النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ١٩ إنه نمى ذِكرَ الحديث، فقالت عائشةُ: أيُّ حديثٍ؟ فأخبرتها. قالت: فسمِعَهُ أبو بكرٍ ورسولُ اللَّهِ وَ﴿؟ قالت: نعم، فخرَّت مغشيًّا عليها، فما أفاقَت إلا وعليها حُمّى بنافِض. فجاءَ النبيُّ ◌َّل فقال: ما لهذه؟ قلتُ: حُمّى أخذَتْها من أجلِ حديثٍ تُحدِّثَ به. فقَعَدَت فقالت: واللَّهِ لَئن حلفتُ لا تُصدْقونني، ولئنِ اعتذَرتُ لا تعذِرونني، فَمَثَلي ومَثَلُكم كمَثَل يَعقوبَ وبَنيه، ﴿واللَّهُ المستعانُ على ما تَصِفون﴾. فانصرَفَ النبيُّ نَّهِ، فَأَنزَلَ اللَّهُ ما أنزل، فأخبَرَها فقالَت: بحمدِ اللَّهِ لا بحمدِ أحد)». [الحديث ٣٣٨٨ - أطرافه في: ٤١٤٣، ٤٦٩١، ٤٧٥١]. وبه قال: (حدّثنا محمد بن سلام) البيكندي قال: (أخبرنا ابن فضيل) محمد وجده غزوان الكوفي قال: (حدّثنا حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين مصغرًا ابن عبد الرحمن (عن شقيق) أبي وائل هو ابن سلمة وفي الفرع وأصله عن سفيان (عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه (قال: سألت أم رومان) بضم الراء بنت عامر (وهي أم عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنهما، وقد قيل إن مسروقًا لم يسمع من أم رومان لتقدم وفاتها فيكون حديثه منقطعًا، وقال أبو نعيم: بقيت بعد النبي وسي* دهرًا طويلاً. وحينئذٍ فالحديث متصل وهو الراجح. وقول عليّ بن زيد بن جدعان الراوي أن وفاة أم رومان سنة ست ضعيف لا يحتج به، وقول الخطيب الصواب أن يقرأ سئلت أم رومان مبنيًّا للمفعول مردود بقول مسروق في المغازي حدّثتني أم رومان (عما) ولأبي ذر عن الكشميهني لما (قيل فيها) أي في عائشة (ما قيل) من الإفك (قالت: بينما) بالميم (أنا مع عائشة جالستان إذ ولجت) أي دخلت (علينا امرأة من الأنصار) لم تسم (وهي تقول: فعل الله بفلان) مسطح بن أثاثة (وفعل. قالت) أم رومان: (فقلت) للأنصارية (لم)؟ تقولين فعل الله بفلان وفعل (قالت إنه نمى ذكر الحديث) أي حديث الإفك ونمى بتخفيف الميم في الفرع ونسبه في المطالع لأبي ذر: وقال الحربي وغيره مشدد وأكثر المحدّثين يخففونه يقال نميت الحديث أنمية إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة قلت نميته بالتشديد. (فقالت عائشة: أيّ حديث)؟ نماه قالت أم رومان (فأخبرتها) بقول أهل الإفك (قالت: فسمعه أبو بكر ورسول الله ◌َر قالت) أم رومان: (نعم). سمعاه (فخرّت) عائشة (مغشيًا عليها فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض)، أي ملتبسة بارتعاد (فجاء النبي ◌َّر فقال): (ما لهذه)؟ يعني عائشة قالت أم رومان (قلت: حمى أخذتها من أجل حديث تحدث) بضم الفوقية والحاء المهملة مبنيًّا للمفعول (به) عنها (فقعدت) عائشة (فقالت: والله لئن حلفت) لكم إني لم أفعل ما قيل (لا تصدقوني) ولأبي ذر لا تصدقونني (ولئن اعتذرت لا تعذروني) ولأبي ذر لا تعذرونني (فمثلي ومثلكم) أي صفتي وصفتكم (كمثل يعقوب وبنيه) حيث صبر صبرًا جميلاً وقال: (والله المستعان على ما تصفون) أي على احتمال ما تصفونه، (فانصرف النبي ◌َّ فأنزل الله) عز وجل (ما أنزل) في براءتها (فأخبرها) النبي ◌َلّ بذلك (فقالت: بحمد الله لا بحمد أحد) قال بعض أصحاب عبد الله بن المبارك له: أنا أستعظم هذا القول. فقال: ولت الحمد أهله ذكره في إرشاد الساري/ ج ٧ / م ٢١ ٣٢٢ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ١٩ المصابيح، ولعلها تمسكت بظاهر قوله عليه الصلاة والسلام لها ((احمدي الله)) كما في الرواية الأخرى ففهمت منه أنه أمرها بإفراد الله بالحمد. ٣٣٨٩ - حقّثنا يحيى بنُ بُكيرِ حدَّثنا الليثُ عن عُقَيلِ عنِ ابنِ شهابٍ قال: ((أخبرَني عُروة أنه سألَ عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها زوجَ النبيِّ وَّهِ: أرأيت قولَ اللَّهِ: ﴿حتّى إذا استيأْسَ الرَّسُل وظنُّوا أنهم قد كُذْبوا﴾ أو كُذبوا؟ قالت: بل كَذِّبهم قومهم، فقلتُ: واللَّهِ لقدِ استيقنوا أنَّ قومَهم كذَّبوهم وما هو بالظنّ. فقالت: يا عُرَية، لقدِ استيقنوا بذلك. قلتُ: فلعلها ((أو كُذِبوا)) قالت: معاذَ الله، لم تكن الرُّسُل تظنُّ ذلك بربها، وأما هذهِ الآية قالت: هم أتباعُ الرَّسُلِ الذينَ آمنوا بربهم وصدَّقوهم وطال عليهم البلاءُ واستأخَرَ عنهمُ النصرُ، حتّى إذا استيأْسَتْ ممَّن كذَّبَهم من قومِهم وظنّوا أنَّ أتباعَهم كذَّبوهم جاءهم نصرُ الله)). قال أبو عبدِ الله: ﴿استيأسوا﴾ استفعلوا من يئستُ، ﴿منه﴾ من يوسفَ ﴿ولا تَيأسوا من رَوح اللَّهِ﴾ معناه من الرجاء. [الحديث ٣٣٨٩- أطرافه في: ٤٥٢٥، ٤٦٩٥، ٤٦٩٦]. وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (أنه سأل عائشة رضي الله عنها زوج النبي (1) فقال لها (أرأيت قوله) تعالى أي أخبريني عن قوله ولأبي ذر قول الله (﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا﴾) [يوسف: ١١٠] بالتشديد (أو كذبوا) بالتخفيف (قالت): عائشة ليس الظن على بابه كما فهمت (بل كذبهم قومهم)، بالتشديد فهو بمعنى اليقين وهو سائغ كما في قوله تعالى: ﴿وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾ [التوبة: ١١٨] وقال عروة: (فقلت) لها: (والله لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم) وفي نسخة الصغاني قد كذبوهم (وما هو بالظن: فقالت) عائشة رادة عليه: (يا عرية) بضم العين وفتح الراء المهملة وتشديد المثناة التحتية تصغير عروة وأصله يا عريوة اجتمعت الياء والواو وسبق الأول بالسكون فقلبوا الواو ياء وأدغموا الأول في الثاني وليس التصغير هنا للتحقير (لقد استيقنوا بذلك. قلت: فلعلها أو كذبوا قالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك) أي إخلاف الوعد (بربها، وأما هذه الآية قالت) فالمراد من الظانين فيها (هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم) أي وصدّقوا الرسل (وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأست) أي الرسل (ممن كذبهم من قومهم وظنوا أن أتباعهم كذبوهم وجاءهم نصر الله). وظاهر هذا أن عائشة أنكرت قراءة التخفيف بناء على أن الضمير للرسل ولعلها لم تبلغها، فقد ثبتت في قراءة الكوفيين ووجهت بأن الضمير في وظنوا عائد على المرسل إليهم لتقدمهم في قوله تعالى: ﴿كيف عاقبة الذين من قبلهم﴾ [فاطر: ٤٤] ولأن الرسل تستدعي مرسلاً إليه أي وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم بالدعوة والوعيد، وقيل الأول للمرسل ٣٢٣ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ١٩ إليهم، والثاني للرسل أي وظنوا أن الرسل قد كذبوا وأخلفوا فيما وعد لهم من النصر وخلط الأمر عليهم. قال في الأنوار كالكشاف: وما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسل ظنوا أنهم أخلفوا ما وعدهم من النصر إن صح فقد أراد بالظن ما يهجس في القلب على طريق الوسوسة اهـ. وهذا فيه شيء فإنه لا يجوز أن يقال أراد بالظن ما يهجس في القلب على طريق الوسوسة فإن الوسوسة من الشيطان وهم معصومون منه. وهذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في التفسير. (قال أبو عبد الله): البخاري (استيأسوا) وزنه (افتعلوا من يئست) وللأصيلي استفعلوا بالسين والتاء الفوقية وهو الصواب واستفعل هنا بمعنى فعل المجرد يقال يئس واستيأس بمعنى نحو عجب واستعجب وسخر واستسخر والسين والتاء زيدتا للمبالغة (منه) أي (من يوسف) وعند ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحق فلما استيأسوا أي لما حصل لهم اليأس من يوسف اهـ. أي أيسوا منه أن يجيبهم إلى ما سألوا. وقال أبو عبيدة: استيأسوا استيقنوا أن الأخ لا يرد إليهم (لا تيأسوا من روح الله معناه الرجاء) ولأبي ذر: من الرجاء. وقال ابن عباس من رحمة الله، وعن قتادة فضل الله، وقرىء من روح الله بضم الراء. قال ابن عطية: كأن معنى هذه القراءة لا تيأسوا من حيّ معه روح الله الذي وهبه فإن من بقي روحه يرجى ومن هذا قول الشاعر: وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع وقرأ عبد الله من فضل الله وأبي: من رحمة الله تفسيرًا لا تلاوة. قال ابن عباس: إن المؤمن من الله على خير يرجوه في البلاء ويحمده في الرخاء. ٣٣٩٠ - أخبرني عَبدةُ حدَّثنا عبدُ الصمدِ عن عبد الرحمنِ عن أبيهِ عن ابن عمر رضيَ الله عنهما أن النبيَّ بِّهِ قال: ((الكريمُ ابن الكريم ابنِ الكريم ابنِ الكريم يوسفَ بنُ يعقوبَ بنِ إسحقَ بن إبراهيمَ عليهم السلام)» . وبه قال: (أخبرني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عبدة) بفتح العين وسكون الموحدة ابن عبد الله أبو سهل الصفار الخزاعي البصري قال: (حدّثنا عبد الصمد) بن عبد الوارث البصري (عن عبد الرحمن عن أبيه) عبد الله بن دينار (عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي) وفي اليونينية عن النبي (الَّ قال): (الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف) الصديق (بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم) الخليل نبي ابن نبيّ ابن نبيّ ابن نبيّ (عليهم السلام). وهذا الحديث قد مرّ في باب ﴿أم كنتم شهداء إذا حضر يعقوب الموت﴾ [البقرة: ١٣٣]. ٣٢٤ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٠ ٢٠ - باب قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وأيُّوبَ إذ نادَى ربَّهُ أَنّي مسَّنِيَ الضُّرُّ وأنتَ أرحَمُ الراحمين﴾. ﴿اركُضْ﴾: اضرِب. ﴿يَركُضون﴾: يَعْدون (باب قول الله تعالى: ﴿وأيوب﴾) أي: واذكر أيوب (﴿إذ نادى ربه أني﴾) أي بأني (﴿مسني الضرّ﴾) المرض في بدني (﴿وأنت أرحم الراحمين﴾) [الأنبياء: ٨٣] ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة وذكر ربه بغاية الرحمة، واكتفى بذلك عن غرض الطلب وكان روميًّا من ولد عيص بن إسحق استنبأه الله وكثر أهله وماله فابتلاه الله بهلاك أولاده بهدم بيت عليهم وذهاب أمواله والمرض في بدنه، فخرج من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أليات الغنم في سائر بدنه ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه يذكر بهما الله عز وجل ووقعت فيه حكة لا يملكها فكان يحك بأظفاره حتى سقطت كلها ثم حك بالمسوح الخشنة حتى قطعها ثم بالفخار والحجارة الخشنة حتى تقطع لحمه وتساقط حتى لم يبق إلا العظام والعصب وتغير وأنتن فأخرجه أهل القرية وجعلوه على كناسة ورفضه الناس كلهم إلا امرأته رحمة بنت إفراثيم بن يوسف فكانت تصلح أموره وتختلف إليه بما يصلحه وهو في كل ذلك صابر يحمد الله ويحسن الثناء عليه ولذا كان عبرة للصابرين وذكرى للعابدين ومكث في ذلك ثماني عشرة أو ثلاث عشرة سنة أو سبعًا وسبعة أشهر وسبع ساعات ويروى أن امرأته قالت له يومًا لو دعوت الله فقال كم كانت مدّة الرخاء فقالت ثمانين سنة فقال أستحيي من الله أن أدعوه وما بلغت مدّة بلائي رخائي وسقط لأبي ذر قوله إني مسني الضر الخ وقال بعد قوله: ﴿إذ نادى ربه﴾ [ص: ٤١] الآية. (﴿اركض﴾) [ص: ٤٢] أي (اضرب) برجلك الأرض فضربها فنبعت عين فاغتسل منها فرجع صحيحًا (﴿يركضون﴾) [الأنبياء: ١٢] أي (يعدون) بفتح الياء وسكون العين المهملة. ٣٣٩١ - حدّثنا عبدُ اللهِ بن محمد الجُعفيُّ حدَّثَنا عبدُ الرزّاقِ أخبرَنا مَعْمَرٌ عن هَمامٍ عن أبي هريرةَ رضي اللَّهُ عنه عن النبيِّ وَِّ قال: ((بينما أيوبُ يَغتسِلُ عُريانًا خَرَّ عليه رجُل جَرادٍ من ذَهب، فجعلَ يَحْثِّي في ثوبه فنادَى ربُّهُ: يا أيوبُ ألم أكُنْ أغنيتُكَ عمّا تَرَى؟ قال: بلى يا ربّ، وَلكنْ لا غِنِى لي عن بَرَكتِك)). وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الله بن محمد الجعفي) المسندي قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد (عن همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى ابن منبه الصنعاني (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي ◌َّ) أنه (قال): (بينما) بالميم (أيوب يغتسل) حال كونه (عريانًا خر) سقط (عليه رجل جراد) بكسر الراء وسكون الجيم أي جماعة من جراد (من ذهب فجعل) أي أيوب (يحثي) بحاء مهملة ساكنة فمثلثة مكسورة يأخذ بيديه جميعًا ويرمي (في ثوبه) من ذلك الجراد (فنادى) ولأبي ذر والأصيلي: فناداه ٣٢٥ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٨ (ربه) عز وجل (يا أيوب) يحتمل أن يكون كلمه كموسى أو بواسطة الملك (ألم أكن أغنيتك عما ترى): من الجراد (قال: بلى يا رب) أغنيتني (ولكن لا غنى لي) بكسر الغين المعجمة والقصر من غير تنوين على أن لا لنفي الجنس، ولي باللام، ولأبي ذر: لا غنى بي (عن بركتك)عن خيرك. وعند ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ فقال: ((لما عافى الله أيوب أمطر عليه جرادًا من ذهب فجعل يأخذ بيديه ويجعله في ثوبه. قال: فقيل له: يا أيوب أما تشبع؟ قال: یا رب ومن يشبع من رحمتك». وحديث الباب سبق في باب من اغتسل عريانًا من كتاب الطهارة. ء ٢١ - باب ﴿واذكُرْ في الكتاب موسى إنَّه كان مُخلَصًا وكان رسولاً نبيًّا ونادَيناهُ من جانبِ الطَّرِ الأيمَنِ وقرَّبناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥١] كلمهُ. ﴿وَوَهَبْنا له من رحمتِنا أخاهُ هارونَ نبيًّا﴾ يقال للواحدِ والاثنين والجميع: نَجِي. ويُقال: خَلَصوا نجِيًّا اعتزَلوا نجيًّا، والجميعُ أَنْجِيةٌ يتتاجَونَ. ﴿وقالَ رَجُلٌ مؤمنٌ مِن آلِ فِرِعَونَ يَكُمُ إيمانَه﴾ - إلى قوله - ﴿مَن هو مُسرِفٌ كذّاب﴾ [غافر: ٢٨] هذا (باب) بالتنوين (قول الله) تعالى سقط لفظ باب لأبي ذر وثبت له ما بعده (﴿واذكر في الكتاب﴾ القرآن (﴿موسى﴾) هو ابن عمران بن لاهب بن عازر بن لاوي بن يعقوب (﴿أنه كان مخلصًا﴾) موحدًا أخلص في عبادته من الشرك والرياء. قال الثوري: عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي أمامة قال الحواريون: يا روح الله أخبرنا عن المخلص لله. قال: الذي يعمل لله لا يحب أن يحمده الناس (﴿وكان رسولاً نبيًّا﴾) أرسله الله تعالى إلى قومه فأنبأهم عنه (﴿وناديناه من جانب الطور الأيمن﴾) صفة قيل للطور وقيل للجانب وقيل لموسى أي من ناحية موسى، والطور: جبل بين مصر ومدين (﴿وقربناه﴾) تقريب تشريف (﴿نجيًا﴾) مناجيًا حال من أحد الضميرين، وهو معنى قوله (كلمه). وعند ابن جرير عن ابن عباس وقربناه نجيًّا قال: أدني حتى سمع صريف القلم اهـ. وصريف القلم: صوت جريانه بما يكتبه من أقضية الله ووحيه وما ينسخه من اللوح المحفوظ. وقال ابن كثير: صريف القلم بكتابة التوراة. وقال السدي (وقربناه نجيًّا) قال: أدخل في السماء فكلم. (﴿ووهبنا له من رحمتنا﴾) من أجل سبق رحمتنا وتقدير تخصيصه بالمواهب الدينية والدنيوية (﴿أخاه﴾) أي مؤازرته إجابة لدعوته حيث قال: واجعل لي وزيرًا من أهلي فإنه كان أسنّ من موسى، فمن ابتدائية أو المعنى ووهبنا له بعض رحمتنا. قال في فتوح الغيب: وهو الوجه لما فيه من التنبيه على سعة رحمة الله تعالى