النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... إلخ
فى نفى الصفات(١)، وأطبقوا على نفيها فسمُّوا هذا أيضاً بالتوحيد ليزيلوا عنهم اسم البدعة
والشرك والمجوسية التى وسمهم بها صاحب الشريعة نبينا محمد - عليه السلام (٢).
وزعموا أن القدر المذموم هو ذلك ، وبالحقيقة فالقدرية التى وسمهم - عليه السلام - بما
وسمهم ، وأنهم مجوس هذه الأمة ، هم معتزلة هذا الوقت ، وقدريته ؛ لأنهم جعلوا
أفعال العباد بين فاعلين، وأن الخير من الله والشر من عبيده ، فأدخلوا مع الله شركاء فى
قدرته ، وضاهوا المجوس والثنوية فى كفرهم ، والقدرية الأولى داخلون فى هذه الرذيلة ،
زائدون عليهم بتلك الأشنوعة (٣) .
وخلاصة قول المعتزلة فى القدر الذى صارت إليه هو : أنهم أجمعوا على أن الله - سبحانه - لم يخلق
=
الكفر والمعاصى ، ولا شيئاً من أفعال غيره ، وأجمعوا - إلا عبّادا - أن الله جعل الإيمان حسناً والكفر
قبيحاً ، وأن الله خلق الكافر لا كافراً ثم إنه كفر ، وكذلك المؤمن . كذلك أجمعت إلا - المردار - على
أن الله - سبحانه - لم يرد المعاصى.
فهذا هو قول المعتزلة فى القدر ، وأنه كما ترى ليس قولاً واحداً مثل ما كان عليه القدرية الأول ، وإنما
تشابهت أقوالهم مع أقوالهم . راجع فى ذلك : مقالات الإسلاميين ٢٢٧ .
(١) زيدت قبلها فى ت : من .
ومذهب الفلاسفة الذى أشار إليه القاضى هنا هو قولهم : بأن للعالم صانعاً ، لم يزل ليس بعالم ولا
قادر، ولا حى ، ولا سميع ، ولا بصير ، ولا قديم ، وقد عبروا عن ذلك بقولهم : نقول: عين لم يزل.
ولم يزيدوا على ذلك . مقالات ٤٨٣ .
وذهب المعتزلة إلى نفى الصفات عن الله - تعالى - بزعم نفى تعدد القدماء، فكان أبو الهذيل العلاف
شيخهم يقول : إن علم البارئ - سبحانه - هو هو ، وكذلك قدرته وسمعه ، وبصره وحكمته ، وكذلك
قوله فى سائر صفات ذاته .
قال أبو الحسن الأشعرى : وهذا أخذه أبو الهذيل عن أرسطاطاليس ، وذلك أن أرسطاطاليس قال فى
بعض كتبه : إن البارئ علمُ كله، قدرةٌ كلُّه، حياةٌ كله ، سمعٌ كله . السابق ٤٨٥ .
قال الإمام ابن تيمية: والنفاة عمدتهم أنه لو قَبل الحركة لم يخل منها ، ويلزم وجود حوادث لا تتناهى ،
ثم ادعوا نفى ذلك ، وفى نفيه نقائص لا تتناهى. والمثبتون لذلك يقولون: هذا هو الكمال كما قال السلف :
لم يزل الله متكلما إذا شاء ، كما قال ذلك ابن المبارك، وأحمد بن حنبل وغيرهما ، وذكر البخارى عن
نعيم بن حماد أنه قال : الحىّ هو الفعال، وما ليس بفعال فليس بحى. الفتاوى ٨ / ٢٣.
(٢) يقصد بذلك ما أخرجه أبو داود بسند منقطع عن ابن عمر عن النبى عليه قال: ((القدرية مجوس هذه
الأمة)) ك السنة، ب فى القدر ٢ / ٥٢٤ . قال ابن القيم: إنما جعلهم مجوساً لمضاهاة مذهبهم مذهب
المجوس فى قولهم بالأصلين ؛ وهما النور والظلمة ، ويزعمون أن الخير من فعل النور ، والشرّ من فعل
الظلمة ، فصاروا ثنوية . وكذلك القدرية ، يضيفون فعل الخير إلى الله والشر إلى غيره . والله - سبحانه
وتعالى - خالق الخير والشر، لا يكون شىء منهما إلا بمشيئته. معالم السنن ٧ / ٥٨ .
(٣) فنفى القدر السابق، وهو أن الله - سبحانه - علم أهل الجنة من أهل النار من قبل أن يعملوا الأعمال،
هو أشنوعة القدرية الأولى كما بين القاضى .
وإثبات هذا القدر حق يجب الإيمان به ، وقد نصَّ على ذلك الأئمة ، كمالك والشافعى وأحمد ،
وقالوا : إن من جحد هذا فقد كفر . حكاه ابن تيمية فى الفتاوى ٨ / ٦٦ .

٢٠٢
كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... إلخ
أَنِّى بَرِىءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّى، والَّذِى يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ ، لَوْ أَنَّ لأَحَدِهِمْ
مِثْلَ أُحِّد ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ، مَا قَبَلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤُمِنَ بَالْقَدَّرِ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى - عُمَرَّ بَنُ
الَخَطَّبَ - قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُّ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ عَّهَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلَّ شَدِيدُ بیاضٍ
الثَّابِ ، شَديدُ سَوَادِ الشَّعْرَ، لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرِ السَّفَرِ، وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ ، حَتَّى جَلَسَّ
إِلَى النَّبِيِّ ◌َهُ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إَى رُكْبَيِّهِ، وَوَضَعَ كَفَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ،
أَخْبِرْنِى عَنِ الإِسْلاَمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((الإسْلاَمُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وَأَنْ
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِعَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ، وَتُؤْنِىَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ،
قال الإمام: وأما [ ما ] (١) ذكر من تبرى (٢) ابن عمر منهم وقوله: ((لا يقبل من
أحدهم ما أنفق)) (٣) فلعله فيمن ذكرنا من الفلاسفة ، أو على جهة التكفير للقدرية - على
أحد القولين فى تكفيرهم عندنا - إن كان أراد بهذا الكلام تكفير من ذكر .
قال القاضى: قول ابن عمر: (( لو كان لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ، ما قبله الله
منه حتى يؤمن بالقدر)) يُصحح أن تبرى ابن عمر منهم لاعتقاده تكفيرهم (٤)، إذ لا يُحبط
الأعمال عند أهل السنة شىء سوى الكفر ، والقائل بذلك القول كافر بلا خلاف ، وإنما
الخلاف فى القدرية الآن (٥) ، وقال الخطابى : فى تبرى ابن عمر منهم دليل على أن
الخلاف إذا وقع فى أصول الدين وتعلق بالمعتقدات يوجب البراءة ، بخلاف ما تعلق بأصول
الأحكام وفروعها (٦) .
وقوله: فى هذا الحديث: (( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله))،
وذكر الصلاة والصوم والحج والزكاة وقال: ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله
(١) ساقطة من الأصل .
(٢) فى الأصل : تبر .
(٤) وإلى هذا ذهب مالك والشافعى وأحمد ، كما سبق .
(٣) لعله يروى هنا بالمعنى .
(٥) وهم الذين اعتقدوا أنهم إذا أثبتوا مشيئة عامة ، وقدرة شاملة ، وخلقاً متناولاً لكل شىء ؛ لزم من ذلك
القدح فى عدل الرب وحكمته .
(٦) معالم السنن ٧ / ٦٥ .
وقول عمر - رضى الله عنه -: ((بينما نحن عند رسول الله إذا طلع علينا رجل)): (( بينا)) و((بينما ))
ظرفا زمان ، يضافان إلى الجمل الإسمية والفعلية ، وخفض المفرد بهما قليل، وهما فى الأصل (( بين))
التى هى ظرف مكان، أشبعت فيه الحركة فصارت (( بينا))، وزيدت عليها الميم فصارت ((بينما))، ولما فيهما
من معنى الشرط يفتقران إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح فى جوابهما عند الأصمعى أن تصحبه (( إذا )»
أو ((إذا )» الفجائيتان ، والأفصح عند غيره أن يتجرد عنهما .
وقوله: ((ذات يوم)): (( ذات)) صلة ترفع احتمال أن يراد باليوم مطلق الزمان ، فهى مع اليوم بمنزلة
رأيت عين زيد ، والعامل فيه معنى الاستقرار الذى فى الخير .
----
---

