النص المفهرس

صفحات 1-20

شَرِحَ صِيٌ مُسْئِ القَاضِ عِيَاضْ
المُسَمّى
إِلَا المُعْلِم بِهَوَائِ مُسْلِء
للإمام الحافظ أبي الفضل عَاض بن مُوسَى بن عَاضِ الْخْصَى
ت ٥٤٤ هـ
تحقیق
الدكتور يحيى إسماعيل
الجزءُ الثّانِى

حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤١٩ هـ- ١٩٩٨ م
۔
ـوفـ
للسطباعتهاشر
دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - ج.م.٤ - المنصورة
الإدارة : ش الإمام محمد عبده المواجه لكلية الآداب ص . ب٢٣٠
ت :٣٤٢٧٢١/ ٣٥٦٢٣٠/٣٥٦٢٢٠ فاكس ٣٥٩٧٧٨
المكتبة : أمام كلية الطب ت ٣٤٧٤٢٣

شَرٌ صَحِيخُ مُسْلِالْقَاضِ عَاض
المُسَمِّى
إكمال المعَلِ قَوَاتِ مُسِيِّ

.

٥
كتاب الطهارة / باب فضل الوضوء
بسم الله الرحمن الرحيم
٢ - كتاب الطهارة
(١) باب فضل الوضوء
١ - (٢٢٣) حدّثنا إسْحقُ بْنُ مَنْصُور، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هلال، حَدَّثَنَا أَبَانٌ، حَدَّثَنَا
قوله عَلَّهِ: ((شطر الإيمان))، قال القاضى: يُقالُ: الطَّهورُ والطُّهورُ ، بفتح الطاء وضمها ،
وكذلك الوَضوء والوُضوء، والغَسْلُ والغُسْل. فبالضم الفعل ، وبالفتح الماء، حكى عن الخليل
الفتح فيهما فى الوضوء ولم يعرف الضَّم. قال ابن الأنبارى: والأول هو المعروف والذى
عليه أهل اللغة، وقال الأصمعى(١): غُسلا وغَسلا(٢). واشتقاق الطُّهر من الطهارة وهى
النظافة من المذامِّ والقبائح ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٣) ومنه: امرأةٌ طاهرٌ من الحيض وطاهرةٌ من الذنوب، وكذلك الوُضوء من
الوضاءة وهى النظافة والحسن؛ لأنه يُحسِّنُ الإنسانَ وينظّفه بإزالة درنه وشعَتِه، قال بعضُهم :
والمراد بهذه النظافة : النورُ الذى يكون لصاحبه يوم القيامة، والأول أظْهَرُ وهو المعروف به .
وقوله: ((شطر الإيمان))، قال الإمام: يحتمل هذا [ الحديث ] (٤) وجهين:
أحدُهما: أن [ يكون ](٥) المراد بقوله: ((شطر الإيمان)): [ أى ] (٦) أنه ينتهى تضعيف
الأجر فيه إلى نصف أجر الإيمان من غير تضعيف ، وهذا كأحد التأويلات فى قوله عمّه :
(( [ أن ] (٧) ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ تعدل ثلث القرآن)) (٨) وسنذكره بعد إن شاء الله.
(١) هو عبدالملك بن قريب بن عبد الملك بن على بن أصمع بن مطهر بن رباح بن عمرو الباهلى، أبو سعيد
الأصمعى البصرى أحد الأعلام . روى عن ابن عون ، وسليمان التيمى وغيرهم ، وروى عنه أبو عبيد
ابن القاسم بن سلام ، ويحيى بن معين ، وأبو حاتم وغيرهم . قال أبو أمية الطرطوسى : سمعت يحيى بن
معين وأحمد يثنيان على الأصمعى فى السنة . وقال الربيع : سمعت الشافعى يقول : ماعبر أحد عن
العرب بأحسن من عبارة الأصمعى . وقال الدورى : قلت لابن معين: أريد الخروج إلى البصرة فعمن
أكتب ؟ قال : عن الأصمعى ، فهو ثقة صدوق . ولد سنة بضع وعشرين ومائة ، وعاش ثمانٍ وثمانين
سنة. تهذيب التهذيب ٤١٥/٦ - ٤١٧، سير ١٧٥/١٠ - ١٨١.
(٢) وقيل : إن كان الغسل مصدرا لغسلت فهو بالفتح ، كضرَب ضرباً ، وإن كان بمعنى الاغتسال فهو بالضم ،
نحو غسل الجمعة واجب، وأما الغِسْلُ بالكسر فاسم لما يغسل به الرأس .
(٣) الأحزاب : ٣٣ .
(٤ - ٧) من المعلم .
(٨) البخارى فى فضل القرآن، ب فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ٩ / ٥٩ عن أبى سعيد الخدرى.

٦
كتاب الطهارة / باب فضل الوضوء
الوجه الثانى : أن يكون معنى ((شطر الإيمان)): أنَّ الإيمان يجُبُّ ماقبلَه من الآثام ،
وقد أخبر ◌َّ أن الوضوء - أيضاً - تذهب من (١) الإنسان الخطايا، إلا أنه قد قام الدليل
أن الوضوءَ لا يَصح الانتفاع به إلا مع مُضامَّةً الإيمان لَه ، فكأنَّه لم يحصل به رفع الإثم إلا
مع شىءٍ ثانٍ ، ولما كان الإيمان يمحُو الآثام المتقدمة عليه بانفرادِه ، صار الطُّهورُ فى التشبيه
كأنه على الشطر منه .
ر وفى هذا الحديث أيضاً حجةٌ على من يرى [أن] (٢) الوضوء لا يفتقر إلى نيَّةً (٣).
وهذه المسألة بما اختلف الناس فيها على ثلاث مقالات ، فقال الأوزاعى وغيره : الوضوء
والتيمم جميعا لا يفتقر إلى نية ، وقال مالك فى المشهور عنه : إنهما يفتقران إلى نيَّةٍ (٤).
ت ١٠٨ / أ وروى عن مالك قوله تارة (٥) أن / الوضوء يُجزئ بغير نيَّةَ (٦)، وقال أبو حنيفة: أما
التيمُّم فلا بد فيه من نية ، وأما الوضوء فلا (٧) . فأما الأوزاعى ومن وافقه فيحتج بالأوامر
التى وقعت بالوضوء ولم تُذكر فيها النية ، ويحتج أيضا بأن الوضوء ليس من العبادات
كالصلاة وشبهها ، وإنما وجب لغيره ، وكان شرطا (٨) فى صحته ، فَحَلَّ مَحل غسل
النجاسة وستر العورة ، وشبه ذلك من شروط الصلاة المجزئة بغير نية ، ويحتج مالك عليه
بحديث: (( الأعمال بالنيات)) (٩) وبهذا الحديث المتقدم ، وأنه لو لم يكن من أكبر العبادات
لم يجعَلْه شطر الإيمان ، فإذا أوجب ذلك كونه عبادةً افتقر إلى نية عند المخالف وعندنا ،
وعليه من الحجاج كثير ، وأما تفرقة أبى حنيفة بين الوضوء والتيمم فضعيفةٌ ؛ لأن البدل
إذا افتقر إلى نيةٍ فأحرى أن يفتقر المبدلُ منه (١٠) ، وأشبه ما وجه له به قول الله
(١) فى المعلم: (( عن ))
(٢) من المعلم .
(٣) يعنى بهم الأحناف، حيث ذهبوا إلى أن الماء مطهر بذاته؛ مستدلين لذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ
مَاءَ طَهُورًا ﴾ [ الفرقان: ٤٨] .
(٤) قال ابن القاسم: لا يكون الوضوء عند مالك إلا بالنية. راجع: المدونة الكبرى ٣٢/١.
(٥) فى المعلم : شاذة .
(٦) هذا فى النافلة . المدونة ٣٢/١ .
(٧) لأن التيمم ليس بطهارة حقيقية ، وإنما جعل طهارة عند الحاجة ، والحاجة إنما تعرف بالنية بخلاف الوضوء ؛
لأنه طهارة حقيقية فلا يشترط له الحاجة ليصير طهارة ، فلا يشترط له النية . وذكر الجصاص أنه لا يجب فى
التيمم نية التطهير ، وإنما يجب نيَّة التمييز ، وهو أن ينوى الحدث أو الجنابة ؛ لأن التيمم لهما يقع على صفة
واحدة ، فلا بد من التمييز بالنية كما فى صلاة الفرض أنه لابد فيها من نية الفرض ؛ لأن الفرض والنفل
يتأديان على هيئة واحدة . راجع : بدائع الصنائع ١٩٦/١ .
(٨) هو مايلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته . وذلك كحولان الحول فى الزكاة ،
فإنه يلزم من عدمه عدم وجوب الزكاة ، ولا يلزم من وجوده وجوبها لاحتمال عدم النصاب ، ولا عدم
وجوبها لاحتمال وجود النصاب عند حولان الحول. انظر: شرح تنقيح الفصول ٨٢، جمع الجوامع ٢/ ٢٠.
(٩) جزء حديث متفق عليه، أخرجه البخارى فى أكثر من موضع، منها: ك بدء الوحى (١) وك الإيمان (٥٤)،
ومسلم ، ك الإمارة، ب إنما الأعمال بالنية (١٥٥)، والنسائى فى الطهارة، ب النية فى الوضوء ٥١/١،
وفى الطلاق ، وأخرجه ابن ماجة فى الزهد ، ب النية ٢/ ١٤١٣ .
(١٠) ليس بلازم ، وإنما افتقر البدل عندهم إلى نية لضعفه كما قدمنا.
٠

