النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ١
يكونُ عَلقَةً مثلَ ذلك ثمَّ يكون مُضغةً مثل ذلك، ثمَّ يَبعثُ اللّهُ إِليهِ ملَكًا بأربع كلماتٍ: فيُكتَبُ
عملُه، وأجَلُهُ، ورِزقُه، وشَقيَّ أم سعيد. ثمَّ يُنفَعُ فيهِ الرُّوحُ. فإِنَّ الرَّجلَ ليَعملُ بعمل أهل النار
حتّى ما يكونُ بَينَهُ وبينها إِلا ذِراعٍ، فيَسبِقُ عليهِ الكتابُ فيَعمَلُ بعملِ أهلِ الجنَّة فيَدخلُ الجنة،
وإِنَّ الرَّجلَ لَيَعملُ بعملِ أهلِ الجنة حتى ما يكونُ بينَه وبينها إِلاَّ ذِراعٍ، فَيَسْبِقُ عليهِ الكتابُ فَيَعملُ
بعملِ أهل النار فيَدخلُ النار)).
وبه قال: (حدثنا عمر بن حفص) قال: (حدثنا أبي) حفص بن غياث بن طلق قال: (حدثنا
الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدثنا زيد بن وهب) الجهني قال: (حدثنا عبد اللَّه) بن
مسعود رضي الله عنه قال: (حدثنا رسول الله ◌َ ﴿ وهو الصادق) في قوله (المصدوق) فيما وعده به
الله عز وجل.
(إن أحدكم) بكسر همزة إن في الفرع كأصله على معنى حدثنا فقال: إن أحدكم أو إن وما
بعدها محكيان بحدثنا على ما عرف من مذهبهم في جواز الحكاية بما فيه من معنى القول لا
حروفه، وقول أبي البقاء: لا يجوز إلا الفتح لأن قبله حدثنا منقوص بما ذكر، ولأبي ذر عن
الكشميهني: وإن خلق أحدكم (يجمع) بضم أوله وسكون ثانيه مبنيًا للمفعول أي يضم (في بطن
أمه أربعين يومًا) بلياليها بعد الانتشار، وزاد أبو عوانة نطفة، فبينّ أن الذي يجمع هو النطفة وهو
المني، وذلك أن ماء الرجل إذا لاقى ماء المرأة بالجماع وأراد الله أن يخلق من ذلك الجنين هيّأ
أسباب ذلك لأن في رحم المرأة قوتين قوة انبساط عند ورود مني الرجل حتى ينتشر في جسد
المرأة وقوة انقباض بحيث لا يسيل من فرجها مع كونه منكوسًا، ومع كون المني ثقيلاً بطبعه وفي
مني الرجل قوة الفعل وفي مني المرأة قوة الانفعال فعند الامتزاج يصير مني الرجل كالأنفحة
للبن. وفي النهاية يجوز أن يريد بالجمع مكث النطفة في الرحم لتتخمر فيه حتى تتهيأ للتصوير (ثم
يكون) أي يصير (علقة) دمًا غليظًا جامدًا (مثل ذلك) الزمان، والمعنى أنها تصير بتلك الصفة مدة
الأربعين (ثم يكون) يصير (مضغة) قطعة لحم سميت بذلك لأنها بقدر ما يمضغه الماضخ (مثل
ذلك) الزمان (ثم يبعث الله إليه) في الطور الرابع حتى يتكامل بنيانه وتتشكل أعضاؤه (ملكًا)
وهو الموكل بالرحم أي يأمره (بأربع كلمات) يكتبها من القضايا المقدرة في الأزل (فيكتب) الملك
الكتابة المعهودة في صحيفة أو بين عينيه (عمله) هل هو صالح أو فاسد (وأجله) أهو طويل أو
قصير (ورزقه) أهو حلال أو حرام قليل أو كثير والثلاثة نصب بيكتب ولأبي ذر فيكتب بضم
التحتية وفتح الفوقية مبنيًا للمفعول عمله وأجله ورزقه يرفع الثلاثة على النيابة عن الفاعل (و) هو
(شقي) باعتبار ما يختم له (أم سعيد) باعتبار ما يختم له. كما دل عليه الحديث، والمراد أن الملك
یکتب إحدی الکلمتین کان یکتب مثلا عمل هذا الجنین صالح وأجله ثمانون سنة ورزقه حلال
وهو سعيد. قال الحافظ ابن حجر: وحديث ابن مسعود بجميع طرقه يدل على أن الجنين يتقلب
في مائة وعشرين يومًا في ثلاثة أطوار كل طور منها في أربعين (ثم) بعد تمامها (ينفخ فيه الروح
إرشاد الساري/ ج ٧ / م ١٦

٢٤٢
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ١
فإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار) من المعاصي والباء زائدة والأصل يعمل عمل أهل النار لأن
قوله عمل إما مفعول مطلق أو مفعول به وكلاهما مستغن عن الحرف فزيادة الباء للتأكيد أو ضمن
يعمل معنى يتلبس في عمله بعمل أهل النار (حتى ما يكون) رفع على أن حتى ابتدائية ويجوز
النصب بحتى وما نافية غير مانعة لها من العمل (بينه وبينها) أي النار (إلاّ ذراع) تمثيل بقرب حالة
الموت وضابط الحسي الغرغرة التي جعلت علامة لعدم قبول التوبة (فيسبق عليه الكتاب) الذي
كتبه الملك عليه وهو في بطن أمه عقب ذلك من غير مهلة (فيعمل بعمل أهل الجنة) عند ذلك
(فيدخل الجنة) وموضع عليه نصب على الحال أي يسبق المكتوب واقعًا عليه. والمراد بسبق الكتاب
سبق ما تضمنه على حذف مضاف أو المراد المكتوب، والمعنى أنه يتعارض عمله في اقتضاء الشقاوة
والمكتوب في اقتضاء السعادة فيتحقق مقتضى المكتوب فعبّر عن ذلك بالسبق لأن السابق يحصل
مراده دون المسبوق.
(وأن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة) من الطاعات (حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع
فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار). وفي الحديث إن الأعمال حسنها وسيئها
إمارات وليست بموجبات، وإن مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء وجرى به القدر
في الابتداء إلى غير ذلك مما يتعلق بالأصول والفروع مما يأتي إن شاء الله تعالى الإلمام بشيء منه في
القدر بعون الله تعالى.
٣٣٣٣ - حدثنا أبو النُّعمان حدَّثَنا حمادُ بن زيدٍ عن عُبيدِ اللَّهِ بن أبي بكرٍ بن أنس بن
مالكِ عن أنسٍ بن مالكٍ رضي الله عنه عن النبيِّ وَِّ قال: ((إِنَّ الله وكلَ في الرحِم ملَكًا فيقول:
يا ربّ نطفة، يا ربِّ عَلَقة يا رب مضغة. فإِذا أرادَ أن يَخلُقَها قال: يا ربِّ أَذَكرٌ أم أُنثى؟ يا ربّ
أشقيّ أم سعيد؟ فما الرّزقُ؟ فما الأجلُ؟ فيُكتَبُ كذلكَ في بطنِ أُمّه)».
وبه قال: (حدثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدثنا حماد بن زيد) اسم
جده درهم الأزدي الجهضمي (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا (ابن أبي بكر بن أنس) أبي معاذ
(عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي (وَلي) أنه (قال):
(إن الله وكّل) بتشديد الكاف (في الرحم ملكًا فيقول) عند وقوع النطفة التماسًا لإتمام الخلقة
(يا رب) بحذف ياء المتكلم هذه (نطفة) أي مني (يا رب) هذه (علقة) قطعة من دم جامدة (با
رب) هذه (مضغة) قطعة لحم مقدار ما يمضغ وفائدة ذلك أنه يستفهم هل يتكوّن منها أم لا؟ (فإذا
أراد) سبحانه وتعالى (أن يخلقها قال) الملك: (يا رب أذكر) هو (يا رب) هو (أنثى يا رب) هو
(شقي) عاص لك (أم سعيد) مطيع لك (فما الرزق) الذي يعيش به (فما الأجل)؟ أي مدة حياته
إلى وقت موته (فيكتب كذلك) بضم التحتية وفتح الفوقية مبنيًا للمفعول (في بطن أمه). ظرف
لیکتب.

