النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
كتاب الطهارة / باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء
(١١) باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء
٣٢ - (٢٤٤) حدّثنا سُوَيّدُ بْنُ سَعِيد عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهر -
وَاَللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبِ عَنْ مَالَكِ بْنِ أَنَسِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ ، عَنْ
أَبِيه، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رَّسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ : ((إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ - أَوْ الْمُؤْمِنُ -
فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةِ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَهِ مَعَ المَاءِ (١) - أَوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرٍ
الْمَاءِ - فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِّنْ يَدَيّهِ كُلُّ خَطِيئَةً كَانَ بَطَنَّتَهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرِ
قَطْرِ الْمَاءِ - فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطَيْئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرِ
قَطْرِ المَاءِ - حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيَا مِنَّ الذُّنُوبِ)) .
وقوله : ((إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن)): هو - والله أعلم - شكٌّ من الراوى وفيه
دليل على تحرى المجىء بلفظ الحديث لتحريه هذا، وإن كانا متقاربين فى المعنى، لا سيما هُنَا .
وقوله: (( فغسل وجهَه خرج من وجهه كل خطيئة نظر بعينه مع الماء )) : تقدَّم ، وأنه
على جهة الاستعارة ، لغفرانِها معَه لأنها ليست بأجسامٍ فتخرج ولا هى كامنةٌ فى الجسم
فتخرج .
وذكر هنا من حديث [ أبى صالح ] (٢) عن أبى هريرة من رواية مالك خروج خطايا
الوجه وسائر خطايا الأعضاء منها ولم يذكر من حيث تخرج ، من مسامِّها ، إلا قوله فى
حديث عثمان: (( حتى تخرج من تحت أظفاره )) ، وقد وقع فى الموطأ مفسرا خروجها عند
المضمضة من فيه ، وعند الاستنشاق خروجها من أنفه ، وإذا غسل وجهه خرجت من
وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه ، وفى يديه حتى تخرج
من تحت أظفار يديه ، وفى رأسه حتى تخرج من أذنيه ، وفى رجليه حتى تخرج من أظفار
رجليه)) ، فعلى ما فى كتاب مسلم يتأول أن المغفور له بالوضوء الخطايا المختصة بأعضاء
الوضوء، ولكن قوله فى أخرى: (( حتى يخرج نقياً من الذنوب )) ظاهره العموم ،
(١) معنى ((نظر إليها)): أى إلى سببها، من إطلاق المسبب على السبب، وكذا فى البواقى، وتخصيص
العين وفى الوجه غيرها كالفم والأنف لأن خيانة العين أكثرها فإذا خرج الأكثر خرج الأقل ، فالعين كالغاية
لما يعفى، وقيل: لأن العين طليعة القلب ورائده، فإذا ذكرت أغنت عن غيرها. إكمال ٢ / ٢٤.
(٢) سقط من ت .

٤٢
كتاب الطهارة / باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء
٣٣ _ (٢٤٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَر بْنِ رِبْعِىِّ الْقَيْسِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ
الْمَخْزُومِىُّ، عَنْ عَبْد الْوَاحِد - وَهُوَ ابْنُ زِيَاد - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ
ابْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ حُمْرَانَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّانَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَثُ: (( مَنْ تَوَضَّأَ
فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ)) .
٠٠
ويحتمل الخصوص لما ذكرنا ، أو يكون العُموم بقرائن من الإخلاص والإحْسَان ، واستدل
ت ١١٤ /ب بعضُهم من هذا الحديث على ترك الوضوء بالماء المستعمل ، وسُمى / المستعملُ ماء الذنوب
لهذا الحديث (١) ، وهذا ضعيف لما تقدَّمَ ، وأطلق أبو حنيفة عليه النجاسة ، وعندنا فى
استعماله وجهان ، واختلف فى التأويل عن مالك فى النهى عن الوضوء به هل هو على
الكراهة أو عدم الإجزاء ؟ وقد وقع له يتيمم من لم يجد سواه (٢) وتأويل هذا - أيضاً -
على ظاهره أو على الجمع بينهُ وبين التيمَّم ، وفى حديث الموطأ حجةً لنا أن الأذنين من
الرأس لتخصيصه إضافة خروج خطاياه إليها ولم يضفه إلى الوجه كما خَصَّ خطاياه كُلِّ
عضو ببعضِه ، وردّ على من ذهب إلى أنهما يغسلان مع الوجه .
وقال مُسلم: (( ثنا محمد بن معمرُ بن ربعى القيسى ، ثنا أبو هشام (٣) المخزومى عن
عبد الواحد [ بَن زياد ] (٤))) كذا لابن عيسى والشنتجالى ، وعند سائر شيوخنا والرواة :
أبو هاشم (٥)، [والأول الصوابُ] (٦)، وقال البخارى فى تاريخه : أبو هشام المخزومى
اسمه المغيرة بن سلمة البصرى (٧) سمع عبد الواحد بن زياد ، وكذا كنَّاه عبد الغنى بن
سعيد ، وفى كتاب القاضى أبى الوليد الباجى : أبو هاشم مصلح .
(١) عزاه ابن عبد البر إلى الثورى. الاستذكار ١٩٩/٢.
(٢) قال ابن عبد البر: اختلف الفقهاء فى الوضوء بالماء المستعمل، وهو الذى قد تُوُضئ به مرَّةً . فقال الشافعى
وأبو حنيفة وأصحابهما : لا يتوضأ به ، ومن توضَّأ به أعادَ ، ليس بماء مطلق ، وعلى من لم يجد غيره
التيمم ؛ لأنه ليس بواجد ماءً. وهو قول الأوزاعى . قال: وقد رُوى ذلك - أيضاً - عن مالك أنه يجوز
التيمم لمن وجد الماء المستعمل ثم قال: وأما مالك فقال: لا يتوضأ به إذا وجد غيرَه من الماء ، ولا خيرَ فيه .
ثم قال: إذا لم يجد غيرَه توضَّأ به ولم يتيمم ، لأنه ماءٌ طاهرٌ ، ولم يغيرّهُ شىء . وقال أبو ثور وداود :
الوضوءُ بالماء المستعمل جائزٌ ؛ لأنه ماءٌ طاهرٌ، لا ينضافُ إليه شىءٌ فواجبٌ أن يكون مطهِّراً كما هو طاهر ؛
لأنه إذا لم يكن فى أعضاء المتوضِّئ به نجاسةٌ فهو ماءٌ طاهرٌ بإجماع .
قال : وقد روى عن علىَّ وابن عمر ، وأبى أمامة ، وعطاء بن أبى رباح والحسن البصرى ، وإبراهيم
النخعى ، ومكحول ، وابن شهاب أنهم قالوا فيمن نسى مسح رأسه فوجد فى لحيته بللاً أنه يجزئُه أن يمسح
بذلك البلل رأسه . وقال بذلك بعض أصحاب مالك ، فهؤلاء على هذا يجيزون الوضوء بالماء المستعمل .
الاستذكار ٢ / ١٩٩ .
(٣) فى ت : أبو هاشم .
(٤) سقط من ت .
(٦) سقط من ت .
(٥) فى ت : أبو هاشم المخزومى ، وكأنه كرر الأولى .
(٧) التاريخ الكبير ٧، الترجمة ١٤٠٤، وانظر: التاريخ الصغير له ٢ / ٢٨٨، والجرح والتعديل ، الترجمة
١٠٠٣، وابن حبان فى الثقات ٩ / ١٦٩.
روى له البخارى فى الأدب واستشهد به فى الصحيح ، وروى له الباقون .

