النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١
كتاب الإيمان / باب تألف قلب من يخاف على إيمانه ... إلخ
(٦٨) باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه، والنهى عن
القطع بالإيمان من غير دليل قاطع
٢٣٦ _ (١٥٠) حدّثنا ابْنُ أبى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَامر بْنِ
سَعْد، عَنْ أَبِيه ؛ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ عَّةٌ قَسْمًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِ فُلانًا فَإِنَّهُ
مُؤْمِنٌ. فَقَالَ النَّبِىُّ عَّهِ: (( أَوْ مُسْلِمٌ )) أَقُولُهَا ثلاثاً، وَيُرَدِّدُهَا عَلَىَّ ثَلاثاً (( أَوْ مُسْلِمٌ))
١
وقوله فى حديث سعد حين قال : أعط فلاناً فإنه مؤمن. فجعل النبى معَّه يقول :
((أوْ مُسلِمٌ))، قال الإمام : قال بعضهم : قال أبو مسعود الدمشقى: هذا الحديث إنما
يرويه ابن عيينة عن معمر عن الزهرى ، قاله الحميدى ، وسعيد بن عبد الرحمن، ومحمد
ابن الصباح الجرجانى، كلهم عن سفيان عن معمر عن الزهرى بإسناده سواء ، وهذا هو
المحفوظ عن سفيان ، وكذلك قال أبو الحسن الدارقطنى فى كتاب الاستدراكات فى هذا
الإسناد (١).
قال القاضى : هذا الحديث أصح دليل على الفرق بين الإيمان والإسلام ، وأن الإيمان
باطن ومن عمل القلب، والإسلام ظاهر ومن عمل الجوارح ، لكن لا يكون مؤمنا إلا
مسلما، وقد يكون مسلماً غير مؤمن ، ولفظ هذا الحديث يدل عليه ، وفيه ردٌّ على الكرَّاميَّة
وغلاة المرجئة فى حكمهم بصحة الإيمان لمن نطق بالشهادتين وإن لم يعتقدها بقلبه (٢) ؛
لنفى النبى ◌َّ﴾ اسم الإيمان عنه واقتصاره به على الإسلام. وفيه حجةٌ لقول من يجيز إطلاق
أنا مؤمن دون استثناء، وردٌّ على من أبى ذلك، وهى مسألة اختلف فيها من زمان الصحابة -
(١) عبارة المعلم: قال الشيخ: قال مسلم: حدثنا ابن أبى عمر، ثنا سفيان عن الزهرى عن عامر بن سعد عن
أبيه قال : قسم رسول الله عَّ قسما ... الحديث. قال بعضهم ... إلخ. فاختصار القاضى - رحمه
الله - للعبارة المنقولة وحذف الإسناد المساق يفصل بيان المراد من الإمام .
قال النووى : (( وقد يكون رواه عن الزهرى مرة بغير واسطة ومرة بواسطة معمر، فذكره بالوجهين ،
لكن أكثر أصحاب سفيان إنما يرويه بواسطة معمر، وبالجملة فالحديث صحيح)). وانظر: الإلزامات والتتبع
٢٣٨ .
قلت : وقال المزى فى التحفة: (( قال أبو مسعود : كذا رواه ابن أبى عمر ، عن ابن عيينة عن
الزهرى ، ورواه الحميدى ومحمد بن الصباح الجرجانى، وسعيد بن عبد الرحمن ، عن ابن عيينة ، عن
معمر ، عن الزهرى ، زادوا فيه معمرا - يعنى بين ابن عيينة والزهرى . وقال أبو القاسم فى حديث
المعتمر عن معمر: سقط منه عبد الرزاق)). تحفة الأشراف ٣ / ٢٩٨، وقال الحافظ فى النكت الظراف :
وكذا يعنى بإثبات معمر ، أخرجه أبو نعيمٍ فى المستخرج من طريقه بإثباته ، فلعل سقوطه من بعض الرواة
عنه إما مسلم أو من دونه ، أو يكون لما حدّث به مسلماً رواه له من حفظه ٣ / ٢٩٨ .
(٢) راجع المقدمة .
٤٦٢
كتاب الإيمان / باب تألف قلب من يخاف على إيمانه ... إلخ
ثُمَّ قَالَ: ((إِنِّى لِأُعْطِى الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْهُ، مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّ اللهُ فِى النَّارِ )) .
١
٢٣٧ _ ( .. ) حدّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثْنَا ابْنُ أَخِى
ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ؛ قَالَ : أَخْبَرَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاص، عَنْ أَبِيهِ سَعْد ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ عَّةٍ أَعْطَى رَهْطاً، وَسَعْدٌ جَالسٌ فِيهِمْ. قَالَ سَعْدٌ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ لَّهُ مِنْهُمْ
مَنْ لَمْ يُعْطِهِ ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَىَّ، فَقُلَتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلان؟ فَوَالله إِنِّى
الأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَِّ: ((أَوْ مُسْلِمًا)). قَالَ: فَسَكَتُّ قَليلا، ثُمَّ غَلَبَنِى مَا
أَعْلَمُ مِنْهُ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَلَكَ عَنْ فُلاَنِ، فَوَ اللهِ إِّى لأَرَاهُ مُؤْمِنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
رضى الله عنهم - إلى هَلُمَّ جرّاً .
وكل قول إذا حقق كان له وجهٌ وفى ظرف لا ينافى القول الآخر . فمن لم يستثن
أخبر عن حكم نفسه فى الحال ، وأما المآل فإلى العلام به ، ومن استثنى أشار إلى غيب ما
سبق له فى اللوح المحفوظ . وإلى التوسعة فى القولين ذهب من السلف الأوزاعى(١) وغيره،
وهو قول أهل التحقيق نظرا إلى ما قلناه ورفعاً للخلاف (٢) .
وقوله فى آخر الحديث: (( إنى لأعطى الرجل وغيره أحب إلى منه ، مخافة أن يكبه
الله فى النار)) وهذه الرواية الصحيحة: ((يكبه))، بفتح الياء وضم الكاف ، فعل ثلاثى
من كب ، ولم يأت فى لسان العرب فعل ثلاثيه معدى ورباعيه غير معدى على نقيض
المتعارف إلا كلمات قليلة ، منها هذا ، يقال : أكب الرجل وكببته أنا ، قال الله تعالى :
﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ (٣)، وقال: ﴿ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ (٤).
ومثله: أقشعِ الغنم ، وقشَعتْه الريح (٥) ، وانسل ريش الطائر، ووبرُ البعير ونسلتُه،
وأَنْزَفتِ البئرُ : قَلَّ ماؤها ، ونزَفتُها أنا، وأمرأت الناقةُ إذا درَّ لبنها ومرَّأتها أنا ، وأشنق
البعير : رفَعَ رأسه، وشَنَقْتُه أنا (٦).
(١) هو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد ، سبق بالمقدمة .
(٢) يريد أن المختلفين لم يتواردا، فكلٌّ راعى مالم يراع الآخر ، ورفع بعضهم الخلاف بين القولين بنظر آخر ،
فقول من قال : يستثنى ، جعل الإيمان التصديق والعمل ، والعمل يقع الشك فى حصوله ، والشك فى
جزء الماهية شك فى كلها ، فلا بد أن يستثنى ويقول : أنا مؤمن إن شاء الله . ومن قال: لا يستثنى ، جعله
اسما للتصديق فقط، والتصديق حاصل. فتح الملهم ١/ ١٨٤ .
(٣) الملك : ٢٢ .
(٥) جاء فى اللسان: فشّع الشىء قشَعاً: جفَّ.
(٦) فى اللسان : وأشنق هو ، ولعل ما ذكره القاضى أدق وأدخل فى المعنى.
(٤) النمل : ٩٠ .
٤٦٣
كتاب الإيمان / باب تألف قلب من يخاف على إيمانه ... إلخ
◌َُّ: ((أَوْ مُسْلِمًا)). قَالَ: فَسَكَتُ قَليلا، ثُمَّ غَلَنَى مَا عَلَمْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ،
مَكَ عَنْ فُلان، فَوَ اللهِ إِنِّى لِأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( أَوْ مُسْلِمًا، إِنِّى لأُعْطِى
الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِى النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ)) .
( ... ) حدّثْنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلَىِّ الْحُلْوَانِىُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -
وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ - حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ؛ قَالَ : حَدَّثَنِى عَامِرُ
ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْد؛ أَنَّهُ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ عَهَ رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ ، بِمِثْلٍ
ء
حَدِيثِ ابْنِ أَخِى ابْنِ شِهَبٍ عَنْ عَمِّ. وَزَادَ : فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ فَسَارَرْتُهُ ، فَقُلْتُ:
مَالَكَ عَنْ فُلاَن .
( ... ) وحدّثنا الْحَسَنُ الْحَلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ ، عَنْ
إِسْمَاعِيلَ بْن مُحَمَّد ؛ قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدِ يُحَدِّثُ هَذَا . فَقَالَ فِى حَدِيثِهِ :
فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ عَّ بِيَدِهِ بَيْنَ عَّفِى وَتِفِى، ثُمَّ قَالَ: « أَقِتَالا؟ أَىْ سَعْدُ، إِنِّى لِأُعْطِى
الرّجُلَ)).
وقوله فيه : ((أقتالاً [أى] (١) سعدُ)): أى مَدَافَعَةً ومكابَرةً، وعليه تأوَّل بعضهم
فى المار بين يدى المصلى : فليقاتله: أى فليدافعه ويدْرَؤه عن المرور بين يديه. ولما كررَ
سعدٌ كلامه على النبى مرة بعد أخرى ، وكل ذلك لا يقبله النبى عَّه منه وهو يردده ،
أشبه المدافعة .
وليس مقال سعد مناقضاً للنبى عَّه، ولكن لما قطع سعد على إيمانه قال له النبى معَّ:
((أوْ مسلماً)) بمعنى: أن هذه اللفظة التى تُطلق على الظاهر أولى فى الاستعمال، إذ السرائر
مخفية لا يعلمها إلا الله، وحُكُمُ النبىّ عَّ فى أمته على الظواهر (٢).
(١) ساقطة من ق .
(٢) فـ ((أو)) للتنويع أو للشك، ولا يجوز فتح الواو هنا؛ لأن بالفتح يفسد المعنى، حيث تصير به الهمزة
للاستفهام، وليس المعنى عليه، وإنما قصد عَّ حث سعد لأن يقول: ((أو مسلم)) مع قوله: ((فإنه مؤمن)).
٤٦٤
كتاب الإيمان / باب زيادة طمأنينة القلب يتظاهر الأدلة
(٦٩) باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة
٢٣٨ _ (١٥٢) وحدّثْنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَن
ابْن شهَاب، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبّدِ الرَّحَمنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهَِّ قَالَ: ((نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكَ مِنْ إِبْرَاهِيم ◌َّهَ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْبِي
وقوله عَّة: ((نحن أحق بالشك من إبراهيم))، قال الإمام : يحتمل أنه أن يكون
لما رأى إبراهيم - عليه السلام - سأل زيادة يقين بأن يعلم بالعيان ما عَلَمَ بالدليل، ومعلوم
أن بين العلمين فى العادة من انتفاء الشكوك تبايناً عبّر عن المعنى الذى بين العلمين بالشك
مجازا ، وقد تكلم الإمام أبو عبد الله - أيضاً - آخر الكتاب على قضية إبراهيم ومضمن
هذا الحديث بأشبع من هذا ، فقال : من الناس من ذهب إلى أن إبراهيم إنما أراد بهذا
اختبار منزلته واستعلام قبول دعوته ، فسأل البارى أن يخرق له العادة ، ويحيى له الموتى ،
لیعلم بذلك قدر منزلته عند الله .
ويحمل هؤلاء قوله: [عزَّ وجهه] (١) ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنٍ﴾ (٢) على أن المراد به بقربك
[ منى ] (٣) ويفضيلتك لدىَّ. فيكون التقدير - لو ثبت حملُ الآية على هذا المعنى -:
نحن أولى أن نختبر حالنا عند الله من إبراهيم - على جهة الإشفاق منه عمّه والتواضع لله
تعالى - وإن قلنا بما يقتضيه أصل المحققين ، وأن المراد : أن ينتقل من اعتقاد إلى اعتقاد
آخر هو أبعد من طريان الشك ونزغات الشيطان لأنا [ لا ] (٤) نساوى بين العلوم الضرورية
والعلوم النظرية ، ونمنع التفاضل بينهما فى نفس التعلق ، وإنما يصرف التفاضل إلى أن
٣٧ / ب الشك لا يطرأ على الضرورى / فى العادة والنظرى قد يطرأ عليه - فيكون إبراهيم سأل ربه
زيادة فى الطمأنينة ، وسكون النفس ، حتى تنتفى الشكوك أصلاً ، ويكون المراد من نبينا
عَّهِ أنا أحق بالشك فى هذا منه على جهة الإشفاق أيضاً [ أ] (٥) ويكون المراد بذلك
أمَّته ليحضَّهم على الابتهال إلى الله تعالى بالتعوذ من نزغات الشيطان فى عقائد الدين.
قال القاضى : للناس فى معنى سؤال إبراهيم أجوبَةٌ كثيرةٌ ، منها الجوابان المتقدمان فى
إرادته اختيار المنزلة ، أو زيادة اليقين ، وقيل : أراد علم كيفيته واطمئنان القلب لمشاهدتها ،
وكان له علم بالوقوع ، وأراد علماً ثانياً بكيفيته ومشاهدته وطمأنينة قلبه ، لما كان ينازعه من
(٢) البقرة : ٢٦٠ .
(١) من ت .
(٣) من ق .
(٤) ساقطة من الأصل ، ومستدركة فى ت بهامشه .
----
(٥) ساقطة من الأصل .
٤٦٥
كتاب الإيمان / باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة ... إلخ .
الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٍ قَالَ بَلَىْ وَلَكِن لَيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (١) قَالَ: (( وَ يَرْحَمُ اللهُ لُوطًا، لَقَدْ
كَانَ يَأْوِى إِلَى رُكْنِ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِى السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لأَجَبْتُ الدَّاعى )).
( .. ) وَحَدَثَنِى بِهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّد بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِى، حَدَّثَنَا
جُوَيَّرِيَةُ عَنْ مَالِكِ، عَنْ الزّهْرِىِّ؛ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَأَبَا عُبَيِّدِ أَخْرَاهُ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ،
عَنْ رَسُولِ اللهِ عَّهُ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِىِ . وَفِى حَدِيثِ مَالِكِ : ﴿ وَلَكِنْ
حُبّ مشاهدة ذلك ، وقيل : أنه لما احتج على الذى حاجّهُ بأن ربَّه يحيى ويميت طلب ذلك
من ربّه ؛ ليتضح (٢) استدلاله عياناً بعد أن كان بياناً (٣)، وقيل: [هو] (٤) سؤال على
طريق الأدب ، والمراد : أقدِرنى على إحياء الموتى . وطمأنينة القلب هنا ببلوغ الأمنية .
وذهب بعض أصحاب الإشارات إلى أن المعنى: أنه أرى من نفسه الشك ، وما شك ،
لكن لُيُجَاوَبَ ، فيزداد بذلك قُرْبَةً (٥) .
وقيل فى قوله عَّه: ((نحن أحقُّ بالشك من إبراهيم)) - سوى ما تقدم - : نفى
الشك إبراهيم وإبعاد الخواطر الضعيفة أن تظن بسؤاله ذلك شكاً فيما سأل ، أى نحن
موقنون بالبعث وإحياء الموتى ، فلو شك إبراهيم فى ذلك لكنَّا أولى بالشك - على طريق
الأدب - وكلاهما لا يجوز عليه الشك .
وقد بسطنا الكلام فى هذا وشبهه فى القسم الثالث من كتاب (( الشفا)) (٦) .
وقوله تعَّ: ((ولو لبثت فى السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعى))، قال
الإمام: [ هو ] (٧) تنبيه على فضل يوسف - عليه السلام - وصبره على المصائب .
