بن سليمان التيمى فى أحد الوجهين عنه عن بكر ، عن الحسن ، عن ابن المغيرة ،
وكذلك رواه يحيى بن سعيد عن التيمى ، وقد ذكر ذلك مسلم ، وقال غيرهم : عن بكر
عن ابن المغيرة(١)، قال الدارقطنى: ((وهو وهم))، وفى حديث المغيرة وغيره : ذهاب
النبى معَّ عند حاجته عن الحاضرين ، وهو أدب الحدث ، الاستتار حتى لا يُرى له شخص
ولا يُسمع صوت ، وكما جاء فى الحديث الآخر / أبعد فى المذهب .
ت ١٢٥ / ب
وفيه وفى غيره من الأحاديث التجافى عن ذكر الاسم القبيح من الحدث والكناية عنه
بإتيان الغائط والحاجة ، خلاف ما قاله المشركون من التصريح بقبيحه من قولهم : علمكم
كل شىء حتى الخراءة ! وذلك من أدب الشرع ، ترك فحش الألفاظ وقبيح القول ،
والكناية عن ذلك عند الحاجة إلا للضرورة ، وكذلك كانت عادة العرب فى كلامها صيانة
الألسن عما تُصان عنه الأبصارُ والأسماع .
قال القاضى: ذهب بعضُهم إلى أنَّ حديث المغيرة جاء فى السفر لقوله: ((كنتُ مع
النبى ◌َّ فى سفرٍ)) كما (٢) رواه مالك فى الموطأ وغيرُهُ: ((أنه كان فى غزوة تبوك)) (٣)،
واستُدِلَّ منه على جواز المسح فى السفر ، ومن حديث جرير وحُذيفة على جوازه فى الحضر،
وأنَّ إسلامَ جرير وغزوة تبوك بعد نزول المائدة سنة تسع ، ولهذا كان يعجبهم حديث جرير
ليقطع به حجةُ من زعم أن آية الوضوء ناسخةٌ لفعل النبى معَّ بالمسح على الخفين ،
واستدل بعضهم من حديث المغيرة على جواز استعمال الأحجار مع وجود الماء بكون الإدارة
مع المغيرة لقوله: (( فتلقيتُه بالأداوةِ وصببتُ عليه من إداوة كانت معى)) وهذا وإن كان
ظاهرا فقد يحتمل غيرَ هذا ، وإن ذلك فى السفر وعدم الماء وقلته ألا تری کیف قال له بعد
أن قضى حاجته: ((أمَعَك ماء ؟ )) قال : فأتيتُهُ بمطهرةٍ .
(١) فى المعلم : ابن بزيع .
(٢) فى الأصل: لما ، والمثبت من ت.
(٣) الموطأ، ك الطهارة، ب ما جاء فى المسح على الخفين ١ / ٣٥، ٣٦.

٩٠
كتاب الطهارة / باب المسح على الناصية والعمامة
(٢٣) باب المسح على الناصية والعمامة
٨١ - ( ... ) وحدّثْنى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللّه بْنِ بَزِيع. حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنَ زُرَيْع -
حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّيلُ؛ حَدَّثَنَا بَكْرُبْنُ عَبْدِ اللّهِ الْمُزَنِىُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ
أبيه؛ قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللّهِ عَّهِ وَتَخَلَّفْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ قَالَ: ((أَمَعَكَ
مَاءٌ؟))، فَأَتَيْئُهُ بِمَطْهَرَةَ ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ ، ثُمَّ ذَهَبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَ كُمُّ
الْجُبَّةِ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ، وَمَسَحَ
بِنَاصِيَتَّه وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَعَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ رَكِبَ وَرَكِبْتُ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ وَقَدْ قَامُوا فِىِ
الصَّلاةُ، يُصَلِّى بِهِمْ عَبَّدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَقَدْ رَكَّعَ بِهِمْ رَكْعَةً، فَمَّا أَحَسَّ بِالنَِّّ ◌ََّ
ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَاً إِلَيْهِ، فَصَلَّى بِهِمْ. فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِىُّ ◌َّهُ وَقُمْتُ، فَرَكَعْنَا الرَّكْعَةَ
الَّتِى سَبَقَتْنَا .
