النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كتاب الإيمان / باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام
وقوله: (( واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) : أى أنها مسموعة
مستجابة لا تُردُ ، وقد ورد مفسَّراً من قول عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - فى
الموطأ(١)، وروى أيضاً فى حديث رفعه أبو هريرة(٢).
(١) مالك فى الموطأ، ك دعوة المظوم، ب ما يتقى من دعوة المظلوم ٢/ ١٠٠٣، البخارى، ك الجهاد والسير،
ب إذا أسلم قوم فى دار الحرب ولهم مال وأرضون فهى لهم ٦ / ٢٠٣ والحمى هنا كان بالربذة - كما ذكر
ابن سعد .
(٢) لعله يقصد ما أخرجه مسلم عنه أن رسول الله وَ لَه قال: « لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد
للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)»، وانظر: البيهقى فى السنن الكبرى ٦ / ٠٩٣
وقد دل الحديث على جواز الدعاء على الظالم؛ لأن التحذير من قبوله - كما ذكر الأبى - إقرار له،
قال : وقد أجازه مالك حتى فى الصلاة ، وإنما النظر أيهما أرجح : الدعاء ، أم الترك ؟ قال : والصواب
الفرق ، فيترجح الدعاء على من عمَّ ظلمهُ؛ لأنه من الفساد فى الأرض ، ويترجح التركُ فيمن ظلمك ،
لأنه أوفر للأجر . إكمال الإكمال ١ / ٠١٠٠

٢٤٢
كتاب الإيمان / باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ... إلخ
(٨) باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله
ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، ويؤمنوا بجميع ماجاء به النبيّ عليّ
وأن من فعل ذلك عصم نفسه وماله إلا بحقها ، ووكلت سريرته
إلى الله تعالى ، وقتال من منع الزكاة أو غيرها من حقوق
الإسلام، واهتمام الإمام بشعائر الإسلام
٣٢- (٢٠) حدثنا قتَيَّةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثْنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ،
قَالَ: أَخْبَرَنَى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبَدِ اللهِ بْنِ عُتَبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّىَ رَسُولُ
الله عَّةٍ وَاَسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْر بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لأَبِى
بَكْر: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ عَةٍ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا :
لاَإلهَ إلاَّ اللهِ، فَمَنْ قَالَ: لاَإله إلاَّ الله فَقَدْ عَصَمَ مِنِّى مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى
الله))؟ !. فَقَالَ أَبُوُ بَكْر: وَالله، لأُقَاتَلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةَ وَالزَّكَاةِ . فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ
الْمالِ. وَللهِ، لَوْ مَنَعُونِى عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُُّ إِلىَ رَسُولِ اللهِعَّه لَقَاتَلُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ .
فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَأَبِ: فَوَالله، مَا هُوَ إلاَّ أَنْ رَأَيْتُ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِى بَكْرِ
لِلْقَال . فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ.
وقوله : فى حديث أبى بكر مع عمر - رضى الله عنهما - فى الردَّةَ: ((والله لأقاتلنَّ
من فرَّق بين الصلاة والزكاة))، قال الإمام: فيه دليل على القول بالقياس ، وكذلك فى
قوله: ((أرأيت لو لم يُصلوا)) فكأنه إذا سلَّم له القتال على الصلاة قاسَ الزكاة عليها لما
وردا فى القرآن مورداً واحداً .
قال القاضى [ رضى الله عنه ] (١): قد ورد فى الحديث نفسه وخرَّجه فى الكتاب من
رواية عبد الله بن عُمَرَ: ((أُمرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً
رسول الله ، ويُقيموا الصلاة ، ويُؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم
(١) سقط من ق .

- ٢٤٣
كتاب الإيمان / باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ... إلخ
وأموالهم ... )) الحديث ، فعلى هذا هو نص فى قتال من لم يصَلّ ولم يؤت الزكاة ، وإن
لم يفعل ذلك لم يَعْصم دمه وماله ، كمن لم يشهد بالشهادتين ، لكن يَدُلَّ من احتجاج
عمر على أبى بكر بالحديث - وليس فيه غير ذكر الشهادتين دون غيرهما ، أنهما لم
يسمعاهُ وأن ابن عُمَرَ سَمعَ ذلك من موطنٍ آخر، والله أعلم، ولو سمع ذلك عُمر لما احتج
بالحديث دونها ؛ إذ تلك الزيادة عليه حجةٌ ، ولو سَمِعها أبو بكر لاحتجَّ بها على عُمَرَ ولم
يُحوج إلى الحجة [بالقياس ولا] (١) بعموم قوله: ((إلا بحقها)).
وفيه الحجةُ للقول بالعموم لاحتجاج أبى بكر بقوله: ((إلا بحقها)).
وقوله لعُمَر: ((فإن الزكاة حقُّ المال )) ، وقد أجمع المسلمون على قتل الممتنع عن أداء
الصلاة والزكاة مكذباً بهما ، وجمهورهم على قتل الممتنع من الصلاة أو المتهاون بها مع
اعترافه بوجوبها ، وأجمعوا على قتال الممتنع عن أداء الزكاة [قال عليه الصلاة والسلام]: (٢)
(بنى الإسلام على خمس))، فهى دعائم الإسلام، فمن جحد واحدة منها كفّر ، ومن ترك
واحدة منها لغير عذر وامتنع من فعلها مع إقراره بوجوبها قُتل عندنا وعند الكافة، وأخذت
الزكاة من الممتنع كرهاً وقوتل إن امتنع ، إلا الحج لكونه على التراخى .
واختلف العلماء فى قتل تارك (٣) غير الشهادتين ، فأكثرهم على أن ذلك حدٌ لا كفرٌ،
[وهو الصحيح، وقيل: / كفر ](٤) والقول بهذا فى تارك الصلاة أكثر، وعليه تأولوا ١٥/ ب
سبي أبى بكر لنساء مانعى الزكاة وأموالهم لاعتقاده كفرهم ، ولقوله: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا
الصَّلاةَ﴾ الآية (٥) ، وللحديث المتقدم، وحَكَم فيهم حكم الناقض للعهد ، فلما توفى
ووَلَى عمر ردَّ عليهم ذريَّتِهم وحكم فيهم حكم المرتدين .
وكان أهل الردة ثلاثة أصناف : صنف كفر بعد إسلامه ولم يلتزم شيئاً وعاد لجاهليته
أو (٦) اتبع مسيلمة أو العنسىَّ وصدَّق بهما ، وصنف أقرَّ بالإسلام إلا الزكاة فجحدها وأقر
بالإيمان والصلاة، وتأول بعضهم أن ذلك كان خاصاً للنبى معَّ لقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ
صَدَقَّة ... ) الآية (٧)، وصنف اعترف بوجوبها ولكن امتنع من دفعها إلى أبى بكر وقال :
إنما كان قبضُها للنبى معَّهِ خاصةً لا لغيره ممن يقوم مقامه بعده ، وفرقوا صدقاتهم بأيديهم ،
(١) من ق. والقياس فى اللغة: التقدير والمساواة، وفى الاصطلاح : مساواة فرع الأصل فى علة حكمه.
والمراد بالفرع: صورة أريد إلحاقها بالأخرى فى الحكم لوجود العلة الموجبة للحكم فيها. وبالأصل : الصورة
الملحق بها .
(٢) من ق .
والفقهاء يسمون الأصل محل الوفاق ، والفرع محل الخلاف . شرح مختصر ابن الحاجب ١/ ٦٣ .
(٣) فى الأصل : تاركها ، والمثبت من ت ، وهو الأليق بالسياق.
(٤) سقط من ق ، وعلى أنه كفر فلا يصلى عليه ولا يدفن فى مقابر المسلمين .
(٥) التوبة : ٥.
(٦) فى ق : ومنهم .
(٧) التوبة : ١٠٣ .

