النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا
٥٠ - ( ... ) حدّثْنا مُحمدُ بْنُ الْمُثَنَى وَابْنُ بَشَّارِ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ ، حَدَّثْنَا شُعْبةُ، عَنْ أَبِى حَصينِ والأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْم ؛ أَنَّهُمَا سَمعَا الأَسْوَدَ بْنَ هلال
يُحَدَثُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل؛ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ عَّهُ: ((يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِى مَا حَقُّ الله عَلَىْ
الْعَبَاد؟)). قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((أَنْ يُعْبَدَ اللهُ وَلاَ يُشْرَكَ بِهِ شَىْءٌ)). قَالَ: ((أَنَدْرِى
مَاحَقُّهُمْ عَلَيْهِ إِذَا فَعَلُوا ذلكَ؟)). فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (( أَلا يُعَذَبَهُمْ)) .
المعتزلة، وكأنه لما وعد به تعالى [ ووعده الصدق ](١) صار حقاً من هذه الجهة ، والوجه
الثانى : أن يكون خرج مخرج المقابلة [منه](٢) للفظ الأول [ لأنه قال فى أوله: ((ماحق
الله على العباد))، ولاشك أن لله على عباده حقاً، فأتْبعَ اللفظ الثانى الأول] (٣) كما قال
تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهِ﴾ (٤)، قال تعالى: ﴿[ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ](٥) اللَّهُ مِنْهُم ﴾
وأما قوله [فى الحديث](٦): ((وأخبر (٧) به معاذ عند موته تأثماً ))، قال الهروى فى
تفسير غير هذا الحديث : تأثَّمَ الرجلُ إذا فعل فعلاً يخرج به من الإثم ، وكذلك تحنث
ألقى الحنث عن نفسه وتحرج ألقى الحرج عن نفسه (٨).
قال الإمام والأظهر عندى أنه لم يرد فى هذا الحديث هذا المعنى لأن فى سياقه مايدل على
خلافه(٩) .
قال القاضى: لعله لم ير هذا التفسير بيّنا لما ورد أول الحديث: ((ألا أُبَشّر الناسَ ؟ قال:
لا تبشرهم فيتكلوا )) فأى إثم في كتم ما أمر به النبى - عليه السلام - بكتمه ؟ لكنى أقولُ
لعل معاذا لم يفهم من النبى معَّه النهى لكن / كسر عزمه عما عرض عليه من بشراهم به ١٨/ب
بدليل حديث أبى هريرة حين قال: (( من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه
فبشره بالجنة))، ثم لما قال عمر للنبى ◌ّه: أخشى أن يتكل الناس [عليها فخلهم
يعملوا](١٠)، قال: ((فخلهم))، أو يكون معاذ بلغه بعد أمر النبى عمّه بذلك لأبى هريرة،
وحذر أن يكتم علماً علمه ويأثم بذلك فأخبر به (١١)، أو يكون حمل النهى على إذاعته
(١) فى الإكمال جاءت هكذا : يصير وعد الصدق ، والمثبت من المعلم .
(٢) غير مذكورة فى المعلم ، فهو على ذلك من مجاز المقابلة.
(٣) سقط من الإكمال ، والمثبت من المعلم .
(٤) آل عمران : ٥٤ .
(٥، ٦) سقط من ت ، والمثبت من الأصل والمعلم ، والآية ٧٩ من سورة التوبة .
(٧) فى الإكمال : فأخبر ، والمثبت من المعلم .
(٨) فالتفعل إزالة الشىء بالنفس.
(٩) نقله السنوسى على غير هذا الوجه ، فقال بعد كلمة الحديث: ((لأنه إنما سكت امتثالاً للنهى بقوله : فلا
تبشرهم، فأين الإثم حتى يزيله)) . أهـ . وذلك بعد أن نسب الأبى للمازرى مالم يرد له فى المعلم .
إكمال الإكمال ١٢٥/١، وبهامشه مكمل الإكمال .
(١٠) سقط من الأصل ، والمثبت من ت .
(١١) وبذلك يرجع القول إلى الهروى.

٢٦٢
كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا
-
٥١ - ( ... ) حدّثْنا القاسمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثْنَاحُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ أَبی حَصین،
عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هلال؛ قَالَ: سَمِعْتُ مُعاذاً يَقُولُ: دَعَانِى رَسُولُ اللّهَلِ فَأَجَبْتُهُ. فَقَالُّ:
(هَلْ تَدْرِى مَاحَقُ اللهِ عَلَى النَّاسِ )) نَحْوَ حَدِثِهِمْ.
٥٢ _ (٣١) حدّثَنِى زُهْيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفىُّ، حَدَّثَنَا عكْرِمَةُ
ابْنُ عَمَّر، قَالَ حَدَثَنِى أَبُو كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ: كُنَّا قُعُوداً حَوْلَ رَسُول الله
للعموم، كما كان قال له أوَّلاً: ((كل من لقيتَ .. )) ورأى هو أن يخُص به كما خصَّه هو
به - عليه السلام - أو يكون أمره بذلك لأبى هريرة على الخصوص للذين (١) كانوا معه قبل
قيامه بدليل قوله: (( من لقيت وراء هذا الحائط )) وقد أخبره أبو هريرة أنه جاء والناس
وراءه، وسياق الحديث يدل أنهم الذين كانوا معه، ويكون قوله: (( من شهد أن لا إله
إلا الله)) حذرا أن يكون فيمن يلقى غير من يقولها من كافر أو لا يعتقدها(٢) من منافق ؛
ولهذا ترجم البخارى - رحمة الله عليه (٣) -: من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا
يفهموا . واحتج بعض الشارحين بالحديث على هذا الفصل ، وأما على قوله : (( فبشر من
لقيت )) ليس فيه تخصيص .
وقوله فى الحديث من رواية القاسم بن زكرياء: حدثنا حسين، ثنا زائدة . كذا هو فى
أكثر النسخ والأصول ووقع فى بعضها: (( حُصين))، وكذا وجدته مصلحاً فى كتابى بخطى:
((حصين)) - بالصاد المهملة - ولست أدرى من أين كتبته، وهو خطأوالصواب ((حسين)) بالسين،
وكذا وجدته مصلحاً مغيراً من حصين فى كتاب شيخنا القاضى أبى عبد الله التميمى، وهو
حسين بن على مولى الجعفيين .
قال البخاري : سمع القاسم بن الوليد وزائدة وأخاه الوليد ، وقال أحمد (٤) بن أبى
رجاء: توفى سنة ثلاث ومائتين(٥)، وتكررت(٦) روايته عن زائدة فى غير موضع من الأم ،
ولا يعرف حصين بالصاد عن زائدة .
وقوله: ((فاحتفزتُ كما يحتفز الثعلب)): رواه عامة شيوخنا فى الثلاث كلمات عن
العُذّرى وغيره بالراء ، وسمعناه على (٧) الأسدى عن أبى الليث الشاشى عن عبد الغافر
(١) فى الأصل : للذى ، والمثبت من ت .
(٢) فى الأصل : يعتقدوها ، والمثبت من ت .
(٣) فى ك العلم ، ب ٤٩ قال بعدها : وقال علىَّ: حدِّثُوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذب الله
ورسوله . والمراد بقوله : ( دون ) أى سوى ، لا بمعنى الأدون ، فتح البارى ١/ ٢٧٢.
(٤) فى ت : محمد ، وهو خطأ .
(٥) التاريخ الكبير ٣٨١/١/٢.
(٦) فى جميع الأصول التى تيسرت لنا هكذا : وقد تكون ، والمثبت من إكمال الإكمال ، ومكمل إكمال
الإكمال ، وهو الأليق بالسياق ، مما يرجح أنها تيسرت لهما من نسخ الإكمال ما لم يتيسر لنا . ١/ ١٢٢.
(٧) فى ت : وسمعناه عن .