وقوله فى الحديث: (([ أن النبى معَّه توضأ] (١) فمسح بناصيته وعلى العمامة))،
قال الإمام : يحتج به لأبى حنيفة فى أن الواجبَ من مسح الرأس الناصيةُ. وحدُّهَا منتهى
النَّزْعَتَين (٢)، ويحتجُ به ابن حنبل فى أن المسح على العمامة جائز كما يُجزئ المسح على
الخفين (٣)، وذهب مالك [إلى] (٤) خلافهما جميعًا (٥)، وأن المسح على العمامة غيرُ
جائز ، وأن الوجوب من مسح الرأس ليس بمقصورٍ على الناصية خاصةً ، ويُعارِض قول كل
واحد منهما بقول صاحبه ، ويجعل الحديث حجةً عليهما جميعًا ، فيقول لأبى حنيفة : إن
كان الوجوبُ يختصُ بالناصية فلِم مسح [على ] (٦) العِمامة ؟ ونقول لابن حنبل : إن كان
المسح على العمامة جائزًا فِلِمَ باشر الناصيةَ بالمسح؟، وقد ذكر ابن حنبل أن المسح على العمامة
رُوى عن النبى معَُّ من خمسِ طُرقٍ صحيحة، واشترط بعض القائلين بجواز المسح على
(١) من المعلم .
(٢) بدائع الصنائع ١ / ٤. وقد ذكر أن قدره ثلاث أصابع اليد ، وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه قدّره بالربع،
وهو قول زفر ، أما نص الناصية فهو قول الكرخى والطحاوى .
(٣) المغنى ١ / ١٧٥، ١٧٦. وقد اختلف فى قدر الواجب فى مسح الرأس ، فروى عن أحمد فى أحد
قوليه وجوب مسح جميعه ، ووافقه الخرقى فى هذا ، وهو مذهب مالك ، وله قول آخر وهو المعتمد من
المذهب ، قال أحمد: فإن مسح برأسه وترك بعضه يجزئه .
(٤) ليست فى المعلم .
(٦) من المعلم .
(٥) المنتقى للباجى ١ / ٧٥ .

٩١
كتاب الطهارة / باب المسح على الناصية والعمامة
٨٢ - ( ... ) حدّثنا أمَةُ بْنُ بِسْطَامَ وَمَحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ
أبيه؛ قَالَ: حَدَّثَنِى بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أبيهِ ؛ أنَّ النَّبِىَّ ◌َهُ مَسَحَ عَلَى
الْخُفَيْنِ، وَمُقَدَِّ رَأْسِهِ، وَعَلَى عِمَامَتِهِ .
( ... ) وحدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ عِبْد الأعْلَى. حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ بَكْرٍ ، عَنِ
الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِهِ ، عَنِ النَِّّيَّهِ، بِمِثْلِهِ .
العمامة أن تكون لُبِسَتْ على طهارةٍ كالخفين ، وزاد بعضهم : وأن تكون بالحنك ليكون فى
نزعها مشقة فحينئذ تشابه الخف .
وأقوى ما يحتج به على ابن حنبل مقابلة أحاديثه بظاهر القرآن فى قول الله سبحانه :
﴿ وَأَمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (١) وهذا ظاهرُه المباشرة، ويبقى ها هنا النظر ما بين تقدمة ظاهر
القرآن على الأحاديث أو تقدمة الأحاديث على الظاهر(٢) وليس / هذا موضع استقصائه، ت ١٢٥ / أ
وأحسنُ ما حَمل عليه أصحابُنا حديث المسح على العمامة أنه عَّهُ لَعلَّه كان به مرضٌ منعه
كشف رأسه ، فصارت العمامةُ كالجبيرةِ التى يُمسَحُ عليها للضرورة (٣).
(١) المائدة : ٦ .
(٢) ذهب الشافعى وأحمد إلى أن خبر الآحاد إذا كان خاصًا وعارض عام القرآن خصصه ، فيصير بذلك العام
غير دال على كل ما يشتمل عليه لفظه ، بل على بعض ما يشتمل عليه ، وذلك لأن عام القرآن وإن كان
قطعيًا فى سنده ، هو ظنى فى دلالته ، وخاص السنة إذا كانت خبر آحاد فهو ظنى فى سنده ، ولكنه قطعىّ
فى دلالته ، والظنى يخصص الظنى .
أما الحنفية فلأنهم يعتبرون العام قطعيًا فى دلالته ، فإن أخبار الآحاد لا تنهض عندهم لأن تكون
مخصصةً لعام القرآن ؛ لأن الظنى لا يخصص القطعى ، والعام بمقتضى عمومه مبيّنٌ لا يحتاج إلى بيان .
