النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كتاب بدء الخلق / باب ١٦
(فحدثه أبو لبابة أن النبي وَلقر نهى عن قتل جنان البيوت) بكسر الجيم التي تأوي إلى البيوت
وتكون فيها (فأمسك) ابن عمر (عنها).
١٦ - باب إذا وقعَ الذَّبابُ في شرابٍ أحدِكم فلْيغمِسْهُ فإنَّ في أحدٍ جَناحَيهِ داءً
وفي الآخر شفاءً وخَمْسٌ من الدَّوابُ فواسِقُ يُقْتَلْنَ في الحَرَم
هذا (باب) بالتنوين (إذا وقع الذباب) بالمعجمة واحده ذبابة ولا تقل ذبابة (في شراب
أحدكم فليغمسه فإن في أحد جناحيه) ولأبوي ذر والوقت في إحدى جناحيه (داء وفي الآخر)
ولهما الأخرى (شفاء وخمس من الدواب) جمع دابة من دب على الأرض يدب دبيبًا (فواسق) صفة
المبتدأ وهو خمس وخبره (يقتلن) بضم أوله مبنيًا للمفعول (في الحرم) ففي الحل أولى والتبويب
وتاليه ثابت في الفرع لأبي ذر. قال الحافظ ابن حجر وقوله إذا وقع الذباب في شراب أحدكم
فليغمسه ثابت في رواية السرخسي ولا معنى لذكره هنا. قال: ووقع عنده أيضًا باب: خمس من
الدواب فواسق، وسقط من رواية غيره وهو أولى.
٣٣١٤ - حدّثنا مسدَّد حدَّثنا يزيدُ بن زُرَيع حدَّثنا مَعمرٌ عنِ الزُّهريِّ عن عُروةَ عن عائشةَ
رضيَ اللهُ عنها عنِ النبي ◌َِّ قال: ((خَمسٌ فَواسِقُ يُقتَلنَ في الحرَمِ: الفأرةُ والعَقرَبُ والحُدَيّا
والغرابُ والكلبُ العَقور)).
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي مصغرًا
قال: (حدّثنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن
الزبير بن العوام (عن عائشة رضي الله عنه عن النبي وَلاغير) أنه (قال):
(خمس) أي من الدواب كما في الرواية الآتية (فواسق يقتلن في الحرم) والحل (الفأرة) بالهمز
(والعقرب) وهو أصناف الجرارة والطيارة وما له من ذنب كالحربة وما له من ذنب معقف وفيها
السود والخضر والصفر ولها ثمانية أرجل وعيناها في ظهرها، ومن عجيب أمرها أنها لا تضرب
الميت ولا المغشي عليه ولا النائم إلا أن يتحرك شيء من بدنه فإنها عند ذلك تضربه (والحديا)،
بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وتشديد التحتية مقصورًا من غير همز تصغير حدأة كعنبة الطائر
المعروف. قيل: وفي طبعها أنها تقف في الطيران وليس ذلك لغيرها من الكواسر (والغراب) وهو
معروف وسمي بذلك لسواده ومنه قوله تعالى: (﴿وغرابيب سود﴾) [فاطر: ٢٧]. وهما لفظتان
بمعنى واحد. والعرب تتشاءم به ولذلك اشتقوا من اسمه الغربة والاغتراب وغراب البين الأبقع.
قال صاحب المجالسة: سمي غراب البين لأن بان عنه نوح عليه السلام لما وجهه إلى الماء فذهب
ولم يرجع، وقال ابن قتيبة: سمي فاسقًا لتخلفه حين أرسله نوح عليه السلام ليأتيه بخبر الأرض
فترك أمره ووقع على جيفة. (والكلب العقور) الجارح وهو معروف إذا عقر إنسانًا عرض له
أمراض ردئية.

٢٢٢
كتاب بدء الخلق/ باب ١٦
وسبق هذا الحديث في كتاب الحج في باب ما يقتل المحرم من الدواب.
