النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ كتاب الإيمان/ باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق ٢٠٠ _ (١٢٦) حدّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرِيْبٍ وإسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ واللَّفْظُ لأبى بَكْر - قَالَ إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثَنَاَ - وَكَيعٌ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ ، مَوْلَى خَالد ؛ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هذه الآيَةُ: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهِ﴾ (١) قَالَ: صحيح فيما لم يرد به النصّ بالنسخ ، وأما إذا ورد وقفنا عنده (٢) . لكن قد اختلف أرباب الأصول فى قول الصحابى نُسِخَ حكم كذا بكذا ، هل هو حجةٌ يثبتُ به النسخ أم لا يثبت لمجرد قوله ؟ وهو قول القاضى أبى بكر والمحققين منهم ؛ لأنه قد يكون قوله هذا عن اجتهاده وتأويله حتى ينقل ذلك نصًا عن النبى معَّه . وقد اختلف الناس فى هذه الآية ، فأكثر المفسّرين من الصحابة ومن بعدهم على ما تقدم فيها من النسخ (٣)، وأبعده بعض المتأخرين ، قال: لأنه خبر ، ولا يدخل النسخٍ الأخبار . ولم يُحصّل ما قال ، فإنه وإن كان خبرا فهو خبر عن تكليف ومؤاخذة بما تُكنُّ والتعبد بما أمرهم النبى معَّيه فى الحديث بذلك، وأن يقولوا سمعنا وأطعنا ، وهذه أقوال (١) البقرة: ٢٨٤ . (٢) النسخ هو : انتهاء أو بيان انقضاء مدة العبادة ، أو هو رفع الحكم بعد ثبوته . الاعتبار فى الناسخ والمنسوخ من الآثار ٢٤ . ومن منعه سماه تخصيصًا . والتخصيص هو : قصر العام على بعض أفراده ، والقابل لتخصيص حكم ثبت لمتعدد . جمع الجوامع بشرح الجلال المحلى ١ / ٣٩٩ . والحق أن التخصيص غير النسخ وإن اشتركا فى أن كلا منهما يشعر بخلاف ما أشعر به اللفظ فإنهما يفترقان فى أن الناسخ لا يكون إلا متأخرا عن المنسوخ ، والتخصيص يصح اتصاله بالمخصوص ويصح تراخيه عنه . - أن الدليل فى النسخ لا يكون إلا خطابًا ، والتخصيص قد يقع بقول وفعل وقياس وغير ذلك . - أن نسخ الشىء لا يجوز إلا بما هو مثله فى القوة أو بما هو أقوى منه فى الرتبة - أن التخصيص لا يدخل فى الأمر بمأمور واحد ، والنسخ جائز . - التخصيص يخرج من الخطاب مالم يرد والنسخ رافع ما أراد إثبات حكمه . - التخصيص يرفع متوهم الثبوت، والنسخ يرفع محققه. السابق ٤٩، ٥٠ ، إكمال ١ / ٢٣٥ وعلى ذلك فإن كان ما فهمه الصحابة من الآية التكليف بالخطرات يكون ما بعده نسخًا ؛ لأنه رفع ثابتٍ مستقر. ويؤكده قولهم: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [ البقرة: ٢٨٥]. (٣) راجع: تفسير الطبرى ٦ / ١٠٦، ١٦٧، تفسير القرآن العظيم ١ / ٥٠٢ . وفى القول بالنسخ قال : وهكذا روى عن على ، وابن مسعود ، وكعب الأحبار ، والشعبى ، والنخعى ، ومحمد بن كعب القُرظى، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وقتادة . قالوا : إنها منسوخة بالتى بعدها . ٤٢٢ كتاب الإيمان/ باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَىْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبُهُمْ مِنْ شَىْءٍ. فَقَالَ النَّبِىُّ ◌َّهُ: (( قُولُوا: سَمعْنَا وأطَعْنَا وَسَلَّمْنَا)) قَالَ: فَألْقَى اللَّهُ الإِيمَانَ فىِ قُلُوبِهِمَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿لا يُكَلِفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَّسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ قَالَ: قَدْ فَعَلْت ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ﴾ قَالَ : قَدْ فَعَلْت ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا﴾ قَالَ: قَدْ فَعَلْت. وأعمال للشأن والقلب ، ثم نسخ ذلك عنهم برفع الحرج والمؤاخذة . وروى عن بعض المفسرين أن معنى النسخ هنا : إزالة ما وقع فى قلوبهم من الشدَّة والفَرَق من هذا الأمر ، فأزيل عنهم بالآية الأخرى واطمأنت نفوسهم . وكأن هذا يرى أنهم لم يُلزموا ما لا يطيقون لكن ما يشق عليهم من التحفظ من خواطر النفس وإخلاط (١) الباطن ، وأشفقوا أن يُكلَّفوا من ذلك مالا يطيقون ، فأزيل عنهم الإشفاق ، وبيَّن أنَّهم لم يُكلَّفوا إلا وُسْعَهم . وهذا غير ما أشار إليه الإمام أولا ، وعلى هذا لا حُجةَ فيه لجواز تكليف مالا يطاق ؛ إذ ليس فيه نص على تكليفه . [ واحتج بعضهم (٢) باستعاذتهم منه بقوله سبحانه: ﴿ وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ولا يستعيذون إلا مما يجوز تكليفه ] (٣). ٣٣/أ وأجاب عن هذا بعضهم (٤) بأن معنى ذلك : أى ما لا نطيقُه إلا بمشقة / وكلفة . وذهب بعضهم إلى أن الآية محكمة فى إخفاء اليقين والشك للمؤمنين والكافرين ، فيغفر للمؤمنين [ ويعذب الكافرين ] (٥) . وقيل : هو الهمُّ بالمعصية . وقوله [تعالى] (٦): ﴿إِصْرًا﴾ (٧) أى عهدًا، وقيل : ذنبًا، وقيل : ثقلا ، أى تكليفًا يشق، وقيل : عقوبة . (١) فى الأصل وت : وإخلاص ، وما أثبته هو الأنسب للسياق. (٢) هو الأشعرى ، فيما ذكره الغزالى ونقلناه قبل ، فقال : والمحال لا يسألُ دفْعُه، فإنه مندفع بذاته ، وقد رده الغزالى بأن المراد به ما يشق ويثقل علينا ، إذ من أتعب بأعمال تكاد تفضى إلى هلاكه لشدتها كقوله : ﴿اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُمْ﴾ [النساء: ٦٦] فقد يقال: حمل ما لا طاقه له به . قال : فالظاهر المؤول ضعيف الدلالة فى القطعيات . المستصفى ١/ ٨٧ . (٣) سقط من الأصل . (٥) سقط من الأصل ، وقيد فى الهامش بغير إشارة ولا بيان. (٦) من ت . (٤) هو الغزالى كما ذكرناه . (٧) البقرة : ٢٨٦ . ٤٢٣ كتاب الإيمان/ باب تجاوز الله عن حديث النفس ... إلخ (٥٨) باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر ٢٠١ - (١٢٧) حدّثْنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُور، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْد الْغُبَرِىُّ - واللَفْظُ لسَعيد - قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَاْنَةَ، عَنْ قَنَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَةٍ: ((إِنَّاللّهَ تَجَاوَزَ لأَمَّتَّى مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ » . ٢٠٢ - ( ... ) حدّثْنَا عَمْرٌوَ النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ قَالا: حَدَّثَنَا إسْمَاعيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ح وَحَدَثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَّةً، حَدَّثَنَا عَلَىُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ . ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَبْنُ بَشَّارَ قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدَىِّ، كُلُّهُمَّ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أبِى عَرُوبَةً، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَّسُولُ اللّهِ عَّهُ: (( إنَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَجَاوَزَ لأَمَِّى عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ)) . وحدثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ وَهِشَامٌ . ح وَحَدَّثَنِى إِسْحِقُ ابْنُ مَنْصُور، أخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَىٌّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ شَيْبَانَ، جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ ، بَهَذَا الإِسْنَاد ، مثّلُهُ. وقوله : (( إن الله تجاوز لأمتى [ عما حدَّثَتْ به أنفُسَها ] (١) مالم تعمل أو تتكلم به))، كذا هو أنفُسها بالفتح (٢) ويدل عليه قوله: ((إن أحدنا يُحدّث نفسه)). قال الطحاوى : وأهل اللغة يقولون : أنفُسها ، بالضم ، يريدون بغير اختيارها كما قال تعالى : ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (٣) . (١) فى الأصل: بما حدثت به نفسُها. (٢) نقلها الأبى عن القاضى هكذا: الرواية بالنصب. ١ / ٢٣٦. (٣) ق: ١٦ . قال ابن رشد : روى الحديث بالوجهين ، فمعنى الرفع : ما وقع من الخطرات دون قصد ، ومعنى النصب : ما حدثت به أنفسها أن تفعله ولم تفعله ، قال : ويؤيد هذا لفظ التجاوز ، لأنه إنما يكون عما اكتسب . قال الأبى : وفقه أحاديث الباب: أن فى النفس ثلاث خطرات ؛ خطرات لا تقصد ولا تندفع ولا تستقر، وهمٌّ وعزمٌ ، فالخطرات خاف الصحابة أن يكونوا كلفوا بالتحفظ منها ، ثم رفع ذلك الخوف . وأما الهم وهو حديث النفس اختيارا أن تفعل ما يوافقها فغير مؤاخذ به لحديث: (( إذا هم عبدى بسيئة فلا تكتبوها)). إكمال ١ / ٢٣٦ . ٤٢٤ كتاب الإيمان/ باب إذا همّ العبد بحسنة ... إلخ (٥٩) باب إذا همّ العبد بحسنة كتبت وإذا همّ بسیئة لم تكتب ٢٠٣ - (١٢٨) حدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِ شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب، وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهيمَ - وَاللَّفْظُ لأبِى بَكْر - قَالَ إِسْحَقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ . وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - ابْنُ عُبَيْنَةَ عَنْ أبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه عَّهُ: ((قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذَا هَمَّ عَبْدِى بِسَيْئَةٍ فَلا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمَلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً، وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوُهَا عَشَرًا)) . وقوله فى الحديث الآخر: ((إذا هَمَّ عبدى بسيئة فلا تكتبوها عليه ، فإن عملها فاكتبوها سيئة ، وإن هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنةً ، فإن عملها فاكتبوها عشرا [إلى سبعمائة ضعف ] (١)))، وفى حديث آخر وذكر السيئة: (( فإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما تركها من جرّاى))، قال الإمام: مذهب القاضى أبى بكر بن الطيب [ أن] (٢) من عزم على المعصية [ بقلبه ] (٣) ووطن عليها آثم (٤) فى اعتقاده وعزمه ، وقد يحمل ما وقع فى هذه الأحاديث وأمثالها على أن ذلك فيمن لم يوطن نفسه على المعصية وإنما مَرّ ذلك بفكره من غير استقرار ، ويُسمى مثل هذا الهمَّ ، ويفرق بين الهم والعزم ، فيكون معنى قوله فى الحديث : أنَّ من هم لم يكتب عليه على هذا القسم الذى هو خاطِرٌ غيرُ مستقر، وخالفه كثير من الفقهاء والمحدثين أخذا بظاهر الأحاديث ، ويحتج [ القاضى] (٥) بقوله عَّ: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما ... )) الحديث، وقال فيه: ((لأنه كان حريصًا على قتل صاحبه)) فقد جعله إثما (٦) بالحرص على القتل ، وهذا قد يتأولونه على خلاف هذا التأويل، فيقولون: قد قال: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما)) (٧)، فالإثم إنما يتعلق (٢) ساقطة من ق . (٣) من المعلم . (٥) فى نسخ الإكمال : للقاضى ، والمثبت من المعلم . (١) سقط من ق . (٤) فى المعلم : مأثوم . (٦) فى المعلم : مأثوما . (٧) الحديث متفق عليه، وسيرد إن شاء الله فى كتاب الفتن، وقد أخرجه البخارى فى الإيمان، ب ﴿ وإن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقَْلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ﴾ [الحجرات: ٩] فسَّماهم المؤمنين ١ / ١٥، ك الديات، ب قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] ٩ / ٥ عن أبى بكرة . ٤٢٥ كتاب الإيمان/ باب إذا همّ العبد بحسنة ... إلخ ٢٠٤ - ( ... ) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ أُيُوبَ وَقُتَبَةُ وَابْنُ حُجْرِ قَالُوا: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعلاءِ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُول اللّهِ عَّهُ؛ قَالَ: ((قَال اللّهُ عَزَ وَجَلَّ : إذَا هَمَ عَبْدِى بِحَسَنَةَ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبْتُهَا لَهُ حَسَنَةً فَإِنْ عَمَلَهَا كَتَبْتُهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيَِّةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ أَكْثُبُهَا عَلَيْهِ ، فَإِنْ عَمَلَهَا كِتَبْتُهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً )) . ٢٠٥ - (١٢٩) وحدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ بَنِ مُنَبِّه؛ قَالَ: هَذَا مَاحَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّد رَسُول اللّهِ عَهُ فَذَكَرَ أحَادِيثَ مِنْهَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَّهِ: ((قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إذَا تَحَدَّثَ عَبْدِى بأنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَعْمَلْ ، فَإِذَا عَمَلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا بِعَشْرِ أمْثالِهَا، وإذَا تَحَدَّثَ بأنْ يَعْمَلِ سَئَةً فَأَنَا أَغْفَرُهَا لَهُ مَالَمْ يَعْمَلْهَا، فَإِذَا عَمَلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا )) . بالفعل والمقابلة ، وهو الذى وقع عليه اسم الحرص [ هنا ] (١) ويتعلق بالكلام فى الهم ما فى قصة يوسف - عليه السلام - وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ (٢) ، أما على طريقة الفقهاء فذلك مغفور له غير مؤاخذ به إذا كان شرعه كشرعنا فى ذلك ، وأما على طريقة القاضى فيُحملُ ذلك على الهمّ الذى ليس بتوطين النفس ، ولو حُمل على غيره لأمكن أن يقال : هى صغيرة ، والصغائر تجوز على الأنبياء (٣) على أحد القولين. وقد قيل فى تأويل الآية غير ذلك مما يتسع بسطه ولا يحتاج إلى ذكره هنا (٤) . قال القاضى : [ رحمه الله ] (٥) : عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين على ما ذهب إليه القاسى أبو بكر ، وقد قال ابن المبارك : سُئل سفيان عن الهَمَّةِ أيؤاخذ بها ؟ فقال: إن كانت عزْمًا أوخذ بها ، والأحاديث الدالة على المؤاخذة بأعمال القلوب كثيرة ، لكنهم قالوا : إن هذا الهم يُكتب سيئةٌ ، وليست السيئة التى هم بها ونواها ؛ لأنه لم يعملها بعدُ وقطعهُ عنها قاطِعٌ غير خوف الله [ تعالى ] (٦) والإنابة ، لكن نفس الإصرار والعزم معصية فيكتب سيئة ، فإذا عملها كتبت معصية تامة ، فإن تركها خشية الله كتبت حسنة على ما جاء فى الحديث الآخر: ((إنما تركها من جرَّى)) فصارَ تركه لها خوف الله ، ومجاهدته نفسه الأمَّارة بالسوء وعصيانه هواه حسنة، وأما الهمّ الذى لا يكتب فهى الخواطر التى لا تُوطَّنُ عليها النفس ، ولا يصحبها عَقَدٌ ولا نية وعزمٌ . (١) ساقطة من ق . (٤) فى الأصل وق : ها هنا . (٣) هل كان يوسف نبئ بعد ؟! (٢) يوسف : ٢٤ . (٥) سقط من ت . (٦) من ت . ٤٢٦ كتاب الإيمان/باب إذا همّ العبد بحسنة ... إلخ وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ لَّهُ: ((قَالَتِ الْمَلائِكَةُ: رَبِّ، ذَاكَ عَبْدُكَ يُريدُ أنْ يَعْمَلَ سَيَّةً - وَهُوَ أَبْصَرُ به - فَقَالَ: ارْقُبُوهُ، فَإِنْ عَمَلَهَا فَاكْتُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرََّىَ)) . وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ عَهُ: ((إِذَا أَحْسَنَ أحَدُكُمْ إِسْلامَهُ فُكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمَاتَةٍ ضِعْفٍ ، وَكَلُّ سَّةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا حَتّى يَلْقَى اللّهَ)) . ٢٠٦ - (١٣٠) وحدّثنا أبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا أَبُو خَالد الأحْمَرُ ، عَنْ هِشَامِ ، عَنِ ابْنِ سيرينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ: (( مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَّلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَعَمَلَهَا كُنْبَتْ لَهُ عَشْرًا إِلَى سَبْعِمَاتَّةٍ ضِعْفَ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلُهَا، لَمْ تُكْتَبْ، وَإَنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ)) . وقد ذكر بعض المتكلمين أنه يُختلف إذا تركها لغير خوف الله ، بل خوف الناس هل تكتب حسنةً . قال : لأنه إنما حَمَله على تركها الحياء . وهذا ضعيفٌ لا وجه له . وأما قصة يوسف - عليه السلام - فالكلام فى تأويلها كثير ، وأحسنه قول أبى حاتم ومن وافقه: أنَّه ما هَمَّ ؛ لأنه رأى برهان ربه وإنما همَّت هى ، والكلام عنده فيه تقديم وتأخير ، والمعنى : ولقد همت به ، ولولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها (١) ، وقد أشبعنا القول عليها وما قيل فيها ، وفى إبعاد جواز الصغائر على الأنبياء ، ونصرة هذا القول والأجوبة عن مشكلات هذا الباب ومعانى ظواهر الآى والأحاديث الموهمة لجواز ذلك فى كتابنا المسمى بالشفاء (٢). وقوله : ((إنما تركها من جرّاى)) بتشديد الراء وفتح الياء ، قال الإمام : أى من (١) قال ابن كثير: ((وفى هذا القول نظر من حيث العربية)) ٤ / ٣٠٨. (٢) ومما ينبغى قوله هنا : أن العزم المختلف فيه هو العزم الذى له صورة فى الخارج ، كالزنا وشرب الخمر ، وأمَّا ما لا صورة له فى الخارج كالاعتقادات وخبائث النفس من الحسد ونحوه ، فليس هو من صور محل الخلاف ، فلا يحتج بالإجماع الذى فيه ؛ لأن النهى عنه فى نفسه وقع التكليف به . إكمال ١ / ٢٣٦ . وانظر: الشفا ٢ / ٨٠٩. وقد قال هناك: ((اعلم أن المجوزين للصغائر على الأنبياء من الفقهاء والمحدثين ومن شايعهم على ذلك من المتكلمين احتجوا على ذلك بظواهر كثيرة من القرآن والحديث ، إن التزموا ظواهرها أفضت بهم إلى تجويز الكبائر ، وخرق الإجماع ... ثم قال : وعلى مذهب المحققين من الفقهاء والمتكلمين فإنَّ الهمَّ إذا وطنت عليه النفسُ سيئةٌ ، وأما مالم توطَّن عليه النفس من همومها وخواطرها فهو المعفوُّ عنه، وهذا هو الحق)). - -. ٤٢٧ كتاب الإيمان/ باب إذا همّ العبد بحسنة ... إلخ ٢٠٧ _ (١٣١) حدّثْنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْجَعْدِ أبِى عُثْمَان، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءَ الْعُطَارِدِىُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس، عَنْ رَسُولِ اللّه عَّه، فِيمَا يَرْوِى عَنْ رَبِّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، قَالَ: (( إِنَّاللَّهَ كَتَّبَ الَحَسَنَاتِ وَالسَيَّاتِ، ثُمَّبَيَّنَ ذَلِكَ. فَمَنَ هَمَّ بِحَسَ فَلَمْ يَعْمَلُهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً ، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَات إلى سَبْعمائَةٌ ضعْف إِلَى أضْعَافِ كَثِيرَةَ ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلُهَا كَتَبَهَا اللّهُ عَنْدَهُ حَسَنَّةٌ كَامِلَةً ، وَإِنَّ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبِّهَا اللَّهُ سَّةً وَاحِدَةً)) . ٢٠٨ - ( .. ) وحدّثْنا يَحْيَى بْنُ يَحْنَى، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْجَعْدِ أبِى عُثْمَانَ ، فى هَذَا الإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ عَبِّدِ الْوَارِثِ. وَزَادَ : (( وَمَحَاهَا اللّهُ، وَلَا يَهَلكُ عَلَى اللّه إلا هَالكٌ)) . أجلى، وفيه لغتان ؛ جرّاء بالمد، وجرى بالقصر ، ومنه الحديث : ((إنَّ امرأةً دخلت النار من جرَّى هِرَّةٍ )) [ أى من أجل هِرَّةٍ] (١). وقوله فى الحديث: ((ولن (٢) يهلك على الله إلا هالك))، قال القاضى: أى من ختم عليه الهلاك وَسُدَّ عليه أبواب الهدى لسعة رحمة الله تعالى وكرمه ؛ إذ جعل السيئة حسنة ولم يكتبها حتى يعمل بها ، فإذا عملت كتبت واحدةً ، وكتب الهم بالحسنة حسنةً ، وكتبها إذا عملها عشرا إلى سبعمائة وأضعافًا كثيرة ، وكل هذا فضل الله ، إذ ضاعف حتى [ تكثر] (٣) وتزيد على السيئات لكثرة سيئات بنى آدم، فمن حُرِم هذه السعة وضُيِّق عليه رحبها حتى غلبت عليه سيئاته مع إفرادها حسناته مع تضعيفها ، فهو الهالك الذى سبق عليه ذلك فى أم الكتاب . قال أبو جعفر الطبرى : وفى الحديث دليل على أن الحفظة يكتبون أعمال القلوب وعقدها ، خلافًا لمن قال : إنها لا تكتب إلا الأعمال الظاهرة . (١) من المعلم . والحديث متفق عليه ، وسيأتى إن شاء الله فى كتاب البر والصلة ، وأخرجه البخارى فى ك بدء الخلق، ب خمس من الدواب ٤ / ١٥٧ عن ابن عمر ، بدون ذكر لفظة ((جرَّاء)) وهذه اللفظة - جرَّاء - لمسلم عن ابن عمر، والبيهقى فى السنن الكبرى عن أبى هريرة ٨ / ١٤ وهى بلفظ « من جرَّى)). (٣) فى الأصل : تكفر . (٢) هكذا فى الأصل: ((لن)) وفى سنن حديث مسلم (( لا)). ٤٢٨ كتاب الإيمان/ باب بيان الوسوسة فى الإيمان وما يقوله من وجدها (٦٠) باب بيان الوسوسة فى الإيمان وما يقوله من وجدها ٢٠٩ _ (١٣٢) حدّثْنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْل، عَنْ أبيهِ ، عَنْ أبى هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ : جَاءَ نَاسٌ مِنْ أصْحَابِ النَّبِىُّ ◌َّهِ فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِى أَنْفُسَنَا مَا يَتَعَاظَمُ أحَدُنَا أنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: « وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ )) قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: ((ذَاكَ صَرَيْحُ الإِيمَانِ)). ٢١٠ - ( ... ) وحدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا ابْنُ أبِى عَدِىٌّ، عَنْ شُعْبَةً. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَةَ بْنِ أبِى رَوَّادٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنَّ إِسْحَقَ ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّبِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقَ، كِلاهُمَّا عَنِ الأَعَّمَشْرِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهِ، بهذَا الْحَديثِ . ٢١١ _ (١٣٣) حدّثنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ. حدَّثَنِى عَلَىُّبْنُ عَّام، عَنْ سُعَيْر ابْنِ الْخِمْسِ ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلَقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللّه؛ قَالَ: سُئِلَ النَّبِىُّ ء عَنِ الْوَسْوَسَةِ ، قَالَ: ((تلْكَ مَحْضُ الإِيمَان )» . ٢١٢ - (١٣٤) حدّثْنَا هَرُونُ بْنُ مَعْرُوف وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّاد - وَاللَّفْظُ لهَرُونَ - قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَّهِ: (( لا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا، خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللّه؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلَقُلْ : آمَنْتُ بِاللّهِ)) . وقوله عن الصحابة: ((إنا نجدُ فى أنفُسِنا ما يتعاظَمُ أحدنا أن يتكلَّم به )) ثم قال : «ذلك صريحُ الإيمان))، وفى الحديث الآخر: ((سُئل عَّه عن الوسوسة فقال: ((تلك محض الإيمان))، وزاد فى حديث آخر: (( من وجد من ذلك شيئًا فليقُل: آمنت بالله))، قال الإمام : بُوب على هذا الحديث فى بعض نسخ [ كتاب ] (١) مسلم : باب الوسوسة / محض الإيمان ، [ وزاد فى حديث آخر : أنه قال عَّه لمن شكا هذا المعنى أن قال : فيمن وجد من ذلك شيئا فليقل : آمنت بالله ؛ أما قوله ذلك محض الإيمان ] (٢). فلا يصح أن يراد به أن الوسوسة هى الإيمان ؛ لأن الإيمان اليقين ، وإنما الإشارة إلى ما وجدوا من ٣٣/ ب (١، ٢) من المعلم . -------- ٤٢٩ كتاب الإيمان/ باب بيان الوسوسة فى الإيمان وما يقوله من وجدها ٢١٣ - ( ... ) وحدّثْنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّصْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعيد الْمُؤدِّبُ، عَنْ هِشَامِ بْن عُرْوَةَ ، بِهَذَا الإِسْنَاد. أنَّ رَسُول اللّهِ عَلَ قَالَ: (( يأتى الشَّيْطَانُ أحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ ؟ مَنْ خَلََ الأرْضَ؟ فَيُقُولُ: اللّهُ)) ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ . رو و وَزَادَ (( وَرُسُلُه )) . ٠٠ ٢١٤ - ( ... ) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد. جَميعًا عَنْ يَعْقُوبَ . قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِى ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّ قَالَ : أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ؛ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَهُ: (( يَأْتِىّ الشَّيْطَانُ أَحَدُكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتّى يَقُولَ لَهُ : مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذلكَ فَلَسْتَعِذْ بِاللّهِ وَلْيَنْتَهِ)). ( ... ) حدّثَنِى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ قَالَ: حَدَّثَنِىِ أبِى، عَنْ جَدِّى، قَالَ: حَدَّثَنِى عُقَيِّلُ بْنُ خَالِدِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أخْبَرَنِى عُرْوَةٌ بْنُّ الزُّبَيْرِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ: (( يَأْتِى الْعَبْدَ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ )) مِثْلَ حَدِيثٍ ابْنِ أخِى ابْنِ شِهَاب . الخوف من الله تعالى أن يُعاقبوا على ما وقع فى نفوسهم ، فكأنَّه يقول : جزعُكم من هذا هو محض الإيمان ، إذ الخوف من الله - سبحانه - ينافى الشك فيه ، فإذا تقرر هذا تبيَّن أن هذا التبويب غَلط على مقتضى ظاهره، وأما أمره عَّه عند وجود ذلك بأن يقول (١): آمنت بالله ، فإن ظاهره أنه أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها والردِّ لها ، من غير استدلال ولا نظر فى إبطالها . والذى يقال فى هذا المعنى : إن الخواطر على قسمين ، فأما التى ليست بمستقرة ولا اجتلبتها شبهة طرأت فهى التى تُدْفَع بالإعراض عنها ، على هذا يحملُ الحديث ، وعلى مثلها ينطلق اسم الوسوسة ، فكأنه لما كان أمرًا طارئًا على غير أصل دُفِع بغير نظر [ فى دليل ] (٢) ، إذ لا أصل له يُنَظرُ فيه ، وأما الخواطر المستقرة التى أوجبتها الشبهة فإنها لا تُدفَعُ إلا باستدلال ونظر فى إبطالها، ومن هذا المعنى حديث: ((لا عدوى)) (٣)، مع (١) فى الإكمال : يقولوا . (٢) من المعلم . (٣) الطبرانى وغيره عن ابن عباس، بأسانيد رجال بعضها - كما قال الهيثمى - رجال الصحيح ٥ / ١٠٢، والطبرانى فى الكبير ١١ / ٢٣٨ كما أخرجه مالك بلاغًا عن ابن عطية، الموطأ ٢/ ٩٤٦، وأخرجه البيهقى موصولا من طريق أبى عطية الأشجعى عن أبى هريرة . السنن الكبرى ٧ / ٢١٧ ، وانظر : التمهيد ٢٧٩/٩ . ٤٣٠ كتاب الإيمان/ باب بيان الوسوسة فى الإيمان وما يقوله من وجدها ٢١٥ _ (١٣٥) حدّثَنِى عَبْدُ الوَارث بْنُ عَبْد الصَّمَد، قَالَ: حَدَّثَنِى أبِى عَنْ جَدِّى، عَنْ أُوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنٍ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ◌ََّ قَالَ: ((لا يَزَالُ النَّاسُ يَسْأَلُونَكُمْ عَنِ الْعِلمِ، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ خَلَقَنَا، فَمَنْ خَلَقَ اللّهَ؟)) . قال: وَهُو آخِذٌ بِيَدِ رَجُلٍ فَقَالَ: صَدَقَ اللّهُ وَرَسُولُهُ، قَدْ سَأَلَنِى اثْنَانِ وَهَذَا النَّالثُ. أَوْ قَالَ : سَلَنِى وَاحِدٌ وَهَّذَا الَّانِى . وَحَدَّثَنِهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَيَعْقُوبُ الدُوْرَقِىُّ قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، وَهُوَ ابْنُ عُلََّ، عَنْ أُّوبَ عَنْ مُحمَّد ؛ قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : ((لا يَزَالُ النَّاسِ))، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ. غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ النََِّّ ◌َُّ فِى الْإِسْنَادِ، ولَكِنْ قَدْ قَالَ فىِ آخِرِ الحَدِيثِ: صَدَقَ و وو اللَّهُ وَرَسُولُهُ . قول الأعْرابى : فما بال الإبل الصحاح تجربُ بدخول الجمل الأجرْب فيها (١) ، وعَلَمَ النبى عَِّ أنه اغترَّ بهذا المحسوسِ، وأن الشبهة قَدَحَتْ فى نفسه فأزالها عنه عَّ من نفسه بالدليل ، فقال له: ((فمن أعدى الأول )). بسط (٢) هذا أنه عَّ كأنه قال له: إذا كنت تقول أن هذه الجَربَة جَرَبَتْ من هذا العادى عليها، فهذا العادى [ أيضا] (٣) مَّن (٤) تعلّق به الجرب ؟ فإن قلت : من غيره ألزمناك فيه ما ألزمناك فى الأول حتى يؤدى ذلك إلى ما لا يتناهى ، أو يقف الأمر عند جملٍ وُجِدَ الجربُ فيه من غير أن ينتقل إليه من غيره ، وإذا صحَّ وجود جربٍ من غير عدوى بل من الله - سبحانه - صح أن يكون جربُ (٥) هذه الإبل من نفسها لا من غيرها . قال المتكلمون : وهذا الدليلُ الذى أشار إليه عَّهُ هو الذى يُعتمدُ عليه فى إبطال قول من جَوَّزَ وجود حوادثَ لا أوَّل لها ، فيقال لهم : لو كان لا يصح وجودُ الشىء إلا من الشىء لأدَّى ذلك إلى ما لا يتناهى ، وإذا عُلِّقَ وجودُ ما نحن فيه بوجود ما لا يتناهى شيئًا بعدَ شىء لم يصح وجودُ ما نحن فيه . - (١) ولفظ الطبرانى: فقال أعرابى: يا رسول الله، فإنا نأخذ الشاة الجربة فنطرحها فى الغنم فتجرب، فقال رسول الله عَ: (( يا أعرابى من أجرب الأولى؟)) مجمع ٥ / ١٠٢ . (٢) فى الأصل : بسيط . (٤) فى ت : بمن . (٣) من المعلم . (٥) فى الأصل : بجرب . ---- ٤٣١ كتاب الإيمان/ باب بيان الوسوسة فى الإيمان وما يقوله من وجدها ( .. ) وحدّثَنى عَبْدُ اللّه بْنُ الرُّومىِّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّد، حَدَّثَنَا عكْرِمَةُ، وَهُوَ ابْنُ عَمَّار، حَدَّثْنَا يَحْبَى، حَدَّثْنَا أَبُو سَلَّمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ : قَالَ لَى رَسُولُ اللّهِ عَّ: ((لا يَزَالُونَ يَسْأَلُونَكَ، يا أبَا هُرَيْرَةَ، حَتَّى يَقُولُوا: هذَا اللّهُ، فَمَنْ خَلَقَ اللّهَ؟ )) قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا فِى الْمَسْجِدِ إِذْ جَاءَتَى نَاسٌ مِنَ الأَعْرَابِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هذَا اللَّهُ، فَمَنْ خَلَقَ اللّهَ؟ قَالَ: فَأَخَذَ حَصى بِكَفِّهِ فَرَمَاهُمْ ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا، قُومُوا ، صَدَقَ خَلَيِلِى. ٢١٦- ( ... ) حدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثْنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَثَنَا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَهُ: (لَيَسْأَلَنَّكُمُ النَّاسُ عَنْ كُلِّ شَىْءٍ، حَتَّى يَقُولُوا: اللّهُ خَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ، فَمَنْ خَلَقَهُ؟)) . قال القاضى : الترجمة التى ذكر - رحمه الله - لم تقع فى كتبنا بذلك النصِّ، لكنَّ نصها فى الأم من قول النبى عَّه من رواية ابن مسعود: سئل النبى عَّه عن الوسوسة ، فقال: (( تلك محض الإيمان))، وما ذكره [وفقه الله ] (١) من التأويل فى قوله: ((ذلك صريح الإيمان )) بيِّن مع المقدمة التى فى ذلك الحديث الآخر الذى ذكرناه ولم يذكره (٢)، إذ ليس فيه ذكر إنكار ولا استعظام ، إلا أن نردَّه إلى الحديث الأول، ونجعله قاضيًا عليه ، وهذا مختصر منه ، أو يطلب له تأويلاً آخر يجمع الأحاديث كلها ، وهو ما أشار إليه بعضهم مما بسطه أن وسوسة الشيطان وتحدثه فى نفس المؤمن إنما هو لإيأسه من قبوله إغواءَه، وتزيينه الكفرَ له وعصمة المؤمن منه ، فرجع إلى نوعٍ من الكيد والمخاتلة بالإيذاء بحديث النفس بما يكره المؤمن من خفى الوساوس (٣)، إذ لا يَطمَعُ من موافقته له على كفره هذا ، ولا يكون منه إلا مع مؤمن صريح الإيمان ثابت اليقين [ على ] (٤) محض الإخلاص بخلاف غيره من كافرٍ وشاكٍّ، وضعيف الإيمان ، فإنه يأتيه من حيث شاء ويتلاعب به كما أراد ، والمؤمن معصومٌ منه ، مُنافرٌ له ، فلما (٥) لم يمكنه منه مراده رجع (٦) إلى شغل سره بتحديث [ نفسه] (٧) ودسِّ (٨) كُفرِهِ بحيث يسمعُهُ المؤمن فيشوش [عليه ] (٩) بذلك فكْرَه ، ويُكدِّر نفسه ويؤذيه باستماعه لَه، كما قال عَّة: ((الحمد لله الذى ردَّ كيدَه إلى الوسوسة)) (١٠)، إذ حقيقة هذه اللفظة الصَّوت (١) من ت . (٣) فى ت : الوسواس . (٢) أى : التعاظم . (٤) من ت . (٦) فى ت : فرجع . (٥) فى ت : فلا . (٧) ساقطة من الأصل . (٩) ساقطة من ق . (٨) فى ت : ودرس . (١٠) الحديث أخرجه أحمد والطبرانى والطحاوى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - ولفظه عند أحمد أنهم قالوا: يا رسول الله، إنا نحدّث أنفسنا بالشىء لأن يكون أحدنا حممة أحبُّ إليه من أن يتكلم به ، قال : = أْ ٤٣١ كتاب الإيمان/ باب بيان الوسوسة فى الإيمان وما يقوله من وجدها ٢١٧ - (١٣٦) حدّثنا عَبْدُ اللّه بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ الْحَضْرَمِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْل، عَنْ مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك، عَنْ رَسُولِ اللّه عَّهُ قَالَ: (( قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إنَّ أَمََّّكَ لا يَزَالُونَ يَقُولُونَ: مَا كَذَا؟ مَا كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللّهَ؟). الخفى (١) ، ومنه وسواس الحُلى ، لخفى صوته عند حركته ، وبناء هذه الكلمة على التضعيف يدلُ على تكرار مقتضاها ، فإذا سببُ الوسوسة محض الإيمان وصريحه ، والوسوسة لمن وجدها علامة له على ذلك، كما قال ◌َّ، [وكأنه ◌ٍَّ ] (٢) لما سئل عن الوسوسة وما يُوجَدُ فى النفس منها أخَبَر أنَّ موجبها وسببها محض الإيمان أو أنها علامةٌ على ذلك . ولا يبقى بعد هذا التقرير والتفسير إشكال فى متون هذا الحديث ، على اختلاف ألفاظه، واطردت على معنى سَوِىٌّ قويم . وعلى هذا يحمل ما جاء فى الأحاديث الأخر (٣): (( يأتى الشيطان أحدكم فيقول له: من خلق كذا وكذا ؟ حتى يقول : من خلق ربك ، فإذا بلغ ذلك فليستَعْذ بالله ولينته)) (٤) وفى حديث آخر: (( فليقُل: آمنتُ بالله)) (٥) . أما استعاذته منه فليلجأ إلى الله تعالى أن يكفيه شغل سرِّه ووسوسته بما لا يرضاه، وأما قوله: ((ولينته)): أى ليقطع التفكر والنظر فيما زاد على إثبات الذات، وليقف هناك عن التخطى إلى ما بَعُد (٦) ، وليعلم أن إثبات ذاته وعلمُ ما يجبُ له ويستحيل عليه منتهى العلم / وغاية مبلغ العقل . ٣٤/أ = فقال أحدهما: ((الحمد لله الذى لم يقدر منكم إلا على الوسوسة)) وقال الآخر: ((الحمد لله الذى ردَّ أمره إلى الوسوسة)) ١ / ٣٤٠، وانظر: المعجم الكبير ١٠ / ٤١١، مشكل الآثار ٢ / ٢٥١، ولفظه فيه: ((فقال: الحمد لله الذى لم يقدر منكم إلا على الوسوسة)). (١) وهذا هو تعريفها عند أهل اللغة ، وهى عرفًا : حديث النفس بالمرجوح. (٢) سقط من الأصل . (٣) فى ت : فى الحديث الآخر . (٤) الحديث أخرجه البخارى فى صحيحه ، ك بدء الخلق ، ب صفة إبليس وجنوده ، عن أبى هريرة - رضى الله عنه - ولفظه: ((يأتى الشيطان أحدكم فيقولُ: من خلَقَ كذا ، من خلق كذا ، حتى يقول : من خلق ربَّك ؟ فإذا بلغه فليستَعدْ بالله ولينته)) ٤ / ١٤٩ . (٥) وهو حديث أبى هريرة من طريق هشام هنا . (٦) وليس ذلك - كما ذكر القرطبى - نهيًا عن إيقاع ما وقع منها ، ولا عن ألا يقع منه ، لأن ذلك ليس داخلاً تحت الاختيار ، ولا الكسب ، فلا يكلف بها ١ / ٣٣٧ . ٤٣٣ كتاب الإيمان/ باب بيان الوسوسة فى الإيمان وما يقوله من وجدها حدّثناه إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِ شَيْبَةً، حَدَثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلَىٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، كلاهُمَا عَنِ الْمُخْتَارِ عَنْ أَنْس، عَنْ النَّبِىِّ عَِّ، بِهَذَا الْحَديث، غَيْرَ أَنَّ إِسْحَقَ لَمْ يَذْكُرْ : ((قَالَ : قَالَ اللَّهُ إِنَّ أَمَّتَكَ)) . وقال بعضهم: قوله: (( ذلك صريح الإيمان)): يعنى الوقوف والانقطاع فى إخراج الأمر إلى ما لا نهاية له ، فلابد من إيجاب خالقٍ لا خالق له ، فلا يزال يقول : من خلَقَ كذا ، ويستدل بآثار الصنعة فيه على أنه مخلوق ، فيقولُ : خلقه الله ، إلى أن يقول : من خلق الله ؟ فيستدل على أنه لو كان له خالق لتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية له ، وأن الله الخالق لكل شىء لا يُشبه صفات المخلوقين ، ولا يصح عليه الحدثُ والخَلْقُ ، فالوقوف هنا هو محض الإيمان . وأما ما أخبر عَّ من أن الناس سيتساءلون (١) عن هذا، فليس فيه إلا إخبارٌ عما يكون ، وقد كانَ ، فأما أن يكون إخباراً عن جهل السائلين أو تنبيهًا على تعَسُّفِ المجادلين(٢). (١) فى ت : يتساءلون . (٢) ينبغى إضافة كلمة ((فلا)) ليستقيم المراد ، وقد صاغها الأبى على وفق هذا المقدر، فقال نقلاً عن القاضى: وليس فيه إرشادٌ لما يقول من عرض له ذلك كما فى الذى قبله ، فيحمل أنه إخبارٌ عن جهل السائل وتنبيه على تعسف المجادلين. إكمال ١ / ٢٤١ . ٤ ٤٣ كتاب الإيمان / باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار (٦١) باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار ٢١٨ _ (١٣٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقْبَةُ بْنُ سَعيد، وَعَلَيُّ بْنُ حُجْر، جَميعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرِ . قَالَ ابْنُ أُوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُّ جَعْفَرِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَلَءِ: - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَّن مَوْلَى الْحُرَقَةِ - عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْب السَّلِّمِىِّ، عَنْ أَخيهِ عَبْدِ الله ابْنَ كَعْب، عَنْ أَبِى أُمَامَةَ؛ أَنْ رَسُولَ اللهِعَّهُ قَالَ: « مَنِ اقْتَطُعَ حَقَّ امْرِئٌ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجِبَ اللهُ لَّهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهَ الْجَنَّةَ))، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : وَإِنْ كَانَ شَيْئاً يَسيراً، يَارَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (( وَإِنْ قَضِيباً مِنْ أَرَاكِ » . ٢١٩ - ( .. ) وحدّثناه أُبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَإِسْحِقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهَرَونُ بْنُ عَبْد الله ، جَمِيعاً عَنْ أَبِى أُسَمَةَ، عَنِ الْوَّلِيدِ بَنِ كَثِيرٍ، عَنَّ مُحَمَّدِ بْنِّ كَعَّبِ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَخَاهُ عَبْدَاللهِ بْنَ كَعْبِ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ أَبَا أَمَامَةَ الَحَارِنِىَّ حَِّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمَعَ رَسُولَ اللهِّهِ، بِمِثْلِهِ . ٢٢٠ - (١٣٨) وحدّثْنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثْنَا إِسْحِقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا وَكِيِعٍ، حَدَّثْنَ الأَعْمَشُ عَنْ أَبِى وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ عَّهُ، قَالَ: (( مَنْ حَلَفَ ! وقوله: (( من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحَرَّم عليه الجنة»، ثم قال: ((وإن كان قضيباً من أراك)) (١)، إنما كبرت هذه المعصية بحسب اليمين الغموس التى هى من الكبائر الموبقات ، وتغييرها فى الظاهر حكم الشرع واستحلاله بها الحرام ، وتصييرها المحق فى صورة المبطل ، والمبطل فى صورة المحق ؛ ولهذا عظم أمرها وأمر شهادة الزور ، وإيجاب النار فيها على حكم الكبائر ، إلا أن يشاء الله أن يعفو عن ذلك لمن يشاء ، وتحريم الجنة عند دخول السابقين لها والمتقين ، وأصحاب اليمين ، ثم لابد لكل مُوَحِّدٍ من دخوله ، إما بعد وقوف وحساب ، أو بعد نكال وعذاب . وتخصيصه هنا المسلم ، إذ هم المخاطبون ، وعامة المتعاملين فى الشريعة لا أنّ غير المسلم بخلافه ، بل حكمه حكمهُ فى ذلك. (١) فى بعض النسخ - كما ذكر النووى -: ((وإن قضيباً من أراك)). ويمين الصبر هى: التى يحبس الحالف نفسه عليها . ٤٣٥ كتاب الإيمان / باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار . عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ ، لَقِىَ اللهَ وَهُوَ عَلَيهِ غَضْبَانُ). قَالَ : فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُّ قَيْسِ فَقَالَ : مَا يحَّدَّنْكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَن؟ قَالُوا: كَذَا وكَذَاً . قَالَ: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فِىَّ نَزَلَتْ، كَانَ بَيْنِى وَبَيْنَ رَجُلِ أَرْضٌ بِالْيَمَنِ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى النَّبِىِ عَةٍ. فَقَالَ: (( هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ )). فَقُلْتُ: لَاَ. قَالَّ: (( فَيَمِينُهُ)). قُلْتُ: إذَنْ يَحْلِفُ، فَقَالَ رَسُولَ اللهِ عَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ: (( مَنّ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ ، لَقِىَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ))، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُوَّنَ بِعَهَّدِ اللَّهِ وَأَيَّمَانِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ (١). ٢٢١ _ ( ... ) حدّثنا إسحَقُ بْنُ إِبْرَهِيم، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى وَائل، عَنْ عَبْد الله ؛ قَالَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمين يَسْتَحِقُّ بهاَ مَالاَ هُوَ فيهاَ فَاجِرٌ لَقِىَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الأَعْمَشَِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ بَنِى وَبَيْنَ رَجُلٍ خَصُومَةٌ فِى بِثْرٍ. فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ عَّهُ فَقَالَ: ((شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ)) . ٢٢٢ _ ( ... ) وحدّثنا ابْنُ أَبِى عُمرَ الْمَكِّىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِی رَاشِدِ ، وَعَبْد الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ ، سَمِعَا شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِعَ يَقُولُ: (( مَنْ حَلَفََ عَلَى مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقِّه، لَقِىَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ )) . قَالَ عَبْدُ الله: ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِعَّهُ، مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللهِ : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ . وقوله: ((لقى الله وهو عليه غضبان)) وفى آخر بمعناه: ((وهو عنه معرض))، قال القاضى: الإعراض والغضب والسخط من الله تعالى على من شاء وعمن شاء من عباده، إرادته عذابهم أو إيعاده بعذابهم، أو إنكاره أفعالهم وذمها فيكون ذلك من صفات الذات(٢)، ويرجع إلى الإرادة أو الكلام ، أو أن يفعل بهم فعل المسخوط عليه المعرض عنه، المغضوب عليه ، من النقمة والعذاب ، والإبعاد عن الرحمة ، فيكون من صفات الفعل ، وهى فى المخلوق تغيُّرُ حاله لإرادة (٣) أو فعله بمن غضب عليه، والله - جل اسمه - يتعالى عن (١) آل عمران : ٧٧ . (٢) صفات الذات: ماقام بها أو اشتق من معنى قائم بها ، كالعلم ، وعالم ، وصفة الفعل : ما اشتق من معنى خارج عن الذات كخالق ، ورازق ، فإنهما من الخلق ، والرزق . (٣) فى ت : لإرادته . ٤٣٦ كتاب الإيمان / باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار ٢٢٣ _ (١٣٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَهَنَّدُ بْنُ السَّريَّ، وَأَبُو عَاصِمِ الْحَنَفِىُّ - وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ - قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُوَ الأَخْوَصِ عَنْ سِمَاك، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَأَئِلَ، عَنْ أَبيِه؛ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِى عَُّ. فَقَالَ الْحَضْرَمِىُّ: يَارَسُولَ الله، إنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِى عَلَى أَرْض ◌ِى كَانَتْ لِأَبِى. فَقَالَ الكنْدىُّ: هى أَرْضى فى يَدِى أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ . فَقَالَ رَسُولُ الله عَّةُ: لَلَحَضْرَمِى (أَلَكَ بَيِّةٌ؟ )) قَالَ: لاَ. قَالَ : ((فَلَكَ يَمِينُهُ)) . قَالَ: يَارَسُولُ الله، إنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لاَ يُبَالِى عَلَى مَاحَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مَنْ شَىءٌ. فَقَالَ: ((لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّ ذَلِكَ))، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ، ٠ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ لَمَّ أَدْبَرَ: ((أَمَا لَنْ حَفَ عَلَى مَالهِ لِيَكُلُهُ ظُلْمَا، لَيَلْقَيَنَ اللهَ وَهُوَ عَنّهُ مُعْرِضٌ) . التغيير واختلاف الحال . ذكر مسلم حديث الحضرمى والكندى ومنازعتهما فى الأرض بين يدى النبى عَّه ... الحديث بطوله، قال الإمام: علق بعض أهل العلم من متأخرى الفقهاء على هذا الحديث مافيه من الفوائد فقال : فى هذا الحديث دلالة على أن صاحب اليد أولى بالشىء المُدَّعى فيه ممن لايَد له عليه (١)، وفيه أن الدعوى فى المعين لا تفتقر إلى خُلطة(٢)، وفيه التنبيه على صورة الحكم فى هذه الأشياء ، وذلك أنه بدأ بالطالب فقال له : ليس لك إلا يمين الآخر ، ولم يحكم بها للمدَّعَى عليه إذا حلف ، بل إنما جعل اليمين لصَرْف دعوى المدَّعى لا غير ، فكذلك ينبغى لمن (٣) حكم بعده إذا حلف المدَّعى عليه ألا يحكم له بملك ذلك الشىء ولا بحيازته أيضاً بل يقره على حكم يمينه . فإن قيل : فكيف يجىء مذهبكم على هذا إذا كنتم ترون أنَّ من ادّعى عليه بغصب أو استهلاك لم يحلف المُدَّعى عليه ، إلا أن يكون ممن يُتهم بالغصب والتعدى ، ويليق به ما (١) وذلك إذا تداعيا ولم يكن لهما بينة ، أو كانت وتكافأت . (٢) يعنى المخالطة. قال ابن عبد البر: ((المعمول به عندنا أنَّ من عُرف بمعاملة الناسِ مثل بعضهم لبعض، ومن نصَّب نفسه للشراء والبيع من غريبٍ وغيره ، وعرف به، فاليمين عليه بمن ادّعى معاملته ، ومداينَتَه فيما يُمكن ، وماكان بخلاف هذه الحالِ مثل المرأة المشهورة المحتجبة ، والرجلِ المستورِ المنقبض عن مداخلة المدَّعى عليه وملابسته، فلاتجب اليمين عليه إلا بخلطة)) قال: ((وفى الأصول أنَّ من جاء بما لا يشبه ، ولا يمكن فى الأغلب لم تقبل دعواه )). الاستذكار ٢٢/ ٧٣ . وذلك لما أخرجه مالك فى الموطأ عن جميلٍ بن عبد الرحمن المؤذِّن ؛ أنه كان يحضر عمر بن عبد العزيز وهو يقضى بين الناس ، فإذا جاءه الرجل يَدَّعى على الرجُل حقا نظر ، فإن كانت بينهما مخالطةٌ أو ملابسةٌ أحلَف الذى ادّعى عليه ، وإن لم يكن شىء من ذلك لم يُحلِّفُهُ . قال مالك : وعلى ذلك الأمر عندنا . ك الأقضية ، ب القضاء فى الدعوى . (٣) فى الإكمال : لم . -... ٤٣٧ كتاب الإيمان / باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار ادَّعى عليه من ذلك، وقد أحلفه النبى معَّه فى هذا الحديث ولم يسأله عن حاله ؟ قيل له : عينه ليس فى هذا الحديث مايدل على خلاف ماذهبنا إليه ، وذلك أنه يجوز أن يكون النبى قد علم من حاله ما أغناه عن السؤال عنه ، وفى الحديث مايدل على أنه كان كذلك ، ألا ترى إلى قول خَصمْه: إنه رجلٌ فاجر ليس يتورع عن شىء، ثم لم ينكر ◌َّه شيئا من قوله ، فلو كان عنده بريئا مما قال ، ماترك النكير عليه . على أن فى الحديث مايغنى عن هذا كله ، وذلك أنه إنما ادعى عليه بالغصب فى الجاهلية ، وكذلك نقول فيمن ادعى على رجُل لابأس به أنه كان غصبه مالاً فى حالٍ كان فيها فاسقاً ظالما ، فإنا نُحلِّفُه له(١)، إذا كان ظلمه وغصبه معلوماً وفى هذا الحديث أن يمين الفاجر تسقط عنه حكم دعوى المدَّعى ، كيمين من ليس بفاجر، وأنه ليس تجرى يمينه مجرى شهادته . وفيه أن الفاجر فى دينه لا يوجب فجوره الحجر عليه ولا إبطال إقراره ، ولولا ذلك لم يكن لليمين معنىً . وفيه أن المدَّعى وإن أقر بأن أصل الشىء الذى ادعى فيه لغيره لم نكلف بتثبيت جهة مصيره مالم يُعلم إنكاره لذلك ، وذلك أنه قال : غلبنى على أرض كانت لأبى، فأمكنه من المطالبة . وفيه أن من جاء ببينة قُضى له بحقه من غير يمين ؛ لأنه محال أن يسأله دون مايجب [له](٢) الحكم به ، ولو كان من تمام الحكم اليمين (٣) لقال له : بينتك ويمينك على تصديق بينتك. قال الإمام - رحمه الله -: أما قوله : إن المقرَّ بأنَّ أصل الشىء لغيره لا يكلف تثبيت جهة مصيره إليه ، فإن وجه القضاء عندنا أن من ادَّعى شيئاً فى يد غيره ، وزعم أنه صار إليه من أبيه ، فإنه يُكلف إثبات وفاة أبيه وعدد(٤) ورثته ، ولَعلَ هذا الذى فى الحديث عُلم/ موت أبيه وأنه وارثه ، أو يكون من بيده الأرض سلّم له ذلك ، ولعل قوله ها هنا : ((مالم يعلم إنكاره لذلك)) إشارة إلى ماقلناه من تسليم المطلوب له ماقال ، على أن قوله: ((مالم يعلم إنكاره [لذلك](٥) )) كلام فيه إجحاف ، نقلناه كما وجدناه ، ولعل معناه ما بيناه، أو يكون الضمير فى قوله : إنكاره عائداً على من (٦) نُسب إليه الملك أولاً كأبى هذا الرجل ، فيكون إنكار المنسوب إليه الملك أولاً انتقال(٧) ملكه إلى هذا المدعى مانعاً من توجيه (٨) دعوى هذا المدعى على من فى يده الشىء المطلوب ، إلا أن يثبت انتقال الملك . ٣٤/ ب قال القاضى: [قوله رحمه الله] (٩): ((أو يكون من بيده الأرض سلم له ذلك)) (١) فى الأصل : لها ، والمثبت من ت والمعلم. (٣) فى الأصل : التبين ، والمثبت من ت والمعلم . (٢) ساقطة من ت . (٤) فى الإكمال : وعده . (٥) من المعلم . (٦) فى الأصل : ما . (٧) رسمت فى الأصل هكذا : بنتعال. (٨) فى المعلم: توجه. (٩) فى ت : رحمه الله قوله وفقه الله. ٤٣٨ كتاب الإيمان / باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار لا يوجب عندنا فى الحكم شيئاً إلا رفع يدِ المسلّم دون الحكم للمدَّعى، إذ قد يكون الأبُ حيا أو يكون له ورثة غير القائم ، فكيف يحكم الحاكم بين اثنين فى مال ثالث قد أقرّ الطالبُ أنه له أو يسمع دَعْوى فيه ؟ ولعل الأب المعترف له لو كان حياً لا يطلب هذا المال أو يعترف أنه صيَّه لمن هو فى يده ، فكيف وقد ورد فى هذا الحديث فى كتاب ((أبى داود)) ما يرفع هذا الإشكال، هو أن الحضرمىَّ قال: ((إن أرضى اغتصبنيها أبو هذا))(١) فغلب ذكر الأب ، وفيه ذكر اليمين: (( أحَلِّفُه أنه ما يعلمُ أنها أرضى اغتصبنيها أبوه)) .. وقوله: (( فيما يحتاج إليه هذا المدعى من إثبات موت أبيه وعدَّة ورثته )) صحيح ويحتاج أيضاً إلى إثبات ملك الأب الذى ادّعى التصيير إليه من قبله، لما ادَّعى فيه أنه تصيَّر إليه. وبقى فى هذا الحديث من استخراج نكت الفقه وسيرة القضاء مما لم يخرجه من ذكر مما ظهر لنا من بيان سيرة القضاء البدايةُ بالسماع من الطالب ثم السماع من المطلوب هل يقر أو ينكرُ - كما جاء فى الحديث - ثم طلب البينة من الطالب إذا أنكر المطلوب ، ثم توجيه اليمين على المطلوب إذا لم يجد الطالب بيِّنَةً ، وأن الخصم إذا اعترف أن المدعى فيه فى يد خصْمه استغنى باعترافه عن تكليف خصمه إثبات كون يده عليه لقول الحضرمى: (( إن هذا غلبنى على أرض لى فقال الآخر (٢): أرضى فى يدى أزرعها)) فلم يكلفه النبى عَّه إثباتاً. وفيه دليل على أن الزراعة يدٌ وحوزٌ ، وفيه أنَّ الرجل إذا رمى خصمه فى حال الخصومة بِجُرْحة أو خلة سوء لمنفعة يستخرجها فى خصامه ، وإن كان فى ذلك أذى خَصْمه لم يعاقب إذا عُرِف صدقه فى ذلك، بخلاف لو قاله(٣) على سبيل المشاتمة والأذى المجرَّد (٤) وذلك إذا كان ما رماه به من نوع دعواه ، وليُنبه بها على حال المدَّعى عليه ، لقول الحضرمى: ((إنه فاجرٌ لايبالى ماحَلفَ عليه ولا يتورع من شىء))، ولم ينكر ذلك عليه النبى ◌َّه ولا زجَرَه، ولو رمى خصْمَهُ بالغصب، وهو ممن لايليق به ، أُدِّب عندنا ولم تعْلقْ به الدعوى . (١) ك الأيمان والنذور، ب فيمن حلف