٢٠٣
كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... إلخ
إلى آخر ما ذكر)) (١)، ففرَّق بين الإسلام والإيمان ، وقال مثله فى حديث ضمام
النجدى (٢)، ثم ذكر بعد هذا حديث وفد عبد القيس وفيه: «أتدرون ما الإيمان؟)) ففسَّره
بما فسَّر به الإسلام فى الحديثين الأولين ، فسَّر مجرد الإيمان الذى هو التصديق والذى محله
القلب ، وفسَّر الإسلام الذى هو العمل الظاهر من شهادة اللسان وأعمال البدن والذى
بمجموعها يتم الإيمان والإسلام ، إذ إقرار القلب وتصديقه دون نطق اللسان لا ينجى من
النار ، ولا يستحق صاحبه اسم الإيمان فى الشرع، وإذْ نُطْقُ (٣) اللسان دون إقرار القلب
وتصديقه لا يغنى شيئاً ، ولا يسمى صاحبه مؤمناً ، وهو النفاق والزندقة ، وإنما يستحق
هذا الاسم من جمعهما ، ثم تمام إيمانه وإسلامه بتمام أعمال الإيمان المذكورة فى الحديثين ،
والتزام قواعده وهو المراد (٤) بإطلاق اسم الإيمان على جميع ذلك فى حديث وفد عبد
القيس (٥) ، فقد أطلق الشرع على الأعمال اسم الإيمان ، إذ هى منه ، وبها يتم ، ولكن
حقيقته فى وضع اللغة : التصديق، وفى عرف الشرع : التصديق بالقلب واللسان ، فإذا
حصل هذا حصل الإيمان المنجى من الخلود فى النار ، لكن كماله المنجى من دخولها رأساً
بكمال خصال الإسلام ، وبهذا المعنى جاءت زيادته ونقصانه على مذهب أهل السنة (٦) ،
ولهذه المعانى يأتى اسم الإيمان والإسلام فى الشرع مرة مفترقاً ومرة متفقاً ، قال الله تعالى:
﴿ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنِ قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾ (٧) وقال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِين ﴾ إلى قوله:
(١) الإيمان بالملائكة يعنى: التصديق بوجودهم على ما وصفوا به من أنهم عباد مكرمون. والإيمان بالكتب :
التصديق بأنها كلامه الحق ، سواء نزلت مكتوبة كالتوراة ، أو نجوما كالقرآن . والإيمان بالرسل عليهم
السلام : هو التصديق بأنهم جاؤوا عن الله تعالى مؤيدين منه بالمعجزات الدالة على صدقهم . والإيمان
باليوم الآخر: التصديق بوجوده وبجميع ما اشتمل عليه وسمى آخرا؛ لأنه آخر أيام الدنيا ؛ ولأنه آخر الأزمنة
المحدودة، وإنما أعاد مع القدر لفظة: ((تؤمن))؛ لعلمه أن الأمة تختلف فيه. إكمال الإكمال ١ / ٦٨ .
(٢) سيأتي قريبا .
(٣) فى ت : وإذا أنطق .
(٥) سيأتي قريبا.
(٤) زيد قبلها فى الأصل حرف (( إن)) وهو خطأ .
(٦) يعنى باعتبار إضافة الأعمال إليه ، إضافة كمال، وعند غيرهم الزيادة والنقصان تأتى بتوارد الأدلة على
أصل اليقين ، ومن منعه منعه على أن الإيمان هو التصديق ، ونقصان التصديق يكون شكا .
وقد حصَّل الآمدى فى زيادة الإيمان ونقصه أربعة أقوال : قيل : الإيمان يزيد وينقص بظاهر القرآن فى
غير آية ، وقيل : لا يزيد ولا ينقص ؛ لأن الزيادة والنقص شك ، والشك كفر ، وقيل : إيمان الله تعالى
٠٫٠٠
المدلول عليه بقوله : ﴿المؤمِن المهيمِن﴾ لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الزيادة والنقص حادثان، ولا يتصف -
سبحانه - بحادث ، وإيمان الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - يزيد ولا ينقص ، وإيمان غيرهم يزيد
وينقص .
قال : والحق التفصيل ، فإيمان الله - سبحانه - كما ذكر ، وإيمان غيره إن فسر الإيمان بالعمل فهو
يزيد وينقص ، وإن فسّر بأنه التصديق فلا يزيد ولا ينقص ، إلا أن يراد بزيادة الإيمان كثرة أشخاص الإيمان
باعتبار آحاد الناس ، ويعنى بكثرة أشخاص الإيمان توالى الأمثال . إكمال الإكمال ١ / ٦٦ .
(٧) الحجرات : ١٤ .

٢٠٤ -
كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... إلخ
إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)). قَالَ: صَدَقْتَ قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ ، يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ : فَأَخْبِرْنِى
عَنِ الإِيمَانِ؟ قَالَ: (( أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ،
وَتُؤْمِنَ بالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّ قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِى عَنِ الإِحْسَانِ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ
اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ)). قَالَ: فَأَخْبِرْنِى عَنِ السَّاعَةِ؟ قَالَ: (( مَا
الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ)). قَالَ: فَأَخْبِرْنِى عَنْ أَمَارَتِهَا؟ قَالَ : ((أَنْ تَلدَ
﴿ الْمُسْلِمِين﴾ (١). وذلك أن الإيمان إذا كان بمعنى التصديق ، والإسلام بمعنى الاستسلام ،
صح أن يكون الإسلام بالجوارح وأعمال الطاعات إيماناً وتصديقاً ، وصح أن يكون الإقرار
باللسان عن تصديق القلب استسلاماً ، فأطلق اسم كل واحد منهما على الآخر، بخلاف إذا
اختلفا ففارق الباطن الظاهر، والنطقُ والعملُ العقدَ والنية ، فيسمى الظاهر إسلاماً ، ولا
يسمى إيماناً، كما قال تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنِ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٢).
وقوله : (( ما الإحسان)) وفسَّره فى الحديث بما معناه الإخلاص ومراقبة الله فى السر
والإعلان (٣) .
وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة ، من عقود
الإيمان ، وأعمال الجوارح ، وإخلاص السرائر ، والتحفظ من آفات الأعمال ، حتى إن علوم
(١) الذاريات: ٣٥، ٣٦ .
(٢) الحجرات : ١٤ .
قال الأبى : جعله الإيمان اسما للتصديق والنطق ، قيل : إنه انتزعه من الجمع بين حديث جبريل -
عليه السلام - وحديث الوفد ؛ لأنه فى حديث الوفد فسَّر الإيمان بما فسَّر به الإسلام هنا ، فاقتضى الجمع
بينها أن جعل الإسلام اسماً للأمرين ، وبأنه اسم لهما أخذ ابن العربى .
قال : وقال أكثر السلف : إنه اسم للتصديق والعمل كله . وقال أكثر المتكلمين : إنه اسم للتصديق
فقط ، فالأقوال ثلاثة . وأنت إذا نظرت لا تجد بينها اختلافاً ، فإن السلف لا يعنون بأنه التصديق والعمل
أن العمل جزء منه ، بحيث ينعدم الإيمان لانعدامه كما هو شأن كل جزء ، لإجماعهم على أن العاصى
بترك بعض الوجبات هو مؤمن ، فلم تبق إضافة العمل إليه إلا أنها إضافة كمال ، وكذا يقول المتكلمون :
إن أكمل التصديق ما صحبه العمل .
والقول بأنه التصديق والنطق ، إن صح أن التصديق وحده ليس بإيمان ، فما ذلك إلا لأن النطق فى
الإيمان لا أنه جزء منه ، فليس الإيمان عند الجميع إلا التصديق . إكمال الإكمال ١ / ٦٥ .
(٣) وقيل فى الإحسان أيضاً: إنه يعنى إجادة العمل، من أحسن فى كذا إذا أجاد فعله ، قال الأبى : وهو
بهذا التفسير أخَصُّ من الأول ، ثم هو سؤالٌ عن الحقيقة ليعلمها الحاضرون كالذى قبله ؛ إذا السؤال بـ (ما)
بحسب الخصوصية إنما يكون عن حقيقة لا عن الحكم ، وتفسيره فى الحديث الإحسان بذلك هو من تفسير
الشىء بسببه توسعاً . إكمال الإكمال ١ / ٦٨ .

٢٠٥
كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... إلخ
الأَمَةُ رَبَّتَهَا ، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَةَ، الْعَالَةَ، رعاءَ الشَّاءَ، يَتَطَاوِلُونَ فِى الْبُنْيَانِ)) . قَالَ:
ثُمَّ انْطَلَقَ . فَلَبِثْتُ مَلِيا. ثُمَّ قَالَ لِى: ((يَا عُمَرُ، أَنَدْرِى مَنِ السَّائِلُ؟ )) قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ
أَعْلَمُ . قَالَ : ((فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ ، أَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ )) .
الشريعة كلها راجعةٌ إليه ، ومتشعبةٌ منه . على هذا الحديث وأقسامه الثلاث ألفنا كتابنا
الذى سميناه بـ ((المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان)) (١)، إذ لا يشذ شىء من الواجبات
والسنن والرغائب والمحظورات والمكروهات عن أقسامه الثلاث .
وقوله فى الحديث: ((وأن تَلِدَ الأمةُ ربَّتَها))، وفى موضع آخر: ((رَبَّها))، قال الإمام :
أى مولاتها، قيل: معناه: أن يكثر أولاد (٢) السرارى حتى تكون الأمُّ كأنها أمةٌ لابنتها (٣)،
لما كانت ملكا لأبيها ، وقيل : يحمل على أنه يكثر بيع أمهات الأولاد فى آخر الزمان ،
حتى يملك المشترى أُمّه وهو لا يعلم ، لكثرة تداول الأملاك لها . وفى بعض طرق
الحديث: ((تلد الأمة بعلها)) وهو من هذا المعنى ؛ لأنه إذا كثر بيعهُن قد يقع الإنسانُ فى
تزويج أمِّهِ وهو لا يعلم .
قال القاضى: أما قوله: ((تلد الأمةُ ربَّها - أو ربَّتها)): فقيل فيه ما ذكره (٤)،
وبيانهُ أن الرجُل الحسيب إذا أولد أمةً كان ابنُها منه بمنزلة ابنه (٥) من موالاتها ، وقيل :
المراد به فُشوُّ العقوق ، وأن يكون الولد فى الصَّوْل على أُمّه وقلة بِره بها كأنه مولاها ، كما
قال فى الحديث الآخر: ((ويكون الولد غيظاً (٦)))، لكن لا معنى إذاً لتخصيص أولاد الإماء
بهذا، إلا أن يقال: [ إن سبب] (٧) نسبه الأموية أقرب إلى استدعاء [ العقوق] (٨)
(١) ذكره ابنه له، وقال: إنه لم يكمله، ويغلب على الظن أنه من الكتب المفقودة ، فلم أجد له ذكرا فى غير
هذين الموضعين . راجع : الديباج المذهب .
(٣) قيدت أولا فى ت : لولدها، ثم كُتب فوقها : لابنتها .
(٢) فى المعلم : استيلاد .
(٤) فى ق : ما ذكر .
(٥) فى ق : أبيه .
وسبب السؤال عن الساعة زجرُ الناس عن السؤال عنها ، فإنهم أكثروا السؤال عنها ، كما قال
تعالى: ﴿ يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾، فلما أجيبوا بأنه لا يعلمها إلا الله - سبحانه ــ كفوا؛ لأن معنى: ((ما
المسؤول عنها بأعلم من السائل)): لا علم لى ولا لك ولا لأحد بها . إكمال الإكمال ١ / ٦٩ .
(٦) فى ق: أيضا. والحديث أخرجه الطبرانى فى الأوسط عن عائشة مرفوعاً: (( لا تقوم الساعة حتى يكون
الولدُ غيظاً ، والمطرُّ قيظاً ، وتفيض اللئام فيضاً ، ويغيضُ الكرام غيضًا ، ويجترئ الصغير على الكبير ،
واللئيم على الكريم)). قال الهيثمى فى المجمع: ((رواه الطبرانى فى الأوسط وفيه جماعة لم أعرفهم »
٧ / ٣٢٥ .
(٧) سقط من الأصل ، واستدرك بسهم فى هامشه .
(٨) ساقطة من الأصل ، واستدركت بسهم فى هامشه .

