النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ مقدمة القاضى عياض إلا بحجة وما أسقطتُ منه شيئا إلا بحُجَّة. وقال ابن سفيان(١): قلت لمسلم : حديث ابن عجلان(٢) عن زيد بن أسلم: ((إذا قرأ الإمامُ فأنصتوا)) ؟ قال: صحيح. قُلتُ: لِمَ لم تضعْهُ فى كتابك؟ قال : ليس كلُّ صحيح وضعت هاهنا ، إنما وضعتُ ما أجمعوا علیه. قال الفقيه القاضى أبو الفضل بن عياض - رحمه الله - : وقد وقع هذا الكلامُ فى الأم فى بعض الروايات عن ابن سفيان. وقال محمد بن الحسين(٣) أراد شيخ من مشايخ نيسابور - يعنى محمد بن إسحق [بن خزيمة] (٤) - أن يُخَرّج على كتاب مسلم، فقال له عبد الملك بن الرازى(٥): لا تفضح (١) سفيان الإمام القدوة سبق قريبا . (٢) وحديث ابن عجلان أخرجه البيهقى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ((المؤمن فى سعة من الاستماع إليه إلا فى صلاة مفروضة، أو مكتوبة أو يوم جمعة أو يوم فطر أو يوم أضحى)) يعنى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْأَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا ﴾ [الأعراف/ ٢٠٤]. السنن ١٥٥/٢. وقد ذكر ابن سفيان هذا الخبر عن مسلم فى صحيحه غير مسند بغير هذا السياق ، مما أغرى الألبانى به وجعله يزعم فى إروائه أنه صحيح ، وجعل يحيل له على أحاديث أخرى لم تكن من بابه. انظر لذلك: ٢٦٧/٢ وما أحال عليه فيه . والذى جاء فى الصحيح لمسلم : قال أبو إسحق ــ ابن سفيان - قال أبو بكر ابن أخت أبى النَّضر فى هذا الحديث: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) - يعنى طعن فيه وقدح فى صحته - فقال مسلمُ : تُريد أحفظ من سليمان ؟ فقال له أبو بكر: فحديث أبى هريرة ، فقال : هو صحيح ... إلخ. قال النووى : واعلم أن هذه الزيادة مما اختلف الحفاظ فى صحته ، اجتماع يحيى بن معين وأبى حاتم الرازى والدارقطنى والنيسابورى على تضعيفها مقدم على تصحيح مسلم ، لا سيما ولم يروها مسندة فى صحيحه . نووى ٤٦/٢ . (٣) يغلب على الظن أنه القطان ، الشيخ العالم مسند خراسان ، توفى سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. سير ٣١٨/١٥، الوافى ٣٧٢/٢. (٤) سقط من ت . وابن خزيمة: هو شيخ الإسلام، إمام الأئمة ، الحافظ الحجة ، أبو بكر السُّلمى ، صاحب التصانيف، سمع من إسحق بن راهويه ، ومحمد بن حميد ، ولم يحدث عنهما ، لكونه كتب عنهما فى صغره وقبل فهمه وتبصره ، حدث عنه الشيخان فى غير الصحيحين. توفى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. سير ١٤/ ٣٦٥. (٥) عبد الله بن الرازى لعله ابن أبى زرعة الإمام المحدث الثقة أبو القاسم ، المتوفى بأصبهان سنة عشرين وثلاثمائة. سير ٢٣٣/١٥. وأبو زرعة الرازى ثلاثة : الأول : الكبير ، وهو المراد هنا وقد سبقت ترجمته . أما الأوسط فهو : أحمد بن الحسين بن على بن إبراهيم بن الحكم ، الرازى الصغير ، مات بطريق مكة سنة خمس وسبعين وثلاثمائة . سير ٤٦/١٧ . وأما الأصغر فهو : العلامة قاضى أصبهان أبو زرعة روح بن محمد ، سبط الحافظ أبى بكر بن السنى. مات سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة. السابق ١٧ / ٥١ . ٨٢ مقدمة القاضى عياض نفسك. وقال مسلم : لو أنَّ أهل - الحديث يكتبون الحديث مائتى سنة فمدارهُم على هذا المسند ، ولقد عرضت كتابى على أبى زُرْعَةَ الرازى ، فكل ما أشار أنَّ له علَّةً تركتهُ وما قال : هو صحيح ليس له علَّةٌ ، أخرجتْهُ . ولمسلم - رحمه الله - تواليفُ أخَر رويناها عن شيوخنا، منها: كتاب (( تمييز الكنى والأسماء(١)، وكتاب ((الطبقات))(٢)، وكتاب ((الوُحْدَان))(٣)، وكتاب ((العلل)) (٤) ، وكتاب ((شيوخ مالك وسفيان وشعبة))، وكتاب ((رجال عروة بن الزبير)). قال ابن سفيان : كان مسلم أخرج ثلاثة كُتب من المسندات واحدها (٥) هذا الذى (١) توجد له نسخ بكل من الظاهرية بدمشق تحت رقم (مجموع)، ومكتبة شهيد على بالأستانة برقم (١٩٣٢)، ذكر أنها نسخة الدارقطنى، ومكتبة أحمد الثالث فى الأستانة برقم (٣/٢٩٦٩). ودار الكتب المصرية برقم (١٢٧) مصطلح، راجع: تاريخ التراث العربى ٢٢٢/١. (٢) توجد له نسخة فى مكتبة سراى أحمد الثالث باستنبول برقم (٢٦/٦٢٤) وصفها السخاوى بقوله: ((واقتصر فيها على الصحابة والتابعين ، وبدأ كل قسم منها بالمدنيين ، ثم بالمكيين ، ثم بالكوفيين ، ثم بالبصريين ، ثم بالشاميين والمصريين ، ولم يترجمهم بل اقتصر علي تجريدهم». الإعلان ٦٨٤ . (٣) توجد له نسخة فى بانكيبور بالهند برقم (٦٩١) فى ست وعشرين ورقة، ونسخة بالسعيدية بحيدر آباد بالهند برقم (٣٥٢)، وذكره فؤاد سزكين بأنه المنفردات والوحدان. ٢٢٢/١. (٤) ذكره الإمام النووى فى تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٩١، والحافظ الذهبى فى التذكرة ٢/ ٥٩٠ وقال: ((قلما يوجد له غلط فى العلل»، والسير ٨/ ٢٨٠. راجع: كشف الظنون ١١٦٠، وهدية العارفين ٤٣١/٢. كذلك كتاب شيوخ مالك وسفيان وشعبة ذكره الذهبى فى التذكرة ٢/ ٥٩٠، والسير ٨/ ٢٨٠، وذكره ابن خير بعنوان: « تسمية شيوخ مالك وسفيان وشعبة )». أما كتاب ((رجال عروة بن الزبير)) فهو من مخطوطات دار الكتب الظاهرية بدمشق تحت رقم ( مجموع ١٣٩/٥٥)، وهو بخط الخطيب البغدادى. وقد نشره المجمع العلمى بدمشق بمجلته بالمجلد ٥٤ جزء ١٠٧/١ وله رضى الله عنه من غير ما ذكر : ((كتاب التمييز)) وقد طبع بجامعة الرياض، و((الأفراد)» ذكره ابن خير فى فهرسته فقال: ((كتاب الأفراد فى ذكر جماعة من الصحابة والتابعين - رضى الله عنهم - ليس لهم إلا راوٍ واحد من الثقات))، لم نقف عليه، و((أوهام المحدّثين)) ذكره النووى له فى تهذيب الأسماء واللغات ٩١/٢، ولم نقف عليه كذلك، و((الجامع على الأبواب)) ذكره الحاكم وقال: ((رأيت بعضه بخطه))، وورد ذكره كذلك فى الأسماء واللغات ، ويرد أحيانا باسم: ((الجامع الكبير على الأبواب)) ولم نقف عليه، و ((المسند الكبير على الرجال)) ذكره ابن حجر فى التهذيب ١٢٧/١٠ فقال: ((وقيل: إنه صنف مسندا كبيرا على الصحابة لم يتم)) كذلك ((سؤالات أحمد بن حنبل)) ذكره الذهبى فى التذكرة ٢/ ٥٩٠، والسير ٨/ ٢٨٠، وغير ذلك مما يسره الله له ورفع ذكره به فى الحدیث وغيره. (٥) فى الأصل : واحدا ، والمثبت من ت. ٨٣ مقدمة القاضى عياض قرأ على الناس ، والثانى يدخُل فيه عكرمة وابن إسحق صاحب المغازى وأمثالهما ، والثالث يدخل فيه من يدخل فيه من الضعفاء . وتُوفى مسلم فى التاريخ الذى تقدَّم ، وذلك عشية الأحد لست بقين من رجب المذكور ودفن يوم الإثنين بعده . قال أبو عبد الله الحاكم : وهو بَعْدُ فى حدّ الكهولة [ رحمه الله ورضى عنه بمنه وكرمه ](١) : ذكر مقصده فيما جمع فى هذا الكتاب من الصحيح قال أبو عبد الله محمد بن عُبيد الله بن البيّع: إنَّ مسلما - رحمه الله - أراد أن يُخرّج الصحيح على ثلاثة أقسام وثلاث طبقات من الرواة ، وقد ذكر مسلمٌ هذا فى صدر خُطبته - حيث (٢) ننبه عليه بعد هذا إن شاء الله - [ قال ابن البيّع ](٣): فلم يُقدَّر له - رحمه الله - إلا الفراغ من طبقته الأولى، واخترمته المنيّةُ قبل أن يُتُمَّ غَرَضه إلا من القسم الأول المتفق عليه من الصحيح - وهو شرط محمد بن إسماعيل البخارى أيضا (٤) وهو ألا يذكر من الحديث إلا ما رواه (٥) صحابى مشهور عن رسول الله عَّه، له راويان ثقتان فأكثر ، ثم يرويه عنه تابعىٌّ مشهور بالرواية عن الصحابة ، له هو أيضا راويان [ ثقتان ] (٦) فأكثر ، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور على ذلك الشرط ثم كذلك من بعدهم. وقال أبو على الجيانى : وليس مراده أن يكون كلُّ خَبَرِ روياه يجتمع فيه راويان عن صحابيه وتابعيه (٧) ومن بعده ، فإن ذلك يعزُّ وجودُه ، وإنما المراد أنَّ هذا الصحابى وهذا التابعى قد روى عنه رجلان خرَج بهما عن حدّ الجهالة برواية الواحد. قال القاضى أبو الفضل بن عياض - رحمه الله -: وقد شنَّ على البخارى ومسلم الشىء اليسير من