كتاب الإيمان / باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ... إلخ
٢٤٤
فرأى أبو بكر والصحابة - رضى الله عنهم - قتال جميعهم ، الصنفان الأوَّلان لكفرهم
والثالث لامتناعه بزكاته ، شمل جميعهم اسم الردة ؛ إذ كانوا الأكثر ، حتى لم يكن صُلى
الله إلا فى المدينة ومكة وجُوَاثا (١).
وفيمن كفر منهم اختلف فى سبى ذراريه لا فى مانعى الزكاة ، قاله الخطابى . ثم لم
ينقرض العصرُ حتى أجمعوا على أنه لا يسبى المرتد ، وإنما اختلف العلماء فى سبى أولاد
المرتدين . وإلى مذهب أبى بكر فيهم وتأويله ذهب أصبغ بنُ الفرج من أصحابنا(٢)،
وبرأى عمر قال جمهور العلماء ، ولا يصح أن يكون خلافاً بين الصحابة فى قتال الصنف
الأول إذ هم كفار بغير خلاف، وإنما وقع النزاع أولاً فى هذين الصنفين الآخرين إذ هم
[متأولون] (٣)، ولعذرهم بجهلهم بحقيقة أركان الشريعة لقرب عهد كثير منهم بالإسلام،
وقِصَر مُدتهم فيه ، وأما الآن فقد وقع الإجماع أنه من جحد فريضةً من الفرائض فهو
كافر (٤) .
وقول عمر: ((فوالله ما هو إلا أن رأيتُ الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال فعلمت أنه
الحق )) يعنى بما ظهر له من حجته عليه وبينه له من ذلك، لا أنَّ عمر قَلَّده واعتقد عصمته
كما يذهب إليه الروافض من عصمة الإمام ويحتج بمثل هذا . وفيه حجة بإجماع الصحابة
على قتال أهل البغى (٥) والتأويل، وتميز قتالهم خاصة من زمان على - رضى الله عنه .
قال الإمام: [ قوله] (٦): ((لو منعونى عقالاً)): قيل: المراد به صدقةُ عام ، يقال:
أُخذ منه عقال هذا العام إذا أخذ صدقته . قال الكسائى : قال الشاعر :
(١) البداية والنهاية ٦ / ٣٢٧، الكامل ٢ / ٢٣١ .
(٢) هو أصبغ بن فارس الطائى ، أحد أكابر علماء قرطبة ، وزعمائها ومفتيها ، كان فقيها ، جليلاً فى الدولة
العامرية ، بصيراً برأى مالك وأصحابه ، توفى سنة ٣٩٩، أو أربعمائة. ترتيب المدارك ٧ / ١٥٩ .
(٣) فى ت : متأولين ، وهو خطأ.
وقد نقل الأصوليون الاتفاق على أن الصحابة إذا اختلفوا ثم أجمعوا على أحد القولين قبل أن يستقر
الخلاف كان ذلك إجماعاً. المجموع ٣٣٤/٥ .
(٤) وكذلك من اعتقد حِلَّ شىء أجمع على تحريمه ، وظهر حكمه بين المسلمين ، وزالت الشبهة فيه للنصوص
الواردة فيه ، كلحم الخنزير ، والزنا ، وأشباه هذا ، مما لا خلاف فيه ، وإن استحل قتل المعصومين ،
وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل ، فكذلك . المغنى ٢٧٦/١٢ .
(٥) البغى : هو الخروج على الإمام الحق بغير الحق ، والبغاة قسمان : أهل عناد ، وأهل تأويل . وسيرد إن
شاء الله مزيد تفصيل لأحكامهما فى بابه .
(٦) فى المعلم : وأما قوله .

٢٤٥
-
كتاب الإيمان / باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ... إلخ
سعى(١) عقالا فلم يترك لنا سبداً
فكيف لو قد سعى (٢) عمرو عقالين
قال أبو عُبيد : والعقال أيضاً اسم لما يُعقل به البعيرُ ، قال : وقد بَعثَ - عليه
السلام - محمد بن مسلمة(٣) على الصدقة فكان يأخذ مع كل فريضتين عقالهما وقِرانَهُما ،
وكان [أيضا] (٤) عمر [ رضى الله عنه] (٥) يأخذ مع كل فريضة عقالاً [ورواء](٦) ،
[فيحتمل أن يكون هذا هو المراد بالحديث، وقاله على جهة المبالغة فى التقليل ] (٧) .
قال القاضى: قال الواقدى عن مالك وابن أبى ذئب : العقالُ هنا عقال الناقة ، وروى
ابن وهب (٨) [قيل](٩): [ إنه الفريضة من الإبل، ونحوه عن النضر بن شميل] (١٠)،
وقال أبو سعيد الضرير (١١): العقال كل شىء يؤخذ للزكاة من أنعام وثمار لأنه عن
مالكه(١٢). وقال الُبَردُ: العِقَالُ ما أُخذ لُمصَدِق من الصدقةِ بعينها فإن أخذ عوضاً عنها
(١) فى نسخ الإكمال : سقى - بالقاف - والمثبت من المعلم.
(٢) فى نسخ الإكمال: سقى - بالقاف - والمثبت الصحيح من المعلم. واللسان ، وهو من شعر عمرو بن
العداء الكلبى لما اعتدى عمرو بن عتبة بن أبى سفيان - وهو ابن أخى معاوية ـــ على صدقات كلب .
قال ابن الأثير : نصب عقالاً على الظَّرْف، أراد مدة عقالين والسّبَدُ الوبَرُ ، قال الأصمعى : ماله
سَبَدُ ولا وَبَرُ ، أى ما له قليل ولا كثير . وقال غير الأصمعى : السبدُ من الشعرِ ، واللبدُ من الصوف .
(٣) هو محمد بن سلمة بن مسلمة الأنصارى الأوسى من نجباء الصحابة شهد بدراً والمشاهد ، كان - رضى
الله عنه - ممن اعتزل الفتنة، واتخذ سيفاً من خشب ، وتحول إلى الرَّبْذَة ، قام بها مديدة ، استعمله عمر
على زكاة جهينة ، وقد كان عمر إذا شكى إليه عامل نفدَ محمداً إليهم ليكشف أمره . شهد فتح مصر ،
وكان فيمن طلع الحصنَ مع الزبير . مات سنة ثلاث وأربعين. سير ٢/ ٣٦٩.
(٤، ٥) من المعلم
(٦) فى الإكمال رسمت هكذا : ورواهم . والرواء الحبل .
(٧) من المعلم ، ق .
(٨) هو العالم الحافظ ، البارع ، الرحال ، عبد الله بن محمد بن وهب الدينورى، سمع أبا عُمَيَر بن النَّحاس
الرملى ، ويعقوب بن إبراهيم الدورقى ، وأبا سعيد الأشج ، ويونس بن عبد الأعلى ، وطبقتهم بمصر
والشام ، والعراق ، والحجاز ، وصنف ، وخرّج . حدث عنه الفريابى وهو أكبر منه ، والحافظ أبو على
النيسابورى ، والقاضى يوسف الميانجبى، والقاضى أبو بكر الأبهرى. قال الحافظ أبو على : بلغنى أن أبا
زرعة الرازى كان يعجز عن مذاكرة ابن وهب الدينورى قال الذهبى بعد أن استعرض أقوال من قدح فيه
من العلماء : وما عرفت له متناً يتهم به فأذكره ، أما فى تركيب الإسناد فلعله . مات سنة ثمان وثلاثمائة .
سير ١٤ / ٤٠٠، ٤٠١ .
(٩) من ق .
(١٠) سقط من ق .
والنضر بن شُميل هو العلامة الحافظ، أبو الحسن المازنىُّ ، البصرى ، النَّحوى ، نزيل مروٍ وعالمها ولد
فى حدود سنة اثنين وعشرين ومائة . حدث عن هشام بن عروة ، وبهز بن حكيم ، وحميد الطويل ،
وكهمس ، وشعبة ، وحماد بن سلمة ، وخلق كثير . وعنه : يحيى بن معين ، وإسحق بن راهويه ،
وأحمد بن سعيد الدارمى وأمم سواهم . قال فيه أبو حاتم : ثقة صاحب سنة، وسئل عنه ابن المبارك
فقال: ذاك أحدُ الأحدين ، لم يكن أحد من أصحاب الخليل بن أحمد يدانيه، كان إماماً فى العربية
والحديث . مات أول سنة أربع ومائتين . الطبقات الكبرى٣٧٣/٧، الجرح والتعديل ٤٧٧/٨، سير ٠٣٢٨/٩
(١٢) ومعنى عقل عن مالكه: أى حبس . لسان العرب.
(١١) لم أقف عليه .

كتاب الإيمان / باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ... إلخ
٢٤٦ ___
٣٣ - (٢١) وحدّنا أَبُو الطَّاهر وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيِى وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، قَالَ : أَخْبَرَنِى يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ :
حَدَّثَتَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ قَالَ: (( أُمَرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ
النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إله إلاَّ الله، فَمَنْ قَالَ: لاَإلهَ إلاَّ الله عَصَمَ مِنِّى مَالَهُ وَنَفْسَهُ إَلاَّ بحَقّهِ،
وَحَسَابُهُ عَلَى الله)) .
قيل : أخذ نقداً .
ومنه قول الشاعر :
ولم يأخذ عقالاً ولا نقدا(١)
وقد روى فى هذا الحديث: ((لو منعونى عناقاً)) وروى: ((جَدْيًا)) وهو تفسير
عناق وقد احتج من يرى أخذ العناق فى الزكاة من الغنم إذا كانت سخالا(٢) كُلَّها بهذا وهو
[أحد الأقوال عندنا ولا حجة فيه ؛ لأنه إنما ورد على ضرب المثل للتقليل على الصحيح،
واحتج بعضهم فى الزكاة فى العروض إذا كانت للتجارة بقوله: ((لو منعونى عقالا))،
وفيه حجة ] (٣) [ أن الردة لا تسقط الزكاة عن مال المرتد] (٤) وفيه حجه على أن حول
الأولاد حول الأمهات إذ لم يأت للعناق حول .
ومعنى ((عصموا)): منعوا، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾(٥) و﴿لا عَاصِمَ
الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾(٦) [و ﴿يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾] (٧)، وقد فسَّرِه بعدُ فى الحديث الآخر بقوله :
(( حَرُم ماله ودمه))، واختصاصه ذلك بمن قال : لا إله إلا الله ، تعبير عن الإجابة إلى
الإيمان ، وأن المراد بهذا (٨) مشركو العرب ، وأهل الأوثان ، ومن لا يُقِرُّ بالصانع ولا
يُوحده، وهم كانوا أول من دُعى إلى الإسلام وقوتل عليه ، فأما غيره ممن يُقْر بالتوحيد
والصانع فلا يُكتَفى فى عصمة دَمِه بقوله ذلك ، إذ كان يقولها فى كفره، وهى من اعتقاده،
فلذلك جاء فى الحديث الآخر : ((وأنى رسول الله ، ويقيم الصلاة، ويؤتى الزكاة)).
--
وفيه من الفقة اجتهاد الأئمة فى النوازل ، وردها إلى الأصول والمناظرة فيها ، ورجوع
(١) جاء بعدها فى ق : وقيل : المراد ما نتج فى العقال إذا كان من عروض التجارة ، فبلغ مع غير ما فيه
الزكاة. ولا وجه له عندی .
(٢) السخلة : ولد الشاة من المعز والضأن ، ذكراً كان أو أنثى ، والجمع سخل وسخال وسخُلة ، وقيل : هو
(٣) سقط من ق .
ولد الغنم ساعة تضعُه أمه .
(٤) سقط من الأصل ، ق ، واستدرك بهامش الأصل وسقوط الزكاة عن مال المرتد هو قول أبى حنيفة
والثورى؛ لأن ردّته أحبطت عمله ، فأسقطت ما عليه من حقوق الله تعالى . وما ذكره القاضى هو مذهب
الشافعى وأحمد أيضاً ؛ لأنه حق عليه ، فلم يسقط بردته كحقوق الآدميين .
قلت : وهذا النزاع فى المرتد الذى لم يشهر سيفاً . راجع: المغنى ٢٩٧/١٢.
(٥) المائدة : ٦٧.
(٧) سقط من ق . وهى الآية ٤٣ من سورة هود.
(٦) هود : ٤٣.
(٨) فى ت : بها .

