النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كتاب الطهارة / باب الصلوات الخمس والجمعة ... إلخ
(٥) باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان
مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر (١)
١٤ - (٢٣٣) حدّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيَْةُ بْنُ سَعيد وَعَلَىُّ بْنُ حُجْر، كُلُّهُمْ عَنْ
إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ ابْنُ أَبُوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَر، أَخْبَرَنِى الْعَلَاءُ بْنُ عَبْد الرَّحْمَن
أَبْنِ يَعْقُوبَ، مَوْلَى الْحُرِقَةِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَّهِ قَالَ: «الصَّلاةُ
الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الَجُمُعَةِ ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، مَا لَمْ تُفْشَ الْكَبَائِرُ)) .
(١٥) - ( ... ) حدّثَنِى نَصْرُ بْنُ عَلَىِّ الْجَهْضَمِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ
عَنْ مُحَمَّد ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهُ قَالَ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى
الْجُمُعَةِ، كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ)) .
١٦ - ( .. ) حدّثْنى أُبُوالطَّاهر وَهَرُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِىُّ، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب عَنْ
أَبِى صَخْر؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ إِسْحَقَ - مَوْلَى زَائِدَةَ - حَدَّثَّهُ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهَ عَُّ كَانَ يَقُولُ: ((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى
رَمَضَانَ ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ، إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ )) .
(١) سبقت الإشارة إليه فى الباب السابق .

٢٢
كتاب الطهارة / باب مايقال بعد الوضوء
(٦) باب مايقال بعد الوضوء (١)
١٧ - (٢٣٤) حدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٌّ،
حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحِ عَنْ رَبِيعَةَ - يَعْنِى ابْنَ يَزِيدَ - عَنْ أَّبِى إِدْرِيسَ الْخَوْلانِىِّ، عَنْ
عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ جُبَيَّرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرَ ؛ قَالَ:
كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الإِبلِ، فَجَاءَتْ نَوْبَتَى، فَرَوَّحْتُهَا بِعَشِىٌّ، فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللهِعَِّ قَائِمًا
يُحَدِّثُ النَّاسََ ، فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ: (( مَامِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ، ثُمَّ يَقُومُ
فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْن، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِه، إلا وُجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ)) . قَالَ: فَقُلْتُ: مَا
أَجْوَدَ هَذه ! فَإِذَا قَائِلٌ بَيْنَ يَدَىَّيَقُولُ: الَِّى قَبَّلَهَا أَجْوَدُ . فَتَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ . قَالَ : إِنِّى قَدْ
رَأَيْتُكَ جئتَ آنفًا. قَالَ: ((مَامِنْكُمْ مِنْ أَحد يَتَوَضَأُ فُبْلِغُ - أَوْ فُسْبِغُ - الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ:
أَشْهَدُ أَنَ لا إِلَهَ إلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُ اللهَ وَرَسُولُهُ ، إلا فُتَحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ ،
يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ )) .
٥٥ / ب
قال القاضى /: وقوله فى حديث عقبة بن عامر: ((فروَّحتها بعشىٌّ)) يعنى: الإبل،
أى جئت بها للمبيت ، والُراحُ موضع مبيت الماشية ، بضم الميم .
قال الإمام : وذكر مسلم [ أيضا فى باب مايقال بعد الوضوء ] (٢) [ فى سند هذا
الحديث ] (٣) : ثنا محمد بن حاتم ، ثنا ابن مهدى ، ثنا معاوية بن صالح عن ربيعة بن
يزيد ، عن أبى إدريس ، عن عقبة بن عامر ، قال : وحدَّثنى أبو عثمان عن جُبير بن نفير
عن عُقبة [ ابن عامر قال: كانت علينا رعاية الإبل ] (٤). قال بعضهم: القائل [ فى هذا
الإسناد ] (٥) : وحدثنى أبو عثمان هو معاوية بن صالح . وكتب ابن الحذَّاء فى نسخته :
قال ربيعةُ بن يزيد : وحدَّثَنى أبو عثمان عن جُبير ، والذى أتى فى النسخ المروية عن مسلم
كما ذكرناه أوّلاً وهو الصواب ، والذى كتب ابن الحذاء وهم .
قال القاضى : هذا كلام أبى على الجيَّانى، وغيرهُ نصرَ رواية ابن الحذَّاء ، وقال: ما
بعده يُصحِّحُه ، يريد قولَه بعد هذا : ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ، ثنا زيد بن الحباب ، ثنا
معاوية بن صالح ، عن ربيعة بن يزيد ، عن أبى إدريس الخولاني وأبى عثمان ، عن جبير
(١) جاء عنوان هذا الباب عند النووى : باب الذكر المستحب عقب الوضوء
(٣) ليست من المعلم ، ولعلها من القاضى فى نسخته .
(٤، ٥) من المعلم .
(٢) من المعلم .

٢٣
كتاب الطهارة / باب مايقال بعد الوضوء
( .. ) وحدّثناه أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيةُ بْنُ
صَالِحِ عَنْ رَبِعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الْخَوْلانِىِّ وَأَبِى عُثْمَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُغَيْرِ بْنِ
مَلِكَ الْحَضْرَمِىِّ، عَنَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرِ الَجُهَنِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَِّ قَالَ. فَذَكَرَ مَثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ
قَالَ: (( مَنْ تَوَضَأَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ لا إلَهَ إلا اللهُ وَحُدَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا
٥٠ ووررو وو
عبده ورسوله )).
ابن نفير ، عن عقبة ، وغيره على ظاهر هذا السياق ، قال الجيَّانى: معاوية يقول هنا: وعن
أبى عثمان ، ومعاوية رواه عن ربيعة بطريقه وعن أبى عثمان بطريقه ، وقد بُيِّن ذلك فى
غير كتاب مسلم (١) ، وعليه خرَّجه أبو مسعود الدمشقى .
(١) أبو داود فى الطهارة ١/ ٦٥، والنسائى كذلك فى الطهارة عن ربيعة بن يزيد عن أبى إدريس وأبى عثمان
عن جبير بن نفير ، وليس فيه حديث عمر ولا قصة رعاية الإبل . وأبو عثمان قال أبو القاسم : وأظنه
سعيد بن هانئ . راجع : تحفة الأشراف ٧/ ٣٠٤ .