هذا النوع الذى شرطاه ، وألزمهما أهل الصنعة ذكر ذلك على (١) من ت. (٢) فى الأصل : بحيث ، والمثبت من ت. (٣) سقط من ت. (٤) لم ينقل عن واحد من الأئمة أصحاب الكتب الستة أنه صرح بشىء منها ، وإنما عرفت تلك الشروط لأصحابها بسير كتبهم ، وتتبع أسانيدهم وعلم أحوال رجائهم. راجع فى ذلك الإمام البخارى وصحيحه : ١٩٣، شروط الأئمة الستة : ١٠ . وفى هذا التقسيم يراجع كتاب : المدخل للحاكم : ص ٧. (٦) ساقطة من ت. (٥) فى الأصل : إلا ممن واه ، والمثبت من ت. (٧) فى ت : صحابى وتابعه. ٨٤ مقدمة القاضى عياض شرطهما ، وألَّف عليهما فى ذلك أبو الحسن (١) الدار قطنى(٢) وأبو ذر الهروى(٣) وألزماهما (٤) ذكر ذلك، وكذلك ألَّف فى الصحيح بعدهما غير واحد من الأئمة [و](٥) الحفّاظ كأبى بكر الإسماعيلى (٦) الجرجانى(٧) وأبى شيخ بن حيَّانِ الأصبهانى(٨) وأبى بكر البرقانى الخوارزمى وأبى عبد الله بن البيّع النيسابورى وإبراهيم بن حمزة الحافظ (٩) (١) فى ت : الحسين. (٢) هو أبو الحسن على بن عمر بن أحمد بن مهدى الدارقطنى، شيخ الإسلام ، حدث عنه الحاكم ، وأبو ذر الهروى ، وأبو نعيم الأصبهانى ، وأبو الطيب الطبرى ، وغيرهم كثير ، قال فيه الخطيب : كان فريد عصره وإمام وقته . تاريخ بغداد ٣٧/١٢. كان له - رضى الله عنه - مذهب خفى فى التدليس، يقول فيما لم يسمعه من البغوى: ((قرئ على بن القاسم البغوى حدثكم فلان)). توفى - رحمه الله - سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠. والكتاب المشار إليه هنا هو الإلزامات والتتبع ، نال به أحد طلبة العلم درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام (١٣٩٨ هـ/ ١٩٧٨ م) وطبع الكتاب وهو من منشورات المكتبة السلفية بها. (٣) وأبو ذر الهروى هو: الحافظ الإمام المجَوّد العلامة عبد ربه أحمد بن محمد بن عبد الله بن غُفِيرِ ، يعرف بابن السّماك ، راوى الصحيح - صحيح البخارى عن الثلاثة : المستملى ، والحموى ، والكُشْميهنى - حدث عنه فيمن حدثوا القاضى أبو الوليد الباجى ، وعبد الله بن سعيد الشنتجّالى، وروى عنه بالإجازة أبو عمر بن عبد البر، وأبو بكر الخطيب. قال فيه الشنتجالى : من رأى أبا ذر ، رآه على هدى السلف الصالح من الصحابة والتابعين . توفى - رحمه الله - سنة خمس وثلاثين وأربعمائة. ترتيب المدارك ٢٢٩/٧. ولعله يقصد بكتابه المذكور (( المسند الصحيح المخرج على البخارى ومسلم ))، وفيه وفى غيره يقول الذهبى: وهذه التواليف لم أرها، بل سماها القاضى عياض . سير ١٧ / ٥٦٠ . (٤) فى الأصل: والزموهوهما، والمثبت من ت ، وهو الصحيح. (٥) ساقطة من ت. (٦) فى الأصل : إسماعيل ، والمثبت من ت. (٧) هو أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل ، كبير الشافعية بناحيته. سمع من جعفر الفريابى ، وابن أبى شيبة ، وأبي يعلى ، وابن خزيمة . ممن حدث عنه الحاكم البرقانى وحمزة السهمى. قال فيه الذهبى: (( ابتهرت بحفظ هذا الإمام وجزمت بأن المتأخرين على إياس من أن يلحقوا المتقدمين فى الحفظ والمعرفة)). وكتابه (( الصحيح )) هذا هو كتابٌ مخرج على صحيح الإمام البخارى ، وفيه يقول الحسن بن على الحافظ : ((كان الواجب للشيخ أبى بكر أن يُصنّف لنفسه سنناً ، ويختار ، ويجتهد ، فإنه كان يقدر عليه لكثرة ما كان كتب ، ولغزارة علمه وفهمه وجلالته ، وما كان له أن يتقيد بكتاب محمد بن إسماعيل ، فإنه كان أجلَّ من أن يتبع غيره)) مات سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة . تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٤٨ - ٩٥٠. (٨) هو الإمام الحافظ محدّث أصبهان عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيَّان، سمع البزَّار - صاحب المسند - ومحمد بن أسد المدينى صاحب أبى داود الطيالسى ، وإبراهيم بن رستة ، وعنه ابن مردويه ، وأبو سعد المالينى ، وأبو نعيم الحافظ ، توفى سنة تسع وستين وثلاثمائة. له كتاب ((السنن)) فى عدة مجلدات ، ولعله المراد . سير ٢٧٦/١٦ . (٩) هو الحافظ الثبت الكبير إبراهيم بن محمد بن حمزة الأصبهانى ، أبو إسحق بن حمزة ، حدث عنه أبو عبد الله بن مندة، وأبو نعيم الحافظ، وقال فيه: ((إنه أوحد زمانه فى الحفظ)) وأبو عبد الله بن مندة قال فيه: ((لم أر أحفظ من أبى إسحق بن حمزة))، وقال الحاكم فى وصفه لكتابه المسند: ((كان فى عصرنا جماعة بلغ المسند المصنّف على التراجم لكل واحد منهم ألف جزء ، منهم إبراهيم بن حمزة )) قال أبو نعيم : مات سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة . تذكرة ٣/ ٩١٠. ٨٥ مقدمة القاضى عياض وأبى نعيم الأصبهانى(١) و [أبى](٢) الحسن العتيقى(٣) وأبى بكر بن خزيمة وأبى عُمران الجونى (٤) وأبى ذر الهروى وخلف الواسطى(٥) وغيرهم. (١) هو أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران المهرانى الأصبهانى. قال فيه الذهبى : كان حافظا مبرزا عالى الإسناد ، تفرّد فى الدنيا بشىء كثير من العوالى ، وهاجر إلى لقية الحفاظ. وقال أبو محمد السمر قندى : سمعت أبا بكر الخطيب يقول : لم أر أحداً أطلق عليه اسم الحفظ غَير رجلين أبو نعيم الأصبهانى وأبو حازم العبدوى . كانت ولادته فى رجب سنة (٣٣٦) بأصبهان، ووفاته فى العشرين من المحرم (٤٣٠)، والمشار إليه من كتابه فى الصحيح كتابان: الأول: ((المستخرج على البخارى)»، ذكره الذهبى فى التذكرة والسبكى فى طبقات الشافعية والسيوطى فى طبقات الحفاظ. والثانى: ((المستخرج على مسلم )) ذكره الذهبى والسبكى ، ونقل الكتانى فى الرسالة المستطرفة عنوان بأنه (( المسند الصحيح المستخرج على صحيح مسلم )). توجد من هذا الأخير نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عن نسخة الظاهرية تحت رقم (٤٦٧، ٤٦٨) ولا يعدو أن الجزئين الثانى والرابع من الكتاب ، الأول يقع فى ١٦٠ ورقة، والثانى ٤٧٤ ورقة. وقد انفرد الكحالة بأنه كتاب واحد اسمه: (( المستدرك على الصحيحين)). لمزيد من أخبار الشيخ راجع : سير أعلام النبلاء ٤٥٣/١٧، طبقات الشافعية الكبرى ١٨/٤، البداية والنهاية ٤٨/١٢، العبر للذهبى ١٧٠/٣، تذكرة الحفاظ ١٠٩٢/٣، ميزان الاعتدال ١١١/١، لسان الميزان ٢٠١/١، المنتظم لابن الجوزى، شذرات الذهب ٢٤٥/٣، معجم المؤلفين ٢٨٢/١. (٢) ساقطة من الأصل. (٣) هو الإمام المحدث الثقة أحمد بن محمد بن أحمد بن منصور البغدادى العتيقى سمع القاضى أبا بكر الأبهرى ومحمد بن المظفر ، وإسحق بن سعد النسوى ، وحدث عنه المبارك الطيورى ، وأبو عبد الله بن أبى الحديد، قال عنه ابن ماكولا: (( خرّج على الصحيحين، وكان ثقة متقنا))، مات سنة إحدى وأربعين وأربعمائة. تاريخ بغداد ٣٧٩/٤ . (٤) هو موسى بن سهل بن عبد الحميد الجونى البصرى ، الإمام المحدّث لم أقف له علي تصنيف أكثر من قول الذهبى فيه إنه كان من ثقات المحدثين ومسنديهم. تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٦٣، مات سنة سبع وثلاثمائة. تاريخ بغداد ٥٦/١٣ ، سير ١٤/ ٢٦١ . قلت : ولهذا الاسم نظير فى التابعين ، وليس بمراد ، إذ لم يكن التصنيف على الصحيح قد بدأ بعد ، وهو أبو عمران الجونى عبد الملك بن حبيب البصرى المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومائة. رأى عمران بن حصين ، وروى عن جندب البجلى ، وأنس بن مالك ، وعبد الله بن الصامت. سير ٢٥٥/٥. (٥) هو الإمام الحافظ الناقد، سمع أبا بكر القطيعى وطبقته ببغداد، وأبا بكر الإسماعيلى بجرجان . والذى اشتهر به من الكتب كتاب (( أطراف الصحيحين))، وموضوع كتب الأطراف جمع أحاديث كل صحابى على حدة مع الاقتصار على ذكر طرف منه ، بخلاف أصحاب المسانيد فإنهم يذكرون الحديث بتمامه ، ثم تذكر كتب الأطراف جميع طرق الحديث فى تلك الكتب التى وضعت الأطراف لها ، وما اختص به كل واحد منهم من طرق ذلك الحديث. وإذا اشترك أصحاب تلك الكتب فى رواية حديث أو انفرد به بعضهم ذكر أصحاب الأطراف ذلك الحديث بتعريف موضعه لتقريب