٣٣١٥ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسلمَةَ أخبرنا مالكٌ عن عبدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ عن عبدِ اللهِ بْنِ
عُمَرَ رضي الله عنهما أن رسولَ اللَّهِ وَ ل﴿ قالَ: ((خَمسٌ منَ الدوابُ مَن قَتلهنَّ وهوَ مُحرِمٍ فلا
جُناحَ عليه: العقربُ والفأرة والكلبُ العقورُ والغُرابُ والحِدَأة)).
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن عبد اللَّه بن
دينار) العدوي مولاهم أبي عبد الرَّحمن المدني مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر رضي الله
عنهما أن رسول الله وَالخير قال):
(خمس من الدواب من قتلهن وهو محرم فلا جناح) لا إثم (عليه) في قتلهن (العقرب،
والفأرة، والكلب العقور، والغراب، والحدأة) بكسر الحاء وفتح الدال المهملتين مهموزًا.
٣٣١٦ - حدثنا مسدَّدٌ حدَّثَنا حمّادُ بن زيدٍ عن كَثيرِ عن عطاءِ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضيَ
اللّهُ عنهما رَفعَهُ قالَ: ((خَمْروا الآنيةَ، وأوْكوا الأسقيةَ، وأجيفوا الأبوابَ، واكفِتوا صِبيانَكم عندَ
المساءِ، فإِنَّ للجِن انتشارًا وخَطْفة، وأطفِئوا المصابيحَ عندَ الرُّقاد فإِنَّ الفُوَيسِقةَ ربَّما اجترَّتٍ
الفتيلةَ فأحرَقَتْ أهلَ البيت».
قال ابنُ جُرَيج وحَبِيبٌ عن عطاءٍ: ((فإِنَّ للشياطين)).
وبه قال: (حدثنا مسدد) أبو الحسن الأسدي البصري قال: (حدثنا حماد بن زيد) أي ابن
درهم الجهضمي (عن كثير) بالمثلثة ابن شنظير بكسر الشين والظاء المعجمتين بينهما نون ساكنة
وبعد التحتية الساكنة راء البصري وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وتوبع عليه كما في
آخره وآخر في السلام على المصلي، وله متابع عند مسلم من رواية أبي الزبير عن جابر (عن عطاء)
هو ابن أبي رباح (عن جابر بن عبد اللَّه) الأنصاري (رضي الله عنهما رفعه) أي إلى النبي وَلير أنه
(قال) قال الكرماني: وإنما قال رفعه لأنه أعم من أن يكون بالواسطة أو بدونها وأن يكون الرفع
مقارنًا لرواية الحديث أم لا. فأراد الإشارة إليه. وقال في الفتح: وقع عند الإسماعيلي من وجهين
عن حماد بن زيد قال رسول الله وله :
(خمّروا الآنية) بالخاء المعجمة والميم المشددة غطوها (وأوكوا الأسقية) بفتح الهمزة وسكون
الواو وضم الكاف من غير همز شدوها بالوكاء وهو الخيط (وأجيفوا الأبواب) بفتح الهمزة وكسر
الجيم وبعد التحتية الساكنة فاء أغلقوها (واكفتوا صبيانكم) بهمزة وصل وكسر الفاء بعدها فوقية،
وفي بعض النسخ بضم الفاء أي ضموهم (عند العشاء) بكسر العين المهملة وضبب عليها في
الفرع كأصله، ولأبوي ذر والوقت: عند المساء (فإن للجن) حينئذ (انتشارًا وخطفة) بفتح الخاء
المعجمة وسكون الطاء المهملة وفتح الفاء أخذًا للشيء بسرعة (واطفئوا المصابيح) بهمزة قطع

٢٢٣
کتاب بدء الخلق/ باب ١٦
وسكون المهملة وكسر الفاء بعدها همزة مضمومة (عند الرقاد) أي عند إرادة النوم (فإن الفويسقة)
الفأرة (ربما اجترت الفتيلة) من المصباح بالجيم الساكنة والفوقية والراء المشددة المفتوحتين (فأحرقت
أهل البيت) والأوامر في هذا الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة أو للندبية خصوصًا من ينوي
بفعلها الامتثال.