٤٣
سـ
كتاب الطهارة / باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل فى الوضوء
(١٢) باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل فى الوضوء
٣٤ - (٢٤٦) حدّثنى أُبُو كُرَيْب مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَالقَاسمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ دينَار
وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا خَالدُ بْنُ مَخْلَد عَنْ سُلَيْمَانَ بْنُ بِلَال، حَدَّثَنَى عُمَارَةُ بْنُّ
غَزِيَّةَ الأَنْصَارِىُّ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْد الله الْمُجْمَرَ ؛ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ
وَجَهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِى العَضُدِ، ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى حَتَّى
أَشْرَعَ فِى الْعَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِى السَّاقِ، ثُمَّ
غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِى السَّاقِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِعَّهِ يَتَوَضَأَ .
وَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ: (( أَنْتُمُ الْغُرُّالْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ ، فَمَنِ
اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ)) .
٣٥ - ( .. ) وحدّثَنِى هَرْوَنُ بْنُ سَعيد الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو
وقوله: ((أنتم الغُرُّ المحجَّلُون يوم القيامة))، وقوله: ((تردون علىَّ غُرا محجلين من
أثر الوضوء))، قال الإمام: قد استوفى عَّ فى قوله: ((غرا محجلين)) جميع أعضاء
الوضوء ؛ لأن الغُرَّة بياضٌ فى جبهة الفرس ، والتحجيل بياض فى يديه ورجليه ، فاستعار
للنور الذى يكون بأعضاء الوضوء يوم القيامةِ اسم الغُرَّةِ ، والتحجيل على جهة التشبيه .
قال الهروى : روى عن أبى عمرو بن العلاء فى تفسير غُرَّة الجنين أنه لا يكون إلا الأبيض
من الرقيق (١)، قال: وأما الأيامُ الغُرّ التى روى عن رسول الله عَّه صومُها فهى البيض.
قال القاضى: وقوله: ((ليست لأحدٍ غيركم)) قال غير واحد من أهل العلم: إن
الغُرَّة والتحجيل مما اختصت به هذه الأمة ، وهذا الحديث يدل على ذلك ، ولقول
النبىِ مَّهِ: ((إنَّ بها يعرفُ أمَّته من غيرها)).
وقوله : ((لو كانت لرجُلٍ خيلٌ غرٌّ محِجَّلةٌ فى خيل دُهْمٍ بهْم ، ألا يعرف خيلَهُ ؟))
قال : الأصيلى وغيره : هذا الحديث يدلُّ أن الوضوء مما اختصت به هذه الأمة (٢) ،
(١) غريب الحديث ١ / ١٧٦، وقد ذكر أن الغرة عبد أو أمة، وأما قصره على الأبيض من الرقيق ففى الفائق
٣ / ٣٥٣ مرويا عن أبى عمرو بن العلاء.
(٢) ويؤكده حديث أبى هريرة الآتى برقم (٣٦) بالباب ((لكم سيما ليست لأحد من الأمم)).

٤٤
كتاب الطهارة / باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل فى الوضوء
ابْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِلالٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ؛ أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَأْ ،
فَفَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ حَتّى كَادَ بَبْلُغَ الْمُنْكِبَيْنِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهِ حَتَّى رَفَعَ إِلَى السَّاقَيْنِ، ثُمَّ
قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عَّهُ يَقُولُ: ((إنَّ أُمَّتَّى يَأْتُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ
الْوَضُوء، فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ )) .
١
٣٦ - (٢٤٧) حدّثنا سُوَيِّدُ بْنُ سَعيدٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ. جَمِيعًا عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِىِّ .
قَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ أَبِى مَالِكَ الأَشْجِعِىِّ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ أَبِى حَازِمِ،
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ تَّهِ قَالَ: (( إنَّ حَوْضَى أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةً مِّنْ عَدَنَ لَهُوَ أَشَّدُّ
بَيَاضًا مِنْ الثَّجِ، وَأَخْلَى مِنْ الْعَسَلِ بِاللََّنِ، وَلَنِيُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ، وَنِّى لِأَصُدُّ
وعارضه غيره بقوله عَّه: ((هذا وضوئى ووضوء الأنبياء قبلى)) (١)، وذهب إلى أنَّ اختصاص
الأمة بالغُرَّة والتحجيل لا بالوضوء، لهذا الحديث ، وقد ضعَّفَ هذا الحديث ، وأيضاً قد
يحتمل أنه اختصت به الأنبياء دون سائر أمَمِها إلا أمةُ محمد عَّهِ .
وقوله : (( فمن استطاع منكم أن يطيل غُرَّتَه فليفعل)) : ذهب أبو هريرة إلى أن
تطويل الغُرَّةِ فى العُضو والزيادة فيه على الفرض ، فذكر فى الأم أنهُ كان يَشْرَعُ فى العَضْدِ
وفى الساق ، وحتى كاد يبلغ إبطيهٍ وحتى كاد يبلغ إلى الساقين ، وكان يقول : أحبُّ
٥٧ / ب أطيل غرتى، وكان يقول - أيضاً -: ((تبلغُ الحليةُ حيثُ يبلغ الوضوء)» ويرفعَه / إلى
النبى ◌َّه ولم يُتَابَع عليه ، والناس مجموعون على خلاف هذا (٢) ، ولا يُتعدى بالوضوء
حدوده لقوله ◌َّه: ((فمن زاد فقد تعدى وظلم))، وتتأوَّلُ الاستطاعة على تطويل الغُرَّةِ
والتحجيل بالمواظبة على الوضوء لكل صلاة وإِدَامَته ، فتطول غُرَّته بتقوية نور أعضائه
وتضاعف بهاءه ، وإلا فلا زيادة فى الوجه ، واتباع تأويل أبى هريرة أدَّى بعض الشارحين
(١) قال فيه ابن عبد البر: وهو منكر لأن فيه: (( لما توضأ ثلاثًا ثلاثًا قال هذا وضوئى ووضوء خليل الله إبراهيم
ووضوء الأنبياء قبلى))، وقد توضأ عليه السلام مرةً مرَّةً، ومرتين مرتين ، ومحالٌ أن يُقْصِّرَ عن ثلاث لو
كانت وضوء إبراهيم والأنبياء قبله، وقد أمر أن يتّبع مِلَّة إبراهيم . الاستذكار ٢ / ١٨٢ .
ثم إنه كما قال : لم يأتِ من وجه ثابت ، ولاً له إسنادٌ يحتج به ؛ لأنه حديثٌ يدور على زيد بن
الحوارىِّ العمِّى، وهو ضعيف جداً عند أهل العلم بالنقل . السابق ٢ / ١٨٠.
(٢) لم يستند فى الإشراع إلى فهمه، وإنما استند لفعله عَّه لقوله فى حديث أبى كريب: ((هكذا رأيته يتوضأ)»،
والإشارة إلى الفعل وصفته ، ولقوله فى آخر هذا الحديث: ((فمن استطاع منكم أن يطيل غُرَّتَه فليفعل ))
فإن الظاهر أنه من لفظه عَّه. ذكره الأبى، ثم قال: والإشراع وإن لم يثبت إلا من طريقه فزيادة العدل
مقبولة ، وإطالة غرة الوجه تمكن بغسل الوجه مع جزء من الرأس . إكمال ٢ / ٢٥ .