٧
كتاب الطهارة / باب فضل الوضوء
يَحْبَى؛ أَنَّ زَيّدًا حَدَّثَهُ ، أَنَّ أَبَا سَلامِ حَدَّثَّهُ عَنْ أَبِى مَالك الأَشْعَرِيِّ؛ قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله
عَّةُ: ((الطُّهُور شَطْرُ الإِيمَانِ، وَاَلْحَّمْدُ للهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ الله وَاَلَحَمْدُ لله تَمْلآن -
١/٥٤
تعالى: ﴿فَيَمَّمُوا صَعِيدًا طًَّا﴾ (١)، والتيممُ القصدُ، والمقصود / منوىٌ .
قال القاضى: ذهب بعض المتكلمين على معانى الحديث أن معنى قوله: ((شطر الإيمان)):
أن الإيمان شطران: تطهير السِّر عن الشرك وأنجاس الكفر، قال الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرٍ﴾(٢).
قال أهل التفسير: قلبك ونفسك(٣)، وتطهير الجوارح عن عبادة غير الله، فمن طهَّر باطنه فقد
استكمل الإيمان، ومن تطهَّر لله فقد طهَّرَ ظاهره، فجاء بنصف الإيمان لأنه تطهير من الحدث
والأنجاس للوقوف بين يدى الله، فإذا طهّر سِرَّه من الخواطر والأنجاس للمناجاة لله كمل إيمانُه،
والإيمان ظاهِرٌ وباطِنٌ، فظاهِرُهُ إقرارٌ وتسليمٌ، وباطنه إخلاصٌ وتصديق. وقد يقال : المرادُ
بالإيمان هنا الصلاةَ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم﴾ (٤)، ولما كانت الصلاة
مفتقرةٌ إلى هذه العبادة الأخرى التى هى الطهارة ، ولا يتم إلا بها كانت كالشرط (٥) لها .
وقوله: ((والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السموات
والأرض)): بيانُ أجر الحمد إذا أضيف إلى التسبيح وقُرن به على إفراده ؛ لأنه ملأ الميزان -
أى من الأجر - وإذا قُرِن بالتسبيح كان أجره بقدر ملء ما بين السموات والأرض ، وذهب
بعضهم إلى أن ثناء العبودية على شيئين : المعرفة بالله ، والافتقار إلى الله ، فصفاء معرفة
الله بتنزيهه ، وكمال الافتقار إليه: أن ترى نفسك فى تصريفه كيف شاء ، فغاية التنزيه
سبحان الله ، وفى الحمد لله الافتقار إلى الله ، وأنه رأى أقواله وأفعاله بالله ، ولم يرها من
نفسه، وقد روينا هذا الحديث من غير هذا الطريق: ((التسبيح نصف الميزان [والحمدُ ملاؤه ](٦)
والتكبير يملأ مابين / السماء والأرض)) (٧) ومعناه يرجع إلى ما ذكرناه. ولأصحاب ت ١٠٨ / ب
الإشارات فى معانى هذا أغراض أخر يُنبِّه عليه بعض ما ذكرناه .
(٢) المدثر : ٣ .
(١) النساء : ٤٣، المائدة : ٦ .
(٣) وهذا القول محكى عن ابن عباس والشعبى وعطاء وإبراهيم النخعى. راجع: تفسير القرآن العظيم ٢٨٨/٨ .
(٤) البقرة : ١٤٣ .
(٥) هكذا فى جميع النسخ والأليق بالسياق : الشطر .
ويعكر على ما اختاره القاضى أن توقف الصلاة على الطهارة هو توقف شروط على شرط ، ولا يصح
فى شرط الشىء أن يكون شطره ؛ لأن شرط الشىء خارج عنه ، وشطره داخل فيه .
هذا ويمكن أن يجاب عنه بأن الأمر هنا من باب الاستعارة أو التشبيه البليغ ، أى الطهارة كشطر الإيمان ،
والمقصود من الكلام هنا تعظيم أمر الطهارة .
(٦) فى ت : والحمد لله يملؤه .
(٧) الحديث أخرجه الترمذى من حديث عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو، وأحمد والترمذى عن رجُل
من بنى سُلَيم بلفظ: (( والحمد لله يملأُه))، وزاد: «والصومُ نصف الصبر، والطُّهورُ نصف الإيمان)»، وقال
الترمذى فى الأول: ليس إسناده بالقوى ، وفى الثانى : هذا حديث حسن . الترمذى ، ك الدعوات
٥٣٦/٥، أحمد فى المسند ٣٦٣/٥. يراجع لذلك: الرسالة القُشيرية ٤٦٤/٢، وإحياء علوم الدين
٢٢٠١/١٢ .

