النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كتاب الإيمان / باب بدء الوحى إلى رسول الله عَ ليه.
﴿ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾ (١) فى توحيد الله وصفاته .
قال القاضى: ولا خلاف بين أهل التحقيق أنه قبل نبوته علَّه وسائر الأنبياء منشرح
الصدر بالتوحيد ، والإيمان بالله ، لا يليق به الكفر ولا الشك فى شىء من ذلك ولا الجهل
به ، ولا خلاف فى عصمتهم من ذلك - خلافاً لمن جوَّزه .
وحجة المانعين منه الطريقان المتقدّمان ، والصحيح منهما النقل ، فلو كان شىء من
ذلك لنقل ، بل تظاهرت الأخبار الصحيحة عنه عَّه وعن غيره من الأنبياء بصحة معرفتهم
بالله وهدايتهم من صغرهم وتجنُّبهم عبادة غير الله ، فقد عيَّرت قريش نبينا والأممُ أنبياءهم
ورمتهم بكل آفة ورامت نقصَهم بكل جهة ، وبرَّهم الله مما قالوا ، وقصَّ الله علينا من
ذلك فى كتابه: ﴿وقالوا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾(٢)، و﴿إِن نَّقُولُ إِلَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهِنَا
بِسُوءٍ﴾ (٣) ولو كان أحدُهم عبدَ معهم معبودهم وأشرك بشركهم قبل نبوته لعيَّروه بِتلوّنُه
فى معبوده، وقرَّعوه بفراق ما كان معهم عليه من ديانته، وكان ذلك أبلغ فى تأنيبهم لهم من
أمرهم بمفارقة معبود آبائهم، وقد بسطنا الكلام فى هذا الفصل بما فيه مقنع فى غير هذا
الكتاب، وجئنا بالأجوبة عما يُعْتَرَض به على هذا من ظواهر القرآن كقوله تعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ
ضَالاً فَهَدَى﴾(٤)، وقوله: ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِينَ ﴾ (٥) وقول إبراهيم: ﴿ هَذَا
رَبِي﴾ (٦) وأشباه هذا ومعانى هذه الآى وتأويلاتها فى كتابنا الشفا (٧) .
(١) النحل : ١٢٣ .
(٢) هود: ٦٢. وقد جاءت فى النسخ: ((أتنهانا أن نعبد ما كان يعبُدُ آباؤنا)) وهو خطأ.
(٣) هود : ٥٤ .
(٤) الضحى ٧ . وليس هو من الضلال الذى هو الكفر. قال فى الشفا: ((قيل: ضالاً عن النبوة فهداك إليها ،
وقيل : وجدك بيْن أهل الضَّلَاَل فَعَصَمَك من ذلك وهداك للإيمان وإلى إرشادِهم ، وقيل : ضالا عن
شريعتك، أى لا تعرفُها، فهدَاك إليها)) انظر: الشفا ٢ / ٧٢٤.
(٥) يوسف: ٣. قال القاضى: «إنه ليس بمعنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ ﴾ [ يونس: ٧]، بل قد حكى
أبو عبيد الهروى أن معناه: لمن الغافلين عن قصة يوسف؛ إذ لم تعلمها إلا بوحينا)» الشفا ٢ / ٧٢٨ .
(٦) الأنعام: ٧٦، ٧٨. قال القاضى: ((قد قيل - فيها -: كان هذا فى سنِّ الطفولية ، وابتداء النظر
والاستدلال وقبل لزوم التكليف ، وذهب معظمُ الحُذّاق من العلماء والمفسّرين إلى أنه إنما قال ذلك مبكتا
لقومه ، ومستدلاً عليهم . وقيل: معناه: الاستفهام الواردُ مَوْرِدَ الإنكار، والمرادُ: فهذا رَبّى؟ قال الزجَّاج:
قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ أى على قولكم، كما قال: ﴿أَيْنَ شُرَّكَائِي﴾ [ القصص: ٧٤،٦٢ ] أى عندكم .
قال القاضى: «ويدلُ على أنه لم يعُبدْ شيئًا من ذلك، ولا أشرك قطُّ بالله طرفة عين قول الله عز وجل :
﴿إِذْ قَالَ لَأَبِيْهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ [الشعراء: ٧٠ ]، ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُون. أَنْتُمْ وَأَبَاؤُكُمُ
الأَقْدَعُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [ الشعراء: ٧٥ - ٧٧ ] وقال: ﴿ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[الصافات: ٨٤] أى من الشرك، وقوله: ﴿وَاجْتُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] .
(٧) الشفا ٢ / ٧١٩ - ٧٣٠ .

٤٨٢
كتاب الإيمان / باب بدء الوحى إلى رسول الله عَ ليه
فَجِتَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِى غَارِ حِرَاء ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ. قَالَ: (( مَا أَنَا بِقَارِئٌ )) . قَالَ
(فَأَخَذَنِى فَغَطِّى حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلِنِى فَقَالَ: اقْرَاً)). قَالَ: (( قُلْتُ: مَا أَنَا
بقَارئٌ)) . قَالَ: ((فَأَخَذَنِى فَغَطَّنِى الَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الْجَهْدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِى فَقَالَ: اقْرَاً .
فَقُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئَ ، فَأَخَذَنِى فَغَطَّنِى الَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّ الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَنِى فَقَالَ :
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَقَ . خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبِّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ.
عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (١))) . فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ لَّهُ تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى
وخلوه ◌َّهِ بغار حراء وتحنثه [ فى ] (٢) أول مبادى بشارات نبوته ، وذلك أن تحبيب
الخلوة له إلهامٌ من الله ، لما أراد الله به خلوة بنفسه، وتفرّغِه للقاء رُسُلِ ربه ، وسماع
وحيه ، وقطعه العلائق الشاغلة عن ذلك كما كان .
وفيه تنبيه على (٣) فضل الخلوة والعزلة، وثمرة التفرغ لذكر الله. فإن ذلك يريح
السِّرَّ من الشغل بغير الله ، ويقل الهم بأمور الدنيا ، ويخلى القلب عن التعلق والركون
لأهلها ، فيصفو ، وتنفجر ينابيعه بالحكمة ، وتشرق جوانبه بالحقائق والمعرفة ، ويفيض
عليه من نفحات فضل الله وأنوار رحمته ما قُدِّر له .
وقوله : (( حتى فجئه الحق)) : أى أتاهُ بمرة ، يقال : فجئ ، بكسر الجيم ، يفجأ
وفجأ ، بفتحها أيضاً .
وقوله: ((اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ))، قال الإمام: قيل: ((ما)) هاهنا نافية ،
وقيل : استفهامية ، كأنه قال عَّه : أى شىء أقرأ ؟ وقد ضعَّفوا الاستفهام بإدخال الباء ،
ولو كان استفهاماً لقال (٤) : ما أنا قارئ، وإنما تدخل الباء على ما النافية فتكون الباءُ
تأكيداً للنفى .
قال القاضى : يصحح من قال : إنها للاستفهام رواية من روى: (( ما أقرأ)) وقد
يصح أيضاً أن تكون هنا (( ما )) نافية .
وقوله: ((فغطنى)): أى غمنى وعَصرَنَى، ورواه بعضهم: ((فغتَّنَى)) وهما بمعنى،
قال ابن الأنبارى: معنى ((غتنى)): ضغطنى، وكأنه يضارع غطَّنى؛ لأن المضغوط يُبْلَغُ
منه الْجهدُ (٥) ، وكذلك المغتوت .
(١) العلق : ١ - ٥ .
(٣) تكررت خطأ فى جميع النسخ عدا ق .
(٤) عبارة المعلم : لكان .
(٢) فى ق : فيه .
(٥) فى ت : الجد .
-----------