٤٥
كتاب الطهارة / باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل فى الوضوء
النَّاسُ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَعْرفُنَا يَوْمَئِذٍ؟
قَالَ: (نَعَمْ، لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنْ الأَمَمِ، تَرِدُونَ عَلَىَّ غُرّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوء)).
٣٧ - ( ... ) وحدّثنا أُبُو كُرَيْب وَوَاَصلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى - وَاللَّفْظُ لوَاَصل - قَالا:
حَدَّثَنَا ابْنُ فَضَيْل عَنْ أَبِى مَالِكِ الأَشْجَعِىِّ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ عَةُ: ((تَرَدُ عَلَىَّ أُمَّتَّى الْحَوْضََ. وَأَنَا أَذودُ النَّاسََ عَنْهُ. كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ إِيلَ
الرَّجُل عَنْ إبله )) . قَالُوا: يَا نَبِىَّ اللهِ، أَتَعْرِفُنَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ. لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدَ
غَيْرِكُمَّ . تَرَدُونَ عَلَىَّ غُرَّ مُحَجَلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ . وَلَيُصَدَّنَّ عَتِّىَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ فَلاَ
يَصلُونَ ، فَأَقُولُ: يَارَبِّ ، هَؤُلاءِ مِنْ أَصْحَابِى، فَيُجِيبُنِى مَلَكٌّ فَيَقُولُ : وَهَلْ تَدْرِى مَا
أَحْدَنُوا بَعْدَكَ؟)) .
٣٨ _ (٢٤٨) وحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلَىُّ بْنُ مُسْهِر عَنْ سَعْد بْنِ
طَارِقٍ، عَنْ رِبْعِىِّ بْنِ حِرَاشِ عَنْ حُذَّقَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((إِنَّ حَوْضِى لِأَبْعَدَّ
إلى أن المراد بالغُرةِ الحجلة إذ لم يجد سبيلاً إلى الزيادة فى الوجه .
وقوله : ((ليست سيما لأحدٍ غيركم)): السيما مقصورةٌ وممدودة ، والسيما ممدودة (١)
العلامة ، قال الله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم﴾ (٢) ومعنى قوله: (( حتى أشرع فى العضد
وحتى أشرع فى الساق)): أى أجلَّ الغسل فيهما (٣) وأدخل بعضهما (٤) فى مغسوله مثل ما
يُشرع الرجُلُ ناقته إذا أوردها الماء ، يقال منه: شرع الرجلُ إذا ورد الماء ، - ثلاثى -
وأشرع إبله إذا أوردها ، وقيل : إذا ساقها إلى الماء وتركَها ترِدُ بنفسها ، وشريعة الماء من
حيث يُتَوصَّل من حافة النهر [ إليه ] (٥) ، ومنه : شريعة الدين لأن منها يتوصل إليه ،
وقيل معناها هنا البيان والظهور .
وقوله: ((أصدُّ الناس)): أى أُرُدّ .
وقوله: ((أذود الناس)) : أى أطرد .
(١) قبلها فى الأصل جاءت : أيضا . ولا مناسبة لها .
(٢) الفتح : ٢٩ .
(٣) قال القرطبى: هو من أشرعت الرمح قبله إذا مددته إليه ، فالمعنى مدّه بالغسل ، لا من شرع إذا ابتدأ.
(٤) فى ت : بعضها .
(٥) ساقطة من ت .

٤٦
كتاب الطهارة / باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل فى الوضوء
مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدْنَ ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ ، إِنِّى لأَذودُ عَنْهُ الرِّجَالَ كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الإِيلَ
الْغَرِيبَةَ عَنْ حَوْضُه)). قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَتَعْرِفُنَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ، تَرِدُونَ عَلَىَّ غُرّاً
مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ اَلَوُضُوءِ، لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ )).
٣٩ - (٢٤٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ وَقُتَبَةُ بْنُ سَعيد وَعَلَىُّبْنُ
حُجْر، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْن جَعْفَرِ، قَالَ ابْنُ أُيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، أَخْبَرَنِى الْعَلَاءُ
عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْم
وقوله : (( كما يذود الرجلُ الإبل الغريبة عن حوضه )): الإبلُ الغريبةُ التى لا يُعرف
صاحِبُها ، كما قال فى الحديث الآخر: (( كما يذادُ البعيرُ الضال))، فهى ترعى مع الإبل
وتزاحم وارِدَتها على حوضِها ، فصاحبُ الإبل يضربُها جُهْدَه ويطردُها حتى يسقى إبلَه ،
وهى تترامى بالعطش وهو يصُدُّها ، ولذلك ضرب المثل بضربها ، وقال الحجاج :
لأضربنكم ضرب غرائب الإبل .
وقوله فى الحديث: (( إنه أتى المقبرة))، حجةً فى جواز زيارة القبور ، ولا خلاف فى
جوازها للرِّجال، وأن النهى قد نسخ، واختلف فيه للنساء (١).
وقوله: ((السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين [ وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون ] (٢)). المراد
(١) قال ابن عبد البر: ولا خلاف فى إباحة زيارة القبور للرجال، وكراهيتها للنِّساء، واحتُجَّ بحديث ابن
عباس الذى أخرجه أبو داود والترمذى والنسائى وأحمد قال: ((لعن رسول الله عَّ زَوّارات القبور ،
والمتخذين عليها المساجد والسَّرج)) واحتجّ من أباح زيارة القبور للنساء بما أخرجه أبو بكر بن الأثرم عن ابن
أبى مليكة أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها : يا أم المؤمنين ، من أين أقبلت ؟ قالت : من قبر
أخى عبد الرحمن بن أبى بكر . فقلت لها: أليس كان رسول الله عَّهُ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم ،
كان نهى عن زيارتها ثم أمر بزيارتها . التمهيد ٣ / ٢٣٣ .
قال ابن عبد البر: ممكن أن يكون النهى قبل الإباحة ، وتوفى ذلك للنساء المتجالات أحبُّ إلىَّ ، ولقد
كره أكثر العلماء خروجَهُنّ إلى الصلوات فكيف إلى المقابر ؟ وما أظن سقوط فرض الجمعة عنهن إلا دليلاً
على إمساكهن عن الخروج فيما عداها . السابق .
(٢) من المعلم . وقد أخرج عبد الرزاق من حديث صخر بن أبى سُميَّة قال : رأيتُ عبد الله بن عمر قدم من
سفَرِ فقام على باب عائشة فقال : السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك يا أبا بكر ، السلام عليك
يا أبَه . ٣ / ٥٧٦ .
وذكر ابن عبد البر عن عمر - رضى الله عنه - أنه مَرَّ على بقيع الغرقد فقال : السلام عليكم يا أهل
القبور . أخبارُ ما عندنا أن نساءكم قد تزوَّجنٍ ، ودوركم قد سُكِنت، وأموالكم قد قُسِمَتْ ، فأجابه هاتفٌ :
يا عمر بن الخطاب ، أخبارُ ما عندنا أن ما قدَّمنا وجدنا ، وما أَنفقنا فقد ربحنا ، ومَا خلَّفْنا فقد خسرناه.
التمهيد ٢٠ / ٢٤٢، الاستذكار ٢ / ١٦٤.

٤٧
كتاب الطهارة / باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل فى الوضوء
به أهل تلك الدار ، ويحتمل أن يَحْيوا له حتى يسمعُوا سلامَه ، كما سمعه أهل القليب ،
ويحتمل أن يفعل ذلك مع موتهم ليُبيِّن ذلك لأمته ، وسيأتى هذا وشبهه فى الجنائز .
قال أبو عمر - رحمه الله -: قد روى تسليم النبى معَّه على القبور من وجوه بألفاظ
مختلفة ذكرها (١) ، وجاء عن الصحابة والسلف الصالح فى ذلك آثار كثيرة (٢).
قال الإمام : سلامه عَّه يصح أن يكون حجةً لمن يقول: إن الأرواح باقيةٌ لاتفنى
بفناء الأجسام ، وفى غير هذا الكتاب من الأحاديث أنَّ الأرواح تزور القبور .
وقوله : ((وإنا إن شاء الله، بكم لاحقون)) : إن كان المراد : لاحقون فى الموت ،
فهذا أمرٌ معلوم، ويكون الاستثناء هاهنا / من شىء موجَبٍ على سبيل التبرى من الاستبداد ت ١١٥/ ب
وعلى التفويض إلى الله، ومثله قوله (٣): ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدُ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ﴾ (٤) ، وهو
خبر صدق ، وإن كان أراد : بكم لاحقون فى الممات على الإيمان ، فيكون الاستثناء على
حقيقته؛ إذ لا يدرى الإنسان على ما [ ذا] (٥) يُوافى إلا أنه عَّه ومن شُهد له بالجنة من
أصحابه معصوم من الموافاة على الكفر، فيكون الكلام عائداً على من يجوز ذلك عليه من
أصحابه ، أو يكون قبل أن يوحى إليه بالعصمة لمن ثبتتْ له العصمة من الموافاة على الكفر .
قال القاضى: قد قيل: إن هذا يكون امتثالاً لقوله تعالى: ﴿ وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ
ذَلِكَ غَدًّا. إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّه﴾ (٦)، أو يكون الاستثناء راجعاً على اللحاق بالموتى لتسميتهم
مؤمنين على الظاهر من حالهم ، ثم رجاء لحاقه بهم ، فاستثنى لمغيب حالهم فى علم الله
وعاقبة أمرهم ومشيئة الله تعالى برحمتهم ، وقد يحتمل أن يكون الاستثناء راجعاً إلى
(١) من ذلك ما روته عائشة - رضى الله عنها - قالت: كان النبى ◌َّهُ يخرُجُ من الليل إلى المقبرة فيقول:
(( السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، أتانا وإياكم ما توعدون ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، اللهم اغفر
لأهل بقيع الغرقد)) . التمهيد ٢٠ / ٢٤٠.
وما أخرجه أبو داود الطيالسى عنها - رضى الله عنها - من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة قالت :
فقدت النبى ◌ّه فاتبعته، فأتى البقيع فقال: (( السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين، أنتم لنا فرطٌ ، وإنا بكم
لاحقون ، اللهم لا تحرمنا أجورهم ، ولا تفتنا بعدهم )» ص ٢٠٢ .
(٢) منها قول أبى هريرة - رضى الله عنه -: من دخل المقابر فاستغفر لأهل القبور وترحَّم على الأموات
فكأنما شهد جنائزهم وصلى عليهم ، وما جاء عن الحسن : من دخل المقابر فقال : اللهم رب الأجساد
البالية ، والعظام النخرة ، إنها خرجت من الدنيا وهى بك مؤمنة ، فأدخل عليها روحاً منك وسلاماً منى
كتب الله له بعددهم حسنات . التمهيد ٢٠ / ٢٤١ .
قال ابن عبد البر: وهذا من عمر وعلىٍّ على سبيل الاعتبار . الاستذكار ٢ / ١٦٤ .
(٣) فى المعلم : قول الله تعالى .
(٤) الفتح : ٢٧ .
(٥) من المعلم .
(٦) الكهف : ٢٣، ٢٤.

