النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
مقدمة الإمام مسلم
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضىَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللّهِ عَّهُ أَنْ نُنَزِّلَ
النَّاسَ مَنَازِلَهُم، مَعَ مَا نَطَقَ بِهِ القُرآنُ مِنْ قَوْلِ اللّه تَعَالَى: ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾(١).
فَعَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الوُجُوهِ، تُؤَلِفُ مَا سَأَلْتَ مِنَ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُول اللّه عَّه.
فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ قَوْمِ هُمْ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ مَّهَمُونَ، أَوْ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْهُمْ، فَلَسْنَا
نَتَشَاغَلُ بِتَخْرِيجِ حَدِيثِهِمْ ، كُعَبْدِ اللّهِ بْنِ مِسْوَرٍ أَبِى جَعْفَرِ المَدَائِنِىِّ، وَعَمْرِو بْنِ خَالِدِ،
وَعَبْدِ القُدُّوسِ الشَّامِىِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَعِيَدِ الْمَصْلُوبِ، وَغَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ
عَمْرِوَ وَأَبِى دَاوُدَ النَّخَعِىِّ، وَأَشْبَاهِهِمْ مِمَّنِ اُّهِمَ بِوَضْعِ الأَحَادِيثِ وَتَوْلِيدِ الأَخْبَارِ .
وذكر مسلم فى أسماء المتَّهمين عبد القدوس الشامى(٢) رواه العُذْرى بالسين المهملة،
وهو خطأ وصوابُه بالمعجمة ، وهى رواية الجماعة ، وذكر فيهم عبد الله بن مُحْرِزِ ، كذا
سمعناه من جماعة شيوخنا عن شيوخهم الرواة للكتاب بحاء ساكنة مهملة وكسر الراء وآخره
زاى، وهو غلط، وصوابهُ مُحَرَّر(٣) بفتح الحاء المهملة ورائين مهملتين أولاهما مفتوحةٌ
مشدّدة، وكذا البخارى فى ((تاريخه))، وقَيَّده الأمير أبو نصر بن ماكولا والحافظ الجيانى
فى كتابيهما ، وكذا وقع فى روايتنا على الصواب هنا عن الفارسى ، وجَده فيما سَمِعْتُهُ على
(١) يوسف : ٧٦ .
(٢) هو عبد القدوس بن حبيب الوحاظى الشامى، المحدث. روى عن مجاهد، وعكرمة وأبى الأشعث الصنعانى
والشعبى، والحسن وعطاء، ومكحول، وابن شهاب. وعنه الثورى وعبد الرزاق، وعلى بن الجعد، وحيوة بن
شريح .
قال الإمام البخارى : يروى عن نافع عن مجاهد ، والشعبى ومكحول وعطاء أحاديث مقلوبة التاريخ
الكبير ١٢٠/٦ . وقال فيه الذهبى : اتفقوا على ضعفه ، كذبه ابن المبارك ، وقال ابن معين :
مطروح الحديث . سير ١٣٦/٨ . ونقل فى الميزان عن عبد الرزاق قوله : ما رأيت ابن المبارك يفصح بقوله
كذاب إلا لعبد القدوس. وعن الفلاس: أجمعوا على ترك حديثه، وقال النسائى: ليس بثقة ، وعن ابن عدى:
أحاديثه منكرة الإسناد والمتن. ميزان ٢/ ٦٤٢، بقى إلى ما بعد السبعين ومائة ..
(٣) هكذا ذكره ابن أبى حاتم ١٧٦/٥، والبخارى فى الضعفاء الصغير (٧٠)، أما الذهبى فإنه ذكره فى الميزان
بابن المحرر ٢/ ٥٠٠ . قال البخارى : منكر الحديث ، روى عن قتادة .
وقال ابن أبى حاتم فيه: روى عن قتادة، ويزيد بن الأصم . روى عنه أبو نعيم . ثم قال: نا عبد الرحمن
قال: قرئ على العباس بن محمد الدورى قال: سمعت يحيى بن معين يقول: ابن محرر ليس بشىء ثم نقل
عن أبيه بسنده إلى عمرو بن على الصيرفى قال: عبد الله بن محرر متروك الحديث، وقال : نا عبد الرحمن
قال: سألت أبى عن عبد الله بن محرر فقال: متروك الحديث، منكر الحديث، ضعيف الحديث، ترك حديثه عبد الله
ابن المبارك، سألت أبا زرعة فقال ضعيف الحديث، وامتنع من قراءة حديثه، وضربنا عليه. الجرح والتعديل ١٧٦/٥ .
وقال فيه الذهبى : قال أحمد : ترك الناس حديثه ، وقال الجوزجاني : هالك . وقال الدارقطنى
وجماعة : متروك . وقال ابن حبان : كان من خيار عباد الله ، إلا أنه كان يكذب ، ولا يعلم ، ويقلب
الأخبار ولا يفهم . ميزان ٢ / ٥٠٠، المغنى فى الضعفاء ٣٥٦/١.
والذى قيده ابن ماكولا إنما هو محرر بن هارون . الإكمال ٢١٧/٧ .

١٠٢
مقدمة الإمام مسلم
وَكَذَلِكَ، مَنِ الغَالِبُ عَلَى حَدِيثِهِ الْتْكَرُ أَوِ الغَلَطُ، أَمْسَكْنَا أَيْضا عَنْ حَدِيثِهِمْ.
وَعَلَامَةُ المُنْكَرِ فِى حَديثِ الْمُحَدِّث، إِذَا مَا عُرضَتْ روَايَتُهُ للحَديث عَلَى رَوَآيَةٍ غَيْرِه
مِنْ أَهْلِ الحِفْظِ وَ الرِّضَا، خَالَفَتْ رِوَايَتُهُ رِوَايَتَهُمْ أَوْ لَمْ تَكَدْ تُوَفِقُهَا. فَإِذَا كَانَ الأَغْلَبَّ
مِنْ حَديثِهِ كَّذَلِكَ، كَانَ مَهْجُورَ الحَدَيْث، غَيْرَ مَقْبُوله وَلَا مُسْتَعْمَلِه .
فَمِنْ هَذَ الضَّرْبِ مِنَ الْمُحَدِِّينَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مُحَرَّرِ، وَيَحْمَى بْنُ أَبِى أُنَيْسَةَ، وَالْجَرَّاحُ
ابْنُ المنْهَالِ أَبُو الَعَطُوفََ، وَعَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، وَحُسَيْنُ بْنُ عَبْدُ اللّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ، وَعُمَرُ بْنِ
صُهْبَانَ ، وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ فِى رِوَايَةِ المُنْكَّرِّ مِنَ الحَدِيثِ، فَلَسْنَا نُعَرِّجُ عَلَى حَدِيثِهِمْ . وَلا
ت١/٧ سفيان بن العاصى عن الشاشى (١) عنه ، وكذا سمعناه من جماعة/ شيوخنا فى كتاب مسلم
بعد هذا بيسير فى حديث [ عبد الله بن المبارك](٢) وذكره له فى ((الضعفاء)) إلا فيما
حدثنا به القاضى الشهيد أبو على[ عن العبدى](٣) فإنه قال فيه : محرّز كما رووه هنا.
وذكر [ مسلم ] (٤) رواية المنكر من الحديث ومن تقبل روايته(٥) ومن يطرح . اختلف الناس
فى الراوى الثقة إذا انفرد بزيادة فى الحديث عن سائر رواة شيخه ، فذهب مُعظم الفقهاء
[والأصوليين](٦) والمحدثين إلى قبول زيادته(٧) وذهب بعض أصحاب الحديث إلى ردّها ،
وهو مذهب معظم أصحاب أبى حنيفة (٨)، وكذلك(٩) جاء اختلافُهم متى أسنَدَ الحديث
واحد وأرسله الباقون ، وأكثر المحدثين على ردّ هذا الوجه ، والصواب فى ذلك كله ما ذهب
(٤) مطموسة فى الأصل .
(٢، ٣) سقطتا من ت.
(١) فى الأصل بالمهملتين .
(٥) فى ت : زيادته ، وهو خطأ.
(٦) مطموسة فى الأصل .
(٧) وهو مذهب ابن حبان والحاكم . الإحسان ٨٦/١، معرفة علوم الحديث ١٣٠ . وقد نقل ابن الصلاح عن
يونس بن عبد الأعلى قال: قال لى الشافعى - رضى الله عنه -: ليس الشاذ من الحديث أن يروى الثقة
مالا يروى غيرُه، إنما الشاذ أن يروى الثقة حديثا يخالف ما روى الناس . قال: وحكى الحافظ أبو يعلى
الخليلى القزوينى نحوهذا عن الشافعى وجماعة من أهل الحجاز، ثم قال ــ يعنى الحافظ أبو يعلى - :
الذى عليه حفاظ الحديث أن الشاذ: ما ليس له إلا إسنَادٌ واحد، يشذُّ بذلك شيخٌ ثقةً كان أو غير ثقة، فما كان
عن غير ثقة فمتروك لا يقبل ، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به . المقدمة ١٧٣ .
(٨) أما الإمام فإنّه يقبلها كالشافعى بشرط سكوت الباقين البرهان ١٨٧/١ .
يطلق كثير من المتقدمين كأحمد وأبى داود والنسائى النكارة على مجرد التفرد ، يقول ابن الصلاح:
((وإطلاق الحكم - المنكر - على التفرد بالرد، أو النكارة ، أو الشذوذ ، موجود فى كلام كثير من أهل
الحديث)) المقدمة : ١٨٠ .
وقال السيوطى فى ((بلوغ المأمول فى خدمة الرسول)) وَّ: وصفَ الذهبىُّ فى الميزان عِدَّةً أحاديث
فى مسند الإمام أحمد ، وسنن أبى داود ، وغيرهما من الكتب المعتمدة ، بأنها منكرة ، بل وفى
((الصحيحين)) أيضا، وما ذاك إلا لمعنى يعرفه الحفّاظ، وهو أن النكارة ترجع إلى الفردية، ولا يلزم من
الفردية ضعفُ متن الحديث ، فضلاً عن بطلانه، الحاوى ٢/ ٢١٠ .
وعلى ذلك فقول المتقدمين فى الحديث: ((هذا حديث منكر» يغاير اصطلاح المتأخرين فى المنكر أنه الحديث
الذى رواه ضعيف مخالفا الثقة، وأن الأول لا يطرح حديثه حتى تكثر المناكيرُ فى روايته. انظر: فتح المغيث ١٦٢.
(٩) فى ت : وكذا .