٢٠٦
كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... إلخ
٢ - ( ... ) حدّثْنى مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الَغْبَرِىُّ، وَأَبُو كَامِل الْجَحْدَرِىُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ
عَبْدَةَ ، قَالُوا : حَدَثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مَطَر الْوَرَّاقِ، عَنْ عَبْدَ اللهِ بْنِ بُرَيّدَة عَنْ يَحْبِی بنِ
يَعْمَرَ ؛ قَالَ: لَمَّا تَكَلّمَ مَعْبَدٌ بِمَا تَكُلَّمَ بِهِ فِى شَأْنِ الْقَدَرِ أَنْكَرْنَاَ ذلكَ. قَالَ: فَحَجَجْتُ أَنَا
وَحُمَيَدُ بْنُ عَبْد الرَّحْمَنِ الْحَمْيَرِىُّ حَجَّةً. وَسَاقُوا الْحَديثَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ كَهْمَسِ
وَإِسْنَادِهِ، وَفِيهِ بَعْضُ زِيَادَةً وَنُفَصَانُ أَحْرُف .
٣ - ( ... ) وحدّثَنَى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَاَ يَحْبَى بْنُ سَعيد الْقَطّانُ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ
ابْنُ غيَاث ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، عَنْ يَحْبَى بْنِ يَعْمَرَ ، وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ ؛
ء
والاستحقار ، وقيل: هو تنبيه على فشو النعمة آخر الزمان ، وكثرة السبى ، كما قال فى
بقية الحديث عن تطاول رعاء الشاء فى البنيان .
وقيل : المراد به ارتفاع أسافل الناس ، وأن الإماء والسبايا يلدن من ساداتهن أمثالهم،
فشرفن بسببهم ، كما قال فى الحديث الآخر: (( حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع
ابن لكع)) (١).
وقال الحربى : معناه : أن يلد الإماءُ الملوكَ فيصير لها رباً كما قال: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ
رَبّك﴾ (٢) أى الملك. قال الخطابي: قد يحتج بهذا الحديث من يرى بيع الأمهات الأولاد ،
ويحتج بأنهن لم يُبَعْن بعد موت السيد؛ لأنهن يصرن فى التقدير ملكا لأولادهن فيُعتقن
عليهم (٣) .
قال القاضى : ولا حُجَّة له فى هذا ؛ إذ ليس فى الحديث شىء يدل عليه ، بل قد
نوزع فى استدلاله ، وقال أبو زيد المروزى (٤) : وهو رد على من يرى بَيعهن لإنكار النبى
عَّه أن تلد الأمة من يملكها وجعْله ذلك من أشراط الساعة ، [ ومعناه عنده : أن يبيع أمه
(١) الحديث أخرجه الترمذى وأحمد عن حذيفة بن اليمان والطبرانى فى الأوسط عن أنس، ولفظه عند الترمذى
وأحمد: (( لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس))، ولفظ الطبرانى: ((لا تذهب الأيام والليالى ... ))
الترمذى ك الفتن ٤ / ٤٩٤، أحمد فى المسند ٥ / ٣٨٩. وانظر: مجمع الزوائد ٧ /٣٢٦ وقد قال
الهيثمى فيه: (( رجاله رجال الصحيح غير الوليد بن عبد الملك بن مسروح وهو ثقة)).
(٢) يوسف : ٤٢ .
(٣) عبارة الخطابى كما جاءت فى معالم السنن ٧ / ٦٧: وقد يحتج بهذا من يرى بيع أمهات الأولاد ، ويعتل
فى أنهن إنما لا يبعن إذا مات السادة ؛ لأنهن قد يَصِرْنَ ملكاً لأولادهن ، فيعتقن عليهم ؛ لأن الولد لا
يملك والدته ، وهذا على تخريج قوله: ((وأن تلِدَ الأمةَ ربَّتها )) وفيه نظر .
(٤) هو شيخ الشافعية أبو زيد محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد المروزى ، راوى صحيح البخارى عن
مالفربرى حَدَّث عنه الحاكم، وأبو عبد الرحمن السُّلمى، وأبو الحسن الدارقطنى - وهو من طبقته - وأبو
بكر البرقانى وآخرون . قال فيه الحاكم : كان أحد أئمّة المسلمين ، ومن أحفظ الناس للمذهب . =

٢٠٧
كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... إلخ
قَالاَ : لَقِينَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ، فَذَكَرْنَا الْقَدَرَ وَمَا يَقُولُونَ فِيه، فَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ كَنَحْو
حَدِيثِهِمَْ، عَنْ عُمَرَ - رَضِىَ الله عَنْهَ - عَنْ النَِّّ ◌َّهُ، وَفِيهِ شَىْءٌ مِنْ زِيَادَةٍ ، وَقَدَ
نَقَصَ مِنْهُ شَيْئًا .
٤ - ( .. ) وحدّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعر، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّد، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَحْتَى بْنِ يَعْمَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ ، عَنِ النّبِىِّ يَّهِ، بِنَحْوِ حَديثِهِمْ.
٥ - (٩) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَ بْنُ شَيْبَةَ، وَزُهْيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ ، قَالَ
زُهَيْرٌ: حَدَثْنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى حَيَّنَ، عَنْ أَبِى زُرْعَةً بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ ،
آخر الزمان. وليس ما قال بشىء ؛ لأنه ليس كل ما أخبر عنه أنه من أشراط الساعة ] (١)
لا تبيحه الشريعة ، ألا ترى أن تطاول الرّعاء فى البنيان ليس بحرام ، ولا أن يكون اللكع
أسعد الناس بالدنيا بما يُحرمها عليه، ولا فشو المال جملةً مما يحرمه ، ولا يكون لجماعة
النساء القيم الواحد ما يُحرّم ذلك، وليس فى الكلام دليلٌ على إنكار النبى عَّه وذلك كما
زعم، ولا فيه غير إخبار عن حال يكون .
وأما قولهُ : إن معناه : أن يبيع الولدُ أمه آخر الزمان ، فليس فيه دليلٌ على منع بيعها
قبل ملك ابنها ، إذا من يُجوّز بيعها من أهل الظاهر يُوافق الجماعة فى أنها لا تباع ما دامت
حاملاً ولا إذا تصيَّرَت ملكا لابنها بميراث أو غيره (٢).
وقول الإمام فى تأويل بعلها حسن ، وقد يكون بالمعنى الأول ، أى بمعنى ربها ، قال
ابن دريد: بعل الشىء ربه ومالكه، وقال ابن عباس وجماعة من أهل التفسير فى قوله تعالى:
﴿ أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ (٣): أى ربّاً، وقال أبو عُبيدة والضحَّك: هو صنمٌ، وحكى عن ابن
= وقال فيه الخطيب: حدَّث ببغداد، ثم جاور بمكة، وحدَّث هناك بـ ((الصحيح)) وهو أجلُّ من رواه. وقال
أبو إسحق الشيرازى : مات بمرو سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة ، وكان حافظاً للمذهب ، حسن النظر ،
مشهوراً بالزهد ، وعنه أخذ أبو بكر القفَّالُ المروزى ، وفقهاءُ مروٍ . سير ١٦ / ٣١٣ ، البداية والنهاية ١١ /
٢٩٩، تاريخ بغداد ١ / ٣١٤ .
(١) سقط من ق .
(٢) وهذا قول عامة الفقهاء ، وهو المروىُّ عن عمر وعثمان وعائشة ، وقد أخرج البيهقى عن عبد الله بن سعيد
عن جدّه أنه سمع عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - على منبر رسول الله وَ ل يقول: ((يا معشر
المسلمين، إن الله قد أفاء عليكم من بلاد الأعاجم من نسائهم وأولادهم ما لم يفئ على رسول الله وَ م
ولا على أبى بكر - رضى الله عنه - وقد عرفت أن رجالاً سيُلمُّون بالنساء، فأيما رجل ولدت له امرأةٌ
من نساء العجم فلا تبيعوا أمهات أولادكم ، فإنكم إن فعلتم أوشك الرجلُ أن يطأ حريمه وهو لا يشعر)).
السنن الكبرى ١٠ / ٣٤٥ .
(٣) الصافات : ١٢٥ . والقول بأنها بمعنى رب رواه مجاهد وعكرمة وقتادة والسدى عن ابن عباس. وقال
قتادة وعكرمة : وهى لغة أهل اليمن ، وفى رواية عن قتادة قال : هى لغة أزْد شنوءة .
=

كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... إلخ
٢٠٨ -
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهُ يَوْمًا بَارِزَاَ لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ . فَقَالَ: يَا رَسُولَ
الله، مَا الإِيْمَانُ؟ قَالَ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بالله، وَمَلاَئِكَتَه، وَكَتَابِه، وَلَقَائِه وَرُسُلُه ، وَتُؤْمنَ
بِالْبَعْثِ الآخِرِ)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الإِسْلامُّ؟ قَالَ: (( الإَسَلَامُ أَنْ تَعْبُدَ الهَ وَلاَ تُشْرَكَ
بِهِ شَيْئًا، وتُقِيمَ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدّىَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ » . قَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إلّ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ )) .
قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: ((مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ،
وَلَكِنْ سَأَحَدَّتُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا؛ إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا كَانَت
الْعُرَّةُ الْحُفَةُ رُؤُوسَ النَّاسِ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا ، وَإِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ الْبَهْمَ فِى الْنَانِ فَذَاكَ
عباس أنه قال: لم أدر ما البعل فى القرآن حتى رأيت أعرابياً ، فقلت: لمن هذه الناقة ؟ فقال:
أنا بعلها أى ربُّها، فيتأوَّل فيه (١) ما يتأوّل فى تلك اللفظة الأخرى من الوجوه المتقدمة.
وقوله : ((وترى العالَةَ رعاءَ الشاءِ))، قال الإمام : قال الهروى : العالة الفقراء،
وفى حديث آخر: (( خيرٌ من أن يتركَهُم عالةً)) (٢) أى فقراء، والعائل الفقير، والعَيْلَة
الفقر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةٍ﴾ (٣) يقال: عال الرجُل يعيل عيلةً إذا افتقر .
وقال غيره : وأعال (٤) الرجل [ إذا ] (٥) كثر عياله .
قال القاضى: ذكر مسلم فى رواية زهير: ((إذا رأيت الحُفاة العُرَاةَ الصم البُكم ملوك
= وعلى أن المراد بها صنم قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه ، قال : هو صنّمٌ كان يعبده أهل
مدينة بعلبك . تفسير القرآن العظيم ٧ / ٣٢ .
(١) فى ت : فيها .
(٢) جزء حديث أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائى وأحمد، ولفظه: (( إنك إن تدع ورثتك أغنياء، خيرٌ من
أن تدعهم عالة يتكففون الناس))، ولفظة: ((يتركهم)) هى رواية النسائى، ك الوصايا، ب الوصية بالثلث
٦ / ٢٤٢ وانظر: البخارى فى صحيحه، ك الوصايا، ب الوصايا ٤ / ٣، ومسلم فى الوصية ، ب
الوصية بالثلث، ولفظة: (( وإنك إن تدع أهلك بخير ، خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس )) وفى
بعض النسخ بغير ذكر (( عالة )) .
ولعل هذا ما حمل الإمام على ترك التنصيص على رواية مسلم هنا . أبو داود ، ك الوصايا ، ب ما
جاء فيما يؤمر به من الوصية ٢ / ١٠١، أحمد فى المسند ١ / ١٧٣ ولفظ البيهقى: ((إنك إن تترك))
ك الوصايا ، ب الوصية بالثلث ٦ / ٢٦٩ .
قال ابن عبد البر : وأجمع علماء المسلمين على أنه لا يجوز لأحد أن يوصى بأكثر من ثلثه إذا ترك
ورثة من بنين أو عصبة . التمهيد ٨ / ٣٧٩ .
(٣) التوبة : ٢٨ .
(٥) من المعلم .
(٤) فى ت : وعال .

٢٠٩
كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... إلخ.
مِنْ أَشْرَاطِهَا، فى خَمْسِ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إلَّ اللهُ))، ثُمَ ثَلاَ عَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًّا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيّ أَرْضٍ
تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير ﴾ (١) .
قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((رُدُّوا عَلَىَّ الرَّجُلَ))، فَأَخَذُوا لَيَرُدُّوهُ
فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولَ اللهِعَّهُ: ((هَذَا جَبْرَيَلُ ، جَاءَ لَيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ)) .
٦ - ( ... ) وحَدَثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنَ نُمِيْرٍ، حَدَّثَنَاَ مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَاَ أَبُو
حَيَّنَ التَيْمِىُّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ فِىَ رِوَيَتِهِ: ((إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ بَعْلَهَا)
يَعْنِى السَّرَارِىَّ.
الأرض ... وإذا رأيت رِعاءَ البُهَم يتطاولون فى البنيان)) فالمراد بالصُّمّ البُكم هنا : الجهلةُ
الرُّعاعُ، كما قال تعالى: ﴿صُمُّ بُكْمٌ عُمْي﴾ (٢) أى لَّا ينتفعوا بجوارحهم هذه فيما خلقها
الله فكأنهم عدموها، وقد أشار الطحاوى إلى أن معناه: صم بكم عن الخير (٣)، وذكر
غيرهم أنهم صم بكم لشغلهم بلذاتهم ودنياهم (٤) ، وما ذكرناه أولى ؛ إذ ليس فى
الحديث ما يدل أن هذه صفتهم إذا (٥) كانوا مُلوكا ، وإنما أراد أنه سيتملك من هذه
صفته (٦).
وأما قوله: ((إذا تطاوَل رِعاءُ البَهم فى البنيان )) (٧) فكذلك هو هنا بفتح الباء، ومعناه:
رعاءَ الشاءِ ، كما وقع مُفَسَّراً فى الحديث قبله ؛ لأن البَهْم ولد الضأن والمعز ، وقد تختص
بالمعز ، وأصله كل ما استبهم عن الكلام ، ومنه سُميت البهيمةُ ؛ لأنها مُبهمَة عن العقل
(١) لقمان : ٣٤ .
(٢) البقرة : ١٨.
(٣) عبارة الطحاوى : ( ليس يعنى بذلك البكَمَ المتعارف، ولا الصَمَّ المتعارف، ولكن يعنى بالبكم : البكمَ عن
القول المحمود ، ويعنى بالصم : الصمّ عن القول المحمود ) . مشكل ٤ / ١٢٢ ٠
(٤) وقد حكاه الطحاوى فى المشكل أيضا فى المعرض بيانه؛ لقوله وَخله: ((لا تقوم الساعةُ حتى يكون السنةُ
كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كالضرمة)) . السابق ٤ / ٠١٢٣
(٥) فى الأصل : إذ ، وهى ساقطة من ق .
(٦) فشرط الساعة على الأول أن يملك من فقد فيه شرط الإمامة ، وشرطها على الثانى فساد حال من ملك.
إكمال الإكمال ١ / ٧٨ .
(٧) الرعاء، بكسر الراء والمد ، ويقال : رعاة، بضم الراء مع هاء التأنيث . والعالة : هم الفقراء، جمع عائل،
وعَال يعيلُ عيلة : افتقر . وإنما خص أهل الشاء؛ لأنهم أضعف أهل البادية ، ومعناه : أن أهل البادية
وأشباههم من أهل الحاجة لتغلبهم والبسط عليهم يتطاولون ، أى يتفاخرون فى البنيان . والحفاة جمع حاف
وهو الذى لا نعل له ، والعراة جمع عار وهو الذى لا شىء عليه . إكمال الإكمال ١ / ٧٢ .