- ٢٤٧
. كتاب الإيمان / باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ... إلخ
٣٤ - ( ... ) حدّثْنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُالعَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ-
عَنِ الْعَلاَءِ. ح وَحَدَّثْنَا أُمَّةُ بْنُ بِسْطَامَ ، وَاللَّفْظُ لَهُ ، حَدَّثْنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثْنَا رَوْحٌ عَنِ
الْعِلاَءِ بْن عَبدالرَّحْمنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُول اللهِعَّيْ قَالَ:
(أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتَلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ، وَيُؤْمِنُوا بِى وَبَماَ جِئْتُ بِهِ ، فَإِذَا
فَعَلَّوَا ذِلِكَ عَصَّمُوا مِّى دِمَاءُهُمْ وَأَمْوَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ﴾.
٣٥ - ( ... ) وحدّثنا أُبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ ، عَنِ الأَعْمَشِ،
عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنُ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَّ رَسُولُ الهَ عَ :
(أُمَرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ) بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ . حِ وَحَدَّثَنِى أَبُو بَكْر
ابْنُ أَبِى شَيْبَةٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنِ الْمُثَنِى، حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّحْمن -يَعْنِى
ابْنَ مَهْدِىّ - قَالاَ جَمِيعاً: حَدَثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
من ظهر له الحق وتركه رأيه الأول ، كما فعل عُمَرُ وغيرهُ . وترك تخطئة المتناظرين
المجتهدين المختلفين فى الفروع بعضهم لبعضِ ، أو إنكار بعضهم لبعضٍ ذلك ، إذ كل
واحد منهم مجتهد ، فإن عمر لم يُخَطّئ أولاً أبا بكر ، وإنما احتج عليه، ثم إن أبا بكر
لم يُخَطّئ عمر ولا أنكر خلافه إذ خالفه ، لكنه احتج عليه حتى بان له الحق ورجع إلى
قوله .
وفيه الحجة لمن ذهب أن فعل الإمام إذا لم يُعرَف له مخالف إجماع(١)، لشهرة فعْلُه،
وأنهم كانوا ممن لا يُقرون على باطل، ويقومون بما عندهم من حق، ولا يكتمون ما عندهم
من علم، ولا يداهنون فى دين الله، فإذا ظهر فعل إمام بحضرتهم، ولم يُسمع من أحد منهم له
نكير، دلّ على موافقتهم له، وإجماعهم على صواب فعله. وأكثر الأصوليين لا يرون هذا
إجماعا (٢) .
(١) الإجماع هو: اتفاق مجتهدى الأمة بعد وفاة محمد على فى عصر على أى أمر كان الغيث الهامع: باب
الإجماع والقياس: ٣، وعنى بقوله: ((على أى أمر كان)) ما يعم الإثبات، والنفى، والأحكام الشرعية،
واللغوية، والعقلية ، والدنيوية .
وقد جزم الأصوليون بحجية الإجماع فى الشرعيات واللغويات ، ورجحوا حجيته فى العقليات
والدنيويات لقبولهما احتمال تجدد النظر فى قضاياهما .
(٢) وهو ما يطلق عليه الأصوليون الإجماع السكوتى ، وفيه مذاهب :
الأول : أنه ليس بإجماع ولا حجة ، لاحتمال توقف الساكت فى ذلك أو ذهابه إلى تصويب كل
مجتهد وهذا اختيار القاضى أبى بكر ، ونقله عن الشافعى ، وقال : إنه آخر أقواله ، وإمام الحرمين ،
وقال: إنه ظاهر مذهبه ، ولهذا قال : لا ينسب إلى ساكت قول، وقال الغزالى فى المنخول : نص عليه فى
الجديد ، واختاره الإمام فخر الدين وأتباعه .
الثانى : أنه إجماع وحجة ، ويوافقة استدلال الشافعى بالإجماع السكوتى فى مواضع .
راجع: الإجماع والقياس تحقيق وتعليق الدكتور محمود فرج : ٢٨ .

-
كتاب الإيمان / باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ... إلخ
٢٤٨ __
عَّهُ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ، فإذَا قَالُوا: لاَإلهَ إلاَّ اللهُ، عَصَمُوا
مِنِّ دِمَاءهُمْ وأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّها. وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله)) ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٍ. لَسْتَ
عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ﴾ (١) .
٣٦ - (٢٢) حدّثَنَا أَبُو غَسَّانَ المسْمَعِىُّ، مَالكُ بْنُ عَبْد الْوَاحد، حَدَّثْنَا عَبْدُ الْملك
ابْنُ الصَّاحِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ وَاقِدٍ مُحَّمَّدِ بَنِ زَيَدٍ بَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَّرَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَن عَبّد
الله بْن عُمَرَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَإِلهَّ
إِلَّ اللهَ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْنُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُواَ عَصَمُوا مِنِّى
دِمَاءَ هُمْ وَأَمْوَلَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّها ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» .
٣٧ _ (٢٣) وحدّثنا سُوَيْدُ بْنُ سَعيد وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالاَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ - يَعْنَان
الْفَزَارِىَّ - عَنْ أَبِى مَالِكِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِعَِّ يَقُولُ: (( مَنْ قَالَ: لاَ
إلهَ إلَّ الله، وَكَفَرَ بِمَا يُعَبِّدٌّ مِنْ دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَلُّهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى الله» .
٣٨ _ ( ... ) وحدّثنا أُبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثَنَا أَبُو خَالد الأحْمَرُ. ح وَحَدَّثَنِيه
زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هُرُونَ ، كَلاَهُمَا عَنْ أَبِى مَالِكِ عَنْ أَبِيهِ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النّبِىّ
وَ يَقُولُ: ((مَنْ وَحَّدَ اللهَ )) ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ .
١٦/أ
وفيه أن الواحد إذا خالف / الجماعة فخلافه معتبر ، ولا ينعقد به إجماع ، خلافاً لمن
رأى غير ذلك من الأصوليين(٢).
وفيه أن الخلاف إذا وقع ثم انعقد الإجماع قبل انقراض العصر أن الخلاف غير معتبر (٣).
وقوله : (( وحسابهم على الله)) : أى حساب سرائرهم إن أظهروا ما يحقن دماءهم
ويعصمهم وأبطنوا خلافه كما فعله المنافقون ، فذلك إلى المطلع على السرائر ، وأن حكم
النبى - عليه السلام - والأئمة بعده إنما كان على الظاهر .
(١) الغاشية: ٢١، ٢٢ .
(٢) لأنه لابد فيه من الكل - كما ذكر ابن الحاجب - وقال : وعليه الجمهور.
وفى المسألة قول : إن كان المخالف اثنين قدح فى الإجماع ، السابق .
والأصوليون المعنيون هنا هم أبو بكر الرازى ، ومحمد بن جرير الطبرى ، وأبو الحسين الخياط من
المعتزلة . السابق : ٩ .
(٣) ومثلوا له برجوع ابن عباس عن قوله بعدم تحريم ربا الفضل ، وعدم نسخ نكاح المتعة واتفاقه مع الجمهور
على تحريمهما ، وكذا بحديث الباب حيث رجع الصحابة عن امتناع قتال مانعى الزكاة إلى قول الصديق
بوجوب قتالهم . السابق : ٢١ .