١٠٣
مقدمة الإمام مسلم
نَتَشَاغَلُ بِهِ . لأَنَّ حُكْمَ أَهْلِ العِلْمِ ، وَالذِى نَعْرِفُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِى قَبُولِ مَا يَتَفَرَّدُ بِه
المُحَدِّثُ مِنَ الحَديثِ، أَنْ يَكُونَ قَدْ شَارَكَ النِّقَاتِ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالحِفْظِ فِى بَعْضِ مَا
رَوَوْا ، وَأَمْعَنَ فِى ذَلِكَ عَلَى الْمُوَافَقَةِ لُهُمْ ، فَإِذَا وُجِدَ كَذَلِكَ، ثُمَّ زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا ليْسَ
عِنْدَ أَصْحَابِهِ، قُبِلِتَ زِيَادَتُهُ.
إليه أهل التحقيق من الفريقين ، وأشار إليه مسلم فى هذا الفصل من جواز قبوله إذا كان
الراوى شارك الثقات فى الحفظ والرواية ، بخلاف إذا لم يُشاركهم ولا وافقهم فيما رووه ،
ثم انفرد هو برواية الكثير مما لم يرووه عن أشياخهم ولا عرفه أولئك المشاهير من
حديثهم فهذا ينكر ولا يقبل(١)، وتُسْترابُ جملة حديثه ويترك، لتهمتنا [ له، !](٢) ما
لسوء (٣) الحفظ والوهم ، أو التساهل ، بخلاف الزيادة فى الحديث نفسه أو رواية الحديث
الواحد من هذا الفن ، فإن مثل هذا يُقْبَل منه ، لثقته ، فإن ظهر فيها وهم (٤) لم يقدح
فى عدالته(٥) واحتمل لصحة حديثه واستقامة روايته لغيره ، وقد بين مسلم الغرض فيه
وأجاد(٦)، وحملنا زيادته هذه التى لم نر ما (٧) يُبطلها ويُعارضُها على أنه حفظ مالم
يحفظ غيرُهُ وضبط مالم يضبط أصحابُه(٨)، وعلى هذا ثَبت زيادةُ الشاهد على غيره من
(١) ذكره ابن حبان فى كتابه ((المجروحين)) فى النوع الثالث عشر من أنواع جرح الضعفاء فقال: ((هو من كثر
خطؤه وفحش ، وكاد أن يغلب صوابه، فاستحق الترك من أجله وإن كان ثقة فى نفسه ، صدوقا فى روايته ،
لأن العدل إذا ظهر عليه أكثر أمارات الجرح استحق الترك ، كما أن من ظهر عليه أكثر علامات التعديل
استحق العدالة . ثم نقل بإسناده عن عبد الرحمن بن مهدى قوله : « قلت لشعبة : من الذى يُترك الرواية
عنه ؟ قال : إذا أكثر عن المعروفين من الرواية ما لا يُعرف، أو أكثر الغلط)).
ومثل لذلك بسؤال مضر بن محمد الأسوى ليحيى بن معين عن إسماعيل بن عياش فقال له: « إذا
حدَّث عن الشاميين فحديثه صحيح، وإذا حدَّث عن العراقيين أو المدنيين خلط ما شئت)) المجروحين١/ ٧٦، ٧٧.
(٣) فى ت : بسوء .
(٢) مطموس فى الأصل .
(٤) فى الأصل: وهمه، وما أثبتناه من ت ، وهو الأليق بالسياق . المغيث .
(٥) العدالة - كما يقول صاحب توجيه النظر - كالضبط، تقبل الزيادة والنقصان والقوة والضعف . والعدالة
والضبط إما أن ينتفيا عن الراوى ، أو توجد فيه العدالة وحدها ، أو الضبط وحده ، فإن انتفيا من الراوى
لم يقبل حديثه مطلقا ، وإن اجتمعا فيه قبل حديثه وكان صحيحا ، وإن وجدت فيه العدالة دون الضبط
توقف فيه على شاهد منفصل يجبر ما فات من ضبطه، وإن وجد فيه الضبط دون العدالة لم يقبل حديثه،
لأن العدالة هى الركن الأكبر فى الرواية . توجيه النظر : ٣٠ - ٣٥ .
قال الحافظ السخاوى : (( مجرد الوصف بحافظ أو ضابط غير كاف فى التوثيق ، فالوصف المعتبر بهما
لا يكون إلا فى عَدْل . ص ١٥٧ بتصرف يسير .
ثم إن وقوع الوهم أو الأوهام اليسيرة لا يخرج الثقة عن كونه كذلك جاء فى لسان الميزان عن يحيى بن
معين: (( من لا يخطئ فى الحديث - أى من زعم لنفسه ذلك - فهو كذاب)) ١٧/١ .
(٧) فى ت : من .
(٦) قيد بعدها فى ت : لصحة حديثه ، ولا نرى لها هنا موضعا .
(٨) قال الذهبى فيما نقله اللكنوى عنه: الثقةُ الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع وأكمل رتبةً، وأدلَّ على=

١٠٤
مقدمة الإمام مسلم
فَأَمَّا مَنْ تَرَاهُ يَعْمَدُ لمِثْلِ الزُّهَرَىِّ فِى جَلالته وَكَثْرَةَ أَصْحَابِهِ الْحُفَّاظِ الْمُتْقنينَ لحَديثه
وَحَدِيثٍ غَيْرِهِ، أَوْ لِمِثْلِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَحَدِيثُهُمَا عِنْدَ أَهْلِ العَلْمِ مَبْسُوْطٌ مُشْتَرَكٌ، قَدَّ
نَقَلَ أَصْحَبُهَّمَا عَنْهُمَا حَدِيثَهُمَا عَلَى الإِنْفَاقِ مِنْهُمْ فِى أَكْثَرِهِ، فَيَرْوِى عَنْهُمَا أَوْ عَنْ
أَحَدِهمَا العَدَدَ مِنَ الحَديث، ممَّا لا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا ، وَلَيْسَ مِمَّنْ قَدْ شَارَكَهُمْ
فِى الصَّحِيحِ مِمَّا عِنْدَهُمْ، فَغَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُ حَدِيثٍ هَذَا الضَّرَبِ مِنَ النَّاسِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الشهداء معه ما لم تكن الشهادتان فى صورة المعارضة . وعلى هذا ما ألفَ أئمة الحديث
الغرائبَ والأفراد من الحديث وعدُّه فى الصحيح .
فأما متى جاء ما يعارضه وروت الجماعةُ خلافَه فالرجوع إلى قول الجماعة والحفّاظ أولى
من باب الترجيح ، وهذا أيضاً أصل فى الشهادة المتعارضة فى مراعاة الأعدل على المشهور .
واختلف المذهب(١) [ فى الترجيح ](٢) فيها بالكثرة .
= اعتنائه بعلم الأثر وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها ، إلا أن يتبين غلطُهُ ووهمه فى الشىء فيعرف بذلك ،
وإنَّ تَفَرُّدَ الثقة المتقن يُعَدُّ صحيحاً غريباً . الرفع والتكميل: ١٦١،١٦٠.
ثم إن الفرق بين تفرد الراوى بالحديث من أصله وبين تفرده بالزيادة - فيما ذكره الحافظ ابن حجر فى
نكته - أن تفرده بالحديث لا يلزم منه تطرق السهو والغفلة إلى غيره من الثقات إذ لا مخالفة فى روايته لهم،
بخلاف تفرده بالزيادة ، إذا لم يروها من أتقن منه حفظاً ، وأكثر عددا ، فالظن غالب بترجيح روايتهم على
روايته ، ومبنى هذا الأمر على غلبة الظن. النكت ٦٩١/٢ .
وها هنا بحث نفيس لابن الصلاح وابن حجر فى هذه المسألة ، يحسن بنا إيراده وذكره ، قال - رحمه
الله -: ومذهب الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث فيما حكاه الخطيب أبو بكر أن الزيادة من الثقة
مقبولة إذا تفرد بها ، سواء كان ذلك من شخص واحد - بأن رواه ناقصاً مرةً ورواه مرَّةً أخرى وفيه تلك
الزيادة - أو كانت الزيادة من غير من رواه ناقصاً ، خلافاً لمن رد من أهل الحديث ذلك مطلقاً ، وخلافاً
لمن ردَّ الزيادة منه وقبلها من غيره .
قال : وقد رأيت تقسيم ما ينفرد به الثقة إلى ثلاثة أقسام :
أحدها : أن يقع مخالفاً منافياً لما رواه سائر الثقات ، فهذا حكمه الرد ، لأنه يصير شاذاً .
الثانى : ألا يكون فيه منافةً ومخالفةً أصلاً ، لما رواه غيره ، كالحديث الذى تفرد بروايته جملة ثقة ، ولا
تعرض فيه .. لما رواه الغيرُ بمخالفة أصلا فهذا مقبول ، لأنه جازم بما رواه ، وهو ثقة، ولا معارض لروايته ،
لأن الساكت عنها لم ينفها لفظاً ولا معنى ، لأن مجرد سكوته عنها لا يدل على أن راويها وهم فيها - على
أن يكون راويه عدلاً ، حافظاً ، موثوقاً بإتقانه وضبطه .
الثالث : ما يقع بين هاتين المرتبتين ، مثل زيادة لفظة فى حديث لم يذكرها سائرٌ من روى ذلك
الحديث. يعنى وتلك اللفظة توجب قيداً فى إطلاق ، أو تخصيصاً لعموم ففيه مغايرة فى الصفة ، ونوع
مخالفة يختلف الحكم بها . فهو يشبه القسم الأول من هذه الحيثية ، ويشبه القسم الثانى من حيث إنه
لامنافاة فى الصورة . النكت ٦٨٧/٢ .
(١) يعنى به المذهب المالكى. راجع: المدونة الكبرى ١٢/ ١٦٠ فى شهادة الشاهد على الشاهد.
(٢) فى ت : بالترجيح .

١٠٥
مقدمة الإمام مسلم .
قَدْ شَرَحْنَا مِنْ مَذْهَب الحَديثِ وَأَهْلِهِ بَعْضَ مَا يَتَوَجَّهُ بِهِ مَنْ أَرَادَ سَبِيلَ القَوْمِ ، وَوُقِّقَ
لهَا. وَسَنَزِيدُ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالى، شَرْحاً وَ إِيضَاحاً فِى مَوَاضِعَ مِنَ الكِتَابِ عِنْدَ ذِكْرٍ
الأَخْبَارِ الْمُعَلَّلة، إِذَا أَتَيْنَا عَلَيْهَا فِى الأَمَاكِنِ التِى يَلِيقُ بِهَا الشَّرْحُ وَالإِيضَاحُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ
تَعَالی .
وَبَعْدُ - يَرْحَمُكَ اللّهُ - فَلَوْلا الذِى رَأَيْنَا مِنْ سُوءٍ صَنِيعِ كَثِير ممَّنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ
مُحَدِّثّاً ، فيمَا يَلَزَمُهُمْ مِنْ طَرْحِ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ، وَالرِّوَايَاتِ الُنْكَرَةِ، وَتَرْكِهِمْ
الاقْتْصَارَ عَلَى الأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةِ الَشْهُوَرَةِ ، مِمَّاَ نَقَلهُ الثّقَاتُ المَعْرُوفُونَ بِالصَّدَقِ
وَالأَمَانَةَ ، بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ وَإِثْرَارِهِمْ بِأَلَسِتَتِهِمْ، أَنَّ كَثِيرًا مِمَّ يَقْذِفُونَ بِهِ إِلى الأَغْبِيَاءِ مِنَ
النَّاسِ هُوَ مُسْتَنْكَرٌ ، وَمَنْقُولٌ عَنْ قَوْمٍ غَيْرِ مَرْضِيِّينَ ، مِمَّنْ ذَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ أَئْمَّةُ أَهْلِ
الحَديث ، مِثْلُ مَالكِ بْنِ أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ بْنِ الحَجَّاجِ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُبَيْنَةَ، وَيَحْتَى بْنِ سَعيد
القَطَّانِ، وَعَبِّدِ الرَّحَمَنِ بْنٍ مُّهْدِىٌّ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الأَئِمَّةِ - لَا سَهُلَ عَلَيْنَا الإِنْتِصَابُ لَمَاً
سَأَلْتَ مِنَ التَّمِْيزِ وَ التَّخْصِيلِ .
وقوله: (( بما يتوجه به من أراد سبيل القوم)): أى يقصد / طريقهم ويسلك مذهبهم ت٧/ ب
قال الله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾(١). وقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾(٢): أى
قصدك .
وقوله: (( وسنزيد - إن شاء الله - شرحاً وإيضاحاً عند الأخبار المعللة)): قيل : هذا
الكلام الذى وعد به ليس منه شىء فى الكتاب ، وأنَّه مما اخترمَتَه المنيَّةُ قبل جمعه ، إذ ما
أدخله فى كتابه من الصحيح المتفق عليه ليس يحتاج إلى شىء من الكلام [ عليه ](٣) لعلو
رتبته ، وقلة غلط رواته ، وحفظهم وإتقانهم ، وقد قدمنا الكلام عليه ، وأنه قد ذكره فى
أبوابه .
وقوله: (( يقذفون به إلى الأغبياء)): أى يلقون ذلك إليهم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ
نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ (٤)، وقد يكون ((يقذفون)) بمعنى : يقولون ما لا يعلمون ، كما
(١) الأنعام : ٧٩.
(٢) الروم : ٣٠.
(٣) ساقطة من ت .
(٤) الأنبياء : ١٨ .

١٠٦ -
مقدمة الإمام مسلم
وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ مَا أَعْلَمْنَاكَ مِنْ نَشْرِ القَوْمِ الأَخْبَارَ المُنْكَرَةَ ، بِالأَسَانيد الضِّعَاف
المَجْهُولةِ ، وَ قَدْفِهِمْ بِهَا إِلى العَوَامِ الذِينَ لا يَعْرِفُونَ عُيُوبَهَا، خَفَّ عَلَى قُلُوبِنَا إِجَابَتُكَ إلَى
مَا سأَلتَ
قال تعالى : ﴿ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾(١) .
واختلفت روايات شيوخنا فى هذا الحرف الآخر ، وصوابه : الأغبياء بالغين المعجمة
والباء بواحدة تحتها ، وهى روايتنا من طريق السمرقندى ، ومعناه : الجهلة الأغفال ، ويدل
عليه قوله آخر الفصل: ((وقذفهم بها إلى العوام)).
(١) سبأ : ٥٣ .

١٠٧
مقدمة مسلم / باب وجوب الرواية عن الثقات
(١) باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين ، والتحذير من
الكذب على رسول اللّه ێ.
وَاَعْلَمْ - وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالى - أَنَّ الوَاجِبَ عَلَى كُلِّ أَحَد عَرَفَ التَّمْبِيزَ بَيْنَ صَحِيحِ
الرِّوَيَاتِ وَسَقِيمِهَا، وَقَاتِ النَّاقِلينَ لَهَا مِنَ الْنَّهَمِينَ، ألا يَرْوَىَ مِنْهَا إلا مَا عَرَفَ صِحَّةً
مَخَارِجِهِ، وَالسَّارَةَ فِى نَاقِلِيَهِ، وَ أَنْ يَتَّقِىَ مِنْهَا مَا كَانَ مِنْهَ عَنْ أَهْلِ النُّهَمِ وَالْعَانِدِينَ، مِنْ
أَهْلِ البِدَعِ.
وَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الذى قُلْنَا مِنْ هَذَا هُوَ اللازِمُ دُونَ مَا خَالَفَهُ قَوْلُ اللّه جَلَّ ذكْرُهُ :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيُّوا أَن تُصِيبُوا قَوْمَّا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا
فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾(١)، وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾(٢)، وَقَالَ عَزَّ
وَجَلَّ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾(٣). فَدَلَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذه الآَى أَنَّ خَبَرَ
الفَاسِقِ سَاقِطٌ غَيْرُ مَقْبُول ، وَأَنَّ شَهَادَةَ غَيْرِ العَدْلِ مَرْدُودَةٌ .
وَ الْخَبَرُ، وَإِنْ فَارَقَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الشَهَادَةِ فِى بَعْضِ الوُجُوهِ ، فَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِى أَعْظَمِ
مَعَانِيهِمَا، إِذْ كَانَ خَبَرُ الفَاسِقِ غَيْرَ مَقْبُول عنْدَ أَهْلِ العلمِ ، كَمَا أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ عِنْدَ
وقول مسلم - رحمه الله -: ((والخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة فى بعض الوجوه،
فقد يجتمعان فى أكثر معانيها)) : ما أحسن قول مسلم هذا وأبينه فى الدلالة على كثرة علمه
وقوة فقهه (٤) ، فاعلم أنَّ الشهادة والخَبَر يجتمعان عندنا فى خمسة أحوال ويفترقان فى
خمسة أحوال .
فالخمسة الجامعة لها: العقل، والبلوغ، والإسلام، والعدالة، وضبط الخبر أو الشهادة حين
السماع، والأداء، فمتى اختل وصف من [هذه](٥) الأوصاف فى أحد لم يقبل خبره ولا شهادته.
وأما الخمسة التى يفترقان فيها: فالحريّة، والذكورية، والعدد، ومراعاة الأهلية، والعداوة.
فخبر العبد مقبول [ وإن لم تقبل ] (٦) شهادته عندنا ، وكذلك خبر الواحد والمرأة
مقبول، ولا تقبل شهادتُهما مجردةٌ إلا فى مواضع مستثناة وشرائط معلومة. وخبرُ الرجل
وروايته فيما ينتفعُ به خاصُ أهله أو يضر به عدوهُ مقبول(٧) ؛ ولهذا لا يُعذَّر فى مكشفى
(٣) الطلاق : ٢ .
(١) الحجرات : ٦ .
(٤) فى ت: فهمه .
(٢) البقرة : ٢٨٢ .
(٦) فى ت : ولن تقبل .
(٥) ساقطة من ت .
(٧) قالوا: لأن الشهادة مبنية على التغليظ والتشديد، والخبر مبنى على حسن الظاهر والمسامحة. الإلماع: ١٣٩.

مقدمة مسلم / باب وجوب الرواية عن الثقات ... إلخ
١٠٨ -
جَميعِهِمْ. وَ دَلَتِ السَّنَةُ عَلَى نَفْ رِوَايَةِ الْمُنْكَرِ مِنَ الأَخْبَارِ، كَنَحْوِ دَلالةِ القُرآنِ عَلَى نَفْىِ
خَبَرِ الفَاسِقِ، وَهُوَ الأَثَرُ الَشْهُورُ عَنْ رَسُولِ اللّهَ عَُّ: (( مَنْ حَدَّثَ عَتِّىَ بِحَدِيثَ يُرَى أَنَّهُ
كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِينَ)) .
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِى شَيَّةَ، حَدَّثْنَا وَكِيْعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الحَكَمِ ، عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلِى، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبِ. ح وَحَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِى شَيْبَةَ أَيْضًا ،
القضاة ومجرحى (١) السّر (٢) وكذلك تجوز(٣) رواية الابن عن أبيه وأمّه وروايتهما عنه وإن
لم يُجِزِهُ بعض العلماء فى نقل الشهادة ، وفى مذهبنا فيها وجهان ، ولأن الرواية والخبر
يعم ولا يخص شخصًا دون شخص والشهادة خاصة ، ولهذا نُعْمِلُ الشهادة العامة كيف
كانت ولا نردها (٤) بظنة منفعة ولا عداوة كالشهادة على العدوّ من أهل الكفر وعلى الأمور
العامة للمسلمين فى سككهم ومرافقهم وإن كان الشاهدُ واحداً منهم . وشرط الشافعى
البصَرَ فى الشهادة دون الخَبَرَ، ولا حُجَّةً له فى ذلك قائمة (٥) ، وشرط بعض الأصوليين
البلوغَ حين السماع (٦) والإجماع بخلافه، وشرط الجُبَّائى وبعض القدرية العدد فلا بد عنده(٧)
(١) فى ت : ومخرجى .
(٢) هم المزكون الشهود للقاضى وللحاكم وعيونه فى الأمة عند المالكية ، يطلعونه على مكانه فى الناس ، إن
كان خيرا حمد الله وإن كان غير ذلك تعهد نفسه بالتزكية والتقويم ، ثم إن لهم عملا فوق ذلك هو أن
يوقفوا القاضى على أسرار المزكين . الشرح الكبير للدرديرى ، كتاب القضاء .
(٣) أخرت فى ت إلى ما بعد أمّه .
(٤) فى الأصل بالياء .
(٥) عبارة الإمام الشافعى محتملة قابلة للتأويل على معنى شدة الاحتياط فى الشهادة كما أسلفنا، فكان الأليق
بالقاضى حمل كلام الإمام على مايناسب قدره فى دين الله ليبرأ عرض القاضى من الآفة الذميمة.
(٦) لم أقف على المراد بهذا البعض . ومحل شرط البلوغ عند الجمهور قبول الرواية والعمل بها . جاء فى
المستصفى : لا تقبل رواية الصبى ؛ لأنه لا يخاف الله تعالى ، فلا وازع له من الكذب ، فلا تحصل الثقة
بقوله ، أما إذا كان طفلاً مميزاً عند التحمل بالغاً عند الرواية فإنه يقبل ، لأنه لا خلل فى تحمله ولا فى أدائه
ويدل على قبول سماعه إجماع الصحابة على قبول خبر ابن عباس ، وابن الزبير ، والنعمان بن بشير ،
وغيرهم من أحداث الصحابة من غير فرق بين ما تحملوه بعد البلوغ أو قبله ، وعلى ذلك درج السلف
والخلف من إحضار الصبيان مجالس الرواية ، ومن قبول شهادتهم فيما تحملوه فى الصغر . المستصفى
١٥٦/١ :
وفى المختصر لابن الحاجب : والرواية بعده - البلوغ - والسماع قبله مقبولة كالشهادة. ٦٨٦/١ .
وفى الأحكام للآمدى فى شرائط وجوب العمل بخبر الواحد: ((الأول: أن يكون الراوى مكلفاً)).
الأحكام ٢/ ١٠١ .
وفى التمهيد للكلوذانى الحنبلى : فأما اعتبار بلوغه ، فلأن غير البالغ لا رغبة له فى الصدق ، فأما
تحمله إذا كان صبياً مميزا وروايتهُ بعد البلوغ فجائز ١٠٦/٣.
(٧) فى الأصل : عند . والجُبَّائى هو: أبو على محمد بن عبد الوهَّاب البصرى، شيخ المعتزلة. مات بالبصرة
سنة ثلاث وثلاثمائة . قال فيه الذهبى : كان على بدعة متوسعاً فى العلم ، سيّال الذهن ، وَهو الذى
ذَلَّل الكلام وسهَّله، ويَسَّرَ ما ضَعُبَ منه. سير ١٨٣/١٤.

