النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
مقدمة مسلم / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ
جَهَلَ مَعْرِفَتَهُ كَانَ آئِمًا بِفعْلِهِ ذَلِكَ ، غَاشًا لِعَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ ، إِذْ لا يُؤْمَنُ عَلَى بَعْضِ مَنْ
سَمِعَ تِلكَ الأَخْبَارَ أَنْ يَسْتَعْمِلهَا، أَوْ يَسْتَعْمَلَ بَعْضَهَا، وَلَعَلَهَا أَوْ أَكْثَرَهَا أَكَاذِيبُ ، لا
أَصْلَ لَهَا، مَعَ أَنَّ الأَخْبَارَ الصِّحَاحَ مِنْ رِوَايَةِ الثِقَاتِ. وَأَهْلِ القَنَاعَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُضْطَرَّ
إِلَى نَقْلِ مَنْ لَيَسَ بِثِقَةٍ . وَلَا مَقْنَعِ .
والجمهور (١) ، وذهب بعض المالكية إلى توقف الأمر عند التكافى ، وقيل : يقضى
بالأعدال. فإن كان(٢) عد المعدلين أكثر فالجمهور على تقديم الجرح للعلة المتقدمةُ. وذهبت
طائفة إلى ترجيح التعديل ، وقال الباجىُّ: وهذا عندى يحتاج إلى تفصيل ، فإذا قال / ت١٧/أ
المُعَدَّلَ : هو عدلٌ رضى، وقال المجرّحُ : فاسِقِ رأيته أمس يشرب الخمر ، فلا تنافى بين
الشهادتين. وقد أثبت هذا فسْقاً لم يعلمه الآخر ، فأما لو قال المعدّل : ما فارقنى أمسٍ
الجامع ومثل هذا ، فقد تعارضَت الشهادتان ، ولعل توقُّف من توقَّفَ من أصحابنا لهذا
الوجه .
وقال اللخمى (٣): إذا كان اختلافهما فى ذلك عن كلام قاله فى مجلس أو فعلٍ فعله
قُضِىَ بالأعدال لا [به] (٤) تكاذب ، وهذا نحو ما أشار إليه الباجى ، وإن كان عن مجلسين
متباينين غلب الجرح ، وإليه يرجع قول الجمهور ، وإن تباعدت شهادة المعدل من شهادة
المجرح قضى بآخرهما - وهذا مما لا يختلف فيه - إلا أن يُعلم أنه كان حين شُهد عليه
بتقادم(٥) الجرح ظاهر العدالة إذ ذاك ، حسب ما هو عليه الآن فيغلب الجرح .
قال القاضى : ثُم يُرْجَع إلى الأصل عند تعارضُ الشهادتين ، فإن كان قبل محمولا
على العدالة، وجاءت بعدُ مثل هذه الشهادة مضت عدالته على ما تقدم له وعُرف من حاله إذ
سقطت الشهادتان ، وإن كان على غير ذلك بقى على حكمه الأول ، وهل يترجح التعارض
مع القول بالتوقف بالكثرة على الخلاف المتقدم .
(١) بشرط أن يكون الجارح والمعدل عارفا بصيرا بأسبابهما، وهذا القول منهم بناءً على انعدام السبب فى
كليهما ، حكاه الغزالى فى المستصفى عن القاضى الباقلانى ١٦٢/١، ونقله الآمدى فى الإحكام ١٢٢/٢.
(٢) فى الأصل : كاه ، وهو خطأ.
(٣) هو : بدر بن الهيثم بن خلف، القاضى الفقيه الصدوق. حدث عنه عمر بن شاهين وأبو بكر بن المقرى
وجماعة. قال الدارقطنى : كان ثقةً نبيلاً. توفى سنة سبع عشرة وثلاثمائة. تاريخ بغداد ١٠٧/٧، سير
١٤/ ٠٥٣٠
(٤) ساقطة من الأصل ، واستدركت فوق سابقتها على أنها فيه .
(٥) فى ت : بتقدم.

١٦٢
مقدمة مسلم / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ
وَلَا أَحْسَبُ كَثِيرًا مِمَّنْ يُعَرِّجُ مِنَ النَّاسِ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الضُّعَاف
وَلأَسَانِيدِ الَجْهُولَةِ ، وَيَعْتَدُّبِوَيَتِهَا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِمَا فِيهَا، مِنَ النََّهُّنِ وَالضَّعْفَ - إِلا أَنَّ
الذى يَحْمِلُهُ عَلَى رِوَايَتِهَا وَالاعْتِدَادِ بِهَا، إِرَادَةُ التَّكَثُّرِ بِذَلَكَ عِنْدَ العَوَامِّ، وَلَأَنْ يُقَالَ: مَا
أَكْثَرَمَا جَمَعَ فُلانٌ مِنَ الحَدِيثِ، وَأَلْفَ مِنَ العَدَدِ .
وَمَنْ ذَهَبَ فِى العِلمِ هَذَا الَذْهَبَ ، وَسَلَكَ هَذَاَ الطَّرِيقَ فَلَا نَصِيبَ لهُ فِيهِ ، وَكَانَ بِأَنْ
يُسَمَّى جَاهلاً، أَوْلِى مِنْ أَنْ يَنْسَبَ إِلى عِلمٍ .
وَقَدْ تَكَلِمَ بَعْضُ مُنْتَحِلى الحَدِيثِ مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا فِى تَصْحِيحِ الأَسَانِيدِ وَتَسْقِيمِهَا
بِقَوْلٍ، لَوْ ضَرَبّنَا عَنْ حِكَايَتِهِ وَذكَرَ فَسَادِهِ صَفْحًا - لكَانَ رَأيًّا مَتِينًا، وَمَذْهَبَا صَحِيحًا .
إِذِ الإِعْرَاضُ عَنِ القَوْلِ المُطَرَحِ أَخْرَى لِإِمَانَتِهِ وَإِخْمَالِ ذِكْرٍ قَائِلِهِ وَأَجْدَرُ أَلا يَكُونَ
ذَلِكَ تَنْبِهَا للجُهَّالِ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّالَّ تَخَوَّفْنَا مِنْ شُرُورِ العَوَاقِبِ وَاغْتِرَارِ الْجَهَلَةِ بِمُحْدثَات
الأُمُورِ وَإِسْرَاعِهِمْ إِلى اعْتِقَادِ خَطَأَ المُخْطِئِينَ، وَالأَقْوَالِ السَّاقِطَةِ عِنْدَ العُلَمَاءِ، رَأَيْنَا
الكَشْفَ عَنْ فَسَادٍ قَوْلِهِ، وَرَدَّ مَقَالتِهِ بِقَدْرِ مَا يَلِيقُ بِهَا مِنَ الرَّدِّ أَجْدَى عَلَى الأَنَامِ، وَأَحْمَدَ
لِلعَاقِبَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ.
وَزَعَمَ القَائِلُ الذِىِ افْتَحْنَا الكَلامَ عَلَى الْحِكَايَةِ عَنْ قَوْلِهِ، وَالإِخْبَارِ عَنْ سُوء رَوَيَّتَه
أَنَّ كُلَّ إِسْنَادِ لحَديث فِيهِ فُلانٌ عَنْ فُلانِ ، وَقَدْ أَحَاطَ العلمُ بِأَنَّهُمَا قَدْ كَانَا فِى عَصْرِ وَاحد،
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ الذِى رَوَى الرَّاوِى عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ وَشَفَّهَهُ بِهِ،
غَيْرَ أَنَّهُ لا نَعْلِمُ لَهُ مِنه سَمَاعًا وَلَمْ نَجِدْ فِى شَىْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمَا النَفَيَا قَطُّ، أَوْ تَشَافَهَا
بِحَديث - أَنَّ الْحُجَّةَ لا تَقُومُ عِنْدَهُ بِكُلِّ خَبَرِ جَاءَ هَذَا الَجِىءَ، حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ العلمُ
بأَنَّهُمَا قَدِ اجْتَمَعَا مِنْ دَهْرِهِمَا مَرَّةً فَصَاعِدًا، أَوْ تَشَافَهَا بِالحَدِيثِ بَيْنَهُمَا ، أَوْ يَرِدَ خَبرٌّ فِيه
بَيَانُ اجْتَمَاعِهِمَا، وَتَلاقيهمَا، مَرَّةً مِنْ دَهْرِهِمَا، فَمَا فَوْقَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلمُ ذَلِكَ،
وقال مسلم فى النهى عن التحدث بالأخبار الضعيفة كلاماً ، قال فى آخره : ((أو
يستعمل بعضَها أو أقلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها )) كذا رواية شيوخنا عن الدلائى،
أ

١٦٣
مقدمة مسلم / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ
وَلَمْ تَأْتِ رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ تُخْبِرُ أَنَّ هَذَا الرََّوِىَ عَنْ صَاحِبهِ قَدْ لقيَهُ مَرَّةً ، وَسَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا -
لَمْ يَكُنْ فِى نَقْلِهِ الْخَبَرَ عَمَّنْ رَوَى عَنْهَ ذَلِكَ، وَالأَمْرُ (١) كَمَا وَصَفْنَا، حُجَّةٌ. وَكَانَ الخَبَرُ
عِنْدَهُ مَوْقُونًا، حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِ سَمَاعُهُ مِنْهُ لِشَىْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ. قَلْ أَوْ كَثُرَ، فِى رِوَيَةٍ مِثْلِ مَا
ورد.
وهو محتمل مصحف غير مستقل ، والصواب روايتهم عن الفارسى: (( ولعلها - أو
أكثرها - أكاذيبُ)) وأظن اللام انفصلت مما بعدها من لعلها ، فقرأه : أقلها وغرَّه ذكر
أكثرها بعدُ .
(١) ضبطت فى نسخة الشعب هكذا : والأوامر، وهو خطأ فاحش.