٢١٠
كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... إلخ
٧ - (١٠) حدّثَنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا جَرِير عَنْ عُمَارَةَ - وَهُوَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ-
عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ قَالَّ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((سَلُونى)) ، فَهَا بُوهُ أَنْ
يَسْأَلُوهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَجَّلَسَ عِنْدَ رُكْبَيْهِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، ما الإِسْلامُ؟ قَالَ: (( لاَ
تُشْرِكُ باللهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِى الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ)). قَالَ: صَدَقْتَ . قَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بالله، وَمَلاَئِكَتَه، وَكَتَابِه ، وَلَقَائِه ، وَرُسُلُه ،
وَتُؤْمِنَ بِالْبَغَثِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّه)) قَالَ: صَدَّقْتَ . قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الإِحْسَانَّ؟
قَالَ: ((أَنْ تَخْشَى اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنَّكَ إِلا تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)). قَالَ : صَدَقْتَ . قَالَ: يَا
رَسُولَ الله، مَتَىَ تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: « مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِن السَّائِل، وَسَأُحَدِّثُكَ
والتمييز، ووقع فى أول صحيح البخارى: ((إذا تطاول رِعاءُ الإبل البُهم فى البنيان)) (١).
رويناه بضم الميم وكسرها ، فمن ضمَّها جعلها صفةً للرعاء ، أى أنهم سود ، وهو قول
أبى الحسن القابسى (٢) [ رحمه الله ] (٣)، وقال غيره : معناه: الذى لا شىء لهم كما
وصفهم هنا، وكما قال (٤): ((يحشر الناس يوم القيامة عُراةً بُهْماً)) (٥). وقال (٦)
الخطابى: هو جمع بهيم، وهو المجهول الذى لا يُعْرَفُ، ومنه : أبهم الأمر واستبهَم ، وقد
(١) رواية البخارى: ((وإذا تطاولَ رُعاةُ الإِل البَهُمُ فى البنيان)) ك الإيمان، ب سؤال جبريل النبى وَِّ عن
الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة ١ / ٢٠ .
(٢) هو الإمامُ الحافظ الفقيه، عالمُ المغرب، صاحب كتاب ((الملَخَّص)) الذى جمع فيه ما اتصل إسناده من
حديث مالك بن أنس - رضى الله عنه - فى كتاب الموطأ . قال حاجى خليفة: وهو خمسمائة حديث
وعشرون حديثا . كان عارفاً بالعلل والرجال ، والفقه والأصول والكلام، مُصنّفاً، يقظاً ، ديّناً ، تَقيا ، وكان
ضريراً ، ومع هذا كان من أصح العلماء كتباً ، فقد كتب له ثقات أصحابه وضبط له بمكة ((صحيح البخارى )»
وحرّره وأتقنه رفيقه الإمام أبو محمد الأصيلى، توفى بالقيروان سنة ثلاث وأربعمائة . ترتيب المدارك ٤ /
٦١٦، وفيات الأعيان ٣ / ٣٢٠، سير ١٧ / ١٥٨ .
(٣) سقط من الأصل، ق .
(٤) فى ق : يقول .
(٥) جزء حديث أخرجه أحمد فى المسند ٣ / ٤٩٥، البخارى فى الأدب المفرد: ٩٧٠ ، الحاكم فى المستدرك
وصححه ٢ / ٤٣٧ ووافقه الذهبى ، وذلك من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد
الله يقول: بلغنى عن رجل حديث سمعه من رسول الله مَّخلال، فاشتريت بعيراً، ثم شددت عليه رحلى،
فَسِرتُ إليه شهرا ، حتى قدمتُ عليه الشام ، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب : قل له : جابر على
الباب ، فقال: ابن عبد الله ؟ قلت : نعم ، فخرج يطأ ثوبه ، فاعتنقنى واعتنقته ، فقلتُ : حديثاً بلغنى
عنك أنك سمعته من رسول الله ◌َّر فى القصاص، فخشيتُ أن تموتَ أو أموتَ قبل أن
أسمعه، قال: سمعتُ رسول الله وَ لَه يقول: (( يُحشر الناسُ يوم القيامة - أو قال: العباد - عُرَةً غُرْلا بُهْما))،
قال: قلنا : وما بهما ؟ قال: (( ليس معهم شىء .. )) الحديث، وحسنه الحافظ فى الفتح ١ / ١٥٨.
(٦) فى ق : يقول.

٢١١
كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... إلخ
عَنْ أَشْرَاطِهَا ؛ إِذَا رَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ
الصِّمَّ الْبُكْمَ مُلُوكَ الأَرْضِ ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ رِعَاءَ الْبَهْمِ يَتَطَاوَلُونَ فِى
الُْنْيَانِ فَذَاكَ مِنْ أَشْراطِهَا، فى خَمْس مِنَ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلَّ اللهُ))، ثُمَ قَرَأَ: ﴿إِنَّ
اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًّا وَمَا
تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرِ﴾ (١) .
وقع عند بعض رواة البخارى بفتح الباء ، ولا وجه له بعد ذكر الإبل، وفى بعض
روايات الحديث يعنى العريب (٢)، ولا (٣) يُبعدُ / أن يُريد البهم هنا العالة من العرب أو ١٣/أ
السود .
كما قال: ((بُعثتُ إلى الأحمر والأسود )) (٤): الأسَودُ هنا العرب ؛ لأن الغالب
على ألوانهم الأُدْمَة وسائر الأمم والسودان ، وبالأحمر من عداهم من البيضان ، وقد قيل :
إن المراد بالأسودِ الشياطين ، وبالأحمر بنو آدم ، ومن كَسَر الميم جعلها صفة للإبل ، أى
السُّود لأنها سود الإبل .
وقوله: ((ويصوم رمضان)): يَرُدُّ قولَ من كرِه أن يقال : صمنا رمضان حتى يقول :
شهر ، وقال : إنه اسم من أسماء الله ، وهذا لا يصح ، وحكى القاضى أبو الوليد الباجى
عن القاضى أبى الطيب أنه إنما يكره ذلك فيما يُدخل لبساً ، مثل : جاء رمضان ، ودخل
رمضان ، وأما صمنا رمضان ، فلا بأس بقوله .
قال القاضى - رضى الله عنه - : فى جملة هذا الحديث إنكار صدر هذه الأمة مقالة
أهل القدر ، وأنها محدثة وبدعة كما جاء فى الحديث: (( أول من تكلم به معبد
(١) لقمان: ٣٤.
(٢) جاء فى اللسان: عرِب السنامُ عَرَبَاً إذا ورِمِ وتقيَّح، والتعريبُ: قطعُ سعفِ النَّخْل وهو التشذيبُ،
والعِرْبُ : يَسُ البُهمى خاصة .
(٣) فى ت : فلا .
(٤) جزء حديث أخرجه أحمد فى المسند عن أبى ذر ٥ / ١٤٥، الطبرانى فى الأوسط عن أبى سعيد
((مجمع)) ٦ / ٦٥، ولفظه كما فى أحمد: «أوتيتُ خمساً لم يؤتهن نبى كان قبلى : نصرتُ بالرعب
فيرعب منى العدو عن مسيرة شهر ، وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا ، وأحلت لى الغنائم ولم تحل
لأحد كان قبلى ، وبعثت إلى الأحمر والأسود ، وقيل لى : سل تعطه فاختبأتها شفاعةً لأمتى ، وهى نائلة
منكم إن شاء الله من لقى الله عز وجل لا يشرك به شيئا)). قال الأعمش : فكان مجاهد يرى أن الأحمر
الإنس والأسود الجن .

كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... إلخ
٢١٢
قَالَ: ثُمَّ قَامَ الرَّجُلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَهُ: (( رُدُّوهُ عَلَىَّ))، فَالْتُمِسَ فَلَمْ
يَجِدُوهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّه: (( هَذَا جِبْرَيَلُ أَرَادَ أَنْ تَعلَّمُوا إِذَلَمْ تَسْأَلُوا)).
بالبصرة)) (١)، وفيه فَزَعُ السلف فى الأمور الطارئة عليهم فى الدين إلى ما عند أصحاب
النبى عَّ، إذ هم الذين أُمرنا بالاقتداء بهم، ولما عندهم عنه فى ذلك من علم وأثر، ولهذا
نقل مالك فى جامعه من قول الصحابة فى هذا ما نقل. وفيه من حسن أدب المتعلم مع
العالم وتوقيره ما ذكر من صفته جلسة السائل، ويُستدل منه أن جبريل - عليه السلام - كان
يأتى النبى ◌َّهِ أحياناً فى صورة لَم يعهدها ولا يحصُلُ [ له ] (٢) علم بأنه جبريل لأول
وهلة، وهو دليل ظاهر هذا الحديث.
ولقوله: (( ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)) وسيأتى الكلام بَعْدُ على صور الملائكة
وذواتهم إن شاء الله .
وقوله : ((رُدُّوا علىَّ الرجُل)): قد يحتمل علمهُ به عليهما السلام، لكن لم يُعْلِم به
الناس لحكمة الله فى ذلك، ويكون قوله: ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)) إمَّاً لأن
أمرها أيضاً يخفى عن جبريل، أو (٣) المراد به السامعونَ، ويكون قوله: ((رُدُّوا علىَّ
الرجُلَ)) ليتحققوا بتلاشيه (٤) أنه ليس بآدمى ، والتأويل الأول أصح ؛ لأنه قد جاء فى
صحيح البخارى التصريح بأنه لم يدر أنه جبريل .
وقوله: ((وسأحدثك عن أشراطها )) (٥) : أى علاماتها ، واحدها شرط ، قال أبو
جعفر الطبرى : ومن سُمى الشَّرُط لجعلهم لأنفسم علامة يعرفون بها ، وقيل : أشراطها
مقدماتها وأشراطها الأشياء أوائلها ، ومن ذلك يُسمى الشَّرَطَان لتقدُمها أول الربيع (٦) ،
وقيل : الأشراط جمع شُرْطٍ وهو الدون من كل شىء ، فأشراط الساعة صغار أمورها قبل
قيامها ، ولهذا يُسمى الشرط .
(١) هذا رجوع منه عما سبق من تكفيره لهم بهذه الأشنوعة . وقوله : بالبصرة ، إما أن تكون على الحال من
معبد ، إذا كان معبد أول من قال ذلك على الإطلاق ، وتكون على البدل من القدر ، إذا كان معبدُ قد
سبق بهذا القول . فقد قالوا : احترقت الكعبة وابن الزبير محصور بمكة من قبل يزيد، فقال أناسٌ : احترقت
بقدر الله تعالى، وقال أناس: لم تحترق بقدر الله، وهو أول يوم قيل فيه بالقدر. إكمال الإكمال ١ / ٥١ .
(٢) ساقطة من الأصل .
(٤) فى ت : بتلايشه .
(٣) فى ت : و .
(٥) إذا ورد حديثان فى معنى بطريقين بينهما تناف، فلا بد من الجمع بين الطريقين ، وطريق الجمع : إن اتحد
المواطن أن يذكر وجه يناسب ، وإن تعدد المواطن فالجمع بأن يذكر أيضاً وجه يناسب ، أو يقال : إنه ذكر
فى موطن ما لم يذكر فى آخر .
وعلى هذا ، ففى هذا الحديث كان المبتدئ بالسؤال فى الحديث الأول جبريل ، وهنا كان المبتدئ بالبيان
رسول الله ، ويجمع بينهما بأن يكون جبريل - عليه السلام - ابتدأ فقال له النبى عَّه: (( سأحدثك))
فذكر فى الأول السؤال وفى الثانى الجواب . إكمال الإكمال ١ / ٧٥ .
(٦) جاء فى اللسان : والشَّرَطان نجمان من الحمل ، يقال لهما : قرنا الحمل ، وهما أول نجْمٍ من الرَّبيع ، ومن
ذلك صار أوائلُ كُلّ أمر يقع أشراطه .