٢٤
كتاب الطهارة / باب فى وضوء النبى
(٧) باب فى وضوء النبى ◌ّ﴾.
١٨ - (٢٣٥) حدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الصَبَّاحِ حَدَّثْنَا خَالدُ بْنُ عَبْد الله عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْنَى
ابْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِيِهِ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمِ الأَنْصَارِىُّ - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ .
قَالَ : قيلَ لَهُ: تَوَضَّأْ لَنَا وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ عَّهُ. فَدَعَا بِإِنَّاءِ. فَأَكْفَأَ مِنْهَا عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا
وقوله فى حديث عبد الله بن زيد (١): ((توضأ لنا وضوءَ رسول الله عَّه)): المُعَلِّمُ
للوضوء والمتَعلِّمُ إذا نوى بذلك رفعَ الحدث أجزأهُ ، فإن لم ينوه لم يُجزئه عند كل من
يشترط النّيَّة ، وكذلك التيممُ على الأصل من اختلافهم فى النية فيه .
[ قوله] (٢): ((فدعا بإناء فأكفأ منها على يديه)): أى أمالَه.
وقوله: (( فغسلهما ثلاثًا)) : حجةٌ لابن القاسم فى اختياره فى غسل اليدين الإفراغ
عليهما جميعاً ، وبيانٌ لرواية مالك فى الموطأ فى قوله: (( فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين
مرتين)) (٣) ورَدٌّ لتأويل من تأوَّل بقوله : مرتين مرتين ، إفراد كل يد بالإفراغ ، وهى رواية
أشهب عن مالك (٤) أنه استحب أن يُفرغ على يده اليمنى فيغسلها ثم يدخلها ، ويَصبَّ بها
على يُسْرَاه ولا حجة بهذه الرواية التى فى الموطأ لهذا المذهب، لأنه قال فيها: ((فأفرغ على
ت ١١١ / ب يديه))، ولم يقل على يده / اليُمنى وحدَها، وقد اختلفت فيه رواية البخارى والرواية
عنه، فروى عنه: ((على يده)) (٥)، وروى: (( على يديه)) (٦) وذكر ثلاثاً وذكر مرتين.
قال الإمامُ : اختلف فى غسل اليد قبل إدخالها [ فى ] (٧) الإناء عند الوضوء ، هل
ذلك عبادةٌ أو مُعَلَّلٌ بالنظافة؟ فاحتج من قال: عبادةٌ بقوله: ((ثلاثًا)) قالوا : ولو كانت
علته النظافة ما احتج إلى التكرار إذ [ ذلك ] (٨) يحصل فى مرة واحدة . وهذا الذى
قالوه مثل ما احتج به أصحابُنا على الشافعى فى غسل الإناء من ولوغ الكلب ، وأنه لو
كان من النجاسة لأجزأت المرَّةَ (٩) ، واحتج من قال: إنهُ مُعَلَّلٌ بالنظافةِ بقوله :
(١) باب فى وضوء النبى عَّ.
(٢) ساقطة من ت .
(٣) لفظ الموطأ: ((فأفرَغ على يده فغسل يديه مرتين مرتين )).
(٤) راجع فتح القدير ١٦/١، الشرح الصغير ١٢١/١، بداية المجتهد ١/ ١٠.
(٥) فى الوضوء ، ب غسل الرجلين إلى الكعبين .
(٦) سبق فى ب صفة الوضوء وكماله برقم (٤).
(٧، ٨) من المعلم .
(٩) حجة غير قائمة أمام قوله عَّه: ((إذا شرب الكلبُ فى إناء أحدكم فليغسله))، فذهب الشافعى ،
والأصحاب إلى أنَ الكلب بهذا نجسٌ ، وإنما وردت العبادة فى غسل نجاسته سبعاً تعبدا ، وتحصيل =
i

٢٥
صَلى الله
كتاب الطهارة / باب فى وضوء النبى
ثَلاثًا. ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَة ، فَفَعَلَ ذَلَكَ ثَلاثًا ،
مے
[َّ ] (١): ((أن أحدكم لا يدرى أين باتت يدُهُ)) (٢)، فإذا (٣) كان الجسدُ طاهراً فأكثر
مافى ذلك أن تنال أوساخُ بَدَنَه (٤) يديه (٥). وفائدة الخلاف فى [ هذه ] (٦) المسألة: هل
يؤمَرُ المتوضئ بغسل يده وإن كانت نقيّة ؟ أو كان قد عرض له أثناء وضوئه (٧) ما نقض
طهارته هل يغسلها ثانيةً (٨) ؟ فمن جعل ذلك عبادةً أمرَ بالغسل فى الوجهين ، ومن علل
بالنظافة لم يرَ ذلك مأموراً به .
قال القاضى : وعلى هذا اختلفت الرواية عن مالك فيمن أحدث بعد غسل يديه
للوضوء ، هل يعيدُ غسلهما أو لا؟ (٩).
وقوله: (( ثم أدخل يَدَه فاستخرجها فمضمض واستنشق)): قيل : الحكمة فى تقديم
=مذهب مالك أن التعبد إنما وردَ فى غسل الإناء الطاهر من ولوغ الكلب خاصةً من بين سائر الطاهرات .
قال ابن عبد البر: وشبَّهه أصحابُنا بأعضاء الوضوء الطاهر تغسل عبادة !!! الاستذكار ٢٠٨/٢ .
قلتُ وشبهتهم فى ذلك قول كبشة بنت مالك الأنصارية فيما أخرجه مالك وأبو داود والترمذى والنسائى
وأحمد والشافعى: أنها قالت: إن رسول الله عَّه قال ــ فى الهرة -: ((إنها ليست بِنَجَسِ ، إنما هى
من الطوَّافين عليكم أو الطوافات)) قالوا : فيه دليل على أن ماأبيح لنا اتخاذه فسؤره طاهر لأنه من الطوافين
علينا - إذ معنى الطوافين علينا الذين يُداخلوننا ويخالطوننا، وقد أبيح لنا اتخاذ الكلب للصيد والغنم والزرع
أيضا ، فصار من الطوافين علينا .
قال ابن عبد البر: والاعتبار أيضاً يقضى بالجمع بينهما لعلة أن كل واحد منهما سبع يفترس ويأكل الميتة،
فإذا جاء نصٌّ فى أحدهما كان حكمُ نظيره حكمه ، ولما فارق غسل الإناء من ولوغ الكلب سائر غسل
النجاسات كلها علما أن ذلك ليس لنجاسة ، ولو كان لنجاسة سلك به سبيل النجاسات فى الإنقاء من غير
تحديد. التمهيد ١/ ٣٢٠، ٣٢١.
وقد قال الشافعية والحنابلة : إن الكلب وما تولد منه نجس ، ويغسل ما تنجَّس منه سبع مرَّات إحداهُنَّ
بالتّراب ؛ لأنه إذا ثبتت نجاسةُ فم الكلب بنص الحديث ، والفم أطيبُ أجزائه لكثرة ما يلهث فبقيته أولى .
مغنى المحتاج ٧٨/١، كشاف القناع ١/ ٢٠٨، المغنى ١ / ٥٢ .
وذهب الحنفية إلى أن الكلب ليس بنجس العين ، ولعابه هو النجس فلا يقاس عليه بقية جسمه ، فيغسل
الإناء سبعاً بولوغه فيه. رد المحتار ١/ ١٩٢ .
(١) من المعلم .
(٢) أخرجه مالك فى الموطأ، ك الطهارة، ب وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة ٢١/١، وسيأتى إن شاء الله.
وأكثر أهل العلم على أن الأمر هنا للندب لا للإيجاب .
(٤) فى المعلم : أن تنال يده أوساخا .
(٥) فى الأصل يده .
(٣) فى المعلم : وإذا .
(٧) فى المعلم : قد عرض له فى أثناء الوضوء .
(٦) من المعلم .
(٨) فى المعلم : هل يؤمر بغسل اليد ثانية ، وإن كان غسلها أولا.
(٩) فقد قال ابنُ وهب فيما روى عن مالك فى المتوضى يخرُج منه ريحٌ لِحدثان وضوئه ويده طاهرة : أن غسله
ليده قبل أن يدخلها فى الإناء أحبَّ إلى ، قال : وقد كان قبل ذلك يقول : إن كانت يده طاهرةً فلا بأس
أن يدخلها فى الوضوء قبل أن يغسلها . الاستذكار ٢ / ٧٩ .

٢٦
كتاب الطهارة / باب فى وضوء النبى معَّه.
ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَّهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى
الْمِرْفَقَيْنِ ، مَرَتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ ،
ثُمَّ ◌َغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ عٍَّ.
( ... ) وحدّثْنِى الْقَاسمُ بْنُ زَكَرِيَّاء، حَدَّثَنَا خَالدُ بْنُ مَخْلَد عَنْ سُلَيْمَانَ - هُوَ ابْنُ
هاتين السَّنتين على فرض الوجه وهى منه اختبار رائحةُ الماء وطعمه مما عَسَاهُ يُغيِّره ، إذ لونُه
مُشاهَد بالعين ، فجعلَ هذا أوَّلَ الوضوء لئلا يُبتدأ بما لا يجوز به .
وقوله: ((من كفٍّ واحدٍ، فعل ذلك ثلاثًا)): أى جمع بين الاستنشاق والمضمضةِ فى
كفٍ واحد، وفعل ذلك ثلاثاً من ثلاث غرفات لا من كف واحد، كما بينه فى رواية ابن
وهب بعد قوله: ((فمضمض واستنشق واستنثِّر(١) من ثلاث غرفات. وقد اختلف التأويل
عن مالك(٢) فى هذا، فقيل: إن استحبابه جمعُهما فى غرفَة والإتيان بهما كذلك فى ثلاث
غرفات ، وقيل: بل الأولى عنده إفرادُها والإتيان بالمضمضة على النسق فى ثلاث غرفات،
ثم الاستنشاق مثل ذلك لأنهما عضوان، فيأتى بهما فى ست غرفات، وفى كتاب أبى داود :
(( فرأيته يفصِلُ بين المضمضة والاستنشاق)) (٣)، وهذا يُبَيّن أنه لم يجمعهما فى غرفة ،
والقولان للشافعى (٤) ، وقيل : بل يغسلان معاً ثلاث مرات من غرفة واحدة ، وقد روى
الحديث البخارى من رواية سليمان [ بن بلال ] (٥) قال : فمضمض واستنشقّ ثلاث مرات
من غرفة واحدة (٦) ، وهو محتمل لأن يكون جمعهما من غرفة ، لا أن فضلهُما ثلاثاً من
غرفة ، وعلى ظاهره فعل ذلك ثلاث مرات من غرفة واحدة فى المضمضة والاستنشاق .
وقوله: (( ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه)) : ظاهره أنه أدخل يده الواحدة فى
الماء فأفرغ بها على اليسرى فغسل وجهه ، وهو أحد القولين عندنا ، وأنه كذلك يفعل فى
(١) الاستئثار هو دفع ما استنشقه من الماء بريح الأنف .
(٢) قال ابن عبد البر: ليس فى الموطأ حديث هنا بلفظ الاستنشاق ، ولا يكون الاستنثارُ إلا بعد الاستنشاق،
ولفظ الاستنشاق موجود فى حديث أبى هريرة ، وفى حديث أبى رَزينِ العُقَيلى. الاستذكار ٣٨/٢،
وانظر : السنن الكبرى ٤٩/١، وانظر حديث أبى رزين فى سنن أبى داود ، ك الطهارة ، ب فى الاستئثار
٣٥/١، والترمذى فى الطهارة ب فى تخليل الأصابع، وقال: ((حسن صحيح "وفى الصوم، ب ماجاء فى
كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم ، وكذلك أخرجه النسائى فى الطهارة ، ب الرخصة فى السواك للصائم ،
ب المبالغة فى الاستنشاق . وابن ماجه فى ب تخليل الأصابع ، وأحمد فى المسند ٢١١/٤ .
(٣) أبو داود فى الطهارة ، ب الفرق بين المضمضة والاستنشاق (١٣٩).
(٤) راجع: المجموع للنووى ٣٥٨/١ .
(٥) سقط من ت .
(٦) البخارى فى صحيحه ، ك الوضوء، ب من مضمض واستنشق فى غرفة واحدة (١٩١)، ولفظ الحديث
هناك: ((من كفَّةٍ واحدة))، وهى رواية أبى ذرِّ كما ذكر الحافظ ابن حجر، وقال: (( قال ابن بطال :
المراد بالكفَّة الغرفةً، قال : ولا يعرف فى كلام العرب إلحاق هاء التأنيث فى الكفِّ ، ومحصله : أن المراد
بقوله: (( كَفَة)) فُعلة، لا أنها تأنيث الكف)). فتح ٢٩٧/١ .
.---

٢٧
صَّ اللّهِ
كتاب الطهارة / باب فى وضوء النبى
بلال - عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْبَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْكَعْبَيْنِ .
( ... ) وحدّثَنِى إِسْحَقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِىُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالَكُ بْنُ أَنَس عَنْ
عَمْرِو بْنِ يَحْبَى ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثًا. وَلَمْ يَقُلْ: مِنْ كَفٍّ
وَحدَةَ . وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ : بَدَأَ بِمُقَدِّمٍ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَاهُ، ثُمَّ
رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِى بَدَأَ مِنْهُ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ .
( ... ) حدّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو
ابْنُ يَحْنَى ، بِمِثْلِ إِسْنَادِهِمْ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ . وَقَالَ فيه: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ
مِنْ ثَلاثِ غَرَفَاتٍ . وَقَالَ أَيْضًا: فَمَسَحَ بِرَّسِهِ فَأَقْبَلَ بِهِ وَأَذْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً .
قَالَ بَهْزٌ : أَمْلَى عَلَىَّ وُهَيْبٌ هَذَا الْحَدِيثَ . وَقَالَ وُهَيْبٌ: أَمْلَى عَلَىَّ عَمْرُو بْنُ يَحَى
ء
جميع وضوئه . وقد ذكر البخارى هذا الحديث أيضاً هكذا (١) وزاد: ((فاغترف بها))،
وجاء فى بعض الروايات عنه: (( يديه فاغترف بهما ))، وهذه حجة لاختيار مالك فى هذه
المسألة / فى غسل وجهه ، وكذلك الاختلاف عندنا ، كذلك فى أخذ الماء لمسح الرأس، وفى ت ١١٢ / أ
مسلم: ((ثم أدخل يديه فاستخرجهما فمسح برأسه))، وفى البخارى مثلُه فيه أيضا: ((يديه))،
وفى رواية : ((ثم أخذ بيديه ماءً فمسح برأسه )) ففى كل رواية حجة لكل قول منهما .
وقولهِ فى روايةِ وهيب: ((فمسحَ برأسِه فأقبل به وأدَبَر مرةً واحدةً)): يرفع الإشكال
ويقطع التأويل والخلاف فى تكرار المسح للرأس ، ولم يأت / تكرار مسح الرأس فى ٥٦ / أ
الصحيحين ، وحكم الإقبال والإدبار عندنا حكم المسحة الواحدة ليُلاقىٍ فى رَدّ يديه مالم
يلاقه من الشعر ، وليباشر من شعر الرأس مالم يلاقِه فى الذهاب بهما أوَّلاً ، والإقبال هنا
معناه: أقبل إلى جهة قفاه، والإدبار رجوعُه، كمَا فسَّره فى الحديث بقوله: (( بداء (٢)
من مقدم رأسه حتى يذهب بهما إلى قفاه ثم ردَّهما )) ، وقيل: المراد أدبر وأقبل ، والواو
لا تعطى رُتْبةً، ويُعضدها رواية وهيب فيه فى صحيح البخارى: ((فأدبر بهما وأقبل)) (٣)،
وهذا أولى مع [ثباته] (٤) فى جميع الروايات بقوله: ((بداء بمقدمة رأسه))، وقيل: معناه :
(١) ب مسح الرأس كله (١٨٥)، وفى ب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة عن ابن عباس (١٤٠)،
ولفظه: (( أخذ غرفة من ماء فمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غَرْفة من ماء فَجْعل بها هكذا، أضافها إلى
يده الأخرى فغسَل بهما وجهه))قال فيها الحافظ ابن حجر: «فيه دليل الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة
واحدة)) فتح ١/ ٢٩١ .
(٢) فى ت : يداه . وهو وهم .
(٣) بل لفظها: ((فأقبل بهما وأدبر مرةً واحدة)) ب غسل الرجلين إلى الكعبين، وكذلك فى رواية مالك عن
عمرو بن يحيى ك الطهارة ، ب العمل فى الوضوء (١)، وزاد بعدها: ((بدأ بمقدّمة رأسه حتى ذهب
بهما إلى قفاهُ، ثم ردَّهما إلى المكان الذى بدأ منه)) .
(٤) فى الأصل : بيانه .