أما مالك فإنه يجعل خبر الآحاد مخصصًا لعام القرآن إذا عاضده عمل أهل المدينة أو قياس ، وعلى
ذلك حرَّم مالك لحم كل ذي ناب من السباع ، وكان ذلك تخصيصًا لعموم القرآن : ﴿ قُل لاَ أَجِدُ فِي مَا
أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمَّا مُسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ﴾ [ الأنعام: ١٤٥] وذلك
للحديث الذى صرح بذلك ورواه مالك فى الموطأ ، وقال عقب روايته: وهو الأمر عندنا ، أى فى المدينة.
أما إذا لم يعاضد خبر الآحاد قياس أو عمل أهل المدينة ، فإنه يعمل بالعام ويضعف الخبر ، كما هو
الشأن عنده فى حديث: (( إذا ولغ الكلب فى إناء أحدكم فليغسله سبعا )) ، فإنه رده لعموم قوله تعالى :
﴿ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّينَ﴾ [ المائدة: ٤]، وقال : كيف يؤكل صيده ويكون نجسا ؟ راجع:
أصول الفقه : ١٢٥ ، ١٢٦ .
(٣) قال ابن عبد البر: وأما المسح على العمامة فاختلف أهل العلم فى ذلك، واختلفت فيه الآثار ، وكلها
معلومة .
وروى عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين ذكرهم المصنفون : ابن أبى شيبة ، وعبد الرزاق ،
وابن المنذر، أنهم أجازوا المسح على العمامة .
=

٩٢
كتاب الطهارة / باب المسح على الناصية والعمامة
٨٣ _ ( ... ) وحدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، جَمِيعًا عَنْ يَحْبَى الْقَطَّان،
قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حدَّثْنَا يَحْنَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ الَّيْمِىِّ، عَنْ بَكْرِبْنِ عَبْدِ اللّهِ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنِ
ابْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ أبِهِ ، قَالٌ بَكَرٌ : وَقَدْ سَمِعْتُ مِنِ ابْنِ الْمَّغِيرَةِ؛ أنَّ النََِّّ ◌َّهَ
تَوَضَّأْ، فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى الْعِمَامَةِ ، وَعَلَى الْخُفَّيْنِ .
قال القاضى : قوله فى حديث المغيرة فى أحَدٍ طُرِقه من حديث محمد بن بشارٍ ومحمد
ابن حاتم رفعاه عن بكر بن عبد الله ، عن الحسن ، عن ابن المغيرة بن شعبة ، عن أبيه ،
قال بكر : وقد سمعتُه من ابن المغيرة ، كذا لجميع شيوخنا ، وكذا ذكره ابن أبى خيثمة
والدارقطنى وغيرُهما ، ووقع عند بعضهم ولم أرْوه ، وقد سمعت من ابن المغيرة ، وقد
تقدم قبل سماعَه الحديث منه .
وفى إمامة عبد الرحمن بن عوف بهم، ولم ينتظروا النبى معَّه ؛ دليلٌ على مبادرة
فضل أول الوقت ، وبه احتج الشافعى وغيره على هذا (١) ، وظاهِرُهُ يأسهم من وصول
النبى ◌َُّ إليهم إلا بعد أن يُصلَّى أو لتأخِرِه عنهم، وظنّهُم أنه أخذ طريقًا غير طريقهم ،
وبه قال الأوزاعىّ، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأحمد ، وإسحقُ، وأبو ثور ، للآثار الواردة فى
=
ذلك، وقياسًا على الخفين ، ولأن الرأس والرجلين عندهم ممسوحان ساقطان فى التيمم.
واختلاف هؤلاء فيمن مسح على العمامة ثم نزعها كاختلافهم فيمن مسح على الخفين ثم نزعهما .
وأما الذين لم يروا المسح على العمامة ولا على الخمار فعروة بن الزبير ، والقاسم بن محمد ،
والشعبى ، والنخعىّ ، وحماد بن أبى سليمان . وهو قول مالك ، وأبى حنيفة ، والشافعىِّ وأصحابهم .
والحجة لمالك ومن قال بقوله ظاهر قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ومن مسح
على العمامة فلم يمسح برأسه ، وقد أجمعوا أنه لا يجوز مسح الوجه فى التيمم على حائل دونه ، فكذلك
الرأس .
والخطاب فى قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ منه [ النساء : ٤٣]، كالخطاب فى قوله:
﴿وَأَمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ .
ولا وجه لما اعتلُّوا به من أن الرأس والرجلين ممسوحان ، وأنه لما اتفقوا على المسح على الخفين ،
فكذلك العمامة ؛ لأن الرجلين عند الجمهور مغسولتان ، ولا يُجزئ المسح عليهما دون حائلٍ، وقد قام
الدليلُ على وجوب الغسل لهُما، فلا معنى للاعتبار بغير ذلك .
قال : فإن قيل : إن الرأس والرجلين يسقطان فى التيمم ، فدلّ على أنهما ممسوحان قيل له : وقد
يسقطُ بدنُ الجُنب كله في التيمم ، ولا يعتبر بذلك، فسقط ما اعتلوا به ، فإن قيل : فهب أن الرِّجلين
مغسولتان، هلا كان المسحُ على العمامة قياسًا عليهما فى الخفين ؟ قيل له : قد أجمعوا على أن المسح على
الخفين مأخوذ من طريق الأثر ، لا من طريق القياس ، ولو كان من طريق القياس لوجب القولُ بالمسح على
القفازين ، وعلى كُلِّ ما غَيَّبَ الذراعين من غير عِلَّةٍ ولا ضرورة ، فدلَّ على أن المسح على الخفين
خصوصٌ لا يقاسُ عليه ما كان فى معناه. الاستذكار ٢ / ٢٢٠، ٢٢١ بتصرف يسير .
(١) الأم ١ / ٧٥ .

٩٣
كتاب الطهارة / باب المسح على الناصية والعمامة
٨٤ - (٢٧٥) وحدّثْنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَّةَ. حِ وَحَدَّثْنَا إِسْحَقُ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلاهُمَا عَنِ الأعْمَشِ، عَنِ الْحَكَمِ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ بِلالٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّه عَثُ مَسَحَ
عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ .
عَرَّس ليلته ألا ترى فزعَهَم حين أدرَكَهُمْ يُصَلّونَ ؟ فَدَلَ أنهم لم يُبادروا الصلاة أول الوقت
ولا - أيضًا - أخَّروها لآخر الوقت حتى يئسوا منه وخافوا فواتها؛ لأنه عَّ / لم يكن ٦٣ / أ
صلى ، ولا يصح أن يؤخروها حتى يضيق وقتُها بغير عِلَّةِ ، والأشبه أنهم انتظروه ، فلما
تأخَّر عن وقته المعهود تأوَّلوا أنه صَّلَى فصلوا .
وفيه تقديم الجماعة إمامًا بغير أمر الإمام ، بخلاف الصلوات التى لا تصح إلا بإمام
كالجمعة ، العيدين وغيرهما . وفيه إمامة المفضول بالأفضل وصلاة الإمام خلف رعيته ،
وجبر ما فات من الصلاة لمن أدرك بعضها ، واتباع الإمام فى فعله وجلوسه وإن لم يكن
موضع جُلوسٍ للمُدْرِكِ ، وأنَ قضاءَه لما فات بعدَ سلام الإمامِ ، وأن العمل اليسير فى
الصلاة غيرُ مؤثر فيها ، لذهاب عبد الرحمن ليتأخَّرَ ، وسيأتى الكلامُ على تمام هذا وحُكمٍ
صلاة النبى معَّه هُنا وفى حديث أبى بكر فى موضعه من كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.
وقوله فى حديث بلال: (( مسَحَ على الخفين والخِمارِ )) : يريدُ بالخمار - والله أعلم -
العمامة ، لتخمير الرأس بها ، لشبهها بخمار المرأة ، ولم يختلف من أجاز المسحَ على
العمامة فى منع مسح المرأة على خمارها إلا شىء روى عن أم سلمة (١) . وعن أنسٍ فى
مسحه على القلنسوة ، وفَرْقٌ ما بين العمامة والخمار عندهم أن العمامة يشق نزعُها لا سيما
إن كانت بحنَكِ ، ولأن المسح عليها مسحٌ على بعض الرأس ولورودِ الرَّخصةِ فيها عندهم
كما جاءت فى الخف .
وفيه الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن / أبى ليلى عن كعب بن عجرةً عن ت ١٢٥ / ب
بلال ، الحديث .
قال مُسْلم : وفى حديث عيسى بن يونس : حدثنى الحكم قال : حدثنى بلال ، وهذا
مشكل على من لا يعرف أسرار هذا العلم ، ومعناه : أن الأعمش حدَّث به فى سند مسْلِم
عنه أولا معنعنًا ومن طريق عيسى نصٌ على الحديث ، فقال : حدثنى حكم ولم يقل : عن
حكم كما قال قبلُ ، وقال آخر الحديث : حدثنا بلال ولم يقل : عن بلال وإلا فالحكم لا
يروى عن بلال ولو عنعنه الحكم عن بلال لكان مقطوعًا ؛ لأنه إنما رواه عن رجلين عنه ،
(١) وهو قول غير مسند، نقله ابن عبد البر فى الاستذكار ٢ / ٢١٩ .