٢٤٣
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ١
وهذا الحديث سبق في الحيض.
٣٣٣٤ - هذّثنا قيسُ بنُ حفصٍ حدَّثَنا خالدُ بنُ الحرث حدَّثَنا شُعبة عن أبي عمرانَ
الجَوْنيّ عن أنسٍ يرفعُه: ((إِنَّ اللّهَ يقول لأِهِوَنِ أهلِ النارِ عَذابًا: لو أنَّ لَكَ ما في الأرضِ مِن
شيءٍ كنتَ تَقْتَدي به؟ قال: نعم. قال: فقد سألتُكَ ما هو أهْوَنُ مِن هذا وأنتَ في صُلبٍ آدمَ:
أن لا تُشركَ بي، فَأَبَيتَ إِلا الشرك)). [الحديث ٣٣٣٤ - طرفاه في: ٦٥٣٨، ٦٥٥٧].
وبه قال: (حدثنا قيس بن حفص) الدارمي البصري قال: (حدثنا خالد بن الحرث)
الهجيمي البصري قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي عمران) عبد الملك بن حبيب (الجوني)
بفتح الجيم بعد الواو الساكنة نون (عن أنس يرفعه) إلى النبي ◌َّر.
(إن الله) عز وجل (يقول) يوم القيامة (لأهون أهل النار عذابًا) قيل هو أبو طالب (لو أن
لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به) بالفاء من الافتداء وهو خلاص نفسه مما وقع فيه
بدفع ما يملكه (قال: نعم. قال) الله تعالى (فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم)
حين أخذت الميثاق (أن لا تشرك بي فأبيت) إذ أخرجتك إلى الدنيا. (إلا الشرك).
هذا الحديث أخرجه أيضًا في صفة الجنة والنار أواخر الرقاق ومسلم في التوبة.
٣٣٣٥ - هذّثنا عمرُ بن حفصٍ بنِ غِياثٍ حدثنا أبي حدَّثنا الأعمشُ قال: حدَّثني
عبدُ اللَّهِ بنُ مرَّةً عن مسروقٍ عن عبدِ اللَّهِ رضيَ اللَّهُ عنه قال: قال رسولُ اللَّهِ وَلِّ: ((لا تُقتَلُ
نفسٌ ظُلمًا إِلا كانَ على ابن آدمَ الأوَّلِ كِفلٌ من دَمِها، لأنهُ أولُ مَن سنَّ القتل)). [الحديث
٣٣٣٥ - طرفاه في: ٦٨٦٧، ٧٣٢١].
وبه قال: (حدثنا عمر بن حفص بن غياث) النخعي الكوفي قال: (حدثنا أبي) حفص قال:
(حدثنا الأعمش) سليمان (قال: حدثني) بالإفراد (عبد الله بن مرّة) بضم الميم وتشديد الراء (عن
مسروق) هو ابن الأجدع (عن عبد اللَّه) هو ابن مسعود (رضي الله عنه) أنه (قال: قال
رسول الله (13) :
(لا تقتل نفس) بضم الفوقية الأولى وفتح الثانية مبنيًّا للمفعول من بني آدم (ظلمًا إلا كان
على ابن آدم الأول) قابيل حيث قتل أخاه هابيل (كفل) بكسر الكاف وإسكان الفاء نصيب (من
دمها لأنه أول من سنّ القتل) على وجه الأرض من بني آدم.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إن القاتل قابيل ولد آدم من صلبه فهو داخل في لفظ
الذرية في الترجمة، والحديث أخرجه أيضًا في الديات والاعتصام، ومسلم في الحدود، والترمذي
في العلم، والنسائي في التفسير، وابن ماجه في الديات.

٢٤٤
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٢
٢ - باب الأرواحُ جُنودٌ مُجنَّدة
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (الأرواح جنود مجندة) ومناسبته لسابقه من حيث إن بني آدم
مركبة من الأجساد والأرواح.
٣٣٣٦ - قال: وقال الليثُ عن يحيى بن سعيد عن عَمرةً عن عائشة رضيَ اللّهُ عنها قالت:
(سمعتُ النبيَّ ◌َ﴿ يقول: الأرواحُ جُنودٌ مُجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكَرَ منها
اختَلَف».
وقال يحيى بن أيوبَ: حدَّثني يحيى بن سعيد بهذا.
(قال) أي المؤلف فيما وصله في الأدب المفرد عن عبد الله بن صالح. (وقال الليث) بن
سعد الإمام (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عمرة) بنت عبد الرَّحمن (عن عائشة رضي الله
عنها) أنها (قالت: سمعت النبي ◌َّالفر يقول):
(الأرواح) التي يقوم بها الجسد وتكون بها الحياة (جنود مجندة) أي جموع مجمعة وأنواع مختلفة
(فما تعارف منها) توافق في الصفات وتناسب في الأخلاق (ائتلف وما تناكر منها) لم يوافق ولم
يناسب (اختلف). والمراد الإخبار عن مبدأ كون الأرواح وتقدمها الأجساد أي أنها خلقت أول
خلقتها على قسمين من ائتلاف واختلاف إذا تقابلت وتواجهت، ومعنى تقابلها ما جعله الله عليها
من السعادة والشقاوة والأخلاق في مبدأ الخلق، فإذا تلاقت الأجساد التي فيها الأرواح في الدنيا
ائتلفت على حسب ما خلقت عليه، ولذا ترى الخيّر يحب الأخيار ويميل إليهم، والشرّير يحب
الأشرار ویمیل إليهم.
وقال الطيبي: الفاء في فما تعارف للتعقيب أتبعت المجمل بالتفصيل فدل قوله: ما تعارف
على تقدّم اختلاط في الأزل ثم تفرق بعد ذلك في أزمنة متطاولة ثم ائتلاف بعد التعارف كمن
فقد أنيسه وإلفه ثم اتصل به، وهذا التعارف إلهامات يقذفها الله تعالى في قلوب العباد من غير
إشعار منهم بالسابقة .
وفي حديث ابن مسعود عند العسكري مرفوعًا ((الأرواح جنود مجندة تلتقي فتشام كما تشامَ
الخيل فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، فلو أن رجلاً مؤمنًا جاء إلى مجلس فيه مائة منافق
وليس فيه إلا مؤمن واحد لجاء حتى يجلس إليه، ولو أن منافقًا جاء إلى مجلس فيه مائة مؤمن
وليس فيه إلا منافق واحد لجاء حتى يجلس إليه)).
وللديلمي بلا سند عن معاذ بن جبل مرفوعًا: ((لو أن رجلاً دخل مدينة فيها ألف منافق
ومؤمن واحد لشم روحه روح ذلك المؤمن وعكسه)).
ولأبي نعيم في الحلية في ترجمة أويس أنه لما اجتمع به هرم بن حيان العبدي ولم يكن لقيه

٢٤٥
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٣
وخاطبه أويس باسمه قال له هرم: من أين عرفت اسمي واسم أبي فوالله ما رأيتك ولا رأيتني؟
قال: عرفت روحي روحك حين كلمت نفسي نفسك، وإن المؤمنين يتعارفون بروح الله وإن نأت
بهم الدار. وقال بعضهم: أقرب القرب مودة القلوب وإن تباعدت الأجسام، وأبعد العبد تنافر
التداني. ولبعضهم :
إن القلوب لأجناد مجندة قول الرسول فمن ذا فيه يختلف
فما تعارف منها فهو مؤتلف وما تناكر منها فهو مختلف
والآخر :
بيني وبينك في المحبة نسبة مستورة في سرّ هذا العالم
من قبل خلق الله طينة آدم
نحن الذين تحاببت أرواحنا
وهذا الحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة في الأدب.
(وقال يحيى بن أيوب) الغافقي البصري مما وصله الإسماعيلي (حدثني) بالإفراد (يحيى بن
سعيد) الأنصاري (بهذا) الحديث السابق وليس يحيى بن أيوب من شرط المؤلف فلذا أخرج له في
الاستشهاد، وأورده من الطريقين بلا إسناد فصار أقوى مما لو ساقه بإسناده قاله الإسماعيلي. قال
ابن حجر: ويشهد للمتن حديث أبي هريرة عند مسلم.
٣ - باب قولِ اللّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ولقد أرسلنا نُوحًا إِلى قومِهِ﴾ [هود: ٢٥]
قال ابن عباسٍ ﴿باديّ الرأيِ﴾: ما ظَهرَ لنا. ﴿أُقْلِعي﴾: أمسِكي. ﴿وفار التّنُورُ﴾: نَبعَ
الماءُ. وقال عِكرمة: وجهُ الأرضِ. وقال مجاهدٌ ﴿الجُودِيّ﴾: جبلٌ بالجزيرة. ﴿دَأْب﴾: مثلُ
حال.
﴿إِنا أرسلنا نُوحًا إِلى قومهِ أنْ أنذر قومَكَ مِن قبل أن يأتيَهُمْ عذابٌ أليم) إلى آخر السورة
[نوح: ١- ٢٨]. ﴿واثْلُ عليهم نَبَّأَ نُوحٍ إِذ قال لقومهِ يا قومٍ إِن كان كَبُرَ عليكم مَقامي وتَذكيري
بآياتِ اللَّهِ﴾ - إلى قولهِ - ﴿مِنَ المسلمين﴾ .
(باب) قول الله عز وجل (﴿ولقد﴾) جواب قسم محذوف تقديره والله لقد (﴿أرسلنا﴾) أي
بعثنا (﴿نوحًا إلى قومه﴾﴾ [الأعراف: ٥٩] وهو ابن خمسين سنة. وقال مقاتل: ابن مائة سنة،
وعند ابن جرير ثلاثمائة وخمسين سنة. وقال ابن عباس: سمي نوحًا لكثرة نوحه على نفسه،
واختلف في سبب نوحه فقيل لدعوته على قومه بالهلاك، وقيل لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان
وهو نوح بن لامك بن متوشلح بن اخنوخ وهو إدريس وهو أول نبي بعثه الله بعد إدريس، وقال
القرطبي: أوّل نبي بعثه الله بعد آدم بتحريم البنات والعمات والخالات، وكان مولده فيما ذكره