البحث عنه، وإذا كان الحديث ذكر متفرقاً فى موضعين أو أكثر ذكروا تلك المواضع، فيسهل بذلك معرفة طرق الحديث والبحث عن أسانيده. ويعد كتاب خلف مع كتاب أبى مسعود الدمشقى - سنة إحدى وأربعمائة - أسبق كتابين فى هذا الشأن، وقد اعتمد عليهما المزى مع كتاب أبى القاسم بن عساكر ، فى كتابه تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف)). بقى خلف إلى ما بعد الأربعمائة بيسير . راجع: سير أعلام النبلاء ٢٢٧/١٧، ٢٦٠، مقدمة تحفة الأشراف. ولم أظفر لأبى مسعود الدمشقى من تواليف فى الصحيح فى غير ما ذكر سوى قول الذهبى فيه: (( وكان له عناية بالصحيحين )). ٨٦ - مقدمة القاضى عياض كما أن البخارى ومسلما قد أخلا أيضا بشرطهما فى أشياء نزلت عن درجة ما التزماه إلى ما دونها استُدركت عليهما، وفيها ألَّف أبو الحسين الدار قطنى كتابه الُسمّى بـ ((الاستدراكات والتتبّع)) وذلك فى مائتى حديث ، مما فى كتابيهما. ولأبى مسعود الدمشقى عليهما أيضا استدراك فى ذلك ، ولأبى على الجيانى بأخَرة فى كتابه المسمى بـ (( تقييد المهمل)) فى جزء العلل منه استدراك أكثره على الرواة عنهما وفيه ما يلزمهما ، فهذا هو النوع الأول من الصحيح الذى اقتصر عليه كتاب هذين الإمامين ، وهو أرفع أنواع [ الحديث](١) الصحيح وأوَّل أقسامه المتفق عليه ، وليس هو جملة الصحيح وكُله ، وسنذكر أنواع الصحيح ونُنّه على رتبته عند أئمة هذا الشأن ١/٢ فى موضعه من تنبيه/ مسلم عليه بعد هذا ، إن شاء الله تعالى. قال عياض - رحمه الله -: هذا الذى تأوَّلَه أبو عبد الله الحاكم على مسلم من اخترام المنيَّةً له قبل استيفاء غرضه مما قبله الشيوخ وتابعه عليه الناس ، فى أنَّه لم يُكّمل غَرَضَه إلا من الطبقة الأولى ، ولا أدخل فى تأليفه سواها . وأنا أقولُ: إن هذا غير مُسلَّم لمن حقق نظرَه، ولم يتقيَّد بتقليد ما سمعه ، فإنَّك إذا نظرت تقسيم مسلم فى كتابه الحديث - كما قال - على ثلاث طبقات من الناس ، فذكر أن القسم الأوّل حديثُ الحفاظ، ثم قال بأنَّه(٢) إذا تقصَّى هذا أتبعه بأحاديث من لم يوصف بالحذق والإتقان ، مع كونهم من أهل الستر (٣) والصدق وتعاطى العلم، وذكر أنهم لا يلحقون بالطبقة الأولى ، وسمَّى أسماء من كل طبقة من الطبقتين المذكورتين ، ثم أشار إلى ترك حديث من أجمع أو اتفق الأكثرُ على تهمته ، وبقى من ت٤/أ اتهمه بعضهُم/ وصحَّحهُ بعضُهم فلم يذكره هنا ، ووجدتُه - رحمهُ الله - قد ذكر فى أبواب كتابه وتصنيف أحاديثه حديث الطبقتين الأوليين التى ذكر فى أبوابه ، وجاء بأسانيد الطبقة الثانية التى سمَّها ، وحديثها ، كما جاء بالأولى على طريق الاتباع لحديث الأولى والاستشهاد بها ، أو حيث لم يجد فى الكتاب للأولى شيئا ، وذكر أقواما تكلّم قوم فيهم وزكاهم آخرون ، وخرج حديثهم بمن ضُعّف أو اتُّهِم ببدعة ، وكذلك فعل البخارى - رحمه الله - فعندى أنَّه - رحمه الله - قد أتى بطبقاته الثلاث فى كتابه على ما ذكر ، ورأيت فى كتابه وتبينت فى تقسيمه ، وطَرَح الرابعةَ كما نصَّ عليه، فتأوَّل الحاكمُ أنه إنما أراد أن يُفرد(٤) لكُل طبقةٍ كتابا ويأتى بأحاديثها خاصَّةً (١) من ت. (٣) فى الأصل : السنن. (٢) فى ت : فأنه. (٤) فى الأصل : يُعدد . ٨٧ - مقدمة القاضى عياض مفردَة، وليس ذلك مراده ، بل إنما أراد بما ظهر من تأليفه وبان من عرضه أن يجمع ذلك فى الأبواب ، ويأتى بأحاديث الطبقتين [ من غير تكرار كما ذكر فى كلامه ](١) ، فيبدأ بالأولى ثم يأتى بالثانية ، على طريق الاستشهاد والاتباع ، حتى استوفى جميع الأقسام الثلاثة، ويحتمل أن يكون أراد بالطبقات الثلاث من الناس الحفاظ ، ثم الذين يلونهم ، والثالثة الذى طرَح، والله أعلم بمراده. وكذلك أيضا [علل](٢) الحديث التى ذكر ووَعَد أنه يأتى بها ، قد جاء بها فى مواضعها من الأبواب من اختلافهم فى الأسانيد والإرسال والإسناد والزيادة والنقص ، وذكر تصاحيف المصحفين ، وهذا يدل على استيفاء غرضه فى تأليفه وإدخاله(٣) فى كتابه كلما وعد به ، وقد فاوضْتُ فى تأويلى هذا ورأن فيه من يفهمُ هذا الكتاب ، فما وجَدْتُ منصفا إلا صوََّه وبان له ماذكرتُ ؛ وهو ظاهر لمن تأمَّل الكتابَ وطالع مجموع الأبواب ، والله الموفق للصواب. ولا يُعتَرض على هذا بما تقدَّم عن ابن سفيان من أنَّ مسلما خرَّج ثلاثةَ كتب ، فإنَّك إذا تأمَّتَ ما ذكر ابن سفيان لم يطابق الغرض الذى أشار إليه الحاكم مما ذكره(٤) مسلم فى صدر كتابه(٥) ، فتأمّلُهُ تجده كذلك إن شاء الله . (١) سقط من الأصل. (٢) مطموسة فى الأصل. (٣) رسمت فى الأصل هكذا : وادكان، والمثبت من ت. (٤) فى الأصل بغير الضمير ، والمثبت من ت. (٥) فى الأصل : صدر له ، والمثبت من ت. ٨٨ مقدمة الإمام مسلم مقدمة الإمام مسلم بسم الله الرحمن الرحيم الْحَمْدُ للّه رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّد خَاتَمِ النَّبِّينَ، وَعَلَى جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ . أُمَّا بَعدُ : فَإِنَّكَ - يَرْحَمُكَ اللَّهُ بِتَوْفِيقِ خَالِكَ ـ ذَكَرْتَ أَنَّكَ مَمَمْتَ بِالْفَحْصِ عَنْ تَعَرُّفِ جُمْلَة الأَخْبَارِ الْمَأْنُورَةَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ لَّهُ فِى سُنَنِ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ ، وَمَا كَانَ مِنْهَا فِى الثَّوَبِ وَالْعِقَابِ ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَ غَيْرِ ذلِكَ مِنْ صُنُوفِ الأشْيَاءِ ، بِالأَسَانِيدِ الَّتِى بِهَا نُقِلَتْ، وَتَدَاوَلَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا بَيْنْهُمْ، فَأَرَدْتَ - أَرْشَدَكَ اللهُ - أَنْ تُوَقَّفَ عَلَى جُمْلَتَهَا مُؤَلَّفَةً مُحْصَاةً ، وَسَأَلْتَنِى أَنْ أَلَخِّصَها لَكَ فِى التَّأَلِيفِ بِلا تَكْرَار ، فَإِنَّ ذلكَ - زَعَمْتَ - ممَّا يَشْغَلُكَ عَمَّا لَهُ قَصَدْتَ مِنَ النَّفَهُمْ فِيهَا، وَالاسْتِنْبَاطِ مِنْهَا، وَلَلَّذِى سَأَلْتَ - أَكْرَمَكَ اللَّهُ - حِينَ رَجَعْتُ إِلَى تَدَبُّرِهِ، وَمَا تَؤْوَلُ بِهِ الْحَالُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، عَاقِبَةٌ مَحْمُودَةٌ، وَنَّفَعَةٌ مَوْجُودَةٌ. وَظَنْتُ، حِينَ سَأَلْنَنِى تَجَشُّمَ ذلكَ أَنْ لَوْ عُزِمٍ لِى عَلَيْهِ ، وَقُضِىَ لِى قال مسلم - رحمه الله - فى افتتاح كتابه: (( أما بعد فإنَّك ـــ يرحمك الله - بتوفيق خالقك ذكَرْتَ أَنَّك هممتَ بالفحص عن تعرَّف جملة الأخبار )) : قال القاضى : يحتمل أن يكون دعا له بأن يرحمه الله بتوفيقه وهدايته ، فإنها من جملة رحمة الله وفضله، ويحتمل أن يُعلقَ قوله: ((بتوفيق خالقك)) إمَّا إلى ما ذكره ، أو هم به من الفحص، والله أعلم. وقد سقط هذا الدعاء (١) عندنا فى رواية [ شيخنا ](٢) الخشنى. قال مسلم: ((لو عُزِمِ لى عليه))، قال الإمام: لا يُظَنَّ بُسلِمِ أنَّه أراد: لو عَزَم اللهُ لى عليه؛ لأن إرادة الله لا تُسَمَّى عَزْما، ولعلَّه أراد [ لو](٣) سُهَلٌّ لى سَبِيلُ العَزْم أو خُلق فىَّ قدرةٌ عليه(٤) . (١) فى ت : الكلام . (٢) من ت . (٣) ليست فيما عندنا من نسخ المعلم . (٤) المعلم . مخطوطات الأوقاف ، الخزانة العامة بالرباط لوحة ٢ / أ. ٨٩ مقدمة الإمام مسلم تَمَامُهُ ، كَانَ أَوَّلُ مَنْ يُصِيبُهُ نَفْعُ ذَلِكَ إِيَّىَ خَاصَّةٌ ، قَبْلَ غَيْرِى مِنَ النَّاس، لأَسْبَابِ كَثِيرَةً، يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْوَصْفُ ، إلا أَنَّ جُمْلَةَ ذلكَ أَنَّ ضَبْطَ الْقَليلِ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ وَإِثْقَانَهُ، أَيْسَرُ عَلَى الْمَرْءِ مِنْ مُعَالَجَةَ الْكَثِيرِ مِنْهُ، وَلا سيَّمَا عند مَنْ لا تمييز عِنْدَهُ مِنَ الْعَوَامِّ، إِلا بِأَنْ يُوَقَِّهُ عَلَى النَّمْيِيزِ غَيْرُهُ، فَإِذَا كَانَ الأَمْرُ فِى هَذَا كَمَا وَصَفْنَا ، فَالْقَصْدُ مِنْهُ إِلَى الصَّحِيحِ الْقَلِيلِ ، أَوْلَى بِهِمْ مِنَ ازْدِيَادِ السَّقْيِمِ . وَإِنَّمَا يُرْجَى بَعْضُ الْمِنْفَعَةِ فِى الاسْتِكْثَارِ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ وَجَمْعِ الْمُكَرَّرَاتِ مِنْهُ الخَاصَّةٌ مِنَ النَّاس، ممَّنْ رُزِقَ فِيهِ بَعْضَ النَّقُطِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِأَسْبَابِهِ وَعَلَهُ، فَذَلَكَ إِنَّ شَاءَ اللّهُ، يَهجُمُ بِمَا أُوتِىَ مِنْ ذلكَ عَلَى الْفَائِدَةَ فِى الاسْتِكْثَارِ مِنْ جَمْعِهِ، فَأَمَّا عَوَامُّ النَّاس الَّذِينَ هُمْ بِخِلافِ مَعَانِى الْخَاصِّ، مِنْ أَهْلِ التَّقُطِ وَالْمَعْرِفَةِ ، فَلاَ مَعْنَى لَهُمْ فِى طَلَبِ قال القاضى: قد جاء هذا اللفظ فى الكتاب من كلام أمّ سلمة فى كتاب الجنائز قالت : (( ثُمَّ عَزَم الله لى فقلتُها)) (١). أصل العزم: القُوَّةً، ويكون بمعنى [الصبر ](٢)، وتوطين النفس وحملها على الشىء، والمعنى متقارب، ومنه قوله [ عز وجل] (٣): ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٤) وقوله قبل: (( سألتنى تَجثُّمَ ذلك)) أى: تكَلَّفَه والتزم مشقته . وقوله: ((وذلك إن شاء الله ينهجمُ بما أوتى من ذلك على الفائدة)) ويروى تَهجُمُ (٥) ومعناها : يقع عليها ويبلُغُ إليها، [ وينال بغيته منها ] (٦) ، يقال: هجمت على القوم: إذا دخلت عليهم . قال ابن دريد(٧): [ يقال] (٨): انهجم الخباء إذا وقع [ عليهم ] (٩) وهجمت ما فى خلف الناقة : إذا استقصيت حلبه . (١) باب ما يقال عند المصيبة حديث رقم (٥). قال النووى: (( وتأولوا قولها على معنى خلق لى أو فىَّ عزما ، من حيث إن حقيقة العزم حدوث رأى لم يكن، والله منزه عن هذا)) ٢/ ٨٥٢. (٢، ٣) من ت . (٤) الأحقاف : ٣٥. وجاء فى اللسان: العزمُ الجِدّ، عزم على الأمر يعزمُ عزما ومعَزما واعتزم عليه: أراد فعله ، وأولو العزم من الرسل : الذين عزموا على أمر الله فيما عَهِدَ إليهم ، ومن معنى الصبر فى العزم جاء قوله تعالى: ﴿فَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ [طه: ١١٥] . (٥) فى ت : يهجمُ . (٦) فى الأصل : ويُقال بَغتَه منها ، والمثبت من ت . (٧) هو العلامة شيخ الأدب أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية البصرى الأزدى البصرى ، تنقل فى فارس وجزائر البحر يطلب الآداب ولسان العرب ، ففاق أهل زمانه ، ثم سكن بغداد . حدث عن أبى حاتم السجستانى وابن أخى الأصمعى . قال فيه الذهبى : كان آية من الآيات فى قوة الحفظ . توفى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة . سير ١٥/ ٩٦ . (٨) ساقطة من ت ، وانظر : لسان العرب ومجمل اللغة . (٩) من ت . ٩٠ مقدمة الإمام مسلم الْكَثِيرِ ، وَقَدْ عَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَةِ الْقَلِيلِ . ثُمَّ إِنَّا - إنْ شَاءَ اللّهُ - مُبْتَدِئُونَ فِى تَخْرِيجِ مَا سَأَلْتَ وَتَألِيفِهِ، عَلَى شَرِيطَة سَوْفَ أَذْكُرُهَا لَكَ وَهُوَ : إِنَّا نَعْمِدُ إِلَى جُمْلَةِ مَا أُسْنِدَ مِنَ الأخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَهُ فَنَقْسِمُهَا عَلَى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ ، وَثَلاثِ طَبَقَاتٍ مِنَ النَّاسِ ، عَلَى غَيْرِ تَكْرَارِ ، إِلا أَنْ يَأْتِىَ مَوْضِعٌ لا يُسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ تَرْدَادِ حَدِيثٍ فِيهِ زِيَّدَةُ مَعْنَى، أَوْ إِسْنَادٌ يَقَعُ إِلَى جَنْبِ إِسْنَادِ، لِعِلَّةِ تَكُونُ هُنَاكَ، لأَنَّ الْمَعْنَى الزََّتِدَ فِى الْحَدِيثِ، الْمُحْتَاجَ إِلَيْهِ، يَقُومُ مَقَامَ حَدِيثٍ تَامٍ. فَلاَ بُدَّمِنْ إِعَادَةِ الْحَدِيثِ الَّذِى فِيهِ مَا وَصَفْنَا مِنَ الزِّيَادَةِ . قال مسلم - رحمه الله -: إنه يُقسّمُ الأحاديثَ على ((ثلاثة أقسام وثلاث طبقات من الناس)) إلى آخر كلامه. قد قدمنا قول من قال: إنَّه لم يتسع عُمْرُه إلا لذكر الطبقة الأولى كما ذكرنا ، وذكرنا رأيه فى خلافه مما ألهَمَ الله إليه له الحمدُ، ونحن نذكُرُ الآن أقسام الصحيح على ما رتَبَه أئمةُ أهل الصنعة. [ فذكر ](١) أبو عبد الله محمد بن عُبَيْد الله الحاكم النيسابورى فى ((المدخل إلى كتاب الإكليل )) أنَّ الصحيحَ من الحديث على عشرة أقسام ، خمسةٌ متفق عليها ، وخمسةٌ مختلفٌ فيها . فالقسم الأوَّل من المتفق عليه اختيار البخارى ومسلم ، قال : وهو الدرجةُ الأولى من الصحيح ، وفسَّرِه بما قدمناه قبل، قالَ : والأحاديث المروية بهذه [ الشريطة](٢) لا يبلُغُ عَدَدُها عشرة آلاف حديث . القسم الثانى : مثل الأول ، لكن ليس لراويه من الصحابة إلا راوٍ واحد . القسم الثالث : مثل الأول ، إلا أن راويه من التابعين ليس له إلا راوٍ واحد . [ القسم ] (٣) الرابع: الأحاديث الأفراد الغرائب التى رواها الثقات العدول . [القسم] (٤) الخامس : أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم ، ولم تتواتر الرواية عن آبائهم عن أجدادهم [بها ](٥) إلا(٦) عنهم كصحيفة عمرو بن (١) فى الأصل : وذكر ، والمثبت من ت . (٢) فى ت : الشروط . (٣، ٤) من ت . (٥) ساقطة من الأصل ، واستدركت بالهامش ، والمثبت من ت . (٦) فى ت : لا . ٩١ مقدمة الإمام مسلم شعيب(١) عن أبيه عن جدّه، وبهز بن حكيم (٢) عن أبيه عن جدّه، وإياس (٣) بن معاوية ابن قُرَّةً عن أبيه عن جدّه، وأجدادُهم صحابيون وأحفادهم ثقات (٤) . قال الحاكم : فهذه الخمسةُ الأقسام مخرجة فى كتب الأئمة محتجّ بها ، وإن لم يُخَرَّج منها فى الصحيحين حديث . قال القاضى : يريد غير القسم الأول الذى [ ذكر] (٥) أنهما شرطاه ، وقد وقع لهما أشياء من هذه الأقسام يوقف عليهما فى كتابيهما . قال الحاكم : [و] (٦) الخمسة المختلف فيها المراسيل ، وأحاديث المدلسين إذا لم (١) هو الإمام المحدث عمرو بن شعيب بن محمد ابن صاحب رسول الله عَّه بن عمرو بن العاص بن وائل، القرشى السهمى الحجازى ، فقيه أهل الطائف ، ومحدثهم ، وكان يتردد كثيرا إلى مكة ، وينشر العلم . حدث عن أبيه فأكثر ، وعن سعيد بن المسيّب ، وطاووس ، وعروة بن الزبير ، ومجاهد ، وعطاء ، والزهرى ، وقد حدَّث عن الرُّبيع بنت معوّذ ، وزينب بنت أبى سلمة ، ولهما صحبة . حدَّث عنه الزهرى وقتادة ، وعطاءُ بن أبى رباح - وهو شيخه - وغيرهم . وروى علىُّ عن ابن عيينة قال : كان إنما يُحدّثُ عن أبيه عن جده، وكان حديثه عند الناس فيه شىء . وسبب هذا فيما قاله أبو زرعة عنه: إنما أنكروا عليه لكثرة روايته عن أبيه عن جده ، وقالوا : إنما سمعَ أحاديثَ يسيرة ، وأخذ صحيفة كانت عنده فرواها، وما أقلَّ ما تصيبُ عنه مما روى عن غير أبيه من المنكر ، وعامةُ هذه المناكير التى تروى عنه إنما هى عن المثنى بن الصبَّاح وابن لهيعة، والضعفاء ، وهو ثقة فى نفسه . وقال يحيى : وهو ثقة ، بل بكتاب أبيه عن جده ، وقال ابن أبى حاتم : سئل أبى أَيَّما أحبُّ إليك هو أو بهز بن حكيم عن أبيه عن جده؟ فقال: «عمرو أحبُّ إلىَّ)». وروى أبو داود عن أحمد قال : أصحابُ الحديث إذا شاؤوا احتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وإذا شاؤوا تركوه . قال الذهبى فى تفسير هذا القول: ((هذا محمول على أنهم يترددون فى الاحتجاج به ، لا أنهم يفعلون ذلك على سبيل التشهی)) . احتج به أرباب السنن الأربعة ، وابن خزيمة ، وابن حبان فى بعض الصور ، والحاكم وأكثر من الحجج فى كتابه فى تصحيح رواياته . مات سنة ثمانى عشرة ومائة . راجع: المستدرك ٦٥/٢، طبقات خليفة ٢٨٦، الجرح والتعديل ٢٣٨/٦، سير ١٦٥/٥. (٢) هو الإمام المحدث ابن معاوية بن حيدة ، البصرى . قال الذهبى : له عدة أحاديث عن أبيه عن جده ، وعن زرارة بن أوفى ، وعنه الحمادان ويحيى القطان ، وعدة . وثقه ابن معين ، وعلى ، وأبو داود والنسائى، وقال أبو داود : هو عندى حجة ، وقال البخارى : يختلفون فى بهز ، وقال ابن حبان : يخطئ كثيرا ، وهو ممن استخير الله فيه. توفى قبل الخمسين ومائة. الجرح والتعديل ٢/ ٣٤٠، ميزان الاعتدال ٣٥٣/١، سير ٢٥٣/٦. (٣) هو قاضى البصرة أبو وائلة ، يروى عن أبيه وأنس وابن المسيب وسعيد بن جبير ، وعنه شعبة وحماد بن سلمة وخالد الحذاء وغيرهم . كان يضرب به المثل فى الذكاء والدهاء والسؤدد والعقل ، قلَّما روى عنه ، وقد وثقه ابن معين . توفى سنة إحدى وعشرين ومائة كهلا . الطبقات الكبرى ٧/ ٤٥٣، الجرح والتعديل ٤٠٧/٨، سير ١٥٥ . (٤) انظر : المدخل فى أصول الحديث ١١، ١٢ . (٥، ٦) من ت . ٩٢ مقدمة الإمام مسلم ت٥/ أ يذكروا إسماعهم، وما أسنده ثقةٌ وأرسله جماعة من الثقات غيرهُ، وروايات / الثقات غير الحفاظ العارفين ، وروايات المبتدعة إذا كانوا صادقين . قال القاضى : [ فهذه ] (١) الأقسام الخمسة كما قال مما اختُلِفَ فى قبولها ، والحجة بها الفقهاء والمحدثون (٢)، ووقع فى الصحيحين منها [ شىء ] (٣) هو مما استُدرك مما ذكرنا وقد ترك الحاكم [ منها ] (٤)، مما اختلف فيه رواية المجهولين . وقال أبو سليمان الخطابى(٥): الحديث عند أهله على ثلاثة أقسام: صحيحٌ ، وحسنٌ، وسقيمٌ ، فالصحيح: ما اتصل سنده وعُدّلت نقلتهُ، والحسن: ماعُرِف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث ، وهو الذى يقبله أكثر العلماء ، ويستعمله عامة الفقهاء ، والسقيم على طبقات ، شرُّها الموضوع ، ثم المقلوب ، ثم المجهول . وقال أبو عيسى الترمذى : الحسن من الحديث ما ليس فى إسناده من يتَّهم ، وليس بشاذ ، ورُوی من غير وجه (٦). وقال أبو على الغسانى : الناقلون سبع طبقات : ثلاث مقبولة ، وثلاث متروكة، والسابعة مختلف فيها ، فالأولى : أئمة الحديث وحفاظه ، وهم الحجة على من خالفهم ، ويقبلُ انفرادُهم . الثانية : دونهم فى الحفظ والضبط ، لَحِقَهمْ فى بعض روايتهم وهمْ وغلطٌ ، والغالبُ على حديثهم الصحَّةُ، ويُصَحَّحُ ما وَهموا فيه من رواية الطبقة الأولى وهم لاحقون بهم . الثالثة: جنحت إلى مذاهب من الأهواء غيرُ غاليةٍ ولا داعية ، وصحَّ حديثها ، وثَبَتَ صدقُها ، وقلَّ وهْمُها ، فهذه الطبقة احتمل أهلُ الحديث الرواية عنهم ، وعلى هذه الطبقات الثلاث يدور نقل الحديث ، وإليها أشار مسلم ، فى صدر كتابه إلى قسمة الحديث (١) فى الأصل غير واضحة ، وفى ت : فهناك، والمثبت من ق . (٢) المراد بالفقهاء هنا: الأئمة المجتهدون منهم ، على ما يفهم من كلام أئمة الشأن فى هذه المسألة ، وبالمحدّثين: الحفظة الثقات الأثبات . (٣) مطموسة فى الأصل ، والمثبت من ت . (٤) ساقطة من الأصل ، واستدركت بهامش ت بسهم. (٥) هو حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البُستى الخطابى ، صاحب التصانيف ، حدَّث عنه أبو عبد الله الحاكم، وهو من أقرانه فى السن والسند، وأبو عبيد الهروى، والكرابيسى من مصنفاته كتاب ((العزلة)) و ((إصلاح غلط المحدثين)) و((بيان إعجاز القرآن)) توفى بيست سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. سير ٢٣/١٧. (٦) راجع: سنن الترمذى ٥١/٥، شرح علل الترمذى ١/ ٣٤٠. وقد اعترض عليها ابن جماعة (ت: ٧٣٣) بأن تعريف الخطابى يرد عليه الفرد من الحسن، فإنه لم يرو من وجه آخر ، وإن تعريف الترمذى يرد عليه ضعيف عرف مخرجه واشتهر رجاله بالضعف ، وإن تعريف الإمامين يدخل فيهما الصحيح لأن حاله كذلك . المنهل الروى ١/ ١٣٤ . وقد أجيب عن ذلك فيما يخص الترمذى بأن الترمذى ميز بين الحسن والصحيح ، حيث شرط فى رجال الحسن أن يكونوا غير متهمين بالكذب ، وهو دليل على كونهم نازلين عن رجال الصحيح ؛ لأن الثقة الحافظ لا يوصف عادة فى عرف المحدثين بأنه غير متهم بالكذب فقط ، بل يوصف بالعدالة والضبط ، = ٩٣ مقدمة الإمام مسلم على ثلاثة أقسام وثلاث طبقات، فلم يُقدَّر له(إلا](١) الفراغ من الطبقة الأولى واخترمته المنيَّةُ. وثلاث طبقات أسقَطَهُم أهلُ المعرفة : الأولى: من وُسِم (٢) بالكذب، [ ووضع الحديث ] (٣) . الثانية : من غلب عليه الوهمُ والغلط حتى استغرق روايته . الثالثة : من غلت (٤) فى البدعة، ودعَتْ إليها، وحَرَّفَتِ الروايات، وزادت فيها ليحتجُوا بها . والسابعة: قوم = وقول الترمذى : ويروى من غير وجه قرينة على مراده فى صفات رجال الحسن ، وإلا لو حملنا صفة رجاله على صفة رجال الصحيح للزم زيادة هذا القيد أن يكون الحسن أقوى من الصحيح، والمعلوم خلافه ؛ لأنه لم يشترط فى الصحيح مجيئه من غير وجه. ثم إن الترمذى لم يعرف الحسن مطلقا ، وإنما عرَّف بنوع خاصٍ منه، وقع فى كتابه. وهو ما يقول فيه (( حسن)) من غير صفة أخرى ، وعبارته ترشد إلى ذلك، حيث قال فى آخر كتابه: ((وما قلنا فى كتابنا : حديثٌ حسنٌ ، فإنما أردنا به حُسْن إسناده عندنا ، إذ كل حديث يروى لا يكون راويه متهما بكذب ، ويروى من غير وجه نحو ذلك ، ولا يكون شاذا ، فهو عندنا حديث حسن)). وقال محمد بن الوزير: (( وغرض الترمذى إفهام مراده لا التحديد المنطقى ، فلا اعتراض عليه بمناقشات أهل الحدود)). نزهة النظر ٣٣، توضيح الأفكار ١/ ١٦٠، شرح الترمذى لابن سيد الناس ٥/أ، النكت ١/ ١٨٢. ثم قال الشيخ ابن الصلاح ، بعد أن أضاف إلى تعاريف الشيخين للحسن تعريفَ ابن الجوزى له بأنه الحديث الذى فيه ضعفٌ قريب محتملٌ ويصلح للعمل به ، قال : كل ذلك مستبهمٌ لا يشفى الغليل ، وليس فيما ذكره الترمذى والخطابى ما يفصل الحسن من الصحيح ، وقد أمعنت النظر فى ذلك والبحث جامعاً بين أطراف كلامهم ، ملاحظا مواقع استعمالهم ، فتنقح واتضح أن الحديث الحسن قسمان : أحدهما : الحديث الذى لا يخلو رجالُ إسناده من مستورٍ لم تحقق أهليته ، غير أنه ليس مُغَفَّلاً كثير الخطأ فيما يرويه ، ولا هو متهم بالكذب فى الحديث ، أى لم يظهر منه تعمّدُ الكذب فى الحديث ، ولا سبب آخر مفسق ، ويكون متن الحديث مع ذلك قد عُرف بأن رُوى مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر ، حتى اعتضد بمتابعة من تابعَ راويه على مثله ، أو بما له من شاهد ، وهو ورودُ حديثٍ آخر بنحوه ، فخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا . قال : وكلام الترمذى على هذا القسم يتنزَّل . القسم الثانى : أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة ، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح ، لكونه يقصر عنهم فى الحفظ والإتقان ، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يُعَد ما ينفرد به من حديثه منکرا. ويُعتبر فى كل هذا ، مع سلامة الحديث من أن يكون شاذا ومنكرا ، سلامتُه من أن يكون معلَّلاً . قال : وعلى القسم الثانى يتنزل كلامُ الخطابى . وكأن الترمذى ذكر أحد نوعى الحسن ، وذكر الخطابى النوع الآخر ، مقتصرا كل واحدٍ منهما على ما رأى أنه يُشكل ، مُعرِضا عما رأى أنه لا يُشكل ، أو أنه غفل عن البعض وذهل . المقدمة : ١٠٥ . قال بدر الدين بن جماعة : ولو قيل : الحسن كل حديث خال من العلل ، فى سنده المتصل مستور له به شاهد ، أو مشهورٌ قاصر عن درجة الإتقان ، لكان أجمع لما فى حدوده وقريبا مما حاولوه وأخصر منه. المنهل ١٣٦/١ . وقد أورد الطيبى على هذا التعريف فى الخلاصة ، إيرادات ، خلص منها إلى تعريف له آخر فقال : فلو قيل : هو مسندُ مَنْ قَرُب من درجة الثقة أو مرسل ثقة ، وروى كلاهما من غير وجه ، وسلم عن شذوذ وعلة ، لكان أجمع وأبعد من التعقيد . أهـ . الخلاصة : ٤٢ . (٢) فى الأصل: رسم ، والمثبت من ت. (١) ساقطة من الأصل ، واستدركت فى الهامش بسهم . (٣) سقط من الأصل ، والمثبت من ت. (٤) فى الأصل : ضلت . ٩٤ مقدمة الإمام مسلم أَوْ أَنْ يُفَصَّل ذلكَ الْمَعْنَى مِنْ جُمْلَة الْحَديثِ عَلَى اخْتِصَارِهِ إِذَا أَمْكَنَ ، وَ لكِنْ تَفْصِيلُهُ رَبََّا عَسْرَ مِنْ جُمْلَتِهِ، فَإِعَدَُّ بِهِيْتَهِ، إِذَا ضَاقَ ذلِكَ، أَسْلَمّ. فَأَمَّا مَا وَجَدْنَا بُدّا مِنْ إِعَادَتِهِ بِجُمْلَتِهِ، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنَّا إِلَيْهِ، فَلا نَتَولَّى فِعْلَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . فَأَمَا الْقِسْمُ الأَوَّلُ، فَإِنَّا نَتَوَخَّى أَنْ نُقَدِّمَ الأَخْبَارَ الَّتِى هِىَ أَسْلَمُ مِنَ العُيُوبِ مِنْ غَيْرِهَا وَأَنْقَى ، مِنْ أَنْ يَكُونَ نَاقُلُوهَا أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ فِى الْحَدِيثِ ، وَإِنْقَانِ لِمَا نَقَلُوا ، لَمْ يُوجَدْ فِى مجهولون انفردوا بروايات لم يُتابعَوا عليها، فقبلهم قوم وأوقفهم (١) آخرون . قال القاضى: وتفسير شيخنا أبى على ، لغرض مسلم وتقسيمه أسْعَدُ لكلام (٢) مسلم من شرح الحاكم ، وإن كنّا خالفناهما فى التأويل على مسلم كما قدمناه . وأمَّا قولُ الحافظ أبىٍ على : إنّ حديث أهل البدع الأثباتِ الذين لا يَدعون إلى بدعتهم متفقٌ عليه ، فلا يُسَلّمُ له ، بل قد اختلف فى ذلك المحدثون والفقهاء والأصوليون ، وسنبين ذلك عند تنبيه مسلم عليه . قال مسلم: (([ أو أنْ ](٣) يُفْصَّل [ ذلك ](٤) المعنى من جملة الحديث على اختصاره إذا أمكن)). . .. وهذا الفصل الذى ذكره - أيضاً - اختلف [فيه](٥) المحدثون والفقهاء والأصوليون فى اختصار الحديث والتحديث به على المعنى ، وفى الحديث بفصل منه دون كماله ، فأجاز هذا كُلَّه على الجملة قوم - وهو مذهب مسلم - ومنعه على الجملة أخرون - وهو تَحرى البخارى - ورخّص قوم فيما يقع من الكلمات موقع أمثالها كالجلوسٍ عوض القعود والقيام عوض الوقوف (٦) وشبهه، دون ما يمكن أن يختلف اختلافا ما، وخفّفَ آخرون الحديث على المعنى فى غير لفظ الرسول ◌َّه، ومنعه فى لَفْظِه - عليه السلام - وذُكِرَ هذا عن مالك. وذهب المحققون إلى أن الراوى إذا كان ممنٍ يَسْتَقِلُّ بِفَهم الكلام ومعانيه ، ويعرف مقاصده ، ويُفرق بين الظاهر والأظهر والمحتمل والنّصّ ، فَجائز لهذا الحديث على المعنى ، إذا لم يحتمل عندَه سواه ، وانفهم له فهماً جلياً معناه . وحكى غيرُ واحد معنى هذا عن مالك وأبى حنيفةَ والشافعى ، وٍكذلك جوزوا الحديث ببعض الحديث إذا لم يكن مُرتبطٍ بشىء قبله ولا بعده ارتباطا يخلّ بمعناه ، وكذلك إن جمع الحديث حكمين أو أمِرِينِ كلّ واحد مستقلٍ بنفسه غير مرتبط بصاحبه فله الحديث بأحدهما ، وعلى هذا كافَّةُ الَناس ومذاهب الأئمة ، وعليه صنَّفَ المصنفون كُتُبَهمْ فى الحَديث على [الأبواب ](٧) ، وفصلوا الحديث الواحد أجزاءً بحكمها ، واستخرجوا النكت والسنن من الأحاديث الطوال ، وهو معنى قول مسلم فى هذا الفصل إلى آخر كلامه ، [ وعمله البخارى كثيرا فى صحيحه ](٨)؛ (١) فى الأصل : ووقفهم. (٣) فى ت : وأن . (٢) فى ت : بكتاب . والسعد : اليمن ، اللسان . (٦) فى ت : الموقوف ، وهو خطأ . (٤، ٥) سقطتا من ت . (٧) مطموسة فى الأصل ، والمثبت من ت . (٨) سقط من الأصل ، واستدرك بسهم بهامش ت . ٩٥ مقدمة الإمام مسلم رِوَايَتِهِم اخْتِلافٌ شَدِيدٌ، وَلا تَخْلِيطٌ فَاحشٌ . كَمَا قَدْ عُثْرَ فيهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ المُحَدِِّينَ، وَبَانَّ ذَلِكَ فِى حَدِيثِهِمْ . فَإِذَا نَحْنُ تَقَصََّنَا أَخْبَارَ هَذَا الصَِّ مِنَ النَّاسِ، أَثْبَعْنَاهَا أَخْبَارًا ولهذا رُوى الحديثُ الواحدُ عن النبى وَّهَ بألفاظ مختلفة فى القصة الواحدة، والمقالة الفَذَّةَ، والقضية المشهورة من عهد الصحابة فمن بعدهم ، لكن لحماية البابٍ من تَسَلُّط من لا يُحْسِنُ،َ وغَلطِ الجهلة في نفوسهم ، وظنّهم المعرفة مع القصور (١)، يجبَّ سَدَّ هذا الباب؛ إذ فِعْلٌ هذا علىَ من لم يبلُغُ درجة الكمال فى معرفة المعانى حرامٌ باتفاق (٢). وقوله: (([ فإنَّا](٣) نتوخى الأخبار)»: أى نتحرَّى ونقصد، قال الهروى: فلان يتوخَّى الحق ويتأخاه ، أى يقصده ويتحراه ، وتقول العربُ : خُذْ على هذا الوخى ، أى : [على ] (٤) هذا القصدُ والصَّواب . وقوله : ((كما قد عُثِرَ فيه)) كذا فى الأصل وهو الصحيح ومسَاقُ الكلام ، ووقع فى المُعْلِم : ((فإن عُثِرَ )). (١) فى ت : قصورهم . (٢) يقول الإمام الشافعى: ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا: منها : أن يكون من حَدَّث به ثقة فى دينه ، معروفا بالصدق فى حديثه ، عاقلاً لما يُحدِّثُ به ، عالما بما يُحيلُ معانى الحديث من اللفظ ، وأن يكون ممن يؤدى الحديث بحروفه كما سمع ، لا يُحدِّثُ به على المعنى ، لأنه إذا حدث به على المعنى وهو غيرُ عالم بما يحيل معناه ولم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام ، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالة الحديث . الرسالة : ٣٧ . ويقول الإمام ابن عبد البر المالكى : الذى اجتمع عليه أئمة الحديث والفقه فى حال المحدث الذى يقبل نقله ويحتج بحديثه ، ويجعل سنة وحكما فى دين الله : هو أن يكون حافظا إن حدث من حفظه ، عالما بما يحيل المعانى ، ضابطا لكتابه إن حدّث من كتاب ، يؤدى الشىء على وجهه ، متيقظا غير مغفل ، وكلهم يستحب أن يؤدى الحديث بحروفه ؛ لأنه أسلم له ، فإن كان من أهل الفهم والمعرفة جاز له أن يحدّث بالمعنى ، وإن لم يكن كذلك لم يجز له ذلك؛ لأنه لا يدرى لعله يحيل الحلال إلى الحرام. التمهيد ٢٨/١. وقد عرض ابن الصلاح لتلك المسألة بقوله : هل يجوز اختصارُ الحديث الواحد ورواية بعضه دون بعض ؟ . ثم أجاب قائلاً : اختلف أهلُ العلم فيه ، فمنهم من منع ذلك مطلقا بناءً على القول بالمنع من النقل بالمعنى مطلقا ، ومنهم من منع ذلك مع تجويزه النقل بالمعنى ، إذا لم يكن قد رواه على التمام مرةً أخرى ، ولم يعلم أن غيره قد رواه على التمام . ومنهم من جوّز ذلك وأطلق ولم يُفصل . وقد رويناه عن مجاهد أنه قال : انقُص من الحديث ما شئت ولا تزدْ فيه . قال : والصحيح التفصيل ، وأنه يجوز ذلك من العالم العارف ، إذا كان ما تركه متميزا عما نقله ، غير متعلق به ، بحيث لا يختلُ البيان ، ولا تختلف الدلالة فيما نقله بترك ما تركه ، فهذا ينبغى أن يجوز وإن لم يجز النقلُ بالمعنى ؛ لأن الذى تركه - والحالة هذه - بمنزلة خبرين منفصلين فى أمرين لا تعلق لأحدهما بالآخر . ثم هذا إذا كان رفيع المنزلة بحيث لا يتطرقُ إليه فى ذلك تهمةُ نقله أولاً تاما، ثم نقله ناقصا ، أو نقله أولا ناقصا ثم نقله تاما، فأما إذا لم يكن كذلك فقد ذكر الخطيبُ الحافظ أن من روی حديثا على التمام وخاف إن رواه مرة أخرى على النقصان، أن يتهم بأنه زاد فى أول مرة ما لم يكن سمعه، أو أنه نسى فى الثانى باقى الحديث لقلة ضبطه وكثرة غلطه، فواجب عليه أن ينفى هذه الظنّة من نفسه. المقدمة: ٣٣٥. (٣) فى ت : إنا . (٤) ساقطة من الأصل . ٩٦ مقدمة الإمام مسلم يَقَعُ فِى أَسَانِيدِهَا بَعْضُ مَنْ لَيْسَ بِالَوْصُوف بالحِفْظِ وَالإِنْقَانِ ، كَالصَّفِ الْمُقَدَّمِ قَبْلَهُمْ ، عَلَى أَنَّهُمْ، وَإِنْ كَانُوا فِيمَا وَصَفْنَا دُونَهُمْ، فَإِنَّ اسْمَ السَّتْرِ وَالصِّدِقِ وَتَعَاطِ العِلْمِ يَشْمَلُهُمْ، كَعَطَاءِ بْنِ السَائِبِ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِى زِيَاءِ، وَلَيْث بْنِ أَبِى سُلَيْمٍ، وَأَضْرَبِهِمْ، مِنْ حُمَّال الآثَارِ وَنُقَّالِ الأَخْبَارِ . فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا بِمَا وَصَفْنَا مِنَ العِلْمِ وَالسَّتْرِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مَعْرُوفِينَ ، فَغَيْرُهُمْ مِنْ أَقْرَانِهِمْ مِمَّنْ عِنْدَهُمْ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الإِثْقَانِ وَالاسْتِقَامَةِ فِى الرِّوَايَةِ يَفْضُلُونَهُمْ فِى الْحَالِ ، وَاَرْتَبَةٍ ، لأَنَّ هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ دَرَجَةٌ رَفِعَةٌ وَخَصْلَةٌ سَنَّةٌ . أَلا تَرَى أَنَّكَ إِذَا وَزَنْتَ هَؤُلاء الثَّلاثَةَ الذينَ سَمَّيْنَاهُمْ، عَطَاءً وَيَزِيدَ وَلَيْئا، بِمَنْصُور