النص المفهرس
صفحات 1-20
٧،٩،٧/٢ شَرِحَ صَحِيحٌ مُسْلِ الْقَاضِعَبَطْ المُسَمّى إكمال المُعلِم بِقَوَائِ مُسْل لِلإِقَام الحافظ أبى الفضل عَيَاض بن مُوسَى بن عَا ض ◌َخْصَبِى ت ٥٤٤ هـ تحقیق الدكتور يَحْيَ إسماعيل الجزء الأوّلُ حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨م ے الوفا للطباست التر دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - ج.م.٤ - المنصورة الإدارة : ش الإمام محمد عبده المواجه لكلية الآداب ص . ب٢٣٠ ت :٣٤٢٧٢١ /٣٥٦٢٣٠/٣٥٦٢٢٠ فاكس ٣٥٩٧٧٨ المكتبة : أمام كلية الطب ت ٣٤٧٤٢٣ شَرِحٌ صَحِيحُ مُسِْالقَاضِ عَاضِ ٠٧ ٧٫٤ المُسَمِّى أَمالُ المُعَلِ بَقَائِ مُسَيِ 1 - الإهداء * إلى ((جبهة علماء الأزهر)) فى عهدها الجديد .. * جدّد الله له بها العافية .. * وحقق له وللأمة بها الرجاء .. : وردّ بها عن الجميع كل عادية .. آمين آمين والأقطار أجمعها مرددات معى آمين آمين كلهم حاولوا الدواء ولكن ما أتى بالشفا إلا عياض . ٩ مقدمة المحقق مقدمة الطبعة الأولى كتاب ( إكمال المُعْلِم بفوائد مسلم ) واحدٌ من كتب الدراية الفريدة التى سارت بها الرُّكبان - كما شهد بذلك أهل هذا الشأن وأئمته(١) ثم هو واحدٌ من مصنفات القاضى عياض الكثيرة المفيدة - على وفق قول الإمام ابن كثير(٢). وصاحب الكتاب أرفع من أن يُجهَل ، وأجلّ من أن يصاب ذِكْره بخمول ، فهو - كما ذكر ابن خلِّكان: (( إمام الحديث فى وقته ، وأعرف الناس بعلومه ، وبالنحو ، واللغة ، وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم)) (٣). لا يُدرَك - كما قال الحافظ القضاعى (٤) - شأوه ، ولا يبلغ مداه فى العناية بالحديث ، والآثار ، وخدمة العلم ، فكان جمال العصر ، ومفخرة الأفق ، وينبوع المعرفة ، ومعدن الإفادة ، وإذا عدت رجالات المغرب - فضلاً عن الأندلس - حسب فیھم صدرا(٥) . ومع هذا لم يَحْظَ كتابٌ بحظ وافر من الغمط مثلما حظى هذا الكتاب مع أخيه المعلم !! ، إنك لا تكاد تطالع كتابا من كتب أئمة الرواية والدراية لكل من أتى بعده ، إلا وتجد لعياض بكتابه الإكمال فيه ذكراً منشوراً ، وراية خفاقة ، يأرزون إليها فيما أُشْكِل ، ويعتمدون على ضبطه فيما أُبْهِم ، بل كان أحيانا أصلاً من أصول كتب ذاعت بسببه واشتهرت - كالمنهاج للنووى ، وإكمال الإكمال وتكملته للأبى والسنوسى (٦). كل واحد منهم لزم ظله ، ووضع يده حيث كان يرفع قدمه . ثم هذا ابن حجر فى ((الفتح))، والعينى فى ((العمدة))، يلزم كل منهما ضبطه ، وينسج فى الكثير من مباحثه على نوله (٧) . (١) سير ٢١٢/٢٠، ٢١٥، طبقات الحفاظ ٤٦. (٢) البداية والنهاية ١٢/ ٢٤١ . (٣) وفيات الأعيان ٣/ ٤٨٣. (٤) هو الحافظ محمد بن عبد الله بن أبى بكر ، القضاعى ، المعروف بابن الأبار ، توفى سنة ٦٥٨، ومن مؤلفاته التى نقل عنها ما قيدناه (( معجم أصحاب الصدفى)). (٥) فهرس الفهارس ٢/ ١٨٤ . (٦) راجع فى ذلك على سبيل المثال موقف