قال القاضى: الداعى هاهنا رسول الملك ليأتيه به، فقال له يوسف: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ ﴾
الآية (٨)، ولم يخف للخروج من السجن الطويل والراحة من البلية العظيمة لأول ما أمكنه
(١) البقرة: ٢٦٠ .
(٢) فى ت: ليصح، وقد كتب أمامها بهامش الأصل: ((أصل ليصح)). بما يفيد أن تلك النسخة مأخوذة عن
نسخة إن لم تكن أصل المؤلف فإنها عورضت بما عورضت به نسخة ت ، وحيث إن ت قد صرح بأنه نقلها
من أصل المؤلف فإنه هنا يكون جمع بين هذا مع زيادة التصحيح .
(٣) فى ت : إيماناً .
(٥) راجع لطائف الإشارات ١ / ٢٠١ .
(٦) الشفا : ٢ / ٦٦٥، وما ذكره آخرا هنا كان الوجه الخامس له فى الشفا.
(٧) ليست فى المعلم .
(٤) من ت
(٨) يوسف : ٥٠ .
٤٦٦
كتاب الإيمان / باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة
لَيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾. قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هذه الآيَةَ حَتَّى جَازَهَا .
حدّثْناه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِى يَعْقُوبُ يَعْنِى ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْد، حَدَّثَنَا أَبُو
أُوَيْسٍ ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، كَرِوَيَةٍ مَالِكِ بِإِسْنَادِهِ، وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ حَتَّى أَنْجَزَهَا .
حتى تثبت وتوقّر ، وراسل الملك فى كشف الأمر الذى سجن بسببه ، ومكاشفة النسوة
الحاضرات له وتظهر براءته ، ويلقى الملك غير مرتاب ولا خجل مما عساه يقع بقلبه مما رفع
عنه ، فتنبه النبى عَّهُ على فضيلة يوسف - عليه السلام - وقوة نفسه [وتوقره ] (١)،
وصدق نظره للعواقب ، وجودة صبره ، وأخبر عن نفسه هو بما أخبر على طريق التواضع
والأنافة بمنزلة يوسف (٢) ، وأنه عليه السلام كان يُغلِّبُ الراحة من المحنة أولاً على غير
ذلك . ولا يُظَنُّ أن إجابة الداعى هنا هى مراودة المرأة ودعاؤها يوسف لما دعته له .
وقوله فى لوط: ((إنه كان يأوى إلى ركن شديد))، قال الإمام : يريد البارى تعالى
لأنه الكافى فى الحقيقة .
عَّ انتقد عليه قوله هذا ، وطلب رحمة الله له من هذا
قال القاضى: كأن النبى
القول (٣)، إذا أراد لوط بالركن عشيرته ليمنعوه من قومه، ويحموا أضيافه عن مرادهم السوء
بهم ، وأن ضيق صدره بذلك وحَرجَه لما لقى منهم أنساه اللجأ إلى ربه والاعتصام به ،
وحمله على سنة الله فى خلقه وعادته من اعتصام بعضهم ببعض ، والله تعالى أشد الأركان
وأقواها وأمنعُها . وقد تكرر الحديثُ آخر الكتاب .
(١) من ت .
(٢) قال الأبى: ((وقيل: إنما تأنى لعلمه أن الأمر يصير إليه، فأراد أن تشهد النسوة ببراءته وهو مقدور عليه
قبل أن يصير ملكاً ، فيكون فى شهادتهن ضرب من الإكراه ، وقيل : تأنى لأنه لو بادر لم يسلم من أن
تلقى الحاشية فيه إلى الملك، أما بعد شهادتهن ببراءته فلا)). إكمال ١ / ٢٦٠ .
(٣) قال الأبى: ((ولا يخفى إيحاش هذا اللفظ مع عدم صحة معناه. إذ رسول الله عَّة لم ينتقد ، ولوط --
عليه السلام - لم ينس اللجأ إلى الله تعالى فى القضية ، وإنما قال ذلك تطييبا لنفوس الأضياف، وإبداء
العذر لهم ، بحسب ما ألف فى العادة من أن الدفع إنما يكون بقوة ، أو عشيرة ، وهذا فى الحقيقة محمدة
وكرم أخلاق يستحق صاحبها الحمد، فقوله معَّه: ((يرحم الله لوطًا)) ثناءٌ لا نقد. إكمال ١ / ٢٥٩ .
قلت : والسياق يساعد على ما ذهب إليه الأبى ، إذ أنه يدل على أن المقصود بيان كمال المذكورين
ومدحهم فى ذلك .
٤٦٧
كتاب الإيمان / باب وجوب الإيمان برسالة نبينا ... إلخ
صَلى الله
(٧٠) باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد عليه
إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته
٢٣٩ - (١٥٢) حدّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ
أَبِيه ، عَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَّ: (( مَا مِنْ الأَنْبياء مِنْ نَبِىٌّ إلا قَدْ أُعْطَىَ مِنَ
الآيَات مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِى أُوتِيَتُ وَحَيَا أَوْحَى اللهُ إِلَىَّ، فَأَرْجُو أَنْ
أَكُونَ أَكْثَرَهُّمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ » .
٢٤٠ _ (١٥٣) حدّثَنِى يُونُسُ بْنُ عَبْد الأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، قَالَ: وَأَخْبَرَنِى
وقوله : (( ما من نبى من الأنبياء إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما
كان الذى أوتيتُ وحياً ... )) الحديث، قال الإمام: أشار عَّه بقوله: ((وحياً)) إلى
معنى بَسَطه العلماء فقالوا: بأن (١) معجزته عَّهُ يبعدُ أن يَتَخَيَّلَ فيها أنها دربٌ من السحر،
وإنما هو كلام معجز ولا يقدر السحرةُ أن يأتوا بما يتخيل تشبيهاً به كما فُعِلَ فى عصا موسى
وغيرها؛ لأنَّهم أتوا بعصىٍّ وحبال يُتَخَيَّلُ أنها (٢) تسعى ، فيحتاج التمييز بينها وبين ما
أتى به موسى - عليه السلام - إلى نظر، والنَّظَرُ عُرْضَة الزلل فيخطِئ الناظِرُ فيعتقد أن
ذلك سواءٌ .
قال القاضى : وفيه وجه آخر وهو : أن سائر معجزات الأنبياء انقرضت بانقراضهم ،
ولم يشاهدها إلا ما كان حاضرا لها ، ومعجزة نبينا عَّه من القرآن وخرقه للعادة فى
أسلوبه وبلاغته بَيِّنة لكل من يأتى إلى يوم القيامة إلى ما انطوى عليه من الإخبار عن
الغيوب ، فلا يَمر عَصْرٌ إلا ويظهر فيه معجزةٌ مما أخبر أنها تكون ، تدل على صدقه وصحة
نبوته وتجدّد الإيمان فى قلوب أمته .
ووجه آخَرَ على أحد المذهبين فى القول بالصَّرْفة (٣) ، وأن المعارضة كانت من جنس
قوة البشر لكنهم لم يقدروا عليها - على أحد قولى الأشعرى - وصُرِفوا عنها ، أو من قدرة
(١) فى الإكمال : لأن .
(٢) فى ق : إليه .
(٣) ومعنى الصرفة: هو أن العرب كانت تقدر أن تأتى بمثل القرآن، فلما بعث عَّه صرفوا عنه . أو أنهم
صرفوا لعجزهم عن أن يحيطوا بكل شىء علما . إكمال ١ / ٢٦١ .
٤٦٨
كتاب الإيمان / باب وجوب الإيمان برسالة نبينا ... إلخ
عَمْرُوٌ؛ أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ عَّه؛ أَنَّهُ قَالَ: (( وَالَّذِى نَفْسُ
مُحَمَّد بَيَدِه، لا يَسْمَعُ بِى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِىٌّ وَلَ نَصْرَانِىُّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَّمْ يُؤْمِنْ
بِالَّذِىِّ أَرْسِلْتُ بِهِ، إِلا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)).