٢٤٩
كتاب الإيمان / باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ... إلخ
(٩) باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، مالم يشرع فى
النزع، وهو الغرغرة ونسخ جواز الاستغفار للمشركين
والدليل على أن من مات على الشرك فهو فى أصحاب
الجحيم ، ولا ينقذه من ذلك شىء من الوسائل
٣٩ - (٢٤) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى التُّجيبِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْب، قَالَ:
أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ: أَخْبَرَنِى سَعِيَدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِهِ ، قَالَ: لَمَّا
حَضَرَتْ أَبَا طَالبِ الْوَفَاةُ ، جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ يَّةُ ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْل، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِى
أُمَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ : ((يَاعَمِّ، قُلْ لاَ إلهَ إلَّ اللهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ
وقوله(١) فى حديث أبى طالب: (( كلمةً أشهد لك بها عند الله)) ؛ لقول الله تعالى:
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا﴾(٢) .
وشهادة النبى عَّه له بذلك لو كان لطيب قلب النبى معَّه بعلمه بموته على الإسلام، لقوله
فى شهداء أُحُد: ((أمَّا أنا فشهيد على هؤلاء))(٣)، وقال فى الآخَرِ: ((لا أدرى ما يُحدثُون بعدى))(٤)،
(١) لم يرد للإمام فى المعلم كلام فى هذا الحديث.
(٢) الأحزاب : ٤٥، ومعنى الآية كما ذكر الإمام ابن كثير: أى شاهدًا على الناس بأعمالهم ، أو شاهداً لله
بالوحدانية . تفسير القرآن العظيم ٦/ ٤٣١ .
(٣) جزء حديث على غير لفظه أخرجه البخارى ، وأبو داود والترمذى والنسائى وأحمد والبيهقى فى السنن
الكبرى عن جابر بن عبد الله .
ولفظه عند البخارى قال: كان النبى معَّهُ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد فى ثوب واحدٍ ثم يقولُ :
((أَيُّهُم أكثر أخذاً للقرآن؟)) فإذا أشير له إلى أحدهما قدَّمه فى اللحدِ، وقال: «أنا شهيدٌ على هؤلاء يوم
القيامة)) وأمر بدفنهم فى دمائهم ولَمْ يُغَسَّلُوا ولم يُصلَّ عليهم. ك الجنائز، ب الصلاة على الشهيد
١١٤/٢، ب اللحد والشق فى القبر ١١٧/١٢، أبو داود فى الجنائز، ب فى الشهيد يغسل ٢/ ١٧٤،
وزاد فيقدمه إلى القبلة ، النسائى فى الجنائز ، ب ترك الصلاة على الشهداء ٤/ ٦٢، البيهقى ٤ / ١٠،
٠٣٦٥/٥
(٤) هو كسابقه جزء حديث للشيخين وغيرهما، وهو على غير هذا اللفظ، وإنما هو ((فيقال: لا تدرى ما
أحدثوا بعدك)). البخارى ، ك التفسير، ب سورة الأنبياء ٦/ ١٢٢، ك الرقاق، ب كيف الحشر ، عن
ابن عباس ، وكذا الترمذى فى أبواب القيامة ، ب ما جاء فى شأن الحساب والقصاص ٦١٣/٤ ، البخارى
فى الرقاق ب فى الحوض ١٤٨/٨، الفتن ٥٨/٧ عن عبد الله، وهو لمسلم ، عن أبى هريرة فى ك الطهارة،
ب استحباب إطالة الغرة ١/ ٢١٧ بلفظ: ((وهل تدري ما أحدثوا بعدك))، وهو له فى الفضائل، ب إثبات
حوض نبينا معَّه وصفاته، عن أم سلمة زوج النبى معَّه ١٧٩٥/٤ وعن عبد الله ١٧٩٦/٤، وعن أنس =

٢٥٠
كتاب الإيمان / باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ... إلخ
الله )) . فَقَالَ أَبُو جَهْل وَعَبْدُ الله بْن أَبِى أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالب، أَتَرْغَبُ عَنْ مَلَّةَ عَبْد الْمُطَّلب ؟
فَلَّمْ يَزَلْ رَسُولُ الله ◌َ يَعْرِضُّهَاَ عَلَيْهِ، وَيُعيدُ لَهُ تَلَكَ الْمَقَالَةَ، حَتَّى قَالَ أَبُوَ طَالِبَ آخِرَ
مَكَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مَّةٌ عَبْد الْمُطَّلب. وَأَبِى أَنْ يَقُولَ: لاَ إلهَ إلَّ اللهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَهُ:
(أَمَا وَالله، لأَسْتَغْفِرِنَّ لَكَ مَا لَمْ أَنْهَ عَنْك))، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَل: ﴿مَا كَانَ لِلنِّيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن
يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾(١).
وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِى أَبِى طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ عَّهِ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَيْتَ وَلَكِنَّ
اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٢) .
٤٠ - ( .. ) وحدّثنا إسْحقُ بْنُ إِبْرَهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالاَ: أخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق،
أَخْبَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ
ابْنُ إِبْراهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ صَالِحِ، كِلَّهُمَا عَنِ الزُّهْرِىِّ بهذاَ الإِسْنَادِ،
مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ حَدِيثٌ صَالِحِ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ: فَأَنْزَلَّاللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيْهِ . وَلَمْ يَذْكُرِ الْآَيَتَيْنَ.
وَقَالَ فِى حَديثه: وَيَعُودَانِ فِى تَلْكَ الْمَقَالَةِ وَفِى حَدِيثِ مَعْمَرِ مَكَانَ هذِهِ الْكَلِمَةِ ، فَلَمْ
يَزَالاً بهِ .
٠٠
---
وهى أيضا فضيلة لمن رُزِقها كما قال فى المقيم بالمدينة: ((والصابر على شدتها كنت له
شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة))(٣)، ويكون هذا أيضاً لتطييب قلب عمه إن قالها؛ لما يرجوه
من الخير بشهادته له وطلبه بها له من ربه جزيل ثوابه ، مع ما تقدم له من نصره والذبّ
عنه، كما قال فى الرواية الأخرى: ((أُحاج لك بها يوم القيامة))، وإن كانت الأعمال فى
الكفر غير نافعة لكن رجا له - عليه السلام - بموته على الإسلام من تفضل الله بما شاء من
ثوابه ، وشفاعته له ومكانته منه ، وقد نالته بركتهُ مع موته على الكفر وخُفّفَ عذابُه بذلك،
فكيف لو أسعده الله باتباعه ؟! وسيأتى إكمال الكلام على هذا الفصل فى حديث حكيم
= ٤ / ١٨٠٠ بمثل رواية البخارى . كما أخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجه ومالك فى الموطأ ، وأحمد فى
المسند ١/ ٣٩، ٥٠، ٢٣٥، ٢٥٣، ٣٨٤، ٢٨/٣، ١٠٢، ٢٨١، ٣٩٦/٤، ٤٨/٥، ٥٠، ٣٨٨، ٣٩٣، ٤٠٠،
٤١٢، الترمذى فى أبواب القيامة ٣، والتفسير، والنسائى فى ك الافتتاح، ب ٢١ عن أنس١٣٤/٢ وكذا
الجنائز والحج .
ولعل مقصد القاضى من جمعه بين الحديثين بيان وقت المراد بالآية وحديث الباب إذا كان معناهما الرأى
الأول الذى ذكرنا .
(١) التوبة : ١١٣ .
(٢) القصص : ٥٦ .
(٣) جزء حديث لأحمد ، أخرجه فى المسند عن أبى هريرة ٤٣٩/٢ .