٢٨
ـّ
كتاب الطهارة / باب فى وضوء النبى
٥٠٠٠٠
هَذَا الْحَدِيثَ مَرَتَيْنِ .
١٩ - (٢٣٦) حدّثنا هَرُونُ بْنُ مَعْرُوف. ح وَحَدَّثَنِى هَرُونُ بْنُ سَعيد الأَيْلِىَّ
وَأَبُو الطَّاهر، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَى عَمَرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ حَبَّنَ بْنَ وَاَسع
حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَاصِمِ الْمَازِنِىَّ يَذْكُرُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولٌّ
الله عَّةُ تَوَضَّأَ، فَمَضْمَضَ ثُمَّ اسْتَنْثَرَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، وَيَدَهُ الْيُمْنَى ثَلاثًا، وَالأُخْرَى
ثَلاَثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرٍ فَضْلٍ يَدِهِ ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا .
قَالَ أَبُو الطَّاهرِ : حَدَّثْنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ .
ابتدأ من الناصية مقبلاً إلى الوجه ، ثم ردَّها إلى القفا ، ثم رجع إلى الناصية . وهذه
الأحاديث كلها فى مسح الرأس ظاهرها مسح عموم الرأس ، وهو مفسِّرٌ للآية ، وأن الفرض
عمومه ، وهو قول مالك - رحمه الله (١) - وفيها حجةٌ على من خالفه من أصحابه
وغيرهم فى جواز تبعيضه على تشعّب مذاهبهم فى ذلك (٢) ، ولم يأت فى الحديث
الصحيح ما يخالف هذا ، ولإجماع الكل على فرض الاستيعاب فى بقيَّة الأعضاء المفروضة ،
وفيها دليل على أن الترتيب مشروع على ماجاء فى الآية، وفى فعل النبى معَّه دون خلاف
فى ذلك من الرواة والعلماء . ثم اختلفوا هل ذلك فرض أم لا ؟ واختلفت الرواية عن
مالك فى ذلك ، والمشهور عنه أنه سنةٌ (٣).
وقوله: (( ومسح بماءٍ )) غير فضل يديه ، هو السنة فى تجديد الماء لمسحه ، خلافاً
للأوزاعى والحسن وعُروة فى تجويزهم ابتداءً بماء فضل يديه (٤) . ولم يأت فى شىء من هذه
(١) وكذا الحنابلة ، قالوا : يجب مسح جميع الرأس .
قال ابن عبد البر : أجمع العلماء على أن من مسح برأسه كله فقد أحسن وعمل أكمل مايلزمه ،
وجمهورهم على أن من مسح رأسه مسحة واحدةً موعبةً كاملةً لايزيدُ عليها ، إلا الشافعى فإنه قال : من
توضأ ثلاثاً مسح رأسه ثلاثاً على ظاهر الحديث فى أن رسول الله عَّه توضأ ثلاثاً. قال: وكان مالكٌ
يقول فى مسح الرأس : يبدأ بمقدّمٍ رأسه ثم يذهبُ بيديه إلى مؤخره ثم يردهما إلى مقدمه ، على حديث
عبد الله بن زيد . قال : وهو أبلغَ ماسمعتُ فى مسح الرأس ، وقال ابن عبد البر: وهو قول الشافعى فى
أن حديث عبد الله بن زيد أحسن ماجاء فى مسح الرأس ، وهو الذى ينبغى أن يُتُمثَّل ويحمل عليه .
الاستذكار ٢٩/٢ .
(٢) ممن قال بذلك من أصحاب مالك أشهب وبعض المتأخرين. السابق ٢/ ٣٠.
(٣) وعنه فيما ذكره ابن عبد البر: أن الفرض مسح جميع الرأس، فإن ترك شيئاً منه كان كمن ترك غسل شىء
من وجهه ، ثم قال : هذا هو المعروف من مذهب مالك ، وهو مذهب ابن علية . قال ابن عليّة : قد أمر
الله تعالى بمسح الرأس فى الوضوء كما أمر بمسح الوجه فى التيمم ، وأمر بغسله فى الوضوء ، وقد
أجمعوا أنه لا يجوز غسلُ بعض الوجه فى الوضوء ، ولا مسح بعضه فى التيمم . السابق .
(٤) وقد ذكر ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه قال: إذا نفَدَ الماءُ عنه مسح رأسه ببلل لحيته.

٢٩
كتاب الطهارة / باب فى وضوء النبى
الأحاديث التسمية أوَّل الوضوء، لكن ذكر أبو داود والترمذى وأصحاب المصنفات حديث :
((لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله)) (١)، واختلف العلماء والمذهب فى ذلك ، فمعظم أهل
العلم أن التسمية غيرُ واجبةٍ ، لا شىء على تاركها لكنها فضيلةٌ مستحبة ، وهو مشهور قول
مالك وقول الشافعى والثورى وأصحاب الرأى ، وتأول بعضهم الحديث على نفى الكمال
والفضيلة ، وبعضهم على أن معناه ذكر القلب والنيّة ، وقال أحمد بن حنبل : لا أعلم فى
هذا الباب / حديثاً له إسناد جيّد ، وذهب إسحق إلى وجوبها وإعادة الوضوء على تاركه ت ١١٢ / أ
عمداً دونَ الساهى ، وروى عن مالك إنكارُه ، وقال : أيُريد أن يذبح ؟ !! وروى عنه
أيضا: من شاء قاله ومن شاء لم يقله ، فحمله بعضهم على التخيير .
(١) أبو داود فى الطهارة، ب التسمية على الوضوء عن أبى هريرة (١٠١)، وكذا أخرجه الترمذى فى أبواب
الطهارة ، ب ما جاء فى التسمية عند الوضوء من حديث سعيد بن زيد (٢٥) .

٣٠
كتاب الطهارة / باب الإيتار فى الاستنثار والاستجمار
(٨) باب الإيتار فى الاستنثار والاستجمار
٢٠ - (٢٣٧) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد وَعَمْرٌوَ النَّاقدُ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الله بْن نُمَيْر،
جَمِيعًا عَن ابْنِ عُبَيْنَةَ، قَالَ قُتَبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِىِ الزَّنَادِ ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ
يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ ◌َّهُ قَالَ: ((إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ وِثْرًا، وَإِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ
فَلْيَجْعَلْ فِى أَنْفِهِ مَاءٌ ، ثُمَّ لَشِرْ)) .
٢١ - ( ... ) حدّثَنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافع، حَدَّثْنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ
هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّه، قَالَ: هَذَا مَاحَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّد رَسُولِ اللهِ عَّهُ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ
مِنْهَا. وَقَالَ رَّسُولُ اللهِ عٍَّ: ((إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلَيْسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ لْيَنْثِرْ )) .
٠
وقوله: (( من استجمر فليوتر))، قال الإمام: قال الهروى فى قوله: (( فإذا
استجمرت فأوتر)) : الاستجمار هو التمسح بالجمار ، وهى الأحجار الصغار ، ومنه سميت
جمارُ مكة ، وجمرتُ : رميت الجِمارَ (١).
قال القاضى : قال ابن القصار (٢) يجوز أن يقال : إنه أخذ من الاستجمار بالبخور
والذى يُطَيَّبُ به الرائحة ، وهذا يزيل الرائحة القبيحة ، وقد اختلف قول مالك وغيره فى
معنى الاستجمار المذكور فى الحديث ، فقيل هذا وقيل : هو فى البخور أن يجعل منه ثلاث
قطع ، أو يأخذ منه ثلاث مرات ، يستعمل واحدةً بعد أخرى ، والأوَّل أظهر(٣).
وقوله: ((إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر)) : يدُل أنهما
مشروعان كما تقدم ، وهما عندنا سُنَتَان ، وقد عدَّهما بعض شيوخنا سنةً واحدةً ، وقال ابن
قتيبة : الاستنشاق والاستنثار سواء ، مأخوذ من النثرة وهو طرف الأنف ، ولم يقل شيئا ،
بل الاستنشاق من التنشّق وهو جذب الماء إلى الأنف بالنفس ، والنشوق الدواء الذى يُصَبُّ
فى الأنف، والاستنثار من الثَرة وهو الطرحُ، وهو هنا طرح الماء الذى تَنَشّق قبل ليُخرجَ
(١) قال الهروى : قال الأصمعى: فسَّر مالكٌ قوله : إذا استجمرت أنه الاستنجاء . قال. ولم أسمعه من غيره
. غريب الحديث ١/ ١٠٢ .
(٢) هو على بن أحمد البغدادى القاضى أبو الحسن . قال فيه ابن فرحون : له كتابٌ فى مسائل الخلاف لا
أعرف للمالكيين كتاباً فى الخلاف أكبرَ منه ، وكان أصولياً نظارا ، وقال فيه أبو ذر : هو أفقه من رأيتُ من
المالكيين . توفى سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة. الديباج المذهب ٢/ ١٠٠ .
(٣) وقد كان ابن عمر يستحب الوتر فى تجمير ثيابه تأسيا بالنبى ◌ّ ومستعملا عموم الخطاب : التمهيد
٢٢٦/١٨ .