مقدمة مسلم / باب وجوب الرواية عن الثقات عن اله
١٠٩
حَدَّثَنَا وَكَيْعٌ، عَنْ شُعْبَةَ وَ سُفْيَانَ ، عَنْ حَبيب ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِى شَبِيبٍ ، عَنِ الْمُغِيرة بْنِ
شُعْبَةَ ، قَالا : قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَهُ ذَلِكَ .
من اثنين عن اثنين فى الخبر كالشهادة ، وعند الآخرين أربع عن أربع فى كل خبرٍ ، وهذا
مما يتعذّر ولا يفيد معنى فى باب النقل(١)، وأسقط أبو حنيفة شرط العدالة ورأى أن مجرد
الإسلام عدالة فى الشهادة، والخبر لمن لم يُعلم فسقهُ وجهلُ أمره (٢) ورأى بعض أهل
الحديث أن رواية رجُلين عمن رُوى عنه يُخرجُه عن حدّ الجهالة وإن لم تُعْرَف حالهُ ،
والصوابُ أن الجهالةَ لا ترتفع عنه بروايتهما حتى يعرف حاله وتتحقق عدالتهُ وإن جهُل
نسبهُ (٣).
(١) فى الأصل: الفعل، والمثبت من ت، وهو الصواب. راجع: المعتمد فى أصول الفقه لأبى الحسين محمد بن على
الطيب المعتزلى (١٣٨/٢)، فقد نقل عن أبى على الجبائى أنه إذا روى العدلان خبرا وجب العمل به، وإن رواه
واحد فقط لم يجز العمل به إلا بأحد شروط، منها: أن يعضده ظاهر ، انضاف خبر آخر إلى خبره أو عمل
بعض الصحابة، أو انتشاره بينهم، أو موافقة ما رواه الراوى لظاهر آية، وحكى عنه أنه لم يقبل فى الزنا إلا خبر
أربعة، كالشهادة عليه، وأجيب عن ذلك كله بالتمسك بكتب الرسول ◌َّ ورسله، فإنه عَّ كان لا
يتكلف جمع رسولين إلى كل صوب، بل كان يبعثهم ويُحَمّلهم نقل الشريعة على ما تقتضيه
الأحوال، مفردين ومقترنين .
ذكره إمام الحرمين فى البرهان ٦٠٨/١. قال : ومن ادعى أن جملة الأخبار التى استدل بها أصحاب
رسول الله به فى أحكام الوقائع رواها أعداد فقد باهت وعاند ، وخالف ما المعلوم الضرورى بخلافه .
٦٠٩/١. وقد علل - رحمه الله - رد الجمهور اشتراط العدد أن هذا يودى إلى رد معظم الأحاديث إذا
تطاولت العصور ، وتناسخت الأزمان والدهور .
(٢) وما ذكره القاضى هنا عن أبى حنيفة ليس مذهباً ولم يصرح به أبو حنيفة، وإنما هو مفهوم عنه له من مسألة
أخرى، هى أن الراوى إذا كان معلوما إسلامه مجهولا حاله من العدالة والفسق فإنه تقبل روايته؛ لأن الفسق
سبب التثبت ، فإذا انتفى السبب انتفى المسبب أخذاً بالظاهر .
وهذا القول - كما ترى - ليس إسقاطاً لشرط العدالة عند أبى حنيفة ، وغاية ما فيه عدم رد رواية
مجهولها إذا تحقق له إسلامه ، وله على ذلك أدلة : منها : أن مجهول الحال مع الإسلام ظاهر الصدق فى
إخباره بكون اللحم مذكى، وطهارة الماء ونجاسته ، ورق جاريته ، وبأن الرسول عَّه قال: (( لنا الظاهر))
حيث دل على الحكم بكل ظاهر ، لأن اللام تفيد العموم ، فيندرج مجهول الحال تحته ؛ لأن الظاهر من
حال المسلم العدالة .
وقد عورضت تلك الأدلة بأن ما جاء فى قول الإمام بالتسوية بين الأخبار والرواية منتف، إذ الأول يقبل
مع الفسق ، فكذلك يقبل مع مجهول الحال ، بخلاف الرواية فإنها لا تقبل مع الفسق ، فكذلك لا تقبل
مع الجهالة لحالته ، ثم إن الرواية أعلى رتبة من الإخبار فيما ذكر من الصور ، ولا يلزم من قبول إخبار
مجهول الحال فيما هو أدنى رتبة قبوله فيما هو أعلى رتبة .
وعما استدل به من الحديث أجيب بأنا لا نسلم أن الظاهر من حال المسلم العدالة، كيف وكونه مجهول
الحال، يستوى العدالة والفسق فى الظهور وعدمه. بيان المختصر ١/ ٧٠٠.
فغاية الأمر هنا أن ما ذكره القاضى ونسبه إلى الإمام أبى حنيفة لا يعدو أن يكون لازم مذهب ، ولازم
المذهب عند الأصوليين ليس بمذهب .
(٣) الجهالة عند المحدثين نوعان : جهالة عين، وجهالة حال ، ومدار جهالة العين ومعرفتها عند المحدثين على
الرواة عن الراوى ، فمن روى عنه واحد فقط فهو مجهول العين ، ومن روى عنه عدلان صار معروفاً
وارتفعت جهالة عينه . تدريب الراوى ٣١٦/١ .
هذا هو تعريف جهالة العين عند جمهور المحدثين. وذهب الأحناف إلى أنه من لم يُعرف إلا بحديث أو
حديثين، وجهلت عدالته سواء انفرد بالرواية عنه واحد، أم روى عنه اثنان فصاعدا. قواعد فى علوم الحديث: ٢٠٧ .=
٠

١١٠
مقدمة مسلم / باب تغليظ الكذب على رسول الله عَ ليه.
(٢) باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
١- (١) وحدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ
ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارِ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَثَنَا شُعْبَة ◌ُ عَنْ مَنْصُور، عَنْ
رِبْعِىِّ بْنِ حِرَاش، أَنَّهُ سَمِعَ عَلَيّا رَضِىَ اللَّهُ عَنَّهُ يَخْطُبُ. قَال: قَالَ رَسُولِ اللّهِعَّ: (( لا
تَكْذِبُوا عَلَىَّ، فَإِنَّهُ مَنْ يَكْذِبْ عَلَىَّ يَلِجِ النَّارَ)).
٢ - (٢) وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، يَعْنِى ابْنِ عُليَّةَ، عَنْ عَبْدِ
العَزِيزِ بْنِ صُهَيْب ، عَنْ أَنَس بْنِ مَالك، أَنَّهُ قَال: إنَّهُ لَيَمْنَعَنَى أَنْ أُحَدَِّكُمْ حَديثًا كَثِيرًا، أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ عَّهُ قَالَ: (( مَنْ تَّعَمَّدَ عَلَىٌّ كَذِبًا فَلَبَوَأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) .
٣- (٣) وَحَدَثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الغُبَرِىُّ، حَدَّثْنَا أَبُو عَوَنَةَ، عَنْ أَبِى حَصِينٍ ، عَنْ أَبِى
صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ: (( مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلَيَتَبَؤْأْ
مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ )) .
قوله - عليه السلام -: ((من كذب على مُتَعمِّدًا [ فليتبوأ مقعده من النار](١) ، قال
الإمام: الكذبُ عند الأشعرية الإخبار عن الأمر على ماليس هو به .
هذا حد الكذب عندهم ، لا يشترطون فى كونه كذباً العمدَ والقصد [ إليه ](٢) ،
خلافاً للمعتزلة فى اشتراطهم ذلك ، ودليل هذا الخطاب يردُّ عليهم ، لأنه يدلُّ على أنَّ
مالم يُتَعمَّد يقع عليه اسم الكذب (٣) .
وأما قوله: ((فليتبوأ مقعده من النار)): فإن الهروى قال فى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
تَبَوَّءُوا الدَّارِ﴾(٤) [أى](٥) اتخذوها / منازل، وقوله: ﴿نَتَبَوَأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءَ﴾(٦) أى: نتخذ(٧)
١/٤
= وبرواية العدلين ترتفع الجهالة عند الجمهور ، لكن لا تثبت بذلك العدالة ، وذهب الدارقطنى إلى ثبوت
العدالة بذلك . إعلاء السنن ١ / ١٣٠ .
(١) ساقطة من ت. الحديث أخرجه البخارى فى الصحيح، ك العلم، ب إثم من كذب على النبى عم ٣٨/١،
والترمذى، ك الفتن، ب ٢٧٠، ك العلم، ب تعظيم الكذب على رسول الله عَة ٣٥/٥، والدارمى فى
المقدمة، ب اتقاء الحديث عن النبى عَّه والتثبت فيه ٦٧/١، عن عبد الله بن مسعود، والترمذى من حديثه
ومن حديث أنس - رضى الله عنهما -، وأحمد فى المسند ٥/ ٢٩٢ عن خالد بن عرفطة .
(٢) ساقطة من ت .
(٣) فى الإكمال : كذب ، والمثبت من المعلم، ت . وانظر: مقالات الإسلاميين : ٤٤٥.
(٤) الحشر : ٩ .
(٥) من المعلم .
(٧) فى الإكمال ، ت : نتخذها ، والمثبت من المعلم .
(٦) الزمر : ٧٤ .