فإن الأنبياء مع جلالتهم ورِفعَة منزلتهم منحوا بعضًا منها وأخاه ٣٢٦ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢١ مفعول أو بدل بعض من كل لأن موازرته بأخيه بعض المذكورات (﴿هارون﴾) عطف بيان له (﴿نبيًّا﴾﴾ [مريم: ٥١- ٥٢ - ٥٣] حال منه (يقال الواحد والاثنين) وسقط قوله وكان رسولاً إلى آخر قوله نبيًّا إلا قوله كلمه لأبي ذر وقال بعد قوله مخلصًا إلى قوله نبيًّا وزاد المستملي بعد هذا كلمة يعني نجيًّا يقال الواحد والاثنين (والجميع) وزار الكشميهني بعد قوله يقال الواحد والاثنين والجميع نجي، (ويقال خلصوا نجيًّا) أي (اعتزلوا نجيًّا)، سقط لفظ نجيًّا لأبي ذر (والجميع أنجية) يريد أن النجي إذا أريد به المفرد فقط يكون جمعه أنجية (يتناجون تلقف) في سورة الأعراف. قال أبو عبيدة. أي (تلقم) بفتح التاء واللام والقاف المشددة. هذا (باب) بالتنوين (﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون﴾) من أقاربه قبطي اسمه شمعان بالشين المعجمة (﴿يكتم إيمانه﴾) إلى (﴿من هو مسرف﴾) في شركه وعصيانه (﴿كذاب﴾) [غافر: ٢٨] على الله وفيه إشارة إلى الرمز والتعريض بعلوّ شأن موسى يعني أن الله تعالى هدى موسى إلى الإتيان بالمعجزات الباهرات، ومن هداه لذلك لا يكون مسرفًا كذابًا، فدل على أن موسى ليس من الكاذبين، أو المراد أن فرعون مسرف في عزمه على قتل موسى كذاب في ادّعائه الألوهية والله لا يهدي مَن هذا شأنه بل يبطله ويهدم أمره، ولغير أبي ذر بعد قوله ﴿من آل فرعون﴾ إلى قوله (مسرف كذاب). وسقط لأبي ذر لفظ باب إلى آخر قوله (كذاب) فلعل له روايتين . ٣٣٩٢ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بن يوسُف حدّثنا الليثُ قال: حدَّثني عُقَيلُ عنِ ابنِ شهابٍ سمعتُ عُروةَ قال: قالت عائشةُ رضيَ اللهُ عنها: ((فرَجَعَ النبيُّ نَّهِ إلى خديجةَ يَرجُفُ فؤادهُ، فانطلَقَتْ بهِ إلى وَرقةَ بنِ نوفل - وكان رجُلاً تَنصَّرَ، يَقرَأُ الإنجيلَ بالعربيةِ - فقال ورقة - ماذا تَرى؟ فأخبرَهُ، فقال ورقةُ: هذا الناموسُ الذي أنزَلَ اللَّهُ على موسى، وإن أدرَكَني يومك أنْصُركَ نَصرًا مُؤَزَّرًا)). الناموسُ: صاحب السرِّ الذي يُطلِعهُ بما يَستُرُه عن غيرِه. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (قال: حدّثني) بالإفراد (عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه قال: (سمعت عروة بن الزبير بن العوام (قال: قالت عائشة رضي الله عنها فرجع النبي وَّ) من غار حراء بعد ما جاءه جبريل بالوحي (إلى خديجة) أم المؤمنين حال كونه (يرجف) يضطرب (فؤاده) قلبه (فانطلقت به) عليه السلام خديجة مصاحبة له بعدما أخبرها الخبر وقوله لها: ((لقد خشيت على نفسي)) وقولها له: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا (إلى ورقة بن نوفل وكان رجلاً تنصّر) في الجاهلية بعد أن ترك عبادة الأوثان وكان (يقرأ الإنجيل) كتاب عيسى (بالعربية) فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك تعني النبي وَّرِ (فقال ورقة) للنبي وَّر: يا ابن أخي (ماذا ترى؟ ٣٢٧ كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٢ فأخبره) وَ لّ خبر ما رأى (فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله) عز وجل (على موسى وإن أدركني يومك أنصرك) بالجزم جواب الشرط (نصرًا مؤزرًا). بضم الميم وفتح الهمزة وتشديد الزاي بعدها راء قويًّا بليغًا وخص بالذكر دون عيسى مع كونه نصرانيًّا، لأن كتاب موسى مشتمل على أكثر الأحوال كالقرآن بخلاف كتاب عيسى إذ كله أمثال ومواعظ أو لغير ذلك مما سبق أول هذا المجموع. وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى. (الناموس: صاحب السر) أي سر الرجل (الذي يطلعه) على باطن أمره ويخصه (بما يستره عن غيره). أو صاحب سر الخير. وقال ابن دريد: صاحب سر الوحي وأهل الكتاب يسمون جبريل الناموس الأكبر. ٢٢ - باب قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وهل أتاكَ حديثُ موسى إذ رأى نارًا﴾ - إلى قوله - (بالوادي المقدَّس طُوَى﴾ [طه: ٩ - ١٢]. ﴿آنست﴾: أبصَرْتُ. ﴿نارًا لعَلْي آتيكم منها بِقَبسٍ﴾ [طه: ١٠] الآية. قال ابنُ عبّاسٍ ﴿المقدَّس﴾: المبارك. ﴿طوّى﴾: اسم الوادي. ﴿سِيرَتها﴾: حالَتها. ﴿والنُّهى﴾: الثُّقى. ﴿بمَلكِنا﴾: بأمرنا. ﴿هَوَى﴾: شَقِيَ. ﴿فارغًا﴾: إلا مِن ذِكرِ موسى. ﴿رِذًا﴾: كي يصدّقَني، ويقال: مُغِيثًا، أو مُعِينًا. ﴿يَبِطُش ويَبطِش﴾. ﴿يَأْتِمِرون﴾: يتشاورُون. والجذوة: قطعةٌ غليظةٌ منَ الخَشِبِ ليس فيها لَهَب. ﴿سنَشُدُّ﴾: سنُعينُكَ، كلما عزَّزتَ شيئًا فقد جعلتَ له عَضُدًا. وقال غيرُه: كلما لم يَنطِقْ بحرفٍ، أو فيه تَمْتَمة أو فيه فأفأة فهي: ﴿عُقدة﴾. ﴿أزري﴾: ظَهرِي. ﴿فَيُسحِتَكم﴾: فيُهلِكَكم. ﴿المُثْلى﴾: تأنيث الأمثل، يقول: بدِينكم، يقال: خُذِ المثلى خُذٍ الأمثل. ﴿ثمَّ اثْتوا صَفًّا﴾ يقال: هل أتيتَ الصفَّ اليومَ؟ يعني المصلَّى الذي يُصلَّى فيه. ﴿فأوجَسَ﴾: أضمرَ خوفًا، فذَهَبتِ الواوُ من ﴿خِيفة﴾ لكسرةِ الخاء. ﴿في جُذوع النخل﴾: على جُذوع. ﴿خَطْبُك): بالك. ﴿مِساس﴾: مصدرُ ماسَّه مِساسًا. ﴿لَنَنْسِفتَّهُ﴾: لَنُذْرِينَّهُ. ﴿الضَّحَاءُ﴾: الخَرُّ. ﴿قُصِّيهِ﴾: اتبِعِي أثرَهُ، وقد يكون أن نقُصَّ الكلامَ ﴿نحنُ نقُصُ عليك﴾. ﴿عن جُنُبٍ﴾: عن بُعدٍ، وعن جَنابةٍ وعنِ اجتِنابٍ واحدٌ. قال مجاهد: ﴿على قَدَرٍ﴾: مَوعِدٍ. ﴿لا تنِيا﴾: لا تضعُفا. ﴿يَبَسَا﴾: يابسًا. ﴿من زِينةِ القوم﴾: الحُلِيِّ الذي استَعاروا من آل فِرْعَونَ. ﴿فقذفتها﴾: ألقيتها. ﴿ألقى﴾: صنَع ﴿فَتَسِيَ موسى﴾: هم يقولونهُ أخطأ الرَّبُّ أن لا يَرجعَ إليهم قولاً في العجلِ. (باب قول الله عز وجل: ﴿وهل أتاك﴾) أي وقد أتاك (﴿حديث موسى إذ﴾) أي حين (﴿رأى نارًا﴾) إلى قوله: (﴿بالوادي المقدس طوى﴾) [طله: ١٢] (﴿آنست﴾) [طه: ١٠] أي (أبصرت ﴿نارًا لعلي آتيكم منها بقبس﴾﴾ [طه: ١٠] (الآية) بشعلة من النار أو بجمرة. ٣٢٨ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٢ (قال ابن عباس ﴿المقدس﴾) أي: (المبارك. (طوى﴾: اسم الوادي) ونوّنه ابن عامر والكوفيون بتأويل المكان. وعن ابن عباس أيضًا عند الطبري سمي طوى لأن موسى طواه ليلاً، وروي أنه استأذن شعيبًا عليهما السلام في الخروج إلى أمه وخرج بأهله فلما وافى وادي طوى ولد له ابن في ليلة شاتية مظلمة مثلجة وقد أضل الطريق وتفرقت ماشيته إذا رأى من جانب الطور نارًا. القصة إلى آخرها. (﴿سيرتها﴾﴾ [طه: ٢١] في قوله تعالى: ﴿سنعيدها سيرتها﴾ أي (حالتها) الأولى وهي فعلة من السير تجوّز بها للطريقة والحالة. (﴿والنهى﴾) في قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات لأولي النهى﴾ [طه: ٥٤] أي (التقى) والنهى جمع نهية. (﴿بملكنا﴾) في قوله تعالى: ﴿ما أخلفنا موعدك بملكنا﴾ [طله: ٨٧] أي (بأمرنا) وفتح نافع وعاصم ميم ملكنا وضمها حمزة والكسائي. (﴿هوى﴾) في قوله تعالى: ﴿ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى﴾ [طه: ٨١] أي (شقي) وقيل: تردى، وقيل: هلك، وقيل: وقع في الهاوية وكلها سبب الشقاء (﴿فارغًا﴾) [القصص: ١٠] في قوله عز وجل: ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا﴾ أي من كل شيء من أمر الدنيا (إلا من ذكر موسى) فلم يخل قلبها منه. (﴿ردءَا﴾) [القصص: ٣٤] في قوله تعالى: ﴿فأرسله معي ردءًا﴾ أي معينًا (كي يصدقني) فرعون بأن يلخص بلسانه الفصيح وجوه الدلائل