١٦٤
مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن
(٦) باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن
وَهَذَا القَوْلُ - يَرْحَمُكَ اللهُ - فِى الطَّعْنِ فِى الأَسَانِيدِ، قَوْلٌ مُخْتَرَعٌ، مُسْتَحْدَثٌ غَيْرُ
مَسْبُوقِ صَاحِبُهُ إِليْهِ ، وَلَا مُسَاعِدَ لَهُ مِنْ أَهْلِ العلمِ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ القَوْلَ الشَّائِحَ الْمنَّفَقَ
عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ العِلمِ بِالأَخْبَارِ وَالرِّوَيَاتِ قَدِيَمًا وَحَدِيثًا، أَنَّ كُلَّ رَجُلٍ ثِقَةٍ روى عن مِثْلِهِ
حَدِيثًا، وَجَائِزٌ مُمْكِنٌّ لَهُ لِقَاؤُهُ، وَالسَّمَاعُ مِنْهُ، لِكَوْنِهِمَا جَميعًا كَانَا فِى عَصْرِ وَاحِد، وَإِنْ
لَمْ يَأْتِ فِى خَبَ قَطُّ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا ، وَلَا تَشَفَهَ بِكَلَامَ، فَالرِّوَيَةُ ثَابَةٌ، وَالحُجَّةُ بِهَا لَازِمَةً،
إلا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَلالَةٌ بَيْنَةٌ، أَنَّ هَذَا الرَّاوِىَ لمْ يَلْقَ مِنْ رَوَى عَنْهُ، أَوْ لِمْ يَسْمَعَ مِنْهُ شَيْئًا،
فَأَمَّا وَالأَمْرُ مُبْهَمٌ عَلَى الإِمْكَانِ الذِى فَسَّرْنَا فَالرِّوَايَةُ عَلَى السَّمَاعِ أَبَدًا، حَتَّى تَكُونَ الدَّلالةُ
التِى بَيّاً .
فَيُقَالُ لِمُخْتَرِعِ هَذَا القَوْلِ الذى وَصَفْنَا مَقَالَتَهُ، أَوْ لِلذَّابِّ عَنَّهُ: قَدْ أَعْطَيْتَ فِى جُمْلةِ
قَوْلَكَ أَنَّ خَبَرَ الوَاحد الثِّقَةِ ، عَن الوَاحِدِ النِّقَةِ ، حُجَّةٌ يَلَزَمُ بِهِ العَمَلُ. ثُمَّ أَدْخَلتَ فِيهِ
الشَّرْطَ بَعْدُ ، فَقُلتَ: حَتَّى نَعْلِمَ أَنَّهُمَا قَدْ كَانَا النَّقَيَا مَرَّةً فَصَاعِدًا، أَوْ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا . فَهَلْ
وذكر مسلم كلام بعض الناس فى المعنعن وهو قولهم : فلان عن فلان ولا يقول :
حدثنا ، ولا أخبرنا ، ولا سمعت ، وقولهم ولا يحمل منه على المسند إلا ما كان بين (١)
متعاصرين (٢) يُعلم أنهما قد التقيا من دهرهما مرة فصاعدا ، ومالم يعرِف ذلك فلا تقوم
الحجة منه إلا بما شهد له لفظ السماع والتحديث ، وأنكر مسلم هذا وردّه ولم يشترط غيرَ
التعاصُرِ لا أكثر، والقول الذى ردَّه مسلم هو الذى [عليه](٣) أئمة هذا العلم على بن المدينى
والبخارَى وغيرهما ، ولا بد أن يشترط أن يكون الراوى مع ذلك ممن لا يعرف بالتدليس .
قال أبو عمر بن عبد البر : وجدتُ أئمة الحديث أجمعوا على قبول المعنعن بغير
تدليس ، إذا جمع شروطا ثلاثةً : عدالتَهم ، ولقاء بعضهم بعضا ، وبراءتهم من
التدليس (٤) على خلاف بينهم فى ذلك ، وقال ابن البيّع : المعنعن بغير تدليس متصل
(٣) ساقطة من الأصل ، واستدركت بالهامش.
(١) فى الأصل: من. (٢) فى ت : المتعاصرين.
(٤) هذا مفهوم عنه وليس لفظا منه. قال فى التمهيد: ((إن ((عن)) ظاهرها الاتصال ، حتى يثبت فيها غير
ذلك .. )) ثم قال: (( والأصل فى هذا الباب اعتبار حال المحدث ، فإن كان لا يأخذ إلا عن ثقة ، وهو
نفس ثقة وجب قبول حديثه مرسله ومسنده ، وإن كان يأخذ عن الضعفاء ، ويسامح نفسه فى ذلك ،
وجب التوقف عما أرسله حتى يسمى من الذى أخبره . وكذلك من عرف بالتدليس المجتمع عليه ، وكان
من المسامحين فى الأخذ عن كل أحد ، لم يحتج شىء مما رواه حتى يقول : أخبرنا ، أو سمعت ، قال :
(«وعلى ما ذكرته لك أكثر أئمة الحديث)). التمهيد ١٤/١/ ١٧.

١٦٥
مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن .
تَجِدُ هَذَا الشَّرْطَ الذِى اشْتَرَطْتَهُ عَنْ أَحَدِ يَلِزَمُ قَوْلهُ؟ وَإِلا فَهَلُمَّ دَلِيلاً عَلَى مَا زَعَمْتَ .
فَإِنَ ادَّعَى قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ عُلِمَاءِ السََّفِ بِمَا زَعَمَ مِنْ إِدْخَالِ الشَّرِيِطَةِ فِى تَثْبِتِ الخَبَرِ،
طوُلُبَ بِه ، وَلَنْ يَجِدَ هُوَّ وَلَا غَيْرُهُ إلى إِيجَاده سَبِيلاً، وَإِنْ هُوَ ادَّعَى فِيمَا زَعَمَ دَلِيلاً يَحْتَجُ
به قيلَ لهُ: وَمَا ذَاكَ الدََّيلُ؟ فَإِنْ قَالَ : قُلْتَّهُ لأَنِّى وَجَدْتُ رُوَةَ الأَخْبَارِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا
يَرَوِى أَحَدُهُمْ عَنِ الآخَرِ الحَدِيْثَ وَلَّا يُعَايِنْهُ ، وَلَا سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا قَطُّ ، فَلِمَّا رَأَيْتُهُمُ
اسْتَجَازُوا روَايَةَ الحَديثِ بَيْنَهُمْ هَكَذَا عَلَى الإِرْسَالِ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ ، والْمُرْسَلُ مِنَ
بإجماع أهل النقل ، على تورع رواته عن التدليس (١) ، وإلى ما ذهب إليه مسلم ذهب
القاضى أبو بكر الباقلانى وغيره من أئمة النظار .
وكذلك اختلفوا فى لفظة: ((أنَّ فلانا )» هل هى مثل : عن فلان ؟ فيقضى لها
بالاتصال(٢) أو بضد ذلك، فقال جمهورهم: إنَّ ((أنَّ) و ((عن)) سواء على الشروط المذكورة
فى ((عن))، وزعم البَرْدَيجىُّ أنَّها على الانقطاع حتى يتبيَّن فيها السَّماعُ بخلاف ((عن))(٣).
قال مسلم : ((والمرسل من الروايات فى أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس
بحجة )).
قال القاضى : اختلف العلماء فى المرسل على ما يقع من الحديث وفى ثبوت الحجة
به، فأما الفقهاءُ والأصوليون فيطلقون المرسل على [كل ما لا يتصل](٤) سنَدُه إلى النبى
(١) معرفة علوم الحديث : ٣٤.
ومثل له بمثالين :
الأول : قال: ما حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا بحر بن نصر الخولانى ، حدثنا عبد الله بن
وهب ، أخبرنى عمرو بن الحارث ، عن عبد ربه بن سعيد الأنصارى ، عن أبى الزبير ، عن جابر بن عبد
الله عن رسول الله عَّ﴾ أنه قال: ((لكل داء دواءٌ، فإذا أصيب دواء الداء برِىَ بإذن الله عز وجل)).
قال : هذا حديث رواته بصريون ، ثم مدنيون ومكيون ، وليس من مذاهبهم التدليس ، فسواء عندنا
ذكروا سماعهم أو لم يذكروه .
الثانى : قال : ما أخبرناه أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبى بمرو ، ثنا سعيد بن مسعود ، ثنا عبيد
الله بن موسى ، ثنا إسرائيل ، عن عبد الله بن المختار ، عن ابن سيرين ، عن أبى هريرة قال : سمعت
رسول الله ◌َّه يقول: ((إن مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه أذى)).
قال الحاكم : هذا حديث رواته كوفيون وبصريون ممن لا يدلسون ، وليس ذلك من مذاهبهم ،
ورواياتهم سليمة، وإن لم يذكروا السماع. معرفة : ٣٤، ٥٣ .
(٢) كتبت فى الأصل : بالانفصال . ثم ضرب عليها وكتبت بالهامش بالاتصال ، ثم كتب بعدها : حيث ثبت
الانفصال ، وهى عبارة ذكرها يضر بالمعنى .
(٣) قال الخطيب: ((وتأثير الخلاف بين اللفظين إنما يتبين فى رواية غير الصحابى)» الكفاية : ٥٧٥ .
(٤) فى ت : مالم يتصل.

مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن
١٦٦
الرِّوَيَاتِ فِى أَصْلِ قَوْلِنَا وَقَوْلِ أَهْلِ العِلمِ بِالأَخْبَارِ ليْسَ بِحُجَّةً - احْتَجْتُ، لمَا وَصَفْتُ
مِنَ العِلةِ ، إِلى البَحْثِ عَنْ سَمَاعِ رَاوِى كُلٌّ خَبَر عَنْ رَاوِيِهِ . فَإِذَا أَنَا هَجَمْتُ عَلَى سَمَاعه
مِنْهُ لأَذْنَى شَىْءٍ ، ثَبَتَّ [ عَنَّهُ](١) عِنْدِى بِذَلِكَ جِّمِيعُ مَا يَرْوِى عَنَّهُ بَعْدُ.
عليه السلام -، وأرسله راوٍ من رواته تابعيا كان أو [من](٢) دونه، إلى النبى معَّه، أو
سكت فيه عن راو من رواته أو أكثر ، وارتفع إلى من فوقه ، فهو داخل عندهم فى
المرَسل(٣)، وكذلك إذا قال عن رجُل ولم يُسَمِّه، وأما أصحاب الحديث فلهم تفريق فى
ذلك واصطلاحات بَنَوا عليها صنعتهم ، ورتبوا أبوابهم وتراجمهم ، فلا يطلقون المرسل إلا
على ما أرسله التابعى، وقال فيه: قال رسول الله عمّه، دون ذكر الصحابى ، وقال أبو
عبد الله الحاكم فى كتاب ((علوم الحديث)): لم يختلف مشايخ الحديث فى هذا (٤) ، فأما
ما أرسله الراوى دون التابعى فهو عندهم المنقطع ، وكذلك يسمون الحديث عن رجُل لم
يُسمَّ، وذكر كتاب ((المدخل إلى كتاب الإكليل)) : المرسل أن يقول التابعى أو تابع
التابعى: قال رسول الله عَّ﴾ (٥)، فإن كان بين المُرسِل و[بين](٦) النبى عَّ أكثر من
رجُلٍ سَمَّوَهُ مُعضَلاً ، كذا لقَّبَهُ ابن المدينى وغيرُه وأدخل البلاغات وشبهها عندهم فى باب
العضل ، وكل هذا بالحقيقة داخل فى باب المرسل ، إذْ أصل ذلك إضافة الراوى الحديثَ
(١) ساقطة من نسخة الشعب.
(٢) ساقطة من ت.
(٣) وعلى ذلك فالإرسال عندهم يطلق على الحديث الذى انقطع سنده مطلقا ، سواء كان الساقط واحداً أم
أكثر ، وسواء وقع السقط فى أول السند أم فى وسطه أم فى آخره ، وسواء كان الحديث مرفوع . وهو
بهذا التعريف يكون مرادفا للمنقطع عند ابن عبد البر وابن الصلاح وطائفة من الفقهاء والمحدثين ، واختاره
البيقونى حيث قال : وكل ما لم يتصل بحال .. إسناده منقطع الأوصال .
وجاء فى التمهيد: المنقطع عندى كل ما لا يتصل، سواء كان يعزى إلى النبى عَّه أو إلى غيره. التمهيد
٢١/١، مقدمة ابن الصلاح: ٢٧، فتح المغيث ١٥٨/١. قال ابن الصلاح: إن هذا القول هو المعروف
فى الفقه والأصول . قلت: وهو اختيار البغدادى أيضا فى الفقيه والمتفقه ١٠٣/١، وانظر الكفاية: ٣٨٤.
وكان هذا مذهب طائفة من أئمة الرواية أمثال البخارى وأبى داود والترمذى وأبى حاتم.
جاء فى صحيح البخارى فى كتاب فضائل القرآن ، باب فضل ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ قول ابن حجر :
((ويؤخذ من هذا الكلام أن البخارى كان يطلق على المنقطع لفظ المرسل)) فتح ٩/ ٦٠، وانظر كلام أبى
داود فى حديث ابن دريك عن عائشة : هذا مرسل ، خالد بن دريك لم يدرك عائشة . ك اللباس ، باب
فيما تبدى المرأة من زينتها ٢/ ٣٨٣، وكذلك قول الترمذى فى حديث سعيد بن أبى هلال عن جابر ، ك
الأمثال،، ب ما جاء فى مثل الله لعباده ١٤٥/٥، قال: ((هذا حديث مرسل ، سعيد بن أبى هلال لم
يدرك جابر بن عبد الله )) وفى هذا يقول الحاكم : إنه قلما يوجد من يفرق بين المرسل والمنقطع . المعرفة:
٢٧
(٤) عبارة الحاكم : مشايخ الحديث لم يختلفوا فى أن الحديث المرسل هو الذى يرويه المحدث بأسانيد متصلة إلى
التابعى فيقول التابعى: قال رسول الله عَلّ. معرفة علوم الحديث : ٢٥.
(٦) ساقطة من الأصل.
(٥) المدخل : ٤٣.

١٦٧
مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن
إلى من لم يرو عنه ، وإرسال سنده وسقوط اتصاله ، وأما الحجة به فذهب السلف الأول
إلى قبوله والحجة به، وهو مذهب مالك وأبى حنيفة [ وعامة أصحابهما ](١) وفقهاء
الحجاز والعراق، وذهب الشافعى وإسماعيل القاضى ، فى عامة أهل الحديث وكافة أصحاب
الأصول وأهل النظر ، إلى ترك الحجة بها ، وحكاه الحاكم عن ابن المسيب ومالك وجماعة
أهل الحديث وفقهاء الحجاز وممن بعدهم من فقهاء [ المدينة ](٢) ، وعن الأوزاعى والزهرى
وابن حنبل ، والمعروف من مذهب مالك وأهل المدينة خلاف ما ذكر فلهم تفريق فى ذلك،
وشرط بعض من لم يَر الحجة به مراسيل التابعين / جملةً وخَصَّ بعضُهم مراسيل كبار
التابعين (٣)، وبعضُهم مراسيل الصحابة (٤) [و](٥) إذا قالوا : حدثنى رجل عن النبى - عليه
السلام - وخصَّ الشافعى مراسيل سعيد بن المسيب (٦)، وبعضُهم مراسيل الأئمة(٧) وجعلها
ت١٨/أ
(٢) ساقطة من الأصل.
(١) سقط من ت.
(٣) وألحقها بمراسيل الصحابة. قال الحافظ: ((ويقال : إنه مذهب أكثر المتقدمين ، وهو مذهب الشافعى -
رضى الله عنه)). النكت ٥٥١/٢ .
(٤) وهو محكى عن محمد بن الحسن . السابق .
(٥) غير مذكورة فى ت ، ولعله هو الصواب .
(٦) هو ابن حزن بن أبى وهب بن مخزم . الإمام العَلم ، عالم أهل المدينة ، وسيد التابعين فى زمانه ، ولد
لسنتين مضتا من خلافة عمر ، وقيل : لأربع مضين بها بالمدينة ، رأى عمر ، وسمع عثمان ، وعليا ،
وزيد بن ثابت ، وأبا موسى وسعدا ، وعائشة وأبا هريرة وابن عباس ، وأم سلمة ، وخلقا ، وقيل : إنه
سمع من عمر ، روى عن أبى بن كعب مرسلاً ، وبلال كذلك ، وسعد بن عبادة كذلك وروايته عن
على، وسعد ، وعثمان وأبى موسى ، وعائشة ، وأم شريك ، وابن عمر ، وأبى هريرة ، وابن عباس ،
وحكيم بن حزام ، وابن عمرو ، وأبيه المسيب ، وأبى سعيد فى الصحيحين ، وعن حسان بن ثابت ،
وصفوان بن أميَّة ، ومعمر بن عبد الله ، ومعاوية ، وأم سلمة ، فى صحيح مسلم ، وروايته عن جبير بن
مُطعم ، وجابر وغيرهما فى البخارى ، وروايته عن عمر فى السنن الأربعة ، وكذلك عتاب بن أسيد ،
وهو مرسل.
أرسل عن النبى عَّه وعن أبى بكر الصديق ، وكان زوج بنت أبى هريرة وأعلم الناس بحديثه.
روى عنه خلق منهم : عمرو بن شعيب. وعمرو بن دينار ، وقتادة ، والزهرى ، ويحيى بن سعيد
الأنصارى.
وكان ممن برز فى العلم والعمل. قال فيه ابن المدينى : لا أعلمُ فى التابعين أحدا أوسع علما من ابن
المسيب، هو عندى أجلِّ التابعين .
مات سنة أربع وتسعين. وهى السنة التى يقال فيها سنة الفقهاء. الطبقات الكبرى ١٤٣/٥، طبقات
خليفة : ٢٩٦، تاريخ البخارى ٣/ ٥١٠، تهذيب التهذيب ٨٤/٤، سير ٢١٧/٤ : ٢٤٦ بتصرف.
(٧) المراد بهم أئمة النقل المرجوع إليهم فى التعديل والتجريح ، كما ذكره الحافظ فى النكت ، قال : وهو قول
عيسى بن أبان من الحنفية ، واختاره أبو بكر الرازى منهم ، وكثير من متأخريهم ، والقاضى عبد الوهاب
من المالكية ، بل جعله أبو الوليد الباجى شرطا عند من يقبل المرسل مطلقًا. النكت ٢/ ٥٥١ .