٢٦٣
كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا
بَُّ، مَعَنَا أَبُو بَكْر وَعُمَرُ ، فِى نَفَرَ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرنَا. فَأَبْطَأْ عَلَيْنَا ،
وَخَشِيْنَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُوْنَنا وَفَزِعْنَا، فَقُمنا. فَكُنْتُ أَوَّلَ مَّنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُّ أَبْتَغِى رَسُولَ الله
عَّهِ حَتَّى أَنْيْتُ حَائِطَا لِلأَنْصَارِ لَبَنِى النَّجَّارِ، فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابَا ، فَلَمْ أَجِدْ ، فَإِذَا
رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِى جَوْفٍ حَائِطٍ مِنْ بِثْرِ خَارِجَةٍ - وَالرَّبِعُ الجَدْوَلُ - فَاحَتَفَزْتُ كَمَّا يَحْتَفَرُ
الثَّعْلَبُ. فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولَ اللهِ عَمْهُ. فَقَالَ: (( أَبُو هُرَيْرَةَ؟)) . فَقَلْتُ: نَعَمْ، يَارَسُولَ
الله . قَالَ: ((مَاشَأَنُكَ؟)). قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرْنَا، فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ
تُقْتَطَعَ دُونَنَا ، فَفَزِعْنَا ، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، ، فَأَتَيْتُ هذَا الْحَائِطَ ، فَاحْتَفَرْتُ كَمَا يَحْتَفَرُ
الثَّعْلَبُ، وَهَؤْلاء النَّاسُ وَرَائِى. فَقَالَ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ)) - وَأَعْطَانِى نَعْلَيْهِ - قَالَ: ((اذْهَبْ
الفارسى عن الجلودى بالزاى ، وهو الصواب ، ومعناه : تضاممتُ وتداخلتُ ، ليسمع من
مدخل الجدول الذى ذكر، ومنه حديث على: ((إذا صلت المرأة فلتحتفز)) (١)، أى لتضام
وتنزوى إذا سجدت ، ويدل عليه تشبيهه إياه بفعل الثعلب وهو انضمامه للدخول من
المضايق(٢).
وقوله: (( كنت بين أظهرنا))، وفى رواية الفارسى: ((ظهْرَيَنا)): قال الأصمعى:
العربُ تقول : نحن بين ظهريكم على لفظ الاثنين (٣) [ وظهرانيكم ، قال الخليل : أى
بينكم والعرب تضع الاثنين ] (٤) موضع الجمع .
وقوله : ((ففزعنا وقمنا وكنتُ أولَّ من فزع))(٥) : الفزع يكون بمعنى الروع ، وبمعنى
الهبوب للشىء والاهتمام ، وبمعنى الإغاثة ، فتصح هذه المعانى الثلاثة ، أى ذُعِرْنا لاحتباس
النبى معَّ عنا، ألا تراه كيف قال: ((وخشينا أن يُقتطع دوننا)) أى يحوزه العدو عنا،
ويكون بمعنى الوجهين الآخرين بدليل قوله: ففزعنا وقمنا ، وكنتُ أول من فزع ، فخرجت
أبتغى رسول الله عَّه، وقوله فيه: ((فجهشت بالبكاء)» هو فزع الإنسان إلى آخر وهو متغير
الوجه متهيئ للبكاء ولما يبك بعد ، يقال فيه: جهشتُ وأجهشت جهشا وإجهاشاً ، قال
(١) النهاية ٤٠٧/١، وتمامه فيه: ((إذا جلست، وإذا سجدت، ولا تُخوَّى كما يُخوَى الرجلُ)).
(٢) قال الأبى: والأظهر فى دخوله محل الغير دون استئذان أن دهش لغيبة رسول الله وَجُل عنه، قال: ويبعد
أن يكون لعلمه طيب نفس رب الحائط؛ لأنه يبقى حق رسول الله وَّل فى الدخول عليه، وإنما جعل الإذن
من أجل البصر ، ويحتمل أنه دالة. إكمال الإكمال ١٢٣/١ .
(٣) فى ت : للائنين .
(٤) سقط من الأصل واستدرك بهامشه .
(٥) ذهب القرطبى إلى منع إرادة الخوف هنا لكون أبى هريرة قال : فخشينا ، ثم رتب عليه بفاء السبب فقال :
ففزعنا ، قال : والأظهر أنه بمعنى الهبوب .
قال الأبى : كونه بمعنى الخوف لا يمنع من عطفه ، ويكون من عطفه الشىء على نفسه إرادة الاستمرار
نحو قوله تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذِّبُوا عَبْدَنَا﴾ [القمر : ٩ ] أى كذبوا تكذيباً بعد تكذيب.
إكمال الإكمال ١/ ١٢٣ .

٢٦٤
كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا
-
بنَعْلَىَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاء هذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، مُسْتَيْقناً بِهَا قَلْبُهُ
فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةَ ))، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتَ عُمَرُ . فَقَالَ: مَاهَاتَانِ الثَّعْلَن يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقُلْتُ:
هَتَانِ نَعْلَا رَسُول الله عَّهُ، بَعَثَنِى بِهِمَا، مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلا اللهُ مُسْتَيِّقناً بِهَا قَلْبُهُ ،
بَشَرْتُهُ بِالْجَنّةِ. فَضَرَّبَ عُمَرُ بَيَدِهِ بَيَّنَ ثَدْيَىَّ، فَخَرَرْتُ لاسْتِىَ. فَقَالَ: ارْجِعْ يَاأَبَاهُرَيْرَةَ .
فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ لَّهِ، فَأَجْهَشْتُ بُكَاءً، وَرَكَبَنِى عُمَرُ ، فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِى. فَقَالَ
لى رَسُولُ اللهِ عَُّ: ((مَلَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟)). قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبَرَتُهُ بِالَّذِى بَعَثْنَى به،
فَضَرَبَ بَيْنَ قَدْنَىَّ ضَرْبَةً، خَرَرْتُ لاسْتِى. قَالَ: ارْجِعَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِعَهُ (( يَاعُمَّرَّ،
مَاحَمَلَكَ عَلَى مَافَعَلْتَ؟)). قَالَ: يَارَسُولَ اللهِ، بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى، أَبَعَنْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بنَعْلَيْكَ،
مَنْ لَقِىَ يَشْهَدُ أَنْ لاَإلهَ إلاَّ اللهُ، مُسْتَيْقناً بِهَا قَلْبُهُ، بَشْرَهُ بِالجَنَّةَ؟ قَالَ .((نَعَمْ)). قَالَ : فَلاَ
تَفْعَلْ، فَإِنِّى أَخْشِى أَنْ يَتَكِلَ النَّاسُ عَلَيَها، فَخَلَّهِمْ يَعْمَلُونَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ :
الطبرى: هو الفزع والاستغاثة، وقال ابن زيد: جهشت للبكاء وللحزن (١) والشوق جهوشاً.
وقوله: ((ركبنى عمر فإذا هو على أثرِى)): أى اتبعنى فى الحين دون تمهل ولا تثبت،
ومنه حديث حذيفة: ((إنما تهلكون إذا صرتم تمشون الركبات كأنكم يعاقيب حجل))(٢). قال
القتبى: أراد أنكم تمضون على وجوهكم دون تثبت ولا روية ولا استئذان من هو أسنُ منكم
يركب(٣) بعضكم بعضاً فعل اليعاقيب .
وقوله: ((فضربنى عمر بيده بين ثديى (٤) فخررت لاستى)»: أى سقطت على [عجزى](٥)
((وقال: ارجع)). الأولى أن عمر لم يقصد بضربه فى صدره إلا رده، والدفع فى صدره،
ليرجع كما قال له، لا ليؤذيه ويوقعه، وكان سقوطه من غير تعمد لذلك ، بل لشدة الدفع ،
وليس فعل عمر ومراجعة النبى معَّه فى ذلك اعتراضاً عليه ورد الأوامر ؛ إذ ليس فيما وجه
به معاذ(٦) غير تطبيب قلوب أمته وبشراهم، فرأى عمر أن كتم هذا عنهم أصلحٍ لهم ،
وأذكى لأعمالهم ، وأوفر لأجورهم ألا يتكلوا ، وأنه أعود بالخير عليهم من مُعَجِّلةِ هذه
ت٣٧/ ب البشرى ، فلما عرض ذلك على النبى معَّه صوَّبّه له ، / وقد يكون رأى عمر للعموم وأمر
النبى ◌َّ﴾ وسلم للخصوص ، وخشى عمر إن حصل فى الخصوص أن يفشو ويتسع .
وفى هذا الحديث من الفقه والذى قبله: إدخال المشورة على الإمام من أهل العلم والدين
(١) فى ت : والحزن .
(٢) لم أعثر عليه ، واليعقوبُ: هو ذكرُ الحجل.
(٤) فى الأصل : ثدى.
(٣) فى ت : فركب .
(٥) من ق ، وباقى النسخ: وجهى. وهو غير مناسب. والاست : من أسماء الدبر، والأحسن فيما يقبح سماعه
الكناية عنه ، بذلك جاء الشرع ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١ ]، إلا أن
يكون فى التصريح مصلحة راجحة كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةَ وَالزَّنِ﴾. [ النور: ٢]. إكمال الإكمال ١٢٤/١.
(٦) فى ت : أبا هريرة ، وأظنه الصواب .