ويجيب عن الشبهات ويجادل به الكفار، وليس المراد أن يقول هارون له صدقت. وقال السدي: التقدير كما يصدقني. (ويقال): في تفسير ردءًا (مغيئًا) بالغين المعجمة والمثلثة من الإغاثة (أو معينًا) بالعين المهملة والنون من الإعانة (﴿يبطش ويبطش﴾) بضم الطاء وكسرها لغتان في قوله تعالى: ﴿فلما أن أراد أن يبطش﴾ [القصص: ١٩] لكن الكسر هو قراءة الجمهور (﴿يأتمرون﴾) في قوله تعالى: ﴿إن الملأ يأتمرون﴾ [القصص: ٢٠] أي (يتشاورون) وإنما سمي التشاور ائتمارًا لأن كلاً من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر. (والجذوة) في قوله تعالى: ﴿أو جذوة من النار﴾ [القصص: ٢٩] هي (قطعة غليظة من الخشب ليس لها) كذا في الفرع والذي في أصله فيها (لهب). قال ابن مقبل: باتت حواطب ليلى يلتمسن لها جزل الجذاغير خوار ولا دعر الخوار: الذي يتقصف، والدعر: الذي فيه لهب، وقيل الذي في رأسه نار. قال في اللباب وهو المشهور. قال السلمي : حمى حب هذي النار حب خليلتي وحب الغواني فهو دون الحباحب دخان الجذا في رأس أشمط شاحب وبدّلت بعد المسك والبان شقوة وقد ورد ما يقتضي وجود اللهب فيه قال: وألقى على قيس من النار جذوة شديدًا عليها حميها والتهابها ٣٢٩ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٢ وقيل: الجذوة العود الغليظ سواء كان في رأسه نار أو لم يكن، وليس المراد هنا إلا ما في رأسه نار. (﴿سنشد﴾) [القصص: ٣٥] أي (سنعينك) ونقويك (كلما عززت شيئًا) بعين مهملة وزايين معجمتين الأولى مشددة والأخرى ساكنة (فقد جعلت له عضدًا) يعضده (وقال غيره): غير ابن عباس (كلما لم ينطق بحرف، أو) نطق به و(فيه تمتمة) بفوقيتين وميمين تردّد في النطق بالتاء المثناة الفوقية (أو فأفأة) بالفاءين والهمزتين تردد في النطق بالفاء (فهي ﴿عقدة﴾) أشار به إلى قوله: ﴿واحلل عقدة من لساني﴾ [طه: ٢٧] ﴿يفقهوا قولي﴾ قال في الأنوار: فإنما يحسن التبليغ من البليغ وكان في لسانه رنة من جمرة أدخلها فاه، وذلك أن فرعون حمله يومًا فأخذ لحيته ونتفها فغضب وأمر بقتله فقالت له آسية: إنه صبي لا يفرّق بين الجمر والياقوت فأحضرا بين يديه فأخذ الجمرة ووضعها في فيه، واختلف في زوال العقدة كلها فمن قال به تمسك بقوله تعالى: ﴿قد أوتيت سؤلك يا موسى﴾ ومن لم يقل احتج بقوله تعالى: ﴿هو أفصح مني لسانًا﴾ وقوله تعالى: ﴿لا يكاد يبين﴾ وأجاب عن الأول بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه مطلقًا بل عقدة تمنع الإفهام، ولذلك نكرها، وجعل (يفقهوا) جواب الأمر، ومن لساني يحتمل أن يكون صفة عقدة وأن يكون صلة احلل اهـ. (﴿أزري﴾﴾ [طه: ٣١] في قوله: ﴿أشدد به أزري﴾ أي ﴿ظهري﴾ قاله أبو عبيدة. (﴿فيسحتكم﴾﴾ [طه: ٦١] بعذاب أي (فيهلككم) ويستأصلكم به (﴿المثلى﴾) [طه: ٦٣] في قوله تعالى: ﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ (تأنيث الأمثل، يقول: بدينكم) المستقيم الذي أنتم عليه. وقال ابن عباس: بسراة قومكم وأشرافهم، وقيل أهل طريقتكم المثلى وهم بنو إسرائيل (يقال: خذ المثلى) منهما الأنثيين (خذ الأمثل) منهما إذا كان ذكرًا والمراد بالمثلى الفضلى. (﴿ثم ائتوا صفًّا)) [طه: ٦٤] قال أبو عبيدة: أي صفوفًا قال وله معنى آخر (يقال: هل أتيت الصف اليوم؟ يعني المصلى الذي يصلى فيه). بفتح اللام المشددة فيهما أي ائتوا المكان الموعود، وقال غيره أي مصطفين لأنه أهيب في صدور الرائين. قيل: كانوا سبعين ألفًا مع كلِّ منهم حبل وعصًا وأقبلوا عليه إقبالة واحدة (﴿فأوجس﴾) [طه: ٦] في نفسه خيفة أي (أضمر) فيها (خوفًا) من مفاجأته على ما هو مقتضى الجبلة البشرية أو خاف على الناس أن يفتتنوا بسحرهم فلا يتبعوه (فذهبت الواو من ﴿خيفة﴾﴾ [طه: ٦٧] (لكسرة الخاء) فصارت ياء قاله أبو عبيدة وعبارة الصرفيين أن يقال أصل خيفة خوفة فقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها (﴿في جذوع النخل﴾﴾ [طه: ٧١] أي (على جذوع). النخل قال الرضي في هنا وفي قول الشاعر: بطل كأن ثيابه في سرحة بمعنى على والأولى أنها بمعناها لتمكّن المصلوب في الجذع كتمكّن المظروف في الظرف وهو أوّل من صلب. ٣٣٠ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٢ (﴿خطبك﴾﴾ [طه: ٩٥] في قوله: ﴿قال فما خطبك يا سامري﴾ أي ما (بالك) وما شأنك ﴿مساس﴾ [طه: ٩٧] في قوله: ﴿فإن لك في الحياة أن لا تقول لا مساس﴾ (هو مصدر ماسه مساسًا). والمعنى أن السامري عوقب على إضلاله بني إسرائيل باتخاذه العجل والدعاء إلى عبادته في الدنيا بالنفي وبأن لا يمسّ أحدًا ولا يمسّه أحد فإن مسّه أحد أصابتهما الحمى معًا لوقتهما. (﴿لننسفنه﴾﴾ [طه: ٩٧] أي (لنذرينه) رمادًا بعد التحريق بالنار. (﴿الضحاء﴾) بفتح الضاد المعجمة والمد في قوله تعالى: ﴿وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾ [طه: ١١٩] هو (الحر) وهذا في قصة آدم ذكره المؤلف استطرادًا . (﴿قصيه﴾) في قوله تعالى: ﴿وقالت لأخته قصيه﴾ [القصص: ١١] أي (اتبعي أثره)، حتى تعلمي خبره (وقد يكون أن يقص الكلام) أي أو أن معنى القص من قص الكلام كما في قوله تعالى: (﴿نحن نقص عليك﴾) [يوسف: ٣] والقاص هو الذي يتبع الآثار ويأتي بالخبر على وجهه (﴿عن جنب﴾) [القصص: ١١] أي (عن بعد) وهو صفة لمحذوف أي مكان بعيد (وعن جنابة وعن اجتناب واحد) في المعنى وقال أبو عمرو بن العلاء أي عن شوق وهي لغة جذام يقولون جنبت إليه أي اشتقت. (قال مجاهد) فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: ((على قدر﴾) [طه: ٤٠] معناه (موعد) أكلمك في وأستنبئك غير مستقدم وقته المعين ولا مستأخر. (﴿لا تنيا﴾) [طه: ٤٢] أي (لا تضعفا) وهذا وصله الفريابي عن مجاهد أيضًا وعن ابن عباس لا تبطئا وفي اليونينية وفرعها لا تنيا وأسقط لا تضعفا وكتب بعد لا تنيا صح وزاد في بعض النسخ بعد قوله لا تضعفا مكانًا سوى منصف بينهم بفتح الميم وسكون النون وفتح الصاد وكسرها وفي أخرى منصف بتشديد الصاد مفتوحة. (﴿يبسًا﴾﴾ [طه: ٧٧] في قوله تعالى. ﴿فاضرب لهم طريقًا في البحر يبسّا﴾ أي (يابسًا) مصدر وصف به (﴿من زينة القوم﴾﴾ [طه: ٨٧] أي (الحلي الذي استعاروا من آل فرعون) حين هموا بالخروج من مصر باسم العرس، وقيل استعاروا لعيد كان لهم ثم لم يردوا عند الخروج مخافة أن يعلموا به. (﴿فقذفتها﴾) أي فقذفت بها أي (ألقيتها) أي في النار وفي اليونينية فقذفتها ألقيتها فأسقط فقذفت بها وهي ثابتة في فرعه. (﴿ألقى﴾) في قوله ﴿ألقى السامري﴾ أي (صنع) وصله الفريابي أيضًا (﴿فنسي﴾) [طه: ٨٨] أي (﴿موسى﴾) [طه: ٨٨] (هم) أي السامري وأتباعه (يقولونه) أي (أخطأ) موسى (الرب) الذي هو العجل أن يطلبه هنا وذهب يطلبه عند الطور (أن لا يرجع إليهم قولاً) أي (في العجل) أي أنه لا يرجع إليهم كلامًا ولا يرد عليهم جوابًا . وهذا التفسير من قوله: ﴿لعلي آتيكم منها بقبس﴾ [طه: ١٠] إلى هنا. ثابت في رواية ٣٣١ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٣ المستملي والكشميهني، ومن قوله فذهبت الواو من خيفة إلى آخره مكتوب ثابت في حاشية الفرع وأصله والأول في أصله ولم يذكره جميع رواة البخاري هنا. نعم ذكروا بعضه في تفسير سورة طه، وقول الكرماني في أثناء هذا التفسير، وذكر هذا في هذا الكتاب العظيم الشأن اشتغال بما لا يعنيه فيه ما فيه فقد نبه في الفتح على أن المصنف لمح بهذه التفاسير بما جرى لموسى عليه السلام في خروجه إلى مدين، ثم في رجوعه لمصر، ثم في أخباره مع فرعون، ثم في غرق فرعون، ثم