(قال ابن جريج): عبد الملك بن عبد العزيز فيما وصله المؤلف في أوائل هذا الباب،
(وحبيب) بفتح الحاء المهملة المعلم فيما وصله أحمد وأبو يعلى من طريق حماد بن سلمة عنه كلاهما
(عن عطاء) هو ابن أبي رباح (فإن للشيطان) ولأبي ذر: فإن للشياطين بدل قوله فإن للجن ولا
تضاد بينهما إذ لا محذور في انتشار الصنفين أو هما حقيقة واحدة يختلفان بالصفات قاله الكرماني.
٣٣١٧ - حدثنا عبدةُ بنُ عَبدِ اللَّه أخبرنا يحيى بْنُ آدَمَ عن إسرائيلَ عن منصورٍ عن
إِبراهيمَ عن عَلقمةَ عن عبدِ اللَّهِ قال: ((كنّا معَ رسولِ اللّهِ وَلَهَ في غارٍ، فنزَلَتْ: ﴿والمُرسَلاتِ
عُرفًا﴾ وإِنّا لنَتلقّاها من فيهِ إِذ خرَجت حيَّةٌ من ◌ُحرِها، فابتدَزْناها لنقتُلَها، فسبَقَتْنا فدَخَلَت
جُخرها، فقال رسولُ اللّهِ وَ﴿ وُقِيَتْ شرَّكم كما وُقِيتُم شرِّها)). وعن إسرائيلَ عنِ الأعمش عن
إبراهيمَ عن عَلقمةَ عن عبدِ اللّه .. مثله. قال: ((وإِنا لَنتلَقاها مِن فِيهِ رَطْبةً)). وتابعَهُ أبو عَوانةَ عن
مُغِيرةَ.
وقال حَفصٌ وأبو معاويةَ وسليمانُ بْنُ قَرْمِ عنِ الأعمشِ عن إِبراهيمَ عنِ الأسودِ عن
عبدِ الله.
وبه قال: (حدثنا عبدة بن عبد اللَّه) الصفار الخزاعي قال: (أخبرنا يحيى بن آدم) بن
سليمان القرشي الكوفي صاحب الثوري (عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي (عن
منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس النخعي عم الأسود بن يزيد
(عن عبد اللّه) بن مسعود رضي الله عنه أنه (قال: كنا مع رسول الله (وَّر في غار) بمنى (فنزلت)
عليه (﴿والمرسلات عرفًا﴾) [المرسلات: ١]. (فإنا لنتلقاها من فيهِ) أي من فمه (إذ خرجت حية
من جحرها) بتقديم الجيم المضمومة على الحاء المهملة الساكنة (فابتدرناها) تسابقنا إليها (لنقتلها
فسبقتنا فدخلت جحرها فقال رسول الله (ص 3)
(وقيت شركم كما وقيتم شرها) بضم الواو وتخفيف القاف مكسورة فيهما وشر نصب
كلاهما .
(و) روى هذا الحديث يحيى بن آدم (عن إسرائيل) بن يونس (عن الأعمش) سليمان بن
مهران كما رواه عن منصور بن المعتمر كلاهما (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن
عبد الله) بن مسعود (مثله. قال: وإنا لنتلقاها من فيه) وَ ل﴾ (رطبة) غضة طرية أوّل ما تلاها.