٢٤٦
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٣
ابن جرير بعد وفاة آدم بمائة وستة وعشرين عامًا ومات وعمره ألف سنة وأربعمائة سنة ودفن
بالمسجد الحرام، وقيل غير ذلك. وعن أبي أمامة أن رجلاً قال: يا رسول الله أنبيّ كان آدم؟ قال:
(نعم)). قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: ((عشرة قرون)). رواه ابن حبان وصححه. قال ابن
كثير: وهو على شرط مسلم ولم يخرجوه.
(قال ابن عباس) رضي الله عنهما فيما رواه ابن أبي حاتم في قوله تعالى: (﴿بادي
الرأي﴾﴾ [هود: ٢٧] أي (ما ظهر لنا). من غير روية وتأمل بل من أوّل وهلة. ((أقلعي)) قال
ابن عباس أي (أمسكي) ومنه اقلعت الحمى وهذا مجاز لأنها موات، وقيل جعل فيها ما تميز به
والذي قال إنه مجاز قال لو فتش كلام العرب والعجم ما وجد فيه مثل هذه الآية على حسن نظمها
وبلاغة وصفها واشتمال المعاني فيها (﴿وفار التنور﴾) [هود: ٤٠] قال ابن عباس فيما وصله ابن
أبي حاتم من طريق علي بن طلحة أي (نبع الماء) فيه وارتفع كالقدر يفور، والتنور أشرف موضع
في الأرض وأعلاه أو التنور الذي يخبز فيه ابتدأ منه النبوع على خرق العادة، وكان في الكوفة في
موضع مسجدها أو في الهند قيل: وكان من حجارة كانت حوّاء تخبز فيه فصار إلى نوح.
(وقال عكرمة) مولى ابن عباس فيما وصله ابن جرير: التنور (وجه الأرض) وهو قول
الزهري أيضًا. (وقال مجاهد) فيما وصله ابن أبي حاتم (﴿الجوديّ﴾) في قوله تعالى: ﴿واستوت
على الجوديّ﴾ [هود: ٤٤] هو (جبل بالجزيرة) المعروفة بابن عمر في الشرق فيما بين دجلة
والفرات وزاد ابن أبي حاتم تشامخت الجبال يوم الغرق وتواضع هو الله تعالى فلم يغرق وأرسيت
عليه سفينة نوح، وروي أنه ركب السفينة عاشر رجب ونزل عاشر المحرم فصام ذلك اليوم وصار
سنة، وذكر ابن جرير وغيره أن الطوفان كان في ثالث عشر آب في شدة القيظ.
وقد روي أن نوحًا لما يئس من صلاح قومه دعا عليهم دعوة غضب الله عليهم فلبى دعوته
وأجاب طلبته قال تعالى: ﴿ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون﴾ [الصافات: ٧٥] وأمره أن يغرس
شجرًا ليعمل منه السفينة فغرسه وانتظره مائة سنة ثم نجره في مائة سنة أخرى وأمره أن يجعل
طولها ثمانين ذراعًا وعرضها خمسين ذراعًا. وقال قتادة: كان طولها ثلاثمائة ذراع في عرض
خمسين. وقال الحسن البصري: ستمائة في عرض ثلاثمائة. وعن ابن عباس ألف ومائتا ذراع في
عرض ستمائة. وكانت ثلاث طبقات كل واحد عشرة أذرع، فالسفلى للدواب والوحوش
والوسطى للناس والعليا للطيور وكان لها غطاء من فوقها مطبق عليها، وفتحت أبواب السماء
بماء منهمر وفجرت الأرض عيونًا، وأمره الله تعالى أن يحمل في السفينة من كل زوجين اثنين من
الحيوانات وسائر ما له روح من المأكولات وغيرها لبقاء نسلها ومن آمن ومن أهل بيته إلا من كان
كافرًا، وارتفع الماء على أعلى جبل في الأرض خمسة عشر ذراعًا، وقيل: ثمانين ذراعًا، وعم
الأرض كلها طولها وعرضها ولم يبق على وجه الأرض أحد واستجاب الله دعوته حيث قال:
﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا﴾ فلم تبق منهم عين تطرف وهذا كما قاله الحافظ

٢٤٧
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٣
عماد الدين بن كثير يردّ على من زعم من المفسرين وغيرهم أن عوج بن عنق ويقال ابن عناق كان
موجودًا من قبل نوح وإلى زمان موسى، ويقولون: كان كافرًا متمرّدًا جبارًا عنيدًا، ويقولون عنق
أمه بنت آدم من زنا وإنه كان يأخذ لطوله السمك من قرار البحر ويشوبه في عين الشمس، وإنه
كان يقول لنوح وهو في السفينة ما هذه القصعة التي بك ويستهزىء به، ويذكرون أن طوله كان
ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثًا وثلاثين ذراع إلى غير ذلك من الهذيانات التي لولا أنها مسطرة
في كثير من كتب التفاسير وغيرها من التواريخ وغيرها من أيام الناس لما تعرضنا لحكايتها
لسقاطتها وركاكتها ثم إنها مخالفة للمعقول والمنقول.
أما المعقول: فكيف يسوغ أن الله يهلك ولد نوح لكفره وأبوه نبي الأمة وزعيم أهل الإيمان
ولا يهلك عوج بن عنق وهو أظلم وأطعن على ما ذكروا ولا يرحم منهم أحدًا ويترك هذا الجبار
العنيد، الفاجر الشديد، الكافر الشيطان المريد على ما ذكروا.
وأما المنقول فقال الله تعالى: ﴿ثم أغرقنا الآخرين﴾ [الشعراء: ٦٦] وقال: ﴿رب لا تذر على
الأرض من الكافرين ديارًا﴾ [نوح: ٢٦] ثم هذا الطول الذي ذكروا مخالف لما في الصحيحين عن
رسول الله ﴿ أن الله تعالى خلق آدم طوله ستون ذراعًا ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن، فهذا
نص الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى أنه لم يزل
ينقص حتى الآن أي لم يزل الناس في نقصان طولهم من آدم إلى يوم إخباره وهلم جرًا إلى يوم
القيامة، وهذا يقتضي أنه لم يوجد من ذرية آدم من كان أطول منه، وكيف يترك ويصار إلى قول
الكذبة الكفرة من أهل الكتاب الذين بدّلوا كتب الله المنزلة وحرّفوها وأوّلوها ووضعوها على غير
مواضعها عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، وما أظن هذا الخبر عن عوج بن عنق إلاّ
اختلافًا من بعض زنادقتهم وكفارهم الذين كانوا أعداء الأنبياء والله أعلم.
((دأب﴾) في قوله تعالى: ﴿مثل دأب قوم نوح﴾ [غافر: ٣٢] قال مجاهد فيما وصله
الفريابي هو (مثل حال). ولأبي ذر وابن عساكر: دأب حال فأسقط لفظ مثل (﴿واتل عليهم نبأ
نوح) أي خبره مع قومه (﴿إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم﴾) عظم وشق عليكم
((مقامي﴾) أي إقامتي بينكم مدة مديدة ألف سنة إلا خمسين عامًا أو قيامي على الدعوة
(﴿وتذكيري﴾) إياكم (﴿بآيات الله﴾) بحججه (إلى قوله ﴿من المسلمين﴾) [يونس: ٧١] أي
المنقادين لحكمه، وهذه الآية ثبتت في الفرع وعليها رقم أبي ذر وابن عساكر.
(باب قول الله تعالى): سقط هذا لأبي ذر وابن عساكر (﴿إنا أرسلنا نوحًا إلى قومه أن
أنذر﴾) أي بأن أنذر أي بالإنذار أو بأن قلنا له أنذر (﴿قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم))
[نوح: ١] عذاب الآخرة أو الطوفان (إلى آخر السورة) وسقط لأبي ذر من قوله (أن أنذر) إلى قوله
﴿أليم) .

٢٤٨
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٣
٣٣٣٧ - حذّثنا عَبدانُ أخبرنا عبد اللّهِ عن يونسَ عنِ الزُّهريِّ قال سالمٌ: وقال ابنُ عمرٌ
رضيَ اللّهُ عنهما: ((قامَ رسولُ اللّهِ وَ ◌ّ في الناسِ فأثنى على اللّهِ بما هو أهله، ثمَّ ذكرَ الدجّالَ
فقال: إني لأَنْذِرُكموهُ، وما مِن نبيّ إِلا أنذرَهُ قومَه، لقد أنذر نوحٌ قومَه، ولكني أقولُ لكم فيه
قولاً لم يَقُلْهُ نبِيٍّ لقومهِ: تعلمونَ أنّهُ أعور، وأنَّ اللّهَ ليس بأعْوَر)).
وبه قال: (حدثنا عبدان) هو لقب عبد اللَّه بن عثمان العتكي مولاهم المروزي (قال: أخبرنا
عبد الله) بن المبارك المروزي (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب
أنه قال (قال سالم): هو ابن عبد الله بن عمر (وقال ابن عمر رضي الله عنهما: قام
رسول الله ﴿ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال) بتشديد الجيم بوزن فعال من
أبنية المبالغة الكثير الكذب وهو من الدجل وهو الخلط والتلبيس والتمويه (فقال):
(إني لأنذر كموه) أخوّفكموه والجملة مؤكدة بأن واللام وكونها اسمية (وما من نبي إلا أنذره
قومه لقد أنذر نوح قومه) خصه بعد التعميم لأنه أوّل نبي أنذر قومه أو أوّل مشرّع من الرسل أو
أبو البشر الثاني وذريته هم الباقون في الدنيا لا غيرهم (ولكني أقول لكم فيه) سقط لفظ لكم لابن
عساكر (قولاً لم يقله نبي لقومه) مبالغة في التحذير (تعلمون أنه) أي الدجال (أعور) عين اليمنى أو
اليسرى (وإن الله) عز وجل (ليس بأعور). تعالى الله عن كل نقص وجل عن أن يشبه بالمحدثات.
٣٣٣٨ - حدثنا أبو نُعَيم حدَّثنا شيبانُ عن يحيى عن أبي سَلمةَ سمعتُ أبا هريرةَ رضيَ الله
عنه قال: قال رسولُ اللّهِ ﴿: ((أَلا أُحدّثُكم حديثًا عن الدجّالِ ما حدَّثَ بهِ نبيِّ قومَه: إِنهُ
أعورُ، وإِنهُ يَجيءُ معه بمثالِ الجنةِ والنار، فالتي يقولُ إِنها الجنةُ هي النار، وإِنِي أُنْذِرُكم كما
أنذرَ به نوح قومه)».
وبه قال: (حدثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدثنا شيبان) بفتح الشين المعجمة وبعد
التحتية الساكنة موحدة مفتوحة ابن عبد الرحمن النحوي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي
سلمة) بن عبد الرَّحمن بن عوف أنه قال: (سمعت أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله (زايد):
(ألا) بالتخفيف (أحدثكم حديثًا عن الدجال ما حدّث به نبي قومه: إنه) أي الدجال (أعور
وإنه يجيء معه) إذا ظهر (بمثال الجنة و) مثال (النار) ولابن عساكر: معه تمثال بمثناة مكسورة بدل
الموحدة أي صورة الجنة والنار يبتلي الله تعالى به عباده بما أقدره عليه من مقدوراته كإحياء الميت
الذي يقتله وأمره السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم
يعجزه الله تعالى فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره فيقتله عيسى عليه السلام (فالتي يقول
إنها الجنة هي النار) وبالعكس (وإني) بالواو أو لابن عساكر فإني (أنذركم) أخوّفكم منه (كما أنذر
به نوح قومه). وكذا غيره من الأنبياء كما مرّ، وذلك لأن فتنته عظيمة جدًا تدهش العقول وتحير