في ذهابه الطور، ثم في عبادة بني إسرائيل العجل قال: وكأنه لم يثبت عنده في ذلك من المرفوعات ما هو على شرطه اهـ. فالله تعالى يرحم البخاري ما أدق نظره. ٣٣٩٣ - حدثنا هُذْبَةُ بن خالدٍ حدثنا هَمامٌ حدَّثَنا قتادةُ عن أنس بن مالكِ عن مالكِ بن صَعْصعةً ((أن رسولَ اللّهِ وَله حدَّثهم عن ليلةِ أُسرِيَ بهِ، حتّى أتى السماءَ الخامسةَ فإِذا هارونُ، قال: هذا هارونُ فسَلُمْ عليه، فسلَّمتُ عليهِ، فَرَدَّ ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبيِّ الصالح)). تابَعَهُ ثابتٌ وعبّادُ بن أبي عليٍّ عن أنس عنِ النبيِّ وَّرَ. وبه قال: (حدثنا هدبة بن خالد) بضم الهاء وسكون الدال المهملة وفتح الموحدة القيسي من بني قيس بن ثوبان الأزدي البصري قال: (حدثنا همام) هو ابن يحيى بن دينار العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر الذال المعجمة البصري قال: (حدثنا قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن رسول الله) وفي نسخة مصحح عليها أن نبي الله (َّر حدثهم عن ليلة) بكسر التاء، وفي فرع اليونينية وأصلها ليلة بالنصب والجر مصحح علوها وسفلها (أسري به) فذكر الحديث الآتي بتمامه إن شاء الله تعالى في باب المعراج من السيرة النبوية إلى أن قال: ٢٣ - باب ﴿وقال رجُلٌ مؤمنٌ من آلٍ فِرِعَونَ يَكتُمُ إِيمانه﴾ - إلى قوله - ﴿مُسرِفٌ كذّاب﴾ (حتى أتى السماء الخامسة فإذا هارون، قال): جبريل (هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه، فرد) عليّ السلام (ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح تابعه) أي تابع قتادة (ثابت) البناني (وعباد بن أبي علي) بفتح العين وتشديد الموحدة البصري في روايتهما (عن أنس عن النبي بَّ). في ذكر هارون في السماء الخامسة لا في سائر الحديث بل ولا في الإسناد، فإن رواية ثابت موصولة في مسلم من طريق حماد بن سلمة عنه ليس فيها ذكر مالك بن صعصعة، وكذلك عباد لم يذكر لأنس فيه شيخًا، ووقع هنا في نسخة باب بالتنوين (﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه﴾)؟ إلى قوله (﴿مسرف كذاب﴾﴾ [غافر: ٢٨] وهو ثابت في حاشية فرع اليونينية وحاشية أصلها من غير حديث. قال في الفتح: ولعله أخلى بياضًا في الأصل فوصل كنظائره. وقد سبق ذكر هذه الآية قريبًا. ٣٣٢ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٤ ٢٤ - باب قولِ اللّهِ تعالى: ﴿وهل أتاكَ حديثُ موسى وكلَّمَ اللَّهُ موسى تكلیمًا﴾ (باب قول الله تعالى ﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾﴾ [النساء: ١٦٤] مصدر مؤكد رافع للمجاز. قال الفراء: العرب تسمي ما يوصل إلى الإنسان كلامًا بأي طريق وصل، ولكن لا تحققه بالمصدر فإذا حقق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام، وقال القرطبي: مصدر معناه التأكيد وهو يدل على بطلان قول من قال خلق الله لنبيه كلامًا في شجرة فسمعه موسى بل هو الكلام الحقيقي الذي يكون به المتكلم متكلمًا. وقال النحاس: أجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازًا وزاد في نسخة وهو الذي في اليونينية لا في فرعها قبل وكلم الله (﴿وهل أتاك حديث موسى﴾) [النازعات: ١٥] أي وقد أتاك كما مرّ قريبًا. ٣٣٩٤ - حدثنا إبراهيمُ بن موسى أخبرَنا هشامُ بن يوسفَ أخبرَنا مَغْمرٌ عنِ الزُّهريّ عن سعيدِ بنِ المسيَّب عن أبي هريرةَ رضيَ اللّهُ عَنْهُ قال: ((قال رسولُ اللّهِ وَلَّ: ليلةً أُسرِيَ بي رأيتُ موسى وإِذا رجُلٌ ضَربٌ رَجلٌ كأنهُ من رجالٍ شَنوءَة، ورأيتُ عيسى فإذا هو رجلٌ رَبعة أحمرُ كأنما خرجَ من ديماس، وأنا أشبَهُ ولدِ إبراهيم ◌َِّ به. ثمَّ أَتِيتُ بإناءَينِ في أحدِهما لبنْ وفي الآخَرِ خمرٌ فقال: اشرَبْ أيَّهما شئت، فأخذتُ اللبنَ فشرِبتُه، فقيل: أخذتَ الفطرة، أما إِنكَ لو أخذتَ الخمرَ غَوَتْ أُمتُك)). [الحديث ٣٣٩٤ - أطرافه في: ٣٤٣٧، ٤٧٠٩، ٥٥٧٦، ٥٦٠٣]. وبه قال: (حدثنا إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) الصنعاني قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سعيد بن المسيب) بن حزن القرشي المخزومي أحد الأعلام الأثبات (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال: قال رسول الله) ولأبي ذر قال النبي (رَله): (ليلة أسري بي) ولغير أبي ذر به بدل بي (رأيت موسى وإذا رجل) ولأبي ذر: وإذا هو رجل (ضرب) بضاد معجمة مفتوحة فراء ساكنة فموحدة نحيف خفيف اللحم (رجل) بفتح الراء وكسر الجيم دهين الشعر مسترسله أو غير جعد (كأنه) في الطول (من رجال شنوءة) بفتح الشين المعجمة وضم النون وبعد الواو الساكنة همزة مفتوحة ثم هاء تأنيث حي من اليمن ينسبون إلى شنوءة وهو عبد الله بن كعب بن عبد اللَّه بن مالك بن نصر بن الأزد لقب بشنوءة لشنآن كان بينه وبين أهله، (ورأيت عيسى) ابن مريم عليه السلام (فإذا هو رجل ربعة) بفتح الراء وسكون الموحدة وقد تفتح أي المربوع ومراده أنه ليس بطويل جدًا ولا قصير جدًا بل وسط (أحمر كأنما) وفي نسخة بالفرع كأصله كأنه (خرج من ديماس) بكسر الدال المهملة وسكون التحتية وبعد الميم ألف فسين مهملة، وزاد في باب واذكر في الكتاب مريم من رواية عبد الرزاق عن معمر يعني الحمام. وقال في القاموس: الديماس الكن والسرب والحمام وزاد غيره الحمام بلغة الحبشة. وقيل: ولم يكن ٣٣٣ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٤ لهم يومئذٍ ديماس والحمام من جملة الكن والمراد وصفه بصفاء اللون ونضارة الجسم وكثرة ماء الوجه حتى كأنه كان في موضع كن حتى خرج منه وهو عرقان (وأنا أشبه ولد إبراهيم) الخليل زاد أبو ذر عن الكشميهني ◌َّر (به ثم أتيت) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر) قبل تحريم الخمر لأن الإسراء كان بمكة وتحريم الخمر كان بالمدينة (فقال) جبريل: (اشرب أيهما) الخمر أو اللبن (شئت فأخذت اللبن فشربته فقيل): وفي رواية: فقال جبريل (أخذت الفطرة) أي الإسلام والاستقامة (أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك) لأنها أم الخبائث وجالبة لأنواع الشرور بالشين المعجمة في الحال والمآل. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الإيمان والترمذي في التفسير. ٣٣٩٥ - حدثني محمدُ بن بَشّارٍ حدَّثَنَا غُندَرٌ حدَّثَنا شعبةُ عن قتادةً قال: سمِعت أبا العاليةِ حدَّثَنا ابن عم نبيّكم - يعني ابنَ عبّاسٍ - عنِ النبيِّ نَّرَ قال: ((لا ينبغي لعبدٍ أن يقول: أنا خير من يونسَ بن متّى. ونسبَهُ إلى أبيهِ)). [الحديث ٣٣٩٥ - أطرافه في: ٣٤١٣، ٤٦٣٠، ٧٥٣٩]. وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدثنا (محمد بن بشار) بموحدة ومعجمة مشددة العبدي البصري أبو بكر بندار وسقط لأبي ذر ابن بشار قال: (حدثنا غندر) هو محمد بن جعفر قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (قال: سمعت أبا العالية) رفيعًا الرياحي قال: (حدثنا ابن عم نبيكم يعني ابن عباس) رضي الله عنهما (عن النبي وَله) أنه (قال): (لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس) أي ليس لأحد أن يفضل نفسه أو ليس لأحد أن يفضلني على يونس (بن متى) وهذا منه على سبيل التواضع (ونسبه إلى أبيه) وهو بفتح الميم وفتح المثناة الفوقية وبالألف وكان رجلاً صالحًا من أهل بيت النبوّة. ٣٣٩٦ - وذكر النبيُّ ◌َِّ ليلةَ أُسرِيَ بهِ فقال: «مُوسى آدَمُ طُوالٌ كأنه من رِجالِ شَنوءة. وقال: عيسى