النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ كتاب الطهارة / باب خصال الفطرة (١٦) باب خصال الفطرة ٤٩ - (٢٥٧) حدّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب، جَميعًا عِنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُبَيْنَةٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أبى هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َُّ قَال: ((الْفِطْرَةُ خَمْسٌ - أوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ - الْخِتَانُ، وَلَاسْتِحْدَادُ، وَتَقْلِمُ الأَظْفَارِ، وَتْهُ الَإِبِطِ ، وَقَصُّ الشَّارِبِ)) . ٥٠ _ ( ... ) حدّثَنِى أَبُو الطَّاهر وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى، قَالا : أخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب ، أخْبَرَنَى يُؤنُسُ عَنِ ابْنِ شِهَبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُول اللَّهِ عَّهُ أَنَّهُ قَالَ: ((الْفطْرَةُ خَمْسٌَ: الاخْتَانُ ، وَالاسْتِحْدَادُ ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ ، وَنَتْفُ الإبط )) . ٥١ - (٢٥٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، كلاهُمَا عَنْ جَعْفَرَ ، قَالَ وقوله: (( خمس من الفطرة)) وفى الحديث الآخر: ((عشر)) الفطرة هاهنا: السنة ، قاله الخطابى ، قال : ومعناه : إن هذه الخصال من سنن الأنبياء ، وقد قيل عن ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (١) قال : أمره بعشر خصال ثم عدَّهنَّ نحو ما فى الحديث ، فلما فعلهُن قال : ﴿ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (٢) لِيُقْتِّدى / بك ، ويقال : كانت عليه فرضًا ولنا سُنةً، وجاء بعد هذا عشر من الفطرة ، فلعل قوله ت ١١٨ / أ هذا بعد الأول ، فكانت السُنن تزيد شيئًا بعد شىء ، وكذلك الفرائض ، ولم يذكر فى حديث العشر هنا الختان من جملة الخمس المذكورة فى الحديث الآخر ، قال زكريا بن أبى زائدة راوى الحديث: (( ونسيتُ العاشرة إلا أن يكون المضمضة)). قال القاضى : ولعلها الختان المذكور مع الخمس وهو أولى ، وفى رواية عمار بن ياسر نحوها فى الأم ، ولم يذكر فيها إعفاء اللحى ، وزادَ الاختتان ، وذكر المضمضة والاستنشاق، فيكون على هذا إعفاء اللحية وقص الشارب كالسنة الواحدة إذ هو كالعضو الواحد . وذكر الانتضاح مكان انتقاص الماء وهو بمعنى غسله . (٢) ذكره ابن كثير عن سفيان الثورى. تفسير القرآن العظيم ١ / ٢٣٩، والمراد بالكلمات عند الجمهور : الشرائع والأوامر والنواهى . (١) جعفر بن سليمان الضبعى روى له الأربعة فى سننهم ، أما البخارى فقد ترك حديثه وقال فيه: يخالف فى ٦٢ كتاب الطهارة / باب خصال الفطرة يَحْبَى : أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِى عِمْرَانَ الْجَوْنِىِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ؛ قَالَ : قَالَ أَنَسٌ: وُقِّتَ لَنَا فِىِ قَصِّ الشَّرِبِ، وَتَقْلِيمِ الأظْفَارِ ، وَفِ الإِبِطِ ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ ألا نَتْرُكَ أكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً . ٥٢ _ (٢٥٩) حدّثَنَا مَحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثْنَا يَحْبَى - يَعْنِى ابْنَ سَعيد. ح وَحَدَّثْنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِّ النَِّّ ◌َِّهُ؛ قَالَ: ((أَحْفُوا الشَّوَارِبِ، وَأَعْفُوا اللِّحَى)) . وقول أنس: ((وقَّتَ لنا فى قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة ألا نترك ذلك أكثر من أربعين يوما )) قال العُقَيلى : فى حديث جعفر نظر ، قال أبو عمر: لم يروه إلا جعفر بن سليمان (١) ، وليس بحجة لسوء حفظه وكثرة غلطه . قال القاضى : وما فى الحديث إنما هو حد فى أكثر (٢) ذلك، والمستحب تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة وإلا فلا تحديد فيه عند العلماء ، إلا أنه إذا كثر ذلك وطال من شارب أو شعر إبط قصَّه وأزاله . وقوله: ((أحفوا الشوارب)) بألف مهموزة (٣) ، وأمر بإحفاء الشوارب، قال الهروى: أى يلزق جَزَّها ، قال الخطابي: ويكون بمعنى الاستقصاء يقال : أحفى شاربه ورأسه (٤) ، قال ابنُ دريد : يقال : حفا شاربة يحفوه حفوًا إذا استأصل أخذ شعره ، ومنه قوله : ((أحفوا الشوارب)). ذكر مسلم فى حديث أبى هريرة: (( جُزُوا الشوارب)) ، كذا عند شيوخنا ، ووقع عند بعضهم: (( خذوا الشوارب)) ومعنى ذلك عند مالك: قصَّهُ ، كم جاء فى الحديث الآخر : بعض حديثه ، ومع هذا فقد أخرج له فى الأدب المفرد ، وما هو بالسيئ فى الحفظ كما ذكر القاضى ولا قال العقيلى ما نسبه القاضى إليه ، وغاية ما فيه أخذ ابن المبارك عليه مجالسته عوفًا ، إذ كان عنده قدريا شيعيا ، وترك يحيى بن سعيد الرواية عنه لأنه كان يستضعفه . الضعفاء الكبير ١ / ١٨٩ . وقد أسند إلى عيسى بن شاذان أنه سأل يحيى بن معين عن ترك يحيى بن سعيد القطان الرواية عنه فقال: كان يحيى القطان لا يكتب حديثه، وكان - يعنى جعفرا - عندنا ثقة. وكذا ذكر البزار . راجع: تهذيب التهذيب ٢ / ٩٥ . والخط من القاضى على جعفر إنما جاء اتباعًا منه لأبى عمر بن عبد البر انظر: الاستذكار ٢٦ / ٢٤٣. (٢) زيد بعدها فى الأصل لفظة ((من))، ولا وجه لها . (٣) فالفعل هنا ثلاثى والهمزة همزة وصل ، فيبتدأ بالضم لضم ثالثه . (٤) معالم السنن ١ / ٣١ . ٦٣ كتاب الطهارة / باب خصال الفطرة ٥٣ - ( .. ) وحدّثْناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد عَنْ مَالكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أبِى بَكْرِ بْنِ نَافِعِ، عَنْ أبِيِهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهُ؛ أَنَّهُ أَمَّرَ بِإِحْفَاء الشَّوَارِبِ وَإِعْفَاء اللَّحْيَّةِ. ٥٤ _ ( ... ) حدّثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعِ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّد، حَدَّثَنَا نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ: (( خَالفُوا الْمُشْرِكِينَ ، أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى )). ٥٥ _ (٢٦٠) حدّثَنِى أَبُو بَكْر بْنُ إِسْحَقَ، أخْبَرَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ، أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر، أخْبَرَنِى الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ - مَوْلَى الْحُرَقَةِ - عَنْ أبيه ، عَنْ أَبِی هُرَيْرَةً ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَهُ: (( جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وأرْخُوا اللَّحَى، خَالفُوا الْمَجُوسَ)). ((وقصُ الشارب))، وفى البخارى: ((أنهكوا الشوارب)) (١) ، وقد تأول على الوجهين على المبالغة وترك المبالغة . وقوله: ((واعفوا اللحى)) (٢) وفى رواية: ((أوفوا اللحى)) وهما بمعنى، أى اتركوها حتى تكثر وتطول . قال القاضى: وذكر مسلم فى حديث أبى هريرة: ((أرخوا اللحى))، كذا عند أكثر شيوخنا ، ولابن ماهان: ((أرجوا)) بالجيم ، قيل : معناه : أخروا ، وأصله أرْجؤوا ، فَسُهِّلَت الهمزةُ بالحذف ، وكان معناه : اتركوا فيها فعلكم بالشوارب ، وكله من معنى ما تقدم، وفى البخارى: ((وفّرُوا اللحى)) (٣). قال الإمام : قال أبو عُبيد فى إعفاء اللِّحى: هو أن تُوفَّرَ وتُكْثَر ، يقال : عفا الشىء إذا كثر وزاد ، وأعفيته أنا وعفا إذا درسَ ، وهو من الأضداد ، ومنه الحديث: (( فعلى الدنيا العفاء )) (٤) : أى الدروس ويقال : التراب. قال القاضى : يقال : عفوتُ الشَّعْرَ وأعفيتُه لغتان ، وكُرِهِ قَصُّها وحلقُها وتحريقُها ، وقد جاء الحديث بذم فاعل ذلك ، وسُنَّةُ بعض الأعاجم حلقُها وجزُها / وتوفير الشوارب ، ت ١١٨ / ب (١) البخارى فى اللباس ، ب إعفاء اللحى ( ٥٨٩٣). (٣) البخارى فى اللباس ، ب تقليم الأظافر (٥٨٩٠). (٢) فى المعلم : أمرنا بإعفاء اللحى. (٤) من حديث صفوان بن مُحْرِز وتمامه: ((إذا دَخْلتُ بيتى، فأكلتُ رغيفًا وشرِبْتُ عليه من الماء ، فعلى الدنيا العفاء)). النهاية في غريب الحديث ٣ / ٢٦٦. ٦٤ كتاب الطهارة / باب خصال الفطرة ٥٦ - (٢٦١) حدّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب، قَالُوا : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أبِى زَائِدَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَةَ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَِيْبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائشَةَ؛ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَّهُ: ((عَشْرٌّ مِنَ الْفِطْرَةِ : قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللَّحْيَةَ، وَالسَّوَاكُ، وَاسْتْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الأظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتَّفُ الْإِبْطِ ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ ، وَأَنْتَقَاصُ الْمَاءِ )). قَالَ زَكَرِيَّاءُ: قَالَ مُصْعَب : وَنَسِيتُ العَاشِرَةَ إِلا أَنْهْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ . وهى كانت سبرةُ الفرس (١) ، وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن ، ويكره الشهرةُ فى تعظيمها وتحليتها كما تُكره فى قصِّها وجزّها ، وقد اختلف السلف هل لذلك حَدٌّ ؟ فمنهم من لم يُحدِّد إلا أنه لم يتركها لحدِّ الشهرة ويأخذ منها ، وكره مالك طولها جدًا ، ومنهم من حدَّد ، فما زاد على القبضةِ فيزال ، ومنهم من كره الأخذ منها إلا فى حجٌّ أو عُمرةٍ ، وأمَّا الشارب فذهب كثير من السلف إلى استئصاله وحلقه بظاهر قوله: (( احفوا »، و ((انهكوا))، وهو قول الكوفيين ، وذهب كثير منهم إلى منع الحلق والاستئصالِ ، وقاله مالك ، وكان يرى حلقَه مُثَلَةً ويأمُرُ بأدب فاعله ، وكان يكره أن يأخُذَ من أعلاه ، ويذهب هؤلاء إلى أن الإحفاء والجزَّ والقصَ بمعنى واحد ، وأنه الأخذ منه حتى يبدُو الإطارُ ، وهو طرفُ الشفةِ ، وذهب بعض العلماء إلى التخيير فى الفعلين (٢) . والبراجم مفاصل الأصابع، وقد تقدَّم أنه عَّه أمر بغسل ما يجتمع على الجلد المتشنّج هنالك من الأوساخ لتغَضُنِها ، وفسَّر وكيع انتقاص الماء بالاستنجاء ، وقال أبو عبيد فى معناه : انتقاص البول بالماء إذا غَسَلَ مذاكيره به وقيل : هو الانتضاح به . قال الإمام : قال الهروى : الاستحداد حلق العانة بالحديد (٣) . قال القاضى : جاء فى الرواية الأخرى مفسَّرًا . (١) يشير بذلك إلى ما أخرجه ابن سعد فى الطبقات بسند رجاله ثقات ، عن عبيد الله بن عبد الله، قال : جاء مجوسى إلى رسول الله عَّ قد أعفى شاربه وأحفى لحيته، فقال له: ((من أمرك بهذا ؟)) قال : ربى، قال: ((لكن ربى أمرنى أن أحفى شاربى وأعفى لحيتى)). الطبقات ٢ / ١ / ١٤٧ . وانظر: أسباب ورود الحديث بتحقيقنا ٢٨٣ . (٢) راجع: الاستذكار ٢٦ / ٢٤١، قال: وفى رواية أشهب عن مالك قال : حلقُه من البدع. المجموع للنووى ١ / ٢٨٧، ٢٨٨ . (٣) غريب الحديث ١ / ٣٦، ٣٧، وينبغى مراعاة تفريق السنة بين الأمرين فى سنة صورة الإزالة إذ جعلت للعانة الحلق وللإبط النتف . ٦٥ كتاب الطهارة / باب خصال الفطرة زَادَ قُتََّةُ : قَالَ وَكِيعٌ : انْتِقَاصُ الْمَاءِ يَعْنِىِ الاسْتِنْجَاءَ . ( ... ) وحدّثناه أَبُو كُرَيْب، أخْبَرَنَا ابْنُ أبى زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مُصْعَب بْنِ شَيْبَةَ، فِىِ هَذَا الإِسْنَادِ ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَبُوهُ: وَنَسيتُ الْعَاشِرَةَ . وقوله: ((والاختتان)) هو عند مالك وعامة الفقهاء سنةٌ (١) ، وقِرانِه مع هذه السُنن وعدّه فى الفطرة (٢) حجةً لنا على من يحتج بالقرائن ، وهو هنا أجرى ، لنصِّه عليها أنها من الفطرة أجمع ، وفيه حجةً - أيضا - لمن لا يرى المضمضة والاستنشاق واجبتين لما ذكرنا، وقد ذكر عنه عَّهُ: ((الختان سنةً))، وذهب الشافعى إلى وجوب ذلك ، وهو مقتضى / قول سُحنون (٣) ، واحتج ابن سريج عليه بالإجماع على ستر العورة وتحريم ٥٩ / ب النظر إليها ، قال : فلولا أن الختان فرض لما أبيح النظر إلى عورة المختون ولا انتُهك هذا المحرَّم. وقد يجاب عن هذا بأن مثل (٤) هذا يُباح لمصلحة الجسم ونظر