٩٤
كتاب الطهارة / باب المسح على الناصية والعمامة
وَفِى حَدِيثٍ عِيَسى: حَدَّثَنِى الْحَكَمُ حَدَّثَنِى بِلالٌ، وَحَدَّثَنِهِ سُوَيّدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا
عَلَىٌّ - يَعْنِى ابْنَ مُسْهِرٍ - عَنِ الأعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَاد .
وَقَالَ فىِ الْحَدِيثِ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ عَّهُ .
وقد تكلم أبو الحسن الدارقطنى فى كتاب العلل على حديث بلال هذا والخلاف فيه والخلاف
على الأعمش فيه أيضًا ، وسقوط بلال منه عند بعضهم واقتصاره على كعب ، وسقوط
كعب عند بعضهم واقتصاره على بلال ، وجعل بعضهم البراءَ بين بلال وابن أبى ليلى
وأكثر رواة الأعمش على ما فى الأم ، وقد رواه بعضهم عن على بن أبى طالب عن
بلال(١).
(١) جاء فى العلل بلفظ: المسح على الخفّين والخفار (بالفاء ). ثم قال: يرويه الحكم بن عتيبة، واختلف
عنه، فرواه شيبان عن ليث عن الحكم عن شريح بن هانئ عن على عن بلال ، وخالفه معتمر واختلف
عنه، فرواه مسدد وعمرو بن على وعلى بن الحسن الدرهمى عن معتمر ، عن ليث ، عن الحكم وحبيب
ابن أبى ثابت عن شريح بن هانئ ، عن بلال . وخالفهم ابن أبى السرى ، فرواه عن معتمر ، عن ليث
عن طلحة بن مصرِّف عن شريح بن هانئ ، عن بلال.
ورواه موسى بن أعين ، عن معتمر ، عن ليث ، عن الحكم ، وحبيب عن شريح بن هانئ ، عن
بلال .
ورواه أبو المحياة عن ليث ، عن الحكم ، عن ابن أبى ليلى ، عن كعب بن عجرة عن بلال .
وكذلك رواه الأعمش ، واختلف عنه ، فرواه أبو معاوية الضرير وعلى بن مسهر وعيسى بن يونس
وأبو زهير عبد الرحمن بن مغراء وأبو عبيدة بن معن وأبو حمزة السكرى وعبد الله بن نمير وأبو إسحق
الفزارى ومحمد بن فضل ، واختلف عنه .
فرووه عن الأعمش ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبى ليلى ، عن كعب بن عجرة ، عن
بلال.
ورواه زياد بن أيوب عن ابن فضل ، فلم يذكر فيه كعبًا ، ولعله سقط عليه أو على من روى عنه .
ورواه عبد السلام بن حرب عن الأعمش عن الحكم عن ابن أبى ليلى عن كعب بن عجرة عن النبى
◌َّ ولم يذكر بلالاً .
قال : ورواه شعبة واختلف عنه ، فروى عن بقية عن شعبة عن الحجاج بن أرطأة عن الحكم . قال :
وهو وَهْم ، وإنما أراد أن يقول : شعبة بن الحجاج ؛ لأن الحديث محفوظ عن شعبة عن الحكم عن ابن
أبى ليلى عن بلال . راجع: العلل ٣ / ٢٣٠، ٧ / ١٧١ .
--

٩٥
كتاب الطهارة / باب التوقيت فى المسح على الخفين
(٢٤) باب التوقيت فى المسح على الخفين
٨٥ _ (٢٧٦) وحدّثنا إسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، أخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق ، أخْبَرَنَا
الثَّوْرِىُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ الْمُلَائِىِّ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَّةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخْمِرَةَ ، عَنْ
شُرَيْحِ بْنِ هَانِيْ؛ قَالَ: أَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ الْمَسَّحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. فَقَالَتْ : عَلَيْكَ بِابْنِ
أبِى طَالِبٍ فَسَّلْهُ ، فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ عَهُ، فَسَالْنَاهُ فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللّه
◌َّ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَلَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيِمِ.