جعدٌ مَربوع، وذكر مالكًا خازِنَ النارِ، وذكر الدجّال)). (وذكر النبي ◌َّو ليلة أسري به) وللكشميهني: مما ذكره في فتح الباري ليلة أسري به على الحكاية (فقال): (موسى آدم) بالمد أي أسمر (طوال) بضم الطاء وتخفيف الواو (كأنه من رجال شنوءة) في الطول (وقال) في (عيسى جعد) شعره بفتح الجيم وسكون العين وهو خلاف السبط (مربوع) لا طويل ولا قصير، (وذكر مالكًا خازن النار) وفي اليونينية وفرعها مالك بغير ألف مع المنصب والتنوين مصححًا عليه (وذكر الدجال). وهذا الحديث أخرجه في باب قول الله تعالى: ﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾ [الصافات: ١٣٩] وفي التفسير والتوحيد ومسلم في أحاديث الأنبياء وأبو داود في السنة، وهو ٣٣٤ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٥ عند الأكثرين حديث واحد وبعضهم جعله حديثين ما يتعلق بيونس حديثًا والآخر بباقيه. ٣٣٩٧ - حدّثنا عليّ بن عبدِ اللَّهِ حدَّثَنا سُفيانُ حدَّثنا أيوبُ السَّخِيانيُّ عن ابنِ سعيدِ بنِ جُبِير عن أبيهِ عنِ ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللّهُ عنهما: ((أَن النبيَّ ◌َِّ لما قدِمَ المدينةَ وَجدَهم يَصومونَ يومًا - يعني يومَ عاشوراءَ - فقالوا: هذا يومٌ عظيم، وهو يومٌ نجَى اللّهُ فيه موسى، وأغرَقَ آَلَ فرعون، فصام موسى شُكرًا لله. فقال: أنا أولى بموسى منهم، فصامَه وأمر بصيامه)). وبه قال: (حدثنا علي بن عبد اللَّه) المديني قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدثنا أيوب) بن أبي تميمة كيسان (السختياني) بالسين المهملة المفتوحة وسكون الخاء المعجمة وفتح الفوقية والتحتية وبعد الألف نون البصري (عن ابن سعيد بن جبير) عبد الله (عن أبيه) سعيد (عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي (وَلقر لما) ولأبي ذر قال لما (قدم المدينة) من مكة مهاجرًا فأقام إلى يوم عاشوراء من السنة الثانية (وجدهم) يعني اليهود (يصومون يومًا يعني عاشوراء) بالمد عاشر المحرم على المشهور فقال ◌ّجر: ((ما هذا الصوم)»؟ (فقالوا هذا يوم عظيم وهو يوم) بالتنوين (نجى الله) عز وجل (فيه موسى) وقومه من عدوّهم (وأغرق آل فرعون) في اليم وفي رواية وأغرق فيه فرعون وقومه (فصام موسى) بإسقاط ضمير النصب (شكرًا لله) وعند المؤلف في الهجرة: ونحن نصومه تعظيمًا له (فقال) النبي ◌َّ: (أنا أولى بموسى منهم) أي من اليهود (فصامه وأمر) الناس (بصيامه). وقد سبق هذا الحديث في الصيام. ٢٥ - باب قولِ اللّهِ تعالى: ﴿وواعَدْنا موسى ثلاثينَ ليلةٌ وأتممْناها بعشرٍ فتمَّ مِيقَاتُ ربهِ أربعينَ ليلة وقال موسى لأخيهِ هارونَ اخلُفْني في قومي وأصلِحْ ولا تتبعْ سَبيلَ المفسدين ولما جاء موسى لميقاتِنا وكلمهُ ربُّه قال ربِّ أرِني أنظرْ إِليك قال لن تراني﴾ - إلى قوله - ﴿وأنا أولُ المؤمنين﴾. يقال دَكهُ: زلزلَهُ فدكتا، فدُككْنَ جعَل الجبال كالواحدةِ كما قال اللّهُ عز وجل: ﴿إن السمواتِ والأرضَ كانتا رَتقًا﴾ ولم يَقلْ كنَّ رتقًا: مُلتصِقَتينِ. ﴿أُشرِبوا﴾: ثوبٌ مشربٌ مصبوعٌ. قال ابن عبّاسٍ ﴿انْبَجَسَت﴾: انفجرَت. ﴿وَإِذْ نَتَفْنا الجبلَ﴾: رفَعنا. (باب قول الله تعالى ﴿وواعدنا﴾) بألف بعد الواو (﴿موسى ثلاثين ليلة﴾) ذا القعدة (﴿وأتممناها بعشر﴾) من ذي الحجة (﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾). روي أن موسى عليه الصلاة والسلام وعد بني إسرائيل بمصر أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتاب من الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك سأل ربه فأمره بصوم ثلاثين فلما أتم أنكر خلوف فمه فتسوّك ٣٣٥ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٥ فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأمره الله تعالى أن يزيد عليه عشرًا (﴿وقال موسى﴾) لما أراد الانطلاق إلى الجبل (﴿لأخيه هارون اخلفني في قومي﴾) كن خليفتي فيهم (﴿وأصلح﴾) أي ارفق بهم (﴿ولا تتبع سبيل المفسدين﴾) لا تطع من عصى الله ولا توافقه على أمره (﴿ولما جاء موسى لميقاتنا﴾) لوقتنا الذي وقتناه. وقال الطيبي قيل لا بد هنا من تقدير مضاف أي لآخر ميقاتنا أو لانقضاء ميقاتنا (﴿وكلمه ربه﴾) من غير واسطة (﴿قال: رب أرني أنظر إليك﴾) أرني نفسك بأن تمكنني من رؤيتك وهو دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة لأن طلب المستحيل من الأنبياء محال، لا سيما ممن اصطفاه الله تعالى برسالته وخصه بكرامته وشرفه بتكليمه فيجب حمل الآية على أن ما اعتقد موسى جوازه جائز، لكن ظن أن ما اعتقد جوازه ناجز فرجع النفي في قوله (﴿قال لن تراني﴾) إلى الإنجاز. فإن قلت: إن أرني يكفي في الطلب لأنه تعالى إذا أراه نفسه لا بد أن ينظر إليه فما فائدة إردافه بقوله أنظر إليك؟ أجيب: بأن فائدته التوكيد والكشف التام فإنه لما أردفه به أفاد طلب رفع المانع وكشف الحجاب والتمكن من الرؤية بحيث لا يختلف عنه النظر البتة ونحوه قولك نظرت بعيني وقبضت بيدي (إلى قوله ﴿وأنا أول المؤمنين)) [الأعراف: ١٤٢ - ١٤٣] قيل: معناه أنا أوّل من آمن بأنك لا ترى في الدنيا وسقط لأبي ذر من قوله: ﴿وأتممناها﴾ إلى آخر ﴿لن تراني﴾ (يقال دكه): يريد تفسير قوله تعالى ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي (زلزله) وقال غيره: جعله مدكوكًا مفتتًا (فدكتا) بفتح الكاف وفي اليونينية بكسرها ولعله سبق قلم في قوله تعالى: ﴿وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة﴾ [الحاقة: ١٤] أي (فدككن) بالجمع لأن الجبال جمع والأرض في حكم الجمع لكنه (جعل الجبال كالواحدة) فلذلك قيل فدكتا بالتثنية (كما قال الله عز وجل ﴿إن السموات والأرض كانتا رتقًا﴾) [الأنبياء: ٣٠] بالتثنية في كانتا (ولم يقل كن رتقًا) بالجمع على القياس بل جعل كل واحدة منهما كواحدة (ملتصقتين ﴿أشربوا﴾) في قوله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ [البقرة: ٩٣] (ثوب مشرب) أي مصبوغ يعني اختلط حب العجل بقلوبهم كما يختلط الصبغ بالثوب. (قال ابن عباس) مما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: ((انبجست﴾) أي (انفجرت) وفي قوله تعالى: (﴿وإذا نتقنا الجبل﴾﴾ [الأعراف: ١٧١] أي (رفعنا). الجبل فوقهم روي أن موسى عليه السلام لما رجع إلى قومه وقد أتاهم بالتوراة فأبوا أن يقبلوها ويعملوا بها، فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام أن يقلع جبلاً قدر عسكرهم وكان فرسخًا في فرسخ فرفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة الرجل وكانوا ستمائة ألف وقال: إن لم تقبلوها وإلاّ ألقيت عليكم هذا الجبل. ٣٣٩٨ - حدّثنا محمدُ بن يوسفَ حدَّثَنا سفيانُ عن عمرو بنِ يحيى عن أبيهِ عن أبي سعيد رضيَ اللّهُ عنه عن النبيِّ رَ﴿ه قال: ((الناسُ يصعَقونَ يومَ القيامةِ فأكونُ أولَ مَن يُفِيقُ، فإِذا أنا بموسى آخذٌ بقائمةٍ من قوائم العرشِ، فلا أدري أفاقَ قبلي أم جُوزِيَ بصَعقةِ الطُّور)». ٣٣٦ حسـ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٦ وبه قال: (حدثنا محمد بن يوسف) البيكندي قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو بن يحيى) بفتح العين (عن أبيه) يحيى بن عمارة المازني الأنصاري (عن أبي سعيد) الخدري (رضي الله عنه عن النبي ◌َّ) أنه (قال): (الناس يصعقون) يغشى عليهم (يوم القيامة فأكون أول من يفيق) من الغشى (فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور). التي