٨
كتاب الطهارة / باب فضل الوضوء
أَوْ تَمْلأُ - مَابَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ،
وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ . كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَابِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْقُهَا، أَوْ مُوبِقُهَا)) .
وقوله: ((الصلاة نور)): يحتمل أن المراد أن يكون أجرُها نوراً لصاحبها يوم القيامة ،
أو أنَّ الصلاة سببٌ لإشراق أنوار المعارف ، وانشراح القلب ، ومكاشفات الحقائق لتفرغ
القلب فيها، والإقبال بالجسم والقلب على الله وشغل الجوارح بها عما سواه؛ كما قال عَّه :
(( وجعلت قرة عينى فى الصلاة)) (١)، وهو مثل قوله فى هذا الحديث: ((والصوم ضياء))،
وهى رواية بعض الشيوخ (٢)، وروايتنا فيه عن أكثرهم: ((والصبر ضياء))، وقد يكون
قوله: (( والصلاة نور)) على وجهه إشارة إلى الغُرَّةِ كما ورد فى حديث عبد الله بن بُسْرٍ
عنه عَّ أنه قال: ((أمتى يوم القيامة غرٌّ من السجود مُحَجَّلون من الوضوء)) (٣)، ويكون بمعنى
قوله: (( من صلى بالليل ضاء وجهه بالنهار)) وإن كان لم يصح حديثاً فقد صح معنىً ،
وذلك أن من لم يُصلِّ الصبح ولا توضأ للصلاة أصبح شَعِث الشعر ، أقذى العينين ، غير
نظيف الأنف والفم ، وإذا توضأ تنظف ، وزال عنه الشعث ، وأضاء وجهه بالنظافة .
وقوله: ((والصَّدقةُ برهان)) مثل قوله: ((والقرآن حجة))، وقد يحتمل أن يكون برهان
الصدقة على إيمان المؤمنين، ودليلٌ على الفرق بينهم وبين المنافقين الذين يلمزون (٤) المطوعين
من المؤمنين فى الصدقات، ألا ترى ما كان ممن ضعُفَ إيمانه فى الردة من منعها .
وقوله: (( كل الناس يغدو ، فبائع نفسه فمعتقها أو مُوبقها)) : يحتمل أن يكون بائع
نفسه هنا بمعنى مُشترٍ وبمعنى بائع ، فجاء بلفظ مشترك بين المعنيين ؛ لأن اللفظة فى اللغة
تقع على المعنيين ، ثم جاء بالجواب على المعنيين جميعاً ، أى من اشتراها أَعتقها ، ومن
باعها أوبقها ، أى أهلكها ، ومثل هذا قول ابن مسعود: (( الناس غاديان ، فبائع نفسه
فموبقُها ، أو مفاديها فمعتقها )) (٥) ، وهذا نوع من الإيجاز بديع عند أهل البلاغة ،
ويحتمل أن يكون البيع على الوجه (٦) المعروف وحده ، أى فبائع (٧) نفسه من الله،
فأعتقها كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّة﴾ (٨) ، أو
باعها من غيره فأوبقها، كما قال فى السحرة: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾(٩). وهذا
(١) النسائى، ك عشرة النساء، ب حب النساء ٧/ ٦١، وأحمد فى المسند ١٩٩/٣، والحاكم فى المستدرك
٢/ ١٦٠، وهو جزء حديث عن أنس.
(٢) سبق تخريجها .
(٣) الترمذى فى الصلاة، ب ماذكر فى سيما هذه الأمة يوم القيامة من آثار السجود والطهور ٢ / ٥٠٥ .
(٤) اللمز : العيب فى الوجه ، وأصله الإشارة بالعين والرأس والشفة مع كلام خفى ، وقيل : الاغتياب ،
وقيل : العيب. لسان العرب، مادة (( لمز)).
(٥) جزء حديث، أخرجه الطبرانى، وقال فيه الهيثمى: إسناده جيد. مجمع ٢٣٦/١٠. (٦) فى الأصل: جهة.
(٩) البقرة : ١٠٢ .
(٨) التوبة : ١١١.
(٧) فى الأصل : فباع .
--

٩
كتاب الطهارة / باب فضل الوضوء
الحديث قد اختُلفَ فى سنده ، قال الدارقطنى: أدخل بعضهم (١) فيه بين أبى سلام
وأبى مالك عبد الرحمن بن غنْمٍ ، وكذا ذكره النسائى (٢).
(١) هو معاوية بن سلام كما ذكر الدارقطنى فى الإلزامات قال : وخالفه معاوية بن سلام ، رواه عن أخيه زيد
عن أبى سلام عن عبد الرحمن بن غنم ، ١٩٧. وفهم محقق الإلزامات من هذا أن الحديث بهذا عند
مسلم يكون منقطعا ، وأن الصحيح ما كان من طريق معاوية .
قلت : الحديث بهذا الطريق أخرجه الترمذى فى الدعوات ٥٣٥/٥. وقال: (( هذا حديث حسن
صحيح )).
قال الحافظ ابن حجر: وأما إدخال ((عبد الرحمن بن غنم )) بين أبى سلام وأبى مالك فيحتمل أن
يكون الحديث عند أبى سلام بإسنادين : أحدهما عن عبد الرحمن بن غنم عن أبى مالك ، والآخر عن
الحارث بن الحارث الأشعرى ، والحارث أيضا يكنى أبا مالك ، لكن أبو مالك - شيخ عبد الرحمن بن
غنم ــ غيره فيما يظهر لى، والله أعلم. النكت الظراف على الأطراف ٩/ ٢٨٣.
(٢) فى أعمال اليوم والليلة كما أشار المزى ، وقد أخرجه من الطريقين هناك.

١٠
كتاب الطهارة / باب وجوب الطهارة للصلاة
(٢) باب وجوب الطهارة للصلاة
(٢٢٤) حدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُور وَقْتَيْبَةُ بْنُ سَعيدٍ وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِىُّ - وَاللَّفْظُ
لِسَعيد - قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَاتَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبَ ،عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدَ، قَالَ: دَخَلَ
عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ عَلَى ابْنِ عَامِرٍ يَعُودُهُ وَهُوَ مَريضٌ. فَقَالَ: أَلا تَدْعُو اللهَ لَى يَا ابْنَ عُمَرَ ؟
قَالَ: إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِعَثَّهُ يَقُولُ: (( لا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بغَيْرِطُهُور، وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُّول))
--
وقوله : (( لا يقبل الله صلاةً بغير طهورٍ، ولا صدقةٍ من غلول)): الغلولُ : الخيانة.
وهذا الحديث نصٌّ وأصلٌ فى وجوب الطهارة من السنة مع أمثاله من الآثار (١) ، وهذا
مما لا خلاف فيه بين الأمة ، وأن الصلاة من شرطها الطهارة بإيجاب الله تعالى فى كتابه ،
وعلى لسان نبيه ، وإجماع أهل القبلة على ذلك .
ت ١٠٩ / أ
واختلف متى فُرضت الطهارة للصلاة ، وهل كانت فى أوّل الإسلام فرضاً / أو سنةً ؟
وهل هى فرض على كل قائم للصلاة أو على كل محدث ؟ وفى الوضوء لغير الفرائض هل
هو فرض أو له حكم ما تُوضِّئ من أجله ؟ فقال ابن الجهم: إن الوضوء أولاً كان سُنّةً، وإن
فرضه نزل فى آية التيمم ، وقال غيره: إن قوله تعالى: ﴿ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾(٢)
غير مشترط فيه طهارة ، وأنَّ آيةَ الوضوء ناسخةً لذلك (٣) ، وقال غيره - وهو قول
الجمهور - : بل كان قبل فرضاً ، ولا تُسْتباحُ الصلاة إلا بطهارة من الوضوء والغسل ، قال
بعضهم : وذلك بسنة النبى معَّ وأمره (٤) وآية الوضوء (٥) إنما نزلت بحكم التيمم ،
(١) اعترض على هذا بأن الحديث إنما فيه أن الطهارة شرط فى القبول، والقبول أخصُّ من الصحة، وشرط
الأخص لا يلزم أن يكون شرطا فى الأعم ، وكان القبولُ أخصَّ لأنه حصول الثواب على الفعل ، والصحة
وقوع الفعل مطابقاً للأمر ، فكل متقبَّل صحيحٌ دون عكس ، وعلى هذا فالذى ينتفى بانتفاء الشرط الذى
هو الطهارة القبولُ لا الصحة ، وإذا لم تنتف الصحةُ لم يتم الاستدلال بالحديث . الأبى ٧/٢.
(٢) النساء : ٤٣ .
(٣) قال ابن العربى: أما هذه الآية فلا يصح نسخُها بحال ؛ لأن التكليف مقرون بصحة العقل ، والصلاة من
أجَلٌّ وظائف التكليف ، فلا يمكن إقامتها إلا مع وجود العقل الذى يرتبط مع الأقوال والأفعال ، وينعقد
بالنيات والمقاصد ، ومن أصابه أقل من ذلك مما يشغل البال ومما يذهب التحصيل ؛ كالغثيان - اضطراب
النفس حتى تكاد تتقيأ - والقرقرة - صوت الأمعاء فى البطن - والحقنة - وجع البطنِ باحتباس البول - لم
تجز الصلاة معه ، فكيف بما يذهب أصل التحصيل؟ ... قال: وكان هذا إبان حلَّت الخمر فلما حُرِّمت
بقى النهى عليها فى هذه الآية ، فالآيه على ذلك حديث عن تاريخ التشريع . الناسخ والمنسوخ فى القرآن
الكريم ١٧٣/٢ .
(٤) لأن هذه الآية - آية المائدة - مدنية بلا خلاف؛ لأنها نزلت فى قصة عائشة، كما أنه لا خلاف أن
الوضوء كان مفعولاً قبل نزولها غير متلوُّ .
(٥) فى الأصل : التيمم .