٢٤١ - (١٥٤) حدثنا يَحْيَى بْنُ يُحَيِى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحِ
الهَمْدَانِى، عَنْ الشَّعْبِىَّ، قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ سَأَلَ الشَّعْبِىِّ فَقَالَ: يَا أَبَاً
عَمْرٍو، إِنَّ مَنْ قِبَلَنَا مَنْ أَهْلِ خُرَسَانَ يَقُولُونَ فِى الرَّجُلِ، إِذَا أَعْتَقَ أَمْتَهُ ثُمَّتَزَوَّجَهَا : فَهُوَ
البشر فمنعوا منها - على قول المعتزلة - فعدولهم عن المعارضة لأحد الوجهين المتقدمين
ورضاهم بالقتل والجلاء، ونكولهم عن ذلك وهو من مقدورهم أو جنس مقدورهم، أبين فى
الدلالة من غيرها من الأمور التى تختلج فى الظنون الكاذبة، ويموه فيها الملحد بالشبه المخيلة ،
إذ العجز عن المقدور أوقع فى النفوس وأوضح فى الدلالة من إبداء الغريب والمجىء بما لم
يُعْهَد عند هؤلاء . وإليه نحا أبو المعالى (١) فى بعض كتبه .
٣٨ / أ
وقوله تعَّ: ((لا يسمع بي أحد من / هذه الأمة ؛ يهودى ولا نصرانى ، ثم يموت
ولا يؤمن بالذي أرسلتُ به ، إلا كان من أصحاب النار)): فيه دليل على أن من فى
أطراف الأرض وجزائر البحر المقطعة ممن لم تبلغه دعوة الإسلام ولا أمر النبى معَّ أن
الحرج عنه فى عدم الإيمان به ساقط لقوله: (( لا يسمع بى))، إذ طريق معرفته والإيمان به
عَّ مشاهدة معجزته وصدقه أيام حياته ، أو صحة النقل بذلك والخبر لمن [ لم ] (٢)
يشاهده وجاء بعده ، بخلاف الإيمان بالله وتوحيده الذى يوصّل إليه بمجرد النظر الصحيح
ودليل العقل السليم .
وذكر مسلم - رحمه الله - قول بعضهم فى الرجل إذا أعتق أمته ثم تزوجها : أنه
کراکب بدنته (٣) .
(١) هو الإمام الكبير، شيخ الشافعية، إمام الحرمين ، عبد الملك ابن الإمام أبى محمد عبد الله بن يوسف،
ضياء الدين ، قال فيه أبو سعد السمعانى : كان إمام الأئمة على الإطلاق ، مجمعاً على إمامته شرقاً
وغرباً ، لم تر العيون مثله . ثم قال الذهبى : كان مع فَرْط ذكائه وإمامته فى الفروع وأصول المذهب وقوة
مناظرته لا يدرى الحديث كما يليق به لا متناً ولا إسناداً . توفى سنة ثمان وسبعين وأربعمائة . طبقات
الشافعية الكبرى ٥ / ١٦٥، سير ١٨ / ٤٦٨ .
(٢) ساقطة من الأصل .
(٣) يعنى فلا أجر له، فقد أخرج الطبرانى بإسناد رجاله ثقات - كما ذكر الحافظ - عن ابن مسعود أنه كان
يقول ذلك، وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر مثله، وعند ابن أبى شيبة بإسناد صحيح عن أنس أنه سئل
عنه فقال: إذا أعتق أمته لله فلا يعود فيها، ومن طريق سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعى أنهما كرها =
٤٦٩
كتاب الإيمان / باب وجوب الإيمان برسالة نبينا ... إلخ
كَالرَّاكِبِ بَدَنَتَهُ. فَقَالَ الشَّعْبِىُّ: حَدَّثَنِى أَبُو بُرْدَةَ بْنُ مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ الله
عَِّ قَالَ: «ثَلاثَةَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِّهِ وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ ◌ََّ
فَآمَنَ به وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ ، فَلَهُ أَجْرَان. وَعَبْد مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ الله تَعَالَى وَحَقَّ سَيِّدِهِ، فَلَهُ
أَجْرَانِ. وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَغَذَّهَا فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا ، ثُمَّ أَدََّهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا
وَتَزَوَّجَهَا ، فَلَهُ أَجْرَان )). ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِىُّ لِلْخُرَاسَانِيِّ: خُذْ هَذَا الْحَدِيثَ بَغَيْرِ شَىْءٍ ، فَقَدْ
كَانَ الرَّجُلُ يَرْخَلُ فِيمًا دُونَ هَذَا إِلَى الْمَدِينَةِ .
وحدّثْنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَثْنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ ،
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثْنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، كُلُّهُمْ عَنْ صَالِحِ
ابنِ صالِحٍ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ ، نَحْوَهُ .
لا خلاف بين أهل العلم فى جواز تزويج الرجل معتقته ، وإنما اختلفوا فيمن جعل
صداقها عتقها ، وهل يكون صداقاً أم لا ؟ وبسطه يأتى فى النكاح، واختلفوا فى ركوب
الرجل بدنته ، وبابه فى الحج .
= ذلك. وقد أخرج من طريق عطاء والحسن أنهما كانا لا يريان بذلك بأساً . وقد أخرج أحمد فى المسند
عن أبى موسى عن النبى عَّ: ((إذا أعتق الرجلُ أمته ثم تزوجها بمهر جديد كان له أجران)» ٤ /
٤٠٨، المصنف لابن أبى شيبة ٤ / ١٥٧، وانظر: فتح الملهم ١ / ١٨٩.
٤٧٠
كتاب الإيمان / باب نزول عيسى ابن مريم حاكما ... إلخ
(٧١) باب نزول عيسى ابن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد عَ ◌ّه
٢٤٢ _ (١٥٥) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنَ رَمْحٍ ،
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ شِهَابٍ، عِنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِئَّةُ:
((وَلَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لِيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَّ فِيَكُمُ أَبْنُ مَرْيَمَ عَّهُ حَكَمَا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرُ
الصَّلَيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌّ)) .
وَحَدّثناه عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّد، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ ، قَالُوا :
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى . أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب ؛ قَالَ : حَدَّثَنِى
يُونُسُ . ح وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ،
حَدَّثْنَا أَبِى صَالِحٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ بِهَذَاَ الإِسْنَادِ. وَفِى رِوَايَةِ ابْنِ عُبَيْنَةَ: ((إمَامًا مُقْسِطًا
وَحَكَمًا عَدْلا)). وَفِى رِوَايَةٍ يُونُسَ: ((حَكَمًا عَادِلا)) وَلَمْ يَذْكُرْ (( إِمَامًا مُقْسِطًا)) . وَفِى
وقوله: (( لينزلن فيكم عيسى ابن مريم حكما مقسطاً (١) ... )) الحديث، قال الإمام:
قال الهروى وغيره : الإقساط والقسط: العدلُ، ومنه قوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُقْسِطِينَ﴾ (٢)، ومنه الحديث: ((إذا حكموا عدلوا، وإذا قسموا أقسطوا)) (٣)، ومنه
قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ﴾ (٤) أى: أعدل، وقال الله سبحانه: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي
بِالْقِسْطِ﴾ (٥) أى: بالعدل كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ (٦) . قال ابن قتيبة :
وسُمى الميزان بالقسط لأن القسط : العدل ، وبالميزان يقع العدل فى القسمة، وقوله سبحانه:
﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ (٧) [ أى ذوات القسط] (٨)، وهو العدل .
قال غيره : وأما قسط بغير ألف فمعناه جار ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ
فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (٩)، يقال: قسط يقسط قسْطاً وقُسُوطاً إذا جار، والإقساط والقسط:
العدل ، والقُسُوطُ والقَسْطُ : الجور.
----
(١) الرواية التى بأيدينا ((حكما عادلا)). ويوشك من أفعال المقاربة واللام فيها جواب قسم محذوف.
(٢) الحجرات : ٩.
(٣) جزء حديث أخرجه أحمد عن أبى موسى قال: قال رسول الله عَّه: ((إن هذا الأمر فى قريش ما
داموا، إذا استرحموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا قسموا أقسطوا)) ٤ / ٣٩٦ .
(٤) البقرة : ٢٨٢ .