النووى من شرحه لحديث: (( من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة)) فى كتاب الإيمان حيث يقول : وأما معنى الحديث وما أشبهه فقد جمع فيه القاضى عياض - رحمه الله - كلاما حسناً، جمع فيه نفائس ، فأنا أنقل كلامه مختصراً ثم أضم بعده إليه ما حضرنى من زيادة . نووى ١٨٤/١. والأبى هو محمد بن خلف ، لزم ابن عرفة زماناً ، وتولى قضاء الجزيرة ، توفى سنة ٨٢٨. أعلام المحدثين ، وكتابه إكمال الإكمال وبهامشه مكمل الإكمال ، طبع بدار السعادة بالقاهرة . (٧) لمجرد التمثيل فقط انظر: الفتح ١١٩/٩، ١٦٤ وعمدة القارى ١٦٩/٢٠، ١٨٩/٩. . الدراسة وتشمل : ١ - ترجمة للقاضى عياض وللإمام المازرى صاحب المعلم ٢ - الحديث عن نسخ الكتابين وبيان قيمتهما العلمية ٣ - أسانيد القاضى عياض إلى صحيح مسلم ١٣ مقدمة المحقق عصر القاضى عياض ونسبه يُعدُّ القاضى عياض أحد أئمة الرواية والدراية الذين نبتوا بأرض المغرب، وذاع صيتهم بالحق فى أرجاء المعمورة، وثَبَّت الله بعلمهم وعملهم أمر الإسلام فى أوطانهم . لقد شهد عصره مولد أشر فتنة حلت بأرض الإسلام بالمغرب ، على يد قرينه ابن تومرت (١) ، كلاهما ولد فى عصر واحد ، وفى وطن واحد ، ونشأ نشأة واحدة ، هى نشأة الطلب ، لكن الثانى كان له غاية غير غاية صاحبه ، هى نوال الرياسة (٢) ، فدخل فى الدماء وشغف بالمؤامرات ، حتى سهل لأعداء الأمة اصطياده ، وتسخير مواهبه لتحقيق مأربه ومأرب عدو دينه وأمته ، فتجهز لذلك بالحيل ، حتى إنه طلب من أحد الفقهاء الذين خدعوا به - وهو عبد الله الونشريسى - أن يخفى علمه وفصاحته، ويتظاهر بالجهل واللكن مُدَّةً ، ليجعل من إظهار نفسه أمام الأغرار معجزة . قال الذهبى : (( فلما كان عام تسعة وخمسمائة خرج يوما فقال : تعلمون أن البشير - يريد الوَنَشريسى - رجُلٌ أمى، ولا يثبت على دابة ، فقد جعله الله مُبشِّراً لكم ، مطلعا على أسراركم ، وهو آية لكم ، فقد حفظ القرآن ، وتعلم الركوب ، وقال : اقرأ ، فقرأ الختمة فى أربعة أيَّام ، وركب حصانا وساقه ، فبُهتوا ، وعدوها آية الغباوتهم ، فقام خطيباً وتلا : ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (٣) وتلا: ﴿مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤) - فهذا البشير مطلع على الأنفس ، مُلهم، ونبيكم عَّه يقول: ((إن فى هذه الأمة محدّثَين، وإن عمر منهم))(٥)، وقد صحبنا أقوامٌ أطلعه الله على سِرِّهم، ولابد من النظر فى أمرهم، وتيمَّم العدل فيهم ، ثم نودى فى جبال المُصامدَة : من كان مطيعاً للإمام فليأت ، فأقبلوا يُهرَعون ، فكانوا يُعرضون على البشير، فيُخرجُ قوماً على يمينه ، ويَعُدُّهم من أهل الجنة ، وقوماً على يساره فيقول : هؤلاء شاكُّون فى الأمر ، وكان يُؤتى بالرجل منهم فيقولُ : هذا تائبٌ رُدُوُه على (١) أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت البربرى المصمودى الهرغى، نسبة إلى قبيلة كبيرة من المصامدة