١٦٨
مقدمة مسلم/ صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن
حجةً كالمسندات ، إذ أكثرها كذلك، لا (١) يرسلون إلا ما صَحَّ، ومنهم من جعل هذه
أقوى من المسانيد لأن الإمام لا يرسل الحديث إلا مع نهاية الثقة به والصحة (٢). واختار
بعض المحققين من المتأخرين قبولَ مُرْسل الصحابى والتابعى إذا عُرِف من عادته أنه لا يَروى
إلا عن صحابى ، قال أبو عمرو أبو الوليد (٣): ولا خلاف أنه لا يجوز العمل به إذا كان
مُرْسِلُهُ غيرَ متحرز يُرسِلُ عن غير الثقات .
قال مسلم: (( خبر الواحد الثقة (٤) عن الواحد حجةٌ يلزم به العمل)). هذا الذى قاله
هو مذهب جمهور المسلمين من السلف والفقهاء والمحدثين و [مذهب](٥) الأصوليين (٦)،
وأن وجوب ذلك من جهة الشرع كأن نقله بواحدٍ عن واحد أو أكثر ما لم يبلغ عدد
التواتر(٧) ، وإن أوجب غلبة الظن دون اليقين والعلّم، وذهبت الروافض والقدريَّة وبعض
أهل الظاهر إلى أنه لا يجب به عملٌ ، واختلفوا بَعْدُ ، فمنهم من قال : مانع ذلك العقلُ،
ومنهم من قال: الشرع ، وقالت طائفة : يجب العمل بمقتضاه عقلاً ، وذهب الجبائى من
المعتزلة إلى أنه لا يلزم العملُ إلا بما رواه اثنان عن اثنين هكذا إلى النبى عمّه، وقال غيره:
لا يلزم إلا بما رواه [ أربع عن أربع ](٨)، ومثل هذا غيرُ موجود، وإن وُجِدَ منه شىء
(١) فى الأصل زيد قبلها : وإذ.
(٢) وهو أحد الأقوال المحكية عن مالك وأبى حنيفة ، وقد سبق ذكرهما آنفا.
(٣) انظر: التمهيد ٣٨،٧/١، وإحكام الفصول : ٧٤٣.
قال النووى : أما مرسل الصحابة وهو ما رواه ابن عباس وابن الزبير وشبههما من أحداث الصحابة عن
رسول الله عَّه مما لم يسمعوه منه فحكمه حكم المتصل ؛ لأن الظاهر روايتهم ذلك عن الصحابة ،
والصحابة كلهم عدول .
قال : وحكى الخطيب وغيره عن بعض العلماء أنه لا يحتج به كمرسل غيرهم إلا أن يقول : لا أروى
إلا ما سمعته من رسول الله عَّه أو عن صحابى، لأنه قد يروى عن غير صحابى . قال : وهذا مذهب
الأستاذ أبى إسحق الإسفرايبنى الشافعى. إرشاد ١/ ١٧٤ .
قال : والصواب المشهور أنه يحتج به مطلقا لأن روايتهم عن غير الصحابة نادرة ، وإذا رووها
بينوها. السابق ١/ ١٧٥ .
(٤) زيد قبلها فى ت : عن.
(٦) الرسالة ٣٦٩ فقرة ٩٩٩.
(٥) ساقطة من الأصل.
قلت : هذا إذا احتفت به القرائن.
(٧) والمراد بخبر الواحد : مالم يبلغ رواية حد التواتر - ولا حد الشهرة عند الحنفية - أما عند الشافعية فهو ما
عدا المتواتر ، الذى هو رواية جمع عن جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب من أول السند إلى منتهاه. وهذا
حدُّ التواتر.
(٨) كررت فى هامش الأصل : أربعة عن أربعة ، وكلاهما صحيح.
اللفظى: ومثلوا له بحديث: (( من كذب علىَّ متعمدا)).
أما المعنوى فهو : ما اتفق نقلته على معناه من غير مطابقة فى اللفظ. ومثلوا له بأحاديث الشفاعة
وأحاديث الرؤية، وأحاديث نبع الماء من بين أصابعه عَّه. ونحو ذلك. حاشية البنانى على شرح جمع =

١٦٩
-
مقدمة مسلم/ باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن
فقليلٌ ، ولو التُزِمِ هذا لا يطلب السُّنْنُ ، وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنه يوجب
العلم، وحُكى هذا عن أحمد بن حنبل (١)، ثم قالت منهم طائفة: [ إنما ](٢) يُوجِبُ
العِلمَ الظاهر دون الباطن. وهذه الأقاويل كلها غير قول الجمهور باطلة (٣)، إذ لا يقطع
بِمُغَيَّةٍ وصدِق ناقله [وإذ يُعلم بالضرورة ترك الطمأنينة إلى القطع بصدق ناقله ](٤)
لاحتمال الوهم والغلط ، والآفات على الآحاد ، كما لا يُقطع بصحَّةِ شهادة الشهود ، وإن
لزمنا العمل بها إجماعا ، ولعلمنا (٥) قطعاً إجماع الخلفاء(٦) والصحابة ومن بعدهم من
السلف على امتثال خبر الواحد إذا أخبرهم بِسُنَّةٍ أو قضاء من النبى عَّهِ ورجُوعهم إليه
[وقضائهم] (٧) وفتياهم به دون تلعثُم وطلبهم عند عدم الحجة ذلك مِمَّن بلغَهُم أن ذلك
الجوامع ١١٩/٢، مجموع الفتاوى ١٦/١٨.
=
والمتواتر بهذا الحد يفيد العلم القطعى. وهو قول كافة أهل العلم - كما حكاه أبو البركات فى المسودة:
٢٣٣.
والمشهور : ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين ، ولم يبلغ حد التواتر - أى لم يُفْد بمجرد العلم، وهو
المستفيض على رأى الجماعة من أئمة الفقهاء. وقيل : المستفيض يكون عدد طرفيه ووسطه سواء ، والمشهور
أعم من ذلك. وقد يطلق المشهور على ما اشتهر على الألسنة مطلقا ، أى وإن لم يكن له إسناد. قواعد
فى علوم الحديث : ٣٢ .
وهما عند الجمهور داخلين تحت مسمى الآحاد ، والمشهور قسيما للمتواتر والآحاد عند الحنفية ، كما
أن المستفيض قسم منه عندهم والمشهور عندهم يوجب ظنا فوق ما يوجبه الظن الحاصل من خبر الآحاد.
ولهذا فإنهم يذهبون إلى جواز تخصيص القرآن به.
أما الذين يخصصون القرآن بالآحاد - وهم الشافعية - فإنهم لا يفرقون بين الآحاد والمشهور ، إلا أن
المشهور أقوى عند الترجيح لكثرة رواته. أصول مذهب الإمام أحمد : ٢٧١ .
والقرائن التى يفتقر إليها خبر الواحد ليفيد العلم هى وقوع الإجماع على العمل بمقتضاه ، أو تلقى الأمة
له بالقبول ، أو يكون مشهوراً أو مستفيضاً ، أو ما يفيد العلم.
فإذا احتف بخبر الواحد قرينةٌ من تلك القرائن جعلته مفيدا للعلم النظرى لا الضرورى ، لأنه لو حصل
العلم بدونها لوجب القطع بتخطئة من تخالفوا بالاجتهاد ، وهو خلاف الإجماع ، حكاه البدخشى - منهاج
العقول فى شرح منهاج الأصول إلى علم الأصول للبيضاوى ٢٧٩/٢، ولأنه لو أفاده بدونها للزم تناقض
المعلومين عند تعارض خبرى عدلين . السابق.
(١) وهو أحد قولين له فى هذه المسألة، والثانى: أن العلم به لا يطرد ، أى يحصل مرة دون أخرى. بدخشى
٢٧٩/٢.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) لو قال القاضى: ((مرجوحةً)) لكان أليق، إذ أن هذا مذهب كثيرين.
(٤) سقط من ت .
(٦) قيد قبلها فى ت : العلماء ، ولا وجه لذكرها هنا.
(٧) ساقطة من ت .
(٥) فى ق : علمنا.

١٧٠
-
مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن
عنده، واحتجاجهم برواية من روى ذلك عند خلافهم ، وكذلك علمنا بالضرورة والخبر
المتواتر إنفاد من يأتى عن النبى عَّه لأوامره بأخبار رُسِله وتبليغ كتبه(١) ، وكل هذا لا
٨ / ب خفاء بصحته والعقل لا يُحيلُ التكليف بالعمل به ، والشَرع لم يمنعه بل أوجبه (٢) / وعَبَّرَ
بعض المتفقهة ومن لم يحصّل لفظه بأنه يوجب العَمَلَ (٣)، وهو (٤) تجوَّز فى اللفظ، إذ
الشىء لا يكون حُجة لوجوبه ، وإنما تلقينا وجوب العمل به من سيرة السلف ، وإجماعهم
وأوامر النبى عَّهُ كما قدَّمنا، وتفريق من فرَّق بين العلم الظاهر(٥) والباطن فيه ، فإن أراد
بالظاهر غلبة الظن دون القطع فهو ما أردناه وصَوَّبناه ، فهو خلاف فى عبارة.
(١) وذلك مثل بعثه عَّ معاذا إلى اليمن، وسيأتى قريبا إن شاء الله، وكذا عليا وعمرو بن حزم، وبعثه عَّ
عتاب بن أسيد إلى مكة ، ومصعب بن عمير إلى المدينة. راجع الدراية ٢/ ١٦٥ .
(٢) وذلك فى قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَفَقُّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ
لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون﴾ [التوبة: ١٢٢].
وجه الاستدلال : أن الله تعَّدنا بقبول خبر كل طائفة خرجت للتفقه ، ثم أنذرت قومها ، وهذه صفة
خبر الواحد ؛ لأن الفرقة تقع على ثلاثة ، والطائفة منها واحد أو اثنان. يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِن
طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِينَ اقْتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ [الحجرات: ٩، ١٠]،
فأوقع على الأخوين اسم الطائفتين ، وقال: ﴿إِن نُّعف عن طائفةٍ مَنْكُمْ نَعَذّب طائفة﴾ [التوبة: ٦٦]. قال
محمد ابن كعب القرظى: ((كان هذا رجلا واحدا)).
قال الكلوذانى : فثبت أن الطائفة تقع على الواحد . التمهيد ٤٦/٣ .
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنِبَأٍ فَتَيِّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ
نَادِمِين﴾ [الحجرات: ٦].
وجه الدلالة : أن الله شرط فى التبيين والتثبيت كون المخبر فاسقا ، فبان من هذا أن خبر العدل لا تثبّت
فيه . التمهيد ٥١/٣ .
أما عن كون العقل لا يحيل التكليف بالعمل به ؛ وذلك لأنه لو لم يجب العمل به لتعطلت وقائع
الأحكام المروية بالآحاد ، وهى كثيرة جدا ، ولا سبيل إلى القول بذلك ، فإن وقائع الأحكام لم تتعطل.
ذكره الجلال المحلى فى شرحه لجمع الجوامع ٢/ ١٣٢ .
وإيجاب العمل به بدليل العقل مع الشرع قال به ابن شريح والقفال من الأشاعرة ، والبصرى من
المعتزلة. وهو مذهب أحمد. منهاج العقول للبدخشى ٢/ ٢٨٠ .
(٣) أى بغير لفظه به .
(٤) فى الأصل : وقد ، والمثبت من ت.
(٥) فى ت : والظاهر.