٣١
كتاب الطهارة / باب الإيتار فى الاستنثار والاستجمار
٢٢ - ( ... ) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْنَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالك عَن شهَابٍ ، عَنْ
أَبِى إِذْرِيس الْخَوْلانِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: (( مَّنْ تَوَضَّأُ فَلَيَسْتَْرْ،
وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلُيُوتِرْ )) .
( ... ) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُور، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثْنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ. ح
وَحَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبِ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى
أَبُو إِذْرِيسَ الْخَوْلانِىُّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ يَقُولان: قَالَ رَسُولُ اللهِعَُّ
بمثله .
٢٣ _ (٢٣٨) حدّثّنى بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنى
الدَّرَاوَرْدِىَّ - عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ
أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ◌َْ قَالَ: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مَنْ مَنَامِهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاثَ مَرَّت،
[ ما تعلق به ] (١) من قذر الأنف، وقد فرَّق بينهُما النبى معَّه بقوله: ((فليستنشق بمنخريه
من الماء ثم لينتثر))، وقد احتج بعضهم بأمره عمّيه بهما على وجوبهما على المتوضى ،
وذلك عند أكثر العلماء على الندب ، وإلى أنهما سنتان فى الوضوء والغسل ذهب مالك ،
وربيعةُ والأوزاعى ، والشافعى (٢)، وذهب الكوفيون إلى وجوبهما فى الغسل دون الوضوء ،
وذهب ابن أبى ليلى وغيره إلى وجوبهما فيهما ، وذهب أحمد وإسحق وأبو ثور إلى
وجوب الاستنشاق فيهما دون المضمضة بدليل هذا الحديث (٣) .
وقوله : ((فإن الشيطان يبيت على خياشيمه)): الخيشوم أعلى الأنف ، وقيل :
الأنف كلُّه ، يحتمل أن يكون هذا على الحقيقة ؛ لأن الأنف أحدُ منافذ الجسم الذى يتوصل
إلى القلب منها ، لاسيَّما وليس من منافذ الجسم ماليس عليه غلق سواه وسوى الأذنين ،
وفى الحديث: ((إن الشيطان لا يفتح غلقاً)) (٤)، وجاء فى التثاؤب الأمر بكظمه (٥) من
(١) فى ت : به ما تعلق .
(٢) فقالوا: إنه لا فَرْض فى الوضوء واجبٌ إلا ما ذكر الله فى القرآن، وذلك غسْلُ الوجه واليدين إلى
المرفقين ، ومسح الرأس وغسل الرجلين . التمهيد ٢٢٥/١٨ .
(٣) وهو قول داود فى الاستنثار خاصة ، وقالوا : من تركها ناسياً أو عامداً أعاد الوضوء . الاستذكار ١/ ٤١ .
(٤) سيأتي إن شاء الله برقم (٩٧) من كتاب الأشربة .
(٥) البخارى فى صحيحه عن أبى هريرة رضى الله عنه يرفعه: ((التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءَبَ أحدُكم
فليُردَّه ما استطاع ، فإنَّ أحدكم إذا قال: ها ، ضحك الشيطان)) ك بدء الخلق ، ب صفة إبليس وجنوده
(٣٢٨٩) .

٣٢
كتاب الطهارة / باب الإيتار فى الاستنثار والاستجمار
فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَاشِيمِهِ)).
٢٤ - (٢٣٩) حدّثْنا إسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ ابْنُ رَافِع: حَدَّثَنَا
عَبِّدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَّيَجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ عَةٍ: ((إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُوتِرْ)) .
٠
أجل دخول الشيطان فى الفم حينئذ ، أو يكون على طريق الاستعارة ، فإن ماينعقد من
ت ١١٣ / أ الغبار ورطوبة الخياشيم من القذارة وضد النظافة التى توافق الشيطان / - وهى منه - وأمره
بذلك إشارة إلى القيام للوضوء للصلاة ، كما جاء فى الآية ، وكما جاء فى غسل اليد قبل
إدخالها الإناء، وقد جاء مبينًا فى غير كتاب مسلم: (( فليتوضأ وليستنثر ثلاث مرات فإن
الشيطان يبيت على خياشيمه)) (١).
وقوله: (( من استجمر فليوتر : استدل به من يراعى فى المسأله العدد مع الإنقاء ، وهى
ثلاثة أحجار ، وهو قول أبى الفرج وابن شعبان من أصحابنا ، وقول الشافعى وأصحابه ،
٥٦ / ب قالوا : وإذا لم يُعقل أنه أراد من الحديث الواحدة التى هى أول عدد الوتر فالمقصود ما / زاد
على ذلك ، وأقلُّه بعدَه من الأوتار ثلاث مع قوله: ((أولا يجد أحدُكم ثلاثة أحجار)) (٢)،
ومالك وجمهور أصحابه وأبو حنيفة لايراعون العدَد ، وإنما يراعُونَ الإنقاء وحدَه ، وحجتُهم
أقلُ ما يقع عليه اسم وترِ ، فإذا حصل بواحدة كفى ، فإن حصل باثنتين فما زاد أوتر
استحباباً ، ومعنى ذكر الثلاث على ماجرت به العادة فى الانقاء أو على الاستحباب ، وإن
حصل الإنقاء بدونها ، أو على أن واحدة لكل جهةٍ ، والثالثةُ للوسط (٣) ، وسيأتى الكلام
على الاستجمار بعد هذا .
(١) لفظ البخارى عن أبى هريرة يرفعه: ((إذا استيقظ - أُراه أَحَدُكم - من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاثاً، فإنَّ
الشيطان يبيتُ على خيشومه)) ك بدء الخلق ، ب صفة إبليس وجنوده (٣٢٩٥) .
قال الحافظ فى الفتح ((إن ظاهر الحديث أن هذا يقع لكل نائم ، ويحتمل أن يكون مخصوصاً بمن لم
يحترس من الشيطان بشىء من الذكر لحديث أبى هريرة أن رسول الله عَّه قال: ((من قال : لا إله إلا
الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شىء قدير فى يوم مائة مرة ، كانت له عدل
عشر رقاب ، وكتبت له مائة حسنة ، ومحيت عنه مائة سيئة ، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى
يُمسى)) وكذلك آية الكرسى، وفيه: ((لا يقربك شيطان))، ويحتمل أن يكون المراد بنفى القرب هنا أنه لا
يقرب من المكان الذى يوسوس فيه وهو القلب ، فيكون مبيته على الأنف ليتوصل منه إلى القلب إذا
استيقظ، فمن استنثر منعه من التوصل إلى ما يقصد من الوسوسة)). فتح ٣٩٥/٦.
(٢) وحجتهم فى ذلك حديث سلمان : نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول ، أو نستنجى بأيماننا ونكتفى بأقلّ
من ثلاثة أحجار .
(٣) فإن الاستنجاء عندهم ليس بواجب . فالوتر فيه أحرى بألا يكون واجباً. التمهيد ١٧/١١ .