٢٢٤
کتاب بدء الخلق/ باب ١٦
(وتابعه) أي وتابع إسرائيل (أبو عوانة) الوضاح اليشكري في روايته (عن مغيرة) بن مقسم بكسر
الميم فيما وصله في تفسير سورة المرسلات. (وقال حفص): هو ابن غياث مما وصله في الحج
(وأبو معاوية) الضرير فيما وصله مسلم (وسليمان بن قرم) بفتح القاف وسكون الراء آخره ميم
الضبي مما قال الحافظ ابن حجر لم أقف عليه موصولاً الثلاثة (عن الأعمش عن إبراهيم عن
الأسود) بدل علقمة (عن عبد اللَّه) يعني ابن مسعود، وسقط لغير أبي ذر عن عبد اللَّه.
٣٣١٨ - حدثنا نصرُ بْنُ عليٍّ أخبرنا عبدُ الأعلى حدَّثنا عُبَيدُ اللّهِ بن عمرَ عن نافع عن
ابنِ عمرَ رضيَ اللّهُ عَنهما عنِ النبيِّ نَّهِ قال: ((دَخَلتِ امرأةٌ النارَ في هِرَّةٍ ربطَتْها، فلم تُطْعِمْها،
ولم تَدَعها تأكلُ من خشاش الأرض)). قال: وحدثنا عُبَيَدُ اللّهِ عن سعيدِ المقبُريّ عن أبي هريرةً
عنِ النبيِّ مَّرِ مثله.
وبه قال: (حدثنا نصر بن علي) الجهضمي الأزدي البصري قال: (أخبرنا عبد الأعلى) بن
عبد الأعلى السامي بالسين المهملة البصري قال: (حدثنا عبيد الله) بضم العين وفتح الموحدة (ابن
عمر) بن حفص العمري (عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ◌َّر أنه قال):
(دخلت امرأة النار) قال في الفتح: لم أقف على اسمها، وفي رواية أنها حميرية، وفي أخرى
أنها من بني إسرائيل ولا تضاد بينهما لأن طائفة من حمير دخلوا في اليهودية فنسبت إلى دينها تارة
وإلى قبيلتها أخرى (في) أي بسبب (هرة) أنثى السنور وجمعها هرر مثل قربة وقرب (ربطتها) وفي
باب: فضل سقي الماء من كتاب الشرب حبستها حتى ماتت جوعًا (فلم تطعمها) الفاء تفصيل
وتفسير للربط (ولم تدعها) أي لم تتركها (تأكل من خشاش الأرض) بتثليث الخاء المعجمة في الفرع
كأصله وبشينين معجمتين بينهما ألف أي حشراتها كالفأرة، وهذا مما استدركته عائشة على أبي
هريرة وقالت له: أتدري ما كانت المرأة، إن المرأة مع ما فعلت كانت كافرة إن المؤمن أكرم على
الله من أن يعذبه في حرة، فإذا حدثت عن رسول الله وَّر فانظر كيف تحدث.
(قال) عبد الأعلى السامي: (وحدثنا عبيد الله) بن عمر العمري (عن سعيد المقبري عن أبي
هريرة) رضي الله عنه (عن النبي ◌َّقر مثله).