قَالَ : وَكَانَ سُفْيَانُ إِذَا ذَكَرَ عَمْرًا أَثْنَى عَلَيْهِ .
( ... ) وحدّثْنَا إِسْحَقُ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِىٌّ عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَيِّدِ ابْنِ
أبِى أنيْسَةَ عَنِ الْحَكَمِ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ ، مِثْلَهُ.
( .. ) وحدّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأعْمَشِ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنِ
الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيِّمِرَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هانِئْ؛ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ .
فَقَالَتِ : اثْتِ عَلِيا، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنِّى، فَأَتَّيْتُ عَلَيا، فَذَكَرَ عَنِ النَّبِىِّعَّهِ ، بِمِثْله.
وقوله: (( أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين ، فقالت : عليك بابن أبى
طالب، فإنه كان يسافر مع رسول الله عَّه)): فيه حجة أن مسح النبى عَّه إنما كان فى
السفرِ ، ولو مسح فى الحضَرِ لَعَلِمَتْه، وفى رواية أخرى: (( فإنه أعلم بذلك منى ، فسألناه
فقال : جعل رسول الله عَّه ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويومًا وليلةً للمقيم)).
وفيه تضعيف ما روى عن عائشة - رضى الله عنها - وعلى من أنكر المسح على
الخفين، وفيه النص على المسح للمقيم والمسافر والتوقيت لهما . وقد اختلف العلماء فى
التوقيت فى ذلك، فذهب أبو حنيفة (١). والشافعى (٢) فى أحد قوليه إلى هذا الحديث ،
وهو قول الثورى وأصحاب الحديث وروى مثله عن مالك، ومشهور مذهبه أنه لاحدًّ له ولا
توقيت(٣)، وهو أحد قولى الشافعى وقول الأوزاعى والليث ، وروى عن مالك للمقيم من
(١) بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع ١ / ٨.
(٣) المنتقى ١ / ٧٨، ٧٩ .
(٢) الأم ١ / ٣٤ .

٩٦
كتاب الطهارة / باب التوقيت فى المسح على الخفين
الجمعة إلى الجمعة (١) ، وتأوله شيوخُنا: أى ينزعَهُما للغسْل، وهذا مبنى على نفى
التوقيت ، وذهب بعضهم إلى أن حدَّ من الحدث إلى الحدث، وقد اختلف فى رفع هذا
الحديث أو إيقافه على علىِّ، قال أبو عمر: ومن رفَعَه أثبتُ وأحفظ ممن أوقفه (٢).
(١) المنتقى ١ / ٧٨، ٧٩ .
(٢) الاختلاف وقع فيمن روى عن الأعمش . والذين رووه عنه مرفوعا هم أبو معاوية الضرير ، وعمرو بن
عبد الغفار . والذين أوقفوه هم زايدة بن قداسة وعلى بن غراب، وأحمد بن بشير . راجع : العلل
٢٣١/٣ .

٩٧
كتاب الطهارة / باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد
(٢٥) باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد
٨٦ - (٢٧٧) حدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللّه بْن نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا أبى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ
عَلْقَمَةَ بْنِ مَرَْدٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ
سُفْيَانَ ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَلَقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ عَنَ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ؛ أنَّ النَّبِّ ◌َُّ
صَلَّى الصََّوَتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : لَقَدْ صَنَعْتَ
الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ. قَالَ: ((َعَمْدَاً صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ)) .
وقول عمر للنبى ◌َّهِ يوم الفتح: ((لقد صنعتَ شيئًا لم تكن تصنعُه)): يدلُ على
مثابرة النبى عَّ على الوضوء لكل صلاة، وقوله: ((عمْدًا فعلته يا عُمَر )): أى قصدًا
ليبين للناس الإباحة والرخصة فى ذلك لئلا يقتدوا بفعله ، ويظنوا ذلك فرضًا (١)، وذهب
بعض الناس إلى أن فعله هذا نسخ ما كان قبل من فرض الوضوء لكل صلاة ، وهذا يرُدُه
حديثُ أنس أن ذلك كان خاصًا بالنبى معَّه دون / أمته ، وأنه كان يفعلُه للفضيلة، ت ١٢٦ / أ
والحديث صلّتُهُ عَّهُ بالصهباء وجَمْعُه بين العصر والمغرب بوضوء واحدٍ ، والصَهباءُ بخيبر
قبل الفتح ، وقد تقدَّم شىء من هذا .
(١) راجع: الاستذكار ٢ / ٨٧ .