٢٦٥
كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا
(فَخَلِّهمْ)) .
٥٣ _ (٣٢) حدّثنا إسْحقُ بْنُ مَنْصُور، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى،
عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُّ بْنُ مَالك ؛ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ عَةٍ وَمُعَاذُ بْنُّ جَبَلَ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ،
قَالَ : ((يَامُعَاذُ)) قَالَ: لَبَيْكَ رَسُولَ الله وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: ((يَامُعَاذُ)) قَالَ : لَبَيْكَ رَسُولَ الله
وَسَعْدَيّكَ. قَالَ: ((يَا مُعَاذُ)) . قَالَ: لَبَيْكَ رَسُولَ الله وسَعْدَيْكَ - قال: (( مَامِنْ عَبْدِ يَشْهَدَ
أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إلاَّ حَرَمَّهُ اللهُ عَلَى النَّارِ)). قَالَ: يَارَسُولَ الله،
ومن وزرائه وخاصته ، وعرض النصائح له وإن لم يستشرهم ،وفيه توقيف [ أمثال ](١)
هؤلاء لما لم ينْفَذْ بعد من أوامره حتى يعرضوا عليه ماظهر لهم ورأوه فى ذلك من رأى ،
ورجوع الإمام إلى ما رآه من الصواب فى ذلك ، وأن النبى - عليه السلام - فى أمور الدنيا
كان يأخذ باجتهاده ويرجع عن رأيه فيها أحياناً إلى رأى غيره (٢) كما فعل فى تلقيح
النخل(٣)، وفى النزول ببدر (٤) وفيما هم به من مصالحة [ الأحزاب](٥)، ولاخلاف فى
ذلك . واختلف العلماء هل كان يجتهد برأيه فى الشرعيات فيما لم تنزل عليه فيه شىء أم
لا ؟ وهل هو معصوم فى اجتهاده أو هو كسائر المجتهدين ؟ والصواب جواز الاجتهاد له
ووقوعه منه ، وعصمته فيه على كل حال ، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ
لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾(٦)، ودَلَّت الآثار الصحيحة / على اجتهاده فى نوازل ، ١٩/أ
وحكمه فيها برأيه كقصة أسرى بدر (٧) ، وأما كونه أبداً مصيباً فى اجتهاده فى ذلك - على
القول بأن كل مجتهد مصيب - الذى هو الحق والصواب، أو على المذهب الآخر (٨) ، فإن
اجتهاده أصلٌ من أصول الحق ، وركن من أركان الشريعة الذى يجتهد المجتهدون فى
الاستنباط منها والقياس عليها ، ويكون خطؤهم وصوابهم بقدر توفيقهم إلى فهمها
ومعرفتهم بمراده - عليه السلام - فيها ، فكيف يتصور الخطأ عليه فى ذلك ومخالفة
الصواب، وإنما الحق والصواب مافعله، وإنما الشرع ما اجتهد فيه، وقد تقصينا هذا الباب فى
13
القسم الرابع من كتاب الشفا (٩) .
(١) ساقطة من الأصل .
(٢) فى ت : عمر .
(٣) يعنى بذلك ما أخرجه مسلم فى كتاب الفضائل ١٨٣٥/٤ عن موسى بن طلحة عن أبيه بشأن النهى عن
التلقيح ثم الرجوع فى رأيه .
(٤) يشير إلى ما رواه ابن إسحق ١/ ٦٢٠ فى شأن مشورة الحباب على رسول الله وَله ببدر.
(٥) ساقطة من ق. والذى همّ به وَّ فى مصالحته للأحزاب ثم عاد عن رأيه بعد أن شاور السعديْن، أخرجه
(٦) النساء : ١٠٦ .
أيضاً ابن إسحاق فى السيرة ٢/ ٢٢٣ .
(٧) وذلك فى مشاورته وَلا أصحابه فيهم واختياره وَ له رأى أبى بكر - رضى الله عنه.
(٨) وهو أن المصيب واحدٌ .
(٩) قلت : بل هو فى القسم الثالث بالباب الأول ٧٤٥/٢ .

· كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا
٢٦٦
أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: ((إِذاً يَتَّكِلُوا فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَادٌ عِنْدَ مَوْنِهِ، تَأَثُماً.
٥٤ _ (٣٣) حدّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّخَ، حَدَّثَنَاَ سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ الْمُغِيرَةِ - قَالَ :
حَدَّثْنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ؛ قَالَ : حَدَّثَنِى مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ عِثْبَانَ بْنِ مَالِك ؛
قَالَ : قَدَمْتُ الْمَدِينَةَ ، فَلَقَيْتُ عَتْبَانَ ، فَقُلْتُ: حَديث بَلَغَنِى عَنْكَ. قَالَ : أَصَابَنِى فِى
بَصَرَى بَعْضُ الشَّيْءٌ، فَبَعَثَّتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ عَّهُ أَنِّى أُحِب أَنْ تَأْتَنِى فَتُصَلِّى فِى مَنْزِى،
فَأَنَّخَذَهُ مُصَلَّى. قَالَ: فَأَتَى النَّبِىُّ ◌َّهُ وَمَنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَدَخَلَ وَهُوَ يُصَلِّى فِى
مَنْزِلِى، وأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ أَسْنَدُوا عُظُمَ ذلكَ وَكُبْرَهُ إلَى مَالكِ بْنِ دخْثُمٍ .
قَالوا: وَدُّوا أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ، وَوَدُّو أَنَّهُ أَصَبَهُ شَرُّ ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ عَّهِ الصَّلاة
وَقَالَ : (( أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وَأَنِّى رَسُولُ الله ؟)) . قَالُوا: إِنَّهُ يَقُولُ ذلكَ ،
وَمَاهُوَ فِى قَلْبِهِ. قَالَ: (( لايَشْهَدُ أَحَدٌ أَنْ لا إلهَ إلا اللّهَ وَأَنِّى رَسُولُ اللهِ فَيَدْخُلَ النَّارَ، أَوْ
تَطْعَمَهُ)) . قَالَ أَنْسٌ: فَأَعْجَبَنِى هذَا الْحَديثُ، فَقُلْتُ لابنى: أَكْتُبُهُ . فَكَتَبَهُ .
وفيه من الفقه : قول الرجل للآخر : بأبى أنت وأمى ، وقد كرهه بعض السلف وقال : لا
يُقدَّى بمسلم ، والأحاديث الصحيحة تدل على جوازه ، كان المفدى بهما مسلمين أو غير ذلك ،
كانا حيين أو ميتين . وفيه جواز قول الرجل للرجل فى الجواب عند دعائه له لبيك وسعديك ،
ومعنى لبّيك : إجابة لك بعد إجابة ، وقيل : لزوماً لطاعته وطوعاً بعد لزوم ، وسعديك :
أى إسعاداً لك بعد إسعاد . وقيل : لبيك مداومة على طاعتك ، وسعديك : أى مساعدة
أوليائك عليها .
وقال سيبويه : معناه: قرباً منك ومتابعة لك ، من ألب فلان على كذا إذا داوم عليه
ولم يفارقه ، وأسعد فلان فلاناً على أمره وساعده ، قال : وإذا استعمل فى حق الله تعالى
فمعناه : لا أنأى عنك فى شىء تأمرنى به وأنا متابع أمرك وإرادتك .
وقوله فى حديث ابن الدُخْشُم: (( أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله؟))
فقالوا: [إنه ](١) يقول ذلك وماهو فى قلبه فقال عَّهُ: ((لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله
وأنى رسول الله فيدخل النار)) [ الحديث] (٢)، قال الإمام: إن احتجت به الغلاة من
المرجئة فى أن الشهادتين تنفع وإن لم تُعتَقدُ بالقلب، قيل لهم : معناه : أنه لم [ يصح ](٣)
عند النبى ◌َّ ما حكوا عنه من أن ذلك ليس فى قلبه، والحجة فى قول النبى معَّه ، وهو
لم يقل ذلك ولم يشهد به عليه .
(١ - ٣) من المعلم .