١١
كتاب الطهارة / باب وجوب الطهارة للصلاة
ولذلك سميت آيةُ التيمم ولم تسم آية الوضوء ، وحجة الآخر أنها / جاءت بحكم التيمم ٥٤ / ب
ورخصته فسميت به ، والوضوء قد كان مشروعاً قبل لكن غير فرض (١) ، فلم يُحدِث فيه
حكما مؤتنفاً إنما أكدتْ حكمه من السنة إلى الفرض، وقد روى أن جبريل همز للنبى عمّ
صبيحة الإسراء بعقبه فتوضأ وعلَّمه الوضوء (٢) ، وكذلك ذهب ذاهبون من السلف إلى أن
الوضوء لكل صلاة فرض بدليل قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ (٣) : أى أردتم القيام، وذهب قومٌ
إلى أن ذلك قد نسخ بفعل النبى معَّهِ (٤) ، وقيل: الأمرُ بذلك لكل صلاة على الندب ،
ويُذكَرُ مثله عن على بن أبى طالبٍ، ولأنه لو كان الوضوءُ واجباً على كل قائمٍ للصلاة لم
يكن لذكر الأحداث فى الآية معنىّ، وقيل : بل لم يُشرع إلا لمن أحدث ولكن تجديده لكل
صلاة مستحب ، وعلى هذا اجتمع رأى أئمة الفتوى بعد بغير خلاف . ومعنى قوله عندها
أوَّلًا: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾: أى مُحدثين أو من النوم (٥). وقيل: بل كان النبى معَّه يلتزم تجديد
الوضوء لكل صلاة ، ثم جمع بين صلاتين بوضوء واحدٍ ليرى الرُّخصة فى ذلك للناس ،
وأما الوضوء لغير الفرائض فذهب بعضُهم [ إلى] (٦) أنّ الوضوء [ يُحكم له ] (٧) بحكم
ما يفعلُ له من نافلة أو سنةٍ ، وذهب بعضهم إلى أنه فرض على كل حال ولكل عبادة، لا
تستباح إلا به ؛ لأنه إذا عزم على فعلها فالمجىء بها بغير طهارة معصية واستخفاف بالعبادة ،
فلزم المجىء بشرطها فرضاً ، كما إذا دخل فى عبادة نفلاً ، ووجب عليه تمامُها لهذا الوجه .
(١) قول محجوج بما نقله ابن العربى عن علماء المالكية تفسيرا لهذا القول قال : معنى قول علمائنا : إن الوضوء
كان بمكة سنةً، معناه : كان مفعولاً بالسنة، فأما حكمه فلم يكن قط إلا فرضا . أحكام القرآن ٥٥٨/٢ .
(٢) الحديث أخرجه ابن إسحق فى السيرة بلفظ: إن النبى معَّه لما فرض الله - سبحانه - عليه الصلاة ليلة
الإسراء ، ونزل جبريل ظهر ذلك اليوم ليُصلِّى به ، فغمز الأرض بعقبه ، فأنبعت ماء ، وتوضأ معلماً له ،
وتوضأ هو معه، وصلَّى فصلَّى رسول الله عَّه.
قال ابن العربى : وهذا صحيح ، وإن كان لم يروه أهل الصحيح ، ولكنهم تركوه لأنهم لم يحتاجوا
إليه، وقد كان الصحابةُ والعلماءُ يتغافلون عن الحديث الذى لا يحتاجون إليه، ويكرهون أن يبتدئوا بذكره
حتى يُحتاج إليه ، بخلاف القرآن . أحكام القرآن ٢/ ٥٥٨ .
(٣) المائدة : ٦ . قال ابن العربى: وكذلك كنا نقول، أخذا بظاهر الآية ، ونحن - يقصد المالكية - ممن يأخذ
بظاهر الخطاب . أحكام القرآن ٢ / ٥٦٠ .
(٤) وقوله: وذلك فيما أخرجه أبو داود والترمذى والنسائى عن ابن أبى بردة عن أبيه أن النبى عَّه كان يتوضأ
لكل صلاة ، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد فقال له عمر : فعلت شيئا لم تكن تفعله ؟
فقال: ((عَمْداً فعلته)). قال فيه الترمذى: ((هذا حديث حسن صحيح)) ٨٩/١ . وفى قول القاضى:
﴿إِذَا قُمْتُم ﴾ : أى أردتم ، ما يشعر بفرضية النية فى الوضوء ؛ لأن الوضوء حالة القيام إلى الصلاة لا
يمكن ، والإرادة هى النية .
(٥) قال ابن العربى: ذكر العلماء أنَّ هذه الآية - المائدة: ٦ - نزلت فى النائمين - من أعظم آيات القرآن
مسائل ، وأكثرها أحكاماً فى العبادات ، وبحقِّ ذلك ، فإنها شطر الإيمان ، ولقد قال بعض العلماء : إن
فيها ألف مسألة ، قال : واجتمع أصحابنا بمدينة السلام فتَتَبعوها فبلغوها ثمانمائة مسألة ، ولم يقدروا أن
يبلغوها الألف . أحكام القرآن ٥٥٨/٢ .
(٧،٦) من ت .