٩٨
كتاب الطهارة / باب كراهة غمس المتوضئ وغيره ... إلخ
(٢٦) باب كراهة غمس المتوضئ
وغيره يده المشكوك فى نجاستها فى الإناء قبل غسلها ثلاثا
٨٧ - (٢٧٨) وحدّثْنَا نَصْرُ بْنُ عَلَىِّ الْجَهْضَمِىُّ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِىُّ ، قَالا:
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ خَالِدِ ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنٍ شَقِيقٍ، عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ؛ أنَّالنَّبِىَّ ◌َِّهُ
قَالَ : ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِى الإِنَاءِ حَتَى يَغْسِلَه ثَلاثَا ، فَإِنّه لا
يَدْرِى أَيْنَ بَاتَتْ يَدَهُ)) .
( ... ) حدّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو سَعيد الأشجُّ. قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثْنَا أُبُوكُرَيْب،
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كلاهُمَا عَنِ الأعْمَشِ ، عَنْ أَبِى رَزِينٍ وَأَبِى صَالِحٍ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً،
فِى حَدِيثِ أبِى مُعَاوِيَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ. وَفِى حَدِيثٍ وَكِيعِ قَالَ : يَرْفَعُهُ ،
بِمِثْلِهِ .
( ... ) وحدّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أبى شَيْئَةَ وَعَمْرُوَ النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ بْنُ عُبَّنَةَ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ. حَ وَحَدَّثَنِهِ مُحَمَّدُ بْنْ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا
عَبْدُالرَّزَّاق، أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ
النَّبِىِّ عَّهِ ، بِمِثْلِهِ .
---
وقوله: ((إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده فى الإناء حتى يغسلها ... ))
الحديث ، ذكر الإمام هنا الكلام على غسل اليدين قبل الوضوء وقد نقلناه أول الكتاب .
قال القاضى : وقد اختلف العلماء فى غسل اليدين للقائم من النوم قبل إدخالها الإناء،
فمذهبنا ومذهب عامة العلماء : أن ذلك على الاستحباب وليس بواجب ، وأنه على طريق
الاستحباب خلافًا لأحمد بن حنبل (١) وبعض أهل الظاهر فى إيجابه ذلك للقائم من نوم
الليل لامن نوم النهار ، ولداود والطبرى فى إيجابهما ذلك من كل نومٍ وينجُسُ الماءُ إن لم
يغسل يدَه قبل إدخالها فيه (٢) .
واختلف قول مالك وأصحابه فى إفساده الماء بذلك ، وعللها بعض شيوخنا أن ذلك لما
(١) راجع: المغنى ١ / ١٤٠، المنتقى ١ / ٤٨ .
(٢) المحلى بالآثار ١ / ٢٠٦ .

٩٩
كتاب الطهارة / باب كراهة غمس المتوضئ وغيره ... إلخ
٨٨ - ( ... ) وحدّثْنى سَلَمَةُ بْنُ شَبيب قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أعْينَ ، حَدَّثَنَا مَعْقُلٌ
عَنْ أبى الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أنَّ النَّبِىَّ ◌َّهُ قَالَ: (( إذَا اسْتَيْقَظَ
أحَدُكُمْ فَلْيُفْرِغْ عَلَى يَدِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فىِ إِنَائِهِ ، فَإِنَّهُ لا يَدْرِى فِيمَ بَتَتْ
روز
يده )» .
( ... ) وحدّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد. حَدَّثَنَا الْمُغيرَةُ - يَعْنِى الْحِزَامِىَّ - عَنْ أَبِى الزِّنَادِ ، عَنِ
الأعْرَجِ ، عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ . ح وَخَّدَثَنَا نَصْرُ بْنَّ عَلِىٌّ، حَدَّثَنَا عَبِّدُ الأَعْلَى عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ
مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ مَخْلَدَ - عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أبِهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. حَ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنَّ رَافِعِ ،
حَدَّثَنَ عَبْدُ الرَّزََّقِ، حَدَّثَنَا مَعَمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَّهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ . ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ
ابْنُ حَاتِمٍ ، حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح وَحَدَنَا الْحُّلُوَنِىُّ وَأَبْنُ رَافِعٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ
الرَّزَّاق، قَالا جَميعًا: أخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيَجٍ، أَخْبَرَنِى زِيَادٌ ؛ أنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ
زَيِّد أخْبَرَهُ؛ أنَّهُ سَمَعَ أَبَا هُرَيْرَةَ فىِ رَوَايَتِهِمْ جَمِيعًاً عَنِ النَّبِىِّ ◌َِّ؛ بِهَذَا الْحَدِيثِ . كُلُّهُمْ
يَقُولُ: ((حَتَّى يَغْسِلَهَا )). وَلَمْ يَقُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: ((ثَلاثًا)) . إلا مَا قَدَّمْنَا مِنْ رِوَايَةٍ جَابِرٍ،
وَأَبْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَأَيِى سَلَمَةَ ، وعَبْدِ اللّه بْنِ شَقِيقٍ، وَأَِّى صَالِحٍ ، وَأَبِ رَزِينٍ . فَإِنَّ فُىِ
حَدِيثِهِمْ ذِكْرَ الثَّلاثِ .