٢٦٧
-
كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا
٥٥ _ ( ... ) حدّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبدِىُّ، حَدَّثَنَا بهزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، حَدَّثَنَا
ثَابِتٌ، عَنْ أَنَس؛ قَالَ: حَدَّثَنِى عِتْبَانُ بْنُ مَالِكَ؛ أَنَّهُ عَمَىَ . فَأَرْسَلَ إِلَى رَسُولِ اللهِ عَُّ فَقَالَ:
تَعَالَ فَخُطَّ لى مَسْجِداً فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ عَهِ، وَجَاءَ قَوْمُهُ. وَنُعِتَ رَجُلٌ مِنَّهُمَّ يُقَالُ لَهُ:
قال القاضى: وقد ورد فى الحديث من رواية البخارى: ((ألا تراه قال: لا إله إلا الله
يبتغى بها وجه الله)) (١)، فهذه الزيادة تُخرِسُ غلاة المرجئة ، وأن الحجة فى هذا الحديث ،
وفعل عتبان [ بن مالك ](٢) وطلبه للنبى - عليه السلام - للصلاة فى بيته لعذره الذى
ذكرفى الحديث ، وليحصل له الفضل فى أمر الصلاة، حيث رسم له [ عليه السلام ](٣)
[وصلى فى بيته بعض ما فاته من الصلاة فى جماعة قومه وأن كان أمامهم ] (٤) لعذر (٥)
بصره ، وأن ذلك ربما منعه من النهوض إلى مسجد قومه إذا كان السيل والظلام، كما قال
فى الحديث نفسه من غير هذه الرواية (٦).
وفيه : إباحة مثل هذا العذر التخلف عن الجماعة ، وإباحة التحدث مع المصلين فى غير
المساجد [ مالم يكن المحدثان عن يمين المصلى وعن شماله ](٧) لقوله: (( فهو يصلى وأصحابه
يتحدثون))، وقد وقع فى هذا الحديث من طرق كثيرة ((أن النبى عَّه أمَّ بأهل الدار))(٨)
فلعل حديثه وصلاته هذه كان فى حين آخر غير الصلاة التى أمهم فيها، أو يكون أمَّ بجماعة
(١) البخارى فى صحيحه ، ك الصلاة، ب المساجد فى البيوت، وصلى البراءُ بن عازب فى مسجده فى دارِه
جماعة ، ولفظه فيه : فقال قائل منهم: أين مالك بن الدُّخَيشن أو ابن الدَّخْشنِ ؟، فقال بعضهم : ذلكَ
منافق، لا يحبُ الله ورسوله، فقال رسول الله وَّه: ((لاتقل ذلك، ألا تَراه قد قال: لا إله إلا الله،
يريدُ بذلك وجه الله؟)) قال: الله ورسولهُ أعلمُ. قال: فإنَّا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين ، قال رسول
اللهِ وَّه: ((فإنَّ الله حرَّم على النار من قال: لا إله إلا اللهُ يبتغى بذلك وجه الله)) ١١٦/١.
ويقريب من اللفظ الذى ساقه القاضى أخرجه البخارى من حديث محمود بن الربيع قال : سمعت
عتبان بن مالك الأنصارىَّ ثم أحد بنى سالم قال: غدا على رسول الله وَّر فقال: ((لن يُوافَى عَبْدٌ يومَ
القيامة يقول : لا إله إلا الله يبتغى بها وجه الله إلا حَرّم الله عليه النار)) ك الأدب، ب العمل الذى يبتغى
به وجه الله ١١١/٨، كذلك أخرجه فى ك الديات، ب ماجاء فى المتأولين بتقديم وتأخير ٩/ ٢٣ .
ومالك بن الدُّخشم بن مالك بن الدُخْشَم بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف . قال ابن عبد البر بعد
أن ساق قول ابن إسحق وموسى والواقدى أنه شهد العقبة : لم يختلفوا أنه شهد بدرا ومابعدها من
المشاهد، وهو الذى أسر يوم بدر سهيل بن عمرو: الاستيعاب ٣/ ١٣٥٠.
(٢) من ق .
(٣) سقط من ت .
(٥) فى ت : بعذر .
(٤) سقط من أصل ت ، واستدرك بالهامش مكرراً اللفظين الآخرين.
(٦) وهى ماجاءت بها رواية البخارى الأولى السابقة ولفظها: ((أن عُتّبان بن مالك وهو من أصحاب رسول الله
وَ له ممن شهد بدراً من الأنصار أنه أتى رسول الله وَطل فقال: يارسول الله، قد أنكرت بصرى، وأنا
أصلى القومى ، فإذا كانت الأمطار سال الوادى الذى بينى وبينهم ، لم أستطع أن آتى مسجدهم فأصلى
بهم ... )) الحديث، وكذا ابن ماجه ٢٤٩/١، الطيالسى ١٧٤ .
(٧) جاءت فى إكمال الإكمال : مالم يكن أحد المتحدثين عن يمينه والآخر عن شماله ١٢٦/١ .
(٨) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرجه البخارى وأحمد واللفظ للبخارى: « فقام وصففنا خلفه، ثم سَلّم
وسلَّمنا حين سلَّم))، ك الصلاة، ب من لم يرد السلام على الإمام ٢١٣/١، أحمد فى المسند ٤/ ٤٤ .

كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا
٢٦٨ ____
ممن كان على طهارة، وجلس قوم يتحدثون. ففى تلك الزيادة أن الإمام أحق بالإمامة من
صاحب الدار ومن كل من حضر ، وقد ترجم عليه البخارى بإمامة الزائر (١)، وقد جاء فى الحديث
النهى عن ذلك وعن أن يؤم الرجل فى سلطانه ، وأن صاحب الدار ، أحق بالإمامة (٢)، لكنه
حق له ، فإن تركه وقدم غيره جاز ذلك ، بل يستحب له أنْ يُقَدِّم أفضل من حضر ، فإن لم
يفعل وكان ممن تجوز إمامته كان أولى ، إلا أن يحضر الإمام أو أبو رب المنزل ، أو عمه ،
وهما ممن يصلح إمامتهما ، فهؤلاء أولى منهم ، والنبى - عليه السلام - هنا هو الإمام ،
وهو المدعو ليصلى ويتقدم، فلا حجة فيه لترجمة البخارى إلا على تخصيص عموم الحديث.
وفيه جواز الصلاة جماعة فى المنزل وفى النوافل ، وجواز التنبيه على أهل الريب فى
الدين والمتهمين فيه، على طريق النصيحة للمسلمين وإمامهم ، وذلك لما رأوا من تخلف هذا عنهم
فى موطن مشهود كثير البركة ، ولا ظهر عنه من الاغتباط به والفرح بوصول النبى - عليه
ت٣٨/ ب السلام - / إلى دارهم والاستكثار منه، والمبادرة إلى لقيّه، والسلام عليه بما (٣) يجب، مع
مارأوا منه قبل هذا من الصغْو إلى المنافقين ، كما ذكر فى هذا الحديث من غير هذا الطريق (٤)،
فقوى سوء ظنهم به ، واشتد غيظهم عليه ، ولكنه لما كان عند النبى - عليه السلام - من
أهل الشهادتين ، وممن لم يظهر منه نفاقٌ لم يسقط صحة الظاهر لريبة الباطن، بل (٥) قد قال
- عليه السلام - فى رواية البخارى: ((ألا تراه قال: لا إله إلا الله يبتغى بها وجه الله)).
وقوله: (( فيدخل النار)): على ماقدمناه من الحكم على الظاهر وحسن الظن بكمال إيمانه
وصحة إسلامه، فلا يدخلها بالوفاء بحق الشهادتين، إذ كان ذلك فى أول الإسلام
وتخفيفه(٦) وقبل نزول الشدائد (٧) والأوامر والنواهى، أو دخول خلود ، وكذلك تأويل
اللفظ الآخر: ((فتطعمه النار)) أو يكون تطعم جميعه، لما جاء أن أهل التوحيد لاتأكل النار
جملة أجسادهم وأنها تتحاشى عن مواضع سجودهم وقلوبهم ودارات وجوههم ومواضع من
(١) فى الكتاب السابق، ب إذا زار الإمام قوماً فأمهم ١/ ١٧٥.
(٢) من ذلك قوله تعَّه فيما أخرجه الترمذى والنسائى وأحمد من حديث أبى مسعود البدرى الأنصارى: ((لايُؤْم
الرجلُ فى أهله ولا فى سلطانه، ولايُجلس على تكرمته إلا بإذنه )) الترمذى، ك الأدب ، ب ٢٤ ،
والنسائى ، ك الإمامة، ب اجتماع القوم وفيهم الوالى ٧٧/٢، أحمد فى المسند ١١٨/٤، قال الترمذى:
((هذا حديث حسن صحيح)) ٩٩/٥ . وراجع ما أخرجه أبو داود، ك الصلاة، ب إمامة الزائر ١/ ١٤٠،
ومعالم السنن ٣٠٨/١، أبو عوانة ٣٦/٢، الطبرانى فى الكبير ٢٢٥/١٧ .
(٣) فى الأصل : ما يجب .
(٤) من ذلك ما أخرجه أحمد من حديث عتبان: (( وتخلف رجل منهم يقال له مالك بن الدخشن ، وكان
يزين بالنفاق)) وفى الحديث الآخر له: (( أما نحن فنرى وجهه وحديثه إلى المنافق)) ٤/ ٤٤.
(٥) فى الأصل رسمت : بلى .
(٧) فى الأصل : التشديد .
(٦) فى الأصل : فخفيفه .