صعقها لما سأل الرؤية فلم يكلف بصعقة أخرى. وفيه فضيلة لموسى لكن لا يلزم من إفاقته قبل نبينا وَل ؤل أن يكون أفضل منه، بل قيل إن قوله: فلا أدري أفاق قبلي يحتمل أن عليه الصلاة والسلام قاله قبل أن يعلم أنه أول من تنشق عنه الأرض. وتأتي مباحث ذلك إن شاء الله تعالى في محله بعون الله تعالى، وفي نسخة هنا باب بالتنوين. ٣٣٩٩ - حدثني عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ الجُعْفيُّ حدَّثنا عبدُ الرزّاقِ أخبرَنا مَعْمَرٌ عن هَمامٍ عن أبي هريرةَ رضي اللّهُ عنه قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: (لولا بنو إسرائيلَ لم يَخْزِ اللحم، ولولا حوّاءُ لم تخن أنثى زوجَها الدّهر)). وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدثنا (عبد الله بن محمد الجعفي) المسندي قال: (حدثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) بسكون العين المهملة وفتح الميمين ابن راشد البصري (عن همام) بفتح الهاء وتشديد الميم ابن منبه الصنعاني (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال: قال النبي ◌َِّر): (لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم) بفتح التحتية وسكون الخاء المعجمة وفتح النون بعدها زاي أي لم ينتن قيل لأنهم كانوا أمروا بترك ادخار السلوى فادخروه حتى أنتن فاستمر نتن اللحم من ذلك الوقت، وقيل لم يكن اللحم يخنز حتى منع بنو إسرائيل عن ادخاره فلما ادخروه اختنز عقوبة لهم (ولولا حواء) بالمد (لم تخن أنثى زوجها الدهر). لأنها رغبت آدم في أكل الشجرة بعد وسوسة إبليس فسری في أولادها مثل ذلك. وهذا الحديث سبق في أول أحاديث الأنبياء. ٢٦ - باب طُوفانٍ منَ السيلِ. ويقال للموتِ الكثيرِ طوفان ﴿القُمَّلُ﴾: الحُمنانُ يُشبِهُ صِغارَ الحَلم. ﴿حَقِيقِ﴾ حقٌّ. ﴿سُقِطَ﴾: كل مَن نَدِمَ فقد سُقطَ في يده. (طوفان) في قوله تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم الطوفان﴾ أي (من السيل) أي من كثرة الأمطار وفي نسخة باب طوفان من السيل و (يقال للموت الكثير) المتتابع (طوفان) وقيل الطاعون ٣٣٧ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٧ و (﴿القمل)) [الأعراف: ١٣٣] هو (الحمنان) بضم الحاء المهملة وسكون الميم ونونين بينهما ألف (يشبه صغار الحلم) بفتح الحاء المهملة واللام وهو القراد العظيم. (﴿حقيق﴾) [الأعراف: ١٠٥] قال أبو عبيدة أي (حق) وهذا على قراءة تشديد علّ. (﴿سُقِطَ﴾) في قوله تعالى: ﴿ولما سقط في أيديهم﴾ وفسره بقوله (كل من ندم فقد سقط في يده). قال في القاموس: وسقط في يده وأسقط مضمومتين زل وأخطأ وندم وتحير اهـ. فإن النادم المتحسر يعض يده غمًا فتصير يده مسقوطًا فيها لأن فاه قد وقع فيها، وقيل من عادة النادم أن يطأطىء رأسه ويضع ذقنه على يده معتمدًا عليها ويصير على هيئة لو نزعت يده لسقط على وجهه فكأن اليد مسقوط فيها، ومعنى في على فمعنى في أيديهم على أيديهم، وهذه اللفظة قد اضطربت أقوال أهل اللغة في أصلها فقال أبو مروان بن سراج اللغوي قول العرب سقط في يده مما أعياني معناه. وقال الواحدي: لم أر لأهل اللغة شيئًا في أصله وحدّه أرتضيه إلا ما ذكره الزجاج أنه بمعنى ندم وأنه نظم لم يسمع قبل القرآن ولم تعرفه العرب ولم يوجد في أشعارهم، ويدل على صحة ذلك أن شعراء الإسلام لما سمعوا هذا النظم واستعملوه في كلامهم خفي عليهم وجه الاستعمال لأن عادتهم لم تجر به قال أبو نواس: ونشوة سقطت منها في يدي وأبو نواس هو العالم النحرير فأخطأ في استعمال هذا اللفظ لأن فعلت لا يبنى إلا من فعل متعدّ وسقط لازم لا يتعدى إلا بحرف الصلة لا يقال سقطت كما لا يقال رغبت وغضبت، إنما يقال رغب فيّ وغضب علّ. وذكر أبو حاتم سقط فلان في يده بمعنى ندم وهو خطأ مثل قول أبي نواس لأنه لو كان كذلك لكان النظم ولما سقطوا في أيديهم وسقط القوم في أيديهم كذا نقله ابن عادل في اللباب. ٢٧ - باب حديثُ الخَضرِ معَ موسى عليهما السلام (حديث الخضر) ولأبي ذر باب حديث الخضر (مع موسى عليهما السلام). ٣٤٠٠ - هذثنا عمرُو بن محمدٍ حدَّثنا يعقوبُ بن إبراهيمَ قال: حدثني أبي عن صالحِ عنٍ ابنِ شهابٍ أن عُبَيدَ اللَّهِ بنَ عبدِ اللَّهِ أخبرَهُ: ((عنِ ابنِ عباسٍ أنهُ تمارَى هو والحرُّ بن قيسٍ الفَزاريُّ في صاحبٍ موسى، قال ابنُ عباسٍ: هوَ خَضِرٌ، فمرّ بهما أُبيُّ بن كعبٍ، فدَعاهُ ابنُ عباسٍ فقال: إني تمارَيتُ أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سألَ السبيلَ إِلى لقيّهِ، هل سمعتَ رسولَ اللّهِ وَ﴿ يَذكرُ شأنه؟ قال: نعم، سمعتُ رسولَ اللّهِ وَله يقول: بينما موسى في مَلٍ من بني إسرائيلَ جاءهُ رجلٌ فقال: هل تعلمُ أحدًا أعلمَ منك؟ قال: لا. فأوحى اللّهُ إلى إرشاد الساري/ ج ٧/ م ٢٢ ٣٣٨ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٧ موسى: بلى عبدُنا خَضِرٌ، فسأل موسى السبيلَ إِليهِ، فجُعِلَ لهُ الحوتُ آية، وقيل له: إذا فَقَدْتَ الحوتَ فارجِعْ فإِنكَ ستَلقاهُ، فكان يَتبعُ الحوتَ في البحر، فقال لموسى فتاهُ: أرأيتَ إِذ أوَينا إِلى الصخرةِ فإني نسيتُ الحوتَ وما أنسانيهِ إِلا الشيطانُ أن أذكُرَه. فقال موسى: ذلكَ ما كنّا نَبَغِي، فارتدًا على آثارِهما قصصًا، فوَجَدا خَضِرًا، فكان من شأنِهما الذي قصَّ اللّه في كتابه)). وبه قال: (حدثنا عمرو بن محمد) بفتح العين ابن بكير الناقد قال: (حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثني) بالإفراد (أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (أن عبيد الله بن عبد الله) بضم عين الأول ابن عتبة (أخبره عن ابن عباس رضي الله عنهما (أنه تمارى) أي تنازع وتجادل (هو والحزّ بن قيس الفزاري) بفتح الفاء (في صاحب موسى) الذي ذهب إليه وقال له هل أتبعك (قال ابن عباس: هو خضر) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين (فمرّ بهما) بالحر وابن عباس (أبي بن كعب) الأنصاري (فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت) تجادلت (أنا وصاحبي هذا) الحر بن قيس (في صاحب موسى الذي سأل السبيل) الطريق (إلى لقيه) بضم اللام وكسر القاف وتشديد التحتية (هل سمعت رسول الله وَلقر يذكر شأنه؟ قال) أبي: (نعم سمعت رسول الله(وَل﴾) ولأبي ذر يذكر شأنه (يقول): (بينما) بالميم (موسى في ملإ) بالقصر جماعة (من بني إسرائيل) أولاد يعقوب (جاءه رجل فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال: لا. فأوحى الله) عز وجل (إلى موسى) عليه السلام (بلى عبدنا خضر) أي أعلم منك بشيء مخصوص (فسأل موسى) ربه (السبيل إليه) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: إلى لقيه (فجعل) بضم الجيم مبنيًّا للمفعول (له الحوت آية) علامة على لقيه (وقيل له إذا فقدت الحوت) بفتح الفاء والقاف أي إذا غاب عن عينك (فارجع فإنك ستلقاه) فأخذ حوتًا فجعله في مكتل ثم انطلق معه بفتاه وقال له إذا فقدت الحوت فأخبرني (فكان يتبع الحوت) بسكون الفوقية ولأبي الوقت والأصيلي يتبع أثر الحوث (في البحر) أي ينتظر فقدانه فلما أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فناما فاضطرب الحوت في المكتل فسقط في البحر (فقال لموسى فتاه) يوشع بن نون (أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت) أي فإني نسيت أن أخبرك بخبر الحوت (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) نسبه للشيطان تأدبًا مع الرب تعالى لأن نسبة النقص للنفس والشيطان أليق بمقام الأدب (فقال موسى) عليه السلام: (ذلك) الذي ذكرته (ما كنا نبغي) بالتحتية بعد الغين ولغير أبي ذر نبغ نطلب إذ هو علامة على لقي الخضر (فارتدًا) رجعا (على آثارهما) يقصان (قصصًا) حتى انتهيا إلى الصخرة (فوجدا خضرًا) نائفما مسجى ثوبًا في جزيرة من جزائر البحر (فكان من شأنهما الذي قص الله) عز وجل (في كتابه) في سورة الكهف. وهذا الحديث قد سبق في باب ما ذكر في ذهاب موسى إلى الخضر من كتاب العلم. ٣٣٩ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٧ ٣٤٠١ - حدثنا عليُّ بن عبدِ اللَّهِ حدَّثَنا سفيانُ حدَّثَنا عمرُو بن دِينارٍ قال: أخبرني سعيدُ بن جُبَيرٍ قال: ((قلتُ لابنِ عبّاسٍ إِنَّ نَوفًا البكاليَّ يزعُمُ أن موسى صاحبَ الخضِرِ ليس هو موسى بني إسرائيل، إنما هو موسى آخَرُ، فقال: كذبَ عدوُ اللّهِ، حدَّثنا أبيُّ بنُ كعبٍ عن النبيِّ ◌َّ﴿ أنَّ موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل فسُئِلَ: أُّ الناسِ أعلمُ؟ فقال: أنا. فعتِبَ اللّهُ عليهِ إذ لم يَرُدَّ العلمَ إليهِ فقال له: بَلى، ليَ عبدٌ بِمَجمَعِ البحرَين هوَ أعلمُ منك. قال: أيْ ربّ ومن لي بهِ؟ - وربَّما قال سفيان: أيْ ربّ وكيف لي بهِ؟ - قال: تأخذُ حُوتًا فَتَجْعَلَهُ في مِكتَلٍ، حيثما فَقدتَ الحوتَ فهو ثَمَّ - وربما قال: فهو ثمَّه - وأخذَ حوتًا فجعلهُ في مِكتَلٍ ثمَّ انطَلقَ هو وفتَاهُ يوشَعُ بن نونٍ حتّى إذا أتَيا الصخرةَ وضُعا رُؤوسَهما، فرَقَدَ موسى، واضْطَرَبَ الحوتُ فخرَجَ فسقطَ في البحر، فاتَّخذ سبيلَهُ في البحر سَرَبّا، فأمسَكَ اللّهُ عنِ الحوتِ جِريةَ الماء فصار مثلَ الطاقِ - فقال: هكذا مثلُ الطاقِ - فانطَلَقَا يَمِشِيانِ بقيةَ ليلتِهما ويومَهما، حتّى إذا كان منَ الغدِ قال لفتاهُ. آتِنا غَداءَنا لقد لقينا من سَفَرِنا هذا نَصَبا. ولم يجد موسى النَّصبَ حتّى جاوَزَ حيث أمرَهُ الله. قال له فَتاهُ: أرأيتَ إذ أوَيْنا إلى الصخرةِ فإني نسِيتُ الحوتَ، وما أنسانِيهِ إلا الشيطانُ أن أذكرَه، واتخذَ سبيلَهُ في البحرِ عَجَبًا، فكان للحوت سَرَبًا ولهما عَجَبًا. قال له موسى: ذلكَ ما كنا نبغي، فارتَدًا على آثارِهما قصَصًا - رَجَعا يَقُصّانِ آثارَهما - حتّى انتَهَيا إلى الصخرةِ، فإذا رجُلٌ مُسَجَّى بثَوبٍ، فسلَّمَ موسى، فردّ عليه فقال: وأنَّى بأرضِكَ السلامُ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيلَ؟ قال: نعم، أتيتُكَ لِتُعَلِّمني مما عُلِّمتَ رُشدًا. قال: يا موسى إني على علمٍ من عِلمِ اللّهِ علَّمَنِيهِ اللّهُ لا تَعْلَمُهُ، وأنتَ على علم من علم اللّهِ عَلَّمَكَهُ اللّهُ لا أعلَمهُ. قال: هل أتّبِعُك؟ قال: إِنكَ لن تَستَطيعَ معيَ صَبرًا، وكيفَ تَصبِرُ على ما لم تُحِطْ بهِ خُبرًا - إلى قوله - إمْرًا. فانطَلقا يمشِيانِ على ساحلِ البحرِ، فمرَّتْ بهما سفينةٌ كلموهم أن يَحمِلوهم، فعرَفوا الخضِرَ فحملوهُ بغير نَولٍ. فلما ركبا في السفينةِ جاءَ عُصفورٌ فوقَعَ على حرفٍ السفينةِ، فنقَرَ في البحر نَقرةً أو نَقرَتَينٍ، قال له الخَضِرُ: يا موسى، ما نَقَصَ عِلمي وعلمكَ من علمِ اللّهِ إِلاّ مثلَ ما نقصَ هذا العُصفورُ بمنقارهِ منَ البحر، إِذ أخذَ الفأسَ فنزَعَ لَوحًا، قال: فلم يَفْجَأ موسى إلا وقد قَلعَ لوحًا بالقَدُّوم، فقال له موسى: ما صَنعتَ؟ قومٌ حَمَلونا بغيرِ نولٍ عَمَذْتَ إلى سفينتِهِم فخَرَقتَها لتُغرقَ أهلَها، لقد جئتَ شيئًا إِمْرًا. قال: ألم أقُلْ لكَ إِنكَ لن تستطيعَ معِيَ صَبرًا؟ قال: لا تُؤاخِذْني بما نسِيتُ، ولا تُرهِقْني مِن أمري عُسرًا. فكانتِ الأولى من موسى نِسيانًا. فلما خَرَجا من البحرِ مرُّوا بغلامِ يَلعَبُ معَ الصِّبيانِ، فأخذَ الخضِرُ برأسِهِ فقَلَعَهُ بيدِه هكذا . وأومأَ سفيانُ بأطرافِ أصابعهِ كأنهُ يَقطِف شيئًا - فقال لهُ موسى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكيَّةً بغيرِ نفسٍ؟ لقد جئتَ شيئًا نُكرًا. قال: ألم أقلْ لكَ إِنكَ لن تَستَطِيعَ معِيَ صبراً؟ قال: إن سألتُكَ ٣٤٠ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢٧ عن شيءٍ بعدَها فلا تُصاحِبْني، قد بَلغتَ من لَدُنِّي عُذْرًا. فانَطلقا حتّى إذا أتيا أهلَ قريةِ استَطْعما أهلَها، فأبوا أن يُضيِّفوها، فوَجَدا فيها جِدارًا يُرِيدُ أن يَنقَضَّ مائلاً - أومأ بيدِهِ هكذا، وأشار سفيانُ كأنهُ يَمسَحُ شيئًا إلى فوقُ، فلم أسمعْ سفيانَ يذكرُ ((مائلاً) إلا مرَّةٌ - قال: قومٌ أتيناهم فلم يُطعِمونا ولم يُضيِّفونا، عَمَدْتَ إلى حائطهم، لو شئتَ لاتخَذتَ عليهِ أجرًا. قال: هذا فِراقُ بيني وبَيْنِكَ، سأُنبِئُكَ بتأويلِ ما لم تَستطع عليهِ صبرًا. قال النبيُّ ◌َّهِ: ودِذْنا أَن موسى كان صَبَرَ فَقَصّ اللّهُ عليه من خبرهما. قال سفيان: قال النبيُّ وَّهِ: يرحمُ الله موسى لو كان صبرَ يُقصَّ علينا من أمرِهما وقرأ ابن عباس: أمامَهم مَلِكٌ يأخذُ كلَّ سفينة صالحةٍ غَصْبًا. وأما الغلامُ فكان كافرًا وكان أبواهُ مؤمنَين. ثم قال لي سفيانُ: سمعتهُ منهُ مرَّتين وحفظتهُ منه. قيل لسفيان: حفظتَهُ قبلَ أن تَسمعَهُ من عمرٍو أو تحفّظتَهُ من إِنسان؟ فقال: ممَّن أتحفّظه، ورواهُ أحدٌ عن عمرٍو غيري؟ سمعتهُ منه مرَّتَين أو ثلاثًا وحفِظتهُ منه)). وبه قال: (حدثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدثنا عمرو بن دينار) المكي (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن جبير) بضم الجيم مصغرًا الكوفي (قال: قلت لابن عباس أن نوقًا) بفتح النون وسكون الواو وتنوين الفاء ابن فضالة بفتح الفاء والضاد المعجمة أبا يزيد القاص (البكالي) بكسر الموحدة وتخفيف اللام والكاف على الصواب، ونقل عن المهلب والصدفي وأبي الحسن بن سراج نسبة إلى بكال من حمير وضبطه أكثر المحدّثين فما قاله عياض البكالي بفتح الموحدة وتشديد الكاف قال: وكذا قيدناه عن أبي بحر وابن أبي جعفر عن العذري وقاله أبو ذر نسبة إلى بكال بن دعمى (يزعم أن موسى صاحب الخضر) الذي قص الله عنهما في سورة الكهف (ليس هو موسى بني إسرائيل إنما هو موسى آخر) يسمى موسى بن ميشا بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب وموسى الثاني منوّن للفرق (فقال) ابن عباس: (كذب عدوّ الله) نوف فيما زعم قاله مبالغة في الإنكار والزجر وكان في شدة غضبه لا أنه يعتقد ذلك (حدثنا أبي بن كعب عن النبي (وَ(18): (إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل فسئل أيّ الناس أعلم) أي منهم (فقال) بحسب اعتقاده (أنا) أعلم الناس وهذا أبلغ من قوله في الرواية السابقة هل تعلم أحدًا أعلم منك: قال: لا. فإنه نفى هناك علمه وفي هذه الرواية على البت (فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه) فيقول نحو الله أعلم (فقال) الله (له: بلى لي عبد) هو خضر (بمجمع البحرين) ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق (هو أعلم منك) أي بشيء مخصوص (قال) موسى (أي) أي يا (رب ومن لي به)؟ أي ومن يتكفل لي برؤيته (وربما قال سفيان) بن عيينة (أي رب وكيف لي به)؟ أي وكيف يتهيأ لي أن أظفر به (قال) تعالى: (تأخذ حوتًا) مملوحًا (فتجعله في مكتل) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الفوقية زنبيل (حيثما فقدت الحوت) بفتح القاف (فهو) أي الخضر (ثم) بفتح المثلثة