٤٨٣
كتاب الإيمان / باب بدء الوحى إلى رسول الله عَّه
وفى العين : غطَّه فى الماء غرَّقَة وغمَسهُ، وفى حديث آخر: (( يغتهم الله فى العذاب
الأليم )) : أى يغمِسَهُم، ويقالَ: غطَّه وغَتَّهُ وخنقَه بمعنى واحد (١) .
وقوله : ((حتى بلغ منى الجهد)) : أى الغاية والمبالغة والمشقة ، يقال بفتح الجيم
وضمها . وهذا الغط من جبريل [ له ] (٢) - عليهما السلام - إشغال له عن الالتفات إلى
شىء من أمر الدنيا ، وإشعار بالتفرغ لما أتاه به ، وفعل ذلك ثلاثاً فيه تنبيه على استحباب
تكرار التنبيه ثلاثاً .
وقد استدل به بعضُهم على جواز تأديب المُعَلِّم للمتعلمين ثلاثاً .
وقال أبو سليمان : وإنما كان ذَلك ليبلُوَ صبره ويحسن تأديبه فيرتاض لاحتمال ما
كُلّفه من أعباء النَّبُوَّةَ (٣) ؛ ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم ويأخذه الرحضَاءُ - أى
البهرُ والعرق - قال : وذلك يدل على ضعف القوة البشرية والوجل ، لتوقع تقصير فيما
أُمر به وخوف أن يقول غيره . هذا معنى ما أطال به فى هذا .
وقال القاضى أبو الحسن بن القصَّار (٤): وفى قوله: ﴿اقْرأْ بِاسْمٍ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (٥)
ردٌّ على الشافعى أن باسم الله الرحمن الرحيم آية من كل سورة، وهذه أول سورة نزلت
وليس ذلك فيها (٦) .
قال القاضى : وقد اختلف فى أول ما نزل من القرآن، فقيل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ على
مقتضى ظاهر هذا الحديث ، وهو قول عائشة وجماعة من المفسّرين ، وقيل : إن الذى نزل
منها أولاً إلى قوله : ﴿عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ (٧) وهو مفسَّرٌ فى الحديث ، ثم نزل بعد
ذلك. ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ و ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلِ﴾ / و﴿نَ وَالْقَلَم﴾ وفى رواية جابر: إن أول ما ٣٩ / ب
نزل عليه . ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ .
(١) وكذا الغطس، وذكره الزمخشرى فى الفائق ٣ / ٤٨.
(٢) ساقطة من ت .
(٣) فى ت : الرسالة .
(٤) أبو الحسن هو على بن عمر بن أحمد ، الإمام البغدادى . قال فيه أبو إسحاق الشيرازى : له كتاب فى
مسائل الخلاف ، لا أعرف للمالكيين كتاباً فى الخلاف أحسن منه ، وكان أصولياً ، نظاراً ، وولى قضاء
بغداد . وقال فيه أبو ذر الهروى : وهو أفقه من رأيت من المالكيين ، وكان ثقةً ، قليل الحديث . قال
القاضى فى الترتيب : توفى فيما قبل سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة . ترتيب المدارك ٧ / ٧٠ ، الديباج
المذهب ٢ / ١٠٠، وفيه أنه على بن أحمد، وتبعه فى ذلك صاحب شجرة النور الزكية : ٩٢ .
(٥) العلق : ١ .
(٦) مقتضى كلام القصار - رحمه الله - أن مالم ينزل فى تلك المرة من بقية السورة يكون ليس منها، ولم يقُل
به أحد. وقد قال الأبى: ((لعل البسملة نزلت بعد)) . إكمال ١ / ٢٨١ .
(٧) العلق : ٥ ٠

٤٨٤
كتاب الإيمان / باب بدء الوحى إلى رسول الله عَ ◌ّع
خَدِيجَةَ فَقَالَ: ((زَمِّلُونِى زَمِّلُونى)) فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ. ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ: ((أَىْ
خَدِيجَةَ، مَالِى)) وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ ، قَالَ: ((لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِى)). قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةَ:
كَلَا، أَبْشِرْ، فَوَاللهِ، لا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا. وَاللهِ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ،
وقوله: ((ترجف بوادره )): قال الإمام: ترجُفُ: أي ترعدُ [ بوادره وتضطرب] (١)
والبوادر من الإنسان وغيره : اللحمة التى بين المنكب والعنق (٢) . قاله أبو عبيد فى الغريب
المصنف. [ وقوله: ((زملونى)): أى دثرونى بالثياب] (٣).
قال القاضى: قد رواه فى الأم - أيضاً - فى الحديث الآخر: (( يرجُفُ فؤاده)) وذكره
البخارى - أيضاً - أى يخفق، والرجفان: الاضطرابُ وكثرةُ الحركة ومنه: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ
الأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ (٤)، وهذا هو سبب طلبه أن يُزَمَّل ويُدثَر، أى يُغَطَّى وَيُلْفُّ بالثياب،
لشدَّةً ما أصابه من هول الأمر، ولحقه من شِدَّة الغطِّ وثِقَلِ الوحى ، وإن كان قد قال بعض
المفسرين : إنه إنما كان يفعل هذا فَرقًا من جبريل لأول ما يلقاهُ حتى أنس به ، وقيل : بل
قيل له : يا أيها المدَّثْر والمزمِّل لأنه حين أتاه الملك وجده متزملاً ملتفاً بثوبه فنودى بصفة
حاله . والأول أصح وأولى لفظاً ومعنَّى . والتزمُّل والتدثر واحدٌ .
ويقال لكل ما يلقى على الجسد : دثارٌ، ولِلفَافَةِ القربةِ: زمالٌ ، ومعنى المزَّمِّل
والمدثر: المتزمّلُ والمتدثرُ ، أدغَمت التاء فيما بعدها ، وقد جاء فى أثر أنهما من أسمائه
عَلفي (٥).
وقوله : ((لقد خشيتُ على نفسى)) : ليس بمعنى الشك فيما أتاه من الله ، لكنه
(١) من المعلم .
(٢) نقلها الأبى : العنق والكتف .
(٢) من المعلم .
(٤) المزمل ١٤ .
(٥) لم أقف عليه. وغاية ما يقال هنا ما ذكره ابن رشد فى حديث: ((لى خمسةُ أسماء ، أنا محمد ، وأنا
أحمد ، وأنا الماحى الذى يمحو الله بى الكفر، وأنا الحاشر الذى يحشر الناس على قدمى، وأنا العاقب))
قال: ليس فى اللفظ ما يدل على أنه ليس له اسم غيرها، قال الأبى: ((وأيضاً فإنها كلها مشتقة كما أشار
إليه بقوله: ((الذى يمحو الله بى الكفر)) فلا يمنع أن تكون له أسماء مشتقة من صفاته عليه ، كما روى أنه
قال: ((وأنا المقفى، ونبى التوبة ؛ ونبى الملحمة)) فالمقفى كالعاقب يقفو ويعقب من تقدمه من الأنبياء -
عليهم السلام - ونبى التوبة؛ لأن به تاب الله - سبحانه - على من تاب ، ونبى الملحمة الذى يكف بالقتال
عن الدين، فلم يذكر المدثر والمزمّل كما نرى)). إكمال ١ / ٢٨٤ .
---------- -

٤٨٥
مّاللّه
کتاب الإيمان / باب بدء الوحی إلی رسول الله
وَتَحْمَلُ الْكَلَّ ، وَتَكْسبُ الْمَعْدُومَ ، وَتَقْرى الضَّيْفَ، وَتُعينُ عَلَى نَوَائِب الْحَقِّ .
فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى . وَهُوَ ابْنُ عَمِّ
خَدِيجَةَ، أَخِى أَبِهَا. وَكَانَ امْرَأَ تَنَصَّرَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِىَّ وَيَكْتُبُ
مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِىَ . فَقَالَتْ لَهُ
خَدِيجَةُ: أَىْ عَمِّ ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ . قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ: يَابْنَ أَخِى ، مَاذَا تَرَى ؟
فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ عَّهُ خَبَرَ مَارَهُ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ : هَذَا النَّامُوسُ الذَّى أَنْزِلَ عَلَى مُوسَى
عٌَّ يَا لَيْنَى فِيهَا جَذْعًا، يَاَ لَيْنِى أَكُونُ حَيَا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ عَةٍ :
عساه خشى أنه لا يقوى على مقاومة هذا الأمر ، ولا يقدر على حمل أعباء الوحى فتزهق
نفسه ، أو ينخلع قلبه لشدة ما لقيه أولاً عند لقاء الملك، أو أن يكون قوله هذا لأول ما رأى
التباشير فى النوم واليقظة وسَمِعَ الصوت قبل لقاء الملك وتحقيقه رسالة ربه، فيكون ما خاف
أوَّلاً أن يكون من الشيطان، فأما مُنذ جاءه الملك برسالة ربه فلا يجوز عليه الشك فيه ، ولا
يخشى من تسلط الشيطان عليه (١) .
وعلى هذا الطريق يحمل كل ماوَرَدَ من مثل هذا فى حديث المبعث (٢) .
وقول خديجة - رضى الله عنها -: ((لا يخزيك الله أبدا)) كذا قال يونس وعُقيل ،
بالخاء المعجمة والياء، وقال معمر: (( يَحزُنُك)) بالحاء المهملة والنون .
ومعنى: ((يخزيك)»: يفضَحُك ويُهِينُك، بلُ يثبُّكَ حتى لا يُنسَبَ إليك كَذِبٌ فيما
قُلْتَه ولا يُسَلَّط عليك شيطان بتخبطه الذى حَذرتَه. ومعنى (( يُحْزِئُكَ)) : أى يوقع ما تخافه
من ذلك .
وهذا تأنيس منها للنبى عَّه، إن كان هذا الأول ما رأى من المقدمات والتباشير،
وقبل تحقيقه الرسالة ولقاء الملك . أو يكون قوله لما خشى من ضعف جسمه عن حمل
ذلك .
(١) قلت : وقد ذكر السهيلى عن أبى بكر الإسماعيلى أنه لا يمتنع أن يخشى ذلك لأول ما جاءه الملك قبل أن
يحصل له العلم الضرورى بأن الذى جاءه ملك ؛ لأن العلم الضرورى لا يحصل دفعة ، وقد أثنى الله -
سبحانه - بهذا العلم فقال: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَلائِكِهِ وَكُّهِ
وَرَسْلِه ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. الروض الأنف ١ / ٢٧٥.
(٢) وعليه يكون المراد من قوله عليه: ((لقد خشيت على نفسى)): أى خشيت ألا أنهض بأعباء النبوة، وأن
أضعف عنها . السابق .