١٧١
مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن
فَإِنْ عَزَبَ عَنِّى مَعْرِفَةُ ذَلِكَ ، أَوْقَفْتُ الخَبَرَ وَلَمْ يَكْنْ عِنْدِى مَوْضِعَ حُجَّةٍ لِإِمْكَانِ
الإرْسَال فيه .
فَيُقَالُ لهُ: فَإِنْ كَانَت العلةُ فى تَضْعِيفِكَ الخَبَرَ وَتَرْكِكَ الاخْتِجَاجَ بِهِ إِمْكَانَ الإِرْسَالِ
فيه ، لزمَكَ أَنْ لا تُثْبِتَ إِسْنَادًا مُعَنْعَنَا حَتَّى تَرَى السماع فِيهِ مِنْ أَوَّه إلى آخرِهِ ؟
وَذَلِكَ أَنَّ الَحَدِيثَ الوَارِدَ عَلَيْنَا بِإِسْنَادِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيِهِ عَنْ عَائِشَةَ ، فَبَيَقِين
نَعْلِمُ أَنَّ هِشَامًا قَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِيِهِ ، وَأَنَّ أَبَاهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ ، كَمَا نَعْلِمُ أَنَّ عَائِشَةَ قَدْ
سَمِعَتْ مِنَ النَِّّ عَّه .
وَقَدْ يَجُوزُ ، إِذَا لَمْ يَقُلْ هِشَامٌ ، فِى رِوَايَةٍ يَرْوِيِهَا عَنْ أَبِيهِ : سَمِعْتُ أَوْ أَخْبَرَنِى: أَنْ
يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيه فى تلكَ الرِّوَايَةِ إِنْسَانٌ آخَرُّ ، أَخْبَرَهُ بِهَا عَنْ أَبِيهِ ، وَلَمْ يَسْمَعْهَا هُوَ مِنْ
أَبِهِ، لَّا أَحَبَّ أَنْ يَرْوِيِهَا مُرْسَلَاً . وَلَا يُسْنِدَهَا إِلى مَنْ سَمِعَهَا مِنْهُ.
وكَمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِى هِشَامٍ عَنْ أَبِهِ ، فَهُوَ أَيْضًا مُمْكِنٌ فِى أَبِهِ عَنْ عَائِشَةَ.
وكَذَلِكَ كُلُّ إِسْنَادِ لِحَدِيثٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ سَمَاعِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ عُرِفَ فِى الْجُمْلةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ سَمِعَ مِنْ صَاحِبِهِ سَمَاعًا كَثِيرًاً ،
فَجَائِزٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْزِلَ فِى بَعْضِ الرِّوَيَةِ فَيَسْمَعَ مِنْ غَيْرِهِ عَنْهُ بَعْضَ أَحَادِيثِهِ ، ثُمَّ
يُرْسِلُهُ عَنَّهُ أَحْيَانًا، وَلَا يُسَمَّى مَنْ سَمِعَ مِنْهُ، وَيَنْشَطَ أَحْيَانًا فَيُسَمِّىَ الرَّجُلَ الذِى حَمَّلَ عَنْهُ.
الحَديثَ وَيَتْرُكَ الإِرْسَالَ .
وَمَا قُلْنَا مِنْ هَذَا مَوْ جُودٌ فِى الْحَدِيثِ مُسْتَفِيضٌ، مِنْ فِعْلِ ثِقَاتِ الْمُحَدِِّينَ ، وَأَئْمَة
أَهْلِ العِلمِ .
وَسَنَذْكُرُ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ عَلَى الجَهَةِ التى ذَكَرْنَا عَدَدًا يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا إِنْ شَاءَ
اللهُ تَعَالى .
قال مسلم: ((فإن عزَب علىَّ))(١) معناه: بَعُدَ عنِّى، يقال: عزَب يَعْزُبُ ويَعْزِبُ،
قال الله عز وجل : ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةَ﴾ (٢) أى: تَبَعُد وتغيب، ومنه(٣)
(١) القول صياغة من الإمام مسلم لحجة الخصم الذى يشترط ثبوت اللقى مرة فصاعدا.
(٢) يونس: ٦١.
(٣) فى ت : ومنها .

١٧٢
مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن
فَمِنْ ذَلِكَ ، أَنَّ أَيُّوبَ السَّخْتَانِىَّ وَابْنَ الُبَارَكِ وَوَكيعًا وَابْنَ نُمَيْرِ وَجَمَاعَةً غَيْرَهُمْ
رَوَوْا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائشَةَ رضيَ اللهُ عَنْهَا؛ قَالتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ
الله عَّ لِحِلِهِ وَلِحُرْمِهِ بِأَطَيَبِ مَّا أَجِدُ.
فَرَوَى هَذه الرِّوَايَةَ بعَيْنِهَا اللَيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَدَاوُدُ العَطَّارُ وَحُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ وَوُهَيْبُ
ابْنُ خَالِدِ وَأَبُو أَسَامَةً عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَنِى عَثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَِّّ ◌َلُهُ.
وَرَوَى هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائشَةَ ؛ قَالتْ: كَانَ النَّبِىُّ عَّهِ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِى إِلىّ
رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ .
فَرَوَهَا بِعَيْنِهَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ الزُّهَرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عُمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ
النَِّّ ◌َِّ .
سُمّى العزبُ لبعده عن النساء.
وذكر مسلم حديث عروة عن عائشة: (( كنت أطيبُ رسول اللـه عَّ لحله ولحُرْمه))
أى : لإحرامه ولإحلاله منه ، بالوجهين قيَّدناه عن شيوخنا بضمّ الحاء وكسرها ، وبالضَمّ
قيَّده الهروى والخطابى ، وخطأ الخطابىُّ أصحابَ الحديث فى كسره ، وقيّده ثابت بالكسر ،
وحكى عن أصحاب الحَديث ضمَّه وخطَّأهم وقال : صوابه الكسر كما قال لحله ، وقد جاء
فى قراءة عبد الله بن مسعود وابن عباس ((وحرِمٌ على قرية)) (١) [ أى حرام](٢) والحرِمْ
والحرام واحدٌ .
اختلف الصحابةُ وأئمة الفتوى فى تطييب المحرم عند الإحرام ، فأجازه جماعة من
الصحابة ومن بعدهم [ من أئمة الفتوى ](٣)، وكرهه آخرون ، وهو قول مالك ، وحجة
مجيزيه هذا الحديث ، وحجتنا أمرُ النبى معَّ للذى سأله عنه بغسله ثلاث مرات ، وتأولوا
حديث عائشة خصوصا للنبى - عليه السلام - لِمِلكِه لإربَه (٤)، إذ الطيب من دواعى
الجماع، ولحاجته للقاء الملائكة ، ولأنه روى فى حديث عائشة: (( ثم طاف على نسائه ثم
أصبح محرماً))، فهذا يدلُّ على أنه (٥) غَسله، وأن طيبَه كان لطوافِه على نسائه لا
لإحرامه، وسيأتى الكلام عليه فى الحج.
ذكر مسلم حديث عروة عن عائشة: ((كان النبى عَّه إذا اعتكف يُدْنِى إلىَّ رأسه
(١) الأنبياء : ٩٥.
(٤) فى ت : إربُه.
(٢، ٣) سقط من ت.
(٥) فى ت : أن.

١٧٣
مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن
وَرَوَى الزُّهْرِىُّ وَصَالِحُ بْنُ أَبِى حَسَّانَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةً؛ كَانَ النَِّىُّ ◌ُِّ
ورس وروُ
يُقْبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ.
فأرجله وأنا حائض ))(١).
فى هذا الحديث دليل على طهارة جسد الحائض ولقوله - عليه السلام -: ((إن
حيضتَكِ ليست فى يدِك))(٢)، وحجة على الشافعى أن يسير الملامسة غيرُ معتبرَةٍ إلا مع
مقارنة اللذة ، وجواز ترجيل المعتكف شعرَه لحاجته وضرورته إليه خلافا لما روى عن ابن
عباس وجزه(٣) وفيه أن الحائض/ لا تدخل المسجد، لإخراج النبى عَّه رأسه منه إليها، ت١٩/أ
وفيه خروج المعتكف من المسجد لحاجته ، وجواز شغله الخفيف بما فيه مصلحته ، وجواز
اجتماعه بأهله ونسائه ما لم يتلذذ منهم بشىء إذا كان يملك إرَبَه وعرفَ من نفسه القوة
والسلامةَ، وأن الاعتكاف لايكون فى غير المسجد. وسيأتى بقية الكلام عليه فى الاعتكاف.
قال مسلم (٤) : وروى الزهرى وصالح بن أبى حسَّان عن أبى سلمة. عن عائشة -
رضى الله عنها - قالت: ((كان النبى ◌َّهُ يُقْبّل وهو صائم)).
قال الإمام : قال بعضهم فى نسخة الرازى : روى الزهرى وصالح بن كيسان ، وهو
وَهْم ، والصواب صالح بن أبى حسَّان ، وهذا الحديث ذكره النسائى وغيره من طريق ابن
وهب ، عن ابن أبى ذئب ، عن صالح بن أبى حسَّان .
قال القاضى : قال الجيَّنى: وصالح بن أبى حسَّانَ مدنى ثقةٌ ، وقال البخارى :
صالح بن أبى حسَّان سمع سعيد بن المسيب وأبا سلمة ، روى عنه بكير بن الأشج وابن
أبى ذئب .
قال القاضى: وكذا رويناه على الصواب عن أبى بحر ، عن أبى الفتح (الشاسى ](٥)،
(١) الحديث أخرجه أحمد فى المسند ٦/ ٢٠٤، ٢٦٢ النسائى فى المجتبى، ك الطهارة، ب غسل الحائض
رأس زوجها ١٩٣/١، ابن أبى شيبة فى المصنف كتاب الطهارات ، ب فى الرجل ترجله الحائض
٢٠٢/١، والبخارى ، ك الحيض ، ب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله ، فتح ٤٧٨/١، وهو جزء
حديث لمسلم سيأتي إن شاء الله فى كتاب الحيض.
(٢) سيأتي إن شاء الله فى كتاب الحيض.
٠
والترجيل هو : أن يبل الشعر ثم يمشط. التمهيد ١٢٣/٨. قال أبو عمر : وفى ترجيل عائشة شعر
رسول الله عَّه وهو معتكف دليلٌ على أن اليدين من المرأة ليستا بعورة .
(٣) هكذا ، وفى ت : وجزء .
(٤) فى المعلم : قال الشيخ - وفقه الله - قال مسلم فى حديث آخر روى.
(٥) ساقطة من ت.