فى جبل السوس فى أقصى المغرب ، الخارج بالمغرب ، المدَّعى أنه علوى حسنى ، وأنه الإمام المعصوم المهدى ، وقد لقبته أمه بتومرت ، وسبب ذلك - فيما ذكر صاحب المقتبس من الأنساب - أن أمه فرحت به وسرت ، فقالت باللسان الغربى: (( آتومرت اينويسك أبيوى)» ، ومعناه : يا فرحتى بك يا بنى ، فكانت تكثر من ذلك ، وكانت أيضا إذا سئلت عن ابنها وهو صغير تقول باللسان الغربى: ((بك تومرت)) معناه: صار فرحاً مسروراً ، فغلب عليه لذلك اسم تومرت . المقتبس من الأنساب : ٣١ . (٢) سير ١٩/ ٥٤١ . (٤) آل عمران: ١١٠. (٣) الأنفال : ٣٧ . (٥) البخارى فى الصحيح، كتاب فضائل أصحاب النبى معَّه ، باب مناقب عمر ٤٢/٧ . ١٤ - مقدمة المحقق اليمين، تاب البارحة ، فيعترف بما قال . واتفقت له فيهم عجائب ، حتى كان يُطلق أهل اليسار وهم يعلمون أن مآلهم إلى القتل ، فلا يَفرُّ منهم أحد ، وإذا تجمّع منهم عدة قتلهم قراباتهم حتى يقتل الأخ أخاه(١). قال فيما نقله عن اليسع من تاريخه: (( وكل ما أذكره من حال المصامدة فقد شاهدته ، أو أخذته متواتراً ، وكان فى وصيته إلى قومه إذا ظفروا بمُرابط أو تلمسانى أن يحرقوه)) (٢). قال : (( فالذى صحَّ عندى أنهم قُتِل منهم سبعون ألفا على هذه الصفة ، ويُسمّونه التمييز))(٣). وقال ابن خلكان: (( وقد بلغنى أن ابن تومرت أخفى رجالاً فى قبورِ دَوارِس ، وجاء فى جماعة ليريهم آيةً ، فصاح : أيُّها الموتى ، أجيبوا ، فأجابوه : أنت المهدى المعصُوم ، وأنت وأنت ، ثم إنه خاف من انتشار الحيلة فخسَف فوقهم القبور فماتوا)»(٤). وبهذه الجيل جمع حوله الكثير من أغرار قومه لينقضّ بهم على إمام المسلمين بالمغرب وحامل راية الجهاد فيها ضد الصليبية المتربصة، يوسف بن تاشفين (٥) ، وغرَّه به حبُّه للعفو وميله إلى العلماء ، فكان أن عمد إلى حيلة أخرى معه ، بأن ذهب قبل الفجر وجلس حيث يجلس يوسف بن تاشفين للصلاة ، فلما حضر الأمير ، تمسك بحقه المزعوم بالمكان لأنه السابق إليه ، ثم بدأ يوجه له اللوم فى تقصيره تجاه حق الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، كل ذلك ليلفت الأنظار إليه ، ويكسب ما يمكن كسبه من أنصار منه . * حتى إذا غادر يوسف مراكش إلى إسبانيا ليصد عادية الفونس الأرجونى على (١) سير ٥٤٥/١٩. (٢) نفسه . (٣) السابق ٥٤٦/١٩ . (٤) وفيات الأعيان ٥٤/٥، سير ٥٥١/١٩ . (٥) أمير المسلمين ، صاحب الغرب ، يوسف بن تاشفين اللمتونى البربرى ، ويعرف أيضاً بأمير المرابطين ، وهو الذى بنى مراكش وصيرها دار ملكه ، وكان ذلك سنة (٤٦٥)، ثم عبر إلى الأندلس لينجد الإسلام ، فطحن العدو فى معركة الزلاقة ، كان حليما ديناً خيرا ، يحب أهل العلم والدين . قال ابن خلكان : بلغنى أن الإمام أبا حامد الغزالى لما سمع ما هو عليه من الأوصاف الحميدة عزم على التوجه إليه ، فوصل الإسكندرية فوصله خبر وفاته بها ، فرجع عن ذلك . مات فى أول سنة خمسمائة ، وله بضع وثمانون سنة . الكامل ٤١٧/١٠، وفيات الأعيان ١١٢/٧، سير ٢٥٢/١٩. : ١٥ مقدمة المحقق غرناطة (١) هَبَّ ابن تومرت بمراكش يدعو إلى دولة الموحدين ، تعريضا بالمرابطين الذين وصفهم بالمجسمين - ويعنى بالموحدين أصحابه ، ثم أصحاب عبد المؤمن بعده (٢). وقامت دعوته على أساس أن الإمامة ركنٌ من أركان الدين ، وعمدةٌ من عمد الشريعة (٣) ، وأن الإمام لا يكون إلا معصوماً من الباطل ، ومعصوماً من الضلال ، ومعصوماً من الفتن ، ومعصوماً من العمل بالجهل (٤). وعرَّف الإمامة بأنها الاتباع والاقتداء ، والسمع والطاعة والتسليم ، وامتثال الأمر ، واجتناب النهى ، والأخذ بسنة الإمام فى القليل والكثير (٥). فهى دعوة واضحة الملامح فى أصولها وأسلوبها ، دعوة شيعية لا خفاء فى هذا ، الغرض منها ضرب الجهاد الإسلامى فى المغرب العربى حين عزّ عليها الإجهاز عليه فى دار الخلافة بالمشرق ببزوغ دولة صلاح الدين الفتية فيه ، وتحطيمه لآمالها به . فكان أن تعاون الخبث الشيعى مع الكيد الكنسى ضد دولة أذاق الله بجهادها الصليبيين فى الغرب والأندلس عذاب الهوان والخوف ، وكان إمامها على ما يحرزه من نصر وتمكين لا يزداد على هذا إلا طاعة للخليفة فى دار الإسلام ببغداد . يقول ابن الأثير - وهو من أقدم مصادرنا فى ذلك -: ((إن يوسف بعد أن تم له افتتاح ممالك الطوائف والاستيلاء على الأندلس وعاد إلى حضرة ملكه مراكش ، جمع الفقهاء ، وأحسن إليهم ، فذكروا له أنه ينبغى أن تكون ولايته صادرة من الخليفة لتجب طاعته على الكافة ، وأنه يجب أن يأتيه منه تقليد بحكمه للبلاد ، فأرسل يوسف على أثر ذلك إلى الخليفة المقتدى بأمر الله ، فوافقته الخلع والأعلام ، والتقليد ، ولقب بأمير المسلمين وناصر الدين (٦) . وذلك على رغم وفرة قوته وامتداد دولته ، فقد امتدت مساحتها حتى شملت من تونس شرقاً إلى المحيط الأطلنطى غرباً ، ومن ضفاف نهرى الأميزو والتاجة فى شبه الجزيرة الإسبانية شمالاً إلى قلب الصحراء الإفريقية الكبرى ونهر النيجر جنوباً (٧). وفى قوته يقول الذهبى: ((تملك مدائن كباراً (٨) بالأندلس ، وبالغدوة ، ولو سار (١) يسميها الإسبان: كرانادا، وتعنى: الرمان ، سميت بذلك لكثرة أشجار الرمان المنتشرة فى ضواحيها وبساتينها ووصفها لسان الدين بن الخطيب بقوله: بلد تحف به الرياض كأنه وجه جميل والرياض عذاره ومن الجسور المحكمات سواره وكأنما واديه معصم غادةٍ رحلة إلى الأندلس : ٥٦ . (٢) العبر: ٢٩٩/٦، الكامل ٥٧٦/١٠، تاريخ الأندلس فى عهد المرابطين والموحدين : ١٩٤. (٣ - ٥) المهدى بن تومرت: ٢٣٤ - ٢٤٩، عن كتاب الإمامة، له: ٢٤٥ .... ٢٥٥. (٦) الكامل ٤١٧/١٠، وفيات الأعيان ١١٢/٧، سير ٢٥٢/١٩ . (٧) عصر المرابطين والموحدين : ٤٩ . (٨) سير ١٩/ ٢٥٤ . ١٦ مقدمة المحقق لتملك مصر والشام . وقد تم له ذلك بعد واقعة الزلاقة عام ( ٤٧٩ هـ / ١٠٨٦ م ) ، تلك الواقعة التى أدال الله فيها للمسلمين بالأندلس ، وصارت بها الأندلس ولاية غربية