الطَبيب ومعاناة ذلك الموضع ، وليس الطبُّ بواجب إجماعًا فما فيه مصلحة دينه وتمام فطرته وشعار ملته أولى بذلك . (١) قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن إبراهيم أول من اختتن وقال أكثرهم : الختان من مؤكدات سنن المرسلين ، ومن فطرة الإسلام التى لا يسع تركها فى الرجال . وقالت طائفة : ذلك فرض واجب ، لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾ [ النحل: ١٢٣ ]، قال: قال قتادة : هو الاختتان ، وذهب إلى هذا بعض أصحابنا المالكيين إلا أنه عندهم فى الرجال . انظر : التمهيد ٢١ / ٥٩، المغنى ١١٦/١، والمجموع ١ / ٢٢٩ . (٢) قلت : لا يمتنع قرنُ الواجب بغيره، فقد قال تعالى فى سورة الأنعام: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَأَتُوا حَقْهُ يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١] قال النووى: والإيتاء واجب والأكل ليس بواجب ١ / ٥٤٣ . (٣) هو: أبو سعيد عبد السلام بن سعيد بن حبيب بن ربيعة التنوخى ، الفقيه المالكى ، انتهت إليه رئاسة العلم بالمغرب ، وقد أخذ المدونة عن ابن القاسم ، ونشر مذهب مالك بالمغرب . ولد عام ستين ومائة ، وتوفى عام أربعين ومائتين . وفيات الأعيان ٣ / ١٨٢ . (٤) فى الأصل : قبل ، والمثبت من ت . ٦٦ كتاب الطهارة / باب الاستطابة (١٧) باب الاستطابة ٥٧ _ (٢٦٢) حدّثنا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً وَوَكِيعٌ عَنِ الأعْمَشِ . ح وَحَدَّثْنَا يَحْنَى بْنُ يَحْنَى - واللَّفْظُ لَهُ - أخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عَّ كُلَّ شَىْءٍ، حَتَّى الْخِرَاءَةَ . قَالَ ، فَقَالَ : أجَلْ ، لَقَدْ نَهَانَا أنْ نَسْتَقْلَ الْقِبْلَةَ لِغَائط أوْ بَوْل ، أوْ أَنْ نَسْتَنْجِىَ بِالْيَمِينِ ، أَوْ أنْ نَسْتَنْجِىَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أحْجَارِ، أوْ أنْ نَسْتَنْجِىَ بِرَ جِيعٍ أوْ بِعَظُمٍ . وقوله: ((علمكم كلَّ شيء حتى الخراءة)) بكسر الخاء ، ممدودٌ ، وهو اسم فعل الحدث ، وأما الحدث نفسه فبغير تاء ممدود وبفتح الخاء وكسرها ، وبفتحها وسكون الراء أيضا ، وضم الراء فى هذا أيضا . وفى حديث سلمان هذا : (( نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول ، وأن نستنجى باليمين وأن نستنجى بأقل من ثلاثة أحجار ، وأن نستنجى برجيع أو عظم )) ، قال الإمام : اتفق المذهبُ على النهى عن استقبال القبلة أو استدبارها عند الغائط أو البول فى الفلوات واختلف فى جواز ذلك فى القرى والمدائن إذا لم تكن مراحيض مبنية على ذلك ، وظاهر المذهب أن المراحيض إذا كانت مبنيةً على شكل يقتضى استقبال القبلة واستدبارها أنه لا يُكلف الانحراف (١)، وقول أبى أيوب فى الحديث: ((فينحرف عنها ويستغفر الله)) (٢) يدل على أنه يرى الانحراف ولو كانت مبنيةً ، ووجه الخلاف الذى قدمناه عندنا فى استقبالها فى المدائن معارضة قوله عملة: ((لا تستقبل القبلة )) بفعله حين رآه ابن عمر على لبنتين ، فمن أنزل فعله منزلةَ قوله خصَّص عموم قوله بفعله ، ومن رأى أن الأقوال تقدّم على الأفعال لم يخص ويمنع (٣) ذلك فى المدائن ، وقد يتأول أيضا حديث ابن عمر أن اللبنتين كانتا مبنيتين ، وذلك من القسم الذى أشرنا إلى الاتفاق عليه من أصحابنا ، ويصح أن يبنى الخلاف من جهة المعنى على اختلافهم فى تعليل منع استقبال القبلة للبول فى الفلوات هل هو لحرمة القبلة أو للمصلين إليها من الملائكة ؟ فمن جعله لحرمة القبلة منعه فى المدائن على السطوح وفى الشوارع وإن كان مستترا بالحيطان ؛ لأن قبلتهُ إلى الحيطان ، ومن علله بالمصلين لم يمنع لوجود السواتر . واختلف عندنا فى كشف الفرج عند الجماع (١) المدونة ١ / ٧ . (٣) فى المعلم : ومنع . (٢) فى المعلم : ونحن ننحرف ونستغفر الله. ٦٧ .كتاب الطهارة / باب الاستطابة ( ... ) حدّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنَتَّى، حَدَّثَنَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأعْمَشِ وَنَّصُورِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبّدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَلَمَانَ؛ قَالَ: قَالَ لَنَا الْمُّشْرِكُونَ: مستقبل القبلة (١) ، هل ذلك كمثل استقبالها للبول والغائط ؟ وسببُ الخلاف : هل ذلك لأجل العورة أو لأجل الحدث ؟ فمن جعل العلة الحدث جعل الجماع بخلاف البول فى الاستقبال، وفى بعض روايات الحديث: ((ولكن شرقوا وغربوا )) وهذا محمول على أنه إنما خاطب قومًا لا تكون الكعبة فى شرق بلادهم ولا غربها ، ولعل كذلك الأمر فى مدينة الرسول عَّ . قال القاضى : قد قيل هذا / الحديث لأهل المدينة ومن وراءها من الشام والمغرب ؛ ت ١١٩ / أ لأنهم إذا شرقوا أو غربوا لم يستقبلوا القبلة ولم يستدبروها ، وإلى هذا نحا البخارى فى كتابه (٢)، وإلى ما ذهب إليه مالك من التفريق بين القرى والصَّحارى ذهب الشافعى (٣) تعويلا على تخصيص حديث ابن عُمَر ، وما جاء من الحديث بمعناه ، ولمالك قول آخر بالمنع فيهما إلا فى الكُنُف للمشقة فى الانحراف فيها ، واختُلِف على أبى حنيفة ، فمشهور مذهبه المنعُ فيهما - وهو قول أحمد وأبي ثور أخذًا بظاهر مجردِ النهى ، والأمر بالتشريق والتغريب ، وعن أبى حنيفة المنع فيهما فى الصحراء والاستقبال فى المدن دون الاستدبار ، وذهب ربيعةُ وداود إلى جواز ذلك فيهما ؛ اعتمادًا على حديث ابن عمر ، وأنه ناسخ لكونه متأخرًاً مع ما ورد بمثله (٤) ، وروى عن أبى حنيفة ــ أيضًا - جوازُ الاستدبار فيهما وإنما يُمنع فيهما الاستقبال وأما الاستدبار فبحكم (٥) أن المدينة ما بين بيت المقدس ومكة ، فاستقبال أحدهما استدبار الأخرى للحديث الوارد فى النهى عن استقبال القبلتين ، ولحديث ابن عمر؛ من أنه رأى النبى عَّه مستقبل بيت المقدس ، ولحديث جابر : أنه رآه قبل موته مستقبل القبلة لذلك ونحوه عن أبى قتادة ، وذهب النخعى وابن سيرين إلى منع استقبال القبلتين واستدبارهما ، وذهب بعض شيوخنا أن ظاهر المذهب جواز استقبالها فى القرى والمدائن واستدبارها من غير ضرورة إلى ذلك واستدل بلفظ محتملٍ وقع له فى المدَّونةِ (٦)، وقيل