٢٤٩
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٣
الألباب مع سرعة مروره في الأرض فلا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء دلائل الحدوث والنقص
فيصدقون بصدقه في هذه الحالة، فلذا حذرت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قومهم من فتنته
ونبهوا عليه.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الفتن.
٣٣٣٩ - حدثنا موسى بن إسماعيلَ حدَّثَنا عبدُ الواحدِ بن زِيادِ حدَّثنا الأعمشُ عن أبي
صالح عن أبي سعيدٍ قال: قال رسولُ اللّهِ : ((يَجيء نوحٌ وأمتُه، فيقولُ اللّه تعالى: هل بَلَّغْتَ؟
فيقول: نعم أي ربّ. فيقولُ لأمتهِ: هل بلَّغَكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبي. فيقولُ لنوحِ
مَن يَشهدُ لك؟ فيقول: محمد بََّ وأمَّتُه، فتشهدُ أنه قد بلغ، وهو قوله جلَّ ذِكرُه: ﴿وكذلكٌ
جَعَلناكم أمةً وَسَطًا لتكونوا شُهَداءَ على الناس﴾ [البقرة: ١٤٣] والوَسَطُ العدل)). [الحديث
٣٣٣٩ - طرفاه في: ٤٤٨٧، ٧٣٤٩].
وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدثنا عبد الواحد بن زياد) العبدي
مولاهم البصري قال: (حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي صالح) ذكوان الزيات (عن
أبي سعيد) سعد بن مالك الأنصاري رضي الله عنه أنه (قال: قال رسول الله (وَ ل﴿):
(يجيء نوح وأمته) يوم القيامة (فيقول الله تعالى) له (هل بلغت)؟ رسالتي إلى قومك (فيقول:
نعم). بلغتها (أي رب. فيقول) عز وجل (لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا. ما جاءنا من نبيّ.
فيقول) تعالى (لنوح: من يشهد لك) أنك بلغتهم (فيقول) يشهد لي (محمد وَلي وأمته فتشهد) له
(أنه قد بلغ) أمته (وهو قوله جل ذكره ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس﴾
[البقرة: ١٤٣] والوسط) هو (العدل). وهذا من نفس الحديث لا مدرج فيه.
وهذا الحديث سيأتي ذكره في تفسير سورة البقرة.
٣٣٤٠ - حدّثنا إسحاقُ بن نَصرِ حدَّثنا محمدُ بن عُبَيدٍ حدَّثنا أبو حَيّانَ عن أبي زُرعةً عن
أبي هريرةَ رضيَ اللّهُ عنه قال: ((كنّا معَ النبيِّ وَّهِ فِي دَعوةٍ، فرُفعَتْ إِليهِ الذِّراعُ - وكانت تُعجِبهُ.
فَتَسَ منها نَهْسةً وقال: أنا سيِّدُ الناسِ يومَ القيامة. هل تَدرونَ بمَن يَجمعُ اللّه الأولينَ والآخِرِينَ
في صَعيدٍ واحد، فيُبصرُهُم الناظرُ، ويسمَعهم الداعي، وتَدنو منهمُ الشمسُ، فيقولُ بعضُ
الناسٍ: ألا تَرَونَ إلى ما أنتم فيه، إِلى ما بَلَغكم؟ ألا تَنظُرونَ إِلى مَن يَشِفَعُ لكم إلى ربكم؟
فيقول بعض الناس: أبوكم آدمُ: فيأتونهُ فيقولون يا آدمُ أنتَ أبو البشر، خَلقَكَ اللّهُ بيدِه، ونَفخَ
فيكَ مِن رُوحِه، وأمرَ الملائكةَ فسجدوا لك، وأسكنّكَ الجنَّة. ألا تَشفَعُ لنا إلى ربِّك؟ ألا ترى
ما نحنُ فيه وما بلغنا؟ فيقول: ربي غَضِبَ غَضَبًا لم يغضبُ قبلَهُ مثلَه، ولا يغضبُ بعده مثله،

٢٥٠
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٣
ونهاني عن الشجرة فعصيت. نَفْسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إِلى نوح. فيأتونَ نوحًا
فيقولُون: يا نوحُ أنتَ أوَّلُ الرَّسُلِ إِلى أهل الأرض؛ وسَمّاكَ اللّهُ عبدًا شَكورًا. أما تَرَى إِلى ما
نحن فيه؟ ألا تَرَى إِلى ما بَلغنا؟ ألا تَشفَعُ لنا إِلى ربِّك؟ فيقول: ربي غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لم
يَغْضَبْ قبلَهُ مثلَه، ولا يَغضبُ بعدَهُ مثلَه. نَفْسِي نَفْسي، ائتوا النبيَّ ◌َِّ. فيأتوني، فأسجُدُ تحتَ
العرش، فيقال: يا محمدُ ارفعْ رأسَكَ، واشْفَعْ تُشَفعْ، وسَلْ تعْطَه. قال محمدُ بن عُبَيد: لا
أحفَظُ سائرَه» [الحديث ٣٣٤٠ - طرفاه في: ٣٣٦١، ٤٧١٢].
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر عن المستملي: حدثنا (إسحاق بن نصر) هو
إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي قال: (حدثنا محمد بن عبيد) بضم العين مصغرًا الطنافسي
الأحدب الكوفي قال: (حدثنا أبو حيان) بالحاء المهملة وتشديد الياء التحتية يحيى بن سعيد بن
حيان التيمي (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو البجلي (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال: كنا
مع النبي (148 في دعوة) بفتح الدال وكسرها في اليونينية طعام مدعوّ إليه ضيافة (فرفع إليه الذراع)
بضم الراء مبنيًا للمفعول قال السفاقسي الصواب رفعت لأن الذراع مؤنثة. قال في المصابيح:
وهذا خبط لأن هذا إسناد إلى ظاهر غير الحقيقي فيجوز التأنيث وعدمه، بل أقول: لو كان التأنيث
هنا حقيقيًّا لم يجب اقتران الفعل بعلامة التأنيث لوجود الفاصل كقولك قام في الدار هند،
(وكانت) أي الذراع (تعجبه) لأنها أعجل نضجًا وأخف على المعدة وأسرع هضمًا مع لذتها وحلاوة
مذاقها ولذا اسم فيها (فنهس منها نهسة) بسين مهملة فيهما أخذ لحمها من العظم بأطراف أسنانه،
ولأبي ذر والأصيلي فنهش منها نهشة بالشين المعجمة فيهما أخذه بأضراسه (وقال):
(أنا سيد القوم) وضبب على القوم في الفرع كأصله وفي الهامش مصححًا عليه سيد الناس
(يوم القيامة) خصه بالذكر لارتفاع سؤدده وتسليم الجميع له فيه وإذا كان سيدهم في يوم القيامة
ففي الدنيا أولى، وقوله: لا تخيروا بين الأنبياء أي تخييرًا يؤدّي إلى تنقيص أو لا تخيروا في ذات
النبوّة والرسالة إذ الأنبياء فيهما على حد واحد والتفاضل بأمور أخر أو خصه لأن القصة قصة يوم
القيامة (هل تدرون بمن) وللكشميهني بم وللحموي والمستملي ثم بالمثلثة بدل الموحدة وتشديد الميم
(يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد) أرض مستوية واسعة (فيبصرهم الناظر) أي يحيط
بهم بصر الناظر بحيث لا يخفى عليه منهم شيء الاستواء الأرض وعدم الحجاب (ويسمعهم
الداعي) بضم الياء من الإسماع (وتدنو منهم الشمس) فيبلغهم من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا
يحتملون (فيقول بعض الناس) لبعض: (ألا ترون إلى ما أنتم فيه) من الغم والكرب (إلى ما بلغكم)
بدل من قوله إلى ما أنتم فيه (ألا) بالتخفيف كالسابقة للعرض أو التحضيض (تنظرون إلى من
يشفع لكم إلى ربكم)؟ حتى يريحكم من مكانكم هذا (فيقول بعض الناس: أبوكم آدم فيأتونه
فيقولون) له: (يا آدم أنت رب أب البشر) كتب بغير واو بعد الموحدة من أب ولأبي ذر أبو البشر
بإثبات الواو (خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه) الإضافة إليه تعالى إضافة تعظيم للمضاف