٢٦٩
-
-
كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا
مَالكُ بْنُ الدُّخْثُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ .
أجسادهم ، كما نص فى الحديث(١).
وقوله : ((فتغيَّب رجل منهم يقال له: مالك بن الدخشم)) : هكذا رواية العذرى
والجماعة ، ورويناه من طريق السمرقندى: (( فنعت )) وهو وهمٌ ، والأول الصواب بدليل
افتقاده فى الأحاديث الآخر .
وقولهم فى بعض الروايات: ابن مالك بن الدخشم ، ورويناه فى الأم بالميم مكبراً / ١٩/ ب
وجاء مصغراً فى رواية السمرقندى فى حديث أبى بكر بن نافع ، ورويناه بالنون أيضاً
مكان الميم مكبراً ومصغراً فى غير الأم (٢). وقوله: ((وأسندوا [عُظْمَ](٣) ذلك وكُبْرَهُ)):
أى جل حديثهم ، بمعنى عظم المتقدم ، قال الخليل : كبرُ كل شىء معظمه ويقال: بالكسر
أيضاً ، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُم﴾ (٤) وقيل: الكبر الإثم فى الآية (٥) .
(١) من ذلك ماأخرجه البخارى وابن ماجه وأحمد فى المسند - واللفظ للبخارى - وهو جزء حديث له
ولأحمد: (( فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود))، ك الأذان، ب فضل السجود ٢٠٤/١، أحمد
فى المسند ٢٩٣/٢، لفظ ابن ماجه: ((تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل
أثر السجود))، ك الزهد ، ب صفة النار ١٤٤٦/٢.
(٢) وهى ماجاءت من رواية البخارى وأحمد فى المسند كما سبق قريباً .
(٣) ساقطة من الأصل ، واستدركت بالهامش بسهم ، والمثبت من ت .
(٤) النور : ١١ .
(٥) وقيل : ابتدأ به ، وقيل : الذى كان يجمعه ويذيعه ويشيعه ، قاله الحافظ ابن كثير وقال: والأكثرون على
أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أبي بن سلول قبحه الله ولعنه. تفسير القرآن العظيم ٢٥/٦. وجاء فى
اللسان : يقال : كبر كبراً إذا أفرط .

٢٧٠
كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من رضى بالله ربا ... إلخ
(١١) باب الدليل على أن من رضى بالله ربا وبالإسلام دينا
وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا فهو مؤمن ،
وإن ارتكب المعاصى الكبائر
٥٦ - (٣٤) حدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْتَى بْنِ أَبِى عُمَرَ الْمَكِّىُّ، وَبِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ ، قَالا:
حَدَّثَنَا عَبْدُالْعَزِيزِ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّد - الدَّرَاوَرْدِىُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ ، عَنْ مُحَمَّد بْنِ
إِيْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ أَنَّهُ سَمَعَ رَسُولَ اللهِعَُّ
يَقُولُ: ((ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ، مِّنْ رَضِىَ بِاللهِ رَبَّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً)» .
وقوله - عليه السلام -: (( ذاق طعم الإيمان)) الحديث : معناه: صح إيمانه ،
واطمأنت به نفسه ، وخامر باطنه ؛ لأن رضاه بالله رباً ، وبمحمد نبيا وبالإسلام ديناً دليل
ثبوت معرفته ونفاذ بصيرته بما رضى به من ذلك ومخالطة بشاشته قلبه ، وهذا كالحديث
الآخر: ((وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)) الحديث (١)،
وذلك أن الإنسان إذا رضى أمراً واستحسنه سهل عليه أمره ،ولم يشق عليه شىء منه ،
فكذلك المؤمن إذا دخل قلبه الإيمان ، سهلت عليه طاعات ربه ولذت له ، ولم يشق عليه
معاناتها .
(١) فى جميع الأصول عدا ق : سواه ، والمثبت من ق، وهو الذى جاءت به الروايات الصحيحة ، والحديث
سيرد قريبا إن شاء الله برقم (٦٧ / ٤٣) .

٢٧١
كتاب الإيمان / باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها ... إلخ
(١٢) باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها
وفضيلة الحياء ، و کونه من الإيمان
٥٧ _ (٣٥) حدّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ سَعيد، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أُبُو عَامر
العَقَدِىُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ عَبّدِ اللهِبْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِّ صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً ،
عَنِ النََِّّّهُ قَالَ: ((الإِمَانَّبِضَّعٌ وَسَبْعُونَ شَّعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ)».
٥٨ _ ( .. ) حدّنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، ضتلحَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيّل ، عَنْ عَبْد الله بْنِ
دِينَارِ، عَنْ أَبِى صَالِحِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((الإِيمَانُ بضْعٌ وَسَبْعُون
- أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً - فَأَفْضَلُها قَوْلُ: لاَإلهَ إلَّ اللهُ، وَأَدْنَهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ،
وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِمَانِ » .
٥٩ - (٣٦) حدّثْنا أَبُو بَكْر بْنُ أَّبِى شَيْبَةَ، وَعَمْرو النَّاقدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب، قَالُوا :
وقوله - عليه السلام -: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة)): البضع والبضعة [واحد ](١)
بكسر الباء ، ويقال بفتحها أيضاً فيهما ، [ فأما من اللحم ](٢) فالبضعة بالفتح لاغير ،
وهو القطعة من الشىء والفرقة منه ، واستعملت العرب البضع فيما بين الثلاث الى العشر
وقيل : من ثلاث إلى التسع . وقال الخليل : البضع سبع ، وقيل : هو مابين اثنين إلى
عشرة وما بين اثنتى عشرة إلى عشرين ، ولا يقال: فى أحد عشر ولا اثنى عشر ، وقال أبو
عبيدة : هو مابين نصف العقد ، يريد من واحد إلى أربعة ، والشعبة أيضاً القطعة من
الشىء والفرقة منه ، ومنه شعب الإيمان وشُعب (٣) القبائل، وشعبها الأربع، وواحد
شعوب [ القبائل ](٤) شعب الفتح ، وقيل: بالكسر ، وهم القبائل العظام ، وشعب(٥)
الإناء أيضاً صَدعه بالفتح ، ومنه قوله فى الحديث: (( واتخذ مكان الشعب سلسلة))(٦)،
قال الخليل : الشَعبُ الاجتماع والشعب الافتراق ، وقال الهروى : هو من الأضداد(٧)،
وقال ابن دريد : ليس كذلك لكنها لغة لقوم ، فمراده والله أعلم : أنه سبع وسبعون
(١) ساقطة من الأصل .
(٤) من ق .
(٣) فى الأصل : وشعوب .
(٢) فى الأصل : وأما اللحم .
(٥) فى ت : وشعبة .
(٦) جزء حديث، أخرجه البخارى، ك الخمس، ب ماجاء فى بيوت أزواج النبى عَنه ٩٩/٤ عن أنس ولفظه:
(«أن قدَح النبى معَُّ انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة».
(٧) وكذلك ابن السكيت ، قال : إنه يكون بمعنيين ، يكون إصلاحاً ، ويكون تفريقاً .
۔