(٧) الأنبياء : ٤٧ .
(٦) النحل : ٩٠.
(٥) الأعراف : ٣٩ .
(٩) الجن : ١٥.
(٨) من المعلم .
٤٧١
كتاب الإيمان / باب نزول عيسى ابن مريم حاكما ... إلخ
حَدِيثِ صَالِحِ: (( حَكَمًا مُقْسِطًا)) كَمَا قَالَ اللَّيْثُ. وَفِى حَديثِهِ مِنَ الزَّيَادَةِ: (( وَحَتّى
تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا » .
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ : اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُم: ﴿ وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ
مَوْتِهِ﴾ (١) الآيَةَ .
قال القاضى: وفى قوله: ((ويقتل الخنزير)): دليل على قتلها إذا وجدت ببلاد
الكفر وبأيدى من أسلم من أهل الذمة (٢) . وقيل: تُسَرَّح .
وفى قوله: ((ويكسر الصليب)): دليل على تغيير آلات الباطل وكسرها ، ودليل
على تغيير ما نسبه النصارى إلى شرعهم ، وترك إقرارهم على شىء منه ، وأنه يأتى ملتزماً
لشريعتنا . وقيل: معنى قوله: ((ويكسر الصليب)) : أى يُعطّل أمره ويُسقط حكمه،
كما يقال: كسر حجته .
وقوله : (( وَيَضَعُ الجزيةَ ويفيض المال)): قيل: يُسقطها فلا يقبلها من أحد ؛ لأن
المال حينئذٍ يفيض وتقىء الأرض أفلاذ كبدها منه ، كما جاء فى الحديث الآخر ، فلهذا
أسقطها هو ، إذ لم يكن فى أخذها منفعة للمسلمين ، فلم يقبل من أحد إلا الإيمان بالله .
وقد يكون فيض المال هنا من وَضْع الجزية ، وهو ضربها على سائر الكفرة ، إذ لم يقاتله
أحد ، وإذْ وضعت الحربُ أوزارها ، وإذْ أذعَن جميع الناس له ، إما بإسلام أو إلقاء يد ،
فيضعُ عليه الجزية ويضربُها (٣) .
قوله: (( حتَّى تكون السجدة الواحدة [خيرا] (٤))) من معنى ما تقدم ، أن أجرها خيرٌ
لمصليها من صدقته بالدنيا وما فيها لفيض المال حينئذ ؛ ولهذا لا يوجد من يقبله ، ولهوانه
وقلة الشحِّ به ، وقلَّة الحاجة إليه للنفقة فى الجهاد لوضع الحرب أوزارها حينئذ ، وتكون
السجدة [ الواحدة ] (٥) بعينها أو عبارة عن الصلاة ، وأهل الحجاز يسمون الركعة
سجدةً، ومنه فى الحديث: ((صلينا مع النبى ◌ّ سجدتين قبل الظهر ، وسجدتين
(١) النساء : ١٥٩.
(٢) وذلك لأن الشىء المنتفع به لا يشرع إتلافه ، وقتل الخنزير إشعار بهدم شعائر النصارى الدينية وخصائصهم
المعاشية .
(٣) وتعقب بأن عيسى - عليه السلام - لا يقبل إلا الإسلام، ويؤيده ما جاء فى أحمد عن أبى هريرة:
« وتكون الدعوى واحدة )» .
(٤) فى حديث صالح .
(٥) من ت . وإنما كانت السجدة آنئذ بتلك المثابة لقصر الآمال وحدوث العلم بقرب الساعة ، وقلة رغبة الناس
فى الدنيا لعدم الحاجة إليها .
٤٧٢
كتاب الإيمان / باب نزول عيسى ابن مريم حاكما ... إلخ
٢٤٣ - ( ... ) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بنِ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ يَّهُ: (( وَالله! لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ
حَكَمَّا عَادَلًا، فَلَيَكْسَرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَّةَ، وَلَتُتْرَكَنَّ
الْقلاصُ فَلا يُسْعَى عَلَيْهَا، وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ والتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ. وَلَيَدْعُوَنَّ -
وَيُدْعَوُنَّ - إِلَى الْمَالِ فَلا يَقْبَلُهُ أَحَدٌّ)) .
٢٤٤ _ ( .. ) حدّثَنِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَن ابْنِ
شِهَابٍ؛ قَالَ : أَخْبَرَنِى نَافِعٌ، مَوْلَى أَبِى قَتَادَةَ الأَنْصَارِىِّ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهُ
H
بعدها))(١).
وقوله: ((ولتُتْركنَّ القلاص فلا يُسْعى عليها))، قال الإمام: القلاص جمع قلوص .
[ وهى من الإبل كالفتاة ] (٢) من النساء والحدث من الرجال .
قال القاضى : معناه : أن يزهد فيها ولا يُرْغَبُ لكثرة المال ، وكانت القلاص أحبَّ
أموال العرب، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ (٣).
وقوله : ((لا يُسْعَى عليها)): أى لا تطلب زكاتها إذ لا يُوجَدُ من يقبلها ، كما جاء
فى الحديث . والساعى: العامل على الزكاة . وهذا يؤيد التأويل الأول فى قوله: (( ويَضَعُ
الجزيةَ)) (٤) .
قوله: ((ولتذهبنَّ الشحناء)) ، قال الإمام : أى العداوة والضّغْنُ (٥).
وقول أبى هريرة : اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾
الآية (٦)، قال القاضى: يريدُ يؤمن بعيسى قبل موته ، وتقدير الآية : وإن من أهل الكتاب
أحدٌ إلاَّ يؤمن به ، وقيل : وإن من أهل الكتاب إلا من يؤمن به قبل موته ، أى موت
(١) لم أجده بهذا اللفظ، وعلى سنَتِه ما أخرجه أحمد فى المسند عن ابن عمر مرفوعاً: ((لا صلاة بعد
الصبح إلا سجدتان )) ٢ / ١٠٤، وما أخرجه البخارى من حديث نافع عن ابن عمر فى حجه ، أنه كان
يأتى الركن الأسود فيبدأ به ، ثم يطوف سبعاً ، ثلاثاً سعياً وأربعاً مشياً ، ثم ينصرف فيصلى سجدتين ، ك
الحج ، ب النزول بذى طوى ٢ / ٢٢٢ .
(٢) عبارة المعلم : والقلوص من الإبل بمنزلة الفتاة .
(٣) التكوير : ٤ .
(٤) بجرأة غير حميدة رده شبير أحمد بقوله: ((وهذا تأويل باطل من وجوه كثيرة)). فتح الملهم ١ / ٩٤،
هذا مع كونه نقل عنه ما قبله بغير عزو إليه .
(٥) فى ت : البعض .
(٦) النساء : ١٥٩ .
٤٧٣
كتاب الإيمان / باب نزول عيسى ابن مريم حاكما ... إلخ
◌َّةِ: ((كَيِّفَ أَنْتُمْ إذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيَكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟)) .
٢٤٥ - ( .. ) وحدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ
أَخِى ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِى نَافِعْ مَوْلَى أَبِى قَتَادَةَ الأَنْصَارِىِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا
هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّةٍ: « كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَأَمَّكُمْ؟ )) .
٢٤٦ - ( ... ) وحدّثنا زُهيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنِى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى
ذِئْب عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ نَافِعٍ، مَوْلَى أَبِى قَادَّةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ الله عَّهِ قَالَ:
(«كَيَّفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَّفِيَكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ )) فَقُلْتُ لابْنِ أَبِى ذِئْبٍ: إِنَّالأَوْزَاعِىَّ
حَدَّثَنَا عَنْ الزُّهْرِىِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيَّرَةَ: (( وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ)). قَالَّ ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ:
تَدْرِى مَا أَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ قُلْتُ : تُخْبِرُنَى. قَالَ: فَأَمَّكُمْ بِكِتَابِ رَبِّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَلَى وَسَّةَ
عيسى عند نزوله إلى الأرض ، وتصير الملل كلها واحدةً على ملَّة الإسلام . وقيل : الهاء
عائدة على الكتابىِّ ، أى قبل أن يموت هو ، وعند رؤيته الحق يؤمن بعيسى كل من كذب به
منهم ، وقد قرئ: ((قبل موتهم)) وهو على هذا التأويل . وقيل : الهاء فى ﴿به ﴾ عائدة
على نبينا محمد عَّه، وفى ﴿موته ﴾على الكتابيين (١).