٢٥١
كتاب الإيمان / باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ... إلخ
مَّدُ بْنُ عَبَّدٍ وَبْنُ أَبِى عُمَرَ ، قَالاَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ يَزِيدَ
٤١ - (٢٥) حدثنا
- وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِّى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِعَِّ لَعَمَّهُ عَنْدَ
المَوْت: ((قُلْ: لاَ إِلهَ إِلَّ اللهُ، أَشْهَدُ لُكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فَأَبِي، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِيَ مَنْ
أَحْبَيْتَ﴾ الآيةَ(١).
٤٢ - ( .. ) حدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُون، حَدَّثَنَا يَحْنَى بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا يَزِيدُ
ابْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِى حَازِمِ الأَشْجَعَى، عَنْ أَبِى هُرِّيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عٍَّ لِعَمَّةَ:
(قُلْ: لاَ إلهَ إلاَّ الله، أشْهَدُ لَكَ بِهَاَ يَوْمَ الْقِيَامَّةَ)) قَالَ: لَوْلاَ أَنْ تُعيِّرَنِى قُرَيْشَّ ، يَقُولُونَ:
إِنَّمَا حَمَلَهُ ، عَلَى ذلِكَ ، الجَزَعُ ، لأَقْرَرتُّ بِهَا عَيْنَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ
أَحْبَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءِ﴾.
وحديث الشفاعة .
وقوله : ((إنما حمله على ذلك الجزع)): كذا روايتنا فى هذا الموضع فى ((الأم)) وغيرها
من كتب الحديث والخبر عن جملة شيوخنا بالجيم والزاى ، إلا فيما قرأناه على أبى الحسن
سراج بن عبد الملك اللغوى الحافظ فى كتاب أبى عبيد الهروى ، فإنه ذكره الخَرَعَ - بالخاِءِ
والراء - وكذا نبهنا عليه غير واحد من شيوخنا أنه الصواب، وحكى أبوٍ سُليمان الخِطابى
أنَّ ثعلباً كان يقول ذلك، وفسّره بالضعف والخور، وقال شمُر بن حَيْدُويه(٢): كلِّ رِخو
ضعيفٌٍ خريعٌ وخرِعٍ، قال: والخَرَعِ الدَهَشُ، ومنه قول أبى طالب. فذكره، وفسّرَه بالضَعفِ
والخورَ .
وقوله: (( حين حضرته الوفاة)» : أى قرُب حاله وظهرت دلائل موته ، وذلك كله
قبل المعاينة ، ولو كان بعد المعاينة والحضور الحقيقى لما نفعه ، لقوله تعالى: ﴿ وَلَيْسَت
التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَّ﴾(٣) ، ويدلُ على أنه
لم يكن يُعاين ما جرى من محاوره النبى عَّه وكفار قريش معه ومجاوبتهم بما جاوب . وقد
رأيتُ بعضَ المتكلمين على الحديث جعل الحضور على حقيقة الاحتضار وأن النبى - عليه
السلام - رجا بقوله ذلك حينئذ أن تناله الرحمة ببركته - عليه السلام - ولهذا قال: ((أشهد
وأُحَاجُ لك بها )) ولا يصح لما قدمناه .
(١) القصص : ٥٦ .
(٢) هو شمر بن حيدويه الهروىّ، أبو عمرو، أحدُ الأثبات الثقات الحفَّظ للغريب وعلم العرب . رحل إلى
العراق فى شبيبته ، وأخذ عن ابن الأعرابى وعن جماعة من أصحاب أبى عمرو الشيبانى ، وأبى زيد
الأنصارى ، وأبى عُبيدَة والفراء ، منهم أبو حاتم السجستانى ، ألف كتاباً كبيراً ابتدأه بحرف الجيم وطوله
بالشواهد والروايات الجمة ، وأودعه تفسير القرآن وغريب الحديث ، قال الصفدى : لم يسبق إلى مثله ،
ولما كمل الكتاب فى حياته ضَنّ به ، فلم يبارك الله له فيما فعله حتى مضى لسبيله ، فأختزل بعضٍ أقاربه
ذلك الكتاب ، قال الأزهرى : أدركت من ذلك الكتاب تفاريق أجزاء ، فتصحفتُ أبوابها ، فوجدتُها على
غاية من الكمال . الوافى بالوفيات ١٦ / ١٨٠، إنباه الرواة ٢/ ٧٧ .
(٣) النساء : ١٨ .

٢٥٢
كتاب الإيمان / باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ... إلخ
قوله: ((لأقررْتُ بها عينَك)) : قال ثعلب : أقرَّ الله عينه ، أى بلغه أمنيته حتى
ترضى نفسه وتقر عينهُ، فلا تستشرف لشىء ، ومنه قولهم لمن أدرك ثأره : وقعْتَ بِقرك ،
أى أدرك فؤادك (١) ما كان يتطلع إليه، وقال الأصمعى: معناه : أبرد الله دمعته ؛ لأن
دمعة الفرح باردةٌ وسمعت الأستاذ أبا الحسين بن الأخضر النحوى يقول فى تفسير هذا: إنه
من البرد ، كما قال فى ضده من السخن بقوله : أسخن الله عينَه ، وذلك أن الذى يرى ما
يسوءه يبكى فتسخُن عينُه بالدموع ، والذى يرى ما يسرُّه لا يبكى فتبقى عينه باردة ، فيكون
معنى ((أقرَّ اللّه عينه)): أى أراه ما يسرُّ.
وقوله: ((فلم يزل رسول اللـه عَّ يعرضها ويُعيدُ له تلك المقالة)) كذا فى كافة
الأصول، وعند جماعة شيوخنا وفى نسخة: (( ويعيدان له تلك المقالة)) وهو أشبه ، يعنى
أبا جهل وابن أبى أميّة المذكورين أوَّل الحديث، المناقضين للنبى - عليه السلام - فى أمره ،
ويصححه قوله فى الأم فى الحديث الآخر: (( ويعودان بتلك المقالة)) (٢).
(١) فى جميع النسخ رسمت هكذا : فليك وما أثبتناه من اللسان .
(٢) قال الأبى: لم يقولا له : لا تفعل وعدلا إلى هذا اللفظ - أترغبُ عن ملة عبد المطلب - لأنه أبعث لأبى
طالب على الإيامة . إكمال الإكمال ١/ ١١٠ .

٢٥٣
كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا
(١٠) باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا
٤٣ _ (٢٦) حدّثَنَا أُبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب، كلاَهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ
ابْنِ إِبْرَهِيم، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ خَالِدِ ، قَالَ: حَدَّثَنِى الَوَلِيدُ بْنُ مُسَلِمٍ، عَنْ
حُمْرَانَ، عَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( مَنَّ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَهُ لاَ إِلهَ إِلَّ الهُ دَخَلَ
الجنة)).
حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرِ الْمُقَدَّمِىُّ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ،
عَنِ الْوَلِيدِ أَبِى بِشْرِ ؛ قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ اللهِ عَهُ يَقُولُ، مِثْلَهُ سَوَاءً .
وقوله : (( من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة))، قال الإمام : واختلف
الناس فيمن عصى الله من أهل الشهادتين ، فقالت المرجئة : لا تضره المعصية مع الإيمان ،
وقالت الخوارج : تضره ويكفر بها ، وقالت المعتزلة : يخلد فى النار إذا كانت معصية
كبيرةً ولا يوصف بأنه مؤمن ولاكافر ، ولكن يوصف بأنه فاسق ، وقالت الأشعرية : بل
هو مؤمن ، وإن لم يغفر له وعُذب فلابد من إخراجه من النار وإدخاله الجنة . وهذا الحديث
حجة على الخوارج والمعتزلة ، وأما المرجئة فإن احتجت بظاهره على صحة ماقالت به ،
قلنا: محمله أنه غُفِرَ له أو أخرج من النار بالشفاعة ثم أدخل الجنة ، فيكون المعنى فى
قوله: ((دخل الجنة)) : أى دخلها بعد مجازاته بالعذاب، وهذا لابد من تأويله لما جاءت به
ظواهر كثيرة من عذاب بعض العصاة ، فلابدَّ من تأويل هذا الحديث على ماقلناه لئلا
تتناقض ظواهر الشرع(١) وفى قوله فى هذا الحديث: [ وهو يعلم ] (٢) إشارة إلى الردّ على
من قال من غلاة المرجئة : إن يُظهِرَ الشهادتين يدخل الجنة، وإن لم يعتقد ذلك بقلبه ، وقد
قيد (٣) ذلك فى حديث آخر بقوله: ((غير شاك فيها (٤))) وهذا أيضاً يؤكد ماقلناه .
قال القاضى : وقد (٥) يحتج به أيضاً من يرى أن معرفة القلب مجردة نافعة دون النطق
بالشهادتين لاقتصاره على العلم (٦)، ومذهب ((أهل السنة)): أن المعرفةَ مُرْتَبطةٌ
بالشهادتين، لاتنفع إحداهما ولاتنجى من النار دون الأخرى إلا لمن لم يقدر عليها من آفة
(٢) من المعلم .
(١) فى الإكمال : ظاهر الشريعة ، والمثبت من المعلم.
(٣) فى الإكمال : قيل ، والمثبت من المعلم.
(٤) فى المعلم: فيهما ، وهذا القيد ورد فى رواية أبى هريرة السابقة لمسلم، كما أخرجها أبو عوانةَ فى مسنده ٩/١.
(٥) زيد قبلها فى : ق ، تلك العبارة بعد قوله : قال القاضى: دليل أن الإيمان وهو يعلم أن لا إله إلا الله. ولا
وجه له .
(٦) وهم الجهمية . فقد قالوا بأن الإيمان هو بالله فقط، والكفر هو الجهل به فقط. مقالات الإسلاميين : ٢٧٩ .