٢٥١
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٣
وتشريف (وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنة) زاد في رواية همام في التوحيد وعلمك أسماء
كل شيء وضع شيء موضع أشياء أي المسميات لقوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾
[البقرة: ٣١] أي أسماء المسميات أراد التقصي واحدًا فواحدًا حتى يستغرق المسميات كلها (ألا
تشفع لنا إلى ربك. ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا)؟ بفتح الغين من الكرب والعرق (فيقول) آدم
عليه السلام: (ربي غضب) اليوم (غضبًا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله) والمراد من
الغضب لازمه وهو إرادة إيصال الشر إلى المغضوب عليه. وقال النووي: المراد ما يظهره تعالى من
انتقامه فيمن عصاه وما يشاهده أهل الجمع من الأهوال التي لم تكن ولا يكون مثلها ولا ريب أنه
لم يتقدّم قبل ذلك اليوم مثله ولا يكون بعده مثله (ونهاني عن الشجرة) أي عن أكلها (فعصيته)
ولأبي ذر فعصيت بحذف الضمير (نفسي نفسي) مرّتين أي نفسي التي تستحق أن يشفع لها لأن
المبتدأ والخبر إذا كانا متحدين فالمراد بعض لوازمه أو قوله نفسي مبتدأ والخبر محذوف وعند
سعيد بن منصور من رواية ثابت إني أخطأت وأنا في الفردوس فإن يغفر لي اليوم فحسبي (اذهبوا
إلى غيري اذهبوا إلى نوح) بيان لقوله اذهبوا إلى غيري (فيأتون نوحًا فيقولون) له: (يا نوح أنت
أول الرسل إلى أهل الأرض) استشكلت الأولية هنا بأن آدم نبي مرسل وكذا شيث وإدريس وهم
قبل نوح وأجيب بأن الأولية مقيدة بقوله إلى أهل الأرض لأن آدم ومن بعده لم يرسلوا إلى أهل
الأرض.
واستشكل بقوله من حديث جابر: أعطيت خمسًا. وفيه: وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة
وبعثت إلى الناس كافة. وأجيب: بأن بعثة نوح إلى أهل الأرض باعتبار الواقع لصدق أنهم قومه
بخلاف عموم بعثة نبينا وَلو لقومه ولغير قومه، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في محاله بعون
الله وقوّته.
(وسماك الله) في سورة الإسراء (عبدًا شكورًا) تحمد الله تعالى على مجامع حالاته (أما)
بتخفيف الميم ولأبي ذر عن الكشميهني ألا (ترى إلى ما نحن فيه. ألا ترى إلى ما بلغنا). بفتح
الغين (ألا تشفع لنا إلى ربك)؟ حتى يريحنا من مكاننا (فيقول) نوح عليه السلام: (ربي غضب
اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله نفسي نفسي) مرتين (ائتوا النبي) محمدًا ◌َل
المعروف أن نوحًا يدلهم على إبراهيم وإبراهيم على موسى وموسى على عيسى وعيسى على النبي
محمد (لَ)) قال نبينا وَله: (فيأتوني فأسجد تحت العرش): زاد أحمد في مسنده قدر جمعة (فيقال:
يا محمد ارفع رأسك واشفع تشفع) أي تقبل شفاعتك (وسل تعطه).
(قال محمد بن عبيد) مصغرًا من غير إضافة لشيء الأحدب: (لا أحفظ سائره) أي باقي
الحديث لأنه مطوّل معلوم من رواية غيره.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير، ومسلم في الإِيمان، والترمذي في الزهد
والأطعمة، والنسائي في الوليمة مختصرًا وفي التفسير مطوّلاً، وابن ماجه في الأطعمة.

٢٥٢
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤
٣٣٤١ - حدثنا نَصرُ بنُ عليٍّ بنِ نصرٍ أخبرنا أبو أحمدَ عن سفيانَ عن أبي إسحاقَ عنِ
الأسودِ بن يزيدَ عن عبدِ اللَّهِ رضيَ اللَّهُ عنه: ((أنَّ رسولَ اللَّهِ وَّهِ قَرَّأَ: ﴿فهلْ مِن مُذَّكِر﴾ مثلَ قراءة
العامَّة)). [الحديث ٣٣٤١ - أطرافه في: ٣٣٤٥، ٣٣٧٦، ٤٨٦٩، ٤٨٧٠، ٤٨٧١، ٤٨٧٢،
٤٨٧٣، ٤٨٧٤].
وبه قال: (حدثنا نصر بن علي بن نصر) الجهضمي الأزدي البصري وسقط لأبي ذر ابن
نصر قال: (أخبرنا أبو أحمد) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمير بن درهم الزبيري (عن سفيان)
الثوري (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن الأسود بن يزيد) النخعي (عن
عبد اللَّه) بن مسعود (رضي الله عنه أن رسول الله وَلي قرأ ﴿فهل من مدكر﴾) [القمر: ١٥]
بالإدغام والدال المهملة (مثل قراءة العامة). لا بفك الإدغام ولا بالمعجمة كما قرىء في الشواذ
وأصله مذتكر بذال معجمة مفتعل من الذكر فاجتمع حرفان متقاربان في المخرج والأول ساكن
وألفينا الثاني مهموسًا فأبدلناه بمجهور يقاربه في المخرج وهو الدال المهملة ثم قلبت الذال دالاً
وأدغمت في الدال المهملة.
فإن قلت: ما وجه المطابقة بين الحديث والترجمة؟ أجيب: من قوله في الآية الثانية وتذكيري
بآيات الله والآية في شأن سفينة نوح والضمير في قوله: ﴿ولقد تركناها﴾ [القمر: ١٥] آية يعتبر
بها إذ شاع خبرها واستمر، أو تركت حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير وأحاديث الأنبياء، ومسلم في الصلاة، وأبو داود في
الحروف، والترمذي في القراءات، والنسائي في التفسير.
٤ - باب ﴿وإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ المرسلين إذ قال لقومهِ ألا تتَّقون﴾
- إِلى - ﴿وترَكنا عليه في الآخِرِين﴾ [الصافات: ٢٣]. قال ابنُ عباس: يُذكّرُ بخير.
﴿سلامٌ على آل ياسِين إِنَّا كذلكَ نَجزي المحسِنين إِنهُ من عبادِنا المؤمنين﴾
[الصافات: ١٣٠]. يُذكرُ عن ابنِ مسعودٍ وابن عبّاسٍ أَنَّ إِلیاسَ هو إِدريس.
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه قوله تعالى: (﴿وإن الياس لمن المرسلين﴾) هو الياس بن ياسين
سبط هارون أخي موسى بعث بعده. وقال عبد الله بن مسعود فيما وصله ابن أبي حاتم هو
إدريس وفي مصحفه وإن إدريس لمن المرسلين (﴿إذ قال لقومه ألا تتقون﴾) ألا تخافون الله في
عبادتكم غيره ﴿أتدعون بعلاً﴾ أي أتعبدون صنمًا أو تطلبون الخير منه ﴿وتذرون أحسن الخالقين
الله ربكم ورب آبائكم الأولين﴾ والمستحق للعبادة وحده لا شريك له ﴿فكذبوه فإنهم لمحضرون﴾
للعذاب يوم الحساب ﴿إلا عباد الله المخلصين﴾ من قومه أي الموحدين منهم وهو مستثنى من الواو
في فكذبوه وهو استثناء متصل، وفيه دلالة على أن في قومه من لم يكذبه فلذلك استثنوا، ولا

٢٥٣
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٥
يجوز أن يكون مستثنى من المحضرين لفساد المعنى لأنه يلزم حينئذٍ أن يكونوا مندرجين فيمن
كذب، لكنهم لم يحضروا لكونهم عباد الله المخلصين وهو بين الفساد ولا يقال هو مستثنى منه
استثناء منقطعًا لأنه يصير المعنى لكن عباد الله المخلصين من غير هؤلاء لم يحضروا ولا حاجة إلى
هذا بوجه إذ به يفسد نظم الكلام (﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾﴾ [الصافات: ١٢٣ - ١٢٤.
١٢٥- ١٢٦ - ١٢٧ - ١٢٨ - ١٢٩] أي ثناء جميلاً.
(قال ابن عباس) فيما وصله ابن جرير (يذكر بخير) أي في الآخرين، ولأبي ذر بعد قوله:
﴿ألا تتقون) إلى قوله ﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾ وإسقاط ﴿أتدعون بعلاً﴾ إلى آخر قوله
﴿المخلصين﴾ (﴿سلام على آل ياسين﴾) بفتح الهمزة ومدها وكسر اللام وفصلها من الياء وهي
قراءة نافع وابن عامر ويعقوب أضافوا آل الذي هو بمعنى أهل إلى ياسين كآل إبراهيم، فهي على
هذه القراءة كلمتان فيكون ياسين أبا الياس وقراءة الباقين بكسر الهمزة وسكون اللام ووصلها
بالياء كلمة واحدة جمع لإلياس وجمع باعتبار أصحابه كالمهلبين في المهلب (﴿إنا كذلك نجزي
المحسنين)) أي إنما خصصناه بأن يذكر بخير لأجل كونه محسنًا ثم علل كونه محسنًا بقوله: (﴿إنه
من عبادنا المؤمنين﴾) [الصافات: ١٣٠ - ١٣١ - ١٣٢].
(يذكر) بضم أوله بصيغة التمريض (عن ابن مسعود) رضي الله عنه فيما وصله عبد بن حميد
وابن أبي حاتم بإسناد حسن (وابن عباس رضي الله عنهما فيما وصله ابن جويبر في تفسيره
بإسناد ضعيف (إن الياس هو إدريس) فيكون له اسمان، وفي مصحف ابن مسعود ﴿وإن إدريس
لمن المرسلين﴾ وسبق أن الياس من ولد هارون أخي موسى عليهم السلام فعلى هذا فليس إدريس
جدًّا لنوح لأنه من بني إسرائيل، والصحيح أن الياس غير إدريس لأن الله تعالى ذكره في سورة
الأنعام حيث قال: ﴿ونوحًا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان﴾ إلى أن قال: ﴿وعيسى
والياس﴾ [الأنعام: ٨٤ و ٩٥] فدل على أن الياس من ذرية نوح وإدريس جد أبي نوح كما يأتي
قريبًا إن شاء الله تعالى.
٥ - باب ذِكرِ إِدريسَ عليهِ السلام.
وهوَ جَدُّ أبي نوح، ويُقالُ جَدُّ نوح عليهما السلامُ
وقولِ اللّهِ تعالى: ﴿ورفَعْناهُ مكانًا عِلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]
(باب ذكر إدريس عليه) الصلاة و (السلام) بكسر ذال ذكر وضمها في اليونينية وسقط لفظ
باب لأبي ذر (وهو جد أبي نوح) لأنه نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس. (ويقال
جد نوح عليهما السلام) مجازًا لأن جد الأب جد، وقوله: وهو جد وقوله: وهو جد الخ ...
ثابت لابن عساكر. وكان إدريس عليه السلام أول نبي أعطي النبوة بعد آدم وشيث عليهما
السلام، وأول من خط بالقلم وأدرك من حياة آدم ثلاثمائة سنة وثمان سنين.