وقوله : ((وإمامُكم منكم)) وفى الحديث الآخر: (( فأمكُمْ مِنكم)): فسَّره فى الكتاب
ابن أبى ذئب فقال : فأمَّكُمَ بكتاب الله وسُنَّة نبيكم . وهذا كلام حسنٌ ؛ لأن عيسى ليس
يأتى لأهل الأرض رَسولا ولا نبياً مبعوثا، ولا بشريعة جديدة؛ لأن محمداً عَّه خاتم
النبيين، وشريعته ناسخة لجميع الشرائع راسخة/ إلى يوم القيامة ، وإنما يحكم عيسى بها .
٣٨/ ب
(١) قال الحافظ ابن كثير: ((وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ﴾ [الزخرف: ٦١]، وقرئ: ﴿عَلَمْ﴾
بالتحريك، أى إشارة ودليل على اقتراب الساعة)). تفسير القرآن العظيم ٢/ ٤١٨.
والذى حمل أبا هريرة على قراءة الآية فيما نقله الحافظ ابن حجر عن ابن الجوزى : للإشارة إلى
مناسبتها لقوله عَّه: (( حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها)) ، فإنه يشيرُ بذلك إلى صلاح
الناس ، وشدّة إيمانهم ، وإقبالهم على الخير، فهم لذلك يؤثرون الركعة الواحدة على جميع الدنيا . فتح
الباري ٤ / ٣٤٣.
وقد جاء الحديث فيما أخرجه أبو داود وأحمد ببيان أوصافه للمسلمين فقال: « فإذا رأيتموه فاعرفوه ،
رَجُلاً مربوعا إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبانِ ممصَّران، كأن رأسه يقْطُر وإن لم يُصبه بللٌ )). راجع
كذلك : المصنف لابن أبى شيبة ١٥ / ١٥٩ .
ومعنى المربوع : المعتدل القامة وهو إلى الطول أقرب ولونُه أقربُ إلى الحُمرةِ والبياض ، والممَصَّر هو
الذى فيه صُفُرةٌ خفيفة، والمراد بقوله عَّه: ((كأن رأسه يقطرُ)) بيان ما يكون عليه عَّه من نظافة ونضارة.
راجع : التصريح بما تواتر فى نزول المسيح ٩٥ .
٤٧٤
كتاب الإيمان / باب نزول عيسى ابن مريم حاكما ... إلخ
بِّكُمْ ءَّ
٠
٢٤٧ - (١٥٦) حدّثنا الْوليدُ بْنُ شُجَاعِ، وَهَرُون بْنُ عَبْد الله، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعر
قَالُوا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ - وَهُو ابْنُ مُحَمَّدٍ - عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْر؛ أَنَّهُ
سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ عَّهُ يَقُولُ: (( لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتَّى يُقَاتِلُونَ
عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَّى يَوْمِ الْقِيَامَةَ)). قَالَ: ((فَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ثََّ فَقُولُ أَمِيرُهُمْ:
تَعَالَ صَلِّ لَنَا. فَيَقُولُ: لا. إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْض أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةَ الله هَذه الأُمَّةَ)).
وأما قوله: ((إمامكم منكم)) فهو مفسر - أيضا - فى الحديث من رواية جابر فى الأم
حيث قال: (( فينزل عيسى ، فيقول أميرهم : تعال فصلٌّ لنا ، فيقول : لا ، إن بعضكم
على بعض أمراء ، تكرمة من الله لهذه الأمة)).
وقوله : (( حكماً مقسطا وإماما عدلاً)): دليلٌ على أنه لم يأت بشرعٍ محدثٍ ، ولا
أرسل بملة جديدة ولا جاء نبياً مبعوثا .
وقوله: ((لا يزال طائفةٌ من أمتى ظاهرين)) أى: غالبون عالون، قال الله تعالى:
﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (١) .
(١) التوبة : ٣٣. والطائفة هم الجماعة المتعددة من أنواع المؤمنين ما بين شجاع وفقيه ومحدثٍ ومفسِر، ولا
يلزم أن يكونوا - كما ذكر النووى - مجتمعين فى بلد واحد .
ومعنى « يقاتلون على الحق)»: أى: على ظهور الحق ، ويجوز أن يكون حالاً ، أى حال كونهم على
الحق .
وفى امتناع عيسى - عليه السلام - من التقدم للإمامة يقول ابن العربى: ((إن ذلك إبقاءٌ لشريعة النبى
◌َِّ واتباعٌ له، وإسخان لأعين النصارى، وإقامة الحجة عليهم)) عارضة ٩ / ٧٨ .
٤٧٥
كتاب الإيمان / باب بيان الزمن الذى لا يقبل فيه الإيمان
(٧٢) باب بيان الزمن الذى لا يقبل فيه الإيمان (١)
٢٤٨ _ (١٥٧) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ أُيُوبَ، وَقُتَّبَةُ بْنُ سَعيد، وَعَلَىُّبْنُ حُجْر، قَالُوا:
حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَر - عَنِ الْعَلَاءِ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ أَبِيِهِ عَنْ
أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهُ قَالَ:(( لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا
طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِها آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، فَيَوْمئذٍ ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَتْ
مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (٢) )).
حدّثْنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَبْنُ نُمَيْرٍ ، وَأَبُو كُرَيْب، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْل. ح
وَحَدَّثَنَى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كِلاَهُمَا عَنْ عُمَارَّةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِىِ زُرَّعَةَ،
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِ نَّهُ. ح وَحَدَّنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيَّةً، حَدَّثَنَا حُسَيْنَ بْنُ عَلِىِّ،
عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِى
تَُّ.َحْ وَحَدَنَّنَا مُحَمَّدُ بَنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدِ الرَّزََّتِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرَّ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُّهِ،
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّّ ◌َُّ، بِمِثْلِ حَدِيثِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىَّ
وقوله : (( لا تقوم الساعةُ حتى تطلع الشمسُ من مغربها))، وقع تفسيره فى الحديث ،
وهو على ظاهره عند أهل الفقه والحديث والمتكلمين من أهل السنة ، خلافاً لمن تأوَّلَه من
المبتدعة والباطنية ، وهو أحد الأشراط المنتظرة .
وقوله: (( ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل : طلوع
(١) لم يرد عند القاضى منفصلاً عن سابقه .
(٢) الأنعام: ١٥٨. قال الطيبى: الآيات أمارات للساعة إما على قربها وإمَّا على حصولها، فمن الأول:
الدجّال ، ونزول عيسى ، ويأجوج ومأجوج ، والخسف ، ومن الثانى : الدخان ، وطلوع الشمس من
مغربها ، وخروج الدابَّة ، والنار التى تحشر الناس .
وقوله تعالى: ﴿ لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْل﴾ فى موضع الصفة للنفس ، أى لا ينفع نفساً غير مؤمنة قبل
إيمانها الآن الإيمان ، وذلك لإغلاق باب التوبة ورفع الصحف والحفظة . وعدم نفع الإيمان حينئذ كعدم نفعه
عند حضور الموت ، بجامع أن كلاً منهما عاين أحوال الآخرة ، فهو فى حكم الميت .
وهل انقطاع نفع الإيمان والتوبة بأول طلوع لها من أفق من الآفاق بمغربه أو عند طلوعها من كل أفق
على أصحابه من مغربهم ؟ قولان .
٤٧٦
كتاب الإيمان / باب بيان الزمن الذى لا يقبل فيه الإيمان
٢٤٩ - (١٥٨) وحدّثنا أُبُو بَكْر بْنُ أبى شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب، قَالا: حَدَّثَنَا
وَكِيعٌ ح وَحَدَّثَنِهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ ، حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ، جَمِيعًا عَنْ فُضَيْلِ
ابْنِ غَزْوانَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبَ مُحَمَّدُ بْنُّ الْعَلَاءِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلِ عَنْ
أَبِهِ عَنْ أَبِى حَازِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَُّ: ((ثَلاثٌ إِذَا خَرَجْنَ، لا يَنْفَعُ
نَفْسًا إِمَانُهَا لَمْ تَكِّنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِمَانِهَاَ خَيْرًا : طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا،
والدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأَرْضِ » .
٢٥٠ _ (١٥٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ
عُلَيَّةَ. قَالَ ابْنُ أُوبَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةً، حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ النَّيْمَىِّ - سَمِعَهُ
الشمس من مغربها، والدجالُ، ودابَّةُ الأرض)»: اختلف فى أول الآيات، فقيل: أولها طلوع
الشمس من مغربها، وخروج الدابة، من رواية ابن أبى شيبة عن عبد الله بن عمرو (١). عن
النبى ◌َّ قال: ((وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها))، وفى حديث أنس:
((أول أشراط الساعة نار [تخرج من اليمن تحشر الناس] (٢)))، وفى حديث حذيفة بن أُسَيد:
((آخر ذلك النار))، وسيأتى هذا كله بأكثر شرحاً آخر الكتاب عند ذكر أحاديثه (٣).
-
وذكر فى الحديث قوله : ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرَّ لَهَا﴾(٤): قال: ((مستقرها تحت العرش)).
وقد اختلفت أقاويل المفسرين فى هذا ، فقال القتبى: مستَقَرُّها : أقصى منازلها فى
الغروب لا تجاوزه ثم ترجع، وروى عن ابن عباس أنه قرأ هذا الحرف: ((لا مستقر
لها )» (٥) ، أى أنها جاريةٌ أبدا لا تثبت فى موضع واحدٍ .
قال بعض أصحاب المعانى : وعلى جمع القراءتين جريها بحسبان لا مستقر لها ،
حتى ترتفع إلى أبعد غاياتها وجريها تحت العرش ، وهو مستقرها على القراءة الأخرى .
وقوله : ((أتدرى أين تذهب؟)) : هذا الحديث استدل الطحاوى منه على أنها تغرُب
(١) فى ت: عُمر. والحديث أخرجه ابن أبى شيبة أيضا فى كتاب الفتن ١٥ / ١٧٨ بلفظ: ((والدابة)) وذلك
من حديث أبى هريرة .
أما ما أشار إليه القاضى فلفظه فيه: « تخرج الدابة من جبل أجياد أيام التشريق والناس بمنى)) ١٨١/١٥.
(٢) وردت فى ق : تحشر الناس ، تخرج من اليمن .
(٣) وذلك فى كتاب الفتن .
ومما ينبغى ذكره هنا أنه ينبغى أن يجعل طلوع الشمس من مغربها آخر الآيات حتى يجتمع الحديثان ولا
يتنافيان . راجع : إكمال الإكمال ١ / ٢٦٩.
(٤) يس : ٣٨ .
(٥) وكذا قرأ ابن مسعود أيضا . تفسير القرآن العظيم ٦ / ٥٦٣ .
٤٧٧
كتاب الإيمان / باب بيان الزمن الذى لا يقبل فيه الإيمان
فِيمَا أَعْلَمُ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ، أَنَّ النَّبِىَّ ◌َّهُ قَالَ يَوْمًا: (( أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذه
الشَّمْسُ؟ )). قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ تَجْرِى حَتَّى تَنْتَهِىَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا
تَحْتَ الْعَرْشِ ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً ، فَلا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا : ارْتَفِعِى ، ارْجِعِى مِنْ
حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِى حَتَّى تَنْتَهِى إِلَى مُسْتَقَرِّهَا
تَحْتَ الْعَرْشِ ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً ، وَلا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفعى، ارْجعِى مِنْ حَيْثُ
جِثْتِ، فَرْجِعُ، فَتُصْحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّتَجْرِى لا يَسْتَكِرُ النَّاسُ مِنْهَا شَيْئً حَتَّى
تَنْتَهِى إِلَى مُسْتَقَرَّهَا ذَاك، تَحْتَ الْعَرْشِ، فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِى ، أَصْبِحِى طَالِعَةٌ مِنْ
مَغْرِبِكِ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا)). فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَُّ: (أَتَدْرُونَ مَتَى ذَاكُمْ؟ ذَاكَ حِينَ
إِلا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ﴾)).
فى السماء، وذكر قراءة من قرأ ((حامئة)) (١)، يعنى: حارة، ((وحمئة)) (٢) من الحمأة
والطين ، وقال : لا يبعد أن يوجَدَ الطين فى السماء، واستشهد بقوله: ﴿لِتُرْسِلَ عَلَيْهِمْ
حِجَارَةً مِّن طِينٍ﴾ (٣) الآيتين، ولا حجة له فى هذا كله فقد جاءت الآثار أن العين الحمثَةَ فى
= وعلى القراءة الأولى فالمراد بها إما المستقر المكانى ، أو منتهى سيرها وهو المستقر الزمانى ، حيث يبطل
سيرها وتسكن حركتها ، وتكور وينتهى هذا العالم إلى غايته . قال قتادة : ﴿لمستقر لها﴾ أى لوقتها،
ولأجل لا تعدوه .
وعلى قراءة ابن عباس فالمعنى كما ذكر القتبى، وذلك موافق لقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣] أى لا يفتران ولا يقفان إلى يوم القيامة. السابق، وانظر: تفسير الطبرى ٢٣ / ٥.
(١، ٢) الكهف: ٨٦. والقراءتان مشهورتان - كما قال ابن جرير - فأيهما قرأ القارئ فهو مصيب.
قلت: وقد نسب أبو حيان فى البحر المحيط القراءة الأولى: ((حامية)) إلى عبد الله، وطلحة بن عبيد
الله ، وعمرو بن العاص ، وابن عمر ، وعبد الله بن عمرو ، ومعاوية ، والحسن، وزيد بن على ، وابن
عامر ، وحمزة ، والكسائى ، وقال ( حامية ) بالياء ، أى حارة .
وأما القراءة الثانية : ﴿حمئة﴾، فقد نسبها أبو حيان إلى ابن عباس ، وباقى السبعة ، وشيبة ، وابن
أبى ليلى، وحميد ، وابن جبير الأنطاكى ، قال : والزّهرى يلين الهمزة .
قال الحافظ ابن كثير: ((ولا منافاة بين معنييهما ، إذ قد تكون حارة لمجاورتها وهج الشمس عند
غروبها ، وملاقاتها الشعاع بلا حائل ، وحمئة فى ماء وطين أسود ، كما قال كعب الأحبار وغيره)).
تفسير القرآن العظيم ٥ / ١٨٨.
وقول كعب هو من قولهم : حمئت البئر تحما حما فهى حمئة، أى خالطت ماءها الحَمْأة ، وهى
الطين الأسود .
(٣) الذاريات: ٣٣، ٣٤ .
٤٧٨
كتاب الإيمان / باب بيان الزمن الذى لا يقبل فيه الإيمان
( ... ) وحدّثنى عَبْدُ الْحَميد بْنُ بَيَان الْوَاسِطِىُّ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ عَبْد الله-
عَنْ يُونُسَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمِى، عنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ◌َّهُ قَالَ يَوْمًا:
(أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذه الشَّمْسُ؟)) بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُلَّةَ .
( ... ) وحدّثْنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِى كُرَيْب - قَالا:
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الَّيْمِىِّ، عن أَبِهِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ ؛ قَالَ :
دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ عَُّ جَالسٌ، فَلَمَّا غَابَتِ الشَّمْسُ قَالَ: ((يَا أَبَا ذَرٍّ ، هَلْ
تَدْرِى أَيْنَ تَذْهَبُ هَذه؟ )) قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ: (( فَإِنَّهَا تَذْهَبُ فَتَسْتَأْذِنُ
فِى السُّجُودِ ، فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِلَ لَهَا: ارْجِعِى مِنْ حَيْثُ جِئْتِ ، فَتَطْلُعُ مِنْ
مَغْرِبِهَا )) .