- ١١١
مقدمة مسلم / باب تغليظ الكذب على رسول الله عَلام
٤- (٤) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ نُمَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْد،
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ ؛ قَالَ : أَتَيْتُ المَسْجَدَ ، وَالمُغِيرَةُ أَمِيرُ الَكُونَةِ. قَالَ : فَقَالَ الْمُغِيرَةُ :
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَّه يَقُولُ: ((إِنَّ كَذِبًا عَلَىَّلَيْسََ كَكَّذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، فَمَنْ كَذِبَ عَلَىَّ
مُتَعَمِّدً فَلَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) .
وَحَدَّثَنِى عَلَىُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِىُّ، حَدَّثَنَا عَلَىُّ بْنُ مُسْهِر، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَيْس
الأَسَدِىُّ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ رَبِيعَةُ الأَسَدِىُّ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ النَبِىِّ ◌َّهُ بِمِثْلِهِ وَلَمْ
يَذْكُرْ (( إِنَّ كَذِبًا عَلَىَّ لَيْسََ ◌َكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ )).
منها منازل، ومنه الحديث: ((فيتبوأ مقعده من النار)) أى : لينزل منزله (١) منها .
قال القاضى: اختلف فى المراد بهذا القول. فقيل: ورد مورد الدعاء منه - عليه السلام - ،
أى فبوأه الله ذلك، وأخرج الدعاء عليه مخرج الأمر ، وعلى هذا يُحمل معنى الحديث
الآخر من رواية البخارى عن علىّ: ((من كذَب على فليَلج النار))(٢). قيل: هو على الخبر،
أى : فقد استوجَب ذلك واستحقَّه ، فليوُطِّن نفسه عليه ، ويدل عليه رواية مسلم فى
الحديث الآخر: (( يلج (٣) النار))، وفى رواية غيره: (( بنى له بيتٌ فى النار)).
وقد اختلف فى معنى هذا الحديث السلفُ والخلف ، فذهب بعضُهم إلى أنَّه عام فى
كل شىء ، كان من (٤) الدين أو غيره ، وذهب آخرون إلى أنَّ ذلك خاص فى الكذب عليه
فى الدين وتعمَّده الخبر عنه بتحليل حرامٍ أو تحريم حلالٍ ، أو إثبات شريعة أو نفيها(٥) ،
(١) فى المعلم : منزلته .
(٢) البخارى فى صحيحه، ك العلم، ب إثم من كذب على النبى ◌َّةٍ عن ربعى بن حراش ٣٨/١، وكذلك
أخرجه الترمذى، ك العلم، ب تعظيم الكذب على رسول الله عليه ٣٥/٥. والحديث بلفظه: ((بنى له
بيتا فى النار))، هو بنحو ما أخرجه ابن عبد البر فى التمهيد عن أنس، ولفظه هناك: ((من كذب علىّ
متعمدا فليتبوأ بيته فى النار ٤٤/١٨، وإسناده هناك جيد، رجاله ثقات، وكذلك ذكره القاضى فى الإلماع: ١٢،
وأخرجه أحمد فى المسند ١٦٥/١، ٢٩٣، ٣٢٣، ٣٨٩، ٤٠٢، ٤٠٥، والطبرانى ٣٢١/٦،
وأخرجه أحمد بلفظ: (( من كذب علىَّ متعمداً فإن له بيتاً فى النار )) ٣٩/٣
أما زيادة: ((ليُضل الناس)) فقد ذكرها ابن الجوزى فى الموضوعات ٩٦/١. قال الطحاوى فى المشكل
فى تلك الزيادة المخرجة عنده من حديث يونس بن بكير عن الأعمش عن طلحة بن مصرف عن عمرو بن
شرحبيل عن ابن مسعود : قال: وهذا حديث منكر ، وليس أحدٌ يرفعه بهذا اللفظ غير يونس بن بكير ،
وطلحة بن مصرف ليس فى سنه ما يدرك عمرو بن شرحبيل لقدم وفاته ١/ ١٧٤ .
(٣) فى ت: فليلج. وقد أخرجها الحاكم فى المستدرك ٢٩٨/٤ عن على، بلفظ: ((يلج النار)) وقال الحاكم: ((صحيح
على شرط مسلم ولم يخرجاه))، وتعقبه الذهبى بأن مسلماً أخرجه. قلت: فى المقدمة .
(٤) فى ت: فى .
(٥) هذه العبارة جزء حديث، أخرجه ابن عدى فى الكامل عن جابر، ولفظه هناك: (( من كذب على
متعمدا ليحل حراما أو يحرم حلالاً، أو يضل الناس بغير علم ، فليتبوأ مقعده من النار)) ١/ ٢١.

مقدمة مسلم / باب تغليظ الكذب على رسول الله
١١٢
وقد روى فى هذا الحديث زيادة: ((ليُضِلَّ الناسَ))، ولكنها منكرة غير صحيحة .
قال الطحاوى: ولو صحَّت لكان معناها التأكيد كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى
ت ٨/ ب عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيضِلَّ النَّاسَ﴾(١) قال ابن البيّع: وهذا حديثُ واهِ / .
وقد روى قوم أيضاً تفسير الكذب عليه فى حديث [آخر](٢) أنَّه إنما هو فيمن كذب عليه فى
غيبه(٣) وشين (٤) الإسلام، قال: وهو حديث باطل أيضا فى [رواية](٥) جماعة لا يُحْتَج[ بحديثهم) (٦).
وذهب آخرون إلى أنَّ الحديث ورد فى رجُلٍ بعينه كذب عليه(٧) فى حياته، وادَّعى لقوم
أنَّه رسولُه - إليهم يحكم فى أموالهم ودمائهم، فأمر عليه السلام بقتله إن وُجِد حيا وإحراقه
إن وُجِد ميّتًا(٨). وحُجَّةُ أصحاب القول الأول تَهيُّبُ عُمَرَ والزبير وغيرهما الحديث عنه
عليه السلام [واحتجاجهم بهذا الحديث، ولو كان الوعيد فى رجُلٍ ](٩) بعينه أو مقصوراً على
سَبَبٍ أو فى فن مفردٍ لما حذروا ذلك، والصوابُ عُمومه فى كل خبر تُعُمد به الكذب عليه
◌َّهِ؛ ولهذا قال فى الحديث الآخر: ((إنَّ كذباً علىَّ ليس ككذِبٍ (١٠) على أحدٍ))(١١) وقوله:
(١) الكامل ١٧٥/١، والآية ١٤٤ الأنعام.
(٢) ساقطة من ت .
(٣) فى الأصل : عيبه - بالعين المهملة - وفى ت : غيب.
(٤) فى ت : وشن .
(٦) فى ت : بهم .
(٥) ساقطة من الأصل ، والمثبت من ت .
(٧) فى ت: كذب على النبى معَّةٍ.
(٨) أخرجه الطحاوى فى المشكل بإسناده عن ابن بريدة ، ولفظه: كان حى من بنى ليث من المدينة على ميلين ،
وكان رجل قد خطب امرأةً منهم فى الجاهلية ، فأبوا أن يزوجوه ، فجاءهم وعليه حُلَّةٌ فقال : إنَّ رسول
الله ◌َّ كسانى هذه الحُلَّةَ، وأمرنى أن أحكم فى دمائكم وأموالكم بما أرى ، وانطلق ، فنزل على المرأة ،
فأرسلوا إلى رسول الله عَّه فى ذلك، فقال: ((كذب عدوًّ الله)) ثم أرسل رسولاً وقال: ((إن وجدتَه
حياً فاضرب عنقه، ولا أراك تجده حيا، وإن وجدتَه ميتا فأحرقه بالنار)) فجاء، فوجده قد لدغَته أفعى، فمات ،
فحرقه، فذلك قول رسول الله عَّه: ((من كذبَ علىَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) مشكل ١٦٤/١.
قلت: وهو حديث ضعيف، آفته من صالح بن حيان القرشى، قال فيه ابن معين وأبو داود: صالح بن حيان
ضعيف، وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالقوى، وقال النسائى والدولابى: ليس بثقة. تهذيب التهذيب ٣٨٦/٤.
وليس هو يصالح بن حيان الذى أخرج له البخارى، فى الصحيح فى كتاب العلم، فقد وهم الدارقطنى فى
ذلك وعاب على البخارى - هو وغيره - هذا، قال الحافظ: فما أصابوا، وإنما الذى أخرج ه البخارى صالح بن
صالح بن حيان المذكور، فإنه صالح بن صالح بن مسلم بن حيان، وهو معروف بالرواية عن الشعبى السابق .
(١٠) فى الأصل: لكذب .
(٩) فى الأصل كتبت: واحتجاجهم بهذا الوعيد ولو كان فى رجل .
(١١) مسلم فى ك الزهد، ب التثبت فى الحديث وحكم كتابة العلم ٨٤٧/٥، والبخارى فى صحيحه ، ك
الجنائز، ب ما يكره من النياحة ٢/ ١٠٣ عن المغيرة، وأخرجه أحمد فى المسند٢/ ٤١٠، ٤١٣، ٤٦٩، ٥١١،
١٣/٣ عن أبى هريرة بزيادة: ((تحدثوا عنى ولا حرج))، كذلك أخرجه ابن ماجه فى المقدمة ، ب تغليظ فى
الكذب على رسول الله عَّه ١٤/١، وأحمد فى المسند ٤٤،٣٩/٣، ٤٦، ٥٦، بزيادة: ((حدثوا عنى ولا
حرج)) عن أبى سعيد، كما أخرجه عن خالد بن عرفطة ٤١٢/٥، ٤٧/٤، ٢٠٣، ٢٠٩، ٢٢٣، ٢٧٨،
٢٨٠ عن سلمة بن الأكوع، ٤/ ١٠٠ عن معاوية بن أبى سفيان، ١٥٦/٤ عن سلمة بن مخلد، ٢٠١/٤ عن=
٠