١٧٤
مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن
فَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ فِى هَذَا الْخَبَرِ فِى الْقُبْلَةِ: أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْد الرَّحْمن؛
أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْد العَزِيزِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النَّبِىَّ ◌َّهُ كَانَ يُقُبِّلَهَا
,ور
وَهُوَ صَائِمٌ.
وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ ؛ قَالَ : أَطْعَمَنَا رَسُولُ الله
عَُّ لُحُومَ الخَيْلِ، وَنَهَنَا عَنْ لحُومِ الحُمُرِ .
فَرَوَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيّدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىٌّ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهُ .
وَهَذَا النَّحْوُ فِى الرِّوَيَاتِ كَثِيرٌ، يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا كِفَايَةٌ لِذَوِىِ الفَهْمِ .
فَإِذَا كَانَت العلةُ عِنْدَ مَنْ وَصَفْنَا قَوْلُهُ مِنْ قَبْلُ، فِى فَسَادِ الحَدِيثِ وَتَوْهِينِهِ ، إِذَا لِمْ
يُعْلَمْ أَنَّ الرَّاوِىَّ قَدَ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنّهُ شَيْئاً، إِمْكَانَ الإِرْسَالَ فِيهِ، لزِمَهُ تَرْكَ الاخْتِجَاجِ
فِى فِيَادِ قَوْلِهِ بِرِوَايَةٍ مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِمَّنَ رَوَى عَنَّهُ . إِلاَ فِى نَفْسِ الْخَرِ الذِى فِيهِ
ذِكْرُ السَّمَاعِ. لِمَا بَيَنَّا مِنْ قَبْلُ عَنِ الأَثْمَّةِ الذِينَ نَقَلُوا الأَخْبَارَ ، أَنَّهُمْ كَانَتْ لُهُمْ تَارَاتُ
يُرْسِلونَ فِيهَا الحَدِيثَ إِرْسَالاً. وَلا يَذْكُرُونَ مَنْ سَمِعُوهُ مِنْهُ. وَتَارَاتٌ يَنْشَطُونَ فِيهَا
عن عبد الغافر الفارسى ، وكذا روايتنا (١) عن أبى محمد الخُشنى ، عن أبيه ، عن أبى
حفص الهوزنى ، عن أبى عبد الله الباجى ، عن ابن ماهان .
وقوله فى الحديث: ((كان النبى معَُّ يُقْبّل وهو صائم)): اختلف العلماء فى إباحة
القبلة للصائم ، فأباحها قوم على الإطلاق ، وكرهها آخرون وهو قول مالك ، ورخَّصت
فيها طائفة للشيخ دون الشاب ، وحكاه الخطابى عن مالك ، وهو قول أبى حنيفة
والشافعى، وروى ابن وهب عن مالك إباحتها فى النافلة (٢) وكراهيتها فى الفريضة ونحوه
لابن حبيب عنه .
وقوله فى الرواية [الأخرى ] (٣): ((يُقَبِّلها)) فيه جواز الإخبار عما يكون من مثل
هذا بين (٤) الرجل وعياله على الجملة دون التفسير ، فإن ذلك منهى عنه ، ولفائدة تحمل
على ذكره ، وسيأتى الكلام على المسألتين فى الطهارة والصيام .
وذكر فى حديث جابر: ((أطعمنا رسول الله عَّ لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحُمُرِ
(١) فى الأصل : روايتا.
(٣) ساقطة من الأصل، والمثبت من ت .
(٢) فى ت : التافلة .
(٤) فى الأصل: من ، والمثبت - وهو الصواب - من ت.

١٧٥
مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن
فَيُسْنِدُونَ الخَبَرَ عَلَى هَيْئَةٍ مَا سَمِعُوا، فَيُخْبِرُونَ بالنُّزُول فيه إنْ نَزَلُوا، وَبَالصَّعُود إنْ
صَعَدُوا، كَمَا شَرَحْنَا ذَلِكَ عَنْهُمْ .
وَمَاَ عَلَمْنَا أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةَ السَّلف، ممَّنْ يَسْتَعْمِلُ الأَخْبَارَ وَ يَتَفَقَّدُ صحَّةَ الأَسَانيد
وَسَقَمَهَا، مِثْلَ أَبُوبَ السَّخْتِيَانِىِّ وَابْنَ عَوْنٍ، وَمَالِكِ بَنِ أَنَسٍ ، وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ وَيَخََّ
الأهلية)): اختلفت الأحاديث فى لحوم الخيل ، ففى حديث جابر هذا ما رأيْتُ، وفى
حديث خالد بن الوليد (( النهى عن لحوم الخيل والبغال والحمير))، وكره أكل لحوم الخيل
مالك وأهل / الرأى (١)، وروى عن ابن عباس، وقال الحكم: هى حرام، ورخَّصت فى
ذلك طائفة من التابعين ، وذهب إليه الشافعى (٢)، وحجة المانعين لأكل جميعها نص الله
تعالى على منافعها ولم [ يذكر](٣) فيها الأكل كما ذكر فى الأنعام(٤). وأما لحوم الحمر
فمكروهة عند بعضهم مُحرَّمَة عن الأكثر إلا شيئا روى عن ابن عباس ، وفى المذهب عندنا
فيها الوجهان ، وسيأتى الكلام عليها متسعاً (٥) فى الأطعمة .
ت١٩ /أ
قال مسلم عن الرواة: ((فيخيرون (٦) بالنزول إذا نزلوا، وبالصعود إذا صعدوا))،
٩
يريد بذلك فى الروايات والنزول فيها هى الرواية عن الأقران وطبقة المحدث ومن دونه ، أو
بسند يوجد أعلى منه وأقل رجالا ، والصعود الرواية بالسند العالى ، والقرب فيه من رسول
الله عَّ بقلة عدد رجاله أو من إمام مشهور حدَّث به. هذا هو طريق أهل الصنعة
ومذهبهم، وهو غاية جهدهم وحرصهم ، وبمقدار علو حديث الواحد منهم تكثُرُ الرحلةُ
إليه، والأخذ عنه ، مع أنَّ له فى طريق التحقيق والنظر وجها ، وهو أن أخبار الآحاد
وروايات الأفراد لا توجب ـ كما قدَّمنا - علما ، ولا يُقطع على مُغَّيَّبِ صدقها ، لجواز
الغفلات ، والأوهام ، والكذب على آحاد الرواة ، لكن لمعرفتهم بالصدق ظاهرا وشهرتهم
بالعدالة والستر ، غلب على الظن صحةُ حديثهم وصدق خبرهم ، فكلفنا العمل به ،
(١) وكذا الأوزاعى.
واحتج أبو حنيفة فى هذا بالقياس، فقال: ((لأنه من ذوات الحوافر كالحمار)» وبحديث خالد السابق.
قال أبو عمر فى الاحتجاج بالقياس : وهذا ليس بشىء ؛ لأن الخنزير ذو ظلف ، وقد باين ذوات
الأظلاف . التمهيد ١٢٨/١.
(٢) وكذا الثورى ، والليث بن سعد، وأبو ثور. وردوا على دليل المانعين أنه ليس فى السكوت عن ذكر الإذن
فى الخيل دليل على أن ما عدا الركوب والزينة لا يجوز ، ألا ترى أنه لم يذكر البيع والتصرف ، وإنما ذكر
الركوب والزينة لا غير ، وجائز بيعُها والتصرف فيها وفى ثمنها بإجماع ، والأشياء على الإباحة حتى يثبت
الحظر والمنع .
(٣) ساقطة فى الأصل ، واستدركت فى الهامش بسهم.
(٤) فقال فى الأنعام: ﴿لِتَرْكُبُوا مِنْهَا وِمِنْهَا تَأْكُلُون﴾ غافر: ٧٩.
(٥) فى ت : مشبَّعاً.
(٦) فى ت : فيفخرون ، وفى الأصل : ينخبرون ، والمثبت من ق والمطبوعة.

١٧٦
مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن
ابْنِ سَعيد القَطَّانِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِىَّ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الحَديثِ، فَتَّشُوا عَنْ
مَوْضِعِ السَّمَاعِ فِى الأَسَانِيدِ . كَمَا ادَّعَاهُ الذى وَصَفْنَا قَوْلُهُ مِنْ قَبْلُ.
وَإِنَّمَا كَانَ تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ مِنْهُمْ سَمَاعَ رُوَاةِ الحَدِيثِ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ - إِذَا كَانَ
الرَّاوى ممَّنْ عُرفَ بالتَّدْليس فى الحَديثِ وَشُهِرَ بِهِ . فَحِينَئِذْ يَبْحَثُونَ عَنْ سَمَاعه فى
رِوَتَهِ ، وَيَتَفَقَّدُونَ ذَلِكَ مِنْهُ، كَىْ تَنْزَحُ عَنْهُمْ عِلَةُ الَّذَلِيسِ.
وقامت الحجة بذلك بظاهر الأوامر الشرعية ، ومعلوم إجماع سَلفِ [هذه](١) الأمة ومغيبُ
أمر ذلك كله لله تعالى ، وتجويز الوهم والغلط(٢) غيرُ مستحيل فى كل راوٍ ممن سُمِّى فى
[سند](٣) الخبر، فإذا كثروا وطال السند كَثرت مظانُّ التجويز ، وكلما قلَّ العدد قلت ،
حتى إن من سمع الحديث من التابعى المشهور عن الصحابى عن النبى عَّ كان أقوى
طمأنينةً بصحة حديثه ، ثم من سمعه من الصحابى كان أعلى درجةً فى قوة الطمأنينة ، وإن
كان الوهم والنسيان جائزا على البشر ، حتى إذا سمعه من النبى معَّه ارتفعت أسباب
التجويز وانسدت أبواب احتمالات الوهم وغير ذلك ، للقطع - أنه عليه السلام لا يجوز
عليه شىء من ذلك فى باب التبليغ والخبر ، وأن جميع ما يُخبر به حق وصدق .
قال مسلم: ((إذا كان الراوى عُرِف بالتدليس)). قال القاضى: التدليس لقبٌ وضعه
أئمة [ الفتوى وأئمة ](٤) هذه الصنعة على من أبهم بعض رواياته لمعان مختلفة وأغراض
متباينة ، وقد كان هذا من عصر التابعين إلى هلم جرا. [و](٥) ذكر عن جماعة من جلة
الأئمة ولم يضر ذلك حديثهم لصحة أغراضهم وسلامتها وأضرَّ ذلك بغيرهم. وهو على
أمثلة ، فمنه : أن سفيان بن عيينة (٦) على جلالته من كبار أصحاب الزهرى وسمع منه
(١) من ت.
(٣) من ت.
(٢) فى ت : والخطأ .
(٥) ساقطة من الأصل.
(٤) سقط من الأصل .
(٦) هو شيخ الإسلام أبو محمد الهلالى الكوفى ، ثم المكى ، طلب الحديث وهو حدث ، ولقى الكبار ،
وحمل عنهم علما جما ، وأتقن ، وجوّد ، وجمع وصنف ، وعُمّر دهرا ، وازدحم الخلقُ عليه ، وانتهى
إليه علو الإسناد ، ورحل إليه من البلاد ، وألحق الأحفاد بالأجداد.
سمع من الأسود بن قيس ، وابن شهاب الزهرى ، وعاصم بن أبى النجود ، وأبى إسحق السبيعى ،
وأمم سواهم .
قال الذهبى : ولقد كان خلق من طلبة الحديث يتكلفون الحج ، وما المحرك لهم سوى لقى سفيان بن
عيينة ، لإمامته وعلوّ إسناده.
قال : ومن كبار أصحابه المكثرين عنه : الحميدى ، والشافعى ، وابن المدينى ، وأحمد ، وإبراهيم
الرمادى .
قال الشافعى : لولا مالك وسفيان بن عيينة لذهب علم الحجاز . وعنه قال : وجدتُ أحاديث الأحكام
كلها عند ابن عيينة سوى ستة أحاديث ، ووجدتُها كلها عند مالك سوى ثلاثين حديثا .
قال الحافظ الذهبى - بعد سياقه هذا القول - : فهذا يوضح لك سعة دائرة سفيان فى العلم ، وذلك
لأنه ضم أحاديث العراقيين إلى أحاديث الحجازيين ، وارتحل ولقى خلقاً كثيراً ما لقيهم مالك. وهما نظيران
فى الإتقان، ولكن مالكا أجل وأعلى ، فعنده نافع ، وسعيد المقبرى .

١٧٧
مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن
فَمَنِ ابْتَغَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُدَّس، عَلَى الوَجْهِ الذى زَعَمَ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلُهُ، فَمَا سَمِعْنَا
ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ ممَّنْ سَمَّيْنَا ، وَلَمْ نُسَمِّ ، مِنَ الأَئِمَةِ .
كثيرا ، وأخذ عن أصحابه كثيرا مما لم يسمعه عن الزهرى ، فربما حدَّث فقال : الزهرى ،
أو قال : قال الزهرى عن فلان ، وقد عُرِف بالتدليس فَسُئِل ، فمرة يقول : سمعته منه ،
ومرة يقول : حدثنى به عنه فلان أو فلان عن فلان عنه ، ومن لا يدلس مثل مالك وشعبة
لا يقول مثل هذا، بل يبين من حدَّثْه (١) عنه أو يقول : بلغنى ، قال شعبة: لأن أزنى
أحبُّ إلىَّ من أن أدلسَ (٢). ولكن أمثال أولئك الجلة ممن استسهل(٣) [التدليس ] (٤) إذا
سئلوا أحالوا على الثقات ، فحمل حديثهم وقام تدليسهم مقام المرسل(٥) . وحجة بعضهم
أن يكونوا قد سمعوه من جماعة من الثقات عن هذا الرجل فاستغنوا بذكره عن ذكر أحدهم
أو ذكر جميعهم، لتحققهم [ صحة الحديث عنه ] (٦) كما يُفْعل [فى المراسيل] (٧) ، ومنهم
من أراد ألا ينزل حديثُه، وأن يعلو بذكره الشيخ. دون من (٨) دونه ، لصحة روايته عنه
غير هذا وتحققه أن الثقات حدثت به (٩) عنه (١٠)، وطبقة أخرى جاؤوا إلى رجال مشاهير
قال عبد الرحمن بن مهدى : ((كان ابن عيينة من أعلم الناس بحديث الحجاز )) ، وقال ابن المدينى :
«ما فى أصحاب الزهرى أحد أتقن من سفيان بن عيينة))، وقال أحمد بن عبد الله العجلى: ((كان ابن
عيينة ثبتا فى الحديث ، وكان حديثه نحواً من سبعة آلاف ولم تكن له كتب )).
مات - رحمه الله - سنة ست وتسعين ومائة. الطبقات الكبرى ٤٩٧/٥، التاريخ الكبير ٤ /٩٤، الجرح
والتعديل ٣٢/١، تهذيب التهذيب ١١٧/٤، سير ٤٥٤/٨ .
(١) فى ت : حدث.
(٢) شعبة هو : ابن الحجّاج بن الورد، الإمام الحافظ ، أمير المؤمنين فى الحديث ، أبو بسطام الأزدى العتكى ،
عالم أهل البصرة وشيخُها ، سكن البصرة من الصّغرِ ، ورأى الحسن ، وأخذ عنه مسائل. حدث عن
أنس بن سيرين ، وسعيد بن أبى سعيد المقبرى ، وقتادةَ بن دعامة ، وعمرو بن دينار ، وأيوب السختياني،
وخلق كثير سواهم. كان من أوعية العلم ، لا يتقدمه أحدٌ فَى الحديث فى زمانه ، قال على بن المدينى :
له نحو من ألفى حديث. قال الذهبى : قلت : ما أظنه إلا يروى أكثر من ذلك بكثير .
حدث عنه أيوب السختيانى ، وسفيان الثورى ، وإسماعيل بن علية ، وعبد الله بن المبارك ، وأمم
سواهم .
قال فيه الحاكم : شعبة إمام الأئمة بالبصرة فى معرفة الحديث ، رأى أنس بن مالك ، وسمع من
أربعمائة شيخ من التابعين .
وقال الإمام أحمد : شعبة أثبت من الأعمش فى الحَكَم ، وشعبةُ أحسنُ حديثا من الثورى ، قد روى
عن ثلاثين كوفيا ، لم يلقهم سفيان .
مات - رحمه الله - فى سنة خمس وستين ومائة ، عن خمس وسبعين سنة. الطبقات الكبرى ٧ / ٢٨٠،
طبقات خليفة : ٢٢٢، التاريخ الكبير ٢٤٤/٤، الجرح والتعديل ١٢٦/١، سير ٢٠٢/٧ ، تهذيب
التهذيب ٣٣٨/٤.
(٣) فى ت : استسهلوا.
(٤) ساقطة من ت ، وقيدت فى الهامش بغير إحالة.
(٥) على معنى قبوله ، كما قبل المرسل إذا أرسله من لا يُرسل إلا عن ثقة. راجع منهاج السنة النبوية ١١٧/٤ .
(٦) فى ت : صحته عنه.
(٨) فی ت : ما.
(٧) فى ت : بالمراسيل.
(٩) ومثال ذلك فى رواية شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص عن جده ، فقد اختلفوا فى
سماعه منه . تعريف أهل التقديس : ٦٨ .
(١٠) زيد بعدها بالهامش فى ت : لكن بين الجلة غير محمود وعمل لغير الله، بل للذكر وصرف القلوب
وترغيب الطالب للأخذ عنه دون غيره ممن بين نزوله ولم يدلس. أ. هـ.
=

١٧٨
مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن
ثقات أئمة سمعوا حديثهم. وجرت بينهم مباعدةٌ حملتهم على إبهامهم ، وألا يصرّحوا
بأسمائهم المشهورة. ولم تحملهم ديانتهم على ترك الحديث عنهم ، كما صنع البخارى فى
حديثه عن محمد بن يحيى الذهلى ، لما جرى بينه وبينه ، فمرة تجده يقول : حدثنا محمدٌ -
لا يزيد - وثانية يقول : ثنا محمد بن خالد [ ينسبه إلى الجد الأعلى ](١) ومرة يقول : ثنا
محمد بن عبد الله بنسبة إلى جده الأدنى (٢)، وطبقة أخرى رووا الحديث عن ضعيف أو
مجهول عن الشيخ ، فسكتوا عنه واقتصروا على ذكر الشيخ، إذ عُرِفَ سماعُهم منه لغير(٣)
هذا الحديث (٤) ، وطبقة أخرى رووا عن ضعفاء لهم أسماء أو كُنْىَ مشهورةٌ عُرِفوا بها فلو
صرحوا بأسمائهم المشهورة ، أو كناهم المعلومة لم يشتغل بحديثهم، فأتوا بالاسم الخامل
مكان الكنية المشهورة أو بالكنية المجهولة عوض الاسم المعلوم ليبهموا(٥) الأمر ، ولئلا
يُعْرَف ذلك الراوى وضعفه فيزهد فى حديثهم ، وطبقة أخرى رووا عن ضعيف له كنية
يشاركه فيها رجلٌ مقبول الحديث ، وقد حدَّث عنهما جميعا فيطلق الحديث بالكنية ليدخل
الإشكال ويقع على السامع اللبس ، ويظن أنه ذلك القوى (٦).
وهذه الطرق كلها غير الأوَّليين رديَّة ، قد أضرَّت بأصحابها ، وسبَّيت الوقوفَ فى
ت٢٠/ ب كثير من حديثهم، إلا ما صَرَّح به / الثقات منهم بالسماع عن (٧) الثقات ونَصُّوا عليه
وبينوه ، ولهذا ما وقفوا (٨) فيما دلسه الأعمش (٩)، لروايته عن الضعفاء، وفيما دلسه بقيَّةُ
---
ولم نشأ إثباتها فى صلب الكتاب لغلبة الظن عندنا أنها من تعاليق صاحب النسخة ، كما جاء فى غير
=
هذه الصحيفة باللوحة ١٨ .
(١) فى الأصل : للنسبة إلى جده الأعلى، والمثبت من ت.
(٢) وهذا نوع آخر من أنواع التدليس، ويسمى بتدليس الشيوخ. قال ابن الصلاح فيه: (( وهو أن يروى عن
شيخ ، فيسميه ، أو يكنيه ، أو ينسبه ، أو يصفه بما لا يعرف به كيلا يعرف)). المقدمة : ٦٦ .
قال الحافظ فى هذا القيد: ((كيلا يعرف)): ((ليس هذا قيدا فيه ، بل إذا ذكره بما يعرف به إلا أنه لم
يشتهر به كان ذلك تدليسا)). النكت ٦١٥/٢.
(٣) فى الأصل : بغير ، والمثبت من ت.
(٤) وأطلق عليه ابن القطان تدليس التسوية ، قال السيوطى: وهو شر أقسامه ؛ لأن الثقة الأول قد لا يكون
معروفاً بالتدليس ، ويجده الواقف على السند كذلك بعد التسوية قد رواه عن ثقة آخر فيحكم له بالصحة ،
وفيه غرور شديد ، وممن اشتهر بفعل ذلك بقية بن الوليد والوليد بن مسلم . تدريب الراوى ٢٢٦/١ .
(٥) فى ت : وليبهموا.
(٦) وذلك فى مثل ما كان يضع عطية بن سعد العوفى ، كان يأتى الكلبى فيأخذ عنه التفسير ، وكان يكنى بأبى
سعيد، فيقول : قال أبو سعيد: يوهم أنه الخدرى. تعريف أهل التقديس: ١٣٠، النكت ٦٢٨/٢. قال
الحافظ عقب إيراده لها: ((وهذا أشد ما بلغنا من مفسدة تدليس الشيوخ)).
(٧) فى ت : من.
(٨) فی ت : وقفوا به.
(٩) هو سليمان بن مِهْرَان، الإمام ، شيخ الإسلام، وشيخ المقرئين والمحدثين، أصله من نواحى الرى. رأى
أنس بن مالك وحكى عنه ، وعن عبد الله بن أبى أوفى - على معنى التدليس - كما يقول الذهبى وروى =