٣٣
كتاب الطهارة / باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما
(٩) باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما
٢٥ _ (٢٤٠) حدّثنا هَرُونُ بْنُ سَعيد الأَيْلِىُّ وَأَبُو الطَّاهِرِ وَأَحْمَدُ بْنُ عيسَى، قَالُوا :
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بَّكَّيْرٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنَ سَالِمٍ مَوْلَى شَدَّدٍ، قَالَ :
دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ◌َُّ يَوْمَ نُوُفِّىَّ سَعْدُ بْنُّ أَبِى وَقَّاصٍ، فَدَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ
ابْنُ أَبِى بَكْرٍ فَتَوَضَّأَ عِنْدَهَا، فَقَالَتْ: يَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، فَإِنِّى سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ عَّهُ يَقُولُ: (( وَيَلٌ لِلأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ)).
( .. ) وحدّثَنِى حَرْمَلَهُ بْنُ يَحْتَى. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنَى حَيْوَةُ: أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ
أبْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا عَبْدِ الله مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ حَدَّثُهُ؛ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائشَةَ . فَذَكَرَ
عَنّهَا، عَنِ النَّبِّ عَِّ ، بمثله .
( ... ) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتم وَأَبُو مَعْنِ الرَّفَاشىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ،
حَدَّثَنَا عِكْرِمَةَ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِى يَحْنَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَوْ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ
وقوله : (( ويلٌ للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء)) (١)، وأنَّ رَجُلاً لم يغسل عقبه
فقال النبى معَّ له ذلك، وأن رجلاً ترك موضع ظُفرٍ على قدميه فقال له: ((ارجع فأحسن
وضوءك )»: كله دليلٌ على أنَّ فرض الرجلين الغسل دون غيره ، وهو مذهب أئمة الفتوى ،
وذهب ابن جرير وداود إلى التخيير لاختلاف القرائتين فى الآية ، والوعيد لا يتعلق إلا
بترك فرض ، وشأن المسح التخفيف ، وقراءة النصب مفسِّرةً لقراءة الخفض ، إذ الخفض
على الجوار (٢)، ولأن فعل النبى معَّه فيها الغسل فى جميع أحاديث وضوئه ؛ ولأن
الإسباغ معناه تمام الوضوء وتبليغه حدوده ، والثوب السابغ الكامل .
(١) حديث رقم (٢٦) بالباب.
(٢) يعنى الجوار اللفظى. قال ابن عبد البر: وقد وجدنا العرب تحفض بالجوار والاتباع على اللفظ بخلاف
المعنى ، والمراد عندها المعنى ، كما قال امرؤ القيس :
كبيرُ أناسٍ فى بِجادٍ مُزْمَّل
فخفض بالجوار ، وإنَّما المزمِّل الرجُل، والإعراب فيه الرفع ، كما قالت العربُ: هذا جُحْر ضبٍّ
خَرِبٍ .
قال: ومن هذا قراءة أبى عمرو: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاس ﴾ [ الرحمن: ٣٥] لأن
النحاس هو الدخان، وقراءة يحيى بن وثاب : ﴿ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين﴾ [ الذاريات: ٥٨ ] بالخفض.

٣٤
كتاب الطهارة / باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما
عَبْدِ الرَّحْمَن، حَدَّثَنِى سَالمٌ مَوْلَى الْمَهْرِىِّ، قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى بَكْرِ
فِى جَنَازَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، فَمَرَرَنَا عَلَى بَابِ حُجْرَةٍ عَاتِشَةَ، فَذَكَرَ عَنْهَا، عَنِ النَِّىَّ
عَ﴾ . مثْلَهُ.
( ... ) حدّثْنى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيب، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنِى
نُعَيْمُ بْنُ عَبّدِ اللهِ عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا مَعَ عَائِشَةَ رَضِى اللهُ عَنْهَا .
فَذَكَرَ عَنْهَا، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهِ . بمثْله .
٢٦ - (٢٤١) وحدّثْنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثْنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ . أَخْبَرَنَا
جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُور، عَنْ هِلالِ بْنِ يَسَافِ، عَنْ أَبِى يَحْيَى عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو ؛ قَالَ :
رَجَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ عَهُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمِّدِينَةِ، حَتَّى إِذَا كُنَّابِمَاءِ بِالطَِّيقِ، تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ
الْعَصْرِ ، فَتَوَضَّؤُوا وَهُمْ عِجَالٌ . فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ، وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوْحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ . فَقَالَ
وقوله فى بعض طرق هذا الحديث: (( ونحن نمسح على أرجُلنا)) بمعنى ما فى الآية
المراد به الغسل بدليل سائر الروايات (١) .
وقوله : (( لم يغسل عقبه)) . لا على ماأشار إليه بعضُهم أنه دليلٌ على أنهم كانوا
يمسحون فنهاهم النبى ◌َّه عن ذلك وأمرهم بالغسل ، قال : ولأنه لو كان غُلاً لأمرهم
بالإعادة لما صلوا ، وهذا لا حجةٌ فيه لقائله لأن النبى معَّه قد أعلَمهم أنهم مستوجبون النار
على فعلهم بقوله: (( ويل للأعقاب من النار))، ولا يكون هذا [ إلا ] (٢) فى الواجب ،
وقد أمرهم بالغسل بقوله : (( أسبغوا الوضوء )) ولم يأت أنهم صلوا بهذا الوضوء ، ولا
أنها كانت عادتهم قبل فيلزم (٣) أمرهم بالإعادة (٤) .
ت ١١٣ / ب
وقوله: (( ويلٌ للأعقاب من النار )) أى أنها الُعذَّبَةُ التى تُصيبها النار ، أو أن بسبب /
تركها يُعذّبُ صاحُبها ، أو تُعذَّبُ هى من جملة الرجل المغسولة، وأن مواضع الوضوء لا
يمسَّهُ النار كما جاء فى أثر السجود أنه يحرم على النار. وإلى هذا ذهب أحمد بن نصر (٥).
(١) وقد يراد بالمسح الغسل من قول العرب: تمسَّحتُ للصلاة ، والمراد الغسل .
(٢) ساقطة من الأصل.
(٤) فى ت : بالوضوء .
(٣) فى ت : فلزم .
(٥) هو أبو عبد الله أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعى المروزى ثم البغدادى، كان قوّالا بالحق أماراً
بالمعروف ، سمع من مالك وحماد بن زيد ، وهشيم ، وابن عيينة ، وكان يحيى بن معين يترحَّمُ عليه ،
قتل فى خلافة الواثق لامتناعه عن القول بخلق القرآن عام واحد وثلاثين ومائتين . سير ١١ / ٦٦ ، تاريخ
بغداد ٥ / ١٧٣ .

٣٥
كتاب الطهارة / باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما
رَسُولُ اللهِ عَّةٍ: ((وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مَنَ النَّارِ، أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ)).
( ... ) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ
الْمُثَنَّى وَأَبْنُ بَشَّارِ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كلاهُمَا عَنْ
مَنْصُور، بَهَذَاَ الإِسْنَادِ . وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ شُعْبَةَ: ((أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ)) وَفِى حَديثه ، عَنْ
أَبِى يَحْنَى الأَعْرَجِ .
٢٧ _ ( .. ) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوْخَ وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِىُّ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى عَوَنَةَ ،
قَالَ أَبُو كَامِل: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَاتَةَ عَنْ أَبِى ◌ِشْرٍ، عَنْ يُوسُفْ بْنِ مَاهَكَ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عَمْرو ؛ قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّالنَّبِىُّ ◌َّهُ فِى سَفَرَ سَأَفَرْنَاهُ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ حَضَرَتْ صَلَاةُ الَعَصْرِ،
فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلْنَا، فَنَادَى: (( وَيَلٌّ لِلأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ)) .
والأعقاب مؤخر الأقدام واحدها عقب ، وعقب بكسر القاف وسكونها ، وعقب كل شىء
آخره، وجاء فى الحديث الآخر: ((العراقب)) وهو فى معناه (١) ، والعُرقوب : العصَبَةُ فى
مؤخر الرجل فوق العقب وأعلاه .
وقوله: ((وقد حضرت العصرُ)) : أى حان وقت صلاتها ، يقال بفتح الصاد ، وجاء
بكسرها أيضاً .
وقوله: ((ويلٌ)): هى كلمة تقال لمن وقع فى هلكة (٢) ، وقيل لمن يستحقها،
[ وقيل: هى المهلكة، وقيل: المشقةُ من العذاب، وقيل: الحُزن] (٣) وقيل: ويل وادٍ
فى جهنم .
وجاء فى هذه الأحاديث ذكرُ الغسْل للأعضاء وهو يشعر بمرِّ اليد مع الماء . وقد فرقت
العرب بين الغسل والغمس والمسح والصب والنضح [والنضخ] (٤)، [ وذلك ] (٥) شرط
(٢) فى ت : تهلكة .
(١) سيأتى برقم (٢٩) بالباب .
(٣) سقط من ت .
(٤) من الأصل.
والغمس هو : إرسابُ الشىء فى الشىء السيال ، والمسح هو : إمرارك يدك على الشىء السائل
أو المتلطخ تريد إذهابه ، والصبَّ الإراقة ، والنضحُ هو : الرش ، والنضخ دونه ، وقيل : هو ما كان على
غير اعتماد ، والنضح ما كان على اعتماد . لسان العرب .
(٥) لعلها : والدّلك، أو لعله يرجع إلى مر اليد مع الماء .