١١٣
مقدمة مسلم / باب تغليظ الكذب على رسول الله ﴾﴾.
((لا تكذبوا علىَّ))، وقوله: ((من قال علىَّ ما لم أقُل)) (١)، وهذه الألفاظ كلها فى
الصحيحين ، وإذا كان الكذبُ ممنوعا فى الشرع جملةً فهو على النبى - عليه السلام -
أشد؛ لأن حقَّه أعظم ، وحق الشريعةِ آكد ، وإباحةُ الكذب عليه ذريعةٌ إلى إبطال شرعه ،
وتحريف دينه ، ومن أجل حديث علىّ والزبير هاب من سمع الحديث أن يُحدّثَ بكل(٢) ما
سمع ، وقد اعتذر الزبير لأنهما لم يذكرا فى حديثهما (( متعمدا )) ونحوه فى حديث سلمة بن
الأكوع، وترخَّص(٣) من ترخَّص فى الرواية بذكره العمد فى حديث أبى هريرة وأنس
والمغيرة بن شعبة، وكرهوا الإكثار توقياً وحذرا من الوقوع فى ذلك بغير قصد ، وإن كان
الخطأ والنسيان مما لا تُؤاخذ به هذه الأمة ، لكن لشدة الأمر ، وأنه ليس كغيره من الكذب
كما قال - عليه السلام ، وتحرّزا أن يكون فى الإكثار ضرْبٌ من التفريط ، والتكلف ، وقلة
التوقى ، فيشبه العمد والقصد ، ويقع فى حمى النهى فلا (٤) يُعذَر بالوهم، ولهذا ذمَّ
الأئمةُ الإكثار ونَهوا عنه(٥) ، وقلَّ ما سلم مكثر من الطعن عليه مع ما فيه من التغرير بمن
لا يميز الصحيح من السقيم، كما أشار إليه مسلم - رحمه الله - قبل هذا ، مما يبين ما قلناه .
قال الطحاوى: واختلاف هذه الأحاديث بزيادة لفظة الكذب أو نقصها لا يوجب
اختلافاً (٦) فى معناها، وإنما هو على التأكيد كما يقال: رأيتُ ذلك بعينى وسمعتهُ بأذنى(٧).
= عقبة بن عامر ٣٦٧/٤ عن زيد بن أرقم، ٩٨/٣، ١١٣، ١١٦، ١٦٦، ١٧٦، عن أنس رضى الله
عنهم أجمعين . والحديث من الأحاديث المتواترة .
(١) أحمد فى المسند ٦٥/١، ١٥٨/٢، ١٧١، ٣٦٥، ١٥٩/٤، ٢٩٧، ٣٠١، ٣٣٤، والحاكم فى
المستدرك ١٠٣/١، ٣٦٢/٣، والطبرانى فى الكبير ١٣٥/١، ٣٢/٧، والإحسان ٢٨/١، ٦٩٨٢/١٥،
ومشكل ١٦٨/١، ١٧١، ١٧٢. عن أبى هريرة والزبير، وأخرجه البخارى فى صحيحه بلفظ: ((من
يقل)) كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبى عليه، عن سلمة، وابن ماجة فى المقدمة ١٣/١
بلفظ: «من تقوَّلَ على )).
(٢) فى الأصل : بما .
(٤) فى ت : ولا .
(٣) فى الأصل : وترخيص .
(٥) من ذلك قول السيدة عائشة لأبى هريرة - رضى الله عنهما -: ((أكثرت يا أبا هريرة)) الإصابة. ونسبه
لابن سعد وجوّد إسناده، الحاكم فى المستدرك ٥٠٩/٣، وقول ابن عمر لسائله: « هل تنكر مما يحدث
أبو هريرة شيئاً)) فقال: ((لا، ولكنه اجترأ وجبنا)) الحاكم فى المستدرك ٣/ ٥١٠. وقول رُفيع أبى العالية
فيما ذكره الرامهرمزى فى المحدث الفاصل: ((إذا حدثت عن رسول الله عَّ﴾ فازدهر)) أى احتفظ به
واجعله من بالك ، وحافظ على لفظه ، ولا تتشاغل عنه ٥٨٥ . وأخرج الحاكم من طريق مالك عن سعد
ابن إبراهيم عن أبيه أنَّ عمر بن الخطاب حبس جماعةً مِنْهم أبو هريرة وقال: « أقلوا الروايةَ عن رسول الله
عَّ))، وكانوا فى حبسه إلى أن مات. المستدرك، ك العلم ١/ ١١٠، وقال: صحيح على شرط
الشيخين ، ووافقه الذهبى ، كما أخرجه الخطيب فى شرف أهل الحديث ٨٧ ، والخليلى فى الإرشاد
١/ ٢١٤، والقاضى فى الإلماع ٢١٧ بلفظ: أن عمر بن الخطاب قال لابن مسعود ولأبى الدرداء ولأبى
ذر: ((ما هذا الحديثُ عن رسول الله عَّه)) وأحسبُه حَسَهُم حتى أصيب. قال القاضى: (( يعنى حبسهم
منعهم الحديث ، ولم يكن لعمر حبس)).
(٦) فى ت : خلافاً .
(٧) مشكل الآثار ١٧٣/١ .

١١٤
مقدمة مسلم / باب النهى عن الحديث بكل ما سمع
(٣) باب النهى عن الحديث بكل ما سمع
٥ - (٥) وحدّثْنا عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذ العَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
المُنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالاَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
عَنْ حَقْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ عََّ: ((كَفَى بِالَّرْءِ كَذِبًا أَنْ
يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)) .
وَحَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِ شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلَىُّ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثْنَا شُعْبَةُ ، عَنْ خُبَيْبٍ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَقْصِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النّبِىِّ ◌َّهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ .
وَحَدَّثْنَا يَخْيَى بْنُ يَحْتَى. أَخْبَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ سُلْيْمَانَ الَّيْمِىِّ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ النَّهْدِىِّ؛
قَالَ: قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِىَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -: بِحَسْبِ المَرْءِ مِنَ الكَذْبِ أَنْ يُحَدِّثَ
بِكُلِّ مَا سَمِعَ .
وقوله عليه السلام: (( كفى بالمرء إثما(١) أن يُحدّث بكل ما سمع))(٢)، قال الإمام:
رواه شُعبة، عن خُبيب(٣) بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم ؛ أن رسول الله
عَّةٍ ... فأتى به مرْسلا لم يذكر فيه أبا هريرة . هكذا روى من حديث معاذ [ بن
معاذ](٤). وغندر وعبد الرحمن بن مهدى عن شعبة ، وفى نسخة أبى العباس الرازى وحده
فى هذا الإسناد عن شعبة، عن خُبيب، عن حفصٍ، عن أبى هريرة مسندا ولا يثبت هذا ،
وقد أسنده مسلم بعد هذا من طريق على بن [ حفص ](٥) المدائنى عن شعبة . قال على بن
عمر الدارقطنى : والصواب مرسل عن شعبة، كما رواه معاذ وغندروبن مهدى.
قال القاضى: معناه: أن من حدَّث بكل ما سمع وفيه الحقُّ والباطل والصدق والكذب ،
نُقل عنه هو أيضاً ما حدَّث به من ذلك ، فكان من جملة من يروى الكذب ، وصار كاذباً
(١) فى الأصل: كذبا .
(٢) الذى تواترت عليه نُسخ الصحيح التى تيسرت لنا لمسلم: ((كفى بالمرء كذبا))، واللفظ المذكور هنا هو لفظ
أبى داود والحاكم ، فقد أخرجه أبو داود ، والحاكم فى المستدرك ١/ ١١٢ من طريق مسلم وأشار إليه ، بيد
أنى عثرت على هذا اللفظ معزوا لمسلم فى كتاب تحذير الخواص من أحاديث القصاص ١٣٩، وهذا ما
يحمل على الظن عندنا أن النسخة التى كانت بيد القاضى وقتها نسخة زائدة عما بأيدينا ، لكنه ورد فى
المعلم على وفق لفظ مسلم هنا: (( كفى بالمرء كذبا)) مما يقوى احتمال وقوع التصحيف فى نسخة القاضى ،
إن لم يكن الوهم عنده .
(٣) فى ت : حبيب .
(٥) ساقطة من ت .
(٤) من المعلم .

١١٥
مقدمة مسلم / باب النهى عن الحديث بكل ما سمع
وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو بْنِ سَرْحٍ قَال: أَخْبَرَنَا ابْنُ
وَهْب ؛ قَالَ: قَال لى مَالِكٌ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلِمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلَا يَكُونُ
إِمَامًا أَبَدًا، وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى
إِسْحَقَ ، عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ؛ قَال: بِحَسْبِ الَرْءِ مِنَ الكَذْبِ أَنْ يُحَدِّثَ
بِكُلِّ مَا سَمِعَ .
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُنَّى، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِىِّ يَقُولُ : لا يَكُونُ
الرَّجُلُ إِمَامَا يُفْتَدَى بِهِ حَتَّى يُمْسِكَ عَنْ بَعْضِ مَا سَمِعَ .
لروايته إيَّاه ، وإن لم يتعمَّدُه، ولا عرف أنه كذب .
وهو أقوى فى الحجة للأشعرية فى أنه لا يشترط فى الكذب العمدُ ، من دليل خطاب
الحديث المتقدّم .
وأما حديثه الآخر الذى ذكر مسلم أوَّل الفصل من حديث سمرة والمغيرة: (( من
حَدَّث عنى حديثا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين )) فَبِّنُ المعنى، لأنه مُحّدثٌ عنه - عليه
السلام - بما يقطع أو يغلبُ على ظنه باطله، والمحدّثُ بمثل هذا عنه مُفْتَرِ عليه ، وكمتعمد
الكذب عليه ، مرتكب لما نهى عنه فهو أحدُ الكاذبين .
قال أبو جعفر الطحاوى: هو داخل فى وعيد الحديث فيمن كذب على النبىمعَّهِ(١).
قال أبو عبد الله الحاكم: هذا وعيد للمحدّث إذا حدّثَ بما يعلم أنه كذبٌ وإن لم يكن هو
الكاذب .
قال القاضى : وكيف لا يكون كاذباً وهو داخل تحت حدّ الكاذب . وكلامه داخل تحت
حدّ الكَذب، والرواية فيه عندنا: ((الكاذبين)) على الجمع.
(١) قال: لأنا وجدنا الله تعالى قد قال فى كتابه: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّفَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَ يَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ
وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٦٩]. فوجدناه تعالى قد أخبر أن ذوى الكتاب مأخوذٌ عليهم ألاَّ يقولوا على
الله إلا الحق ، وكان ما يأخذونه على الله تعالى هو ما يأخذون فيه عن رسله - صلوات الله عليهم
أجمعين إليهم - فكان فيما أخذه الله تعالى عليهم ألا يقولوا على الله إلا الحق ، كان الحق ها هنا كهو فى
قوله تعالى: ﴿إِلَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] وكل من شهد بظن فقد شهد بغير
الحق، إذ كان الظن كما قد وصفه الله تعالى فى قوله: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّ ظَنَّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ
شيئا﴾ [يونس : ٣٦]. وفى ذلك إعلامه إيانا أن الظن غير الحق ، وإذا كان من شهد بالظن شاهداً بغير
الحق كان مثله من حدث عن رسول الله ◌ّ بالظن يحدث عنه بغير الحق ، والمحدث عنه بغير الحق
يحدث عنه بالباطل ، والمحدث عنه بالباطل كاذب عليه ، كأحد الكاذبين الداخلين فى قوله - عليه الصلاة
والسلام -: (( من كذب علىَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار »مشكل ١٧٦/١ .