٤٨
كتاب الطهارة / باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل فى الوضوء
مُؤْمِنينَ ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ، بَكُمْ لا حِقُونَ، وَدَدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا)). قَالُوا :
اللحاق بهم فى مقبرتهم وموته بالمدينة ، وقيل : هو على مساق الكلام في مجىء الاستثناء
فى الواجب ليس على طريق الشك، ومثله قوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ
آمنينَ﴾(١) عَلى ما تقدم ، أو على طريق التأدب والامتثال لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ.
إِنََّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًّا. إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّه﴾ (٢)، وقيل: ((إن)) هنا بمعنى ((إذا)). [ وقيل:
قالها من أجل من كان معه ممن يتهم بالنفاق ] (٣) .
وقوله : ((وددتُ أنى رأيت إخواننا)): فيه جواز التمنى ، لاسيما فى باب الخير
ولقاء الفضلاء والأخيار الأولياء فى الله ، وقيل : إن المراد تمنيه لقائهم بعد الموت .
وقوله : ((إخواننا)) لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٍ﴾ (٤) .
وقوله : ((ألسنا بإخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابى)): قال الباجى : لم ينف
بذلك أخوَّتَهم ، ولكنه ذكر مرتبتهم الزائدة بالصحبة واختصاصهم بها ، ولم تحصُل
لأولئك بعد ، فوصفهم بالأخوة (٥) ، وقال أبو عُمر : فيه دليلٌ على أن أهل الدين
والإيمان كلُهم أخوةٌ فى دينهم ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةَ ﴾، وأما الأصحاب
فمن صحِبَك وصحبتَه (٦) ، وذهب أبو عمر من هذا الحديث وغيره فى فضل من يأتى ومن
فى آخر الزمان ، إلى أنه قد يكون فيمن يأتى بعد الصحابة من هو أفضل ممن كان فى
جملة الصحابة (٧)، وأن قوله عَّه: ((خيركم قرنى)) (٨) على الخصوص، وإن كان
مخرجه العموم، وإن قرنه على الجملة خير القرون ، أو معناه : خير الناس فى قرنى، يعنى
السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ومن سلك مسلكهم ، فهؤلاء أفضل الأمة ، والمراد
ت ١١٦ /أ بالحديث (٩) ، وأما من خلط فى زمانه وإن رآه وصحبه ولم تكن له سابقةٌ ولا أثرٌ / فى
(١) الفتح : ٢٧ .
(٢) الكهف : ٢٣، ٢٤. (٣) من هامش ت. (٤) الحجرات: ١٠ .
(٥) المنتقى للباجى ١ / ٧١، ٧٢ .
(٦) الاستذكار ٢ / ١٦٧، التمهيد ٢٠ / ٢٤٣.
(٧) يؤكد هذا ما أخرجه الترمذى وأبو داود الطيالسى من وجوه حسان عن أنس وعبد الله بن عمرو بن العاص
أن النبى معَّه قال: ((أمتى كالمطر، لا يدرى أوله خيرٌ أم آخره)). التمهيد ٢٠ / ٢٥٣.
(٨) البخارى فى فضائل الصحابة، ب فضائل أصحاب النبى تمّه (٣٦٥٠) عن عمران.
(٩) قال: وقد قيل فى توجيه أحاديث الباب مع قوله: ((خير الناس قرنى)): إن قرنه إنما فضل لأنهم كانوا
غرباء فى إيمانهم ، لكثرة الكفار ، وصبرهم على أذاهم ، وتمسكهم بدينهم ، وإن آخر هذه الأمة إذا أقاموا
الدين ، وتمسكوا به ، وصبروا على طاعة ربهم فى حين ظهور الشر والفسق والهرج والمعاصى ، والكبائر ،
كانوا عند ذلك أيضاً غرباء وزكت أعمالهم فى ذلك الزمن ، كما زكت أعمال أوائلهم .
قال : وروينا أن عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله بن عمر أن اكتب إلىّ
بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها ، فكتب إليه سالم : إن عملت بسيرة عمر فإنها فضل من عمر ؛ لأن
زمانك ليس كزمان عمر ، ولا رجالك كرجال عمر ، وكتب إلى فقهاء زمانه ، فكلهم كتب إليه بمثل قول
سالم . التمهيد ٢٠ / ٢٥٢.

٤٩
كتاب الطهارة / باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل فى الوضوء
أَوَلَسْنَا إِخْوَنَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (( أَنْتُمْ أَصْحَابِى، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ )) .
فَقَالُوا : كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: ((أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ
رَجُلاً لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجََّةٌ ، بَيْنَ ظَهْرَىْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ )) قَالُوا : بَلَى،
الدين ، فقد يكون فى القرون التى تأتى بعد القرن الأول من يفضُلهم على ما دلت عليه
عنده (١) الآثار ، وذهب / إلى هذا غيره من المتكلمين على المعانى ، وذهب معظم العلماء ت ٥٨ / أ
إلى خلاف هذا ، وأن من صحب النبى عَّهِ مرةً من عمره وحصلت له مزيَّةُ الصحبة أفضل
من كل من يأتى بعده ، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عملٌ ، قالوا : وذلك فضل الله
يؤتيه من يشاء، واحتجوا بقوله عَّه: ((لو أنفق أحدُكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم
ولا نَصِيفه)) (٢) وحجة الآخر عن هذا أن النبى معَّه قال لبعضهم عن بعضٍ ، فدلّ أن
ذلك للخصوص لا للعموم .
وقوله [َّ] (٣) ((بين ظهرى (٤) خيلِ دُهم بُهْم))، قال القاضى: قال الأصمعى:
العربُ تقول : نحن بين ظهريهم وظهرانيهم على لفظ الاثنين ، أى بينهُمْ ، قال :
والعرب تضع الاثنين موضع الجمع .
وقوله: (( دُهمٌ ))، قال الإمام: قال الهروى فى قوله تعالى: ﴿ مُدْهَامَّتَان﴾ (٥) قال
بعضهم: الدُهمةُ عند العرب السَّوادُ ، قال مجاهد: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾: مسْودتان.
وقوله: ((بُهم)): قال الهروى فى حديث النبى عَّه: (( يُحشر الناس يوم القيامة
عُرَاةً حُفَاةً بُهْماً)): أَلْبُهْم واحدها بَهِيمٌ، وهو الذى لا يخالط لونه [ لون ] (٦) سواه.
قال القاضى : كذا قال أبو حاتم ، سواداً كان أو بياضاً أو حمرةً ، يقال : أسود بهيمٌ
وأبيض بهيمٌ ونحوه ، قال يعقوب وغيره : وقال غيره : البهيمُ الأسود ، وليلٌ بهيمٌ ،
وكذلك من الخيل الذى لاشِيَةً فيه ، وقاله أبو زيد (٧) ، وأما قول الهروى فى تفسير
الحديث فى حشر الناس فيحتاج إلى بيان . قال صاحب الدلائل : يُزيدُ متشابهى الألوان .
(١) فى بقية النسخ سوى الأصل : عنه.
(٢) متفق عليه من حديث أبى سعيد، وسيرد إن شاء الله فى ك فضائل الصحابة (٢٥٤٠).
(٣) من المعلم .
(٥) الرحمن : ٦٤ .
(٤) فى المعلم : ظهرانى .
(٦) من المعلم .
(٧) هو الإمام العلاَّمةُ، حجة العرب، سعيد بن أوس بن ثابت بن بشير بن صاحب رسول الله عَّ أبى زيد
الأنصارى ، البصرى ، النحوى. قال فيه الأصمعى : هذا عالمُنا ومعلِّمنا ، وقال المبردُ : الأصمعى،
وأبو عبيدة ، وأبو زيد، أعلم الثلاثة بالنحو أبو زيد. مات سنة خمس عشرة ومائتين. سير ٩ / ٤٩٤ .