٤٨٦
كتاب الإيمان / باب بدء الوحى إلى رسول الله عَّه
وقولها : (( وتحمل الكَلَّ وتكسب المعدوم )) ، قال الإمام : قال ابن النحاس : الكلّ :
الثقيل (١) من كل شىء فى المؤونة والجِسْمِ، والكلُّ - أيضاً -: اليتيم [ وقول وتكسب
المعدوم ] (٢) .
قال ابن النحاس : ويقال : كسبتُ الرجُلَ مالاً وأكسبته مالاً ، وأنشد :
فأكسبتنى مالاً وأكسبته حمداً
قال القاضى : أصل الكَل هنا ، بفتح الكاف : الثقل ، وقيل : أرادت به الضعيف ،
وقال بعضهم : أرادت (٣) به اليتيم والمسافر ، وهو الذى أصابه الكَلال ، والكلُّ هو الذى
عيَّالٌ على صاحبه، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلَ عَلَىْ مَوْلاهُ﴾ (٤) وروايتنا [ فى ] (٥) هذا
عن أكثر شيوخنا ((تكسِبُ)) بفتح التاء، وعند بعضهم [ تُكسَبُ] (٦) بضمّها وبالوجهين
قرأنا الحرف على الحافظ أبى الحسن فى غير هذا الكتاب .
وحكى أبو عبد الله بن القزاز (٧) أن كَسَبَ حرفٌ نادرٌ ، يقال: كسبتُ المال وكسبتَهُ
غيرى ، ولا يقال : اكتسبتَ . وحكى الهروى والخطابى : كسبْتُ مالاً وكسبته زيداً ،
وحكى عن ثعلب وابن الأعرابى : أكسبت زيداً مالاً (٨).
وذكر ثابت (٩) فى دلائله فى معنى هذا : أنَّك تصيبُ وتكسبُ ما يعجز غيرك عن
كسبه ويَعْدَمَهُ ، والعربُ كانت تتمادح بكسب المال لا سيما قريش ، وقد عُرِفوا بقريش
(١) فى الأصل : الثقل.
(٢) من المعلم .
(٤) النحل : ٧٦ .
(٣) فى ت : أراد .
(٥) ساقطة من الأصل ، والمثبت من ت .
(٦) ساقطة من ق .
(٧) لعله محمد بن جعفر بن أحمد التميمى القيروانى شيخ اللغة بالمغرب المعروف بالقزاز، أبو عبد الله النحوى ،
مؤلف كتاب الجامع في اللغة ، قال فيه الذهبى : وهو من نفائس الكتب . مات بالقيروان سنة اثنتى عشرة
وأربعمائة .
قلت : فإن كان هو فإنه القزاز وليس ابن القزاز . وفيات ٦٥١، معجم الأدباء ١٨ / ٨٠٥، بغية
الوعاة ٢٩، الوافى ٢ / ٣٠٤، سير ١٧ / ٣٢٦، معجم المؤلفين ٩ / ١٤٩.
أما ابن القزاز فكنيته أبو عثمان ، وهو الإمام المحدث الثقة ، شيخ اللغة بالأندلس سعيد بن عثمان بن
سعيد ، البربرى الأندلسى ، تلميذ أبى على القالى ، حدَّث عنه أبو عمر بن عبد البر ، وجماعة . قال فيه
ابن بشكوال : كان حافظاً للغة والعربية ، حسن القيام بها ، وكان من أجل أصحاب أبى على القالى ، ومن
طريقه صحت اللغة بالأندلس بعد أبى على ، مات بالأندلس فى ربيع الأول سنة أربعمائة . الصلة ١ /
٢٠٨، سير ١٧ / ٢٠٥ .
فالأمر فيه عظيم الإشكال ، فالله وحده هو أعلم بالمراد .
(٨) وقال القاضى فى المشارق فى توجيه معناه: ((ومعناه: تكسبه لنفسك)) المشارق ١ / ٣٤٧.
(٩) هو ثابت بن حزم بن عبد الرحمن بن مُطرّف، الإمام الحافظ ، أبو القاسم السَّرقسطى الأندلسى اللغوى .
قال فيه ابن الفرضى : كان عالماً ، مفتياً ، بصيراً بالحديث ، والنحو ، واللغة ، والغريب ، والشعر . =
--------
۔

٤٨٧
كتاب الإيمان / باب بدء الوحى إلى رسول الله عطا
((أَوَ مُخْرِجِىَّ هُمْ؟)). قَالَ وَرَقَةُ : نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِه إلا عُودِىَ، وَإِنْ
يُدْرِكْنِى يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤْزَّرًا .
التجار ، وسُمَّوا بذلك من التقرش وهى التجارة على أحد الأقوال (١).
وعلى هذا لا تكون التاء إلا مفتوحة، لأنه مُعدَّى لمفعول واحد، وكان النبى طَّه
صَلى الله
مجدوداً (٢) فى تجارته ، وخبره بذلك مشهور ، وقيل معناه : وتكسب الناس ما لا يجدونه
من معدومات الفوائد - وهذا مُعدَّى إلى مفعولين، والتاء هنا مفتوحةٌ على قول للأكثر(٣)،
وتضم على قول بعضهم كما تقدَّم. وهذا أبلغ فى المدح، وأشهر فى خلق نبينا عَّه قبل
النبوة وبعدها .
وقوله : ((هذا الناموس))، قال الإمام : قال أبو عبيد فى مُصَنَّفه : الناموس :
جبريل، وقال المطرز (٤) : قال ابن الأعرابى (٥) : لم يأت فى الكلام فاعولٌ، لام الفعل سينٌ
إلا الناموس والجاسوس والجاروس والقاعوس والبابوس والداموس والقاموس والقابوس
= وموضوع كتابه ((الدلائل)) الغريب مما لم يذكره أبو عبيد، ولا ابن قتيبة، قال الذهبى : وكتب أبو على
القالى هذا الكتاب ، وكان يقول : لم يوضع بالأندلس مثله . مات سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة . تاريخ
علماء الأندلس ١ / ١٠٠، جذوة المقتبس ١٨٥، نفح الطيب ٢ / ٤٩، الديباج المذهب ١ / ٣١٩،
سير ١٤ / ٥٦٢ .
(١) وأشهر بقيتها أن قريشاً تصغير قرش، والقرش حوت يأكل حيتان البحر ، وقيل: إنما سمى ولد النضر قريشاً؛
لأن النضر كان يقرش خلة الناس وحاجتهم ، أى يفتّش عنها فيسدَّها ، وكان بنوه أيضاً يفتّشون عن حاجة
أهل الموسم فيرفدونهم بما يُبلغهم ، وقيل : إنما سمى به ولد النضر لتجمعهم ؛ لأن النقرش هو التجمع ،
وهم كانوا مفترقين فى الأرض حتى جمعهم قصى ، ولذا قيل :
به جمع الله القبائل من فهر
أبو كم قصی كان يُدعى مجمعاً
إكمال الإكمال ١ / ٧٨٦ .
(٢) يعنى عظيم الجد، رجلٌ جُدٌّ ، قال سيبويه : والجمع جُدُّون ، ولا يُكسَّر .
(٣) فى الأصل : الأكثر .
(٤) تشبه فى ت أن تكون : المطرفى ، والمثبت من الأصل والمعلم .
والمطرّز هو : محمد بن على بن محمد بن صالح السلمى الدمشقى النحوى ، قال الصفدى : روى
عنه الخطيب ، وتوفى سنة ست وخمسين وأربعمائة . الوافى ٤ / ١٣٠، معجم المؤلفين ١١ / ٥٠.
(٥) ابن الأعرابى هو إمام اللغة أبو عبد الله محمد بن زياد بن الأعرابى الهاشمى، الأحول ، النسَّبة . يروى
عن أبى معاوية الضرير ، والقاسم بن معن ، وأبى الحسن الكسائى ، وعنه إبراهيم الحربى ، وعثمان
الدارمى ، وثعلب ، وآخرون . قال فيه الذهبى : لم يكن فى الكوفيين أشبه برواية البصريين منه ، وكان
يزعم أنّ أبا عبيدة والأصمعى لا يعرفان شيئاً . وقال ثعلب : لزمت ابن الأعرابى تسع عشرة سنة ، وكان
يحضُرُ مجلسه زُهاءُ مائة إنسان، وما رأيت بيده كتاباً قط، انتهى إليه علمُ اللغة والحفظ . مات سنة إحدى
وثلاثين ومائتين. قيل: كان ربيبَ المفضَّل بن محمد الضبىّ صاحب ((المُفضليات)) فأخذ عنه . تاريخ
بغداد ٥ / ٢٨٢، إنباه الرواة ٣ / ١٢٨، تهذيب الأسماء واللغات ٢ / ٢٩٥، وفيات الأعيان ٤ /
٣٠٦، سير ١٠ / ٦٨٧ .