فى اطلاع ابن عمر : ليس من التجسُّسِ ، ولعلَّه من غير قصّدٍ ، أو يحتمل أنه قصد (١) فى المدونة ١ / ٧: (( أيجامع الرجل امرأته مستقبل القبلة فى قول مالك، قال : لا أحفظ عن مالك فيه شيئا وأرى أنه لا بأس به )) . (٢) فى كتاب الوضوء، ب لا نستقبل القبلة بغائط أو بول إلا عند البناء (١٤٤). (٣) راجع: المجموع للنووى ٢ / ٧٨ . (٥) فى ت : فحكم . (٤) المغنى ١ / ٢٢٠ . (٦) المدونة ٧/١. وقال مالك: إنما الحديث الذى جاء: ((لا نستقبل القبلة لبول ولا لغائط)) إنما يعنى بذلك فيما فى الأرض ، ولم يعن بذلك القرى والمدائن . ٦٨ كتاب الطهارة / باب الاستطابة إِنِّى أَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ، حَتَّى يُعَلِّمَكُمُ الْخِرَاءَةَ. فَقَالَ : أجَلْ ، إنَّهُ نَهَانَا أنْ يَسْتَنْجِىَ أحَدُنَا بَيَمينه، أوْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَهِى عَنِ الرَّوْثِ وَالْعِظَامِ، وَقَالَ: (( لا يَسْتَنْجِى أحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلاثَةٍ أَحْجَار)) . ذلك للتعليم والأمن (١) من الاطلاع على مالا يجب الاطلاع عليه ، إذ مقصده الاطلاع على توجه وجهه حين جلوسه ورؤية ظاهره لا غير ذلك ؛ ليستدل منه على مراده ، وقول أبى أيوب عنها: (( ونستغفر الله))، قيل : لعله لم يبلغه حديث ابن عمر . وقوله آخر الحديث: (( قال : نعم )) هو جواب سفيان ليحيى بن يحيى عن قوله : سمعتُ الزهرى يذكر عن عطاء ، على مذهب من يرى التقرير في العرض والقراءة على المُحِّدِّث ، وفى قول أبى أيوب أخذه بالعموم والقول بهِ . ٦٠ / ١ وقوله /: ((وأن يستنجى بيمينه)) وفى حديث آخر: ((يتمسَّح بيمينه )) وفى آخر : ((أن يستطيب بيمينه)) وكله بمعنى واحد سواء بالماء أو الحجارة ، فهو استنجاء لأنه إزالة النجوس ، أو تفسيره [ من ] (٢) قولهم : نجوت العود إذا قشرته، وكذلك معنى التمسّح وكذلك الاستجمار ، وقد تقدَّم وكذلك الاستطابة ؛ لأنه يطيب الموضع بفعله ويذهب عنه القذَرَ ، وفى حديث آخر : النهى عن مس الذكر باليمين . ت ١١٩ / ب قال الامام : فينبغى لمن أراد أن يستجمر من البول أن يأخذ / ذكره بشماله ثم يمسح به حجرا ليسلم على مقتضى الحديثين . قال القاضى : أمَّا من أمكنه حجرٌ ثابتٌ يتمسَّح به وأمكنه الاسترخاء حتى يتمسح بالأرض أو ما يمكنه التمسح به من ثابتٍ طاهرٍ جامد فنعم ، ولكنه قد لا يتهَّيأُ له ذلك ولا يمكنه فى كل وقت ، وإذا كان هذا ودعت ضرورة إلى الاستعانة باليمين ، فأولى ذلك أن يأخذ ذكره بشماله ، ثم يأخذ الحجر أو الخرقة أو العود أو ما يتمسَّح به بيمينه ، فيمسكه أمامه ، ويتناول بالشمال تحريك رأس ذكره ، ويمسحه بذلك دون أن يستعمل اليمين فى غير الإمساك ، فلا يكون ماسا ذكره بيمينه ولا مستنجيًا بها . وقد ذكر الخطابى وجهًا آخر ، وهو أن يجلس على الأرض ويمسك برجليه الشىء الذى يتمسَّح به ويتناول إمساك الذكر بشماله (٣) ، وهذا - أيضًا - لا يتهيأ فى كل موضعٍ ولا لكل بائل ، والأولى فيه ما ذكرناه وهو يتهيأ على كل حال ، وقد يتساهل الناس في التمسح بالحيطان ، وهو مما لا يجب فعله لتنجيسها ، ولأن للناس ضرائر فى الانضمام إليها لا سيما عند نزول الأمطار وبلل الثياب ، ولا يجب - أيضا - فى حيطان المراحيض لهذا ؛ (١) فى الأصل : والأول . (٢) ساقطة من الأصل . (٣) معالم السنن ١ / ٢٣ . ٦٩ كتاب الطهارة / باب الاستطابة ولأنها تتنجَّس من تكرار ذلك فيكون التمسح بها بعد من الاستجمار بالتنجس الذى لا يُطْهَرُ ولا يُعفَى عنه؛ ولأنه عَّهُ نهى عن الاستنجاء بالرجيع (١) لأنه يُزيد الموضع تنجسًا ، ويُدخِل عليه نجاسةً من خارج غير ضروريّةٍ ولا معفوّ عنها . وعلة النهى عن هذا إكرامًا للميامن ، وتخصيصها بأعالى الجسم وأفعال العبادات والمكرمات والأكل والشرب والسلام ، وتنزيهها عن مباشرة الأقذار والنجاسات والعورات . ومذهب مالك وعامَّةِ أهل العلم أن المستنجى بيمينه أساء واستنجاؤه جائز ، ومذهب أهل الظاهر وبعض الشافعية إلى أن الاستنجاء باليمين لا يجزئ ، لاقتضاء النهى فساد المنهى عنه ، وهو أصل مختلف فيه عند أرباب الأصول (٢) . وقوله: ((وأن يستجمر بأقل من ثلاثة أحجار)) (٣) ، قال الإمام: يحتج به من قال من أصحابنا : لا يقتصر على أقل من ثلاثة أحجار ، وإن حصل الإنقاء بدونها ، وهذا نحو ما ذكرنا من حجة من قال : تُغْسل اليد ثلاثًا قبل إدخالها فى الإناء وإن كانت نقيَّةً . قال القاضى : قد تقدم من هذا شىء فى أول الباب ، لكن فى حديث سلمان هذا من رواية ابن مثنى: (( لا يستنجى أحدكم بدون ثلاثة أحجار )) ، وهو أقوى حجة للمخالف ، وقد حمله شيوخنا على الندب لمبالغة النقاوة ، ولأنه أكثر ما يستعمل غالبًا، وَقَلَّ (٤) ما ينقى الواحد، أو / لاستعمالها فى المخرجين، وللحديث الآخر من قوله: (( فجئت ت ١٢٠ / أ بحجرين وروثة فاستنجى بالحجرين وألقى الروثة)) وللحديث الآخر: (( من فعل فقد (١) أبو داود فى سننه، ك الطهارة، ب ما ينهى عنه أن يستنجى به ١ / ٩ . (٢) حكى الآمدى اتفاق الشافعية على أن النهى عن الفعل لا يدل على صحته ، قال : ونقل أبو زيد عن محمد بن الحسن وأبى حنيفة أنهما قالا : يدلّ على صحته . الأحكام ٢ / ١٧٩ . واختيار المحققين من علماء الأصول أن النهى إن كان في العبادات فسدت، كالنهى عن صوم يوم العيد ، والنهى عن صوم أيام التشريق ، فالصوم فيها يبطل ، لأنه لا يتقرب إلى الله تعالى بما ينهى عنه ، ولأن العبادات تكليفات دينية تعلقت بها أوامر الله تعالى، فإذا تعلق مع ذلك بها نهيه فمعنى ذلك أن المؤدى غير المأمور به ، وإلا كان الأمر والنهى واردين على محل واحد فيكون التناقض . أما إذا كان النهى فى المعاملات فإنها لا تفسد ، كالنهى عن البيع وقت النداء للجمعة ، والنهى عن تلقى السلع فى الشراء ؛ لأن العقود ونحوها من الأمور العادية التى ترتبط بمعاش الناس وأعمالهم الدنيوية ، ولا يقصد منها التقربُ إلى الله تعالى، إنما هى من المباحات التى يتخيرها المكلف لصالح نفسه ، فلو وقع العقد حال النهى ترتبت عليه آثاره ، لأن الآثار تابعةٌ لتوافر الشروط والأركان ، بخلاف العبادات فآثارها تابعة للقبول من الله