٥٠
كتاب الطهارة / باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل فى الوضوء
يَا رَسُولَ اللهِ . قَالَ: ((فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرَّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ،
ألا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِى كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ: أَلا هَلُمَّ. فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ
بَدَّلُوا بَعْدَكَ . فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا)) .
وقوله [ٌَّ] (١): ((وأنا فرطُهم على الحوض))، قال الإمام : قال الهروى:
يقول : أنا أتقدّمهم إليه (٢)، يقالُ: فرطتُ القوم إذا تقدمتهم لترتاد لهم الماء وتهيئَ لهم
الدِّلاء والرشاء، وافترط فلانٌ ابناً له، أى تقدم له ابنٌ، وفى الحديث: (( أنا والنبيون
فراط القاصفين)) [ أى متقدمون فى الشفاعة، قال ابن الأنبارى فى قوله: ((لقاصفين))] (٣)
يعنى: لقوم كثير متدافعين مُزْدَحمين، وقيل: فُرَّاط إلى الحوض، ويقال: فرَط إلىَّ منه (٤)
كلامٌ قبيح، أى تقدم ، ومنه قوله [ سبحانه ] (٥) وتعالى: ﴿أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ (٦) وفى
حديث أم سلمة: قالت لعائشة: إن رسول الله عَّه نهاك (٧) عن الفرَطَ فى الدين (٨)،
قال القتبى : الفرَطُ السبق والتقدَّم .
وقوله : ((ألا ليُذادَنَّ رجالٌ عن حوضِى)» ، قال القاضى : كذا رويناه فى كتاب مسلم
بغير خلاف فى حديث إسماعيل بن جعفر، وفى حديث مالك: «فليُذَادّنَ ))، وفى الموطأ
وغيره من حديث مالك: «فليُذَادَنَّ))(٩) و: ((فلا يُذادَنَّ)) (١٠)، والروايتان معاً
صحيحتان، واختلف رواة مالك عنه فى هذا الحرف وأكثرهم يقولُ عنه: (( فلا يُذادَنَ )).
قال الإمام: وقع فى بعض طرق هذا الحديث: ((فلا يُذادَنَّ)) على جهة النهى ،
ت ١١٦ / ب ومعناه على هذا: [ لا يفعلون فعلاً يكون ] (١١) سبباً / لذودِهم عن حوض (١٢) وأكثر
الروايات: ((فليُدادَنَّ))(١٣) بلام التأكيد. قال القاضى: ويصحح رواية: ((فلايُدادنَّ)) حديث
(١) من المعلم .
(٤) فى المعلم : منه إلىّ .
(٧) فى المعلم : نهى .
(٢) فى ت : عليه .
(٥) من المعلم.
(٣) سقط من الأصل .
(٦) طه : ٤٥ .
(٨) المناسب لهذا السياق ما أخرجه أحمد من حديث ابن عباس عن عائشة: «وأنا فرَط أمتى لم يصابوا بمثلى))
١ / ٣٣٥، وما ذكره الإمام لم نقف عليه .
(٩، ١٠) هى رواية يحيى الثانية وتابعه عليها مطرف. قال ابن عبد البر: وقد خرَّج بعض شيوخنا معنى لرواية
يحيى ومن تابعه ، أى لا يفعل أحدٌ فعلاً يطرد به عن حوضى ، وقد أخرج البخارى من حديث سهل بن
سهد ما يقوى هذا المعنى وهى: (( وليردنَ على الحوض قوم أعرفهم ويعرفوننى ، ثم يحال بينى وبينهم »
التمهيد ٢٠ / ٢٥٧، المنتقى ١ / ٧٠ .
(١١) فى المعلم : ألا يفعلوا ما يكون.
(١٣) فى المعلم: ليذادن ومعناه: فليبعدَنَّ وليُطْرَدنّ. قال زهير :
ومن لا یذُدْ عن حوضِه بسلاحِهِ
(١٢) فى المعلم : عن حوضى .
يُهَّدمْ ومن لا يظلِمِ الناسَ يُظْلَم
وهذه اللفظة - (( فليذادن)) - هى رواية ابن القاسم وابن وهب وأكثر رواة الموطأ.

٥١
كتاب الطهارة / باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل فى الوضوء
( ... ) حدّثْنَا قُتَيَّةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ. ح وَحَدَّثَنِى
إِسْحَقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِىُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، جَمِيعًا، عَنْ الْعَلَاءَ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله عَّهُ خَرَجَ إِلَى الْمَغْبُرَةَ فَقَالَ: (( السَّلامُ
عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاحِقُونَ)) بِمِثْلِ حَدِيثٍ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ .
غَيّرَ أَنَّ حَدِيثَ مَالِكَ: (( فَلَيْذَادَنَّ رِجَالٌّ عَنْ خَوْضِى )).
سهل بن سعد عن النبى عَّه بمعناه، وفيه: ((فلا يرِدَنَّ علىَّ أقوامٌ أعرِفُهم ويعرفوننى ، ثم
يحال بينى وبينهم)). وهذا مثل قوله تعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ (١): أى
لا تفعلا فعلاً يخرجنَّكما .
وقوله: (( أناديهم : ألا هَلُمَ ، فيقال: إنهم قد بدَّلَوا)): قال الباجى: يحتمل أنَّ
المنافقين والمرتدّين وكل من توضأ [ منهم مسلماً ] (٢)، أنه يُحشرُ بالغُرَّةِ والتحجيل فلأجلها
دعاهم ، ولو لم يكن [ السيما إلا للمؤمنين لما دعاهم ] (٣) ، ولما ظنّ أنهم منهم ، قال :
ويحتمل أن يكون ذلك لمن رأى النبى عَّهِ فبدَّ بعدَه وارتد، فدعاهُم النبى تَِّ لعلمِهِ بِهِمْ
أيام حياته وإظهارهم الإسلام ، وإن لم يكن لهم يومئذ غرة ولا تحجيل ، لكن لكونهم
عنده عَّ﴾ أيام حياته وصحبته باسم الإسلام وظاهره . والأول أظهر، فقد دلَّت الآثار عند
غير هذا بتستر المنافقين ومن كان فى غمار المؤمنين بجملتهم، ودخولهم فيهم فى العرض
والحشر حتى يميّز الله الخبيث من الطيب، وأن نور المنافقين يُطفأ عند الحاجة ، فكما جعل الله
لهم نوراً بظاهر إيمانهم ليغتروا به حتى يطفأ عند حاجتهم على الصراط، كذلك لا يبعد أن
يكون لهم هنا غرَّةٌ وتحجيل حتى يُدادوا عند حاجتهم إلى الورود، نكالاً من الله ومكراً بهم
ليزدادوا حَسيفةً ويحققوا مقدار مافاتهم حين ذُهب بهم عنهم، وحين قال لهم: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ
فَالْتَمِسُوا نُورًا ﴾ (٤) ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُون﴾ (٥). قال الداودى ليس [ فى هذا
ما يُحتَم ] (٦) به للمذادين بدخول النار ، فيحتمل (٧) أن يذادوا وقتاً فتلحقهم شدةٌ ثم
يتلافاهم (٨) الله برحمته، ويقول لهم النبى عَّهُ هذا (٩) ثم يشفع لهم ، كأنه جعلهم فى
(١) طه : ١١٧ .
(٢) من المنتقى .
(٣) عبارة المنتقى: ولو لم يكن سيماهم سيما المسلمين لما دعاهم ١ / ٧٠ .
(٥) الأعراف: ٩٩ ، وجاءت فى الأصول : إنه لا يأمن.
(٤) الحديد : ١٣ .
(٦) فى الأصل : ليس هذا مما يحتم .
(٧) نقلها الباجى : ليس هذا مما يختم به للمذادين عنه بدخول النار ، لأنه يحتمل .
(٨) نقلها الباجى: يتوفاهم - المنتقى ١ / ٧٠ . (٩) أى سحقاً، كما ذكر الباجى.