تخضع لحكومة مراكش بعد أن كانت دويلات متخاذلة متنابذة يسودها الانحلال ، ويقضم أسسها الترف والخور)) (١). ويقول محمد عنان : (( كان المرابطون يضطرمون بروح جهاد قوية خالصة ، وقد استطاعوا فى ظل هذا الروح الدافع أن يصدوا عن الأندلس عدوان إسبانيا النصرانية ، وأن يحرزوا بعد الزلاقة النصر فى عدة مواقع مماثلة حاسمة فى صدع قوى إسبانيا النصرانية (٢) ، وقد أحرز المرابطون خلاله ضد النصارى عدة من الانتصارات الباهرة، ولا سيما فى إقليس سنة ( ٥٠١ هـ / ١١٠٨ م) وفى إفراغة ( ٥٢٨ - ١١٣٤ )، وقد استطاع المرابطون على وجه العموم - حتى أواخر عهدهم - أن يحافظوا على رقعة الوطن الأندلسى ، ولم يصدع من كفاحهم ضد النصارى سوى قيام الثورة عليهم فى مختلف القواعد عند ظهور الموحدين وعبورهم إلى الأندلس (٣) . بدأت ثورات الموحدين حين جاز على بن يوسف بن تاشفين الجواز الثانى والثالث بنفسه إلى إسبانيا سنة ( ٥١٥ هـ / ١١٢١ م ) ، وغزا أرض طليطلة والبرتغال ، وأثخن فيها ، واستولى على قلعة قلمرية الهامة ، وأتى على جميع سكانها النصارى قتلاً وأسراً ، ثم عاد إلى قرطبة ، ومنها إلى إفريقية بعد أن عهد إلى أخيه تميم بالنظر فى شؤون الأندلس ، ثم ثارت فى قرطبة ثورة شديدة ، اضطرته أن يعبر من إفريقية بجيش ضخم ، فاضطرمت ثورة الموحدين بعبوره هذا اضطراما استغرق كل اهتمامه وقواه ، ولم تتح له أن يولى شؤون الأندلس كثيراً من عنايته (٤) . وكان هذا شأن المرابطين وسنتهم فى أراضى النصارى كل عام تقريبا ، ويعودون بكثير من الأسرى والغنائم العظيمة ، ففى رجب سنة ( ٥٠٣ هـ ) سار على بن يوسف فى نخبة جنده المرابطين إلى ولاية طليطلة ، واستولى على عدد كبير من القلاع والحصون الصغيرة ، وانتسف الحقول ، واسترق السكان ، وبث الروع والذعر حتى أبواب عاصمة إسبانيا النصرانية ، ثم عاد إلى قرطبة مكللا بغار الفخر ، ثم عهد إلى (١) عصر المرابطين والموحدين : ٢٥، وقد كانت المغرب قبل ذلك بنحو قرن فقط ولاية أندلسية ، تخضع لخلافة قرطبة الأموية . (٢) استولت جيوش المرابطين بعد الزلاقة فى فترة لا تتجاوز عشرين عاما فيما بين سنتى (٤٨٣ - ٥٠٢ هـ ) تباعاً على دول الطوائف . عصر المرابطين والموحدين : ٢٥ . (٣) عصر المرابطين : ٢٧ . (٤) الأندلس فى عهد المرابطين والموحدين : ١٤٦ . ١٧ مقدمة المحقق قائده مزدلى بتكرار هذه الغزوات لسفره إلى مراكش ، وفى نفس الوقت الذى كان على يهدد فيه طليطلة سار جيش آخر من المرابطين بقيادة الأمير سيرين أبى بكر إلى البرتغال لمقاتلة أميرها الكونت هنرى ، وافتتح شنترة وبطليموس وبايرة ، وشنترين ، وأشبونة ، وهدد قلمرية عاصمة الولاية ، وسار جيش ثالث بقيادة والى مرسية ، فاخترق سرقسطة وحاصر برشلونة مدى عشرين يوما، ثم غادرها سنة (٥٠٤ هـ / ١١١١ م) وفى سنة (٥٠٦ / ١١١٣ م ) سار مزدلى إلى طليطلة وحاصرها ثمانية أيام، واستولى على قورية (١). وفى عام ( ٥٠٩ هـ / ١١١٤ م) غزا