قَالَ : ثُمَّ قَرَأْ فِى قِرَاءَةٍ عَبْدِ اللهِ: وَذَلِكَ مُسْتَقَرِّلَهَا .
٢٥١ _ ( ... ) حدّثنا أُبُو سَعيد الأَشَجُّ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَقُ: أَخْبَرَنَا،
وَقَالَ الأَشَجُّ: حَدَّثْنَا وَكِيعٌ - حَدَّنَ الْأَعْمَئُ عَنْ إِْرَاهِيمَ الَّيْمِىِّ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِى ذَر؛
قَال : سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ عَّهَ عَنْ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرِّلَهَ ﴾ (١)؟
قَالَ: (( مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ)) .
الأرض ، وهو ظاهر القرآن فى قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ﴾ الآية (٢)، وأما إرسال
---
-
الحجارة فيرسلها الله من حيث يشاء ويخلقها حيث يشاء .
وقوله : ((تسجد تحت العرش ومستقرها تحت العرش)): فالسموات والأرض كلها
تحت العرش .
(١) يس : ٣٨.
(٢) الكهف : ٨٦ .
٤٧٩
کتاب الإيمان / باب بدء الوحی إلى رسول الله ﴾﴾.
(٧٣) باب بدء الوحى إلى رسول الله عَل﴾
٢٥٢ - (١٦٠) حدّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْح،
أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبِ قَالَ : أَخْبَرَنِى يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ حَدَّثَنِى عُرَوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ
عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ عَّهُ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَوَلُّ مَا بُدِيَّ بِهِ رَسُولُ اللهِعَُّ مِنَ
الْوَحْىِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ فِى النَّوْمِ، فَكَ انَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصَّبْحِ،
وقوله: ((أول ما بدُئ به رسول اللـه عَّي من الوحى الرؤيا الصادقة)): فى هذا
حكمة من الله تعالى، وتدريج لنبيه عَّه لما أراده (١) الله - جل اسمه به (٢) - لئلا يفجأه
الملك ، ويأتيه صريح النبوة بغتةً فلا تحتملها (٣) قُوى البشرية ، فبدأ أمره بأوائل خصال
النبوّةً وتباشير الكرامة ، من صدق الرؤيا . وما جاء فى الحديث الآخر من رؤية الضَّوء ،
وسَماع الصوت ، وسلام الحجر والشجر عليه بالنبوة ، حتى استشعر عظيم ما يراد به ،
واستعَدَّ لما ينتظره ، فلم يأته الملك إلا لأمر عنده مقدّماته وبشاراته .
وفيه أن الرؤيا الصادقة أحد خصال النبوّة، [ وتباشير الكرامة ] (٤) ، وجزء منها ،
وأول منازل الوحى ، وأَنَّ رؤيا الأنبياء وحى، وحقٌّ صدقٌ ، لا أضغاث فيها ، ولا سبيل
للشيطان إليها .
وقال أبو عبيد (٥) الله القزاز: قوله: ((من الوحى)): ((من)) هنا لإبانة الجنس ،
كأنه قال: من جنس الوحى، وليس من الوحى، فتكون (( من )) للتبعيض، ولذلك قال :
فى النوم . ورؤيا الأنبياء فى الصحة كالوحى .
قال القاضى : قد جاء فى الحديث أنها جزء من أجزاء النبوة ، و[قد ] (٦) قدمنا أنها
من جملة خصالها ، والوحى أنواع وضروب، وينطلق على معان فلا يبعد أن تكون (( من))
للتبعيض على هذا ، وأصله الإعلام ، ورؤيا المنام إعلام وإنذار وبشارة .
(٢) فى الأصل : به جل اسمه.
(٣) فى الأصل : تحملها .
(١) فى ت : أراد .
(٤) سقط من الأصل وق .
(٥) فى الأصل : أبو عبد . وهو العلامة إمام الأدب ، أبو عبد الله، محمد بن جعفر ، التميمىُّ،
القيروانى، النحوى. له كتاب ((الجامع)) فى اللغة، يقول فيه الذهبى: وهو من نفائس الكتب. مات
بالقيروان سنة اثنتى عشرة وأربعمائة. معجم الأدباء ١٠٥/١٨، إنباه الرواة ٣/ ٨٤، سير ٣٢٦/١٧، معجم
المؤلفين ٩/ ١٤٩ .
(٦) من ق .
7
٤٨٠
كتاب الإيمان / باب بدء الوحى إلى رسول الله عَ ليه
ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاء يَتَحَنَّثُ فيه - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِىَ أُولات
الْعَدَدِ ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَبَتَزَوَّدُ لِذلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَزَوَّدُ لِمِثْلَهَا. حَتَّىَ
وفلق الصبح وفرقهُ ضياؤه (١) .
وقوله : (( فكان يخلو بغار حراء يتحنَّث فيه وهو التعبد ))، قال الإمام : حِراء بالمد
جَبَل بينه وبين مكة قدر ثلاثة أميال عن يسارك إذا سِرْتَ إلى مِنَّى ، ويجوز فيه التذكير
والتأنيث وتذكيره أكثر .
قال القاضى: فمن ذكَّرَه صرَفه ومن أنَّته لم يَصرفِه ، وهو جبل مذكر [ومؤنث ] (٢)
[. إذا أريد ] (٣) البقعة التى فيها الجبل أو الجهة، وقد قال بعضهم فيها : حَرّى بالقَصرِ
وفتح الحاء ، وكذا ضبطه الأصيلى فى كتاب البخارى بخطه بالوجهين ، والأول أعرفُ وهو
الصحيح .
وقال الخطابى : أصحاب الحديث يخطئون فيه فى ثلاثة مواضع ، يفتحون الحاء وهى
مكسورة ، ويكسرون الراء وهى مفتوحة (٤) ويقصرون الألف وهى ممدودة .
٣٩ / أ
قال الإمام: [ وقوله ] (٥): ((يتحنَّثُ)) أى يتعبد، قاله مسلم: وقد تقدم أن يتحنث
يخرج به من الحنث، والحنث: الإثم/. واختلف الناس : هل كان
[معناه] (٦): يفعل فعلاً
متعبداً قبل نبوته بشريعة أم لا ؟ فقال بعضهم: إنه غير متعبد أصلاً ، ثم اختلف هؤلاء :
هل ينتفى ذلك عقلاً أم نقلاً ؟ فقال بعض المبتدعة : ينتفى عقلا؛ لأن [ فى ] (٧) ذلك
تنفيرًا عنه ، وغضُّ من قدره إذا تنبّأ عند أهل تلك الشريعة التى كان من جملتهم ، ومن
كان تابعاً فيبعُد منه أن يكون متبوعاً . وهذا خطأ ، والعقل لا يحيل هذا . وقال الآخرون
من حذاق أهل السنة : إنما ينتفى ذلك من جهة أنه لو كان لنُقِلَ ، ولتداولته الألسن ،
وذكر فى سيرته ، فإن هذا مما جرت العادةُ بأنه لا ينكتم .
--------
وقال غير هاتين الطائفتين : بل هو مُتعبَّدٌ ، ثم اختلفوا أيضاً : هل كان متعبدأ
بشريعة إبراهيم أو غيره من الرسل ؟ فقيل فى ذلك أقوال، ويحتمل أن يكون المراد بقوله :
(١) قال فى المشارق: ((فلق الصبح، بفتح اللام ، يعنى انشقاقه وبيانه وخروجه من الظلام ، شبهها به لبيانه
فى إثارته وضوئه وصحته)) ٢ / ١٥٨.
(٢) ساقطة من ق .
(٣) فى الأصل وق: إنما أراد.
(٤) أى: بالإمالة ، كما جاء فى النهاية ، قال: ولا يجوز إمالته ؛ لأن الراء قبل الألف مفتوحة كما لا تجوز
إمالة راشد ورافع . النهاية ، وانظر: إصلاح غلط المحدثين ١٠٤، فقد رواه الخطابى هناك عن أبى عمر
فى قوله {َالر: ((اثبت حِراء)).
(٥) ساقطة من ق .
(٧) من ق .
(٦) من المعلم .