٤٨٨
كتاب الإيمان / باب بدء الوحى إلى رسول الله عَّ}.
والعاطوس (١) والفانوس ، والجاموس . فالناموس : صاحبُ سر الخير ، والجاسوس :
صاحب سر الشر ، والجاروس : الكثير الأكل ، والقاعوس : الحيّة ، والبابوس : الصبى
الرضيع .
قال غيره : وجاء فى شعر بن أبى أحمر يذكر ولد الناقة :
جنت قلوصى إلى بابوسها جَزَعاً
وما حنينك أَم ما أنتِ والذُّكَرُ
[ قال الهروى: لم يعرف فى شعر غيره، والحرف غير مهموز ] (٢) قال: ومنه
حديث كعب: ((إن عابد بنى إسرائيل مسح رأس الصبى فقال: يا بابوس)) (٣).
والداموس : القبر ، والقاموس : وسط البحر ، والقابوس : الجميل الوجه ،
والعاطوس (٤) دابةٌ يتشام بها ، والفانوس : النمَّام ، والجاموس : ضربٌ من البقر .
قال ابن دُريد فى الجمهرة : جاموسٌ أعجمىٌّ ، وقد تكلمت به العرب ، قال الراجز:
والأقْهَميْس (٥) الفيل والجاموسا
[قال] (٦): والجاسوس كلمة عربية، فاعول من تجسَّسَ . قال غيره : والجاسوس،
بالحاء ، غير معجمة من تحسَّسَ ، وهو بمعنى الجاسوس .
قال الإمام: وفى كتاب مسلم ((أن هؤلاء الكلمات بلغن قاعوس البحر)) و[قد ] (٧)
قال ابن دريد فى الجمهرة: [ و] (٨) الكابوس : هو الذى يقع على الإنسان فى نومه ،
٦/٤٠ والناموس: موضع الصائد (٩) /، وناموس الرجل: صاحب سِرّه .
قال القاضى : وحكى الحربى عن ابن الأعرابى : الناموس : الخَدَاعَة ، قال الهروى :
وسُمى جبريل ناموساً لأن الله تعالى خَصَّه بالوحى والغيب ، وسيأتى الكلام على قوله فى
الكتاب ((قاعوس البحر)) والخلاف فيه ، فى موضعه بعد هذا إن شاء الله .
وقوله: ((ياليتنى فيها جذعاً))، قال الإمام: قوله: ((فيها)) يعنى فى النبوة،
وقوله: ((جذعاً)) يعنى شاباً (١٠) حين تظهر النبوة حتى أبالغ فى نُصْرته، والأصل فى
الجذع من الدواب ، وهو هاهنا استعارةٌ ، والظاهر أن يكون [ انتصب جذع على الحال ،
(١) نقلها الأبى فى الإكمال : القاطوس.
(٢) من المعلم .
(٣) الحديث معروف من رواية أبى هريرة ، وسيأتى إن شاء الله فى كتاب البر، كما أخرجه أحمد فى المسند
٢/ ٤٣٤، وهو بغير تلك اللفظة ((بابوس)). وانظر: الفائق فى غريب الحديث للزمخشرى ١ / ٧٢،
لسان العرب .
(٤) فى الإكمال : والقاطوس .
(٦) من المعلم .
(٩) فى المعلم : للصائد .
(١٠) فى الإكمال : شباباً .
(٥) فى المعلم : والأفهبين .
(٧، ٨) من المعلم .
.

٤٨٩
كتاب الإيمان / باب بدء الوحى إلى رسول الله عَّه
٢٥٣ _ ( ... ) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، قَالَ:
قَالَ الزُّهْرِىُّ: وَأَخْبَرَنِى عُرْوَةٌ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِىَّ بِهِ رَسُولُ اللهِعَهُ مِنَ
الْوَحْىِ . وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ . غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَوَاللهِ لا يُحْزِنُكَ اللهُ أَبَدًا .
وَقَالَ : قَالَتْ خَدِيجَةُ : أَىِ ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيِكَ .
٢٥٤- ( .. ) وحَدَثَنِى عَبْدُ الْمَلِك بْنُ شُعَيْبِ بْنِ الليْث ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ جَدى
قَالَ : حَدَّثَنِى عُقَيْلُ بَنُ خَلَدِ قَالَ ابْنُّ شِهَابٍ: سمِعْتَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةٌ
والتقرير: ياليتنى فى حين نبوته فى حال الشباب ] (١) ، ويصح أن يكون جذعاً منصوبٌ
على أنه خبر كان المحذوفة ، والتقدير : ياليتنى أكون فيها جَذَعاً ، وهذا على طريقة
الكوفيين ، ومثل ما تُضمر فيه كان عندهم قول الله تعالى: ﴿انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾ (٢) تقديره
عند الكسائى: يكن الانتهاء خيراً لكم، ومذهب البصريين أن ((خيراً )) إنما انتصب هاهنا
بإضمار فعل دلّ عليه قوله: ((انتهوا))، والتقدير عندهم : انتهوا وافعلوا خيراً لكم ،
وحكى عن أبى عُبيد كقول الكسائى فيه . وقال الفراء : هو نعتٌ لمصدر محذوف تقديره :
انتهوا انتهاءً خيرا لكم .
قال القاضى : كذا وقع الحرف فى أكثر الروايات فى الأم ، وفى كتاب البخارى جذعاً
بالنصب ، ووقع هنا عندنا لابن ماهان : جذَع على خبر ليت ، وكذلك هو فى البخارى
عند الأصيلى ، ووجه النَّصب عندى فيه وأظهره : كونه على الحال ، وخبر ليت مُضمرٌ فى
((فيها)) (٣) تقديره: ليتنى فى أيَّام نبوتك حىٌّ، أو لأيامها مدرك وفى حال شبيبة وقوة
وصحة لنُصْرتك ، إذا كان قد أسَنَّ وعمى عند قوله هذا ، كما جاء فى الحديث .
وقوله : (( أنصرْكَ نَصْراً مُؤَذَّرًا)) ، قال الإمامُ : أى بالغا .
قال القاضى : كذا جاءت الروايةُ مؤَزَّراً، قال بعضهم : أصله مُوَازراً ؛ لأنه من
وازرت ، أى عاونتُ ، ويقال فيه : آزرت ، قال : ويحتمل أن الألف سقطت أمام الواو
على التأويل، إذ لا أصل لمؤزَّر فى الكلام ، قال القاضى: [ وقد ] (٤) ظهر (٥) لى أنه
صحيح على ما جاءت به الرواية ، وأنه أولى وأليق بالمعنى ، والمراد : نصراً قوياً ، مأخوذ
من الأزر وهو القوة، ومنه تأزَّر النّبْتُ إذا اشتدَّ وطال، قال الله تعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ (٦)،
(١) من المعلم .
(٣) فى ق : فيها فى .
(٦) طه : ٣١ .
(٢) النساء : ١٧١ .
(٤) ساقطة من ق .
(٥) فى ق : يظهر .