كتاب الإيمان / باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها ... إلخ
٢٧٢
حَدَّثَنَا سُفَيَانُ بْنُ عُبِينةٍ، عَنِ الزُّهْرِى، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِه؛ سَمِعَ النَّبِيُّ ◌َّهُ رَجُلاً يَعظُ
أَخَاهُ فِى الْحَيَاءِ، فَقَالَ: ((الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ » .
( ... ) حدّثْنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزَّهْرِىّ، بهذَا
الإِسْنَادِ. وَقَالَ: مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصارِ يَعِظُ أَخَاهُ.
خصلة ، وقد تقدم أن أصل الإيمان فى اللغة : التصديق وفى عرف الشرع : تصديق القلب
واللسان، وظواهر الشرع تطلقه على الأعمال كما وقع هنا: ((أفضلها شهادة أن لا إله إلا
الله وآخرها إماطة الأذى عن الطريق))، وقدمنا أن تمام الإيمان بالأعمال وكماله بالطاعات ،
وإن التزام الطاعات وضم هذه الشُعَب من جملة التصديق ودلائل عليه ، وأنها خلق أهل
التصديق ، فليست خارجة عن اسم الإيمان الشرعى ولا اللغوى ، وقد نبه - عليه السلام -
على أفضلها بالتوحيد المُتَعَيَّنِ على كل مسلم ، والذى لا يصح شىء من هذه الشعب إلا بعد
صحته ، وأدناها ما يتوقع ضرره بالمسلمين من إماطة الأذى عن طريقهم وإن لم يقع الأذى
بعد ، وبقى بين هذين الطرفين من أعداد أبواب الإيمان مالو تُكُلف حصرها بطريق
الاجتهاد وتعينها بغلبة الظن إلى حصر عدته (١) [لأمكن] (٢)، وقد أشار إلى نحو هذا
بعد من تقدم، وعليه بنى الفقيه إسحق بن إبراهيم القرطبى كتابه المسمى بالنصائح ، ولكن
القطع أن تعيين مانَقَّحه الاجتهاد وترتيبه على تلك الأبواب هو مراد النبى - عليه السلام -
يصعب ، ولن يعدم من يرتب ترتيباً آخر، ويداخل بعض الأبواب فى بعض، ويفصل بعض
الأقسام من بعض، والله - عز وجل - أعلم، ولكنه قد جاء فى الأحاديث النص على
[بعض](٣) تلك الشعب كما سيأتى، ووقع فى الأم فى حديث زهير الشك فى سبعين أو
ستين، وكذلك وقع، فى البخارى من رواية أبى زيد المروزى أول الكتاب:
((ستون)) (٤). والصواب ماوقع فى سائر الأحاديث ولسائر الرواة: [ سبعون ](٥)، ولا
يلزم معرفة تعيينها ، ولا يقدح جهل ذلك فى الإيمان ، إذ أصول الإيمان وفروعه معلومة
محققة ، والإيمان بأنها هذا العدد من الحديث واجب على الجملة وتفصيل تلك الأصول
وتعينها على هذا العدد يحتاج إلى توقيف.
وقوله: ((والحياء شعبة من الإيمان))، قال الإمام: إنما كان الحياء وهو فى الأكثر
غريزةٌ من الإيمان الذى هو اكتسابٌ ؛ لأن الحياء يمنع من المعصية كما يمنع الإيمان منها ،
والحياء هاهنا ممدود من الاستحياء .
(١) بعدها فى الأصول : عليه السلام . أغلب الظن عندى أنها عبارة مقحمة.
(٢، ٣) سقطتا من ق .
(٤) البخارى فى الصحيح، ك الإيمان، ب أمور الإيمان ٩/١، وكذلك أخرجه النسائى فى المجتبى، ك الإيمان
وشرائعه، ب ذكر شعب الإيمان ٨/ ٩٦ .
(٥) جاءت العبارة فيما نقله الإمام النووى بالمطبوعة: ((وستون)) وهو وَهم. نووى على مسلم ٢٠٨/١ ط.
الشعب .

٢٧٣
كتاب الإيمان / باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها ... إلخ
٦٠ - (٣٧) حدّثَنا مُحَمَّدُ بنُ الْمثنى، ومُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَّنى -
قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ ؛ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّارِ يُحَدِّثُ؛
أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنِ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهِ أَنَّهُ قَالَ: (( الْحَيَاءُ لاَ يَأْتِى إِلَا بِخَيْرِ ))،
فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْب: إنَّهُ مَكْتُوبٌ فى الحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ وَقَارا وَمَنْهُ سَكِينَةً . فَقَالَ عمْرَانُ :
أُحَدِثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ عَّهُ وَتُحَدِّثْنَى عَنَّ صُحِّفِكَ .
٦١ - ( .. ) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ حَبيب الْحَارِثِىُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْد عَنْ إِسْحقَ - وَهُوَ
ابْنُ سُوَيْد - أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ حَدَّثَ ؛ قَالَ : كُنَّاً عِنْدَ عَمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ فِى رَهْطِ مِنَّاً ، وَفِينَا بِشَيْرُ
قال القاضى: الحياء أحد الشعب المحصورة ، فهذا من [ الأعداد المحصورة بالنص](١)،
وقد يعد الحياء من الإيمان بمعنى التخلق والتزام مايوافق الشرع ويحمد منه ، فرب حياء مانع
من الخير مُجبن عن قول الحق ، وفعله مذموم، ورب حياء عن المآثم والرذائل مأمور به
يجازى عليه، كما جاء فى الحديث الآخر: ((لكل دين خلق ، وخُلق الإسلام الحياء)) (٢).
وكان الحياء من خلق نبينا محمد عَّه . وقد يكون الحياءُ فى بعض الناس غريزة وطبعاً جُبل
عليه ، ولكن استعماله على قانون الشريعة وحيث يجب يحتاج إلى اكتساب ونيَّةٍ وعلم .
وقد يكتسبه من لم يجبل عليه ويتخلق به؛ ولهذا كله قال: (( الحياء لا يأتي إلا بخير)).
وقول عمران بن حصين لبشير بن كعب لما حدَّثه بهذا الحديث فقال بُشير : إنا لنجد فى
بعض الكتب : إن منه سكينةً ووقاراً ومنه ضَعْفٌ: أُحدِّثْك عن رسول اللـه عَّهُ وتُعارض
فيه وتحدثنى عن صحيفتك.
وغضبه عليه كما جاء فى الحديث حتى شهد له الحاضرون أنه لا بأس به ، حماية أن
يذكر مع السُّنة ما ليس منها أو تعارض بغيرها مما يخالفها، لقوله: ((ومنه ضعف))؛
ولئلا يتطرق من [ فى ](٣) قلبه ريب إلى مثل هذا .
وأبو نُجَيد - المذكور هنا - هى كنية عمران بن الحصين بضم النون وفتح الجيم [مصغرا](٤)
وآخره دال مهملة .
ومعنى تعارضه : أى يأتى بمقال يضاهيه ، ويعترض عليه بما يخالفه .
(١) فى الأصل : العدد المحصور .
(٢) مالك في الموطأ، ك حسن الخلق، ب ما جاء فى الحياء ٩٠٥/٢ . قال ابن عبد البر : رواه جمهور الرواة
عن مالك مرسلاً .
(٣، ٤) سقطتا من الأصل .

كتاب الإيمان / باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها ... إلخ
٢٧٤
ابْنُ كَعْب، فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ يَوْمَئِذْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَهُ: ((الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ)) . قَالَ: أَوْ
قَالَ: ((الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ))، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْب: إِنَّا لَنَجِدُ فِى بَعْضِ الْكُتُبِ أَو الْحِكْمَةَ أَنَّ
مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقَاراً لله، وَمَنْهُ ضَعْفٌ. قَالَ: فَغَضْبَ عِمْرَانُ حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ، وَقَالَ : أَلا
أَرَنِي أَحَدِثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ عَّةٍ وَتُعَارِضُ فيه؟ قَالَ : فَأَعَادَ عمْرَانُ الْحَدِيثَ. قَالَ: فَأَعَادَ
بُشَيْرٌ، فَغَضِبَ عِمْرَانُ. قَالَ: فَمَا زِلِنَا نَقُولُ فِهِ: إِنَّهُ مِنَّايَا أَبَا نَّجَيّدٍ، إِنَّهُ لَا بَأس بِهِ.
حدّثْنا إسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّصْرُ، حَدَّثَنَا أَبُو نَعَامَةَ الْعَدَوِىُّ، قَالَ: سَمِعْتُ
حُجَيْرَ بْنَ الرَّبِيعِ الْعَدَوِيَّ يَقُولُ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنِ النَِّىَّ ◌َّهُ نَحْوَ حَدِيثِ
حَمَّادِ بْنِ زیّدٍ .
وقوله: (( يعظ أخاه فى الحياء)): أى يؤنبه ويُقَبح له كثرته، وأنه من العجز وينهاه عنه،
ولذلك قال: ((دعه، فإن الحياء من الإيمان))، ولم يقل مسلم: ((دعه))، وقاله البخارى(١)،
أى إنما فعله خيرٌ كله ، كما قال فى الحديث الآخر ، فلم يأت ما يُزُجَر عليه ويلام فيه .
-------- -
(١) فى الصحيح، ك الأدب، ب الحياء ٣٥/٨ .