ابْنِ المُعْتَمِرِ وَسُلَيْمَانَ الأَعْمَئِ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ، فِى إِثْقَانِ الحَدِيثِ وَالاِسْتِقَامَةِ قال الإمام أبو عبد الله: معناه: اطَّلَع، مِن قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقًّا إِثْمَا﴾(١)، يقال: عَثُرْتُ منه على خيانة، أىَّ اطلعتُ، وأعْثَرَتُ غَيْرِى، أى : أطلعته، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِم﴾(٢)، أى أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمن. قال : وذكر مسلم قوما مشهورين بالعدل والضبط كمالك وابن عيينة وذكر [أن](٣) ت٦/أ قوما لا يبلغون إلى رتبتهم/ فى ذلك [وإن] (٤) لم يخرجوا عن كونهم عدولا مثل عطاء بن السائب ويزيد بن أبى زياد وليث بن أبى سليم(٥) . قال القاضى : رأيت بعض المعقبين قد تتبّع عليه ما حكاه عن مسلم [هذا](٦) مما ليس قول مسلم ، فإن مسلماً لم يذكر فى هذا الفصل مالكاً ولا ابن عيينة، وإنما ذكر فى القسم الأول أهل الإتقان والاستقامة ، وذكر بعدهم صنفا آخر ذكر أنهم ليسوا موصوفين بالحفظ والإتقان كالصنف الأول ، قال : وإن [ كانت ذواتُهم] (٧) فيما وصفنا، فاسم الستر [والصدق] (٨) وتعاطى العلم يشملهم (٩) كعطاء بن السائب (١٠) ويزيد بن أبى (١) المائدة : ١٠٧ . (٢) الكهف : ٢١ . (٣) ساقطة من الأصل . (٦) ساقطة من ت . (٤) من ت، واستدركت فى الأصل بالهامش. (٥) المعلم ٢ / أ . (٧) فى الأصل : كاينا ذوقهم ، وفى ت: وإن كانوا فوتَهم ، وما أثبتنا هو مما نرى أنه المقصود والأليق بالعبارة . (٩) فى ت : شملهم . (٨) ساقطة من الأصل . (١٠) هو الإمام الحافظ ، محدث الكوفة، كان من كبار العلماء ، لكنه ساء حفظه قليلاً فى أواخر عمره . روى عن أنس بن مالك - ولم يثبت أنه سمع منه ـ وعبد الله بن أبى أوفى وخلق كثير . حدث عنه إسماعيل بن أبى خالد - وهو من طبقته - والثورى ، وابن جريج ، قال على بن المدينى عن يحيى بن سعيد قال : ما سمعت أحدا يقول فى عطاء بن السائب شيئا قط فى حديثه القديم ، وماحدث سفيان وشعبةُ عنه صحيح ، إلا حديثين ، كان شعبة يقول : سمعتهما بآخرة عن زاذان . وقال أحمد بن حنبل : عطاء ثقة ثقة، رجل صالح ، من سمع منه قديما كان صحيحا ، ومن سمع منه حديثا لم يكن بشىء، مات رحمه الله سنة ست وثلاثين ومائة. الطبقات الكبرى ٣٣٨/٦، التاريخ الكبير= ٩٧ مقدمة الإمام مسلم فِيهِ، وَجَدْتَهُمْ مُبَايِنِينَ لَهُمْ ، لا يُدَانُونَهُمْ لَا شَكَ عِنْدَ أَهْلِ العِلمِ بِالحَدِيثِ فِى ذَلِكَ، الَّذِى اسْتَفَاضَ عِنْدَهُمْ مِنْ صِحَّةٍ حِفْظِ مَنْصُورِ وَالأَغَمَشِ وَإِسْمَاعِيلَ ، وَإِثْقَانِهِمْ لِحَدِيثِهِمْ . وَأَنَّهُمْ لِمْ يَغْرِفُوا مِثَلَ ذَلِكَ مِّنْ عَطَاءٍ وَزِيدٌ وَكَيْثٍ . زياد(١)، وليث(٢) بن أبى سليم (٣) وأضرابهم من حمَّال الآثار. هذا لفظه (٤). ثم قال آخرَ الفصل : ألا ترى أنَّكَ إذا وازنت هؤلاء الثلاثة (٥) بمنصور بن المعتمر (٦) وسليمان = ٤٦٥/٦، والصغير ٣٩/٢ للبخارى، الجرح والتعديل ٣٣٢/٦، الثقات ١٩٠/٣، تهذيب ٢٠٣/٧، سير ٦ /١١٠ . (١) هو أبو عبد الله الهاشمي الكوفى، الإمام المحدث معدود فى صغار التابعين رأى أنسا، وٍروى عن مولاه عبد الله، وأبى جحيفة السوائى، وعبد الرحمن بن أبىٍ ليلى، وغيرهم. وإبراهيم النخعى حدّث عنه شعبة - مع براعته فى نقد الرجال - والثورى، وأبو حمزة السكرى ، وهشيم ، وابن عيينة ، وغيرهم قال عبد الله ابن أحمد بن حنبل ليحيى بن معين : ابن يزيد بن أبى زياد دون عطاء بن السائب ؟قال: نعم ، ومن سمع من عطاء بن السائب وهو مختلط فيزيد فوق عطاء . الجرح والتعديل ٩/ ٢٦٥ . وقال فيه الذهبى : كان من أوعية العلم ، وليس هو بالمتقن ؛ فلذا لم يحتج به الشيخان سير ١٢٩/٦ . قلت : أخرج له مسلم فى الأطعمة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى فى جماعة ، روى عنه سفيان بن عيينة . رجال صحيح مسلم ٣٥٩/٢ . خرج له الترمذى وحسن له ما رواه من طريق هشيم ، قال ابن حجر : كبر فتغير، تهذيب ٣٢٩/١١، التقريب ٣٦٥/٢، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة سير ١٢٩/٦. (٢) هو محدث الكوفة ، وأحد علمائها الأعيان ، على لين فى حديثه لنقص حفظه ، مولى آل أبى سفيان بن حرب الأموى . ولد بعد الستين . حدث عن الشعبى ، ومجاهد ، وطاووس ، وغيرهم ، معدود فى صغار التابعين . حدث عنه الثورى ، وزائدة ، وشعبة ، وخلق كثير. فيه يقول أحمد بن حنبل : ليث بن أبى سُليم مضطرب الحديث ، ولكن حدث عنه الناس . وقال عبد الله بن أحمد : سألت عثمان بن أبى شيبة فقال : سألت جريراً عن ليث وعطاء بن السائب ويزيد بن أبى زياد ، فقال : كان ليث أكثر تخليطا ، ويزيد أحسنهم استقامة . قال عبد الله : فسألت أبى عن هذا ، فقال : أقول كما قال جرير . وقال عبد الله: قال لى يحيى بن معين: ليث أضعف من يزيد بن أبى زياد)) . مات ليث سنة ثمان وثلاثين ومائة . قال الذهبى : بعض الأئمة يُحسّن لليث، ولا يبلغ حديثُه مرتبة الحسن، بل عدادُه فى مرتبة الضعيف المقارب ، فيُروى فى الشواهد والاعتبار ، وفى الرغائب والفضائل ، أما فى الواجبات فلا. سير ٦ / ١٨٤، وانظر : التاريخ الكبير ٢٤٦/٧، التاريخ الصغير ٥٧/٢ ، الجرح والتعديل ١٧٧/٧ . (٣) فى الأصل : أسلم . (٤) وهو ما نقلناه فى الصفحة السابقة. (٥) فى النسخ التى بأيدينا زيادة : الذين سميناهم عطاء ويزيد وليثا. (٦) هو الحافظُ الثبتُ القدوة، أبو عتاب السُّلمىُ الكوفى، أحدُ الأعلام من الطبقة الرابعة من التابعين. يروى عن ربعى بن حِراش ، وإبراهيم النخعى ، وسعيد بن جبير ، وغيرهم من هذه الطبقة . قال فيه الذهبى : ما علمتُ له رحلةٌ ولا رواية عن أحد من الصحابة ، وبلا شك كان عنده بالكوفة بقايا الصحابة وهو رجلٌ شابٌ مثل عبد الله بن أبى أوفى، وعمرو بن حريث ، إلا أنه كان من أوعية العلم ، صاحبَ إتقان وتأله وخير . سير ٤٠٢/٥ . حدَّثَ عنه خلق كثير منهم أيوب السختياني ، وسليمان الأعمش، وشعبة ، وسفيان الثورى ، ومعمر بن راشد ، وإبراهيم بن أدهم ، والفضيل بن عياض ، وسفيان بن عيينة قال ابن المدينى : إذا حدثك عن منصور ثقة فقد ملأت يديك لا تريد غيره . مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة . التاريخ الكبير ٣٤٦/٧، الجرح والتعديل ١٧٧/٨، سير ٤٠٢/٥ . ٩٨ مقدمة الإمام مسلم الأعمش(١) وإسماعيل بن أبى خالد(٢) فى إتقان الحديث والاستقامة فيه، وجدتهُم متباينين، ثم ذكر أسماءً أخَر من الطبقتين ، ولم يجر لمالك ولا ابن عيينة هنا ذكر ، وإنما ذكرهما بعد هذا مع أقرانهم فى فصل آخر فى ذمّهم . الرواية عن الضعفاء. والعذر عن هذا للإمام (٣) رحمه الله أحدُ وجهين: إما أن يقال: إن المُعَلق عنه اقتصر على المعنى والمطلوب، ومن الكلام على النكتة، إذ كان المطلوب منهما (٤) سؤال الشيخ بعد كيف يُستجاز هذا التفصيلُ والتمييز ولا يُعدُّ غيبة، والجوابُ عنه على مَا سنَذْكُرُهُ من قوله بَعْدُ ونزيدُه وضوحا إن شاء الله تعالى، أو يكون هو نفسه - رحمه الله - قصد ذلك تمثيلاً لا حكايةَ للفظ مسلم ، إذ لا فرق بين الكلام على الوضع إذا لم يقصد حكاية اللفظ مع اتفاق المعنى ، إذ مالك وابن عيينة من تلك الطبقة الرفيعة المتقنة الحافظة بغير خلاف، ومثل هذا مما يتَّضِحُ العذرُ فيه ، إذ هو كتاب شرح لا كتاب رواية لفظ . قال الإمام - رحمه الله(٥) -: إن قيل: كيف استجاز هنا: أن يُقَالَ: فلانٌ أَعْدِلُ من فلان مع أنه عَّهُ قالَ فى الطبيبين: ((لولا غيبَتُهُمَاَ لأعلمتُكم أيُّهما أطبُّ))(٦) قيل: دعت الضرورة [ها هنا](٧) لذكر [هذا] (٨) لأنه موضع تعليم، والحاجةُ ماسَّةٌ إليه، لأن العلماء إذا تعارضت الأخبار (٩) قدَّموا خبَرَ من كان أعدل وعوَّلوا عليه، وأفتوا [الناس] (١٠) به (١) هو عندهم ابن مهران، شيخ الإسلام والمقرئين والمحدثين . أصله من نواحى الرى، رأى أنس بن مالك وحكى عنه ، وروى عنه ، وعن عبد