٣٣١٩ - حدثنا إسماعيلُ بن أبي أُوَيس قال: حدثني مالك عن أبي الزنادِ عن الأعرّجِ عن
أبي هريرةَ رضيَ اللّهُ عنه أن رسول اللّهِ لَ ◌ّهِ قالَ: ((نزَلَ نبيَّ منَ الأنبياءِ تحتَ شجرةٍ فَلَدَغتَهُ
نملة، فأمرَ بجهازِهِ فأُخْرِجَ من تحتِها، ثم أمرَ بَبَيتِها فأحرِقَ بالنار، فأوحى اللّهُ إِليهِ: فَهَلا نملةً
واحدة)»؟
وبه قال: (حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن أبي

٢٢٥
کتاب بدء الخلق/ باب ١٧
الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرَّحمن (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن
رسول الله ◌َاخر قال):
(نزل نبي من الأنبياء) عزير أو موسى (تحت شجرة فلدغته) بالدال المهملة والغين المعجمة
قرصته (نملة) سميت نملة لتنملها وهو كثرة حركتها وقلة قوائمها (فأمر بجهازه) بفتح الجيم
وكسرها أي بمتاعه (فأخرج من تحتها) أي من تحت الشجرة (ثم أمر ببيتها) أي ببيت النملة. وفي
الجهاد من طريق الزهري بقرية النمل أي موضع اجتماعها (فأحرق بالنار فأوحى الله) عز وجل
(إليه) إلى ذلك النبي وي ليه (فهلا) أحرقت (نملة واحدة)؟ وهي التي قرصتك دون غيرها إذا لم يقع
منها ما يقتضي إحراقها. وقول النووي ولعله كان جائزًا في شريعة ذلك النبي قتل النمل
والتعذيب بالنار متعقب بأنه لو كان جائزًا لم يعاتب أصلاً ورأسًا. ولا يجوز عندنا قتل النمل
لحديث ابن عباس المروي في السنن: أن النبي ◌َّ نهى عن قتل النملة والنحلة، لكن خص
الخطابي النهي بالسليماني الكبير أما الصغير المسمى بالذر فقتله جائز، وكره مالك قتل النمل إلا أن
يضر ولا يقدر على دفعه إلاّ بالقتل.
وقال الدميري: قوله هلا نملة واحدة دليل على جواز قتل المؤذي وكل قتل كان لنفع أو
دفع ضرر فلا بأس به عند العلماء ولم يخص تلك النملة التي لدغت من غيرها لأنه ليس المراد
القصاص لأنه لو أراده لقال: هلا نملتك التي لدغتك، ولكن قال: هلا نملة فكأن نملة تعم
البريء والجاني، وقد ذكر أن لهذه القصة سببًا وهو أن هذا النبي مرّ على قرية أهلكها الله
بذنوب أهلها فوقف متعجبًا فقال: يا رب كان فيهم صبيان ودواب ومن لم يقترف ذنبًا ثم نزل
تحت شجرة فجرت له هذه القصة فنبهه الله عز وجل على أن الجنس المؤذي يقتل وإن لم يؤذ،
والحاصل أن العقوبة من الله عز وجل تعم فتصير رحمة على المطيع وطهارة له وشرًّا ونقمة على
العاصي.
(لطيفة) :
روى الداقطني والحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مما ذكره في حياة الحيوان أن
النبي ◌َّه قال: ((لا تقتلوا النمل فإن سليمان عليه السلام خرج ذات يوم يستسقي فإذا هو بنملة
مستلقية على قفاها رافعة قوائمها تقول: اللهم إنا خلق من خلقك لا غنى لنا عن فضلك. اللهم
لا تؤاخذنا بذنوب عبادة الخاطئين واسقنا مطرًا تنبت لنا به شجرًا وأطعمنا ثمرًا. فقال سليمان
عليه السلام لقومه: ارجعوا فقد كفينا وسقيتم بغيركم)).
١٧ - باب إِذا وقعَ الذَّبابُ في شَرابٍ أحدِكم فلْيَغْمِسْه
فإِنَّ في إحدى جَناحَيهِ داءً وفي الأخرى شِفاءً
هذا (باب) بالتنوين (إذا وقع الذباب) بالذال المعجمة (في شراب أحدكم فليغمسه) أي فيه
إرشاد الساري/ ج ٧/ م ١٥

٢٢٦
کتاب بدء الخلق/ باب ١٧
(فإن في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى شفاء) كذا لأبي ذر عن الحموي وسقط لغيره وهو أولى
إذ لا تعلق للأحاديث اللاحقة بذلك كما ستراه قريبا إن شاء الله تعالى.