مزدلى قشتالة مرة أخرى ، واستشهد فيها ، وخلفه فى الولاية والقيادة ولده محمد ، وفى هذا الوقت - أوائل سنة ( ١١١٥ م) - فقد المرابطون الجزائر الشرقية ( البليار ) ثم استردوها ، وكان القطلونيون قد استولوا على جزيرة ميورقة ، وقتلوا أهلها المسلمين ، فسير المرابطون أسطولا إلى ميورقة ، واستردوها وانتقموا للمسلمين ، ثم سيروا بعض سفنهم إلى شواطئ اشتوريش وجليفية بشمالى غربى أسبانيا (٢). وكان من أثر انتساف الحقول على إسبانيا الوسطى ونقص المحصول المرتب على سوء الأحوال الجوية ، أن عصف بشبه الجزيرة الإسبانية سنة ( ٥١١هـ / ١١١٧ م ) قحط شديد ، ذهب فى سبيله من الأرواح مالم يذهب من قبل بالحرب والسيف (٣). فى أثناء ذلك سار على بن يوسف فى المحرم سنة (٥١١هـ ) فغزا قَلمريَّةً بالبرتغال، وأثخن فى تلك الأنحاء تخريبا وقتلاً وسبياً ، ولم تستطع قوات الملكة بيتريسا ملكة البرتغال أن تقوم بأية أعمال دفاعية ذات شأن ، وفرّ أمامه النصارى فى كل مكان، واعتصموا بالمعاقل المنيعة ، وإنه على العموم - كما يقول يوسف أشياخ ـ دوّخ بلاد الشرك بجيوش لا تحصى (٤). بيد أنه فى رمضان سنة ( ٥١٢ هـ / ديسمبر ١١١٨ م ) سقطت سرقسطة - ثانى معقل للمسلمين فى إسبانيا ، بعد أن لبثت فى قبضتهم أربعمائة عام ، واتخذ ملك أراجون منها عاصمة لملكه ، وحول مسجدها الجامع إلى كنيسة ، وجعل منها مركز الأسقفيَّة ، وكافأ الفرسان الفرنسيين الذين عاونوه بإقطاعهم أحياء منها ، لا سيما الكونت جاستون (٥) . (١ - ٣) تاريخ الأندلس فى عهد المرابطين والموحدين: ١٤١، ١٤٢. (٤) عصر المرابطين: ٨١، الحلل الموشية : ٦٣ . (٥) الأندلس فى عهد المرابطين والموحدين : ١١٥ . ١٨ مقدمة المحقق وبسقوط سرقسطة بدأت مرحلة جديدة من المؤامرة الخبيثة ، مرحلة تعاون أبناء هود - ملوك سرقسطة - مع الموحدين من جهة ، ومع النصارى من جهة أخرى . فقد عوض الفونسو ريموندس سيف الدولة أحمد بن عبد الملك بن هود أميرها عن أملاكه بها بأراض فى ولاية طليطلة ، ثم سيره إلى قرطبة على رأس قوة من جند النصارى الذين أمدهم بها ملك قشتالة ، ونودى به ملكا على قرطبة ، ولم يلبث حكمه بها أكثر من ثمانية أيام ، فقد قام عليه أهل قرطبة لما انكشف لهم أثر عمالته ، واضطروه إلى حصن بعض أوليائه فرنجو لسن (١). وظل هذا حال أبناء هود حتى عاون ابن حمدين الموحدين فى الاستيلاء على إشبيلية سنة ( ٥٤١ هـ / أوائل سنة ١١٤٧ م ) إذ كان حزبه هو الغالب فيها . فى هذه الأثناء سقطت مراكش ، وانتهت دولة المرابطين فى إفريقية ، استولى عليها عبد المؤمن ، بعد حصار طويل أكلت فيها الأطعمة الفاسدة والرديئة ، والجثث البشرية ، وأكل السجناء فى السجن بعضهم بعضاً ، وانتشرت الأمراض حتى فنى من أبنائها فى وقت قصير زهاء مائتى ألف نفس ، وكان أزهق مثلها من سكان تلمسان(٢). وكان ابن تومرت قد لقى عبد المؤمن حين نزل ملالة بعد أن طرد من مراكش عام (٥١٤ هـ) فاستبشر به لما رأى فيه من نجابة ناسبته ، وصحبه على هذه الغواية ، وجعله صاحب الأمر من بعده ، وإليه يرجع وزر التمكين الدولة الموحدين . .