٢١٣
كتاب الإيمان / باب الإيمان والإسلام والإحسان ... إلخ
وقوله فيه: (( بارزاً للناس)): أى ظاهرا بالبراز، وهو الفضاء من الأرض ، [ ومنه
المبارزة فى القتال ] (١) ومنه البروز لصلاة العيد ، والاستسقاء .
وقوله : ((تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدى الزكاة المفروضة))،
قال الإمام : أما التقييدُ للصلاة بأنها مكتوبةٌ فبيّنٌ وجههُ، [ لأن منها نوافل ليست
بمكتوبة ] (٢) ، وأما التقيد فى الزكاة بأنها مفروضة، فيحتمل أن يكون تحرُّزا من زكاة
الفطر؛ لأنها ليست بفرض مكتوب على أحد القولين (٣) وتحرُّزا من الزكاة المقدمة قبل الحول
فإنها تجزى عند بعض أهل العلم وليست بمفروضة حينئذ ، ولكنها تسمى زكاة .
قال القاضى : يظهر لى أن تخصيصه الصلاة المكتوبة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ (٤). قال المفسّرون: فريضةً مفروضةً ، وقيل : موقتة . وقد جاء
ذكرها بالمكتوبة مكرراً فى غير حديث، كقوله: ((أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة
قيام الليل )) (٥) .
وفى الحديث: (( خمس صلوات كتبهُنَّ الله على العباد)) (٦). وتخصيصه الزكاة
بالمفروضة أى المقدرة ؛ لأنها ماليةٌ محتاجةٌ إلى التقدير فى غير وجه من النصاب .
والجزء المخرج من المال وغير ذلك، ولهذا سُمِّ ما يخرجُ من الزكاة من الحيوانات
(١) سقط من الأصل ، والمثبت من ت.
(٢) سقط من الأصل وق ، وقيد فى ت بالهامش .
وجاء تعبير الشارع عن أداء الصلاة بلفظ الإقامة دون أخواتها من بقية الفرائض ؛ وذلك لما اختصت به
من كثرة ما تتوقف عليه من الشرائط ، والفرائض ، والسنن ، والفضائل ، وإقامتها إدامة فعلها مستوفاة
جميع ذلك . إكمال الإكمال ١ / ٦٤ .
(٣) من قال بأنها غير واجبة هم بعض المتأخرين من أصحاب مالك وداود ، فيما حكاه ابن عبد البر . وقد نقل
ابن قدامة عن ابن المنذر قوله: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن صدقة الفطر فرض ، وقال
إسحاق: هو كالإجماع من أهل العلم، وذلك لما روى ابن عمر: أن رسول الله عَّه فرض زكاة الفطر
من رمضان على الناس ، صاعاً من تمر أو صاعا من شعير على حر وعبد، ذكر وأنثى من المسلمين .
متفق عليه . زاد البخارى: والصغير والكبير من المسلمين. المغنى ٤ / ٢٨١ .
ونقل ابن عبد البر عن أبى جعفر الطبرى قوله: « اجمع العلماء جميعا - لا اختلاف بينهم - أن النبى
عَّ أمر بصدقة الفطر، ثم اختلفوا فى نسخها)).
قال : والقول بوجوبها من جهة اتباع سبيل المؤمنين واجب أيضاً ؛ لأن القول بأنها غير واجبة شذوذ ،
بٌ من الشذوذ . التمهيد ١٤ / ٣٢٤.
أو ضربٌ.
(٤) النساء : ١٠٣ ٠
(٥) جزء حديث أخرجه أحمد فى المسند عن أبى هريرة. بلفظ: ((أفضل صلاة ... )) ٥ / ٥٣٥.
(٦) الحديث بهذا اللفظ جزء حديث للنسائى وأحمد والبيهقى عن عبادة بن الصامت ، النسائى ، ك الصلاة ،
ب المحافظة على الصلوات الخمس ١ / ٢٣٠، أحمد فى المسند ٥ / ٣١٥، البيهقى فى السنن الكبرى
١ / ٣٦١، وأخرجه أبو داود بلفظ: ((افترضهن الله)) ك الصلاة، ب فى المحافظة على وقت الصلاة
١ / ١٠٠ من حديثه أيضاً .

٢١٤
-
كتاب الإيمان / باب الإيمان والإسلام والإحسان ... إلخ
فرائض، وفى كتاب رسول الله عَّه فى الصدقة: ((هذه فريضة الصدقة التى فرضها رسول
الله عَّه (١) وفى الحديث: ((فرض رسول الله عَّه زكاة الفطر)) (٢) معناه: قدَّر، وقيل:
أوجَب ، وقد يكون تفريقه بين هاتين الكلمتين مراعاة لعيب تكرير الواحدة منها وترديدها
عليهما ، وترديد اللفظ الواحد فى الكلام مذموم إلا أن يفيد معنى زائداً .
وقوله : [ فى هذا] (٣) الحديث: ((سلونى)) من رواية زهير بن حرب غير مخالف
لنهيه عن كثرة السؤال، وهذا فيما يُحتاج إليه كقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ﴾ (٤)
الآية ، قال الإمام : خرجه مسلم عن زهير بن حرب ، عن جرير ، عن عمارة، عن أبى
زرعة عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عَّ الحديث، ثم قال مسلم: جرير كنيته أبو
عمرو ، وأبو زرعة اسمه عُبيد الله، وأبو زرعة [ هذا ](٥) روى عنه الحسنُ بن عبيد
[الله] (٦) وأبو زرعة كوفى من أشجع. قال بعضهم: وقع هذا الكلام لمسلم فى رواية ابن
ماهان خاصةً وليس فى رواية الجلودى ولا الكسائى منه شىء ، قال : وبين أهل العلم
خلاف فى هذه الجملة .
أما قوله : أبو زرعة اسمه عبيد الله . فقد قاله أيضاً فى كتاب الطبقات ، قال : وقال
البخارى فى تاريخه ومسلم فى كتاب الكنى : أبو زرعة [ هذا ] (٧) إسمه هرم ، وخالفهما
يحيى بن معين فقال : أبو زرعة بن عمرو واسمه عمرو بن عمرو ، وكذا ذكره النسائى فى
الأسماء والكنى من تأليفه. وأما قوله: ((أبو زرعة روى عنه الحسن)) فقد قاله البخارى أيضاً
وقد خولفا فى ذلك ، فقيل : الذى يروى عنه الحسنُ رجل آخَر يروى عن ثابت بن قيس
اسمه هرم ، قاله ابن المدينى ، وإليه ذهب ابن الجارود فى كتاب الكنى ، قال : ثم ذكر
ابن الجارود ترجمة أخرى فقال : أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبى هريرة ، روى عنه
(١) الحاكم فى المستدرك من حديث حماد بن سلمة قال : أخذت من ثمامة بن عبد الله بن أنس كتاباً زعم أن
أبا بكر كتبه لأنس وعليه خاتم رسول الله عَّ حين بعثه مصدقاً وكتبه له، فإذا فيه: (( هذه فريضة الصدقة
التى فرضها ... )) الحديث ١ / ٣٩٠.
(٢) راجع التعليقة قبل السابقة .
(٣) من ت .
(٤) النحل : ٤٣، الأنبياء: ٧ .
قال القرطبى : سبب قوله هذا أنهم أكثروا السؤال ، واستشعر أن فيهم من يسأل تعنتاً ، فغضب حتى
احمر وجهه وقال: (( سلونى ، فوالله لا تسألونى عن شىء إلا أخبرتكم عنه ما دمت فى مقامى هذا)»
فدخل الناس من ذلك خوف .
(٥) غير مذكورة فى المعلم .
(٦) ساقطة من ق .
(٧) من المعلم . وعبارة مسلم فى الكنى أقرب إلى هذه العبارة من عبارة البخارى فى التاريخ .
قال مسلم : أبو زرعة هَرم بن جرير بن عبد الله البجلى ، سمع جريراً ، وأبا هريرة، روى عنه أبو
حيَّان التيمى وعمارة، والحسن بن عبيد الله. الكنى والأسماء ٤١. أما عبارة البخارى فهى : هرم أبو
زرعة بن عمرو بن جرير البجلى الكوفى . التاريخ الكبير ٨ / ٢٤٣ .