٢٥٤
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٥
وقال ابن كثير: وقد قالت طائفة أنه المشار إليه في حديث معاوية بن الحكم السلمي لما سأل
النبي ◌ّر عن الخط بالرمل فقال: ((إنه كان نبي يخط بالرمل فمن وافق خطه فذاك)). وزعم كثير
من المفسرين أنه أول من تكلم في ذلك ويسمونه هرمس الهرامسة ويكذبون عليه في أشياء كثيرة
كما كذبوا على غيره من الأنبياء.
(وقول الله) عز وجل بالجر عطفًا على سابقه المجرور بالإضافة: (﴿ورفعناه مكانًا عليًّا﴾)
[مريم: ٥٧] السماء السادسة أو الرابعة أو الجنة أو شرف النبوّة والزلفى وعن ابن أبي نجيح عن
مجاهد أنه رفع إلى السماء ولم يمت كما رفع عيسى. قال في البداية والنهاية: إن أراد أنه لم يمت
إلى الآن ففيه نظر وإن أراد أنه رفع حيّا إلى السماء ثم قبض، فلا ينافي ما ذكره كعب أنه قبض
في السماء الرابعة. وعن ابن عباس أنه قبض في السادسة وصحح ابن كثير أنه قبض في الرابعة.
٣٣٤٢ - قال عبدانُ: أخبرنا عبدُ اللّهِ أخبرَنا يونُس عنِ الزُّهريّ. ح.
حدثنا أحمدُ بن صالح حدّثنا عَنْبَسةُ حدَّثنا يونسُ عنِ ابنِ شهابٍ قال: قال أنسُ بن
مالِكِ: ((كانَ أبو ذَرّ رضيَ اللَّهُ عنه يُحدِّثُ أنَّ رسولَ اللّهِ وَله قال: فُرِجَ عن سقفٍ بيتي وأنا
بمكةَ، فنزّلَ جِبريلُ فَفَرَجَ صَدري، ثمَّ غَسَلَهُ بماء زمزمَ، ثم جاء بطَسْتٍ من ذهبٍ مُمتلىءٍ حكمةً
وإِيمانًا فأفرَغها في صدري، ثم أخذَ بيدي فعَرَجَ بِي إِلى السماءِ، فلما جاءَ إِلى السماءِ الدُّنيا قال
جِبريلُ لخازِنِ السماءِ: افتَحْ. قال: مَن هذا؟ قال: هذا جِبريلُ، قال: معك أحدٌ؟ قال: معي
محمدٌ، قال: أُرسِلَ إِليه؟ قال: نعم، فافتح. فلما علَوْنا السماءَ إِذا رجلٌ عن يمينهِ أسْوِدةٌ وعن
يَسارِهِ أسودة، فإذا نظرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِك، وإِذا نَظَرَ قِبَلَ شِمالِهِ بَكى، فقال مَرحَبًا بالنبيِّ الصالحِ
والابنِ الصالح. قلت: مَن هذا يا جبريلُ؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسْوِدةُ عن يمينهِ وعن شِمالِهِ
نَسَمُ بَنِيهِ، فأهلُ اليمين منهم أهلُ الجنَّة، والأسودةُ التي عن شماله أهلُ النار. فإِذا نظرَ قِبَلَ
بيَمينه ضَحِك وإِذا نظرَ قِبلَ شماله بَكى. ثم عَرَجَ بي جِبريلُ حتّى أتى السماءَ الثانيةَ فقال
الخازنها: افتَخْ، فقال لهُ خازنها مثلَ ما قال الأوَّلُ، ففَتَح. قال أنس: فذَكرَ أنهُ وَجدَ في
السماواتِ إِدريسَ وموسى وعيسى وإِبراهيمَ، ولم يُثبتْ لي كيفَ مَنازِلهم، غيرَ أنهُ قد ذَكَرَ أَنْهُ
وَجَدَ آدَمَ في السماءِ الدنيا وإِبراهيمَ في السادسة. وقال أنس: فلما مرَّ جِبْرِيلُ بإِدريسَ قال:
مَرحبًا بالنبيِّ الصالح والأخ الصالح ، فقلتُ مَن هذا؟ قال: هذا إدريس. ثمَّ مَرَرتُ بموسى
فقال: مَرحبًا بالنبيِّ الصالح والأخ الصالح، وقلتُ مَن هذا؟ قال: هذا موسى. ثم مرَرْتُ بعيسى
فقال: مَرحبًا بالنبيّ الصالح والأخ الصالح. قلتُ: مَن هذا؟ قال: عيسى. ثم مرَرْتُ بإبراهيم
فقال: مَرحبًا بالنبيِّ الصالح والابنِ الصالح، قلتُ: مَن هذا؟ قال: هذا إِبراهيمُ - قال: وأخبرَني
ابنُ حَزْمِ أنَّ ابنَ عبّاسٍ وأبا حيَّةَ الأنصاريِّ كانا يقولان: قال النبيُّ ◌َّهِ: ثمَّ عُرِجَ بي حتّى ظَهرْتُ

٢٥٥
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٥
لِمُسْتَوَى أسمَعُ صَرِيفَ الأقلام. قال ابنُ حزمٍ وأنسُ بنُ مالكِ رضيَ اللّهُ عنهما: قال النبيِّ وَّ:
فَفَرَضَ اللّهُ عليّ خمسينَ صلاةً، فرَجَعتُ بذلك حتّى أَمُرَّ بموسى فقال موسى: ما الذي فرضَ
على أُمَّتِك؟ قلتُ: فَرَضَ عليهم خمسين صلاةً، قال: فراجِعْ ربَّك، فإِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلك،
فرَجَعتُ، فراجَعتُ ربي، فَوَضَع شَطرَها. فَرَجَعْتُ إِلى موسى فقال: راجِعْ ربِّك، فذَكَرَ مثلهُ
فَوَضعَ شَطرها، فرجعتُ إِلى موسى فأخبَرْتهُ فقال: راجِعْ ربَّك، فإِنَّ أمتَك لا تُطِيقُ ذلك،
فرجعت فراجَعتُ ربي فقال: هي خمسٌ وهي خمسونَ، لا يُبَدِّلُ القولُ لدَيّ، فَرَجَعْتُ إِلى
موسى فقال: راجِعْ ربَّك، فقلتُ: قدِ استحييتُ مِن ربي. ثمَّ انطلَقَ حتّى أتى السّدرةَ المنتهى،
فَغَشِيَها ألوانٌ لا أدرِي ما هي. ثمّ أُدخِلتُ الجنةَ فإِذا فيها جَنَابِذُ الْلُؤلؤِ، وإِذا تُرابُها المِسك)).
(قال عبدان): هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي، وهذا التعليق وصله الجوزقي
من طريق محمد بن الليث عن عبدان ولأبي ذر: وحدثنا عبدان، ولابن عساكر: حدثنا بغير واو
قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن
مسلم بن شهاب (ح) لتحويل الإسناد.
(حدثنا) ولابن عساكر عن الزهري قال أنس بن مالك: وحدثنا ولأبي ذر وأخبرنا (أحمد بن
صالح) أبو جعفر المصري قال: (حدثنا عنبسة) بفتح العين المهملة وسكون النون وبعد الموحدة
المفتوحة سين مهملة ابن خالد قال: (حدثنا يونس) بن يزيد وهو عم عنبسة (عن ابن شهاب)
الزهري أنه (قال): قال أنس ولأبي ذر وابن عساكر (قال أنس بن مالك : كان أبو ذر) جندب بن
جنادة (رضي الله عنه يحدث أن رسول الله (وَلاغير قال):
(فرج) بضم الفاء مبنيًا للمفعول أي فتح (سقف بيتي) ولأبي ذر: عن سقف بيتي (وأنا
بمكة) جملة حالية (فنزل جبريل) عليه السلام من الموضع الذي فتحه من السقف مبالغة في المفاجأة
(ففرج) بفتحات أي شق (صدري) في رواية للمصنف إلى مراق البطن (ثم غسله بماء زمزم) لأنه
أفضل المياه أو يقوّي القلب (ثم جاء بطست) بسين مهملة مؤنثة (من ذهب) وكان ذلك قبل تحريم
الذهب (ممتلىء) صفة لطست وذكر على معنى الإناء (حكمة وإيمانًا) بنصبهما على التمييز تمثيل
لينكشف بالمحسوس ما هو معقول وتمثيل المعاني جائز كما أن سورة البقرة تجيء يوم القيامة كأنها
ظلة ولابن عساكر الحكمة والإيمان (فافرغها) أي الطست والمراد ما فيها (في صدري ثم أطبقه)
وختم عليه حتى لا يجد العدو إليه سبيلاً (ثم أخذ بيدي) جبريل (فعرج بي إلى السماء فلما جاء
إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء) الدنيا: (افتح) بابها (قال) الخازن: (من هذا)؟ الذي
قال افتح (قال: هذا جبريل) ولم يقل أنا لأن قائلها يقع في العناء وسقط لفظ هذا لأبي ذر (قال:
معك) ولابن عساكر قال: ما معك (أحد؟ قال): نعم (معي محمد) وَّر (قال: أرسل إليه) ليعرج
به (قال: نعم) أرسل إليه (فافتح فلما علونا السماء) زاد أبو ذر الدنيا وهي صفة للسماء والظاهر