١٢
كتاب الطهارة / باب وجوب الطهارة للصلاة
وَكُنْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ .
( ... ) حدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتّى وَابْنُ بَشَّار، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلَىٌّ ، عَنْ زَائِدَةَ، قَالَ أَبُو بَكْر
وَوَكِيْعٌ: عَنْ إِسْرَائِيلَ، كُلُّهُمْ عَّنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، ◌ِهِذَا الإِسْنَادِ، عَنِ النَِّىِّ ◌َّهُ، بِمِثْلِهِ .
٢ - (٢٢٥) حدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ بْنُ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ
رَاشِدٍ ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّه، أَخِى وَهْبٍ بْنِ مُنَبِه؛ قَالَ: هذَا مَا حَدَّثَنَا أُبُوْ هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّد
رَسُولُ اللهِ عَّةٍ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( لا تُقْبَلُ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ إِذَا
أَحْدَثَ، حَتَّى يَتَوَضَاً )) .
وذكر ابن عمَر لابن عامر وقد قال له: ((ادعُ لى)) هذا الحديث على طريق الوعظ
والتذكرة له بقوله: ((ولا صدقة من غلول))، وجاء بذكر الفصل الثانى كما سمعه - والله
أعلم . وفيه حجةٌ لرواية الأحاديث على نصِّها ، وحجةٌ لمن لا يرى الحديث يُفْصَل من
الحديث دون جملته - وقد تقدم الكلام فيه (١) . أو يكون المعنى : كيف تطمع فى الدعاء
وأنت لم تتنصَّل من تبعات العباد ، ويكون ذكره للحديث كله على وجه التمثيل
ت ١٠٩ / ب والاستشهاد بأنه لا يصح شىء إلا مع وجود شرطه ، فكما لا / تقبل صلاة بغير طهور ولا
صدقة من غلول ، كذلك لا يُرَجى قبول دعاءٍ بغير توبةٍ وإقلاع (٢).
[واحتج بصيغة الحديث من يجيز لمن عدم الماء والتيمم ألا صلاة عليه، وهو قول
مالك، لقوله عَّ: ((لا يقبل الله صلاةً بغير طهور))، وفى المسألة لنا ولغيرنا خلافٌ
نذكره فى التيمم إن شاء الله تعالى ] (٣) ..
وقوله : ((وكنت على البصْرَة)): أى أميراً، يُعرِّض له بالغَلولِ لمال الله، ويُعرِّفه ما
عليه فيه ، ليخافَ ذنبه ولا يغترّ .
وقال فى سند محمد بن مثنى لهذا الحديث بعدُ : قال أبو بكر : وثنا وكيع ، كذا
للسمرقندى ، ولغيره : قال أبو بكر ووكيع عن إسرائيل ، وهما بمعنى ، أى وثنا وكيع
عن إسرائيل .
(١) راجع المقدمة .
(٢) ولعله مذهب لابن عمر ، وهو أنه لا يدعى للمتلبِّس بالمخالفة، إذ أنه - رضى الله عنه ــ ممن عرف
بالشدة فى دين الله ، والجمهور على أن الدعاء لمثله جائز .
(٣) قيدت بهامش ت مشاراً إليها بسهم .

١٣
كتاب الطهارة / باب صفة الوضوء وكماله
(٣) باب صفة الوضوء وكماله
٣ - (٢٢٦) حدّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْح،
وَحَرْمَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِبِىُّ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنَ شِهَبٍ؛ أَنَّ عَطَاءَ
ابْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ حُمْرَانَ (١) - مَوْلَى عُثْمَانَ - أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ -
رضى الله عنه ـــ دَعَا بوَضُوء، فَتَوَضَّأْ، فَغَسَلَ كَفَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّات، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَر ،
ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثَ مَرَّتَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنِى إِلى الْمِرْفَقِ ثَلاثَ مَرَّاتِ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ
الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحْ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَىَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ
غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِعَ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئى هَذَا، ثُمَّ قَالَ
رَسُولُ اللهِ يَّةُ: (( مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِى هَذَا، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ، لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا
نَفْسَهُ ، غُفِرَ لَهُ مَاتَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) .
قال الإمام أبو عبد الله : اتفقت أحاديث كثيرة على تكرار غسل الوجه واليدين فى
الوضوء ، واختلفت فى تكرار مسح الرأس وغسل الرجلين ، والأظهر أنَّ ذلك لتأكيد أمر
الوجه واليدين ، ألا ترى أنهما يثبتان فى التيمم ويسقط غيرهما ، ووجه القول بأن مسح
الرأس لا يُكرَّرِ: أنَّ المسح تخفيفٌ، والتكرير تثقيلٌ ، ويتنافى الجمع بين التخفيف
والتثقيل، ووجه نفى التحديد عن غسل الرجلين أنهما ينالُهما من الأوساخ فى الغالب ما لا
ينال غيرهما وقد لا يحصل الإنقاء فى المرتين والثلاث لهما ، فكان الأحوط أن يوكل الأمر
إلى الإنقاء من غير حدٍّ، ومُرادنا بذكر الإنقاء ما يلزم إزالتهُ فى الوضوء .
قال القاضى : وعلى هذا يتأول - أيضا - اختلاف الأحاديث فى ذكر المضمضة
والاستنشاق ؛ لأنهما سُنَنٌ ، والأمر فيهما على التسهيل والتخفيف ، فمالك وأبو حنيفة لا
يريان تكرار مسح الرأس ، وعند الشافعى أنه يكرر وذِكرُ الإقبال والإدبار المذكورُ فى الحديث
(١) حُمْرَان بن أبان الفارسى، مولى أمير المؤمنين عثمان بن عفان، كان من سبى عين التمر من بادية العراق لما
فتحها خالد بن الوليد فى خلافة أبى بكر الصديق وكان أول سبى قدِم المدينة فى خلافة أبى بكر ابتاعه
عثمان من المسيِّب بن نَجَبَة ، قال قتادة : كان حُمْرانُ يُصلى خلف عثمان ، فإذا أخطأ فتَحَ عليه ، وعن
الزهرى : أن حُمْران كان يأذَنُ على عثمان ، وقيل: كان كاتِبَ عثمان ، وكان وافر الحرمة عند عبد الملك .
روى له الجماعة . حدَّث عن عثمان ، ومعاوية ، وهو قليل الحديث . قال ابن عمر : كان أحدُ العلماء
الجلَّة، روى عنه كبارُ التابعين بالحجاز والعراق . طال عمره وتوفى سنة نيف وثمانين . طبقات ابن سعد
٢٨٣/٥، تاريخ البخاري ٨/٣، تهذيب الكمال ٣٠١/٧ .