٢١٥
كتاب الإيمان / باب الإيمان والإسلام والإحسان ... إلخ
عمارةُ بن القعقاع ، والحارث العكلى وأبو حيان التيمى ، وكذا ذكر النسائى ترجمتين كما
فعل (١) [ ابن ] (٢) الجارود سواء.
وأما قوله فى رواية ابن ماهان: أبو زرعة كوفى من أشجع، فقال [ بعضهم ] (٣):
لا أعلم ما يقول ، كيف يكون من أشجع ، وأبو زرعة الذى فى [ هذا ] (٤) الإسناد هو ابن
عمرو بن جرير بن عبد الله البجلى ، أين تجتمع أشجع وبجيلة ، إلا أن / يريد رجلاً آخر؟! ١٣ / ب
انتهى كلامه .
قال القاضى : وهذا نصُّ ما ذكره الشيخ الحافظ أبو على الجيَّنى من أوَّلَه إلى آخره ،
وهو الذى كنَّى عنه ببعضهم ، وذكرناه فى هذا الموضع ، إذ هو موضع إدخاله فى جملة
حديث السائل وهو آخر طريق ذكره مسلم فى الحديث ، وأخَّرَ فى المعلم ذكره بعد هذا بعد
حديث ضمام ووفد عبد القيس وليس بموضعه .
وفى جملة حديث السائل من الفقه سوى ما تقدم : أمر العالم الناس سؤاله عما
يحتاجون إليه ليبينه لهم ، وأنهم إن لم يحسنوا السؤال ابتدأ التعليم من قبل نفسه ، كما
فعل جبريل ، أو يجعل من يسأل فيجيب بما يلزمهم علمهُ .
وقوله فى الحديث: ((وتؤمن بالبعث الآخر )) مبالغةٌ فى البيان ؛ ولأن خروج الإنسان
للدنيا بعث أول .
وقوله : ((ولقائه)) مع ذكر البعث، إشارة إلى الحساب والحشر وهو غير البعث والنشر.
مما فرض الله على شيئا ، ونحوه فى حديث محمد بن إسحاق ، فعلى عموم قوله:
((بشرائع الإسلام))، يسقط كل اعتراض ويذهب كل إشكال مما لم ينص عليه فى الحديث.
وهذا النجدىّ لم يُسمّه مالك ولا مسلم، وسمَّاه البخارى فى الحديث : الليث، فقال فيه :
((وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بنى سَعْدٍ بن بكرٍ)) (٥). ولم يأت ذكر الحج فى حديث ضمام .
(١) فى المعلم : فعله .
(٢) من المعلم .
(٣) غير مذكور فيما تيسر لى من نسخ المعلم .
(٤) من المعلم .
(٥) يعنى بذلك ما أخرجه البخارى فى ك العلم ، ب ما جاء فى العلم من حديث الليث عن سعيد المقبرى.

٢١٦ -
كتاب الإيمان / باب بيان الصلوات التى هى أحد أركان الإسلام
(٢) باب بيان الصلوات التى هى أحد أركان الإسلام
٨ - (١١) حدّثْنَا قُتَيَّةُ بْن سَعِيد بْنِ جَمِيلٍ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ النَّقَفِىُّ ، عَنْ
مَلِك بْن أَنْس - فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ - عَنْ أَبِى سُّهَيْلَ ، عَنَّ أَبِه؛ أَنَّهُ سَمِعَ طَلَحَّةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ
يَقُولَّ: جَاءَ رَّجُلٌ إِلَىَ رَّسُولِ اللهِ عَّهُ مِنْ أَهْلِ نَجَّدٍ ، ثَائِرُ الرَّأْسِ، نَسْمَعُ دَوِىَّ صَوْتِهِ وَلاَ
نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَّسُولِ اللهِ عَّهُ، فَإِذَا هُّوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ الله
عَّةُ: ((خَمْسُ صَلَوَت فى اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ)». فَقَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: ((لا، إلا أَنْ
قوله ◌َّى للذى سأله عن الفروض ، فأجابه السائل: لا أزيد على هذا ولا أنقص ،
فقال عَّه: ((أفلح إن صدق))، قال الإمام: أما فلاحه أن (١) لا ينقص فَبيِّن، وأَمَّا بألا
يزيد فكيف يصح هذا وكيف يُقرّه عليه، والتمادى على ترك سائر السنن مذموم يوجب
الأدَب عند بعض أهل العلم ؟ فلعله قال هذا ولم تُسَنّ السنَنُ حينئذٍ ، أو يكون فهم عنه أنه
لا يُغَيِّر الفروض التى (٢) ذكر بزيادة ولا نقصان ، وأن ذلك مراده بهذا القول .
قال القاضى : ورد فى هذا الحديث من رواية البخارى عن إسماعيل بن جعفر آخر
الحديث : فأخبره رسول الله عٍَّ بشرائع الإسلام فأدبر الرجُلُ وهو يقول: والله لا أزيد
ولا أنقُصُ (٣) .
ولم يرد ذكر الحج فى حديث النجدىّ من رواية طلحة بن عبيد الله ولا من رواية أبى
هريرة فى حديث الأعرابى، وجاء فى رواية ثابت عن أنس عند مسلم، ولم يأت من رواية
شُريك عن أنس عند البخارى (٤) ، وكذلك لم يذكر جابر [الحج ] (٥) فى حديث السائل ،
ولا الزكاة فى رواية أبى الزبير عنه ، ولم يذكر الصوم فى حديث الأغرّ عنه، ولم يذكر غير
الصلاة ، وذكر تحليل الحلال وتحريم الحرام، ولم يرد هذا فى حديث ضمام جملة، وكذلك
لم يرد فى حديث أبى أيوب فى هذا الباب ذكر الحج وصوم رمضان، وفيه ذكر صلة الرحم،
(١) فى المعلم : بأن ، ولعله أدق فى السياق .
(٢) فى الأصل : الذى ، والمثبت من ت والمعلم .
(٣) ك الصوم، ب وجوب صوم رمضان ٣ / ٣١، ك الحيل، ب فى ترك الحيل ٩ / ٢٩.
عن شريك بن عبد الله بن أبى نَمير أنه سمع أنس بن مالك يقول : بينما نحن جلوس مع النبى
فى المسجد دخل رجلٌ على جملٍ فأناخه فى المسجد ثم عَقلَه ثم قال لهم : أيكم محمد ؟ والنبى
متكئ بين ظهرانيهم ... الحديث ١ / ٢٤ .
(٤) هو نفس حديث ليث السابق .
(٥) من ت ، ق .

٢١٧
كتاب الإيمان / باب بيان الصلوات التى هى أحد أركان الإسلام
تَطَّوَّعَ، وَصِيامُ شَهْرِ رَمَضَانَ)). فَقَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: (( لا، إلا أَنْ تَطَّوَّعَ)). وَذَكَرَ
لَهُ رَسُولُ اللهِ عَّةُ الزَّكَاةَ فَقَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: ((لاَ، إلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ)). قَالَ: فَأَدْبَرَ
الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَالله، لا أَزيدُ عَلَى هَذَا وَلا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِعَّهُ: «أَفْلَحَ إِنْ
صَدَقَ )).
٩ - ( ... ) حدّثْنى يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ
جَعْفَرَ، عَنْ أَبِى سُهَيْل، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْن عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ،
نَحْوَ حَديث مَالك، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَ: (( أَفْلَحَ، وَأَبِيهِ، إِنْ صَّدَقَّ))
أَوْ: ((دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَأَبيه، إِنْ صَدَقَ )) .
وكذلك لم يرد فى حديث وفد عبد القيس ذكر الحج جملة ، ولا ورد فيه الصوم من رواية
حماد بن زيد عند مسلم وهو فى روايته عند البخارى ، وفيه ذكر أداء الخُمسِ من المغنم
والنهى عن أربع ، وليس فى حديث معاذٍ ذكر الصوم ولا الحج ، وكذلك لم يرد فى
حديث جبريل ذكر الحج عن أبى هريرة وورد فيه من حديث ابن عمر (١) .
ولم يأت فى حديث النجدى ذكر الإيمان (٢)، إما لأنه كان مُسلماً ، وإنما سأل عن
الفروع ، بدليل قوله فى الرواية الأخرى: (( يا رسول الله ، أخبرنى بما فرض الله علىَّ من
الصيام ... )) وذكر مثله فى الزكاة . وقد اختلف فى وقت فرض الحج فقيل : سنة تسع ،
وقيل : سنة خمس ، والأول أصح ، وذكر الواقدى أن وفادة ضمام كانت سنة خمس (٣) ،
فمعنى هذه الآثار كلها وزيادة بعضها على بعض فى أعداد الوظائف التى وعد النبى معَّ
[ بنجاة من اقتصر عليها وفلاحه ودخول الجنة أن تُضم هذه الزيادة التى زادها الثقة ويحكم
بصحتها ويحمل إسقاط من أسقطها على الوَهْم والنسيان ، إلا ما لم تختلف الرواية فى
إسقاطه فيُحمل أنَّ فرضه بعد هذا ] (٤) ، أو يكون قوله: (( إلا أن تطوَّع)) فى حديث
النجدى مُنَبها على ما زاد على الفرائض من السنن، فيكون قوله: ((لا أزيد)) أى على ما
(١) وعلى ذلك فتلك الأحاديث ليست سواء، لاختلاف مساقها. انظر: إكمال الإكمال ١ / ٧٨.
(٢) وكان سؤاله عن شرائع الإسلام لا عن حقيقته ؛ ولذا لم يجبه بما أجاب به جبريل عليه السلام - السابق ١/
٧٩ .
(٣) وذلك فيما أخرجه عن ابن عباس قال : بعثت بنو سعد بن بكر فى رجب سنة خمس ضمام بن ثعلبة ،
وكان جلدا، أشعر، ذا غديرتين، وافداً إلى رسول الله عَّه، فأقبل حتى وقف على رسول الله عَليه ،
فسأله فأغلظ فى المسألة .... الحديث ١ / ٢٩٩ .
(٤) سقط من ق .