٢٥٤
كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا
بلسانه ، أو لم تمهله المدةُ لقولها: (( حتى اختُرِم)) (١)، ولاحجَّة للمخالف للجماعة بهذا
اللفظ ؛ إذ قد ورد مفَّراً فى الحديث الآخر بقوله: (( من قال : لا إله إلا الله، ومن شهد
أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله))، وقد جاء هذا الحديث وأمثلةٌ له كثيرةٌ فى ألفاظها
اختلاف ، ولمعانيها عند أهل التحقيق ائتلاف ، وللناس فيها خبط كثير وعن السلف خلاف
مأثور (٢)، فجاء هذا اللفظ فى هذا الحديث ، وجاء فى رواية معاذ عنه - عليه السلام - :
((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة))، وعنه فى رواية أخرى: ((من لقى الله لا
يُشْرِك به شيئاً دخل الجنة))، وعنه فى رواية أخرى: (( من لقى الله لا يُشْرِك به شيئاً دخل
الجنة))، وعنه فى أخرى - عليه السلام -: ((ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن
محمدًا رسول الله صادقاً من قلبه إلا حرَّمَه الله على النار)) ونحوه في حديث عبادة بن
الصامت وعتبان(٣) بن مالك، وزاد فى حديث عبادة: ((على ماكان من عمل))، وفى
حديث أبى هريرة: (( لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة))، وفى حديث
آخر: ((فيحجب عن الجنة))، وفى حديث أبى ذر وأبى الدرداء: (( مامن عبد قال : لا إله
إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق))، وفى حديث أنس :
((حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغى بذلك وجه الله)).
وهذه الأحاديث كلها قد سردها مسلم فى كتابه ، فحكى عن جماعة من السلف منهم
((ابن المسيب)) وغيره أن هذا كان قبل أن تنزل الفرائض والأمر والنهى ، وذهب بعضهم
إلى أنها مجملة تحتاج إلى شرح ، ومعناه : من قال الكلمة وأدى حقَّها وفريضتها ، وهو
قول ((الحسن البصرى)) (٤) وذهب بعضهم إلى أن ذلك لمن قالها عند التوبة والندم ومات
على ذلك . وهو قول البخارى (٥).
(١) وليس بشرط للداخل فى الإسلام النطق بلفظة ((أشهد)) ولا التعبير بالنفى والإثبات، فلو قال : الله واحد،
ومحمد رسول الله كفى ، وأما كون النطق بذلك شرطا فى حصول الثواب المذكور فمحتمل . وذهب قوم
إلى اشتراط صيغة أشهد لاعتبار الإسلام ؛ لأن المحل محل تعبد فلا يعدل عما نص عليه الشرع. إكمال
الإكمال ١١٧/١، وبهامشه مكمل إكمال الإكمال.
(٢) نقل الأبى محاذيه تلك العبارة فى كتابه إكمال الإكمال، وأثبتها على غير وجهها ، فقد جاءت هناك بألفاظ
مختلفة للسلف فيها خبط كثير . إكمال الإكمال ١/ ١١٢ .
(٣) فى الأصل : عبات ، والمثبت من ت ، وهو الصواب .
(٤) فى إكمال الإكمال: وتأولها الحسن بحملها على من مات ولم يعص ١١٣/١، وأنت ترى أن البون بين
الاثنين واسع .
(٥) ذكره بعد سياقه لحديث أبى ذر فى كتاب اللباس فقال: ((قال أبو عبد الله: هذا عند الموت أو قبله إذا تاب
وندم وقال : لا إله إلا الله غفر له)) ١٩٣/٧. وقد ترجم بمثل هذا لهذا الحديث في أول كتاب الجنائز قال:
((باب فى الجنائز ، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله ، وقيل لوهب بن منبه: أليس لا إله إلا الله مفتاح
الجنة ؟ قال : بلى ، ولكن ليس مفتاحٌ إلا لهُ أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك ، وإلا لم يفتح لك ))
٨٩/٢ .

٢٥٥
كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا -
٤٤ _ (٢٧) حدّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِى النَّضْرِ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو النَّضْرِ هَاشمُ
ابْنُ الْقَاَسم ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله الأَشْجْعِىُّ، عَنْ مَالكِ بْنِ مِغْوَلَ، عَنْ طَلْحَةَ بْن مُصَرِّف،
عَنْ أَبِى صَالِحٍ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَِّّ ◌َ فِى مُسِيرٍ. قَالَ: فَقَدَتْ أَزْوَادُ
وهذه التأويلات كلها إذا حملت الأحاديث على ظاهرها ، وأما إذا نُزِلت تنزيلها لم
يُشكل تأويلها على مابيَّنْه المحققون .
فنُقرّر أولاً أن مذهب ((أهل السنة)) بأجمعهم من ((السلف الصالح)) و((أهل الحديث))
و((الفقهاء)) و((المتكلمين)) على مذهبهم من ((الأشعريين)): أن أهل الذنوب فى مشيئة الله
تعالى، وأن كل من مات على الإيمان وشهد مخلصاً من قلبه بالشهادتين فإنه يدخل الجنة ،
فإن كان تائباً أو سليماً من المعاصى والتبعات دخل الجنة برحمة ربه ، وحُرّم على النار
بالجملة ، فإن حملنا اللفظين الواردين على هذا فيمن هذه صفته كان بيناً ، وهو التفات
الحسن والبخارى فى تأويلهما ، وإن كان هذا من المخلطين بتضييع ما أوجب الله عليه ، أو
فعل ماحرم عليه ، فهو فى المشيئة لا يقطع فى أمره بتحريمه على النار ولا باستحقاقه لأول
حاله الجنة ، بل يقطع أنه لابد له من دخول الجنة آخرًا ، ولكن حاله له قبلُ في خطر
المشيئة وبرزخ (١) الرجاء والخوف ، إن شاء ربُه عذَّبه بذنبه أو غفر له بفضله ، وإلى هذا
التفت من قُدّم قوله من السلف ، لكن قد يصح استقلال ألفاظ هذه الأحاديث بأنفسها على
هذا التنزيل ، فيكون المراد باستحقاق الجنة ماقدمناه من إجماع أهل السنة من أنه لابد له من
دخول كل مُوَحّد لها إما مُعَجَّلاً مُعافى ، أو مؤخراً بعد عقابه ، والمراد بتحريم النار تحريم
الخلود ، خلافاً للخوارج والمعتزلة فى الوجهين (٢) وينزلُ حديث: ((من كان آخر كلامه لا إله
إلا الله)) خصوصاً لمن كان هذا آخر نطقه وخاتمة لفظه وإن كان قبل مخلَّطاً ، فيكون سبباً
لرحمة الله له ونجاته رأساً من النار [وتحريمه عليها] (٣) ، بخلاف من لمن يكن ذلك آخر
كلامه من الموحدين المخلطين ، وكذلك ماورد في حديث عبادة من مثل هذا ودخوله من أى
أبواب الجنة شاء ، خصوصاً لمن قال ماذكره - عليه السلام - وقرن بالشهادتين من حقيقة
الإيمان والتوحيد الذى ورد فى حديثه، فيكون له من الأجر ما يرجح بسيئاته ومعاصيه، ويوجب
له المغفرة والرحمة ودخول الجنة لأول وهلة إن شاء الله تعالى، كما أشار إليه فى الحديث،
والله أعلم بمراد نبيه .
وذكر (٤) مسلم حديث طلحة بن مُصرّف عن أبى هريرة : كنا مع النبى - عليه
السلام - وهذا الحديث مما استدركه الدارقطنى على مسلم فقال : خالفه أبو أسامة فأرسلوه
(١) فى الأصل: ويرزج والصحيح المثبت من ت .
(٢) حيث يكفر الخوارج بالمعصية، ويقول المعتزلة بمنع العفو. راجع: إكمال ١ / ١١٣.
(٣) سقط من الأصل ، والمثبت من ت .
(٤) فى ت : ذكر بدون الواو .

كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا
٢٥٦ __
الْقَوْمِ. قَالَ: حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْضٍ حَمَائِلِهِمْ. قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : يَارَسُولَ اللهِ، لَوْ جَمَعْتَ
مَبَقِىَ مِنْ أَزْوَادِ القَوْمِ ، فَدَعَوْتَ اللهَ عَلَيْهَا. قَالَ: فَفَعَلَ . قَالَ فَجاء ذُو الْبُرِّ بُبِرِّهِ، وَذُو
الثَّمْرِ بَتَمْرِهِ. قَالَ - وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَذُو النَّوَة بنَوَاهُ - قُلْتُ: وَمَا كَانُوا يَصْتَعُونَ بالثَّوَى ؟
قَالَ : كَانُوا يَمِصُّونَهُ وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ . قَالَ : فَدَعَا عَلَيْهَا. حَتَّى مَلأَ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ .
قَالَ: فَقَالَ عنْدَ ذلكَ: ((أَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللهِ، لاَ يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ،
غَيْرَ شَاكٌّ فيهمَا ، إِلَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ)) .
٤٥ - ( ... ) حدّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ وَأَبُو كُرَيْب مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ، جَميعاً عَنْ أَبى
مُعَاوِيةَ ، قَالَ أَبُو كُرَيْب: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِْ ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً
أَوْ عَنْ أَبى سَعيد - شِّكَّ الأَعْمَشُ - قَالَ : لَمَّا كَانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ، أَصَابَ النَأَسَ مَجَاعَةٌ .
قَالُوا: يَارَسُولَ الله، لوْ أَذْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضحَنَا. فَأَكَلْنَا وَدَّهَنَّا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِعَهُ
من هذا الطريق عن أبى صالح ، واختُلف فيه عن الأعمش فقيل : عن أبى صالح عن جابر
وكان الأعمش يشك فيه ، ورواه أيضاً الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة وأبى سعيد ،
وفى هذا الحديث قال : وقال مجاهد : وذو(١) النواة بنواه .
قال عبد الغنى بن سعيد : طلحة بن مُصَرف هو الذى قال ذلك عن مجاهد(٢) ، وكذا
جاء فى الأمهات : ذو النواة بنواه ، ووجهه وذو النواة بنواه ، كما قال قبله : فجاء ذو التمر
بتمره وذو البُر بيره ، وفى هذا الحديث: حتى ملأ القوم أزودَتَهم ، كذا الرواية فيه فى
جميع أصول شيوخنا ، والأزودة غير الأوعية كما قال فى الحديث الآخر : أوعيتهم ، ولعله
مزاودهم ، أو سمى الأوعية بما فيها كما سُميت الأسقية روايا بحامليها ، وإنما الروايا الإبل
التى تحملها . وسمى النساء ظعائن باسم الهوادج التى حملت فيها .
قوله فيه: ((لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا))، قال الإمام : النواضح من الإبل العاملة
(١) فى ت : ذو بدون الواو .
عبارة الدار قطنى كما جاءت فى التتبع : قال : تابعه مسروق - ابن المرزبان - عن أبيه عن مالك ،
وخالفهما أبو أسامة وغيره. رووه عن مالك عن طلحة عن أبى صالح مرسلاً ، وأخرجه أيضاً من حديث
الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة أو أبى سعيد ، واختلف فيه عن الأعمش وقيل عن أبى صالح عن
جابر أيضاً ، وكان الأعمش يشك فيه. أ . هـ ١٧٣ .
(٢) قال ابن الصلاح : الإرسال وإن قدح فى السند لم يقدح فى الصحة ؛ لأن ماوصله الثقة وأرسله غيره
الحكم فيه الوصل عند المحققين ؛ لأنها زيادة ثقة ، ولذا قال الدمشقى فى جواب هذا الاستدراك :
الأشجعى ثقة مجود ، وأما شك الأعمش فغير قادح فى متن الحديث ، فإنه شك فى عين الصحابى الراوى
له ، وذلك غير قادح؛ لأن الصحابة كلهم عدول. إكمال الإكمال ١١٤/١، مكمل إكمال الإكمال.
----