١٤
كتاب الطهارة / باب صفة الوضوء وكماله
قَالَ ابن شهَاب: وَكَانَ عُلَمَاؤُنَا يَقُولُونَ: هَذَا الْوُضُوءُ أَسْبَغُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ أَحَدٌ للصَّلاةِ.
٤ - ( .. ) وحدّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَهِيمَ، حَدَّثْنَا أَبِىِ عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيِىِّ، عَنْ حُمْرَانَ - مَوْلَى عُثْمَانَ - أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِإِنَاء
فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّهِ ثَلاثُ مِرَارٍ، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِى الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَثَرَ،
ثُمَّ غسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثَ مَرَّاتٌ ، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ، ثُمَّ
غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاثَ مَرَّات، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَ: (( مَنْ تَوِّضَّأَ نَحْوَ وُضُّونِى هَذَا،
ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، لا يحِّدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَاتَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» .
ليسا بحقيقة تكرار ، وإنما هو لاستيعاب المسح بقلب الشعر ، ألا تراه بماء واحد ، وليستْ
سنة التكرار ، ولا خلاف أنَّ ما زادَ على الواحدةِ إذا أسبَغَتْ ليس بواجب ، واختلفت عبارةٌ
شيوخنا فى الزائد على واحدة هل هو سُنة أو فضيلة ؟ أو الثانيةُ سنةٌ والثالثةُ فضيلة؟ ولم
يُحبَّ مالك الاقتصارَ على واحدةٍ إلا للعالِمِ مخافَةً ألا يُحسِنِ الاستيعابَ بها(١) ، قال
علماؤنا : وإنما الاختلافُ من فَعَل النبى معَّه فى الوضوء مرةً أو مرتين أو ثلاثاً ليُرى
الرُّخصةَ لأمته والتسهيل ، وبيان الفرض من الزيادة عليه ، وأما ماجاء فى ذلك من
الاختلاف فى حديث عثمان وعبد الله بن زيد فى ذكر ترك الثلاث فى بعض واستيعابها فى
بعض، أن ذلك من الرواة ، فمرةً ذكر بعضُهم العدَدَ ومَرَّةً تركه ، ومنهم من نسى ذلك فى
بعض، إذ قد وجدنا هذا الخلاف فى الحديث الواحد وفى القصة المعينة التى إنما فُعِلَتْ مرَّةً ،
فَدَلَّ أنَّ الاختلاف من الرواة ، ويصح التأويل المتقدم فيما جاء منها فى غير الحديث الواحد
كحديث ابن عباس مع حديث عثمان وعبد الله بن زيد ، فأمَّا إذا وجدنا الخلاف فى حديث
ت ١١٠ / أ عثمان بعينه وحديث عبد الله بن زيد ولم يكونا إلا فى مرة / واحدة وصفة واحدة، علمنا
أنه من الرواة، وأثبتنا ما زاد ثقاتُهم، والأظهرُ فيما فعله ◌َّه وماحُكُى عنهَ من ذلك من
قولهم: ((فغسل وجهه ثلاثاً))، ومثلُه أنها أعدادُ الغَسَلات لا أعداد الغرفات ، كما ذهب
٥٥ / أ إليه بعضُهم، وأنه أتى بما بَعْدَ الأولى للكمال والتمام، وهذا احتمال بعيد، لقولهم / غَسَل
ولم يقولوا : غرف ، ولعدَم الزيادةِ على الثلاث ، ولو كان التمامُ (٢) لم يقف على حدٍّ،
ولأنه موضعُ بيانٍ وتعليم لا يمكن إغفالُه بتَّة .
(١) انظر: المنتقى ١/ ٣٥، وفيه أن الواجب فى الوضوء مرة، وأما النفل فمرتين وثلاثا.
(٢) فى ت : لتمام .

١٥
كتاب الطهارة / باب فضل الوضوء والصلاة عقبه
(٤) باب فضل الوضوء والصلاة عقبه
٥ - (٢٢٧) حدّثَنَا قُنَيَّةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى شَيْبَةَ، وَإِسْحَقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ - وَاللَّفْظُ لُقُتَيْبَةَ - قَالَ إِسْحَقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَان : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ حُمْرَانَ - مَوَلَى عُثْمَانَ - قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّنَ
وَهُوَ بَفْنَاءَ الَمَسْجِدِ ، فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ قَالَ : وَاللهِ،
لِأُحَدَّثَنَّكُمْ حَدِيثًاَ، لَوْلا آيَةٌ فِى كِتَابِ اللهِ مَاحَدَثْكُمْ، إِنِّىَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله عَّهُ يَقُولُ:
((لا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، فَيُصَلِّى صَلاَةً، إلا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ
الصَّلاةِ الَّتِى تَلِهَا » .
وقوله : (( جلس على المقاعد )) (١): قيل: هى دكاكين حول دار عثمان ، وقيل :
الدَّرَج ، وقيل : موضع قرب المسجد ، ولفظها يقتضى أنها مواضعُ جرت العادةُ بالقعود
فيها ، لكنها قرب المسجد؛ بدليل قوله فى الحديث الآخر: ((وهو بفناء المسجد)).
وقوله: (( فُيُحْسِنُ وضُوءَه )): أى يأتى به على أكمل الهيئات والفضائل . قال الباجى:
تقديره : فيحسن فى وضوئه ، وقد تقدم فى حديث جبريل تفسير الإحسان . وما ذكر فى
حديث عثمان من كفَّارة الذنوب بالطهارة والصلاة ما اجتنبت الكبائر، هو مذهب أهل السنة،
ودليل كتاب الله ، قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الآية (٢)، وإن الكبائر إنما
يكفِّرها التوبَةُ أو رحمة الله وفضله، وفى بعضِها: ((ثمَّ ركع ركعتين لا يُحَدِّثُ فيهما نفسَه »،
وفى بعضها: ((ويصلى الصلوات الخمس))، وفى بعضها: (( ثُمَّ يُصلى صلاةً))، وفى بعضها:
((الصلاةُ)) وفى بعضها: (( ثم يمشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس))، وفى بعضها
ذكر غفران الذنوب بمجرد الطهارة وخروج الخطايا معها ، وكانت صلاته ومشيه نافلةً ، وفى
بعضها غفران الذنوب بمجرد الصلوات وإنَّ ((الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما)) (٣)، وفى
بعضها : (( غُفِر له ما بينه وبين الصلاة التى تليها ))، وفى رواية السمر قندى وبعضُهم :
((التى يُصليها))، وفى الموطأ: ((وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها)) (٤) ، فدل أن التى
تليها هى الآتيةُ لا الماضيةُ، وكذلك وقع فى رواية السمرقندى: ((التى يصليها)).
(١) فى الأصل : جلس المقاعد، والذى فى أيدينا من نسخ مسلم: توضأ بالمقاعد. راجع: نووى على
مسلم ٥١٢/١. واللفظة المذكورة هنا هى رواية مالك فى الموطأ ، ك الطهارة ، ب جامع الوضوء.
(٤) الموطأ فى الطهارة ١/ ٣٠.
(٣) حديث رقم (١٤ - ١٦) بالباب التالى.
(٢) هود : ١١٤ .