الله بن أبى أوفى - على معنى التدليس - وإبراهيم النخعى ، وخلق كثير من كبار التابعين وغيرهم . روى عنه أيوب السختيانى، وأبو حنيفة ، والأوزاعى ، وخلق كثير . قال فيه على بن المدينى : له نحو من ألف وثلاثمائة حديث . مات سنة سبع وأربعين ومائة . الجرح والتعديل ١٤٦/٤، سير ٢٢٦/٦ . (٢) هو أبو عبد الله البجلى، كان محدث الكوفة فى زمانه مع الأعمش ، قال الذهبى : بل هو أسند من الأعمش . سير ٦ /١٧٦ . حدث عن عبد الله بن أبى أوفى ، وأبى جحيفة السُّوائى، وعمرو بن حُريثٍ المخزومى ، وأبى كاهل قيس بن عائذ - ولهم صحبة - وعداده فى صغار التابعين . كذلك روى عن الشعبى ، ومحمد بن سعد بن أبى وقاص ، وكان من أوعية العلم . روى عنه شعبة، وسفيان ، وشريك ، وجرير ، ووكيع ، ويحيى القطان . قال فيه على بن المدينى : إنه أعلم الناس بالشعبى وأثبتهم فيه . قال فيه الذهبى : أجمعوا على إتقانه ، والاحتجاج به ، وحديثه من أعلى ما يكون فى صحيح البخارى . سير ١٧٧/٦ . مات سنة ست وأربعين ومائة . تاريخ خليفة ٢٣٢ ، التاريخ الكبير ٣٥١/١، سير ١٧٨/٦ . (٣) فى الأصل : الإمام . . (٤) فى الأصل : منها . (٥) سقط عن القاضى قول الإمام : ذكر مسلم قوما مشهورين بالعدل والضبط كمالك وابن عيينة ، وذكر قوما لا يبلغون إلى مرتبتهم فى ذلك ، ولم يخرجوا عن كونهم عدولاً مثل عطاء بن السائب ويزيد بن زياد وثابت بن أبى مسلم . ولعله رأى فيما فصّل أنه عوض عما أجمله الإمام . (٦) لم أهتد له ، والعجب إهمال القاضى له . (٩) فى ت : للأخبار . (٨،٧) فى الأصل : هنا ، والمثبت من المعلم وت. (١٠) من المعلم . وساقطة من الأصل وت . ٩٩ - مقدمة الإمام مسلم . ولم تدْع ضرورةٌ إلى ذكر الأطبّ من [هذين] (١) الطبيبين كما دعت مسلما ها هنا (٢)، وقد يجوز استرشاد الطبيب الموثوق (٣) بعلمه، المرجوَّ النفع بمداواته، وإن كان هناك أوسَعُ منه علماً بالطب ، ولا يجوز الأخذ برواية الناقص فى العدالة وأن يُقَدَّمَ على رواية الأعدَل منه ، وقد أجيز / التجريحُ للشهود (٤) للضرورة إليه ولم يمنع لكونه غيبةٌ وقال عَّه. فيمن ن٦/ب استُشير فى نكاحه: ((إنَّه صُعلوك))، وقال فى الآخر: (([ إنه ](٥) لا يضع عصاه عن عاتقه)) (٦). ولم ير ذلك غيبة لماً كان مستشارا [ فى] (٧) النكاح، ودعَتِ الضرورةُ إليه، وقد اعتذر صاحب الكتاب عن نفسه فى ذلك أنَّ القصدَ بيانُ منازلهم اتباعاً لَقول النبى عَّ: ((أنزلوا الناس منازلهم)) والذى قلناه أبْسَط. قال القاضى - رحمه الله -: حديث: ((أنزلوا الناس منازلهم)) الذى ذكره مسلم عن عائشة عن النبى معَّه ولم يسنده ، أسنده أبو بكر البزَّار فى مسنده ، عن ميمون بن أبى شبيب عن عائشة، عن النبى عَّه، وذكره أبو داود فى مصنَّفْه عن ميمون بن أبى شبيب أيضاً : أنَّ عائشة مَرَّ بها سائلٌ فأعطته كسرةٌ ومر بها رجل [ آخر ](٨) عليه ثيابٌ فأقعدته فأكل ، فقيل لها فى ذلك، فقالت: قال رسول الله عَّه: ((أنْزِلوا الناسَ منازلهم)). قال البزَّر : وهذا الحديثُ لا يُعْلمُ عن النبى عَّه إلا من هذا الوجه، وقد رُوى عن عائشةَ من غير هذا الوجه موقوفاً (٩) . ومعنى الحديث بيّنٌ فى إيتاء كل ذى حقٍّ حقَّه ، وتبليغه منزلته فى كل باب ، كما احتجَّ به مسلم فى تطبيق الرواة وتعريف مراتبهم ، ومزية بعضهم على بعض إلا ما ساوى الله بينهم فيه من الحدود والحقوق . (١) فى المعلم : ذينك . ولا وجه لها هنا . (٢) زيدت بعدها فى ت لفظة: (( ولا سيما)). (٣) فى ت : الموثق . (٤) فى المعلم : للمتهم . (٥) ساقطة من ت . (٦) الحديث جزء أخرجه مسلم فى ك الطلاق عن فاطمة بنت قيس، لما ذكرت لرسول الله عَّ أن معاوية ابن أبى سفيان وأبا جهم خطباها ، فقال لها رسول الله عَّه: ((أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، أنكحى أسامة بن زيد)) ٦٩٢/٣، وسيرد إن شاء الله فى حينه . (٧) ساقطة من ت . (٨) ساقطة من الأصل . (٩) أبو داود فى سننه، ك الأدب ، ب فى تنزيل الناس منازلهم ٢٦١/٤، وقال أبو داود: « ميمون لم يدرك عائشة))، وذكره السخاوى فى المقاصد وقال: (( ورواه ابن خزيمة فى صحيحه ، والبزار وأبو يعلى فى مسنديهما ، والبيهقى فى الأدب ، والعسكرى فى الأمثال ، قال : («مداره عندهم على ميمون ، فالحديث منقطع)) ثم قال: ((وبالجملة فحديث عائشة حسن)) ٩٣. وفى الكشف للعجلونى قال: ((ورواه الخرائطى فى مكارم الأخلاق عن معاذ بلفظ: (( أنزلوا الناس منازلهم من الخير والشر)) ٢٤١/١. وفى اللآلئ: ((وأعله أبو داود بأن ميمون لم يدرك عائشة ، ورُدَّ عليه بأن ميمونا هذا كوفى قديم ، أدرك المغيرة ، والمغيرة مات قبل عائشة ، ومجرد المعاصرة كاف عند مسلم)) . ١٠٠ مقدمة الإمام مسلم وَفِى مِثْلِ مَجْرَى هَؤُلاءِ إِذَا وَازَنْتَ بَيْنَ الأَقْرَانِ، كَابْنِ عَوْن وَأَيُوبَ السَّخْتِيَانِىِّ ، مَعَ عَوْفٍ بْنِ أَبِى جَمِيلَةَ وَأَشْعَثَ الْحُمْرَانِىِّ وَهُمَا صَاحِبَا الحَسَنِ وَأَبْنِ سِيرِينَ. كَمَا أَنَّ ابْنَ عَوْنِ وَأَيُوبَ صَاحِبَاهُمَا، إِلا أَنَّ الْبَوْنَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ هَذَيْنِ بَعِيدٌ فِى كَمَالِ الفَضْلِ وَصِحَّةٌ النَّقْلِ، وَإِنْ كَانَ عَوْفٌ وَأَشْعَثُ غَيْرَ مَدُفُوعَيْنِ عَنْ صِدْقٍ وَأَمَانَةٍ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ ، وَلَكِنّ الحَالَ مَا وَصَفْنَا مِنَ المَنْزِلَةِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ . وَإِنَّمَا مَثَّلْنَا هَؤُلاء فى التَّسْمِيَةِ ، لِيَكُونَ تَمْثِيلُهُمْ سِمَةً يَصْدُرُ عَنْ فَهْمِهَا مَنْ غَبِىَ عَلَيْهِ طَرِيقُ أَهْلِ العِلْمِ فِى تَرْتِيبِ أَهْلِهِ فِيهِ ، فَلا يُقَصَّرُ بِالرّجُلِ العَالَى القَدْرِ عَنْ دَرَجَتَهُ، وَلا يُرْفَعُ مْتَّضِعُ القَدْرِ فِى العِلْمِ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ . وَيُعْطَى كُلُّ ذِى حَقِّ فَهِ حَقَّهُ . وَيُنَزَّلُ مَنْزَلَهُ. وقول مسلم فى هذا الفصل: ((إلا أن البَوْنَ بينهما وبين هذين (١) بعيد)): أى الفرق ، وأنهما لا يُقَارَنَان بهما فى علمهما وفضلهما . قال صاحب العيْنِ: البَونُ مسافة ما بين الشيئين، وهذا مثل قول مسلم فى الفصل نفسه: ((وجدتَهم متباينين لا يُدانوهم)). وفى هذا الفصل من قول مسلم ((وأضرابهم من (٢) حُمَّال الآثار)). وجه العربِيَّةِ فيه وضربائهم، إذ لم يأت جمع فعيل على أفعال فى الصحيح إلا [فى] (٣) كلمات قليلة. وقوله : ((وازيتَ هؤلاء)) ويروى: ((وازنتَ)) بالنون ومعناهما قارنتَ ومَثَّلَتَ. وقوله: ((غبى عليه طريق العلم)) أى خفى، قال ابن القوطية (٤): غبى خفى ، وأيضا قلت فطنته . قال ابن دريد: [ فى](٥) فلان غبوة وغباوة ، أى غفلة وحماقة ، وقال الخليل (٦) : غبى فهو غبّ إذا لم يفطن . (٢) ساقطة من الأصل ، واستدركت بالهامش. (١) فى ت : هذا . (٣) ساقطة من الأصل : واستدركت من الهامش بسهم. (٤) هو علامة الأدب ، أبو بكر ، محمدُ بن عمرَ بن عبد العزيز الأندلسى ، القرطبى النحوى ، والقوطية هى سارة بنتُ المنذر بن جَسْطية ، من بنات ملوك القوط بالأندلس ، وقد كانت سارت إلى الشام متظلمةً من عمّها أرطياس ، فتزوجها بالشام عيسى بن مزاحم مولى عمر بن عبد العزيز ، ثم سافر معها إلى الأندلس، توفى سنة سبع وستين وثلاثمائة. تاريخ علماء الأندلس ٧٦/٢، جذوة المقتبس ٧٦، نفح الطيب ٧٣/٣ . (٥) ساقطة من الأصل ، واستدركت من الهامش بسهم . (٦) هو الإمام أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدى ، صاحب العربية ، ومنشئ علم العروض ، أحد الأعلام . حدّث عن أيوب السختيانى ، وعاصم الأحول ، والعوام بن حوشب ، أخذ عنه سيبويه النحو والنضر بن شميل ، والأصمعى ، وآخرون ، كان - رحمه الله - مفرط الذكاء ، مات سنة بضع وستين ومائة. التاريخ الكبير ١٩٩/٣، الجرح والتعديل ٣/ ٣٨٠، تهذيب التهذيب ١٦٣/٣، بغية الوعاة ٥٥٧/١، سير ٤٢٩/٧ .