٢٥٦
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٥
أنه كان معهما غيرهما من الملائكة (إذا رجل عن يمينه اسودة) أشخاص (وعن يساره أسودة)
أشخاص أيضًا (فإذا نظر قبل) أي جهة (يمينه ضحك) سرورًا (وإذا نظر قبل شماله بكى) حزنًا
(فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح) أي أصبت رحبًا لا ضيقًا أيها النبي التام في نبوته
والابن البارّ في بنوّته (قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا آدم وهذه الأسودة) التي (عن يمينه
وعن شماله نسم بنيه) بفتح النون والسين المهملة أي أرواحهم (فأهل اليمين منهم أهل الجنة)
والجنة فوق السماء السابعة في جهة يمينه (والأسودة التي عن شماله أهل النار). والنار في سجين
الأرض السابعة في جهة شماله فيكشف له عنهما حتى ينظر إليهم (فإذا نظر قبل بمينه ضحك
وإذا نظر قبل شماله بکی، ثم عرج به جبريل حتى أتى السماء الثانية فقال خازنها: افتح) بابها
(فقال لها خازنها مثل ما قال الأول ففتح) بابها (قال أنس) رضي الله عنه: (فذكر) أبو ذر
(أنه) وَ لّر (وجد في السموات إدريس، وموسى، وعيسى وإبراهيم) عليهم الصلاة والسلام (ولم
يثبت) أبو ذر (لي كيف منازلهم) أي لم يعين لكل نبي سماء (غير أنه ذكر أنه وجد) ولأبي ذر: أنه
قد وجد (آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السادسة وقال أنس: فلما مرَّ جبريل بإدريس قال:
مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح) ولم يقل والابن لأنه لم يكن من آبائه (فقلت) لجبريل: (من
هذا؟ قال: هذا إدريس) وهذا موضع الترجمة.
وفي حديث مالك بن صعصعة عند الشيخين أن إدريس في السماء الرابعة ولا ريب أنه
موضع علّ وإن كان غيره من الأنبياء أرفع مكانًا منه. (ثم مررت بموسى. فقال: مرحبًا بالنبي
الصالح والأخ الصالح قلت) أي لجبريل ولأبي ذر فقلت بالفاء قبل القاف وله أيضًا فقال: أي
النبي 3 18 وهو من الالتفات (من هذا؟ قال): ولأبي ذر فقال: (هذا موسى ثم مررت بعيسى
فقال: مرحبا بالنبي الصالح قلت) لجبريل: (من هذا؟ قال): هذا (عيسى) وليست ثم هنا على بابها
في الترتيب فقد اتفقت الروايات على أن المرور بعيسى كان قبل المرور بموسى (ثم مررت بإبراهيم
فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح قلت من هذا) يا جبريل: (قال: هذا إبراهيم) ◌َّم-
وقالوا: مرحبًا بالنبي الصالح ولم يقولوا بالنبي الصادق مثلاً لأن لفظ الصالح عام لجميع الخصال
الحميدة، فأرادوا وصفه بما يعم كل الفضائل.
(قال): أي ابن شهاب (وأخبرني) بالإفراد (ابن حزم) بالحاء المهملة المفتوحة وسكون الزاي
أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري قاضي المدينة (أن ابن عباس وأبا حية الأنصاري)
بتشديد المثناة التحتية ولأبي ذر وابن عساكر: وأبا حية بالموحدة بدل التحتية وهو الصواب، ورواية
ابن حزم عن أبي حية منقطعة لأنه استشهد بأحد قبل مولد ابن حزم بمدة كما مرّ ذلك مع زيادة
في أول كتاب الصلاة (كانا) أي ابن عباس وأبو حية (يقولان: قال النبي ( * ثم عرج بي حتى)
بضم العين وكسر الراء مبنيًا للمفعول ولأبي ذر: ثم عرج بي جبريل حتى (ظهرت) أي علوت
(المستوى) بفتح الواو أي موضع مشرف يستوي عليه وهو المصعد. وقال التوريشتي: اللام للعلة
أي علوت لاستعلاء مستوى أو لرؤيته أو لمطالعته، ويحتمل أن يكون متعلقًا بالمصدر أي ظهرت

٢٥٧
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٥
ظهور المستوى، ويحتمل أن يكون بمعنى، إلى يقال: أوحى لها أي إليها والمعنى أني قمت مقامًا
بلغت فيه من رفعة المحل إلى حيث اطلعت على الكوائن وظهر لي ما يراد من أمر الله تعالى وتدبيره
في خلقه وهذا والله هو المنتهى الذي لا تقدم لأحد عليه، وللحموي والمستملي بمستوى بالموحدة
بدل اللام (أسمع) فيه (صريف الأقلام) أي تصويتها حالة كتابة الملائكة ما يقضيه الله تعالى.
(قال ابن حزم) عن شيخه (وأنس بن مالك) عن أبي ذر: (قال النبي ◌َّهِ: ففرض الله علّ)
بتشديد التحتية أي وعلى أمتي (خمسين صلاة) في كل يوم وليلة (فرجعت بذلك حتى أمر بموسى)
بهمزة مفتوحة فميم مضمومة فراء مشدّدة (فقال لي موسى: ما الذي فرض) أي ربك (على أمتك؟
قلت) له: (فرض) ربي (عليهم خمسين صلاة) في كل يوم وليلة، ولأبي ذر وابن عساكر: فرض
بضم الفاء مبنيًّا للمفعول في الموضعين خمسون صلاة بالرفع نائبًا عن الفاعل (قال) موسى: (فراجع
ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك) وسقط لفظ ذلك لأبي ذر (فرجعت) من عند موسى (فراجعت ربي
فوضع شطرها فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربك فذكر مثله فوضع شطرها) أي جزءًا منها.
وفي رواية ثابت أن التخفيف كان خمسًا خمسًا وحمل باقي الروايات عليها متعين على ما لا يخفى
(فرجعت إلى موسى فأخبرته) سقط لابن عساكر لفظ فأخبرته (فقال) موسى: (راجع ربك) ولابن
عساكر فقال ذلك أي راجع ربك ففعلت أي فرجعت فراجعت ربي فوضع شطرها فرجعت إلى
موسى فأخبرته بذلك فقال: راجع ربك (فإن أمتك لا تطيق ذلك فراجعت ربي، فقال) جل
وعلا: (هي خمس) بحسب الفعل (وهي خمسون) بحسب الثواب ﴿من جاء بالحسنة فله عشر
أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠] (لا يبدل القول لدي) يحتمل أن يراد أني ساويت بين الخمس والخمسين
في الثواب، وهذا القول غير مبدل أو جعلت الخمسين خمسًا ولا تبديل فيه، وإنما وقعت المراجعة
للعلم بأن ذلك غير واجب قطعًا لأن ما كان واجبًا قطعًا لا يقبل التخفيف أو الفرض خمسين. ثم
نسخها بخمس رحمة لهذه الأمة المحمدية. واستشكل بأنه نسخ قبل البلاغ. وأجيب: بأنه نسخ
بعده بالنسبة إلى النبي ◌ّ (فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربك. فقلت: قد استحييت من ربي)
أن أراجعه بعد قوله تعالى: لا يبدل القول لدي (ثم انطلق) جبريل (حتى أتى السدرة المنتهى) وفي
نسخة إلى السدرة المنتهى، ولابن عساكر: حتى أتى بي سدرة المنتهى، ولأبي ذر: بي السدرة المنتهى
وهي في أعلى السموات وسميت بالمنتهى لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد إلا
نبينا * (فغشيها ألوان لا أدري ما هي) هو كقوله تعالى: ﴿إِذ يغشى السدرة ما يغشى)
[النجم: ١٦] فالإبهام للتفخيم والتهويل وإن كان معلومًا (ثم أدخلت) ولأبي ذر: ثم أدخلت الجنة
(فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ) بفتح الجيم والنون بعدها ألف فموحدة مكسورة فذال معجمة جمع جنبذة
وهي القبة (وإذا ترابها المسك). رائحة.
واستنبط من هذا الحديث فوائد كثيرة يأتي إن شاء الله تعالى في سورة هود الإلمام بشيء منها
في بابه بعون الله تعالى، وقد مرّ الحديث أوّل الصلاة.
إرشاد الساري/ ج ٧ / م ١٧

٢٥٨
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٦
٦ - باب قول اللّهِ تعالى: ﴿وإِلى عادٍ أخاهم هُودًا قال يا قوم اعْبُدُوا اللّه﴾ [هود: ٥٠]
وقولهِ: ﴿إِذْ أَنْذَرَ قومَهُ بالأحقاف﴾ - إِلى قوله - ﴿كذلكَ نَجزي القومَ المُجرمين﴾
[الأحقاف: ٢١] فيه عن عطاء وسُليمانَ عن عائشةَ عن النبيِّ وَّهِ. وقولِ اللهِ عزَّ
وجلَّ: ﴿وأما عادٌ فَأَهلِكوا بريح صَرْصَرٍ﴾ [الحاقَّة: ٨] شديدةٍ: ﴿عاتِية﴾. قال ابن
عُيَينةَ: عَتَتْ على الخُزانِ: ﴿سَخَّرَها عليهم سَبِعَ ليالٍ وثمانيةَ أيام حُسومًا﴾ مُتَتابعةً.
﴿فَتْرى القومَ فيها صَرْعى كأنَّهم أعجازُ نخلٍ خاوِيَةِ﴾:
أُصولُها. ﴿فهل تَرى لهم من باقية﴾: بقيّة.
(باب قول الله تعالى) في سورة هود (﴿وإلى عاد أخاهم هودًا﴾) [الأعراف: ٦٥] عطف على
قوله: ﴿لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه﴾ [الأعراف: ٥٩] كقولك: ضرب زيد عمرًا وبكر خالدًا
وليس هو من باب ما فصل فيه بين حرف العطف والمعطوف بالجار والمجرور نحو ضربت زيدًا
وفي السوق عمرًا فيجيء الخلاف المشهور، وقيل بل هو على إضمار فعل أي: وأرسلنا هودًا وهذا
أوفق لطول الفصل وهودًا بدل أو عطف بيان لأخيهم، وكان هود أخاهم في النسب لا في الدين
لأنه كان من قبيلة عاد وهم قبيلة من العرب بناحية اليمن كما يقال للرجل: يا أخا تميم، والمراد
رجل منهم وهو هود بن تارخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح (﴿قال يا قوم اعبدوا الله﴾)
[هود: ٥٠] أي وحدوه وسقط قوله قال يا قوم الخ ... لأبي ذر.
(وقوله) بالجر عطفًا على المجرور السابق (﴿إِذ أنذر قومه بالأحقاف)) [الأحقاف: ٢١] جمع
حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف الشيء إذا اعوج وكان قوم هود يسكنون
بين رمال مشرفة على البحر بالشحر من اليمن، وكانوا كثيرًا ما يسكنون الخيام ذوات الأعمدة
الضخام كما قال تعالى: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد﴾ [الفجر: ٧] وهي عاد
الأولى وأما عاد الثانية فمتأخرة وأما عاد الأولى: فمنهم ﴿عاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها
في البلاد﴾ [الفجر: ٧، ٨] أي مثل قبيلته، وقيل مثل العمد، ومن زعم أن إرم مدينة تدور في
الأرض فقد أبعد النجعة وقال ما لا دليل عليه ولا برهان يعول عليه (إلى قوله: ﴿كذلك نجزي
القوم المجرمين)) [الأحقاف: ٢٥] تخويف لكفار مكة أي ما سبق من قصتهم حكمنا فيمن كذب
رسلنا وخالف أمرنا.
(فيه) أي في هذا الباب (عن عطاء) هو ابن أبي رباح فيما وصله المؤلف في باب ما جاء
في قوله تعالى: ﴿هو الذي أرسل الرياح﴾ [الفرقان: ٤٨] (و) عن (سليمان) بن يسار فيما وصله
أيضًا في سورة الأحقاف كلاهما (عن عائشة) رضي الله عنها (عن النبي (وَل98) ولفظ الأولى كان إذا
رأى مخيلة أقبل وأدبر وفي آخره ولا أدري لعله كما قال قوم: ﴿فلما رأوه عارضًا مستقبل