١٦
كتاب الطهارة / باب فضل الوضوء والصلاة عقبه
( .. ) وحدّثناه أُبُوكُرَيْب، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَأَبُو كُرَيْب،
قاَلًا: حَدَّثَنَا وَكَيْعٌ . ح وَحَدَّثْنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، جَمِيعًا عَنَّ هِشَامٍ ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِ أَبِى أُسَامَةَ: ((فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يُصَلِّي الْمَكْثُوبَةَ)).
٦ - ( .. ) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ
صَالِحٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَكِنْ عُرْوَةٌ يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ ؛ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ
قَالَ: وَلله، لأُحَدَّثَنَّكُمْ حَدِيثًا، وَاللهِ ، لَولا آيَةٌ فِى كِتَابِ اللهِ مَاحَدَّثْتُكُمُوهُ، إِنِّى سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ عَُّ يَقُولُ: (( لا يَتَوَضَأْ رَجُلٌّ فَيُحْسِنُ وُضَّوءَهُ، ثُمَّ يُصَلِّى الصَّلاةَ، إِلا غُفِرَ لَهُ
٩٠٥٠٠ ٥٠٠
مَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلاةِ الَّتِى تَلِيهَا » .
-
قال الإمام : ذكره خروج الخطايا مع الوضوء، ومعناه: أن الخطايا تغفر عند ذلك ، لا أنَّ
الخطايا فى الحقيقة شىء يُحلّ فى الماء، وإنما ذلك على وجه الاستعارة الجارية فى لسان العرب.
[ قال الإمام: وذكر النبى معَّه فى حديث آخر: ((أن من توضأ نحو وضوئه، ثم
صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه ... )) الحديث ] (١).
فإن قيل : فما (٢) هذا الذى يغفرُ له بالركعتين، وقد ذكر أن الخطايا تخرج مع الماء ؟
قيل: يحتمل أن يُريدَ ما يحدثُ من الإثم ما بين وضوئه وصلاة الركعتين، ويحتمل - أيضاً -
أن يُغفَر له ما اكتسب بقلبه وبغير أعضاء الوضوء .
قال القاضى : قد قال فى الأمّ : حتى يخرج نقيّا من الذنوب ، وهذا يَعُمّ كل ذنبٍ ،
وكذلك حديث: (( الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما))، قد يكون مراده الصلاةُ بشروطها
ت ١١٠ / ب من الطهارة وغيرها، أو يكون تكفير ركعتى الصلاة / لما لم يُكَفِّره الوضوء مما ذكره ، أو
بوضوء لم يُحسنُهُ صاحِبُه ، إذ شرَط فى ذلك الإِحْسَانَ ، أو يكون غفران بعض ذلك
الصغائر وباقيها للكبائر برحمة الله ، والله أعلم .
وقوله : (( لولا آيَةٌ فى كتاب الله ما حدثتكموه)): كذا هذا فى الأم فى الحديثين ، إلا
أنَّ للباجى فى الحديث الأول أنه بالنون (٣) ، وقد اختلف رواة الموطأ عن مالك فى هذين
اللفظين ، واختلف تأويل العلماء فى ذلك ، ففى الأم قول عُروة : الآية قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا﴾ (٤)، وعلى هذا لا تصح الرواية إلا آيةً بالياء ، يريد : لولا الآيةُ التى
(١) من المعلم.
(٢) فى المعلم : ما ، بدون الفاء.
(٣) وهى رواية يحيى للموطأ، ومعناها: لولا أنَّ تصديقه فى كتاب الله. الاستذكار ١٨٨/٢.
(٤) البقرة : ١٥٩، وقد ذكرها البخارى عن عروة فى ك الوضوء، ب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً (١٦٠).

١٧
كتاب الطهارة / باب فضل الوضوء والصلاة عقبه
قَالَ عُرْوَةُ : الآيَةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلى قوله:
﴿اللَّعُنُونَ﴾ (١) .
٧ - (٢٢٨) حدَّنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، كلاهُمَا عَنْ أَبِى الْوَلِيدِ، قَالَ
عَبّدٌ : حَدَّثَنِى أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ سَعِيد بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ، حَدَّثَنِى
أَبِى، عَنْ أَبِيه؛ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُثْمَانَ، فَدَعَا بَطَّهُورَ فَقَالَ: سَمَعْتُ رَسُولَ اللهِعَّهُ يَقُولُ:
((مَامِنِ امْرِئٍ مُسْلِم تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا ، إلا
كَانَتْ كَفَّارَةً لَمَا قَبْلَّهَا مِنَ الذُّنُوبِ، مَا لَمْ يُؤْتٍ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ)) .
٨ - (٢٢٩) حدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْعَزِيزِ - وَهُوَ الدَّرَاوَرْدِىُّ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ حُمْرَانَ - مَوْلَى عُثْمَانَ - قَالَ:
أَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ بِوَضُوء، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولَ اللهَِّهُ
أَحَادِيثَ، لا أَدْرِى مَا هِىَ؟ إلا أَنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ عَّةَ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِى هَذَا، ثُمَّ
قَالَ: « مَنْ تَوَضَّأْ هَكَذَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَمَشْهُ إِلَّى الْمَسْجِدِ
نَافِلَةً)) . وَفِى رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدَةَ : أَتَيْتُ عُثْمَانَ فَتَوَضََّ .
٩ - (٢٣٠) حدَّثَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعيد وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب - وَاللَّفْظُ
الْقُتَيْبَةَ وَأَبِى بَكْر - قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِى النَّصْرِ، عَنْ أَبِى أَنَس؛ أَنَّ
عُثْمَانَ تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِدِ، فَقَالَ: أَلا أُرِيكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ عٍَّ؟ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلاثًا ثَلاثًا .
وَزَادَ قُتَبَةُ فِى رِوَايَتِه : قَالَ سُفْيَانُ : قَالَ أَبُو النَّضْرِ عَنْ أَبِى أَنَسِ. قَالَ: وَعِنْدَهُ رِجَالٌ
مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ عَّم
١٠ - (٢٣١) حدَّثَنا أَبُو كُرَيْب مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ
حَرَّجت كتمان العلم، وفى الموطأ قال مالك: أُراه يريدُ هذه الآية: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾(٢).
وعلى هذا تصح الروايتان ، على الوجه الأول ، وعلى أنه لولا أن معنى ما أحدثكم به فى
كتاب الله ماحدثتكم به لئلا تتكلوا ، وتلك الآية الأولى وإن كانت نزلت فى أهل الكتاب ،
ففيها تنبيه وتحذير لمن فعَلَ فعلَهم وسلك سبيلَهم، مع أنَّ النبى معَّهِ قد عمَّ القول فى ذلك
(١) البقرة : ١٥٩.
(٢) هود: ١١٤، ومعنى ((أراه)): أى أظن عثمان يريد هذه الآية.