- ٢٥٧
كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا
((افْعَلُوا)). قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: يَارَسُولَ الله، إنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ، وَلَكِنِ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ
أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ اللهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ فِى ذلكَ . فَقَالَ رَسُولُ الله
◌َةُ ((نَعَمْ)) قَالَ: فَدَعَا بِنطَعٍ فَسَطَّهُ، ثُمَّدَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ. قَالَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِىءُ
بِكَفِّ ذُرَةَ. قَالَ: وَيَجِىءُ الآخِّرُ بِكَفِّ تَمْرٍ. قَالَ: وَيَجِىءُ الْآخَرُبِكِسْرَةِ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى
النَّطَعِ مِنْ ذلِكَ شَىءٍ يَسِيرٌ. قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِعَّهُ عَلَيْهِ بِالْبَرَكَةُ، ثُمَّ قَالَ : خُذُوا فِى
أَوْعِيَتَكُمْ)) قَالَ: فَأَخَذُوا فِى أَوْعِيَتِهِمْ، حَتَّى مَاتَرَكُوا فِى الْعَسْكَرِ وَعَاءً إلا ملأُوهُ. قَالَ :
فأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضِلَتْ فَضْلَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّةَ: ((أَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ
وَأَنِّى رَسُولُ اللهِ، لاَ يَلْقَى اللّهَ بِهِمَا عَبّدٌ، غَيْرَ شَاك، فَيُحْجَبَ عَنِ الجنةِ)) .
٤٦ - (٢٨) حدّثْنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْد. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ - يَعْنِى ابْنَ مُسْلِم - عَنِ ابْنِ
جَابرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى عُمَيْرُ بْنُ هَانِئْ، قَالَ: حَدَّثَنِى جُنَادَةُ بْنُ أَبِىَ أُمَيََّ، حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنَّ
الصَّامت ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لاَشَرِيكَ لَهُ،
فى السقى ، قال أبو عبيد : الناضح البعير الذى يستقى (١) الماء، والأنثى ناضحة. قال
غيره: ومنه الحديث : ((وما سقى من الزرع نضحاً ففيه نصف العشر)) (٢).
وقوله: (( حمائلهم )) ، قال القاضى : يعنى : يحمل أثقالهم ، واحدتها حمولة ، قال
الله تعالى: ﴿حَمُوْلَةٌ وَفَرْشًا﴾ (٣) وهو [بمعنى] (٤) النواضح فى الرواية الأخرى.
وهذا الحديث من أعلام النبوة الظاهرة وهو بابٌ عُلِم على القطع والتواتر مترادف
الأحاديث بمعناه من تكثير الطعام القليل ، وقد جمعنا مشهور أحاديث هذا الباب ومن رواه
من الصحابة وحمله عنهم من التابعين فى باب معجزات نبينا عَّه من القسم الأول من كتابنا
المسمى بـ (( الشفا بتعريف حقوق المصطفى)) - عليه السلام - لأن هذا الحديث ومثله، إذا
رواه الصاحب الواحد وذكره عن المواطن المشهورة والغزوات(٥) المحضورة والجموع الحفلة،
وحدث به عنهم بما شاهدوه ، وجرى بحضرته وهم غير منكرين ولامكذبين، مع أنهم الملأ ،
لا يقرون على منكر ، ولايداهنون فى غير الحق ، وكان إقرارهم على خبره، وسكوتُهم
على ماحدث به عن ملئهم كالنطق ، ولحق خبرهُ وإن كان واحداً خبر التواتر الصدق .
(١) فى الإكمال : يسقى ، والمثبت من المعلم .
(٢) لفظ الحديث للجماعة: ((وما سقى بالنضح نصف العشر))، راجع كتب وأبواب الزكاة لهم ، وكذا
الدارمى، مالك فى الموطأ، أحمد فى المسند ١٤٥/١، ٣٤١/٣، ٣٥٣، ٢٣٣/٥.
(٣) الأنعام: ١٤٢. قال النووى: واختار بعضهم أنه بالجيم جمع جمالة ، والجمالة جمع جمل .
(٤) من ق .
(٥) فى ق : الغزوات ، بدون واو .

كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا
-
٢٥٨
وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عيسى عَبْدُ الله وَابْنُ أَمَتَهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ
مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌ ، وَأَنَّالنَّارَ حَقٌّ ، أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَىِّ أَبْوَابِ الْجِنَّةِ الثَّمَانِيَّةِ شَاء)) .
( ... ) وحدّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهَمَ الدَّوْرَقِىُّ، حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنِ
الأَوْزَاعِىِّ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئِ، فِى هذَا الإِسْنَادِ بمثله، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: « أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ
عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ )) وَلَمْ يَذَّكُرْ: أُ مِنْ أَىَ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ)).
٤٧ _ (٢٩) حدّثْنَا قُنَيْبَةُ بْنُ سَعيد. حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ عَجْلاَنَ، عَنْ مُحَمَّد بْنِ
يَحْيَى بْنِ حَبَّنَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزِ، عَنِ الصُّنَابِحِىِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْن الصاَّمت؛ أَنَّهُ قَالَ:
دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِى الْمَوْتِ ، فَبَكَيْتُ. فَقَالَ: مَهْلاً، لِمَ تَبْكِى؟ فَوَالله، لَئْنِ اسْتُشْهِدْتُ
[وفى هذا الحديث من الفقه ترك افتيات أهل العسكر بنحر ما يحملون عليه وإخراجه
عن أيديهم إلا بإذن الإمام ] (١) ؛ لأن ذلك يضعفهم عن غزوهم وسفرهم ، وكذلك
الحكم فى أسلحتهم وجميع ما يحتاجون إليه فى غزوهم .
وقوله : ((وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه)): سمى
عيسى كلمته لأنه كان بكلمة الله، قيل: هى قوله: (( كن)) فكان ، وقيل: هى الرسالة
التى جاء بها الملك لأمه مُبَشّراً به عن أمر الله كما ذكر فى كتابه ، وقال ابن عباس :
الكلمة اسم لعيسى معنى ألقاها إلى مريم : أى أعلمها به ، يقال: ألقيتُ إليك كلمة أى
أعلمتُك بها ، وسمى عيسى روح الله وروح منه، فقيل: لأنه حدث من نفخة جبريل فى درع
مريم ، فنسبه الله إليه لأنه كان عن أمره ، وسُمى النفخ (٢) روحاً لأنه ريح يخرج من
الروح، قاله مكى . وفى هذه العبارة مسامحة ، وقيل: روح منه حياة منه، والروح الرحمة
كما قال فيه : ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ (٣) وقيل: روح منه برهان لمن اتبعه،
وقيل: لأنه لم يكن من أب كما قال فى آدم : ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ (٤)، وإنما كان جَعْلُ
الروح فيه بلا واسطة . قاله : الحربى .
وقوله: فى حديث عبادة: (( دخلت عليه فى الموت فبكيت فقال: مهلاً)) : ليس فيه
(١) سقط من ق. وقيدها الأبى فى الإكمال هكذ: وفيه أن الجيش لا يفوت مايحتاج إليه من ظهر أو سلاح إلا
بإذن الإمام ... إلخ، وهو تحريف لعبارة القاضى، والافتئات: المسارعة. انظر: إكمال الإكمال ١١٧/١ .
وأن الحديث فى خطاب الكبراء يترجح بمثل تلك العبارة لو أذنت ، لو فعلت لا بصيغة افعل . وبذلك
لا يكون قول عمر هنا اعتراضاً .
(٢) جاءت فى إكمال الإكمال : الريح . وفى ذكر كونه عبده ورسوله تعريض بالنصارى فيما ادعت النبوة
والتثليث ، وباليهود فيما قذفت به مريم - عليها السلام - وأنكرت من رسالته .
(٣) مريم : ٢١ .
(٤) ص : ٧٢ .