-- وما كان لمراكش أن تنالها أيدى الموحدين ويدخلوها قاهرين ، لولا خيانة فرسان النصارى الأندلسيين ، الذين كانوا فى جيش إبراهيم بن تاشفين ، حيث كانوا من خاصته ، فهم الذين عمدوا إلى جنود الموحدين ففتحوا لهم أبواب مراكش . وبسقوط مراكش تعطل الجهاد وبدأ المد الإسلامى فى الغرب فى الانحسار . على ضوء هذه الوقائع ينبغى أن ننظر إلى ما صدر عن ابن تومرت من فعال ، وما تمتع به من خلال ، فبغير هذا يضطرب الباحث ، وقد يخرج بنتائج غير مستقيمة مع الوقائع (٣) . (١) تاريخ الأندلس فى عهد المرابطين والموحدين : ٢١١ - ٢٢٢ . (٢) السابق: ٢٠٣، وفيه: أن القتل استمر فى مراكش ثلاثة أيام، بعدها هلك فيها من سكانها ستون ألفا. (٣) وذلك كقول ابن خلدون: ولم تحفظ عنه فلتة فى البدعة إلا ما كان وفاقه الإمامية من الشيعة فى القول بالإمام المعصوم - العبر ٢٢٩/٦ . وأى داء أدوى فى العقيدة من هذا الداء ، وما كان مؤخرا من إجازة رسالة علمية فى المهدى بن تومرت من جامعة الأزهر ، تلمس فيها الطالب عبد المجيد النجار كل سبل لتبرئة هذا العميل ورفعه لمقام الأئمة المصلحين . رسالة دكتوراه من كلية أصول الدين برقم (١٤٢٦). ١٩ مقدمة المحقق لقد كان لابن تومرت بعض الجهود وبعض الخلال التى تبدو حميدة بغير ربطها بالوقائع السابقة . لقد كان فى ابن تومرت طرف من الزهد والعبادة ، وكان يلبس العباءة المرقعة (١)، وأخذ من العلم بحظ ، بل إنه تجشم الرحلة له إلى بغداد ومصر وتونس وبجاية ، حتى إنه كان ممن أخذ عن الإمام أبى حامد الغزالى (٢) ، ووضع كتابا فى الحديث اختصر فيه موطأ مالك أسماه ((محاذى الموطأ)) (٣)، كذلك أملى كتاب الصحيح لمسلم على أصحابه وأسماه أتباعه: ((الإعلام بفوائد مسلم للمهدى الإمام)) (٤). كل هذا لا تفسير له يناسب الوقائع السابقة غير أنه كان السبيل الذى لا سبيل غيره آنئذ لبلوغ غايته ، التى للأسف بلغها وأقر بها أعين النصارى وكل عدو للمسلمين. يقول ابن القطان: ((ثم أمروا ـــ يعنى الموحدين - الصبيان الذين يربون تربية موحدية فى عهد عبد المؤمن بن على بكتب التوحيد وحفظه ، وكتب موطأ الإمام وحفظه ، ومسلم وحفظه ))(٥) . فى هذه الظروف كان القاضى عياض أحد أعمدة المواجهة ، التى اعتمد عليها أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ودولة المرابطين فى منازلة الصليبيين ، ومدافعة أذنابهم من أتباع وجنود دولة الموحدين المزعومة ، فقربه يوسف إليه ، وكان لا يحظى لديه إلا من برع فى علم الفروع (٦) . ولم يكن جو الجهاد هذا بالغريب على القاضى ، فإن أجداده الأعلين قد أسرهم الصليبيون وحملوهم إلى قرطبة - كما سيأتى قريبا - مما حمل جده عمرون للرحيل إلى سبتة ليكون قريبا من أخويه الأسيرين هناك . وكان إلى القاضى عياض فضل الدفاع عن سبتة - بعد الله