٤٩٠
كتاب الإيمان / باب بدء الوحى إلى رسول الله عَّم.
-
زَوْجُ النَّبِىِّ ◌َّهُ: فَرَجَعَ إِلَى خَدِيجَةَ يَرْجُفُ فُؤَدُهُ. وَقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ
وَمَعْمَر ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ حَدِيثِهِمَا، مِنْ قَوْله: أَوَّلُ مَابُدِيَ بِهِ رَسُولُ اللهِ عَّهُ مِنَ الْوَحْىِ
الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ. وَتَبَعَ يُونُسَ عَلَى قَوْلِهِ: فَوَالله، لا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا. وَذَكَرَ قَوْلَ خَدِيجَةَ:
أَىِ ابْنَ عَمِّ ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِكَ .
٢٥٥ _ (١٦١) وحدّثنى أَبُو الطَّاهر، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبِ قَالَ: حَدَّثَنِى يُونُسُ، قَالَ:
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبِرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن ؛ أَنَّ جَابَرَ بْن عَبْد الله الأَنْصَارِىَّ -
وَكَانَ مِنْ أَصْحَبِ رَسُولِ اللهِعَّهِ - كَانَ يُحَدِّثُ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهُ وَهُوَ
يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْىِ - قَالَ فِى حَدِيثِهِ - : (( فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِى سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ،
فَرَفَعْتُ رَأْسِى ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِى جَاءَنِى بِحِرَاءِ جَالِسًا عَلَّى كُرْسِيِّ بَيْنَ السَّمَاءِ
وَالأَرْضِ)». قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((فَجُثْتُ مِنْهُ فَرَقًا ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ : زَمِّلُونى زَمِّلُونِى،
فَدَثَّرُونِى، فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرِ. قُمْ فَأَنذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِرْ . وَثِيَابَكَ
فَطَهِرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (١) وَهِىَ الأَوْثَانُ . قَالَ : ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْىُ .
قيل : قوَّتى ، وقيل : ظهرى ، ولو كان على ما ذهب إليه هذا القائل لكان صوابُ الكلام
مُؤزِراً ، بكسر الزاى ، وبعد أن ظهر لى هذا وَجدتُ معناه : مُعلَّقاً عن بعض المشايخ ،
ووجدته للخطابی وهو صحيح (٢) .
وقوله : ((فجثْتُ منه فَرَقًا))، قال الإمام: يروى: ((فحُثْتُ)) بالحاء غير معجمة ،
ومعناه : أسرَعْتُ خوفاً منه، [ ويروى فجُثثت ] (٣)، ويروى: [فجئت] (٤).
قال (٥) الهروى : يقال : جوَث (٦) الرجلُ وجُئث وجثَّ أى فزع .
قال القاضى: أكثر روايات الرواة فى هذا الحرف فى الموضعين الأولين فى الأمِّ فجُثثت))
بالجيم وهمزة مكسورة بعدها وثاء مثلثة ، وكذا للعذرى فى الموضع الثالث ، وعند الجماعة:
((فَجُئِئْتُ)) بالجيم وتائين معجمتين بثلاث ، وكذا عند السمرقندى فى الثلاثة مواضع ،
(١) المدثر : ١ - ٥ .
(٢) ومنه الإزار ؛ لأن المؤتزر يَشُدُّ به وسطه، ويحْكِئُ صُلْبة أى يحكمها .
(٣) سقط من ق، وفى الأصل ((فجئثت)) بالهمزة .
(٤) من المعلم .
(٥) فى الأصل : فملَّه ، والمثبت من المعلم ، ت.
(٦) فى ت : جثا ، وفى المعلم : جُثُث ، وهو وَهْم فيه لتكرر ذكره بعد .

٤٩١
کتاب الإيمان / باب بدء الوحي إلى رسول الله
٢٥٦ _ ( .. ) وحدّثَنِى عَبْدُ الْمَلَكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ
جَدِّى قَالَ : حَدَّثَنِى عُقَيْلُ بْنُ خَالِد عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْد
الرَّحْمَن يَقُولُ: أَخْبَرَنِى جَابِرُ بْنُ عَبْدَ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله عَّهُ يَقُولُ: (( ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْىُّ
عَنِّى فَتْرَةٌ ، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِى)) ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَديث يُونُسَ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: (( فَجُشْتُ مِنْهُ فَرَقًا
حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الأَرْضُِ)) . قَالَ: وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرُّجْزُ الأَوْثَانُ. قَالَ: ثُمَّ حَمِىَ
الْوَحْىُ بَعْدُ ، وَتَتَبَعَ .
وحدّثْنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا عَبّدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ بِهَذَا
الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَديث يُونُسَ وَقَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرِ﴾ إِلَى قَوْله:
﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ - وَهْىَ الأَوْثَانُ - وَقَالَ: ((فَجُنْتُ مِنْهُ)) كَمَا
قَالَ عُقَيْلٌ .
٢٥٧ - ( ... ) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ
قَالَ: سمعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ: أَىُّ الْقُرْآن أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِرِ﴾.
فَقُلْتُ: أَو ﴿ اقْرَأَ﴾؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ: أَىُّ الْقُرْآن أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يَا
أَيُّهَا الْمُدَثِرِ﴾. فَقُلْتُ: أَو ﴿اقْرَأَ﴾؟ قَالَ جَابِرٌ : أَحَدِّثْكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِعَِّ. قَالَ:
(( جَاوَرْتُ بِحِرَاءُ شَهْرًا ، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِى نَزَلْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِى ، فَنُودِيتُ .
فَظَرْتُ أَمَامِى وَخَلْفِى وَعَنْ يَمِنِى وَعَنْ شِمَالِى، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا ، ثُمَّ نُودِيتُ، فَنَظَرْتَّ فَلَمْ
وكذا (١) اختلفت فيه الرواية عن البخارى . ومعنى الروايتين المذكورتين : فَزَعْت ، كما
يُفْسَّرُ فى الحديث من بعض رواية البخارى: ((فَرُعِبْتُ)) (٢) مكان جَيْثت.
قال الكسائى : المجؤوثُ والمجثوثُ المذعورُ الفَزع . ولم يقيد (٣) عن أحد من شيوخنا
بالحاء المهملة فى مسلم ، لكنه وقع كذلك للقابسى فى موضع فى البخارى (٤)، وفسَّرَه
(١) فى ق : وكذلك .
(٢) ك بدء الوحى عن عائشة ١ / ٤، وكذا أخرجه فى: التفسير، ب ﴿وَثِيَّابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، عن
جابر بلفظ: ((فجئتُ منه رعباً )) ٦ / ٢٠١ .
(٣) فى ق : تقييده .
(٤) لم أجده فيما تَسَّر لى من نسخ وروايات .