٥٢
كتاب الطهارة / باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل فى الوضوء
أهل الكبائر من المؤمنين أو من بدَّل ببدعةٍ (١) لا يخرجُه عن الإسلام. قال غيره : وعلى
هذا لا يُبُعد أن يكونوا أهل غُرَّةٍ وتحجيل بكونهم من جملة المؤمنين ، قال غيره : ويحتمل
أن يكون هؤلاء فيمن كان فى زمان النبى عَّه ورآه وفيمن يأتى بعده ، وقيل : هم أهل
الردَّة ، وقال أبو عمر بن عبد البر : كلُ من أحدث فى الدين [ مالا يرضاه الله ولم يأذن
به الله ] (٢) فهو من المطرودين عن الحوض كالخوارج والروافض وأصحاب الأهواء ،
وكذلك الظلمة المترفون فى الجور وطمس الحق (٣) [ وقتل أهله وإذلالهم ] (٤) والمعلنون
بالكبائر [ المستخفون بالمعاصي، وجميع أهل الزيغ والأهواء والبدع ] (٥) فكُلّ هؤلاء
يخافُ عليهم أن يكونوا ممن عُنُوا بهذا الخبر (٦) . ويشهد على صحة تأويل من قال : إنهم
أهل الردة ، ماجاء فى رواية سهل بن سعد: (( أعرفهم ويعرفوننى ، ثم يحال بينى
وبينهم )) .
وقوله: ((سحقاً سحقاً)) : أى بُعدا، والسحيق البعيد .
وقوله: ((فيجيبنى مالك)) : كذا لجميعهم بالباء بواحدة ، من الجواب، وعند جعفر :
((فيجيئنى مالك )) (٧) مهموز من المجى .
(١) فى ت : بنعمة .
(٢) من التمهيد ٢٠ / ٢٦٢ .
(٣) الذى فى التمهيد: وتطميس الحق .
(٤، ٥) عن التمهيد ٢٠ / ٢٦٢ .
(٦) التمهيد ٢٠ / ٢٦٢ . قال: ولا يخلد فى النار إلا كافر جاحد ليس فى قلبه مثقال حبة خردل من إيمان ،
وقد قال ابن القاسم - رحمه الله - : قد يكون من غير أهل الأهواء من هو شر من أهل الأهواء ، وكان
يقال : تمام الإخلاص تجنب المعاصى .
(٧) الذى فى المطبوع . ملك .

٥٣
كتاب الطهارة / باب تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء
(١٣) باب تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء
٤٠ - (٢٥٠) حدّثْنَا قُتِيَّةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا خَلَفٌ - يَعْنِ ابْنَ خَلِيفَةَ - عَنْ أبى
مَالِكِ الأشْجَعِيِّ، عَنْ أبِى حَازِمِ ؛ قَالَ : كُنْتُ خَلْفَ أَبِى هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ الصَّلاةِ، فَكَانَ
يَمُدُّ يَّدَهُ حَتَّى تَبْلُغَ إِبْطَهُ . فَقُلْتُ لَهُ: يا أَبَا هُرَيْرَةَ ، مَا هَذَا الْوُضُوءُ؟ فَقَالَ : يَا بَنِى فَرُّوخَ،
أنْتُمْ هَاهُنَا؟ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ هَاهُنَا ما تَوَضَّأْتُ هَذَا الْوُضُوءَ، سَمِعْتُ خَلِيلِى عَّهِ يَقُولُ:
(تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْتُ يَبْلُغُ الْوَضُوءُ )).
وقول أبى هريرة - رضى الله عنه -: ((يا بنى فرُّوخ، أنتم / هاهنا؟ لو علمتُ ت ١١٧ / أ
أنكم هاهنا ما توضَّأْتُ هذا الوضوء)). فرُّوخ بفتح الفاء والخاء المعجمة
فى كتاب العين : بلغنا أنَّ فروخ من ولد إبراهيم ، وكان بعد إسماعيل وإسحق -
عليهما السلام - كثر نسله ، فالعجم الذى فى وسط البلاد من ولده ، وأراد أبو هريرة هاهنا
الموالى ، وكان خطابه لأبى حازم ، وأبو حازم هذا أبو حازم الأعرج ليس بسلمة بن دينار(١)
الفقيه الزائد المدينى (٢) مولى بنى مخزوم ، وقيل : مولى بنى ليث ، ولكنه أبو حازم
سلمان الأشجعى الكوفى مولى عزَّةً الأشجعية (٣) ، وكلاهما خُرِّج عنه فى الصحيح .
وقوله: ما قاله له لأنه لا ينبغى لمن يُقْتَدى به إذا ترخص فى أمرٍ لضرورة ، أو تشدد فيه
الوسوسة ، أو لاعتقاده فى ذلك مذهبًا شذَّ به عن الناس أن يفعله بحضرة العامة الجهلة ،
(١) سلمة بن دينار هو: مولى لبنى شِجْع من بنى ليث، وهو شِجْع بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن
كنانة .
قال المزى : وقال بعضهم : أشجع ، وهو وهم ، ليس فى بنى ليث أشجع ، إنما فيهم شجع ، قال
ذلك أبو على الغسانى . روى عن سعيد بن المسيِّب ، وسهل بن سعد الساعدى - وهو راويته - وعبدالله
ابن عمر بن الخطاب - ولم يسمع منه - وعبد الله بن عمرو بن العاص كذلك ، وغيرهم كثير ليس فيهم
أبو هريرة ، فقد قال الدارقطنى فى العلل : لم يسمع من أبى هريرة شيئا ، وقال يحيى بن صالح
الوُحاظى: قلت لابن أبى حازم : أبوك سمع من أبى هريرة ؟ قال : من حدَّثَك أنَّ أبى سمع من أحدٍ من
الصحابة غير سهل بن سعد فقد كذب . انظر: تهذيب الكمال ١١ / ٢٧٢ .
(٢) فى ت : المدنى .
(٣) سلمان أبو حازم الأشجعى الكوفى ، روى عن مولاته عزة الأشجعية وابن عمر وأبى هريرة - وقاعده
خمس سنين - وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير ، روى عنه سليمان الأعمش - وهو راويتُه -
ومنصور بن المعتمر، ويزيد بن كيسان. مات فى خلافة عمر بن عبد العزيز. تهذيب الكمال ١١ / ٢٥٩ .

٥٤
كتاب الطهارة / باب تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء.
لئلا يترخّصوا بترخصه لغير ضرورة، أو يعتقدوا أن ما يُشدَّد فيه هو الفرض واللازم (١)،
ومثله قول عمر : أيها الرهط ، إنكم يقتدى بكم .
وفى هذا الحديث من علامات نبوته عَّه وإعلامه بما يكون من علم الغيب أربعة
أعلام: أولها: صفة أمَّته فى الآخرة ، الثانى : تبديل بعضهم بعده ، كما كان ، الثالث :
مالهم فى الآخرة وتفريق الحكم فيهم ، الرابع : أن له حوضًا فى الآخرة ، وسيأتى ذكره
فى موضعه .
(١) ومثل ذلك : الاستدامة على بعض السنن والمندوبات حتى يظن الناس بفرضيتها ؛ مثل صلاة صبح الجمعة
بسورة السجدة وهل أتى ، حتى اعتقد العامة أن الصلاة لا تصح إلا بسورة السجدة فى صبح الجمعة ،
فعلى الإمام الصلاة بغير هذه السورة أحيانا ، حتى لا يعتقد الناس فرضية ذلك ، والله أعلم .