١١٦ -
مقدمة مسلم / باب النهى عن الحديث بكل ما سمع
وحدّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَلَىِّ بْنِ مُقَدَّم، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْن؛ قَال:
سَأَلْنِى إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَقَال: إِنِّى أَرَكَ قَدْ كَلِفْتَ بِعلم القُرْآنِ ، فَاقْرَأْ عَلَىَّ سُورَةٌ ، وَفَسِّرْ
حَتَّى أَنْظُرَ فِيمَا عَلَمْتَ. قَال فَفَعَلتُ. فَقَال لىَ: احْفَظْ عَلَىَّ مَا أَقُول لَكَ، إِيَّاكَ وَالشَّنَاعَةَ
فِى الَحَدِيثِ، فَإِنَّهُ فَلِمَا حَمَلَهَا أَحَدٌ إِلَا ذَلَّ فِى نَفْسِهِ، وَكُذِّبَ فِى حَدِيثِهِ .
وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِر وَحَرْمَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب ، قَال: أَخْبَرَنِى
يُوسُ عَنِ ابْنِ شِهَبٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بن عبد الله بْنِ عُبَةَ؛ أَنَّ عَبَدَاللهِ بْنَ مَسْعُودِ قَال: مَا
أَنْتَ بِمُحَدِّثِ قَوْمًا حَدِيثًا لا تَبْلِغُّهُ عُقُولُهُمْ، إِلا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً.
وذكر قول إياس بن معاوية: (( إنى أراكَ كلفْتَ(١) بهذا العلم))، ورويناه من طريق
الطبرى: ((عَلِقْتَ)) لكن وقع عند الخشنى عنه بضم اللام ، وهو وهم ، وصوابه كسر
اللام فى الحرفين، ومعنى ((كَلِفْتَ)) أى: ولِعت به(٢) . حكاه صاحب العين . قال ابن
دريد : كلِفَ بالشىء أحبَّه، وهو معنى علقْتَ أيضا ، والعلاقة الحبُّ ، قال صاحب
الأفعال : علق الشىء بالشىء والحبّ بالقلب ، وعلقت أفعل كذا ، أى : أدمته ، كله
بكسر اللام .
وقوله: ((إياك والشناعةَ فى الحديث)) معناه: أن يأتى منه بما يُنكَرُ ويقبح (٣) الحديث
عنه ، يقال : شنَعتُ بالشىء، أى أنكرتُه - بكسر النون - وشَنُع الشىء - بضمها ــ قُبُحَ
٤/ ب وشَنَّعْتُ على الرجُلِ إذا ذكرت عنه قبيحا (٤). حذَّره بهذا أن يُحدث بالأحاديث. المنكرة /
التى يشنع بها الحديث [ وينكر ويقبح ](٥) على صاحبه فيُكذّبُ ويُسْترابُ(٦) فتسقط منزلتُه،
ويذل فى نفسه ، كما قال فى آخر الخبر .
(١) فى نسخ الصحيح : قد كلفت .
(٢) فى اللسان : ويقال: كلفْتُ بهذا الأمر، أى: أولِعتُ به، وفى الحديث: (( اكلفوا من العمل ما تُطيقون))،
قال : هو من كلِفْتُ بالأمرِ إذا أولِعْتُ به وأحبيته .
(٣) فى الأصل : ويصح ، وهو سبق قلم من الناسخ .
(٤) والشَّناعة الفظاعة - قاله فى اللسان، وقال: شَنُع الأمرُ أو الشىء شناعَةً وشنَعًا، وشُنْعًا، وشُنوعاً قَبُح ،
فهو شنيعٍ ، والاسم الشُّنْعَةُ، وأمر أشنع وشنيع: قبيح ، وشَنَّعَ عليه تشنيعاً قَبَّحه، وشَنَع بالأمر شُنْعًا
واستشنعهُ رِآه شنيعاً ، وتشنَّع القومُ قبح أمرُهم باختلافهم واضطراب رأيهم . قال : وقد استشنعَ بفلان
جهله خفَّ . انتهى . قلتُ : فلا مانع من أن يكون المراد التحذير من الاستخفاف به أيضا والفظاعة فى
نقله وروايته.
(٥) فى الأصل رسمت هكذا : مما ولينكر ولقبحُ .
(٦) فى الأصل : ويستهزأ به ، وما أثبتناه من ت ، وهو الأليق بالسياق.

١١٧
مقدمة مسلم / باب النهى عن الرواية عن الضعفاء ... إلخ
(٤) باب النهى عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط فى تحملها
٦ - (٦) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، قَالا: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الله بْنُ بَزِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِى سَعِيدُ بَّنُ أَبِى أَيُوبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو هَانِئٍ، عَنْ أَبِى
عُثْمَانَ مُسْلِمٍ بْنِ يُسَارِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُول الله عَّه؛ أَنَّهُ قَال: ((سَيَكُونُ فِى آخرِ
أُمََّى أُنَاسٌ يُحَدِّثُونَكُمَّ مَا لم تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ)) .
٧ - (٧) وَحَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ النُّجِيبِىُّ، قَال:
حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو شُرَيْحَ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ شَرَاحِيلَ بَنَ يَزِيدَ يَقُولُ : أَخْبَرَنِى
مُسْلِمُ بْنُ يَسَارِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( يَكُونُ فى آخر الزَّمَانِ
دَجََّلُونَ كَذَّبُونَ، يَأْنُونَكُمْ مِنَ الأَحَدِيثِ بِمَا لِمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَّهُمْ،
لا يُضِلونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ » .
وَحَدَّثَنِى أَبُو سَعيد الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ الْمُسَيْبِ بْنِ رَافِعٍ،
عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبَدَةَ ، قَالَ : قَال عَبْدُ الله : إنَّ الشَّيْطَانَ لِيَتَمَثَّلُ فِى صُورَةِ الرَّجُلِ فَيَأْتِىِ القَوْمَ
فَيُحَدَّثَهُمْ بِالحَديثِ مِنَ الكَذْبِ . فَيَتَفَرَّقُونَ . فَيَقُولِ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلا أَعْرِفُ
وَجْهَهُ ، وَلَا أَدْرِى مَا اسْمُهُ ، يُحَدِّثُ .
وقوله: (( دجالون كذابون)): قال ثعلب : كل كذّب دجال ، وبه سُمى الدَجَّال
لتمويهه على الناس وتلبيسه ، يقال : دجَل، إذا موه ولَبَّس، ودجَل فلانُ الحقَّ بباطله ،
أى غطّاه. وقال أيضا : سُمى بذلك لضربه فى الأرض وقطعه نواحيها ، يقال : دجَل
الرجُل - بالفتح والضم - إذا فعل [ مثل ] (١) ذلك.
وقال مسلم: ((حدثنى (٢) أبو سعيد الأشج [ قال ](٣) : حدثنا وكيع ، ثنا الأعمش ،
عن المسيب بن رافع ، عن عامر بن عَبَدَة)).
أكثر رواة مسلم يقولونه : عبد ، بغير هاء(٤) ، والصواب إثباتها ، وكذا نبَّهنا عليها
الحافظ أبو على وغيره من متقنى شيوخنا ، وكذا قرأته فى الأم على ابن أبى جعفر ، وكذا
(١) من ت .
(٣) ساقطة من ت ، وعدم ذكرها لا يلغى وجودها .
(٢) فى النسخ المطبوعة : وحدثنى .
(٤) لم نصل إلى شىء من تلك النسخ .

مقدمة مسلم / باب النهى عن الرواية عن الضعفاء ... إلخ
١١٨
وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوسٍ ، عَنْ
أَبِيه ، عَنْ عَبْد الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ،قال: إِنَّ فِى البَحْرِ شَيَاطِينَ مَسْجُونَةً أَوْثَقَهَا
سُلَيْمَانُ، يُوشِكُ أَنْ تَخَرُجَ فَتَقْرَأَ عَلَى النَّاسَِ قُرآنً.
وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ وَسَعِيدُ بْنُ عَمْرو الأَشْعَتِىُّ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ ، قَال
سَعِيدٌ: أَخْبَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِثْنَامِ بْنِ حُجَيْرٍ، عُنْ طَاوُسٍ؛ قَالَ: جَاءَ هَذَا إِلَى ابْنِ عَّاسٍ
ذكره الجيانى ، وهو قول الحفاظ: أحمد بن حنبل ، وابن المدينى وابن معين ، والدارقطنى،
وعبد الغنى بن سعيد(١) وغيرهم ، ثم اختلفوا فى فتح الباء وإسكانها.
فروينا عن على بن المدينى (٢) ويحيى بن معين، وأبى مسلم المستملى ، الفتح ، وهو
الذى حكاه عبد الغنى فى كتابه(٣)، وكذا وجدته بخط شيخنا [القاضى] (٤) الشهيد مُتْقَناً
فى تاريخ البخاري (٥)، رِورينا الإسكان عن أحمد بن حنبل وغيره ، وبالوجهين ذكره
الدارقطنى فى مؤتلفه ، وقيّده ابن ماكولا فى إكماله والفتح أشهر ، وكذا رويناه عن أبى
على الطبرى .
وذكر مسلم قول عبد الله بن عمرو بن العاص فى خبر الشياطين وأنه ((يوشك أن
(١) سبق الحديث عنهم خلا عبد الغنى بن سعيد ، وهو عبد الغنى بن سعيد بن على بن سعيد بن بشر بن
مروان ، الإمام الحافظ ، الحجة النسابة ، محدث الديار المصرية ، كان من كبار الحفاظ . قال البرقانى :
(« سألتُ الدارقُطْنىَّ لما قَدمَ من مصر : هل رأيتَ فى طريقكَ من يفهمُ شيئاً من العلم ؟ قال : ما رأيتُ فى
طول طريقى إلا شابا بمصر يقال له : عبد الغنى، كأنه شُعلة نارٍ ، وجعل يفخمَ أمره ، ويرفعَ ذِكْرَه)).
وفيات الأعيان ٢٢٤/٣، المنتظم ٢٩١/٧، سير ٢٦٩/١٧.
قلت : رحمهم الله كانوا مشغولين بصلاح الأوطان ، وكان صلاحها عندهم بظهور الرواية فيها
وضمان بقائها عند أهلها. قال الذهبى: ((لعبد الغنى جزءٌ فيه أوهام كتاب ((المدخل إلى الصحيح ))
للحاكم ، يدل على إمامته وسعة حفظه)). سير ١٧/ ٢٧٠ .
ترك أبو ذر الهّرَوى الرواية عنه لاتصاله ببنى عُبيد - الفاطميين - توفى سنة تسع وأربعمائة.
(٢) زيد بعدها فى ت لفظة: ((وغيره))، ولا وجه لها هنا .
(٣) يعنى به أحد كتابين هامين له، إما ((المؤتلف والمختلف)) وإما «مشتبه النسبة)) وكلاهما مخطوط. راجع
(٤) من ت .
مواطنها فى تاريخ التراث العربى ١/ ٤٦٠/١.
(٥) التاريخ الكبير ٤٥٢/٦، قال: عامر بن عبدَةَ أبو إياس البجلى)) يعدُ فى الكوفيين . كذا ذكره ابن حبان
فى ((الثقات)) ١٨٩/٥، والحافظ فى التهذيب ٧٨/٥، قال: ابن عبَدَةَ، بفتح الباء وقيل بسكونها ،
البجلى أبو إياس الكوفى ، روى عن ابن مسعود ، وعنه المسيب بن رافع ، قال النسائى فى الكنى : أبو
إياس عامر بن عبد الله ويقال ابن عبدة .
قلت: ذكر ابن ماكولا أنه روى عنه أيضا أبو إسحق السبيعى، وحكى ابن أبى حاتم عن ابن معين توثيقه.
قال أبو بشر الدولابى: ((سمعت العباس بن محمد قال : قال ابن معين - عامر بن عَبَدَة - يعنى
التحريك . وقال ابن عبد البر فى كتاب الاستغناء فى الكنى : أبو إياس عامر بن عَبَدَة ، تابعى ثقة ، ثم
غفل فذكره فى الصحابة . وانظر الإكمال ٦/ ٣٠ .
=
-------------- --