٤٩٢
كتاب الإيمان / باب بدء الوحى إلى رسول الله عَ﴾.
أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِى، فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِى الْهَوَاءِ - يَعْنِى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ
السَّلامُ - فَأَخَذَتْنَى رَجْفَةٌ شَديدَةٌ ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونى . فَدَثَّرُونى ، فَصَبُّوا
عَلَىَّ مَاءً، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِرِ. قُمْ فَأَنذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِرْ . وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾
بأسرَعتُ ، ولا يصح معناه ، وكيف يصح [ تعبيره ] (١) بأسرعت ، وهو قد قال فى
الحديث: (( حتى هويتُ إلى الأرض)) (٢) ، أى سقطت من الفزع، فكيف يجتمع السقوط
والإسراع . قال بعضهم : صوابهُ : أهويتُ .
قال القاضى : وقد جاء كذا فى موضع فى البخارى(٣) وهو أشهرُ وأصح ، وقال
غيره: هوى من قريب وأهوى من بعيد . وقال الخليل : هَوِى يَهوى هَوِيا وهُويا ، قال
الهروى : وقد يكون الصعود والهبوط يقال فيه : هَويّا بالفتح إذا هبط وبالضمِّ إذا صَعِدَ ،
وكذا قال الخطابى وغيره (٤) . وقال [ لنا ] (٥) شيخنا أبو الحسين بالعكس . قال غيره :
هوَت العُقَابُ إذا انقضت على صيدٍ ، فإذا راوَعته قيل : أهوت . وقيل فى قوله:
﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ (٦): أى أهوى بها جبريل إلى الأرض ، أى ألقى بها فيها بعد أن
رفعها إلى السماء ، وقيل فى قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (٧) : أى سقط . وقال أبو
الهيثم: هويت أهوى إذا سقطت ، وقال غيره : أهويت يدي إلى السيف وغيره أى
أملت، ويقال: هوَيَتُ فيه أيضاً .
وقوله فى الحديث: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (٨) وفسرَه، هى الأوثان (٩) ، وقيل فيه :
الإثم (١٠).
وقوله: ((فأخذتنى رجفةٌ))، وعند السمر قندى: وجفةٌ، بالواو، ومعناهما متقارب، [و] (١١)
هو كله من كثرة الاضطراب ، قال الله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَة ﴾ (١٢) وقال: ﴿يَوْمَ
تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ (١٣).
(١) من ق .
(٢، ٣) البخارى، ك بدء الخلق، ب إذا قال أحدكم : آمين .
--
(٤) قاله الخطابى فى قوله عَّه: ((أتانى جبريل بدابة فوق الحمار ودون البغل ، فحملنى عليه ، ثم انطلق يهوى
بى كلما صَعِدَ عقَبَةً استوت رجلاه مع يديه، وإذا هبط استوت يداه مع رجليه )) . قال : قوله « يهوى
بنا)) معناه : يسير بنا ، وقد يكون ذلك فى الصعود والهبوط معاً، وإنما يختلف فى المصدر ، فيقال : هوى
يهوى هَوِيا إذا هبط ، وهُويا بالضم إذا صعد . غريب الحديث ١ / ٤١٧ .
(٥) من ت .
(٦) النجم : ٥٣ .
(٧) النجم : ١ .
(٩) ولفظ: البخارى فى التفسير : قال أبو سلمة : والرجز الأوثان .
(٨) المدثر : ٥ .
(١٠) وهو قول إبراهيم الضحاك. انظر: تفسير القرآن العظيم ٨ / ٢٨٩.
(١١) ساقطة من الأصل.
(١٣) المزمل : ١٤.
(١٢) النازعات : ٨.

٤٩٣
صِّاللّه
کتاب الإيمان / باب بدء الوحی إلی رسول الله
٢٥٨ - ( ... ) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، أَخْبَرَنَا عَلَىُّ بْنُ
الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحَْى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: ((فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ
السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» .
وقوله: ((فإذا هو على العرش فى الهواء)) وفى الحديث الآخر: ((على عرش بين
السماء والأرض)) وفى الآخر: ((على كرسى)): هذا تفسير معنى العرش فى الحديثين
المتقدمين ، وأنه كالكرسى والسرير وليس بعرش الرحمن العظيم ، قال الله تعالى: ﴿وَلَهَا
عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾ (١) . قال أهل اللغة : العرش : السرير ، وقيل : سرير الملك .
وقوله : (( ثم حمى الوحْىُ وتتابع)): الكلمتان بمعنى واحدٍ ، أى كثر نزوله ، وقوى
أمره ، وازداد ، من قولهم حميت النارُ والشمس إذا زاد حرهما ، ومنه : حمى الوطيسُ :
أى قوى حره ، واشتد ، ثم استعير / فى الحرب .
٤٠/ ب
وفى هذا الحديث وشبهه تحقيق العلم بتصور الملائكة على صور مختلفة ، وإقدار الله
لهم على التركيب فى أى شكل شاؤوا من صور بنى آدم وغيرها ، وأنَّ لهم صوراً فى أصل
خلقتهم مخصوصة بهم ، كلٌّ منهم على ما خُلِقِ عليه وشُكِّل .
(١) النمل : ٢٣.

٤٩٤
كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله عَّه ... الخ
(٧٤) باب الإسراء برسول الله عَ ليه
إلى السموات ، وفرض الصلوات
٢٥٩ - (١٦٢) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابتٌ
الْنَانِىُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: (( أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ
فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ. يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ)) قَالَ: ((فَرَكَبْتُهُ حَتَّى أَيْتُ بَيْت
الْمَقْدسِ)). قَالَ: ((فَرَبَطُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِى يَرْبِطُ بِهِ الأَنْسَِاءُ)) . قَالَ: (( ثُمَّ دَخَلْتُ المَسْجِدَ
فَصَلََّتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَنِى جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنَاءِ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاء
مِنْ لَبَنِ، فَاخْتَرْتُ اللََّنَ ، فَقَالَ جِبْرِيلُ عَّهِ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ،
فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ : جِبْرِيل. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ . قِيلَ:
وَقَدْ بُعثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ . فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ، فَرَجَّبَ بِى وَدَعَالِى بِخَيْرٍ .
ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ
جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ . قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، .
فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِابْنَىِ الْخَالَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمَا ،
فَرَحَّبَا وَدَعَوَاَ لِى بِخَيْرٍ . ثُمَّ عَرَجَ بِى إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقِيلَ: مِنْ
أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيل. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ عَهُ. قِيلَ: وَقَدْ بُعثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ
بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفْتَحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بُيُوسُفُ نَ، إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِى شَطْرَ الْحُسْنِ، فَرَحَّبَ وَدَعَا
لِى بِخَيْرٍ . ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قِيلَ : مَنْ
1
ذكر حديث الإسراء
قال الإمام: اختلف الناس فى الإسراء برسول الله عَّه فقيل: إنما كان جميع ذلك
مناماً، واحتجوا بقوله سبحانه: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّ فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ﴾ (١)، وقيل :
بل جميعه كان حقيقة فى اليقظة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ (٢)، ولم
(١) الإسراء: ٦٠. ومحل استشهادهم أنه جلَّ جلاله عبر عنها (بالرؤيا) التى لا تكون إلا منامًا ، ولم يقل :
( الرؤية ) التى تقع يقظة . ويمكن أن يرد على ذلك بأنها لغرابتها كانت كالرؤيا .
(٢) الإسراء : ١ .

٤٩٥
كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله عليه ... إلخ -
هَذَا؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ . قَالَ : وَقَدْ بُعثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ : قَدْ
بُعثَ إِلَيْهِ. فَفُتَحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ، فَرَجَّبَ وَدَعَا لِى بِخَيْرِ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ
مَكَانًا عَليًّا﴾(١). ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الخَامِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيل قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ :
جِبْرِيلُ . قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ . قِيلَ: وَقَدْ بُعثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ : قَدْ بُعثَ إِلَيْهِ،
قَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِهَرُونَ ◌ََّ، فَرَجَّبَ وَدَعَاَ لِى بِخَيْرِ. ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةَ،
فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: حِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ :
مُحَمَّدٌ . قِيلَ: وَقَدْ بُعَثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى عَُّ ،
فَرَجَّبَ وَدَّعَا لِى بِخَيْرٍ. ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَابِعَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيل، فَقِيلَ : مَنْ هَذَا؟
قَالَ جبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ عَّهُ. قِيلَ: وَقَدْ بُعثَ إِلَيْهِ، قَالَ: قَدْ بُعثَ
إِلَيْهِ . فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ ◌َُّ، مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ
كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَك لا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِى إِلَى السِّدْرَةَ الْمُنْتَهَى، وَإِذَا وَرَقُهَا
كَآذان الفيلَةَ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقلال)). قَالَ: ((فَلَمَّا غَشَهَا مِنْ أَمْرِ الله مَا غَشَى تَغَيَّرَتْ، فَمَا
أَحَدٌ مِنْ خَلَقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنَ يَنْعَتَّهَا مِنْ حُسْنِهَا، فَأَوَحَى اللهُ إِلَىَّ مَا أَوْحَى ، فَفَرَضَ عَلَىَّ
خَمْسِينَ صَلاَةٌ فِى كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى نَ فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى
أُمَّكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صِّلَاةٌ . قَالَ: ارْجِعَ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلُهُ النَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمََّكَ لا
يُطَيِّقُونَ ذَلَكَ، فَإِّى قَدْ بَلَوْتُ بَنِى إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ)) . قَالَ : ((فَرَجَعَتُ إِلَى رَبِّى فَقُلْتُ:
يَرَبِّ، خَفِّفْ عَلَى أُمَّتَى، فَحَطَّ عَنِّى خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّى
خَمْسًا . قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذَلك فَارْجِعْ إِلَى رَبِّك فَاسْأَلُهُ التَّخْفِيفَ)) . قَالَ . ((فَلَمْ
يقل : بروح عبده ، ولا ينتقل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل ، واحتجوا - أيضاً - بأن
ذلك لوكان مناماً لما استْعَدته الكفار ، ولما كذَّبوه فيه وافتتن به - أيضاً - بعض من كان
أسلم من الضعفاء حتى ارتد ، وغير بعيد أن يرى الإنسان مثل ذلك فى المنام . وقيل -
أيضاً - : إنما الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كان فى اليقظة وما بعد ذلك
منام.
ويصح لقائل هذا القول أن يبنى فيقول: قوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ نهاية، كما قال: ﴿ إِلَى
(١) مريم : ٥٧ .