٥٥
كتاب الطهارة / باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره
(١٤) باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره
٤١ - (٢٥١) حدّثَنَا يَحْنَى بْنُ أُيُّوبَ وَقُتِيْبَةُ وَأَبْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ
جَعْفَرَ ، قَالَ ابْنُ أُيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، أخْبَرَنِى الْعَلَاءُ عَنْ أبيه، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أنَّ
رَسُولِّ اللّهِ عَُّ قَالَ: ((ألا أدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَات؟)) .
قَالُوا: بَلَى (١)، يَارَسُولَ اللّه. قَالَ ((إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى
الْمَسَاجِد (٢). وَانْتِظَارُ الصَّلَاة بَعْدَ الصَّلاةِ. فَذَلِكُمُ الرَّبَاطُ)) .
وقوله: (( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات)): محوُ الخطايا
كنايةٌ عن غفرانها ، ويحتمل محوُّها من كتاب الحفظة ، ويكون دليلا على غفرانها ، ورفع
الدرجات إعلاء المنازل فى الجنة .
وقوله : (( إسباغ الوضوء على (٣) المكاره)): أى إيعابُه، والمكارِه يكون من شدة ألم
جسمٍ ونحوه (٤) ، وكثرة الخطا (٥) تكون ببعْد الدار أو بكثرة التكرار .
وقوله: (( انتظار الصلاة بعد الصلاة)) : قال القاضى أبو الوليد الباجى : وهذا فى
المشتركتين من الصلوات فى الوقت وأما غيرُها فلم يكن من عمل الناس (٦) .
وقوله: ((فذلكم الرباطُ )) : يعنى المرغَّبُ فيه ، وأصله الحبسُ على الشىء ، كأنَّه
حبسَ نفسه على هذه الطاعة ، قيل : ويحتمل أنه أفضل الرباط كما قيل : الجهاد جهاد
(١) جوابهم ببلى يدل على أن لا نافية قد دخلت عليها همزة الاستفهام ، ولا مانع أن تكون العبارة كلها
للاستفتاح.
(٢) الحديث ورد مورد التنشيط لمن بعدت داره ألا يكسل ، وليس فيه ما يدل على إيثار أبعد المسجدين منه لغير
حاجة، لقوله عَّ: ((لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد)).
(٣) فى ت : فى .
(٤) كشدة البرد ، وفوت المحبوب ، وتكلف طلب الماء ، وابتياعه بثمن . والإسباغ هو الإكمال.
(٥) فى ت : الخطايا ، وهو وهم من النساخ .
(٦) المنتقى للباجى ١ / ٢٨٥ وقد أجاز الانتظار فى الصلوات التى تجمع فى السفر والعذر، ولكنه قال فى غيرها -
مثل انتظار المغرب بعد العصر - لا أذكر فيه حكما ، وحكمه عندى حكم انتظار الصبح بعد العشاء ،
وحكم انتظار الظهر بعد الصبح كالذى ينتظر صلاة ليس بينها وبين التى تصلى اشتراك فى وقت ، والذى
يتقرر فى نفسى أنى قد رأيت رواية فيه عن مالك من طريق ابن وهب ولا أذكر موضعها الآن .

كتاب الطهارة / باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره
٥٦
( .. ) حدّثَنِى إِسْحَقُ بْنُ مُوسَى الأنْصَارِىُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالكٌ. ح وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتّى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، جَمِيعًا عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَيْسَ فىِ حَديث شُعْبَةَ ذِكْرُ الرِّباط . وَفِى حَديثِ مَالك
ثْتَيْنِ: ((فَذَلَكُمْ الرِّبَاطُ ، فَذَلَكُمُ الرَّبَاطُ )) .
النفس ، ويحتمل أنه الرباطُ المتيسر الممكن ، أى : أنه من أنواع الرباط ، وقد ذهب
الشيرازى (١) إلى أن ذلك من حروف الحصر، وتكرار النبى عَّه له تعظيم لشأنه أو لعادته
ليفهم عنه ، وتنبيه على ما يقول .
(١) يغلب على الظن أنه يريد به الإمام القدوة شيخ الإسلام أبو إسحق إبراهيم بن على بن يوسف الفيروز آبادي
. حدث عنه الخطيب، وأبو الوليد الباجى والحميدى. توفى سنة ست وسبعين وأربعمائه. سير ١٨ / ٤٥٢.
(١) وكذا إسحق بن راهويه . انظر: عون المعبود ١ / ٧٣ .

٥٧
كتاب الطهارة / باب السواك
(١٥) باب السواك
٤٢ _ (٢٥٢) حدّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد وَعَمْرٌوَ النَّاقدُ وَزُهَيْرِ بْنُ حَرْب، قَالُوا: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ عَنْ أَبِ الزَّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َّه؛ قَالَ: ((لَوْلا أنْ أَشُقَّ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ - وَفِى حَدِيثِ زُهَيْرٍ : عَلَى أَمَِّّى - لأمَرَّتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاة)) .
٤٣ _ (٢٥٣) حدّثنا أبُو كُرَيْب مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْر عَنْ مِسْعَرَ ، عَنِ
الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ ، عَنْ أبيه ؛ قَالَ : سَأَلْتُ عَائشَةَ، قُلْتُ: بأىِّ شَىْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِىُّ:
صَلى اللّه
إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ ؟ قَالَتْ : بالسِّوَاك.
٤٤ _ ( ... ) وحدّنى أبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ
الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ ، عَنْ أبيه، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ◌َّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بالسُّوَاكِ .
قوله عَّه: ((لولا أن أشق على أمتى لأمرتُهم بالسِّواك)): لا خلاف أنه مشروعٌ عند
الوضوء والصلاة، مستحبٌ فيهما، وأنهُ غيرُ واجبٍ، لنصه عَّه، أنه لم يأمر به ، إلا
ما ذكر عن داود أنه واجب بظاهر قوله تعَّه: ((عليكم بالسواك))، وقوله: / ت١١٧ / ب
((استاكوا)) (١) وهذا الحديث يفسرُ بظاهره. وفيه دليل لمن يرى أن أمره عَّه على الوجوب،
وهو قول أكثر الفقهاء وبعض المتكلمين ، إذ المشقة إنما تلحق بالواجبات ، وأنه لو أمر
لوجَبَ امتثال أمره فشق ذلك على المسلمين ، فلذلك لم يأمر . وفيه حجةً لمن يرى المندوب
غير مأمور به ، وهى مسألة اختلف فيها أصحاب الأصول من شيوخنا وغيرهم (٢) ، وفيه
حجةً لمن قال من العلماء بجواز اجتهاد النبى ◌َّه فى الأحكام وشرعها باجتهاده على ظاهر
(٢) ذهب الآمدى إلى أن المندوب مأمور به ، وإلا كان كالمباح بلا فرق بينهما ، وعلى ذلك فالمندوب عنده
يثاب فاعله ، واسمه يدل على ندب الشارع له ١ / ١٦٣ .
قلت : ويفرق بينه وبين الأمر أن طلب الشارع لفعل المندوب طلبٌ غيرُ لازم ، وقد ذهب الشاطبى إلى
أن كل مندوب ثبت أنه مندوب بسنة مأثورة عن النبى معَّى يعتبر خادمًا للواجب أو حمى له أو ذريعةً
للمداومة عليه . راجع: الموافقات ١ / ١٥١ ، أصول الفقه : ٣٢ .
وأدق ما وقفت عليه له ما ذهب إليه الشاطبى من أن المندوب غير لازم بالجزء ، ولكنه لازم بالكل ،
فصلاة العيدين والجماعة وصدقة التطوع ، والنكاح والوتر . والعمرة مثلا مندوب إليها بالجزء ، ولو فرض
تركها جملة جرح التارك لها . قال : إذا كان الفعل مندوبًا بالجزء كان واجبًا بالكل . الموافقات ١ / ١٣٢ .
(١) النساء: ١٠٥ . ووجه الاستدلال هنا أنه جعل سبب عدم الأمر ما رآه عنه من المشقة لا النص. إكمال