١١٩
مقدمة مسلم / باب النهى عن الرواية عن الضعفاء ... إلخ
- يَغْنِى بُشَيْرَ بْنَ كَعْب - فَجَعَلَ يُحَدِّثُّهُ، فَقَال لَهُ ابْنُ عَبَّاس: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا .
فَعَادَ لهُ. ثُمَّ حَدَّثَهُ . فَقَال لهُ: عُدْ لحَديث كَذَا وَكَذا . فَعَادَّ لهُ . فَقَالَ لهُ: مَا أَدْرِى،
أَعَرَفْتَ حَديثِى كُلَّهُ وَأَنْكَرْتَ هَذَا؟ أَمْ أَنْكَرْتَ حَديثِى كُلُهُ وَعَرَفْتَ هَذَا. فَقَالَ لَهُ
يخرج فيقرأ للناس قرآناً )) .
قد حفظ الله كتابه، وضمن ذلك فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾(١).
وقد ثبت القرآن ووقع عليه الإجماع، فلا يزاد فيه حرف ولا ينقُص حرف وقد رام(٢) الروافض
والملحدة ذلك فما يمكن لهم ، ولا يَصحُّ أن يقبل مسلم من أحدٍ قرآناً يدعيه مما ليس بين
الدفتين ، فإن كان لهذا الخبر أصل صحيح(٣) فلعله يأتى بقرآن فلا يقبل منه كما لم يقبل
ماجاءت به القرامطة (٤) ومسيلمة وسجاح وطليحةُ وشبههم ، أو يكون أراد بالقرآن ما يأتى
به ويجمعه من أشياء يذكرها ، إذ أصل القرآن الجمعُ ، سمى بذلك لما يجمعه من القصص
قلت : ما ذكره الدولابى عن ابن معين غير ذلك ، قال : قال يحيى بن معين : أبو إياس البجلى عامر
=
ابن عبدة يروى الأعمش عن رجل عنه ، وكذا نقل عن أحمد .
(١) الحجر : ٩ .
(٢) فى الأصل : زام.
(٣) قلت : الخبر رجاله ثقات .
(٤) حركة باطنية هدامة، بدأت بعبد الله بن ميمون القداح الذى نشر المبادئ الإسماعيلية فى جنوب فارس سنة
(٢٦٠ هـ)، اعتمدت التنظيم السرى العسكرى، ظاهرها التشيع لآل البيت، والانتساب إلى محمد بن إسماعيل
بنى جعفر الصادق، وحقيقتها الإلحاد، والشيوعية والإباحية، وهدم الأخلاق، والقضاء على الدولة الإسلامية.
سميت بهذا الاسم نسبة إلى حمدان قرمط بن الأشعث الذى نشرها فى سواد الكوفة سنة ( ٢٧٨هـ).
التف القرامطة بالبحرين حول الحسن بن بهرام - ويعرف بأبى سعيد الجنابي - الذى سار إلى البصرة سنة
(٢٨٣هـ) فهزم بها . وقام بالأمر بعده ابنه سليمان ، ويعرف بأبى طاهر، وقد استولى على كثير من بلاد
الجزيرة العربية ، ودام ملكه فيها ٣٠ سنة ، ويعتبر مؤسس دولة القرامطة الحقيقى ، بلغ من سطوته أن
دفعت له حكومة بغداد الإتاوة .
ومن أعماله الرهيبة أنه :
فتك بالحُجّاج حين رجوعهم من مكة ، ونهبوهم ، وتركوهم ضاحين إلى أن هلكوا فى القفر.
ملك الكوفة ستة أيام ، استحلها أيام المقتدر (٢٥٩ : ٣٢٠ هـ) .
هاجم مكة عام (٣١٩ هـ) وفتك بالحجاج، وهدم زمزم، وملأ المسجد بالقتلى، ونزع الكسوة، وقلع باب
البيت العتيق، واقتلع الحجر الأسود وسرقه إلى الأحساء، وبقى الحجر هناك عشرين سنة إلى عام (٣٣٩هـ).
ومن عقائدهم :
- إبطال القول بالمعاد والعقاب ، وأن الجنة هى النعيم فى الدنيا ، والعذاب هو اشتغال أصحاب الشرائع
بالصلاة والصيام والحج والجهاد .
- يقول بالعصمة، وأنه لا بد فى كل زمان من إمام معصوم يُؤَوّل الظاهر، ويساوى النبى فى العصمة .
- وأن الصيام هو الإمساك عن كشف السر .
- وأن النبى عبارة عن شخص فاضت عليه من الإله الأول بقوة التالى قوة قدسية صافية .
- وأن القرآن هو تعبير محمد عن المعارف التى فاضت عليه ، ومركب من جهته ، وسمى كلام الله
مجازاً . الموسوعة الميسرة ٣٩٥ - ٣٧٩ .

مقدمة مسلم / باب النهى عن الرواية عن الضعفاء ... إلخ
١٢٠
ابْنُ عَبَّاس: إِنَّا كُنَّا نُحَدِّثُ عَنْ رَسُول اللـه عَّهِ إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيْهِ، فَلمَّا رَكَبَ النَّاسُ
الصَّعْبَ وَالذَّلول، تَرَكْنَا الحَدِيثَ عَنَّهً.
وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُس ، عَنْ
أَبِيهِ، عَن ابْن عَبَّاس ؛ قَال: إِنَّمَا كُنَّا نَحْفَظُ الحَدِيثَ، وَالحَديثُ يُحْفَظُ عَنْ رَسُول الله
سَ. فَأَمَّا إِذْ رَكِبْتُمْ كُلَّ صَعْبٍ وَذَلَولِ، فَهَيِّهَتَ .
وَحَدَّثَنِى أَبُو أَبُّوبَ سُلِيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الغَيْلانِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ - يَعْنِى العَقَدِىَّ-
حَدَّثَنَا رَبَاحٌ عَنْ قَيْسِ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُجَاهد ؛ قَال: جَاءَ بُشَيْرٌ العَدَوِىُّ إلى ابْنِ عَبَّاسٍ.
فَجَعَل يُحَدِّثُ وَيَقُولُ: قَالَ رَسُول اللـهِ عَهَ، قَالَ رَسُول اللـه عَّهِ. فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاس لا
يَأْذَنُ لحَديثه وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ. فَقَال: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَالِى لا أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِى؟ أُحَدُِّكَ
عَنْ رَسُول اللـه عَّهُ. وَلَا تَسْمَعُ. فَقَالَ ابْنُ عَّاسَ: إِنَّا كُنَّا مَرَّةَ إِذَا سَمِعْنَا رَجُلًا يَقُول: قَال
رَسُول اللَّهِ عَهُ، ابْتَدَرَتَّهُ أَبْصَارُنَا، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهَ بِآذَانِنَا، فَلَمَّ رَكَبَ النَّاسُ الصَّعْبَ
وَالذَّلُول، لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلا مَا نَعْرِفُ.
والأمر والنهى والوعد والوعيد ، وكل شىء جمعته فقد قرأتَه(١).
وقوله: ((يوشك)): أى (٢) يقرُب ويسرع، والوَشك السرعةُ بالفتح ، وحكى
بعضُهم الكسر ، وأنكره الأصمعى .
وذكر قول ابن عباس: ((فلما ركب الناس الصعبَ والذلول)) وقوله [أيضاً](٣):
(« ركبتم كل صعب وذلول فهيهات .. )) هذا مثل ، وأصله فى الإبل ، أى : سلكوا كل
مسلك من الحديث مما تُحمَدُ وترضى سلوكه . كالذلول من الإبل / المستحسن الركوب ،
ومما ينكر ويشق سلوكه كالصعب منها .
ت ١٠ / أ
ومعنى ((هيهات)) : أى ما أبعد استقامة أمركم ، أو فما أبعد أن نثق بحديثكم (٤)
ونسمع منكم ونُعول على روايتكم ، يقال(٥) : هيهاه، بالهاء أيضاً ، وهذه الكلمةُ
موضوعة للإبعاد للطلب واليأس منه ، ومن الناس من يكسر تاءها فى الوصل ويقف عليها
بالتاء ، ومن فتحها وقف عليها [ ها ](٦)، قال الله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا
(١) ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْأَنَهُ ﴾ أى: جمعه وقراءته، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَه ﴾ [القيامة: ١٧،
١٨] أى: قراءته. قال ابن عباس - رضى الله عنهما -: ((فإذا بيناه لك بالقراءة فاعمل بما بيناه لك)).
تفسير القرآن العظيم ٣٠٣/٨ .
(٢) فى المخطوطة : أن ، والصواب ما أثبتناه .
(٥) فى الأصل : ويقال .
(٣) ساقطة من ت .
(٤) فى الأصل : حديثكم .
(٦) من ت .