٢٧٥
كتاب الإيمان / باب جامع أوصاف الإسلام
(١٣) باب جامع أوصاف الإسلام
٦٢ - (٣٨) حدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْب، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَّيْرٍ. ح
وَحَدَّثَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْحِقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ جَرِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب،
حَدََّنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ النَّقَفِىِّ؛ قَالَ:
قُلْتُ: يَارَسُولَ الله، قُلْ لِى فِى الإِسْلاَمِ قَولا، لاَأَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدَا بَعْدَكَ - وَفِى حَدِيثِ أَبِى
أُسَامَةَ: غَيْرَكَ - قَالَ: ((قُلْ آمَنْتُ باللهِ، فَاسْتَقِمْ)).
وقوله - عليه السلام - للذى سأله: ((قل آمنتُ بالله ثم استقم)) (١): هذا من جوامع
كلمه - عليه السلام - وهو مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾(٢) أى:
وحدوا الله وآمنوا به ، ثم استقاموا فلم يحيدوا عن توحيدهم ولا أشركوا به غيره والتزموا
طاعته إلى أن توفوا على ذلك . وعلى ماقلناه أكثر المفسرين من الصحابة فمن بعدهم وهو
معنى الحديث ، إن شاء الله تعالى .
قال عمر بن الخطاب: استقاموا والله على طاعة الله، ولم يروغوا روغان الثعالب(٣).
(١) هذه رواية أحمد ٣٨٤/٤ .
(٢) الأحقاف : ١٣ .
(٣) أخرجه الطبرى فى تفسيره من حديث الزهرى بلفظ: ((استقاموا والله لله بطاعة)) ٢٤ / ٧٣، وانظر:
تفسير القرآن العظيم ٧ / ١٦٥ .

٢٧٦
كتاب الإيمان / باب بيان تفاضل الإسلام ، وأى أموره أفضل
(١٤) باب بيان تفاضل الإسلام ، وأى أموره أفضل
٦٣ - (٣٩) حدّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ
الْمُهَاجِرِ ، أَخْبَرَنَا الليْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ أَبِى الْخَيْرِ ، عَنْ عَبْد الله بْنِ عَمْرو ؛
أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِعَّهُ: أَىُّالإِسْلامِ خَيْرًّ؟ قَالَ: ((تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَّى
مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)) .
٦٤ _ (٤٠) وحدّثَنا أَبُو الطَّاهرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو بْنِ سَرْحِ
الْمِصْرِىُّ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب ، عَنْ عَمْرو بْنِ الْحارِثِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِی حَبيب ، عَنْ أَبِی
الْخَيْرِ ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنِّ عَمْرِو بْنِ الْعَاصَِ يَقُولُ: إِنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ الله عَّهُ: أَىُّ
الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟ قَالَ: ((مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدَه)).
٦٥ _ (٤١) حدّثنا حَسَنٌ الْحُلْوَانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد، جَمِيعاً عَنْ أَبِى عَاصِم ، قَالَ
عَبْدٌ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَاصِم ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الزُّبَيْرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابراً يَقُولُ:
سَمِعْتُ النَّبِىَّ ◌َّهُ يَقُولُ: ((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدَه)).ُ
وقوله عَّه للسائل: أىُّ الإسلام خير؟ قال: (( تُطعم الطعام ، وتقرأ السلام على
من عرفت ومن لم تعرف)): معناه: أى خصال الإسلام خير، وهذا حضٌّ منه عَّ على
تأليف قلوب المؤمنين ، وأن أفضل خلقهم الإسلامية ألفة بعضهم بعضاً ، وتحببُهم
وتوادّهم، واستجلاب ما يؤكد ذلك بينهم بالقول والفعل ، وقد حضَّ عَّه على التحابب
والتودد وعلى أسبابهما من التهادى ، وإطعام الطعام ، وإفشاء السلام ، ونهى عن أضدادها
من التقاطع ، والتدابر ، والتجسس ، والتحسس ، والنميمة ، وذى الوجهين .
والألفة أحد فرائض الدين وأركان الشريعة ونظام شمل الإسلام . وفى بذل السلام لمن
عرفت ولمن لم تعرف إخلاص العمل فيه لله تعالى لا مصانعة ولا مَلقاً ، لمن تعرف دون
من لا تعرف ، وجاء فى الحديث : ((إن السلام آخر الزمان يكون معرفة)). وفيه مع ذلك
استعمال خلق التواضع وإفشاء شعار هذه الأمة ، من لفظ السلام ومن قوله : (( أفشوا السلام
بينكم)). وقوله: ((تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)): أى تُسلم . قال
أبو حاتم : تقول : اقرأ عليه السلام وأقرئه الكتاب ولا تقول : أقرأه السلام إلا فى لغة
سوء، إلا أن يكون مكتوباً فتقول : أقرأه السلام ، أى جعله يقرأه .
وقوله: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)): أى الكامل الإسلام والجامع
------
-- .

٢٧٧
كتاب الإيمان / باب بيان تفاضل الإسلام ، وأى أموره أفضل
٦٦ - (٤٢) وحدّثَنِى سَعِيدُ بْنُ يَحْبَى بْنِ سَعِيد الأمَوِىُّ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا
أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ أَبِى بُرْدَةَ بْنِ أَبِى مُوسى، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِى مُوسى، قَالَ :
قُلْتُ: يَارَسُولَ اللهِ، أَىُّ الإِسلامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدَه)) .
٠٠
وَحَدَّثَنِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدِ الْجَوْهَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنِى بُرَيِّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ
بِهذَا الإِسْنَادِ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ عَهُ: أَىُّ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ؟ فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
لخصاله من لم يؤذ مسلماً بقولٍ ولافعلٍ . إذ أكثر الأفعالِ بالأيدى، فأضيفت عامتها إليها .
وهذا من جامع كلامه ، وفصيحه ، ومحاسنه ، ولا يفهم من هذا أن من ليس بهذه
الصفة ليس بمسلم . وهو كما يقالُ : المالُ الإبل ، والناسُ العرب ، على التفضيل لاعلى
الحصر ، وجوابه بعد هذا بأن هذا أفضل الإسلام ، وقد تقدم فى الحديث الآخر جواب آخر
دلَّ أنه عَّ أجاب كل واحد من السائلين بمارآه أنفع له ، وأخص به ، وقد يكون ظهر من
أحدهما كبر وإمساك وانقباض عن الناس ، فأجابه بما فى الحديث الأول من إطعام الطعام
وإفشاء السلام ، وظهر من الآخر قلة مراعاة ليده ولسانه فأجابه بالجواب الآخر ، أو يكون
عَِّ تخوف عليهما ذلك، أو كانت الحاجةُ فى وقت سؤال كل واحد منهما للعامة أمس بما
جاوب به .