٤٩٦
كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله عَّة ... إلخ
أَزَلْ أَرْجِعْ بَيْنَ رَبِّى تَبَارَكَ وَتَعَلَى وَبَيْنَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتَّى قَالَ: ((يَا مُحَمَّدُ ،
إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتِ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، لِكُلِّ صَلَاة عَشْرٌ ، فَذَلَكَ خَمْسُونَ صَلَاةً، وَمَنْ هَمَّ
بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُّ حَسَّةٌ ، فَإِنْ عَمِلَّهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيَِّةٍ فَلَمْ
يَعْمَلُهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَّةً وَاحِدَةً)) قَالَ: ((فَتَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى
مُوسَى عَّهِ فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلُهُ التَّخْفِيفَ)). فَقَالَ رَسُولُ اللهِّ :
((فَقُلْتُ : قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّى حَتَّى اسْتَحْبَيْتُ مِنْهُ )) .
٢٦٠ - ( .. ) حدّثَنِ عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِم الْعَبْدِىّ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَد، حَدَّثَنَا
سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مََّلَك قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِعَّمَ: ((أُنْيتُ
فَانْطَلَقُوا بِ إِلَى زَمْزَمَ، فَشُرِحَ عَنْ صَدْرِىَ، ثُمَّ غُسِلِّ بِمَاءٍ زَهْزَمَ ثُمَّأَنْزِلِتَ)).
٢٦١ - ( ... ) حدّثْنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانى
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالك؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَّهُ أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَّةٍ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ
فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةٌ. فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ
مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِى طَسْتِ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِى مَكَانِه، وَجَاءَ
الغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِى ظِثْرَهُ - فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ
مُتَقَعُ اللَّوْنِ. قَالَ أَنَسٌّ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِى صَدْرِهِ .
٢٦٢ - ( ... ) حدّثَنَا هَرُونُ بْنُ سَعيد الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، قَالَ : أَخْبَرَنِى
سُلَيْمَانُ - وَهُوَ ابْنُ بَلال - قَالَ: حَدَّثَنِى شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى نَمِرَ ، قَالَ: سَمِعْتُ
أَسَ بْنَ مَالِكِ يُحَدِّثْنَا عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِرَسُولِ اللهِ عَّهُ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ؛ أَنَهُ جَاءَهُ ثَلاثَةُ
الْمَسْجِد الأَقْصَا﴾ كان بالجسد، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ ﴾
يريد ما كان فى المنام بعد ذلك .
احتج القائل بهذا التفصيل بأن ذلك خرج مخرج التمدح ، والإخبار بتشريفه عليه ،
ولا يقع التمدح بالأدون مع وجود الأرفع ، فلو كان قد صعد إلى السماء بجسده لكان
يقول: أسرى بعبده إلى السماء، فهو أبلغ فى المدح من أن يقول: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَا﴾.

٤٩٧
-
كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله عَّه ... إلخ
نَفَرَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وَهُوَ نَائِمٌ فِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَسَاقَ الْحَديثَ بقصَّتَهِ نَحْوَ
٠٠
حَدِيثِ ثَابِتِ الْنَانِىِّ، وَقَدَّمَ فِيهِ شَيْئًا وَأَخَّرَ . وَزَادَ وَنَقَصَ .
٢٦٣ _ (١٦٣) وحدثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى النُّجْيِىُّ، أَخَبَرَنَا ابْنُ وَهْب، قَالَ :
أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنْسِ بْنِ مَالك قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ، أَنَّ رَسُولَ
الله عَِّ قَالَ: ((فُرِجَ سَقْفُ بَيْتَى وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جَبْرِيلُ عََّ، فَفَرَجَ صَدْرِى، ثُمَّ غَسَلَهُ
مِنْ مَاء زَمْزَمَ ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتِ مِنْ ذَهَبِ مُمْتَلِئْ حِكْمَةً وَإِيمَانًا ، فَأَفْرَغَهَا فِى صَدْرِى، ثُمَّ
٠
أَطَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بَيَدِى فَعَرَجَ بِى إِلَى السَّمَّاء، فَلَّمَّا جِئْنَا السَمَاءَ الدُّنْيَا قَالَ جَبْرِيلُ - عَلَيْهِ
السَّلامُ - لخَازن السَّمَاءِ الدُّنْيَا: اقْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جَبْرِيلُ . قَالَ: هَلْ مَعَكَّ
أَحَدِ؟ قَالَ : نَعَمْ. مَعِى مُحَمَّدٌ عَّهِ. قَالَ: فَأَرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمَ . فَفَتَحَ. قَالَ : فَلَمَّا
عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَإِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ . قَالَ: فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ
يَمِينِهِ ضَحِكَ ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شمَالهُ بَكَى . قَالَ : فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَِّىِّ الصَّالِحِ وَالابْنِ
الصَّالِحِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا جَبَِّيلُ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ نَّهِ ، وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ
قال القاضى: الحق والذى عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء ،
والمحدثين والمتكلمين أنه أسرَى بالجسد، والآثار تدل عليه لمن طالعها وبحث عنها، ولا يعدل
عن ظاهرها إلا بدليل ، ولا استحالة فى حملها عليه فيحتاج إلى تأويل .
وقد جاء فى مسلم من رواية شَرِيك فى هذا الحديث اضطراب وأوهامٌ ، أنكرها عليه
العلماء ، وقد نبّه مسلم على ذلك بقوله: ((فقدَّم وأخَّرَ وزاد ونقص منها)) (١).
قوله: ((وذلك قبل أن يوحى إليه )): وهو غلطٌ لم يوافق عليه ، فإن الإسراء أقلُّ ما
قيل فيه : إنه كان بعد مبعثه بخمسة عشر شهراً ، وهو قول الزهرى (٢) . وقال الحربى :
كان ليلة سبع وعشرين من ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة ، وقال الزهرى : كان ذلك بعد
مبعث النبى ◌ّ بخمس سنين ، وقال ابن إسحق : أسرى به وقد فشى الإسلام بمكة
والقبائل (٣) .
وأشبه هذه الأقاويل قول الزهرى وابن إسحق ، إذ لم يختلفوا أن خديجة صلت معه
بعد فرض الصلاة عليه ، ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة بمدة ، قيل : بثلاث سنين
(١) حديث رقم (٢٦٢) فى هذا الباب .
(٢) فى الأصل وت : الذهبى ، وقيدت فى ت بخط مرتعش ، وإن كان كتب أمامها فيها : كأنه الزهرى .
(٣) راجع فى ذلك: السيرة النبوية ١ / ٣٩٦، والروض الأنف ٢ / ١٤٨، ودلائل النبوة للبيهقى ٢ / ٣٥٤