٣٦
كتاب الطهارة / باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما
٢٨ - (٢٤٢) حدّثْنا عَبْدُ الرَّحْمَن بْنُ سَلام الجُمَحِىُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ - يَعْنِى ابْنُ
مُسْلِم - عَنْ مُحَمَّد .. وَهُوَ ابْنُ زِيَاد - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ◌َّهُ رَأَى رَجُلاً لَمْ يَغْسِلْ
٠ے
عَقَبَيْهِ فَقَالَ: (( وَيَلٌّ لِلأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ)).
١
٢٩ - ( ... ) حدّثْنَا قُتََّةُ وَأَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْب، قَالُوا: حَدَّثْنَا وَكِيعٌ عَنْ
شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّد بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يَتَوَضُّؤُونَ مِنْ الْمِطْهَرَةِ ، فَقَالَ:
أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، فَإِنِّى سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ثَُّ يَقُولُ:( وَيَّلٌ لِلِعَرَقِيبِ مِنَ النَّارِ)).
٣٠ - ( ... ) حدّثنی زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى
هُرَيْرَةَ؛ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ عَهُ: (( وَيْلٌ لِلأَعْقَاب مِنَ النَّارِ)).
عندنا فى مشهور مذهبنا خلاف ما ذهب إليه أبو الفرج (١) ومحمد بن عبد الحكم ورواه
الطَاطِرى عن مالك فى سقوط وجوب الدلك ، وحكى الطبرى أن الغسل يقع على ما لم
تَمُرّ عليه اليد ، وهو مذهب الشافعى وغيره (٢).
وفى صفة فعله عَّه البداءة بالوجه وترتيب الأعضاء على نسق القرآن، ولم يُروَ
خلاف هذا عنه فاستدل به من يرى الترتيب واجباً ، وهو مذهب الشافعى وأهل الحديث ،
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٣)، و﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ﴾ (٤)، وقول
------- -
(١) أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع ، مولى عبد العزيز بن مروان ، كان قد رحل إلى المدينة ليسمع من
مالك فدخلها يوم مات ، وصحب ابن القاسم وأشهب وابن وهب، سمع منهم وتفقه معهم . قال أبو أحمد
الجرجانى: كان كاتب ابن وهب. وقال اللالكائى: كان وراقه وأخصّ الناس به.روى عنه الذهلى، والبخارى ،
وأخرج عنه ، ويعقوب بن سفيان . توفى سنة أربع وعشرين ومائتين . ترتيب المدارك ٤ / ١٧ - ٢٢ .
(٢) ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن دلك الأعضاء فى الغسل سنة وليس بفرض، لقول النبى معَّه لأبى
ذر فيما أخرجه أبو داود والترمذى واللفظ لأبى داود: « فإذا وجدت الماء فأمسّه جلدك »، وقال فيه
الترمذى: ((حديث حسن صحيح)). فلم يأمره النبى عَّه بزيادة، ولقوله عَّ الآتى لمسلم لأم سلمة:
(( إنما يكفيك أن تُحثى على رأسك ثلاث حثيّات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين))، ولأنه غُسْلٌ فلا يجب
إمرارُ اليد فيه كغسل الإناء من ولوغ الكلب . وذهب المالكية والُزْنى من الشافعية إلى أن الدلك فريضة من
فرائض الغسل ، واحتجوا بأن الغسل هو إمرارُ اليد ، ولا يقال لواقف فى المطر : اغتسل ، وقال المزنى :
ولأن التيمم يشترط فيه إمرار اليد فكذا هنا .
وقال المالكية : هو واجب لنفسه لا لإيصال الماء للبشرة ، فيعيد تاركه أبدا ، ولو تحقق وصول الماء
للبشرة لطول مكثه مثلاً فى الماء .
راجع حاشية الدسوقى على الشرح الكبير ١ / ١٣٤، والمجموع ٢ / ١٨٥، وكشف القناع ١٥٣/١.
(٤) البقرة : ١٥٨.
(٣) الحج : ٧٧ .

٣٧
كتاب الطهارة / باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما
النبى معَّ: ((نبدأ بما بدأ الله به)) (١) وأن الواو أتت هاهنا للترتيب، وإلى هذا ذهب من
أصحابنا محمد بن سلمة وأبو مصعب (٢) ، وحكاه عن أهل المدينة ، وهو ظاهر إحدى
روايتى علىٍّ بن زيادٍ عن مالك ، وذهب معظم الصحابة والسلف : أن ذلك ليس بفرض ،
وهو مشهور قول مالك وهو قول الكوفيين وجماعة من العلماء ، ومذهب مالك أن الترتيب
سنة ، وأصل الواو أنها لا تقتضى ترتيباً إلا بقرينةٍ من غيرها ودليل سواها ، فالواو لو
كانت تقتضى الرتبة لما احتاج النبى معَّه أن يُبيِّن البداية بالصفا ، وأنَّ علتها التبرك بما بدأ
الله به ، وفعل النبى يدلُّ أنَّه سنة، لكن إنما يُرى عند (٣) مالك فى المفروض لا المسنون،
فيجعله يُكرِّرُ ما قدَّم من المفروض دون المسنون ويغسل ما بعدَه فى القرب (٤).
واختلف فى البعد عندنا فى العامد لذلك هل يُعيد الوضوءَ أو لا شىء عليه ؟ وهل
يُعيدُ ما صَلَّى أو لا ؟ وفى الناسى هل يُعيدُ ما قدَّم لا غير أم يعيده وما بعده ؟ وكذلك لم
يُذكر فى هذه الأحاديث مسح الأذنين ، وفى طيِّ ذكرها دليلٌ لمالك أنهما من الرأس (٥)،
(١) أبو داود فى المناسك، ب صفة حجة النبى عَّ (١٩٠٥)، ومالك فى الموطأ ك الحج، ب البدء بالصفا فى
السعى (١٢٦) .
(٢) هو الإمام الثقة شيخ دار الهجرة أبو مصعب أحمد بن أبى بكر القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب ،
لازم مالك بن أنس ، وتفقه به ، وسمع منه الموطأ ، وأتقنه عنه ، احتج به أصحاب الصحاح ، وآخر شىء
روى عن مالك من الموطآت موطأ أبى مصعب ، وموطأ أحمد بن إسماعيل السهمى ، وفى هذين
الموطأين نحَوّ من مائة حديث زائدة ، وهما آخر ماروى عن مالك ، وفى ذلك دليل على أنه كان يزيد فى
الموطأ أحاديث كل وقت كان أغفلها ثم أثبتها . تذكرة الحفاظ ٢ / ٦٠، سير ١١ / ٤٧٢ .
قال أبو مصعب: من لم يتوضأ على ترتيب الآية فعليه الإعادة لما صلى بذلك الوضوء. الاستذكار ٢/ ٦١ .
(٣) فى الأصل : عنه .
(٤) الترتيب فى اللغة: هو جعل كل شىء فى مرتبته، واصطلاحاً: هو جعل الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم
الواحد ويكون لبعض أجزائه نسبةٌ إلى البعض بالتقدم والتأخر . كشاف اصطلاحات الفنون ٢ / ٥٢٧ .
والترتيب فى أعمال الوضوء فرض عند الشافعية والحنابلة لأنها وردت فى الآية مرتبة، قال الله
تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَمْنِ ﴾
[ المائدة: ٦]. ولأن إدخال الممسوح - وهو الرأس - بين المغسولات - يعنى الأيدي والأرجل - قرينة
على أنه أريد به الترتيب ، قالوا : فالعرب لا تقطع النظير عن النظير إلا لفائدة ، والفائدة هنا الترتيب .
قليوبى ١ / ٥٠، المغنى ١٣٧/١. وهو مذهب أبو عبيد القاسم بن سلام، وإسحق بن راهويه، وأبى ثور .
وذهب الحنفية والمالكية إلى عدم وجوب الترتيب فى الوضوء ، بل هو سنة عندهم . ابن عابدين ١ /
٨٣ ، المنثور للزركشي .
(٥) ذهب مالك وأصحابه إلى أن الأذنين من الرأس، إلا أنه يستأنف لهما ماءٌ جديدٌ سوى الماء الذى مسح به
الرأس. وبذلك قال أحمد بن حنبل. وقال الشافعى كقول مالك ، قال : يستأنفُ للأذنين الماءُ ولا يمسحان مع
الرأس، إلا أنه قال : هما سُنَّةٌ على حيالهما ، لا من الوجه ، ولا من الرأس، كالمضمضة والاستنثار .
واحتج مالك والشافعى بأن عبد الله بن عمر كان يأخذ لأذنيه ماء غير الماء الذى مسح به رأسه .
واحتج مالك والشافعى بإجماع القائلين بعموم مسح الرأس ، إلا أنه لا إعادة على من صلَّى ولم يمسح
أذنيه ، وبإجماع العلماء على أن الحاج لا يحلق ما عليهما من الشعر .
=