١٧٩
مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن --
ابن الوليد ، لخلطه الأسماء والكنى ، ولم يستريبوا فيما دلسه ابن عيينة والثورى ،
وضرباؤهما (١) ممن لا يروى إلا عن ثقة.
هـ
[و](٢) اختلف أئمة الحديث فى قبول [حديث](٣) من عُرِف بالتدليس إذا لم ينص على
سماعه ، فجمهورهم على قبول حديث من عرف منهم أنه لا يروى إلا عن ثقة [ كما قالوا
= عن إبراهيم النخعى ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وعبد الرحمن بن أبى ليلى ، والوليد بن عبادة ابن
الصامت ، والشعبى ، وخلقٌ كثير من كبار التابعين.
روى عنه الحكم بن عُتيبة ، وأبو إسحق السَّبيعى ، وأيوب السختياني ، وهم من أقرانه - وأبو حنيفة ،
والأوزاعى ، وسعيد بن أبى عروبة ، وشعبة ، ومعمر ، والسفيانان ، ويحيى بن سعيد القطان. وقال فيه :
هو علامة الإسلام ، وخلق كثير.
مات سنة سبع وأربعين ومائة. تاريخ خليفة : ٢٣٢، ميزان الاعتدال ٢٢٤/٢، سير ٢٢٦/٦، تذكرة
الحفاظ ١/ ١٥٤، تهذيب التهذيب ٢٢٢/٤.
وفيما دلسه الأعمش أقول: نقل الحافظ عن المعرفة للبيهقى بإسناده عن شعبة أنه قال: ((كفيتُكم
تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبو إسحق، وقتادة)). النكت ٢/ ٦٣٠.
قال الحافظ عقبها: (( وهى قاعدة حسنة ، تقبل أحاديث هؤلاء إذا كان عن شعبة ولو عنعنوها)).
قال : وألحق الحافظ الإسماعيلى بشعبة فى ذلك يحيى بن سعيد القطان عن زهير فقال : يحيى القطان
لا يروى عن زهير إلا ما كان مسموعا لأبى إسحق ، وكذا ما كان من رواية الليث بن سعد عن أبى الزبير
عن جابر ، فإنه مما لم يدلس فيه أبو الزبير ، فقد أخرج الذهبى عنه أنه قال : جئت أبا الزبير فدفع إلى
كتابين ، فانقلبت بهما ، ثم قلت فى نفسى : لو أننى عاودته فسألته أسمع هذا كله من جابر ؟ فسألته
فقال: منه ما سمعت ومنه ما حدثت عنه ، فقلت له : أعلم لى على ما سمعت منه ، فأعلم لى على هذا
الذى عندى. النكت ٦٣١/٢، ميزان ٣٧/٤.
(١) أما ابن عيينة فقد سبق قريبا. وأما الثورى فهو سفيان بن سعيد بن مسروق ، شيخ الإسلام، إمام الحفاظ ،
وسيد العلماء العاملين فى زمانه ، وكان والده من أصحاب الشعبى، وعداده فى صغار التابعين. أخذ
العلم عن جعفر الصادق ، وحميد الطويل ، وسليمان الأعمش ، وشعبة بن الحجاج، وابن جريج ،
ومعمر بن راشد ، وموسى بن عقبة ، وهشام بن عروة ، ويحيى بن سعيد الأنصارى ، وأبى إسحق
السبيعى. قال الذهبى : ويقال : إن عدد شيوخه ستمائة شيخ. وأما الرواة عنه فخلق ، ذكر أبو الفرج بن
الجوزى أنهم أكثر من عشرين ألفا. ممن حدث عنه: الأعمش ، وجعفر الصادق ، وأبو حنيفة ،
والأوزاعى، ومعاوية بن صالح ، وابن أبى ذئب ، وشعبة ، ومعمر ، وابن علية ، وسفيان بن عيينة ،
وأبو داود الطيالسى ، وعبد الرحمن بن مهدى ، ووكيع بن الجراح ، وأمم سواهم. مات سنة إحدى
وستين ومائة. الطبقات الكبرى ٣٧١/٦، التاريخ الكبير ٩٢/٤، الجرح والتعديل ٥٥/١، سير ٢٢٩/٧،
تهذيب التهذيب ٤/ ١١١ .
وفى تدليسه يقول البخارى : لا يعرف لسفيان الثورى عن حبيب بن أبى ثابت ، ولا عن سلمة بن
كهيل، ولا عن منصور ، ولا عن كثير من مشايخه تدليس ، ما أقل تدليسه . التاريخ الكبير ٩٢/٤ ،
وانظر : النكت ٢ /٦٣١.
(٢، ٣) سقطتا من ت.

١٨٠
مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ يَزِيدَ الأَنْصَارِىَّ، وَقَدْ رَأَى النَّبِىَّ ◌َهُ، قَدْ رَوَى عَنْ حُذَيْفَةً
١
وَعَنْ أَبِى مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّ وَعَنْ كُلِّ وَاحد مِنْهُمَا حَدِيثًا يُسْنِدُهُ إِلى النَّبِىِّ ◌َُّ . وَلَيْسَ فِى
فى حديث من عُلم أنه لا يرسل إلا عن ثقة ](١) ، وعلى (٢) ترك حديث المسامحين فى
الأخذ وترك الحجة [به] (٣) حتى يَنصَّ على سماعه (٤)، وقد ذكر أبو عبد الله الحاكم
الاختلاف فى ذلك كما قدمناه(٥).
ذكر مسلم فى حجته فى صحة إسناد حديث المتعاصرين آخر صدر كتابه رواية قوم من
الصحابة والمخضرمين وأئمة التابعين عن أصحاب النبى معَّه لأحاديث عدَّها ولم يُعيِّنها ،
ومن حق الباحث المفتش لفوائد كتابه - والحق عليه - أن يُجِدَّ فى البحث ويجيد النظر حتى
يتعين له مجهولها ، ويتفسَّر مبهمها ، وتتعرف نكرتُها ، وقد بحثنا عن ذلك حتى وقفنا
على حقيقة منها ، ورحم الله شيخنا القاضى الشهيد ، فقد كفانا فى ذلك تعبا طويلاً ،
أوضح لنا هنالك سبيلاً ، وقد رأينا أن نبيّن هذه الأحاديث بذكر أطرافها ليعلم أعيانَها من
لم يمهرُ فى هذه الصنعة ولا جعل شغله حفظ أصولها .
قال مسلم: ((فمن ذلك أن عبد الله بن يزيد الأنصارى، وقد رأى النبيَّ عَّه،
قد روى عن حذيفة وأبى مسعود الأنصارى (٦) وعن كل واحد منهما حديثا بسنده (٧) إلى
النبى معَّه)) ولم يفسّر مسلم الحديثين. قال القاضى: أما حديثه عن أبى مسعود فهو حديث
(١) غير مذكورة فى ت.
(٢) قال الحافظ فى النكت - بعد أن ساق عبارة الخطيب - : إنه لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذى
ليس بمدلس هو والتدليس فى الحكم واحد. والتحقيق فيه التفصيل وهو أن من ذكر بالتدليس أو الإرسال إذا
ذكر بالصيغة الموهمة عمن لقيه فهو تدليس ، أو عمن أدركه ولم يلقه فهو المرسل الخفى ، أو عمن لم
يدركه فهو مطلق الإرسال . النكت ٢/ ٦٢٣ ، الكفاية : ٥٤٦.
(٣) غير مذكورة فى ت.
(٤) قال الإمام الشافعى فى الرسالة: (( فنحن لا نقبل من مدلسٍ حديثا حتى يقول: حدثنى أو سمعت))
الرسالة: ٣٨٠ فقرة ١٠٣٥. قال الحافظ بعد سياقه لها: ((وهو محتمل أن يريد الاقتصار على هاتين
الصيغتين ، ويحتمل أن يكون ذكرهما على سبيل المثال ليلحق بهما ما أشبههما من الصيغ المصرحة، وهذا
هو الصحيح)) النكت ٢ / ٦٣٤.
(٥) راجع : معرفة علوم الحديث ١٣ .
(٦) قلت : وعن البراء بن عازب فى الصلاة ، وأبى أيوب فى الحج والنفاق وزيد بن ثابت فى الحج. وعبد الله
ابن يزيد هو الخطمى. رجال مسلم ١/ ٣٤٧ .
(٧) فى ت : نسبة .