لعلّه يتعلق باليد من قذر ما يمسه من المغابن وشبهها من الجسد ولا يسلم من حك بَثرِهِ
ومسحِ عَرَقِه وفضول جسده فاستُحب له تنظيفها لذلك ، وقيل : بل لأنهم كانوا يستجمرون
بالأحجار فربما نال ذلك بيده حال نومه ، وقيل : بل لما يُخشى أن يمسُّه من نجاسةٍ تخرُج
منه حال نومه أو غير ذلك مما يتقذَّر منه (١)، وفى الحديث / نفسه: ((فإن أحدهم لا ٦٣ / ب
(١) المنتقى ١ / ٤٨ . وعبارة ابن عبد البر: احتج بعض أصحاب الشافعى لمذهبهم فى الفرق بين ورود الماء على
النجاسة وبين ورودها عليه بهذا الحديث. واحتجوا أيضًا بنهيه عَّه عن البول فى الماء الدائم ، وبحديث
ولوغ الكلب فى الإناء، عَّى بالصب على بول الأعرابى. التمهيد ١٨ / ٢٣٥.
قال : أما لو لم يأت عن النبى معَّه فى الماء غير هذا الحديث لساغ فى الماء بعض هذا التأويل ، ولكن
قد جاء عن النبى معَّه فى الماء أنه لا ينجسه شىء يريدُ إلا ما غلب عليه، بدليل الإجماع على ذلك . وهذا
الحديث موافق لما وصف الله عز وجل به الماء فى قوله: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءَ طَهُورًا﴾ [ الفرقان: ٤٨] =

كتاب الطهارة / باب كراهة غمس المتوضئ وغيره ... إلخ
١٠٠ -
يدرى أين باتت يده ))، وهذا تعليلٌ بالشك والاحتياط وهو ينفى الوجوب . واحتج
أصحاب الشافعى بهذا الحديث فى تفريقهم بين طُرُوِّ النجاسة على الماء أو طروِّ الماء عليها إذ
منع من إدخال اليد فى الإناء ولو صَبَّ بعض ما فيه على اليد النجسة لطهرَها (١) .
= يعنى لا ينجسه شىء إلا أن يغلب عليه . التمهيد ١٨ / ٢٣٤.
(١) المجموع ١ / ٣٤٩ . قال: وقد أجمع جمهور العلماء على أن الذى يبيت فى سراويله وينام فيها ثم يقوم
من نومه ذلك ، أنه مندوب إلى غسل يده قبل أن يدخلها فى إناء وضوئه ، قال : وفى هذا الحديث من
الفقه : إيجاب الوضوء من النوم ، وهو أمر مجتمع عليه فى النائم المضطجع الذى قد استثقل نوما ، وقال
زيد بن أسلم وغيره فى تأويل قول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [ المائدة: ٦ ] قال: إذا قمتم من
المضاجع ، يعنى النوم ، وكذلك قال السدى . وعن السدى - أيضا - والأسود بن يزيد وإبراهيم النخعى؛
أن الآية عنى بها حال القيام إلى الصلاة على غير طهر ، وهذا أمر مجتمع عليه .
وقال : هذا أمر من الله لنبيه والمؤمنين ، ثم نسخ بالتخفيف ، وهذا يشبه مذهب من ذهب إلى أن
السنة تنسخ القرآن.
ثم ساق إسناده إلى حديث أنس الذى أخرجه أبو داود قال: كان رسول اللّه عَّه يتوضأ لكل صلاة ،
قلت - أى عمرو بن عامر - فأنتم؟ قال: إنا لنجتزئ بوضوء واحد مالم نحدث. التمهيد ١٨ / ٢٣٨،
٢٣٩، وانظر: السنن لأبى داود ١ / ٣٨ .