٣٨
كتاب الطهارة / باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما
لأنه ذكَر مسح الرأس من مقدمه إلى مُؤْخِرِه فحصلت الأذنان فى جملته ، ولم يأت فى هذه
ت ١١٤ / أ الأحاديث تخليل اللحية ، كما جاء تخليل شعر الرأس فى الغسل / فدل أنه غير مشروع ،
وبهذا احتج مالك على عيْب التخليل فى الوضوء ، وهو مشهور قوله (١) ، وقوله الآخر
قاله ابن عبد الحكم ، ويرى تخليلها فى الوضوء كالغُسل .
٥٧ / أ
ذكر / فى حديث محمد بن حاتم وأبى معن الرقاشى عن عمر بن يونس ثنا عكرمة بن
عمَّارٍ ثنا يحيى بن أبى كثير حدثنى أو حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن ثنا سالم مولى
المهرِى قال: خرجت أنا وعبد الرحمن بن أبى بكر فى جنازة سعد بن أبى وقاص ...
الحديث . قال البخارى: قول عكرمة: سالم مولى المهْرِى خطأ ، والصواب سالم مولى شداد
ابن الهاد (٢) ، وكذا ذكره مسلمٌ فى الحديثين قبل هذا، وفى حديث سلمة بن شبيب بعْدُ .
= وقال أبو حنيفة وأصحابه والثورىُّ: الأذنان من الرأس، يُمْسَحان مع الرأس بماءٍ واحدٍ ، ورُوى عن
جماعة من السلف من الصحابة والتابعين مثل هذا القول ، ومن حجتهم حديث الصنابحى الذى أخرجه
مالك والنسائى أن رسول الله عَّه قال: ((إذا توضأ العبدُ المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، وإذا
استثر خرجت الخطايا من أنفه ، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه ، حتى تخرج من تحت أشفار
عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه ، حتَّى تخرج من تحت أظفار يديه ، فإذا مسح برأسه
خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه ، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه ، حتى تخرج
من تحت أظفار رجليه ، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاتُه نافِلَة له )). وكذلك حديث زيد بن أسلم عن
عطاء بن يسار عن ابن عباس: «توضأ رسول الله عَّ فأدخل يده فى الإناء فاستنشق ومضمض مرةً واحدةً ،
ثم أدخل يده فصب على وجهه مرةً وصبَّ على يديه مرةً ومسح رأسه وأذنيه مرةً واحدة » البخارى ، ك
الطهارة ، ب الوضوء مرة مرةً ، قالوا : ومعلوم أن العمل فى ذلك بماء واحد وقال ابن شهاب الزهرى :
الأذنان من الوجه ، لأنهما مما يواجهك ولا ينبُتُ عليهما شعر الرأس . وما لا ينبتُ عليه شعر الرأس فهو
من الوجه إذا كان فوق الذقن ولم يكن قفا ، وقد أمر الله بغسل الوجه أمراً مطلقا، وكل ما واجهك فهو
وجه ومن حجته - أيضاً - قوله تعَّه فى سجوده: ((سجَدَ وجهي للذي خلقه وشقَّ سمعه وبصره ))، قال :
فأضاف السمع إلى الوجه . الاستذكار ٢ / ١٩٥ .
(١) فى الحديث الذى أخرجه مالك فى الموطأك الطهارة، ب العمل فى غسل الجنابة (٦٧) والشيخان عن عائشة،
((أن رسول الله عَّه كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه ثم توضأ كما يتوضَّأ للصلاة ثم يدخل أصابعه
فى الماء فيخلِّل بها أصول شعره ، ثم يَصُبُّ على رأسه ثلاثَ غرَفَات بيديه ، ثم يُفيضُ الماءَ عَلى جلدِهِ
كله)). قال ابن عبد البر: ((اختلف قولُ مالك فى تخليل الجنب لحيتَه فى غُسْلِه، فرَوَى ابن القاسم عنه أنّه
ليس ذلك عليه ، وروى أشهب أن عليه أن يُخلِّل لحيته من الجنَابَةِ ، وذكر ابن عبد الحكم عن مالك قال :
هو أحبُّ إلينا .
قال : وحديث عائشة يشهدُ بصحَّة قول من رأى التخليل فى ذلك ، لأنه بيانٌ منه - عليه السلام -
لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنْبًا فَاطَهَّرُوَاَ ﴾ [ المائدة: ٦])) الاستذكار ٣ / ٦٢.
(٢) هو سالم أبو عبد الله مولى مالك بن أوس بن الحدثان النصرى ، وهو سالم سبلان المدنى ، قال البخارى :
ويقال : سالم مولى شداد النصرى ، وهو مولى دوس . التاريخ الكبير ٢ / ٢ /١٠٩.

٣٩
كتاب الطهارة / باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما
وقوله فيه: (( كنتُ أنا مع عائشة .. )) الحديث ، كذا صوابه ، وكذا عند أبى بحر
والقاضى أبى علىٍّ من شيوخنا ، ووقع عند ابن أبى جعفر عن الطبرى وفى كتاب أبى عبد
الله بن عيسى: ((كنت أتابع عائشة)) (١).
(١) وقد نقل البخارى عن محمد بن عبد الرحمن أن أبا عبد الله مولى شداد بن الهاد حدَّه أنه دخل على
عائشة فقالت: سمعتُ النبى عَّه يقول: ((ويلٌ للأعقاب من النار))، ثم أسند إلى بكير أن أبا عبد الله
شيخاً بالمدينة لا أعلم شيخاً أكبر منه - التاريخ الكبير ٢ / ٢ /٠١١٠

٤٠
كتاب الطهارة / باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة
(١٠) باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة
٣١ - (٢٤٣) حدّثنى سَلَمَةُ بْنُ شَبيب، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدُ بْنِ أَعْيَنَ،
حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَخْبَرَنِىَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ؛ أَنَّ رَجُلاً تَوَضَّأَ فَتَرَكَ
مَوْضِعَ ظَّفُرٍ عَلَى قَدَمِهِ . فَأَبْصَرَهُ النَِّىُّ ◌َّهُ فَقَالَ: ((ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ)) فَرَجَعَ ثُمَّ
صَلَّى.
وقوله فى الذى ترك موضع ظفر قَدمِه: ((ارجع فأحسن وضوءك )) : دليلٌ على
استيعاب الأعضاء وغسل الرجلين ، وأن تارك بعض وضوئه جهلاً أو عمداً يستأنفه، لقوله :
(( فتوضأ)) ، ولم يقل : فغَسل ما نسى .
وقوله له: (( أحسن وضوءك)) ولم يقل : اغسل ذلك الموضع ، وفيه حجة للموالاة .