٣٣٢٠ - حدثنا خالدُ بن مَخْلَدِ حدَّثَنَا سُليمانُ بن بِلالٍ قال: حدثني عُتبةُ بن مُسلم قال:
أخبرَني عُبَيْدُ بنُ حُنينٍ قال: سمعتُ أبا هريرةَ رضي الله عنه يقول: قال النبيُّ ◌َّرِ: ((إذا وقعَ
الذُّبابُ في شرابٍ أحدِكم فليَغْمِسْه ثم لِيَنزِعْهُ، فإِن في إحدى جَناحيهِ داءً والأُخْرِى شِفاءً».
[الحديث ٣٣٢٠ - طرفه في: ٥٧٨٢].
وبه قال: (حدثنا خالد بن مخلد) بفتح الميم واللام بينهما خاء معجمة ساكنة البجلي الكوفي
قال: (حدثنا سليمان بن بلال) القرشي التيمي (قال: حدثني) بالإفراد (عتبة بن مسلم) بضم العين
المهملة وسكون الفوقية وفتح الموحدة مولى بني تميم (قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد بن حنين) بضم
العين والحاء المهملتين مصغرتين مولى زيد بن الخطاب القرشي العدوي (قال: سمعت أبا هريرة
رضي الله عنه يقول: قال النبي ◌َلِ﴾):
(إذا وقع الذباب في شراب أحدكم) هو شامل لكل مائع وعند ابن ماجه من حديث أبي
سعيد فإذا وقع الطعام، وعند أبي داود من حديث أبي هريرة: فإذا وقع في إناء أحدكم، والإناء
يكون فيه كل شيء من مأكول ومشروب (فليغمسه) زاد في الطب كله وفيه رفع توهم المجاز في
الاكتفاء بغمس بعضه والأمر للإرشاد لمقابلة الداء بالدواء (ثم لينزعه) ولأبي ذر عن الحموي
والمستملي: ثم لينتزعه بزيادة فوقية قبل الزاي. وفي الطب ثم ليطرحه وفي البزار برجال ثقات أنه
يغمس ثلاثًا مع قول سم الله (فإن في إحدى جناحيه) بكسر الهمزة وسكون الحاء وهو الأيسر كما
قيل (داء والأخرى) بضم الهمزة وهو الأيمن (شفاء) والجناح يذكر ويؤنث فإنهم قالوا: في جمعه
أجنحة وأجنح فأجنحة جمع المذكر كقذال وأقذلة، وأجنح جمع المؤنث كشمال وأشمل. والحديث
هنا جاء على التأنيث وحذف حرف الجر في قوله والأخرى، وفيه شاهد لمن يجيز العطف على
معمولي عاملين كالأخفش، وبقية مبحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في الطب بمنّه وكرمه.
واستنبط من الحديث أن الماء القليل لا ينجس بوقوع ما لا نفس له سائلة فيه ووجهه كما
نقل عن الشافعي أنه قد يفضي الغمس إلى الموت سيما إذا كان المغموس فيه حارًا فلو نجسه لما
أمر به لكن هذا الإطلاق قيده في المهمات بما إذا لم يتغير الماء به فإن تغير فوجهان. والصحيح أنه
ينجس، وحكى في الوسيط عن التقريب قولاً فارقًا بين ما تعم به البلوى كالذباب والبعوض فلا
ينجس وبين ما لا تعم كالعقارب والخنافس فينجس. وحكاه الرافعي في الصغير. قال الأسنوي:
وهو متعين لا محيد عنه لأن محل النص فيه معنيان مناسبان عدم الدم المتعفن وعموم البلوى فكيف
يقاس عليه ما وجد فيه أحدهما بل المتجه اختصاصه بالذباب لأن غمسه لتقديم الداء وهو مفقود
في غيره.

٢٢٧
كتاب بدء الخلق/ باب ١٧
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الطب وابن ماجه فيه أيضًا.