تعالى ، ولا يمكن أن يتحقق القبول مع النهى فى العبادات . أما الحنفية فقد ذهبوا إلى أن النهى لا يقتضى الفساد ، ما دام المنهى عنه قد استوفى شروط صحته وأركانه كاملة، فالنهى عن صوم يوم الشك لا يقتضى بطلان صومه بل يصح الصوم عنده مع الكراهة، والنهى عن صوم يوم العيدين وأيام التشريق لا يقتضى البطلان بل يصح الصوم مع التحريم . أصول الفقه: ١١٤ . (٣) فى المعلم : وأن يستجمر بثلاثة أحجار . (٤) فى ت : أقل . ٧٠ كتاب الطهارة / باب الاستطابة ٥٨ _ (٢٦٣) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَقَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يُّقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللّهِ عَّهُ أَنْ يُتَمَسَّحَ بِعَظُمِ أَوْ بِبَعَرِ . أحسن، ومن لا، فلا حرج)) (١) . وقوله: (( ثلاثة أحجار)): تعلق داود بنص النبى عَيده عليها أنه لا يجزئ الاستنجاء بغير الأحجار ، وعامة العلماء على خلافه ، ولكن مالكًا وغيره يستحب الحجارة وما فى معنى الحجارة ، وما هو من جنسها (٢). واستثناء النبى عَّهُ فى النهى عن الاستنجاء بالعظم والروثة وما خَصَّه مما نصَّ عليه يقابل تعلقهُم بتخصيص اسم الحجارة ، ولأن تعلق الحكم بالاسم لا يدُلُ على أن ماعداه بخلافه عند أكثر الأصوليين (٣)، وتعليله عَّه عند طرح الروثة بقوله: ((إنها رِكسٌ)) فبَيَّن علَّتها، ولم يقل: إنها ليست بحجرِ دَلّ أن لا اعتبار بالحجر نفسه ، لكن ذكره الأحجار لأنها أكثر ما يوجد ، ولأنه قد جاء فى حديث ابن عباس: (( أو ثلاث حثَيَاتٍ من ترابٍ أو ثلاثةِ أعواد )). وأما نهيه عن الاستجمار بالروثة والعظم والبعر، وفى رواية: ((والرِّمَّةِ)) قال الإمام: قيل فى علة منعه : لأجل أنه زادٌ للجن وعلفُ دوابِّهم ، وقيل : لأن الروثة تزيد فى نجاسة (١) أبو داود فى ك الطهارة، ب الاستتار فى الخلاء (٣٥). وأورده البيهقى فى معرفة السنن وقال: ((فهذا وإن كان قد أخرجه أبو داود فى كتابه فليس بالقوى ٤ ١ / ٨٦٨ . (٢) قال ابن عبد البر: قالت طائفةً من أصحابنا : إن الأحجار تجزئ ، وقال : قال مالك : تجوز الصلاة بغير الاستنجاء ، والاستنجاء بالحجارة حسَنٌ، والماء أحبُّ إليه، وقال الأوزاعى: تجوز ثلاثة أحجار ، والماء أطهر. الاستذكار ٢ / ٤٥ . (٣) تعلق الحكم بالاسم هو المسمى عند الأصوليين بمفهوم اللقب ، ويعنون به دلالة تعليق الحكم على اسم جامد على نفى الحكم عما عداه ، أو هو نفى الحكم عما لم يتناوله الاسم ، كما ذهب العضد ، ومثلوا له بقوله عي: ((فى الغنم زكاة))، فهل يدل على من يأخذ به على عدم الزكاة فى غير الغنم ؟ وجمهور العلماء على أن مفهوم اللقب ليس بحجة ، وخالف فى ذلك الدقاق وحكاه عن بعض الشافعية ابنُ فورك، وحكاه السهيلى فى (( نتائج الفكر)) عن أبى بكر الصيرفى، ونقله أبو الخطاب الحنبلى فى التمهيد عن منصوص أحمد ، قال : وبه قال مالك ، وداود ، وبعض الشافعية ، ونقل القول به عن ابن خويز منداد ، والباجى، وابن القصار، وحكى ابن برهان فى (( الوجيز )) التفصل عن بعض الشافعية . ومن قال بعدم حجته استدل بأن ذلك يفضى إلى سد باب القياس ، وعلى ذلك فالتنصيص على الأعيان الستة فى الربا يمنع جريانه فى غيرها . راجع: إرشاد الفحول ٣٨٢، الإحكام للآمدى ٣ / ٩٥، شرح مختصر ابن الحاجب ٢ / ١٨٢ أصول الفقه ١٢٠ . ٧١ كتاب الطهارة / باب الاستطابة ٥٩ _ (٢٦٤) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ. ح قَالَ : وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لُهُ - قَالَ: قَلْتُ لِسُفْيَانَ بْنِ عُبَيْنَةَ: سَمِعْتَ الزُّهْرِىَّ يَذْكُرُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْنِىِّ، عَنْ أَبِى أُيُّوبَ؛ أنَّ النَّبِىَّ ◌َّهُ قَالَ: ((إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِيَوْلِ وَلَا غَائِطِ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا)). قَالَ أَبُو أُّوبَ فَقَدِمْنَا الشَّامِ. فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ. فَتَتْحَرِفُ عَنّها وَنَسْتَغْفِرُ اللّهَ؟ قَالَ : نَعَمْ . المكان والعظم لا يُنقى لملوسته وعقْدُ ما يجزى الاستنجاء (١) [عندنا] (٢) به كلُ منقِ طاهر ليس بمطعوم ولا ذى حُرمةٍ ، فقولنا: مُنقِ احتراز من العظم والزجاج ، وقولنا : طاهر احترازا من النجس ، وقولنا : ليس بمطعوم احترازًاً من الأطعمة ، وقد يدخل فيه طعام الجن، وقولنا . ولا ذى حُرمة احترازا من حيطان المساجد وشبه ذلك ، وقد شذَّ بعض الفقهاء ولم ير الاستنجاء بالماء العذب ، [ وهو إنما بنى ] (٣) على أنه طعام عنده والاستنجاء بالطعام ممنوع. قال القاضى : زاد بعض شيوخنا فى صفة المستنجى به ألا يكون سَرَفًا ، احترازا من الجواهر النفيسة ، وأن يكون منفصلاً ، احترازًا من يد نفسه ، وأن يكون جامدًا ؛ لأن به يقع التجفيف ، ولأن الشىء الرطبَ والخرقةَ المبتلة أو الحجر المبتل وإن قلع النحوَ وأزاله، فإنه خرج عن حَدِّ المسح ولم يبلغ درجةَ / الغُسل فخرج عن بابه ، ولأن بما فيه من ٦٠ / ب رطوبة ينشر النجاسةَ عن محلها ، ووقع فى مسلم فى النهى عن الاستنجاء بالرجيع ، وهى العذَرَةُ لنجاستها ، والعلة فى ذلك ما تقدم من إدخالها بمباشرة رطوبة الموضع عليه نجاسةً خارجةً غير ضرورية ، وكذلك ذكر فى الأم فى بعض الروايات ، والرِّمَةِ وهى العظم البالى (٤)، وهى من معنى العظم ، وعلل العظم بعللٍ ، منها : ما جاء فى الحديث : أنه زاد الجن، ومنها : أنه من باب المطعومات / وماله حرمةٌ إذ تؤكل فى الشدائد ويُتمشمسُ (٥) ت ١٢٠ / ب مع الاختيار ، وأن الرّمَّة يريدُ بأنها تتفتت ولا تنقى ، وقيل : لملوسة العظم وصقالته وأنه لا ينقى، وقيل : لأنه لا يُعْرى من بقية دسم يبقي فيه يزيدُ المكان نجسًا . وفى بعض الأحاديث: ((والحُمَمَةُ)) وهى الفحم ، والعلة فيها - أيضا - ما جاء فى الأثر أنها من طعام الجن ، ولأنه لا صلابةً لأكثره ، بل يتفتت عند الاستنجاء به والضغط له ولا يقلع (١) فى ت : الاستجمار . (٣) فى المعلم : وهذا إنما هو بناء . (٥) فى ت : وينشههلى ، وهى غير مفهومة . (٢) من المعلم . (٤) الأم ١ / ٢٢ . ٧٢ كتاب الطهارة / باب الاستطابة ٦٠ - (٢٦٥) وحدّثنا أحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشِ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّاب حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنَ زُرَيْعٍ - حَدَّثَنَا رَوْعٌ عَنْ سُهَّيْلٍ، عَنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُول اللَّه عَّه؛ قَالَ : ((إذا جَلَسَّ أحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتَهِ ، فَلا يَسْتَقْبِلِ الْقَبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا » . ٦١ - (٢٦٦) حدّثْنَا عَبْدُ اللّه بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ تَعْنَب، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بلال .- عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنٍ يَحْيَى، عَنَّ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّنَ؛ قَالَ: كُنْتُ أَصَّى فِىِ الْمَسْجِدِ . وَعَبَّدُ اللّه بْنُ عُمَرَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْقَبْلَةِ، فَلَمَّا قَضَيْتُ صَلَاتِى انْصَرَفْتُ إِلَيْهِ مِنْ شِقِّى ، فَقَالَ عَبَّدُ اللّه: يَقُولُ نَاسٌ: إذَا قَعَدْتَ لِلْحَاجَةِ تَكُونُ لَكَ ، فَلا تَقْعُدْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَلاَبَيْتَ الْمَقْدَسِ. قَالَ عَبْدُ اللّه: وَلَقَدْ رَقِيتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ ، فَرَأيْتُ رَسُولَ اللّهِ عَ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلا بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، لَحَاجَتِهِ . ٦٢ - ( ... ) حدّثنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللّه بْنُ عُمَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ قَالَ : رَقِيتُ عَلَى بَيْتِ أخْتِى حَفْصَةَ ، فَرَأيْتُ رَسُولَ اللّهِ عَّهُ قَاعِدًا لحَاجَتَه، مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ، مُسْتَدِرَ الْقِيْلَةِ . الحدث كالتراب ويُلوث جسد الإنسان ويُسوِّدُه، والإسلامُ بُنى على النظافة ، واختلفت الرواية عن مالك فى كراهة هذا ، والمشهور عنه النهى عن الاستنجاء بها على ما جاء فى الحديث ، وعنه - أيضًا - إجازة ذلك، وقال: ما سمعت فى ذلك (١) بنهى عام ، وذهب بعض البغداديين إلى جواز ذلك إذا وقع بما كان وهو قول أبى حنيفة (٢) ، وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز ، وإليه نحا ابنُ القصار ، وهو قول الشافعى ، وقال بعضهم : لا يجزئ مما كان بحسِّ العين للعلة التى قدَّمنا ، وإليه نحا القاضى ابن نصر . وذكر مسلم حديث أحمد بن الحسن بن خراش قال : ثنا عمر بن عبد الوهاب ، ثنا يزيد بن ذريع ، ثنا روح ، عن سُهيلٍ ، عن القعقاع ، عن أبى صالحٍ ، عن أبى هريرة ، عن النبى معَّه قال: ((إذا جلس أحدُكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها))، قال الدارقطنى : هذا غير محفوظ عن سهيل وإنما هو حديث ابن عجلان حدَّث به عنه روحٌ (١) فى الأصل : بذلك. (٢) المغنى ١ / ٢١٥، ٢١٦، الاستذكار ٢ / ٤٢ . ٧٣ كتاب الطهارة / باب الاستطابة . وغيره (١) ، وقد ذكر حديث ابن عُمَر: لقد رقيتُ على ظهر بيت فرأيت رسول الله عَّة قاعدًا على لبنتين ... الحديث، إن قيل: كيف استجاز ابن عُمَر الاستكشاف على النبى ◌َُّ فى تلك الحال ؟ قيل : يحتمل أنه لم يقصد ذلك ، أو قصد من ذلك رؤية أعلاه ليستدل بصورة جُلوسِهِ هناك على فعله مع تحفّظِه من الاطلاع على غير أعلاه . (١) التتبع ١٦٩، وعبارته فيه . وإنما هو حديث ابن عجلان ، حدث به الناس عنه، منهم روح بن القاسم ، كذلك قال أمية بن يزيد . ٧٤ كتاب الطهارة / باب النهى عن الاستنجاء باليمين (١٨) باب النهى عن الاستنجاء باليمين ٦٣ _ (٢٦٧) حدّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، أخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ يَحْبَى بْنِ أبِى كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ أبيه؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَّه: (( لا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وهُوَ يَّبُولُ، وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنَ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَفَسْ فی الإناء » . ٦٤ - ( ... ) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ الدَّسْتَوَائِىِّ، عَنْ يَحْيَى ابْنِ أبِى كَثِيرِ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أبى قَتَادَةَ، عَنْ أبيه؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَهُ: ((إِذَا دَخَلَ أحَدُّكُمُ الَخْلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِيِهِ)) . ٦٥ - ( ... ) حدّثَنَا ابْنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا النَّقَفِىُّ عَنْ أُّوبَ، عَنْ يَحْبَى بْنِ أبِى كَثِيرِ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أبِى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ؛ أنَّ النَّبِىَّ ◌َّهُ نَهَى أنْ يَتَنَفَّسَ فىِ الإِنَاءِ ، وَأَنْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَأَنْ يَسْتَطِيبَ بِيَمِينِهِ . وقوله فى هذا الحديث: (( ونهى عن التنفس فى الإناء )): هو على طريق الأدب ومخافة التقرّز للغير لأجل ذلك ، كما نهى عن النفخ فى الشراب لذلك ومخافة ما لعله يخرج مع النفخ والنفس من البُصاق ورطوبةِ الأنف ، ويقع فى الشراب والطعام فيُتَقَذَّر لذلك ؛ ولأن ترداد النفس فى الإناء يبخره ويكسبه رائحة كريهةً ، وهو أحد معانى النهى عن اختناث الأسقية ، ويأتى تمامُهُ فى كتاب الأشربة . وهناك معنى الحديث الآخر : أنه كان يتنفس فى الإناء ثلاثا . . ٧٥ كتاب الطهارة / باب التيمن فى الطهور وغيره (١٩) باب التیمن فى الطهور وغيره ٦٦ - (٢٦٨) وحدّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّميمىُّ، أخْبَرَنَا أَبُو الأحْوَصِ عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أبيه ، عَنْ مَسْرُوق، عَنْ عَائِشَةَ ؛ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ لَيُحِبُّ التَّيَمَّنَ فِىِ طُهُورِهِ إذَا تَطَهَّرَ، وَفِىَ تَرَجُلِهِ إِذَا تَرَجَّلَ ، وَفِى انْتِعَالِهِ إِذَا انْتَعَلَ . ٦٧ - ( .. ) وحدّثْنَا عُبَيْدُ اللّه بْنُ مُعَاذ، حَدَّثَنَا أبى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأشْعَث، عَنْ أبيه، عَنْ مَسْرُوق ، عَنْ عَائشَةَ ؛ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِيَّهُ يُحِبُّ التَّيَمِّنَ فى شَأْنَهِ كُلِّهِ، فِىِ نَعْلَيْهِ ، وَتَرَجُلِهِ، وَظُهُورِهِ. وقوله: ((كان يحب التيمن فى شأنه كله)) : تبركًا باسم اليمين ، وإضافة الخير إليها، قال الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ (١) وقال: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾(٢) ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ (٣) ولما فى معناه من اليمن . (١) مريم : ٥٢ . (٣) الحاقة : ١٩ والانشقاق : ٧ . (٢) الواقعة : ٢٧ . ٧٦ كتاب الطهارة / باب النهى عن التخلى فى الطرق والظلال (٢٠) باب النهى عن التخلى فى الطرق والظلال ٦٨ - (٢٦٩) حدّثنا يحيىَ بْنُ أَيُوبَ وَقُتَيِّبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، قَالَ ابْنُ أُوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أخْبَرَنِى الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ ؛ أنَّ رَسُولُ اللّهِ عَِّ قَالَ: ((اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ)) قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللّه؟ قَالَ: ((الَّذِى يَتَخَلَّى فىِ طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِى ظِلّهِمْ )) . وقوله /: ((اتقوا اللاعنين)) وتروى ((الَّلَّعانين)) وفسَّر ذلك بالتخلى فى طريق الناس ت ١٢١ / أ أو ظلهم (١) التخلى مأخوذ من الخلاء وهى عبارة عن الستر والتفرد لقضاء الحاجة والحدث، وسُمِّتِ اللاعنين ، أى تجلبان اللعن لفاعلها ؛ لأن مثل ذلك مأخوذ من جوادّ ، وظلال المناهل مُسْتراح الناسِ ومُتْردّدُهم لمنافعهم ، فمن وجد فيها القذر ونكِدَ عليه تصرّفُه فيه لعن فاعله، وفى الحديث الآخر فى غير الأم: ((اتقوا الملاعن الثلاث)) (٢)، وذكر هذين والثالث الموارد ، وهى ضفة النهر ومشارع المياه ، وقد يكون اللاعنان هنا بمعنى الملعونين ، أى الحالتين الملعونتين والملعون فاعلهما، كما قال : ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ (٣) أى مرضية. (١) فى الأصل : ظلمهم . (٢) أبو داود فى السنن، ك الطهارة، ب المواضع التى نهى النبى عَّه عن البول فيها ١ / ٦، وأحمد فى المسند ١ / ٢٩٩، ولفظ أبى داود عن معاذ: ((البراز فى الموارد، وقارعة الطريق، والظل)). (٣) القارعة : ٦ . ....- ٧٧ كتاب الطهارة / باب الاستنجاء بالماء من التبرز (٢١) باب الاستنجاء بالماء من التبرز ٦٩ - (٢٧٠) حدّثنا يَحَْى بْنُ يَحْتَى، أخْبَرَنَا خَالدُ بْنُ عَبْد اللّه عَنْ خَالد، عَنْ عَطَاء ابْنِ أبِى مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك؛ أنَّ رَسُولَ اللّهَ ◌َّهُ دَخَلَ حَاتِطًا. وَتَبَعَّهُ غُلامٌ مَعَةً مَيْضَةٌ هُوَ أَصْغَرْنَا - فَوَضَعَهَا عِنْدَ سِّدْرَةٍ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ عَّهِ حَاجَتَهُ فَخَرَجَ عَلَيْنَا وَقَدٍ اسْتَنْجِى بِالْمَاءِ . ٧٠ - (٢٧١) وحدّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكَيْعٌ وَغُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَى - واللَّفْظُ لَّهُ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَطَاءِ وفى الحديث: ((أنه عَّهِ دخل حائطًا واتَّبعه غلام معه ميضأةٌ))، وذكر فيه: ((أنه استنجى بالماء)) . الميضأة إناء يُستعمل للوضوء مثل المطهرة ، وقيل : هى ما يسع قدر ما يتوضأ به ، واستحب بعض الناس ألا يتوضأ إلا من الأوانى ولا يتوضأ من المشارع والغدُرُ، إذ لم يرد ذلك عن النبى ◌َّ، ولا أصل له فى هذا، ولم يرد أن النبى معَّه وجدَها فعَدَل عنها إلى الأوانى . قال الإمام : اختلف الناس ، ما المستحب فى (١) الاستنجاء ؟ فقال بعضهم : الماء ، وقال بعضهم : الأحجار ، وقال بعضهم: [ الأولى ] (٢) الجمع بينهما (٣) ، فالحجر لإزالة العين ، والماء لإزالة الأثر . قال القاضى : واختلف فى الاستنجاء ، هل هو فرض بنفسه أو من باب زوال النجاسة (٤) ؟ فمذهب مالك أنه من باب إزالة النجاسة وليس بفرض وأنه سُنةً لا ينبغى تركُها (٥) ، حكاه ابن القَصَّار . واختلفت عبارة أصحابه فى ذلك وفى حكمها فى الصلاة، وذهب الشافعى وأحمدُ وأبو ثور إلى وجوب الاستنجاء وإزالة سائر النجاسات ، وحكى عبدُ الوهاب وجوبَ ذلك عن مالك أيضًا ، وقال أبو حنيفة : الاستنجاء ليس بفرضٍ (٦)، قال : وإزالة غيره من النجاسات فرض ، ثم اختلف أصحابنا ، هل إزالتها شرط فى صحة الصلاة أم لا ؟ وهل يلزم الإعادة من صلى بها أبدًا أم لا ؟ وهل هى شرط مع الذكر والنسيان أم مع / الذكر فقط (٧) ؟ ٦١ / أ (١) فى جميع نسخ الإكمال : من ، والمثبت من المعلم . (٢) من المعلم . (٤) المغنى ١ / ٢٠٦ . (٦) المغنى ١ / ٢٠٦ . (٣) فى المعلم : بين ذلك . (٥) المنتقى للباجى ١ / ٤١ . (٧) المغنى ١ / ٢٠٦، ٢٠٧ . ٧٨ كتاب الطهارة / باب الاستنجاء بالماء من التبرز ابْنِ أبِى مَيْمُونَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بْنَ مَالك يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ، فأحْمِلُ أَنَا ، وَغُلَامٌ نَحْوِى ، إِدَاوَةً مِنْ مَاء ، وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِى بِالْمَاءِ . ٧١ - ( ... ) وحدّثْنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْب - واللَّفْظُ لِزُهَيْر - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُلَيَّةَ - حَدَّثَنِى رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ عَّطَاءِ بْنِ أبِى مَيَّمُونَةً، عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالك ؛ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ يَتَبَرَّزُ لِحَاجَتَهِ ، فَآتِهِ بِالْمَاءِ ، فَيَتَغَسَّلُ بِهِ . وفى هذا الحديث خدمة العالم والفاضل والخيِّر فى حوائجه وحملان العنزة معه فى هذا الحديث . وقال المهلب : لأنه كان عَّه متى استنجى توضأ ، ومتى توضأ صلى ، فكانت العنزة لسُتْرتِه فى الصلاة ، حيث أخذته ، وقد يكون لحضور السلاح معه فى كل وقت لما عساه يحتاج إليه ، فقد كان اليهود والمنافقون يَرومون قتله واغتياله بِكُلِّ حيلةٍ ، والعَنَزَةُ رُمح قصيرٌ ، وقيل : عصًا فى طرفها زُج . ومن أجل هذا الحديث اتخذ الأمراءُ المشى أمامهم بالحربة . وقوله: (( يتبرَّز لحاجته)) : أى يأتى البراز ، وهو المكان الواسع الظاهر من الأرض ؛ ليخلو به لحاجته ويستتر لحدثه ، وبذلك سمى الحدث كما سمى الغائط - أيضًا - بذلك، وجاء فى هذه استنجاء النبى عَّه بالماء. وأحاديثه فى ذلك كثيرةً صحيحة، وكان النبى عَّه يأتى من الأمور أفضلها ومعاليها ، فدل أن الاستنجاء بالماء أفضل من الاقتصار على الأحجار، وهو مذهب الأنصار ، وبه أثنى الله عليهم بالطهارة وأنه يحب المتطهرين ، ومن ذهب إلى الجمع بينها وبين الأحجار ، جاء بأتم الأمور من التنزه عن مباشرة القذر بيده وبين (١) تحلل بقاياه بإلقاء الماء أوَّلاً، وانتشاره برطوبته عن موضعه، والحاجة إلى كثرة صب الماء والعرك لغسله ، فإذا أزال العين بالأحجار وبقى الأثر والحكم أزاله يسير الماء والغسْل، وما روى عن النبى عَّه من استعمال الأحجار ففى مواضع عدَم الماء وتعذّره فى الأسفار ، وقد يحتمل استعمال الماء مع ذلك ، والله أعلم . قال الأصيلى فى حديث أنس هذا: وقوله: (( يستنجى بالماء)) [ أن] (٢) الاستنجاء ليس بالبيِّن فى الحديث ؛ لأنه ليس من قول أنسٍ ، وإنما هو من قول أبى الوليد الطيالسى(٣)، وقد رواه سليمان بن حرب عن شعبة، وليس فيه: ((يستنجى بالماء))، فيحتمل أن حمل الماء كان لوضوئه ، قال محمد بن أبى صُفْرة : قد تابع أبا الوليد على (١) فى ت : ومن . (٢) ساقطة من الأصل . (٣) هو هشام بن عبد الملك الباهلى ، الإمام الثقة ، ولد عام ثلاث وثلاثين ومائة ، وتوفى عام سبع وعشرين ومائتين . روى عنه البخارى مائة وسبعة أحاديث . ٧٩ كتاب الطهارة / باب الاستنجاء بالماء من التبرز قوله فيه: (( يستنجى )) غيرُه . قال القاضى : وقد ذكر مسلم عن خالدٍ ووكيع وغندر عن شعبة قوله: (( فيستنجى بالماء)) وفى بعضها: ((فخرج علينا رسول اللَّه عَّه وقد استنجى بالماء))، وهذا من قول أنسٍ بغير شكٍ، وذكر من رواية روح عن عطاء عن أنسٍ: (( كان رسول الله عَّه يتبرز لحاجته فأتيته بالماء فيغتسلُ)). قال أبو عُمَر: والفقهاءُ اليوم مجموعين على أن الماء أطهر وأطيبُ، والأحجار توسعةٌ ورخصةٌ فى الحضر والسفرِ (١) ، وقال ابن حبيبٍ - ومثله المالك - : قد تُرِك الاستجمارُ ورجَع العمل إلى الماءِ . قال ابن حبيب : ولا تجيزُ اليومَ الأحجارَ ، ولا نبيحُ الفتوى بذلك إلا لمن عدَم الماء ، وهذا لا يُسلَّمُ له ، إذ عُلِمَ - من السلف استعمالُ ذلك مع وجود الماء (٢) . (١) الاستذكار ٢ / ٢٣٣، ولفظه هناك: ((والأحجارُ رخصةٌ وتوسعةٌ، وأن الاستنجاء بها جائز فى السفر والحضر)) . (٢) وذلك لقول المغيرة: ((فجاء رسول الله عَّه فسكبتُ عليه الماء، فغسَل وجهه)) فلم يذكر أنه استنجى بالماء. قال أبو عمر : وفى الآثار كلها أن الإداوة كانت مع المغيرة وليس فى شىء منها أنه ناولها رسول الله فذهب بها، ثم لما انصرف ردها إليه. السابق ٢ / ٢٣٢ . ٨٠ كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين (٢٢) باب المسح على الخفين ٧٢ _ (٢٧٢) حدّثَنَا يَحْبَى بْنُ يَحْتَى التَّمِيمِىُّ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَأَبُو كُرَيْبٍ . جَمِيعاً عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِ شَيْبَةً، حَدَّثْنَا أَبُو مُعَاوِيَةً وَوَكِيعٌ - وَاللَّفْظُ لَيَحْتَى - قَالَ : أخْبَرَنَا أبُو مُعَاوِيَّةً عَنِ الأعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ ؛ قَالَ : بَالَ جَرِيرٌ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُقَيْهِ، فَقِيلَ: تَفْعَلُ هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ تَّ بَالَ، ثُمَّتَوَضَّأْ وَمَسَحَ عَلَى خُفَيْهِ . قَالَ الأعْمَشُ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ : كَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لأنَّ إِسْلامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ وو نُزُولِ المَائِدَةِ . ذكر المسح على الخفين قال الإمام: [ اختلف قول مالك - رحمه الله ] (١) فى المسح على الخفين ، فروى عنه قولةً شاذةً أنه لا يمسح فى سفر ولا حضرٍ (٢)، ورُوى عنه أنه يمسح فيهما (٣) ، وروى عنه المسح (٤) فى السفر خاصة (٥) . فأما القول بأنه لا يمسح جملةً فإن المالكيةَ لا يُعرِّجون عليه ولا يكادُ كثير منهم يعرفُه ، وأظن أن صفة ما روى فيه عن مالك أنه قال : لا أمسح، فإن كانت الرواية هكذا فقد يتأول على أنه إنما اختار ذلك فى خاصة نفسه لا أنه يُنكر جواز ذلك، وإن كان لفظ الرواية تقتضى إنكار جواز المسح [ فى السفر ] (٦) فإنه يكون وجهه التمسك بالآية وتقديمها (٧) على أحاديث المسح، وقد أشار مالك - فيما رُوى عنه - إلى (١) من المعلم . (٢) المنتقى للباجى ١ / ٧٧، وذكر فيه: وقد قال الشيخ أبو بكر فى شرح المختصر الكبير أنه روى عن مالك: لا يمسح المسافر ولا المقيم ، فإن صحت هذه الرواية فوجهها أن المسح منسوخ كما ذكر بعد ذلك عن ابن وهب أنه قال: ((آخر ما فارقته على المسح فى السفر والحضر)). وقال ابن عبد البر : وقد روى عن مالك إنكار المسح على الخفين فى السفر والحضر ، وهى رواية أنكرها أكثر القائلين بقوله والروايات عنه بإجازة المسح على الخفين فى الحضر والسفر أكثر وأشهر ، وعلى ذلك بنى موطأه ، وهو مذهبُه عند كل من سلك اليوم سبيله ، ولا ينكِرُه منهم أحدٌ ، والحمد لله ، الاستذكار ٢ / ٢٣٧ . (٣) فى المعلم : عليهما فى السفر والحضر . (٥) فى المعلم : فى السفر ولا فى الحضر . (٧) فى المعلم : وتقدمتها . (٤) فى المعلم : أنه يمسح عليهما . (٦) من المعلم .