يميناً ليقتطع بها مالاً لأحد عن الأشعث بن قيس ١٩٨/٢، وتمامه: وهى فى يده قال: ((ألك بيَّنَةٌ)) قال: لا، ولكن أحلُِّهُ، والله مايعلم أنها أرضى اغتصبنيها أبوه فتهيأ الكندى لليمين، فقال رسول الله عَّه: ((لا يقتطع أحدٌ مالاً بيمين إلا لقى اللهَ وهو أجذَمُ)). فقال الكندىُ: هى أرضه . ومعنى أجذم : أى مقطوع اليد ، أو الحركة ، أو الحجة . وكذا أخرجه الترمذى فى الأحكام ، ب ماجاء فى أن البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه ٦١٦/٣ عن علقمة بن وائل، كما أخرج النسائى جزءه الأخير فى السنن الكبرى ، ك القضاء، ب من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه ٤٩٢/٣ عن معقل بن يسار . (٢) فى ت : للآخر . (٣) فى الأصل : قال . (٤) قال القرطبى : (( الجمهور على أدب من صدر منه شىء من ذلك لعموم تحريم السباب ، وأجابوا عن الحديث بأن الكندى علم منه ذلك ، أو أنه لم يقم بحقه ، أو أنه لم يقصد إذايته ، وإنما قصد استخراج حقه، فلعله إذا شنَّع عليه فقد ينزجر بذلك فيرجع إلى الحق)). المفهم ١/ ٣٤٤ . : ٤٣٩ كتاب الإيمان / باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار [والحضرمى إنما نسب إلى الكندى] (١) من الغصب فى الجاهلية ما لاينكر عليهم . وقد ذهب بعض العلماء إلى أن مايجرى بين المتخاصمين من سباب بخيانة وفجور واستحلال وشبهة ، هدَرٌ لا حكومة فيه واحتج بهذا الحديث. وفيه وعظ الحاكم الحالف ، عساه أن يكون يحلف باطلا فيردَّهُ وعظُه إلى الحق - كما فعل النبى عَّ حين قام الحضرمى ليحلف . وفيه التنبيه على صورة سؤال الحاكم الطالب بأن يقول: ((ألك (٢) بيِّنة )) ولا يقول له : ((قرِّب بيِّنتك)) إذ قد لا يكون له بيِّنة. وإلى هذا ذهب بعض حُذَّاق الجدليِّين والنظريين فى سؤال أحد المتناظرين صاحبه عن مذهبه ودليله بأن يقول له : ألك دليل على قولك ؟ فإن قال : نعم ، سأله عنه ما هو ؟ وهو اختيار القاضى أبى بكر ، ولم يره لازماً الأستاذ أبو إسحق . وفيه دليلٌ على [أن](٣) من ادَّعى عليه دعوى فى مال ورثه أو تصيَّر إليه عن غيره ، أن يمينه على نفى دعوى المدعى ، كما ذكر فى صفة اليمين فى زيادة أبى داود . وفيه دليل على أن للأيمان مواضعَ تُحلفُ فيها وتختص بها لقوله : (( فانطلق ليحلف ، وذلك عندنا لازم فيما له بال من الأموال ، وذلك مايوجبُ القطع فى السرقه - ربع دينارٍ فصاعدا - فلايكون اليمينُ فيه إلا فى المساجد الجامعة وحيثُ يُعظّمُ منها ، وعند منبر النبى عَّ بالمدينة، خلافاً لأبى حنيفة فى قوله : اليمين حيث كان الحاكم . وقد احتج أبو سليمان الخطابى من هذا الحديث على وجوب اليمين عند المنبر ، قال : لأنه إنما كان مجلس النبى عَّة فى المسجد ، وقيام هذا إنما كان للمنبر ، وإلا فلماذا قام (٤) ؟ وهذا محتمل وفيه نظر وفيه دليل على أن الحالف يكون قائما، لقوله: (( فلما قام ليحلف )) لكن فى قيامه هنا احتمال ، هل لنفس اليمين أو لينهض لموضعها - كما تقدم . وقد اختلف المذهب عندنا فى قيام الحالف فيما له بال(٥) . (١) من هامش ت ، وفى بقية النسخ وأصل ت، والكندى : إنما نسب إلى الحضرمى . (٣) ساقطة من الأصل . (٢) فى الأصل : لك . (٤) قلت: وقد بوب النسائى فى الكبرى لهذا فى كتاب القضاء بقوله : اليمين على المنبر، وساق له حديث جابر بن عبد الله: ((من حلف على منبرى هذا بيمين آثمةً تبوأ مقعده من النار))، وحديث أبى أمامة بن ثعلبة أن رسول الله عَّه قال: ((من حلف عند منبرى هذا بيمين كاذبة يستحل بها مال امرئ مسلم ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه عدلاً ولاصرفاً)) ٤٩١/٣، ٤٩٢ . (٥) جملة مذهب مالك فى هذه المسألة : أن اليمين لاتكون عند المنبر من كل جامع ، ولافى الجامع حيث كان، إلا فى ربع دينارٍ - ثلاثة دراهم فصاعداً - أو فى عرض يساوى ثلاثة دراهم ، وماكان دون ذلك حلف فيه فى مجلس الحاكم ، أو حيث شاء من المواضع فى السوق وغيرها، ورواية ابن القاسم فيها : = ٤٤٠ ----- ٣٥/ أ كتاب الإيمان / باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار وفيه دليل على أن الكفار إذا أسلموا وفى أيديهم أموال لغيرهم من أهل الكفر - غصبوها - أنها ترجع إلى أربابها ، بخلاف ما أسلموا عليه من أموال المسلمين عندنا لتقرير ملكهم لها باستحلالهم/ أموالنا خلافاً للشافعى فى قوله : ترجع إلى أربابها المسلمين ولاتملك عليهم ، وقد يحتج بهذا الحديث(١) . وفيه دليلٌ على أن الخصم الصالح والطالح فى سيرة الحكم ، سواء بمطالبة الطالب بالبيّنة والمطلوب باليمين . وقول المتكلم أولاً على الحديث : إن فيه دليلاً على أن الدعوى فى المعين لا تفتقر إلى خلطة ، صحيح ، لكنها على من يُراعى الخلطة فيما فى الذمم يراعى فى المعينات ما يشبه . وقد يحتج بهذا الحديث إذ فيه دعوى مايشتبه من غصوب الجاهلية . ومشهور المذهب مراعاة الخلطة فيما فى الذمم ومايُشْبه فى المعينات وغيرها من الدعاوى ، وتسميتهم لهذا خلطة تجوز. والقول الآخر : قبول الدعوى وإلزام اليمين دون خلطة ولاشبهة - وهو قول جماعة من العلماء (٢) . وقوله أيضاً: ((ينبغى لمن حكم إذا حلف المدَّعى عليه أنه لايحكم له بملك ذلك الشىء ولاحيازته)) (٣) أصل متنازع فيه عندنا ، ومشهور المذهب خلاف ماذهب إليه من = أنه ليس عليه التوجه إلى القبلة . وروى ابن الماجشون عن مالك أنه يحلف قائما مستقبل القبلة . قال : ولا يعرف مالكٌ اليمين عند المنبرِ إلا منبر رسول الله عَدّه فقط ، يحلف عنده فى ربع دينارٍ ، فأكثر . قال مالك : ومن أبى أن يحلف على المنبر فهو كالناكل عن اليمين ، ومذهب الشافعى فى اليمين بين الركن والمقام بمكة ، وعند منبر النبى - عليه السلام - بالمدينة نحو مذهب مالك، إلا أن الشافعى لايرى اليمين عند المنبر بالمدينة ، ولابين الركن والمقام بمكة إلا فى عشرين ديناراً فصاعداً . قال الشافعى: واليمين على المنبر مالا خلاف فيه عندنا بالمدينة ومكة فى قديم ولا حديث . قلتُ : وفى المذهب اليمين عند المنبر فى كل البلدان ، قياساً على العمل من الخلف والسلف بالمدينة عند منبر النبى عَّ، وكان مروان يسميه مقاطع الحقوق. الأم ٣٦/٧، ٣٧، معرفة السنن ٣٠١/١٤، الاستذكار ٢٢/ ٨٧ . (١) إنما احتج الشافعى بحديث مسلم الذى أخرجه عن عمران بن حصين قال : أغار المشركون على أصحاب المدينة وأحرزوا العضباءَ ، وامرأة من المسلمين ، فلما كان ذات ليلة قامت المرأة وقد ناموا ، فجعلت ما تضعُ يدَها على بعيرٍ إلا رغا ، حتى تأتى العضباء ، فأتَتْ على ناقة ذلول ، فركبتْها ، ثم توجّهت قبل المدينة ونذرتْ لإن الّله نجاها لتنحرنَّها فلما قدمت المدينة عُرفَتِ الناقة، فأتّوا بها النبى عَّ فأخبرتْه المرأةُ بنذرها، فقال: (( بئسما جزيتيها، لانذر فيما لا يملك ابن آدَم ولا فى معصية)). قال الشافعى : فهذا دليلٌ على أن أهلِ الحرب لا يملكون عليها بالغلبة ولابعدها ولو ملكوا عليها لملكت المرأة الناقة ، كسائرٍ أموالِهْم لو أَخَذَتْ شيئاً منها ، ولوِ صَحّ فيها نذرُها . قال الإمام الشافعى: وقد فضَّل الله المسلمين بألا يُمْلَكَ شىءٌ من أموالهم إلا عن طيب أنفسهم، ولا يَرِثُها عنهُم إلا أهل دينهم. الأم ٤/ ٢٥٤، وانظر: الاستذكار ١٢٧/١٤، معرفة السنن والآثار ٢٨٧/١٣. (٢) قال الحافظ ابن عبد البر: ((وليس فى شىء من الآثار المسندة مايدل على اعتبار الخلطة)). الاستذكار ٧٦/٢٢. (٣) القول بالتعجيز حكاه اللخمى عن مطرف، وبعدمه عن ابن الماجشون ، قال : وعلى التعجيز لو أتى =