٤٩٨
كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله عَلَّه ... إلخ
وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ أَهْلُ الْجنةِ ، وَالأَسْوِدَةُ التى عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ ،
فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِنِهِ ضَحِكَ ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى. قَالَ: ثُمَّ عَرَجَّبِىَ جِبْرِيلُ حَتَّى
أَنَّى السَّمَاءَ الثَّنِيَةَ، فَقَالَ لِخَازِهَا: اقْتَحَّ. قَالَ : فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ خَازِنُ السَّمَاءِ
الدُّنْيَا . فَفَتَحَ .
فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالك: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فى السَّمَاوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَعِيسَى وَمُوسَى
وَإِبْرَاهِيمَ صَلَوَتُ اللهِ عَلَّيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَلَمْ يُثْبِتْ كَيَّفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ
وَجَدَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِى السَّمَّاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. قَالَ: فَلَمَّا
مَرَّ جَبْرِيلُ وَرَسُولُ اللهِ عَهُ بِإِدْرِيسَ - صَلَوَاتُ الله عَلَيْه ـ- قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِىِّ الصَّالِحِ
وَالأَخِ الصَّالِحِ. قَالَ: ثُمَّ مَرَّ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا إِذْرِيسُ . قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ
بِمُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِىِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. قَالَ: قُلْتُ : مَنْ
هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى. قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِىِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ
الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ . قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ
السَّلامُ - فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِىِّ الصَّالِحِ وَالأبْنِ الصَّالِحِ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا
إِبْرَاهِيمُ .
وقيل: بخمس ، كما أن العلماء مجمعون أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء ، فكيف يكون
هذا كله قبل أن يُوحى إليه ؟ وكذلك ذكره فى الحديث شرح صدره وغسله .
وقوله: ((انطلقوا به إلى زمزم)) مع قوله فى الحديث الآخر: ((إن ذلك فُعِلَ به وهو
مع الغلمان)) وما ذكر فى كتاب مسلم: ((إن ذلك كان وهو عند مرضعته فى بنى سعد))
ويصحح هذا قوله فى كتاب مسلم: (( وجاء الغلمان إلى أمه - يعنى ظئره - وهى حليمة
بنت أبى ذؤيب)) وهذا أصح من كون ذلك بمكة ، وأنه كان فى صغره وقبل نبوته وفى غير
حديث الإسراء ، وإن صح ذكر غسله عند زمزم فلا يبعد ذهاب الملائكة به كذلك ثم ردّه
إلى موضعه ويجمع بين الحديثين . وقد وافق شريكا فى هذا عن أنس غيرُه ، وقد جوَّد
الحديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس وأتقنه وفصَّله [فجعله ] (١) حديثين ، وجعل
شق البطن فى صغره والإسراء بعد ذلك بمكة - وهو المشهور الصحيح .
(١) من ت .

٠
٤٩٩
كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله عَّة ... إلخ
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِى ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِىَّ كَانَا يَقُولان:
قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((ثُمَّ عَرَجَ بِى حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَّى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلامِ)) .
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِك: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((فَفَرَضَ اللهُ عَلَى أُمََّى خَمْسِينَ
صَلَاةً)) . قَالَ: ((فَرَجَعْتُ بِذَلَكَ حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى فَقَالَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ((مَاذَا
فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّكَ؟)) قَالَ: ((قُلْتُ : فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ لِى مُوسَى
- عَلَيْهِ السَّلامُ -: فَرَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّنَكَ لا تُطِيقُ ذَلَكَ)). قَالَ: ((فَرَاجَعْتُ رَبِّى
فَوَضَعَ شَطْرَهَا)). قَالَ: ((فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأَخْبَرْتُهُ. قَالَ : رَاجِعْ
رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّنَكَ لا تُطِيقُ ذَلَكَ)) . قَالَ : ((فَرَاجَعْتُ رَبِّى ، فَقَالَ : هِىَ خَمْسٌ وَهِىَ
خَمْسُونَ ، لا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ)) . قَالَ: ((فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ : رَاجِعْ رَبَّكَ .
فَقُلْتُ: قَدْ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّى)). قَالَ: ((ثُمَّ انْطَلَقَ بِى جِبْرِيلُ حَتَّى نَأْتِى سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى،
وأما قوله فى رواية شريك: ((وهو نائم)) وقوله فى الرواية الأخرى: ((أنا عند
البيت بين النائم واليقظان)) فقد يحتج به من يجعلها رؤيا نوم ، ولا حجة فيه إذ قد يكون
ذلك حالة أوَّل وصول الملك إليه ، وليسَ فى الحديث ما يدلُّ على كونه نائماً فى القصة
كلها .
وقوله فى صفة البراق: ((وهو دابةٌ طويل)) جاء بوصف المذكر لأنه وصف البراق ،
ولو أتى به على لفظ الدابة لقال: طويلة . قال ابن دريد : البراق الدابة التى حُمِل عليها
النبى عَّ ، اشتقاقها من البرق إن شاء الله تعالى.
قال القاضى : كأنه يعنى لما وُصفت به من السرعة ، ويحتمل عندى أن تُسمى بذلك
لكونها ذات لونين يقال: شاةٌ برقاء إذا كان فى خلال صوفها الأبيض طاقات سود ، وجاء
وصف البراق فى الحديث: (( أنه أبيض)) ، فقد يكون من نوع الشاة البرقاء وهى معدودة
فى البيض؛ ولهذا قال عَّه: ((أبرقوا فإنّ دم عفراء عند الله أزكى من دم سوداوين)) (١)،
أى ضحوا بالبرقاء وهى البيضاء، وهى هنا ((العفراء)).
(١) الحديث أورده الهيثمى ، المجمع ، ك الأضاحى ، ب ما يستحب من الألوان من حديث كثيرة بنت سفيان
- وكانت من المبايعات - وقال : رواه الطبرانى فى الكبير ، وفيه محمد بن سليمان بن مسمول ، وهو
ضعيف ٤ / ٠١٨

كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله عٍَّ ... إلخ
٥٠٠
فَغَشْيَهَا أَلْوَانٌ لا أَدْرِى مَا هِىَ)). قَالَ: (( ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤْ، وَإِذَا
تُرَبُهَا الْمِسْكُ » .
٢٦٤ _ (١٦٤) حدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ الُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٌّ عَنْ سَعيد، عَنْ قَتَادَةَ،
عَنْ أَنَس بْنِ مَالك - لَعَلَّهُ قَالَ - عَنْ مَالِك بْنِ صَعْصَعَةَ - رَجَل مِنْ قَوْمه ـ قَالَ : قَالَ
نَبِىُّ اللهِ عََّ:(( بَيْنَ أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ، إِذْ سَمِعْتُ قَّاتَلاَ يَقُولَ: أَحَدُ الثَّلاثَةِ
بَيَّنَ الرَّجُلَيْنِ، فَأَنِيْتُ فَانْطُلِقَ بِى، فَأُنِيتُّ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبَ فِيهَا مِنْ مَاءَ زَمْزَمَ، فَشُرِحَّ
صَدْرِى إِلَى كَذَا وَكَذَا - قَالَ قَتَادَةُ : فَقُلْتُ لَلَّذِى مُّعَى: مَا يَعْنَى؟ قَالَ : إِلَى أَسْفَلِ بَطْنِهِ -
فَاسْتَخْرِجَ قَلْبِى ، فَغُسِلَ بِمَاءِ زَهْزَمَ ، ثُمَّ أُعِيَدَ مَكَانَهُ، ثُمُ حُشِى إِبِمَانًا وَحِكْمَةً، ثُمَّ أُنَيْتُ
بِدَّةً أَبْيَضَ يُقَالُ لَهُ: البُرَاقُ، فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ البَغْلِ، يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفه ،
فَحُمِّلْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عَّهُ ، فَقِيلَ : مَنْ
هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدُ نَّهِ . قِيلَ : وَقَدْ بُعثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ :
نَعَمْ)). قَالَ: ((فَفَتِحَ لَنَا، وَقَالَ : مَرْحَبًا بِهِ. وَلَنِعْمَ الَجِىءُ جَاءَ)). قَالَ: ((فَأَنَيْنَا عَلَى آدَمَ
يَِّ)). وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقصَّتِهِ. وَذَكَرَ أَنَّهُ لَقِىَ فِى السَّمَاءِ الثَّانِيةِ عِيسَى وَيَحْنَى - عَلَيْهِمَا
٠
وقوله: (( فجاء جبريل بإناءٍ من خمرٍ وإناءٍ من لبن، فاخترت اللبن، فقال: [ اخترت ](١)
الفطرة)). أصل الفطرة فى كلام العرب: الخلقة ومنه: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾(٢): أى
خالقها ، وقيل : الفطرة: الابتداء، وقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٣) : أى أقم
1
٤١ / أ وجهك للدين / الذى فطر الناس عليه ، قيل : الجبلةُ التى جبلهم عليها من النّهى،
لمعرفة الله، والإقرار به، وقيل: ما أخذ عليهم فى ظهر آدم - عليه السلام - من الاعتراف
بربوبيَّته، وقيل: معناها : الاستقامة؛ لأن الحنيف عند بعضهم المستقيم، [ وسمى ] (٤)
الأحنف على القلب ، كما سمى اللديغ [ سليما ] (٥) ، والحنيفية المستقيمة عن الميل لأديان
[ أهل ] (٦) الشرك، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَِّي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًّا
مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٧)، وكما قال: ﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ﴾ (٨).
(١) ساقطة من ق .
(٣) الروم: ٣٠.
(٢) الشورى : ١١ .
(٤) فى ت : ويسمى ، وساقطة من ق .
(٥، ٦) ساقطة من الأصل .
(٧) الأنعام : ١٦١ .
(٨) الروم: ٣٠.