١٨
كتاب الطهارة / باب فضل الوضوء والصلاة عقبه
وَكَيع، قَالَ أُبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثْنَا وَكِيعٌ ، عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّاد، أَبِى صَخْرَةَ؛ قَالَ:
سَمَعَّتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَّان ، قَالَ : كُنْتُ أَضَعُ لِعُثْمَانَ طَهُورَهُ. فَمَا أَتِى عَلَيْهِ يَوْمٌ إِلا وَهُوَ
يُفْيَضُ عَلَيْهِ نُطْفَةً. وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِعَُّ عِنْدَ انْصِرَافَنَا مَنْ صَلاتَنَا هَذه -
قَالَ مَسْعَرٌ: أُرَاهَا العَصْرَ - فَقَالَ: ((مَاأَدْرِى، أُحَدِّثْكُمْ بِشَىءَ أَوْ أَسْكُتُ ؟)) فَقُلَنَا:
يَارَسُولَ اللهِ، إِنْ كَانَ خَيْرًا فَحَدِّثْنَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((مَامِنْ
مُسْلِمٍ يَتَطَهُّرُ ، فَيُتُمُّ الطُّهُورَ الَّذِى كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ، فَيُصَلِّى هَذِه الصَّلَوَتِ الْخَمْسَ، إِلا
كَانَتْ كَفَّارَاتِ لِمَا بَيْنَهَا )) .
١١ - ( ... ) حدّثنا عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذ،، حَدَّثْنَا أَّبِى. ح وَحَدَّثَنَا مَحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ
بَشَّارِ، قَالا: حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، قَالاً جَميعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادِ . قَالَ :
سَمَعَّتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ يُحَدِّثُ أَبَا بُرْدَةَ فِى هَذَا الْمَسْجِد، فى إِمَارَةٍ بِشْر ؛ أَنَّ عُثَّمَانَ بْنَ
عَفََّنَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَّى، فَالصَّلَوَاتُ
الْمَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ)) .
هَذَا حَدِيثُ ابْنِ مُعَاذٍ . وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ غُنْدَرَ: فِى إِمَارَةٍ بِشْرٍ وَلَا ذِكْرُ الْمَكْتُوبَاتِ .
فى حديثه المشهور فى وعيد: (( من كتم علماً ألجَمَه الله بلجام من نارٍ يوم القيامة))(١).
وقوله: ((وهو يُفيضُ عليه نُطفةً)): هو الماء ، وأصله من القطر ، نطفَ الماءَ إذا قطر.
وقوله: ((لا يُنْهِزُهُ إلا الصَّلاةُ)): أى لا يُحركه ويُنهضُهُ، يقال: نهزَ الرجُلُ
بالزاى: إذا نهَضَ ، والنَّهْزُ التحريك، [ يُقَال : نهْزتُ الشيءَ: دفعتُ له ، ونهز الرجلُ:
نهض ، وضبطه بعضهم بضم الياء ، وهو خطأ ، وقيل: هى لغة ] (٢) .
وقوله : «وكانت صلاتُه نافلةً له )) : أى أن الوضوء لما كفر ذنوبه كانت صلاته وإن
كانت فريضةً نافلةً ، أى زائدة له فى الأجر على كفارة الذنوب ، والنافلةُ الزيادةُ فى كلام
العرب، أى لم يبق له ما تكفرُ، فإما أن تكون مُدَّخرةً تكفِّرُ ما بَعْدَها أو تُرفع له بها درجات،
كما قال فى الحديث الآخر: ((ألا أدُلُّكُم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفَعُ به الدرجات)) (٣).
وقوله: (( غُفِرله ما تقدَّم من ذنبه )): ظاهِرُه عموم كل ذنب، ويؤكده قوله بعده: (( وكانت
(١) ابن ماجه فى المقدمة عن أبى سعيد الخدرى ، وعن أنس بن مالك ، وكلا الطريقين فيهما ضعف ،
وأخرجه الطبرانى فى الكبير والأوسط عن ابن عمرو مرفوعاً: (( من سُئِل عن علمٍ فكتمه أُلجم يوم القيامة
بلجام من نار)). وقال فيه الهيثمى: ((رجاله موثقون)) ١٦٣/١ .
(٢) سقط من ت، وجاءت العبارة الأولى فيها من أول (( وقوله )) بعد قول الإمام يريد الحديث.
(٣) سيأتى برقم (٤١) بهذا الكتاب .

١٩
-
كتاب الطهارة / باب فضل الوضوء والصلاة عقبه
١٢ - (٢٣٢) حدَّثَنَا هَرُونُ بْنُ سَعيد الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، قَالَ: وَأَخْبَرَنِى
مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرِ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ حُمْرَانَ - مَوْلَى عُثْمَانَ - قَالَ : تَوَضَّأَ عُثَّمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَوْمًا
وُضُوءاً حَسَاَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله عَّهُ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ. ثُمَّ قَالَ: (( مَنْ
تَوَضَّأْ هَكَذَا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لا يَنْهَزَّهُ إِلا الصَّلاَةُ، غُفِرَلَهُ مَاخَلَا مِنْ ذَّبِهِ)) .
١٣ - ( .. ) وحدَّثَنِى أَبُو الطَّاهر وَيُونُسُ بْنُ عَبْد الأَعْلَى، قَالاَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ
وَهْبِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ؛ أَنَّ الْحُكَيْمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْقُرَشِىَّ حَدَّثَهُ ؛ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ
وَعَبْدَ الله بْنَ أَبِى سَلَمَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُمَا عَنْ حُمْرَانَ - مَوْلَى
عُثْمَانَ بْنِ عَقَّنَ - عَنْ عُثْمَانَ بْن عَفَّنَ ؛ قَالَ: سَمَعْتُ رَسُولَ اللهِعَّهُ يَقُولُ: (( مَنْ تَوَضَّأَ
الصَّلاةِ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ مَشَى إِلى الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَصَلَاهَا مَعَ النَّاسِ، أَوْ مَعَ
الْجَمَاعَةِ، أَوْ فِى الْمَسْجِد ، غَفَرَ اللهُ لَهُ ذُنُوبَهُ )) .
صلاتُه نافلةً))، ويرد تأويل من تأول لأن (١) معناه : ما تقدم قبل صلاته وبعد وضوئه ،
واعتضد بقوله: (( ما بينه وبين الصلاة التى يصليها)).
وقوله: ((لا يُحدِّثُ فيها نفسه)): [ قال الإمام: يريدُ الحديث المجتَلبَ والُكْتَسبَ،
وأما ما يقع فى الخاطر غالباً فليس هو المرادُ - والله أعلم ](٢).
وقوله: ((يحدث فيهما نفسه)): إشارة إلى [ أن ] (٣) ذلك الحديث مما يكتسب ؛
لأنه أضافه إليه فقال : يُحدِّثُ .
قال القاضى : قال بعضُ المفسِّرين : إن هذا الذى يكونُ من غير قصدٍ يُرجَى أن تقبلَ
به الصلاة ولا تَبْطُل ، وتكون دونَ صلاةٍ الذى لم يُحدِّث نفسه بشىء فيها ، بدليل ماضَمِنَه
النبى معَِّ لُراعى ذلك من الغفران ؛ لأنه قلَّ من يَسْلُم فى صلاتِه من حديث نفسٍ ، أى
إنما حَصَلت له هذه المزية لمجاهدته نفسه من خطرات الشيطان ونفيها عنه ، ومحافظته على
صلاته ، حتى لم (٤) يشتغل عنها طرفةَ عينٍ ، وسَلِم من الشيطان باجتهاده وتفريغه قلبه .
وخرج مسلم فى حديث عثمان حديث(٥) وكيع عن سفيان عن أبى النضر عن [أبى] (٦)
[أنسٍ] (٧) عن (٨) عثمان - [رضى الله عنه -: ((توضأ بالمقاعد ... )) الحديث] (٩) (١٠).
(١) فى الأصل : أن .
(٤) فى ت : ما .
(٥) فى المعلم : حديثا عن .
(٦) ليست بالمعلم ، وأبو النضر : هو سالم بن أبى أمية المدنى.
(٧) فى جميع النسخ : أنيس ، والصواب ما أثبتناه ، وهو مالك بن أبى عامر الأصبحى ، جد مالك بن أنس .
(١٠) سبق برقم (٩) بالباب .
(٩) من المعلم .
(٨) فى المعلم : أن .
(٢) سقط من ت .
(٣) من المعلم .

٢٠
كتاب الطهارة / باب فضل الوضوء والصلاة عقبه
قال الإمام : قال بعضهم : قيل: وَهِم وكيعٌ فى قوله عن أبى أنسٍ (١) ، وإنما هو
أبو النضر عن بُسْر بن سعيد عن عثمان ، هكذا قال أحمد بن حنبل ، قال الدارقطنى : هذا
مما وهم فيه وكيع عن الثورى ، وخالفه بقية أصحاب الثورى الحفاظ ، ورووه عن الثوری،
عن أبى النضر ، عن بُسْر بن سعيد (٢)، عن عثمان (٣).
٠
(١) انظر: الهامش رقم (٧) بالصفحة السابقة .
(٢) بسر بن سعيد المدنى ، تابعى ، مدنى ، ثقة . مات وهو ابن ثمان وسبعين.
(٣) لفظ أحمد فيما رواه ابنه عنه فى العلل: إنما هو عن بُسْر بن سعيد ٣٤٨/١.