تعالى - حيث كان رئيسها بسبب دينه ، وأبوته ومنصبه(٧) . (١، ٢) الفتاوى لابن تيمية ٤٧٧/١١، شجرة النور الزكية: ١٤٠ ترجمة ٤١٠ (٣) توجد له أربع نسخ هى : أ - نسخة قديمة بالجزائر، وقع نشرها من قبل المستشرق جولد زيهر بالجزائر سنة (١٩٠٥)، وتحمل عنوان: (( موطأ الإمام المهدى)). ب - نسخة بخزانة القرويين رقم ١٨١/٤٠ تحمل عنوان: ((محاذى الموطأ)). جـ - نسخة الخزانة العامة بالرباط برقم (١٢٢٢)، تحمل عنوان: ((موطأ الإمام المهدى)). د - نسخة أخرى تحت رقم (٨٤٠) تحمل عنوان: ((موطأ المهدى بن تومرت)). (٤) المعروف منه نسخة فريدة بمكتبة ابن يوسف بمراكش برقم (٤٠٣)، وتشمل على ٤٠٥ صحيفة، وتاريخ نسخها (٥٦٩هـ) . (٥) التكملة لكتاب الصلة ١/ ٩٥ . (٦) المعجم المراكشى : ٩٥ ، عن عصر المرابطين: ٧٨ . (٧) العبر ٦/ ٢٣٠ . ٢٠ مقدمة المحقق عراقة نسبه : القاضى عياض يضرب بنسبه إلى جذور فى أصالة النسب والعلم عريقة . فهو أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن موسى بن عياض [ بن محمد بن عبد الله بن موسى بن عياض ] (١) اليحصبى ، بفتح الياء المنقوطة باثنتين من تحتها وسكون الحاء المهملة وكسر الصاد المهملةَ ، وقيل : بضمها وكسر الباء المنقوطة بواحدة. نسبة إلى يحصب. مولده سنة ست وسبعين وأربعمائة. ويحصب قبيلة من حمير ، أكثرهم نزلوا بالشام ، ثم تفرقوا ما بين حمص (٢) ومصر وفاس أولا، ثم إلى الأندلس بعد فتحها . ومن الأندلس تحول عمرون جد القاضى إلى سبتة (٣) ، بعد أن أسر العبيديون أخويه القاسم بن موسى بن عياض وعيسى ، وحملوهما رهينة إلى قرطبة ، فخرج عمرون إلى سبتة ليكون قريبا من قرطبة حيث أخويه. وكان عمرون رجلاً فاضلاً صالحاً ، من أهل القرآن ، وقد حج إحدى عشرة حجة على تنائی داره. وقد أعجب عمرون بمدينة سبتة ، فاشترى بها داراً وسكنها ، ثم بنى بها مسجدا ، وأوقف عليه أوقافاً بها ، وكذلك بنى بها مدافن للمسلمين . وظل عمرون منقطعا فى المسجد الذى بناه إلى أن قضى به نحبه سنة سبع وتسعين وثلاثمائة. وكان قد أنجب قبل وفاته بيسير ابنه عياض ، الجد الأول للقاضى الذى أنجب موسى والد القاضى (٤) . وخال القاضى هو أبو بكر محمد بن على المعافرى ، ويعرف بابن الجوزى ، رحل الإفريقية - تونس - وأخذ عن عبد العزيز الديباجى وروى عنه ، وهو ممن ألف فى التفسير والتوحيد(٥). (١) سقط من السير ٢١٣/٢٠، والمثبت من التعريف بالقاضى عياض: ٥،٤ . (٢) الأنساب ٤٨٣/٣ . (٣) تدخل قليلا فى البحر، وتشرف على جبل طارق ، ومنها عبر طارق بن زياد ثم يوسف بن تاشفين إلى الأندلس ، ضبطها الحازمى بكسر أولها ، مرساها أجود مرسى على البحر ، وهى مدينة حصينة ؛ لأنها ضاربة فى البحر كدخول كف على زند ، وهى الآن تحت الاستعمار الإسبانى . راجع : معجم ما استعجم : ١٨٢ . (٤) وقد تحولت كل هذه الآثار إلى كنائس ، فحسبنا الله ونعم الوكيل. (٥) مولده سنة ٤٢٨، وتوفى سنة ٤٨٣ هـ شجرة النور الزكية ١٢١ .