٢٥٩
كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا
لِأَشْهَدَنَّ لَكَ ، وَلَئِنَّشُفِّعْتُ لْأَشْفَعَنَّ لَكَ ، وَلَئِنْ اسْتَطِعْتُ لأَنْفَعَنَّكَ. ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ ، مَا
مِنْ حَديث سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولُ اللهِ عَّه لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ إِلاَّ حَدَّثْتَكُمُوهُ، إِلا حَدِيثاً وَاحداً،
وَسَوْفَ أُحَدِّئُكُمُوهُ الْيَوْمِ، وَقَدْ أحيطَ بِنَفْسِى، سَمعتُ رَسُولَ الله ◌َّهُ يَقُولُ: (( مَنْ شَهِدَ
أَنْ لا إِلهَ إلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَرَمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ )) .
٤٨ - (٣٠) حدّثَنَا هَدََّبُ بْنُ خَالِد الأَزْدِىُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ
ابْنُ مَالك عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل؛ قَالَ : كُنْتُ رِدْفَ النَّبِى ◌َّهِ، لَيْسَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ إِلَّ مُؤْخِرَةٌ
نهى عن البكاء ؛ لأن النهى إنما وقع بعد الوجوب والموت ، وفى بكاء بصفة مخصوصة
تأتى مُفسرةً إن شاء الله فى الجنائز .
وقوله: (( ما من حديث لكم فيه خير إلا حدثتكموه )) : دليل على أنه كتم ماخشى
عليهم المضى فيه والفتنة مما لا يحتمله كل أحد ، وذلك فيما ليس بحجة عملٍ ، ولا فيه
حدٍّ من حدود الشريعة ، ومثل هذا عن الصحابة كثير من ترك الحديث مما ليس بحجة عمل
ولا تدعو إليه ضرورة، أو لا تحمله عقول الكافة ، أو خشيت مضرته على قائله أو سامعه ،
لا سيما مما تعلق بأخبار المنافقين ، والإمارة وتعيين أقوام وصفوا بأوصاف غير مستحسنة وذم
آخرين ولعنهم(١).
وقوله: فى حديث معاذ: (( كنت ردف رسول اللـه عَّةٍ)): رويناه بإسكان الدال
وكسر الراء وبفتح الراء وكسر الدال عند الطبرى ، وفى الحديث الآخر رديف - بزيادة ياء .
والردف والرديف هو الراكب خلف الراكب ، يقال منه : ردفتُه أردفه ، ويكسر الدال فى
(١) من ذلك ما أخرجه أحمد فى المسند عن أبى هريرة رضى الله عنه: قال: قال رسول الله وَّل: ((تعوَّذوا
بالله من رأس السبعين، ومن إمارة الصبيان))، وقال: ((لاتذهب الدنيا حتى تصير مع لكع بن لكع)).
أحمد فى المسند ٣٢٦/٢، وقال الحافظ : الحديث صحيح.
قلت : وقد كان أبو هريرة بذلك ملغزا؛ إذ رأس السبعين كانت فيها إمرة يزيد بن معاوية .
وما أخرجه الشيخان وغيرهما واللفظ لمسلم عن عائشة قالت: سألت رسول الله وَ لَه عن الجَدْر -
حجر الكعبة - أمن البيت هُوَ؟قال: ((نعم)). قلت: فَلِم لم يُدْخلوه فى البيت؟ قال: ((إنَّ قومَك
قصَرَتْ بِهِمُ النفقةُ)). قلت: فما شأن بابه مُرْتَفعا؟ قال: (( فَعَلَ ذَلِكَ قومُكِ لُيُدْخِلُوا من شاؤوا ويمنعُواَ
من شاؤوا، ولولا أنَّ قَومَكِ حديثٌ عهدُهم فى الجاهلية فأخافُ أن تُنكِرَ قلوبُهَمِ لنَظَرْتُ أَن أُدخِلَ الْجَدْرَ
فى البيت، وأن ألزق بابه بالأرض)). البخارى، ك الأحكام، ب ما يجوز من الَّلو ١٠٦/٩، مسلم، ك
الحج، ب جَدْر الكعبة وبابها ٩٧٣/٢، أحمد فى المسند ٦/ ١٨٠، النسائى، ك الحج، ب بناء الكعبة،
البيهقى فى السنن الكبرى ٠٨٩/٥.
وفى مثل هذا يرد قوله ولا فيما أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس - رضى الله عنهما -: (( ما أنت
محدث حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان على بعضهم فتنة)). كنز ١٩٢/١٠.

كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا
٢٦٠ __
الرَّحْلِ، فَقَالَ : ((يَامُعَاذُ بْنَ جَبَل)) قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُول الله وَسَعْدَيّكَ. ثُمَّ سَارَ سَاعَةً . ثُمَّ
قَالَ : ((يَامُعَذِ بْنَ جَبَل)) قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولِ الله وَسَعْدَيَّكَ. ثُمَّ سَارَ سَاعَةٌ. ثُمَّ قَالَ :
(يَامُعَذُ بْنَ جَبَل)). قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيَّكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةٍ. ثُمَّ قَالَ: ((يَا مُعَاذُ بْنَ
جَبَل)) قُلْتُ: لَبِيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدِيْكَ قَالَ: ((هَلْ تَدْرِى مَاحَقُّ الله عَلَى الْعَبَاد ؟)). قَال:
قُلْتَّ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((فإنَّ حَقَّ الله عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً)).
ثُمَّ سَارَ سَاعَةً. ثُمَّ قَالَ: ((يَا مُعَذُ بْنَ جَبَل)) قُلَتُ: لَيْكَ رَسُولِ الله وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: ((هَلْ
تَدْرِى مَاحَقٌ الْعِبادِ عَلَى الله إذَا فَعَلُوا ذلكَ)). قَالَ: قُلْتُ اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (( ألا
يُعَذَبَهُمْ )) .
٤٩ - ( ... ) حدّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثْنَا أَبُو الأَحْوَصِ سَلَامُ بْنُ سُلَيْم، عَنْ
أَبِى إِسْحِقَ، عَنْ عَمْرو بْنِ مَيِّمُون، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل؛ قَالَ: كُنْتُ رَدْف رَسُول الله عزَّ.
عَلَىَ حمَارِ يُقالُ لَهُ: عُفَيْرَّ قَالَ: فَقَالَ: (( يَاَ مُعَذُ، تُدْرِى مَا حَقُّ اللَّه عَلَى الْعِبَادِ وَمَاحَقُّ
الْعباد عَلَى الله؟)). قَال:َ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((فإنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ
يَعْبُّدُوا اللهَ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وحَقُّ الْعباد عَلَى الله عَزَ وَجَلَ ألاَّ يُعَذّبَ منْ لاَ يُشْرِكُ به
شَيْئًا)). قَالَ: قُلْتُ: يَارَسُولَ الله، أَفَلاَ أُبَشَرُ النَّاسَ؟ قَالَ: ((لأُبَشِّرْهُمْ فَتَّكِلُوا)) .
الماضى وفتحها فى المستقبل ، إذا ركبت خلفه ، وتقول : أردفته أنا ، رباعى ، وأصله من ركوبه
على الردف العجز ، ولا وجه لرواية الطبرى (١) إلا أن يكون فَعَل هاهنا اسم فاعل مثل عَجِل وزَمِن
وفرق ، إن صحت روايته .
وقوله فيه: (( مؤخرة الرحل)) : قيل : معروف كلام العرب آخرة الرحل ، وكذا وقع
فى حديث أبى ذر وقد جاء مؤخرة الرحل. وفى شعر أبى ذؤيب ردف بمؤخرة الرحل .
وهو العود الذى خلف الراكب، وحكى أبو عبيد فيه الوجهين وكله بكسر الخاء وضم الميم ،
وأنكر ابن قتيبة فتح الخاء ، وقال ثابت : مؤخرة الرحل ومقدمه بفتحهما . قال : ويجوز
قادمته وآخرته . وأنكر ابن مكى الكسر وقال : لا يقال : مقدم ولا مؤخر إلا فى العين .
وقوله [ فى حديث معاذ ](٢): ((هل تدرون(٣) ماحق العباد على الله))، قال الإمام:
يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون أراد حقاً شرعياً لا واجباً بالعقل ، كما تقول
(١) هو أبو على الطبرى الشافعى ، الحسن أو الحسين بن القاسم ، أحد رواة الصحيح ، سكن بغداد وبها توفى
سنة خمسين وثلاثمائة . تاريخ بغداد ٨٧/٨، طبقات الشافعية الكبرى ٣/ ٢٨٠، وفيات الأعيان ٣٥٨/١،
سير ٦٢/١٦، مكمل إكمال الإكمال ١/ ١٢٠ .
(٢) من المعلم .
(٣) فى المعلم : تدرى .