٥٨
كتاب الطهارة / باب السواك
٤٥ _ (٢٥٤) حدّثنا يَحْبَى بْنُ حَبيب الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلانَ -
وهُوَ ابْنُ جَرِيرِ الْمَعْوَلِىُّ - عَنْ أَبِى بُرْدَةً، عَنْ أَبِى مُوسَى؛ قَالَ: دَخَلْتُ عُلَى النَِّىِّ ◌َّهُ
وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ .
٤٦ _ (٢٥٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيَّةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنِ، عَنَّ أَبِى وَائِلِ،
عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللّهِ عَّةٍ إِذَا قَامَ لِيَتَهَجَّدَ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاك .
قوله: ﴿تَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهِ﴾(١)، وهى مسألة اختلف فيها أرباب الأصول أيضا(٢).
وقوله : (( يشوصُ فاهُ بالسواك إذا قام يتهجد )) (٣) ، قال الإمام: الشوص أن يستاك
عرضًا ، وكذلك المَوْصُ ، قال : وقد قال قائل الأعرابية : اغسلى ثوبى ، قالت : نعم
الإكمال ٢ / ٣٣ .
(٢) ذهب أحمد بن حنبل والقاضى أبو يوسف إلى أنه عَّه كان متعبداً بالاجتهاد فيما لا نصَّ فيه، وجوَّر ذلك
الشافعى فى رسالته من غير قطع، وبه قال بعض أصحاب الشافعى والقاضى عبد الجبار، وأبو الحسين
البصرى . قال الآمدى : ومن الناس من قال: إنه كان له الاجتهاد فى أمور الحروب دون الأحكام الشرعية
. من ذهب إلى تجويز الاجتهاد له عَّه على العموم استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ﴾
[الحشر: ٢] حيث أمر جل جلاله بالاعتبار على العموم لأهل البصائر، والنبىَّ عَّ أجلُّهم فى ذلك،
فكان داخلاً فى العموم ، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ﴾
[النساء: ١٠٥]، وما أراهُ يعمُ الحكم بالنص، والاستنباط من النصوص، وبقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي
الأَمْرِ ﴾ [ آل عمران: ١٥٩]، والمشاورة إنما تكون فيما يحكمُ فيه بطريق الاجتهاد لا فيما يحكم فيه بطريق
الوحى، وأيضا بقوله تعالى بطريق العتاب للنبى معَّه فى أسارى بدر: ﴿مَا كَانَ لِيَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى
يُشْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [ الأنفال: ٦٧ ]، وذلك يدلُّ على أن ذلك كان بالاجتهاد لا بالوحى، وبقوله تعالى:
﴿عَفَّا اللَّهُ عَنَكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣ ] عاتبه على ذلك ونسبه إلى الخطأ ، وذلك لا يكون فيما حكم
فيه بالوحى ، فلم يبق سوى الاجتهاد .
ومما استدلوا به من السنة قوله عمّه في تحريم مكة: ((لا يختلى خلاها، ولا يُعضَدُ شجرُها))، فقال
العباس: إلا الإذخر. فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((إلا الإذخر))، قالوا: ومعلوم أن الوحى لم
ينزل عليه فى تلك الحالة . فكان الاستثناء بالاجتهاد.
وقد رد المانعين على ذلك بأن المراد بقوله تعالى: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّه﴾: أى بما أنزل إليك، وبالاعتبار
الاتعاظ ، والمراد بالمشاورة هو المشاورة فى أمور الحروب والدنيا ، وكذلك العتاب ، قالوا . وأمَّا عتابه فى
أسارى بدر فلعله كان مخيراً بالوحى بين قتل الكل ، أو إطلاق الكل أو فداء الكل ، فأشار بعض
الأصحاب بإطلاق البعض دون البعض فنزل العتاب للذين عيَّنوا لا لرسول الله عَّه، وعن خبر الإذخر،
فيحتمل أن النبى عَّ كان مريدًا لاستثناء الإذخر فسبقه به العباس .
راجع: المستصفى ٢ / ٣٥٦، أحكام الأحكام للآمدى ٤ / ٢٢، ٣٨ .
(٣) فى المعلم : كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك .
(١) آل عمران: ١٩٠، ١٩١.

٥٩
كتاب الطهارة / باب السواك
( ... ) حدّثْنا إسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُور. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ،
حَدَّثَنَا أبى وأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأعْمَثِ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِى وَائِلِ ، عَنْ حُذَيِّقَةَ؛ قَالَ : كَانَ
رَسُولُ اللّهِ عَّهِ إِذَا قَامَ مِنَ الَبْلِ. بِمِثْلِهِ . وَلَمْ يَقُولُوا: لِتَهَجَّدِّ .
٤٧ _ ( .. ) حدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بشَّار، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُور، وَحُصَيْنٌ والأعْمَشُ عَنْ أَبِى وَائِلِ، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ أنَّ رَسُولَ اللّه ◌َُِّ
كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ .
٤٨ _ (٢٥٦) حدّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ،
حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّل؛ أنَّ ابْنَ عَبَّاسِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َّهَ ذَاتَ لَيْلَةٍ . فَقَامَ نَبِىُّ اللّه
◌َِّ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَخَرَجَ فَنَظَرَ فِى السَّمَاءِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ في آل عِمْرَانَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ حتى بلغ ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١) ثُمَّ رَجَعَ إِلَى
الْبَيْتِ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ اضْطَجَعَ، ثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ فَنَظَرَ إلَى السَّمَاءِ فَتَلا
وأموصُهُ ، تريدُ : أغسلُه ثانيةً برفقِ ، قال الهروى فى الحديث : (( كان يشوصُ فاه
بالسواك)) : أى يغسله ، وكل شىء غسلته فقد شصتهُ ومُصته ، وقال أبو عبيد : شصت
الشىء نقيتُه (٢)، وقال أبو بكر بن الأعرابى: الشوص : الدلك، والموص : الغسل .
قال القاضى : ذكر ثابت بن قاسم عن وكيع : الشوص بالطول ، والسواك بالعرض ،
وقال ابن حبيب : يشوص فاه ، أى يحكه . قال أبو عمر : تأوله بعضهم أنه بأصبعه ،
وأن يغنى ذلك عن السواك. وقال الداودى: يشوص فاه ينقيه، كما قال فيه: ((مطهرة
للفم ومرضاةٌ للرب )) ، قال ابن دريد : الشَوص الاستياك من سُفْلِ إلى عُلوٍ ، ومنه :
الشوصَةُ ريح ترفع القلب عن موضعه ، والذى قال الخطابى (٣) والحربى مثل ما حكاه
الإمامُ فى الشوص وكونه عرضًا ، وقيل : يشوص معناه : يغسل ، قال أبو عبيد : شصت
الشىء نقيتُه ، وقيل شصت ومُصتُ : غسلتُ .
وقوله : ((يتهجد )»: أى يُصلى من الليل، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ
(٢) غريب الحديث ١ / ٢٦١، ٢٦٢ .
(١) الإسراء : ٧٩ .
(٣) معالم السنن للخطابى ١ / ٣٢ .

٦٠
كتاب الطهارة / باب السواك
هَذِه الْآيَةَ. ثُمَّ رَجَعَ فَتَسَوَّكَ فَتَوَضَاً، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى .
نَافِلَةً لَّكَ﴾ (١) ، وهذا الحرفُ من الأضداد ، تهجد نام ، وتهجد إذا قام من الليل . قال
٥٩ /أ أهل العلم: يستحب السواك عند كل حالةٍ تُغيِّرُ ريح الفم، نحو القيام من النوم ونحوه / .
وقوله : ((إذا دخل بيته بدأ بالسواك)) : معناه : تكراره لذلك ومثابرته عليه ، وأنه
كان لا يقتصر فيه فى نهاره وليله على المرة الواحدة ، بل على المرار المتكررة ، كما جاء فى
الحديث الآخر ، وخص بذلك دخوله بيته لأنه مما لا يفعله ذوو المروءات بحضرة الناس(٢)،
ولا يحبُ عمله فى المسجد ولا فى مجالس الجماعات (٣).
(٢) هذا محمول على أنه من باب إزالة القذر ، وإلا فإن السواك من باب العبادات والقرب، فلا يطلب
إخفاؤه، كما ذهب إليه بعض العلماء . راجع : سنن الفطرة : ٦٠ .
(٣) فى ت : الحقل .
(١) البقرة : ١٢٤ .