٢١٨
كتاب الإيمان / باب بيان الصلوات التى هى أحد أركان الإسلام
ذكرت من الفرائض [ إلا أن أتطوع ] (١) وقد قيل : قد يكون معناه : لا أزيد على تبليغ ما
ذكرت لى إلى قومى ولا أنقص منه .
وإذا نظرنا إلى زيادة حديث جابر من قوله: (( وأحللتُ الحلال وحرمت الحرام ))
اشتملت هذه اللفظة على وظائف الإيمان وسنن النبى معَةٍ (٢)، ولم يبق سؤال على قوله : لا
أنقص منه. ومثله قوله فى رواية البخارى: ((فأخبره رسول الله عَِّ بشرائع الإسلام)) (٣)
وأما اختصاصه فى حديث أبى أيوب صلة الرحم وفى حديث وفد عبد القيس الأوعية (٤) ،
فذلك - والله أعلم - بحسب ما يخص السائل ويعنيه من ذلك وسيأتى الكلام عليه .
(١) سقط من ق .
(٢) وذلك لأنه كناية عن الوقوف عند حدود الشرع، وقال ابن الصلاح : ( معنى حرمت الحرام : اعتقدت
حرمته وتجنبه ، وتحليل الحلال يكفى فيه اعتقاد حليته فقط ). إكمال الإكمال ١ / ٨٥ .
(٣) انظر : حديث شريك السابق.
(٤) سيرد قريباً حديث وفد عبد القيس .
---------

٢١٩
كتاب الإيمان / باب السؤال عن أركان الإسلام
(٣) باب السؤال عن أركان الإسلام
١٠ - (١٢) حدّثنَى عَمْرُو بْنُ مُحَمَّد بْنِ بُكَيْرِ النَّاقِدُ، حَدَّثْنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ أَبُو
النَّصْرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنْسِ بْنِ مَالك ؛ قَالَ : نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ
رَسُولَ اللهِ لَّهُ عَنْ شَىْءٍ . فَكَانَ يُعْجِبْنَا أَنْ يَجِىءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيةِ، الْعَاقِلُ، فَيَسْأَلَهُ
وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ، أَنَانَا رَسُولُكَ، فَزَعَمَ لَنَا
أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَكَ؟ قَال: ((صَدَقَ)) قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: ((الله)). قَالَ :
فَمَنْ خَلَقَ الأَرْضَ؟ قَالَ: ((اللهُ)). قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذه الجَبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ ؟
قَالَ: ((الله). قَالَ: فَبَالَّذِى خَلَقَ السَّمَاءَ وَخَلَقَ الأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِه الْجَبَالَ، اللهُ أَرْسَلَكَ؟
قَال: ((نَعَمْ)). قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَت فى يَومِنَا وَلَيْلَتْنَا. قَالَ:
((صَدَقَ)). قَالَ: فَبَالَّذِى أَرْسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ )). قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ
أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِى أَمَّوَنَا. قَالَ: ((صَدَقَ))، قَالَ: فَبَالَّذِى أَرْسَكَ، اللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ :
((نَعَمْ). قَالَ: وَزَعَمْ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فِى سَنَتَنَا. قَالَ: ((صَدَقَ)).
وقوله: (( يا محمد)»: لعل هذا كان قبل أن يُنهى الناسُ عن دعائه بمثل هذا وقبل
نُزُول قوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (١) على أحد
التفسيرين (٢) ، قال قتادة : أمروا أن يعظموه ويفخموه ، قال غيره : ويدعوه بأشرف ما
يُحبُ أن يُنادى به ؛ يا رسول الله، يا نبى الله ، وقيل ذلك أيضاً فى قوله : ﴿وَلا
تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْض ﴾ الآية (٣) ، وقد ورد فى هذا الحديث أيضاً أنه ناداه :
يا رسول الله، ولعل ذلك كان بعد تعليمهم ما يجب عليه أو تمكن إسلامه ومَعْرِفَة حق
الرسالة ؛ لأنه أول (٤) وروده كان مسترشداً أو مستفسرا .
وقوله فى حديث النجدى: ((أتانا رسولك ... )) وتحليفه النبى عَّه على ما سأله عنه
يستدل به من يقول : أول الواجبات مُجرد التصديق ، وقد يكون هذا الرجل لأوَّلِ ما جاء
(١) النور : ٦٣ .
(٢) والقول الثانى : أى لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره ، فإن دعاءه مستجاب ، فاحذروا أن يدعوا
عليكم فتهلكوا .
حكاه ابن أبى حاتم عن ابن عباس ، والحسن البصرى ، وعطية العوفى. تفسير القرآن العظيم ٦/ ٩٧،
الدر المنثور ٦١/٥ .
(٣) الحجرات : ٢ .
(٤) فى الأصل : الأول .

٢٢٠
كتاب الإيمان / باب السؤال عن أركان الإسلام
قَالَ: فَبَالَّذِى أَرْسَلَكَ، اللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ:((نَعَمْ)). قَال: وَزَعَمْ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ
الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبيلا. قَال: ((صَدَقَ)) قَالَ: ثُمَّ وَلَّى. قَالَ: وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لا
أَزيدُ عَلَيْهِنَّ وَلا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ. فَقَالَ النَّبِىُّ عَّهُ: (( لَعَنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ)) .
١١ - ( .. ) حدّثْنى عَبْدُ الله بْنُ هَاشم الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ
الْمُغيرَةَ عَنْ ثَابت ؛ قَالَ : قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُهِينَا فِى الْقُرْآنِ أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِعَّهُ عَنْ شَىْءٌ،
وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ.
أراد الاستثبات وكشف الأمر ، فلما كان فى أثناء ذلك ظهر له من دلائل النبَّة ما ثبّت له
١٤/أ اليقين ، ويصحح الإيمان والمعرفة، ألا تراه / كيف استثبت فيمن خلق الأرض والسماء
ونصب الجبال ، وهذا أقوى طُرق الحجة على إثبات الصانع. وظاهر الحديث أنه لم يأت إلا
بعد إسلامه وإجابته ، وإنما جاء [ مستثبتاً ] (١) ومشافهاً للنبى عَّ بدليل (٢) أنه لما فارقه
إنما التزم ألا يزيد ولا ينقص، لكن جاء فى صحيح البخارى أنه قال فى آخر الحديث (٣):
((آمنتُ بما جئت به وأنا رسول من ورائى ... ))، والكلُ محتمل للوجهين ، وقد قال
الحاكم أبو عبد الله : هذا الحديث دليل على الرحلة فى علو الإسناد ، إذ لم يُقْنِع هذا
البدوىَّ ما سمعه عن رسول الله عَّه وما بلغه حتى رحل بنفسه إليه وسمع منه، قال : ولو
كان طلبه غير مستحب لأنكر - عليه السلام - سؤاله إياه عما أخبره به رسولُه عنه، وأمره
بالاقتصار على ما سمع منه (٤) .
قال القاضى : ولا حجة له فى هذا ؛ لأن الرجل فعل ما يجب عليه ورغب عن
الاقتصار على غلبة الظن ممَّا أخبره به الرسول عن النبى - عليه السلام - من الشرائع الذى
يمكن للمبلغ أن يغلط فيها ويهم ، ويدخل عليه الآفات ، وحرص على اليقين بسماعه من
النبى معَّهُ الذى لا يجوز عليه الوهم فى باب التبليغ ، وقد تقدّم الكلام فى علو الإسناد ،
قبل مع ما كان يجب من الهجرة والرحلة على المسلمين إلى النبى - عليه السلام - أول
الإسلام ، ويتعين عليهم من لقائه والتبرك برؤيته .
وقوله : ((كُثَّا نُهينا أن نسأل رسول الله عَّه))، وقوله فى الحديث قبله: ((سلونى
(١) غير واضحة فى الأصل ، والمثبت من ت .
(٢) فى الأصل : وقيل، والمثبت من ت .
(٣) راجع حديث شريك فى تعليقنا السابق .
(٤) عبارة الحاكم فى المعرفة عقب سياقه لجزء من هذا الحديث : احتج شيخ الصنعة أبو عبد الله محمد بن
إسماعيل البخارى - رحمه الله - فى كتاب العلم من الجامع الصحيح بهذا الحديث ، فى باب العرض
على المحدث ٢٥٨ .
...