٢٧٨
كتاب الإيمان / باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان
(١٥) باب بيان خصال من اتصف بهنّ وجد حلاوة الإيمان
٦٧ - (٤٣) حدّثنا إسْحقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْتَى بْنِ أَبِى عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
بَشَارِ، جَمِيعاً عَنِ الثَّقَفِىِّ. قَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى
قلابَةً، عَنْ أَنَس، عَنِ النَّبِىِّ ◌َهَ قَالَ: ((ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ ؛ مَنْ
كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ ممَّ سوَاهُمَا، وَأَنْ يُحبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلَّله، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ
يَعُودَ فِى الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُمِنَّهُ ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِى النَّارِ)).
٦٨ - ( .. ) حدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّار؛ قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةٍ قَال: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَس، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِعَّهُ: ((ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيه
وَجَدَطَعْمَ الإِيمَانَ، مَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لاَيُحِبُّهُ إلا للهِ، ومَن كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَ إِلَيْهِ ممَّا
سِوَهُمَا، وَمَنْ كَانَ أَنْ يُقَى فِى النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ فِى الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْه)) .
وقوله: (( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان )) الحديث ، هو بمعنى الحديث المتقدم :
((ذاق طعم الإيمان))، وذلك أنه لاتتضح محبة الله ورسوله حقيقة، والحبُ للغير فى الله
وكراهة الرجوع إلى الكفر، إلا لمن قوى [بالإيمان يقينه] (١)، واطمأنت به نفسه ، وانشرح
له صدره ، وخالط دمه ولحمه ، وهذا هو الذى وجد حلاوته .
والحب فى الله من ثمرات الحب لله .
ومعنى حب العبد لله: استقامته فى طاعته، والتزامه أوامره ونواهيه فى كل شىء ولهذا
قال بعضهم: المحبةُ مواطأة القلب على مايُرضى الرب، فيحبُ ما أحب ويكره ما كره .
واختلفت عبارات المتكلمين فى هذا الباب بما لا يؤول إلى اختلاف إلا من حيث اللفظ
والالتفات إلى أسباب المحبة أو إلى ثمراتها، وبالجملة [ فأصل](٢) المحبة الميلُ لما يوافق
المحبَّ والله - جل اسمه - منزَّ عن أن يميل أو يمال إليه (٣)، وأما المحبةُ للرسول فيصح
منه الميل ؛ إذ ميل الإنسان لما يوافقه إما لأنه يستلذه ويستحسنه كميله للصورة الجميلة
(٢) من ق .
(١) فى الأصل : الإيمان فى يقينه ، والمثبت من ت .
(٣) قال الأبى: والذى يتنزه الله - سبحانه - عنه إنما هو الميل إليه فى الحس لإشعاره بالجهة والمكان ، وليست
المحبة فى الحس ، وإنما هى ميل القلب ، وميل القلب إلى الشىء إيثاره له ، ولا يمتنع أن يتعلق ذلك به
تعالى كما يتعلق به العلمُ الآن والرؤية فى الآخرة . ١٤٣/١.
ثم إن الطاعة ثمرة المحبة ، ولا يفسر الشىء بثمرته ، قال السنوسى : وما سلكه القاضى هو مذهب إمام
الحرمين ، وماسلكه الأبى هو مختار المقترح . السابق ومكمل الإكمال ١٤٣/١ .

٢٧٩
كتاب الإيمان / باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان .
( ... ) حدّثنا إسْحِقُ بْنُ مَنّصُور، أَنْبَأَنَا النَّصْرُ بْنُ شُمَيّل، أَنْبَأَنَا حَمَّدٌ، عَن ثَابِت، عَنْ أَنَسِ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : ((مِنْ أَنْ يَرْجِعَ يَهُودِيا أَوْ نَصْرَانِيا)) .
والأصوات الحسان والمطاعم الشهية وأشباهها من المستلذات بالحواس الظاهرة أو يستلذه
بحاسة عقله من المعانى الباطنة الجميلة والأخلاق الرفيعة ، كمحبة الصالحين والعلماء وأهل
الفضائل ، والخصال العليَّة، وإن لم يَرَهم ولا قارب زمانهم ، أو ميله لمن يحسن إليه
وينعم عليه ، ويدفع المضار والمكاره عنه، فقد جبلت النفوس(١) على حب من أحسن إليها .
وهذه المعانى كلها موجودة فى حق النبى معَّهِ، مُسَبِّبة حبه لما خُلق عليه من كمال
صورة [ الباطن والظاهر] (٢) وكمال خلال الجلال ، وجماع(٣) الفضائل، وإحسانه إلى
المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم، ودوام النعيم والإبعاد من الجحيم ، وقد أشار
بعضهم إلى أن هذا متصَوَّرٌ فى حق الله تعالى ، وحب العبد له على قدر معرفته لجلاله
وكمال صفاته وتقدسه عن النقائص ، وفيض إحسانه وأن الكل منه ، وكل جمال وجلال
فمضاف إليه ، وكل فضل وإجمال فمن بسط يديه لا إله غيره .
ومن محبته ومحبة رسوله التزام شريعته ، ووقوفه عند حدوده ومحبة أهل ملته ، وهو
تمام محبته ، فيُحب العبد لا يحبه إلا لله ؛ لأن من أحبَّ شيئاً أحبَّ مايُحبهُ ، ومن يحبه ،
ومن هو من سببه، قال النبى عَّهُ: ((من أحبَّ العربَ فَبِحُبِّى أحبَّهم))(٤)، وإذا حصل
هذا بين المؤمنين حصلت منه الألفةُ الموجبة للتعاون على البر والتقوى ، والمزيدة(٥) لأمر
الدين والدنيا والمحبة لله والبغض فيه من واجبات الإسلام ، وهو قول مالك وغيره من
[العلماء] (٦).
(١) فى ق : القلوب .
(٢) فى ق : الظاهر والباطن .
(٣) فى ق : وجميع .
(٤) الطبرانى فى الكبير ١٢/ ٤٥٥، وابن عدى فى الكامل ٨٠٣/٢ عن عثمان بن عفان ، والحديث واه بمرة ،
آفته من حصن بن عمر الأحمسى ، قال فيه البخارى : منكر الحديث ، ضعفه أحمد ، قدم من الكوفة إلى
بغداد سائلا يسأل ، وقال فيه يحيى بن معين : ليس بشىء ، وقال ابن المدينى : ليس بالقوى ، وقال يعقوب
ابن سفيان : ضعيف جدا، ومنهم من تجاوز به الضعف إلى الكذب ، وقال الساجى وأبو زرعة : منكر
الحديث ، وقال أبو حاتم : واهى الحديث جدا، لا أعلم يروى حديث يتابع عليه وهو متروك الحديث ،
وقال الترمذى : ليس عند أهل الحديث بذاك القوى ، وقال النسائى : ضعيف ، وقال أبو أحمد الحاكم :
ليس بالقوى عندهم . تهذيب التهذيب ٢٨٥/٢ .
(٥) فى ت : والمودة .
(٦) من ق ، وفى بقية النسخ : العلم.

٢٨٠
-
كتاب الإيمان / باب وجوب محبة رسول الله عَة ... إلخ
(١٦) باب وجوب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم
أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين ،
وإطلاق عدم الإيمان على من لم يحبه هذه المحبة
٦٩ - (٤٤) وحدثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ. ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ
ابْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدََّنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، كَلاهُمَا عَنْ عَبْد الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَس ؛ قالَ : قَالَ رَسُولُ
اللّهِ عَهُ: ((لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ - وَفَىِ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ: الَرَّجُلُ - حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهـ
مِنْ أَهْلِه وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )) .
٧٠ - ( .. ) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارِ، قَالا: حَدَّثَنَاَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قالَ : سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحدِّثُ عَنْ أَنَسَ بْنُّ مَالك؛ قالَ: قَلَ رَسُولُ اللّهِلَّه:
(( لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَاَلَّنَّاسِ أَجْمَعِينَ)) .
وقوله [ عليه السلام] (١): ((لا يؤمنُ أحدُكُم (٢) حتى أكون أحبَّ إليه من ولده
٢٠ / ب ووالده / والناس أجمعين)) [الحديث] (٣)، قال الإمام : أخرج مسلم هذا الحديث عن
محمد بن المثنى قال : ثنا رجلٌ - أراه غُندراً - أنا شعبة عن قتادة عن أنس.
هكذا (٤) عند ابن ماهان ، ورواه أبو أحمد الجلودى : ثنا ابن مثنى وابن بشار
[قالا](٥) : ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة . مجوَّد الإسناد.
قال القاضى : قال بعض المتكلمين على الحديث: جمع ◌ّ تحت لفظه هذا القليل
معانى كثيرة ؛ إذ أقسام المحبة ثلاثة ، محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد ؛ ومحبة رحمة
وإشفاق كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة الناس بعضهم بعضا، فجمع عَّ
ذلك كله فى محبته .
وهو من نحو ما أشرنا إليه فى أسباب محبته ، ومن الإشفاق فى محبته نصرة سنته ،
(١) من ق .
(٢) زيد بعدها فى ق : بالله حتى، ولم يرد فى طريق من طرق مسلم .
(٣) من ق.
(٥) من المعلم .
(٤) فى ت : كذا .
1