٢٥٩
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٦
أوديتهم﴾ [الأحقاف: ٢٤] الآية. وفي الثانية قالت: ما رأيت رسول الله پر ضاحكًا حتى أرى
منه لهواته إنما كان يتبسم قالت: وكان إذا رأى غيمًا أو ريما عرف في وجهه؛ الحديث.
(وقول الله عز وجل) بالجر عطفًا على السابق ولغير أبي ذر وابن عساكر باب قول الله عز
وجل: (﴿وأما عاد﴾) عطف على قوله تعالى: ﴿فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية﴾) وأما عاد
(﴿فأهلكوا بريح صرصر﴾ شديدة) أي شديدة الصوت في الهبوب لها صرصرة وقيل باردة
(﴿عاتية﴾ قال ابن عيينة) في تفسيره (عنت على الخزان) وما خرج منها إلا مقدار الخاتم وعند ابن
أبي حاتم عن علي رضي الله عنه قال لم ينزل الله شيئًا من الريح إلا بوزن على يد ملك إلا يوم عاد
فإنه أذن أذن لها دون الخزان فعتت على الخزان أو المراد عتت على عاد فلم يقدروا على ردها عنهم
بقوّة ولا حيلة (﴿سخرها﴾) سلطها (﴿عليهم سبع ليال وثمانية أيام﴾) قيل كان أوّلها الجمعة
وقيل من صبيحة الأربعاء إلى غروب الأربعاء الآخر وقال وهب: العرب تسميها أيام العجوز
لإتيانها في عجز الشتاء وهي ذات برد ورياج شديدة (﴿حسومًا﴾) أي (متتابعة) دائمة ليس لها
فتور ولا انقطاع من حسمت الدابة إذا تابعت بين كيّها أو محسمات حسمت كل خير واستأصلته
أو قاطعات قطعت دابرهم (﴿فترى القوم﴾) إن كنت حاضرهم (﴿فیھا﴾) في تلك الأيام والليالي
أو في الليالي أو في مهابها (﴿صرعى﴾) موتى جمع صريع (﴿كأنهم أعجاز نخل خاوية﴾) أي
(أصولها) وخاوية أي متأكلة أجوافها شبههم بجذوع نخل خالية الأجواف ليس لها رؤوس وقيل
إن الريح أخرجت ما في بطونهم وكانت تحمل الرجل فترفعه في الهواء ثم تلقيه فتشدخ رأسه
فيصير جثة بلا رأس (﴿فهل ترى لهم من باقية﴾) [الحاقة: ٦- ٧- ٨] أي من (بقية). أو من
نفس باقية قيل إنهم لما أصبحوا موتى في اليوم الثامن كما وصفهم الله تعالى حملتهم الريح فألقتهم
في البحر فلم يبق منهم أحد.
٣٣٤٣ - حقّثنا محمدُ بن عَرْعَرةً حدَّثَنا شعبةُ عنِ الحَكمِ عن مُجاهِدٍ عنِ ابنِ عبّاسٍ رضيَ
اللّهُ عنهما عنِ النبيِّ ◌َِله قال: ((نُصِرتُ بالصَّبا، وأُهلِكَتْ عادٌ بالدَّبور)).
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدثنا (محمد بن عرعرة) بن البرند بكسر الموحدة
والراء وسكون النون ابن النعمان الناجي السامي بالسين المهملة القرشي البصري قال: (حدثنا
شعبة) بن الحجاج (عن الحكم) بفتحتين ابن عتيبة بضم العين مصغرًا (عن مجاهد) هو ابن جبر
(عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي وَّ) أنه (قال):
(نصرت) يوم الأحزاب (بالصبا) بفتح الصاد المهملة والموحدة مقصورًا أرسلها الله تعالى على
الأحزاب لما حاصروا المدينة فسفت التراب في وجوههم وقلعت خيامهم فانهزموا من غير قتال،
وعن عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب انطلقي ننصر رسول الله بَلر فقالت الشمال:
إن الحرّة لا تسري فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا رواه ابن جرير. (وأهلكت عاد) قوم
هود عليه الصلاة والسلام (بالدبور) بفتح الدال الريح التي تجيء من قبل وجهك إذا استقبلت

٢٦٠
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٦
القبلة فهي تأتي من دبرها. وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
قال رسول الله ويلير: ((ما فتح الله على عاد من الريح التي أهلكوا فيها إلاّ مثل موضع الخاتم
فمرّت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم بين السماء والأرض))، فلما رأى أهل الحاضرة
من عاد الريح وما فيها قالوا هذا عارض ممطرنا فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة
فهلكوا جميعًا، وروي أن هودًا عليه الصلاة والسلام لما أحس بالريح خطّ على نفسه وعلى المؤمنين
خطًا إلى جنب عين تنبع وكانت الريح التي تصيبهم رتجا طيبة هادئة والريح التي تصيب قوم عاد
ترفعهم من الأرض وتطير بهم إلى السماء وتضربهم على الأرض وأثر المعجزة إنما ظهر في تلك
الريح من هذا الوجه.
٣٣٤٤ - قال: وقال ابن كثيرٍ عن سُفيانَ عن أبيهِ عنِ ابنِ أبي نُعْمٍ عن أبي سعيدٍ رضيَ اللّهُ
عنه قال: ((بَعثَ عليٍّ رضيَ اللّه عنه إِلى النبيِّ وَّ بِذْهَيبةٍ، فَقَسمَها بينَ الأربعة، الأقرَعِ بنِ
حابسٍ الحَنْظليِّ ثمَّ المجاشِعيِّ، وعُيَينةَ بنِ بَدرِ الفَزاريّ، وزيدِ الطائيِّ ثمَّ أحدٍ بني نبهانَ،
وعَلقمةَ بنِ عُلاثةَ العامريِّ أحدٍ بني كلابٍ. فَغَضِبَت قريشٌ والأنصارُ قالوا: يُعطي صَناديدَ أهلٍ
نَجِدٍ وَيَدَعُنا. قال: إِنما أتألّفُهم. فأقبلَ رجلٌ غائرُ العَينَين مُشْرِفُ الوَجنتَين ناتىُ الجبين كثُ
اللّحيةِ مَحلوقٌ فقال: اتَّقِ اللَّهَ يا محمدُ، فقال: مَن يُطِعِ اللَّهَ إِذا عَصَيتُ؟ أيأمَنُني اللَّهُ على أهلِ
الأرض ولا تأمنُوني؟ فسألَهُ رجلٌ قَتْلَهُ - أحسِبُه خالدَ بنَ الوَليد - فمنَعَه، فلما ولَّى قال: إِنَّ من
ضْضيء هذا - أَو في عَقِبٍ هذا - قوم يَقْرَؤونَ القرآنَ لا يُجاوِزُ حَناجِرَهم، يَمرُقُونَ مِنَ الدِّين
مروقَ السَّهم منَ الرَّميَّة، يَقتُلونَ أهلَ الإِسلام وَيَدَعونَ أهلَ الأوثان، لَئن أنا أدركتُهُم لأقتُلَنَّهم قَتلَ
عاد)). [الحديث ٣٣٤٤ - أطرافه في: ٣٦١٠، ٤٣٥١، ٤٦٦٧، ٥٠٥٨، ٦١٦٣، ٦٩٣١،
٦٩٣٣، ٧٤٣٢، ٥٧٦٢].
(قال) أي المؤلف ولغير أبي ذر وقال (وقال ابن كثير) العبدي البصري، ووصله في تفسير
براءة فقال: حدثنا محمد بن كثير (عن سفيان) الثوري (عن أبيه) سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
(عن أبي نعم) بضم النون وسكون العين المهملة عبد الرَّحمن البجلي الكوفي العابد (عن أبي سعيد)
سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري (رضي الله عنه) أنه (قال: بعث علي) رضي الله عنه
أي من اليمن كما عند النسائي (إلى النبي ◌َّهر بذهيبة) بضم الذال مصغرًا على معنى القطعة من
الذهب أو باعتبار الطائفة ورجح لأنها كانت تبرًا (فقسمها) رسول الله وَلجر (بين الأربعة) ولأبي ذر
وابن عساكر: بين أربعة، ولمسلم: بين أربعة نفر (الأقرع بن حابس) بالحاء المهملة والموحدة
المكسورة والسين المهملة (الحنظلي) بالحاء المهملة والظاء المعجمة المفتوحتين بينهما نون ساكنة نسبة
إلى حنظلة بن مالك بن زيد مناة (ثم المجاشعي) نسبة إلى مجاشع بن دارم أحد المؤلفة قلوبهم
(وعيينة بن بدر الفزاري) بالفاء والزاء المخففة وبعد الألف راء نسبة إلى فزارة (وزيد الطائي) وكان