٣٣٢١ - هذّثنا الحسنُ بن الصبّاحِ حدَّثَنا إِسحاقُ الأزرقُ حدَّثَنا عوفٌ عن الحسنِ وابنٍ
سِيرينَ عن أبي هريرةَ رضيَ اللّهُ عنه عن رسولِ اللّهِ وَ لَ قال: ((غُفِرَ لامرأةٍ مُومسةٍ مرَّتْ بكلب
على رأس رَكِيّ يَلهثُ، قال: كادَ يَقتُلُهُ العَطَش - فنزَعَتْ خُفَّها فأوثقَتْهُ بخمارِها فنزَعَتْ لَهُ منَ
الماءِ، فَغُفِرَ لها بذلك)). [الحديث ٣٣٢١- طرفه في: ٣٤٦٧].
وبه قال: (حدثنا الحسن بن الصباح) بتشديد الموحدة أبو عليّ الواسطي قال: (حدثنا
إسحق) بن يوسف الواسطي (الأزرق) قال: (حدّثنا عوف) الأعرابي (عن الحسن) البصري (وابن
سيرين) محمد كلاهما (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله وَ ل﴿) أنه (قال):
(غفر) بضم أوّله مبنيًا للمفعول أي غفر الله (لامرأة) لم تسم (مومسة) بميم مضمومة فواو
ساكنة فميم مكسورة فسين مهملة زانية (مرت بكلب على رأس ركيّ) بفتح الراء وكسر الكاف
وتشديد التحتية بئر لم تطو (يلهث) بالمثلثة يخرج لسانه عطشًا (قال: كاد يقتله العطش فنزعت خفّها)
من رجلها (فأوثقته بخمارها) بكسر الخاء المعجمة بنصيفها (فنزعت له من الماء) استقت للكلب
بخفها من الركية (فغفر لها بذلك) أي بسبب سقيها الكلب.
وفيه أن الله تعالى يتجاوز عن الكبيرة بالعمل اليسير تفضلاً منه. وهذا الحديث أخرجه أيضًا
في الطهارة والشرب والنسائي.
٣٣٢٢ - حذّثنا عليَّ بن عبدِ اللّهِ حدَّثَنا سفيانُ قالَ: حفِظتُهُ منَ الزُّهريِّ كما أنكَ ها هنا،
أخبرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ عنِ ابنِ عبّاس عن أبي طلحةَ رضيَ اللّهُ عنهم عن النبيِّوَِّ قال: ((لا تدخُلُ
الملائکةُ بیتًا فیہ کلبٌ ولا صُورة».
وبه قال: (حدثنا علي بن عبد اللَّه) المديني قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة (قال: حفظته) أي
الحديث (من الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (كما أنك ههنا)، قال الكرماني: يعني كما لا
يشك في كونك في هذا المكان كذلك لا شك في حفظي من قال: (أخبرني) بالإفراد (عبد اللَّه)
بضم العين مصغرًا ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود (عن ابن عباس عن أبي طلحة) زيد بن سهل
الأنصاري (رضي الله عنه عن النبي وَلاغير) أنه (قال):
(لا تدخل الملائكة) غير الحفظة (بيتًا فيه كلب) يحرم اقتناؤه (ولا صورة) لحيوان أو الحكم
عام في كل كلب وكل صورة.
وقد سبق هذا الحديث في باب: إذا قال أحدكم آمين.

٢٢٨
کتاب بدء الخلق/ باب ١٧
٣٣٢٣ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بن يوسُفَ أخبرنا مالكٌ عن نافع عن عبدِ اللَّهِ بْنِ عمر رضيَ اللّهُ
عنهما: ((أنَّ رسولَ اللّهِ بِّهِ أَمرَ بقتلِ الكلاب)).
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) هو ابن أنس الإمام
(عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله يتلقى أمر بقتل
الكلاب). وفي مسلم من حديث عبد الله بن مغفل قال: أمر رسول الله مَ له بقتل الكلاب ثم
قال: ((ما بالهم وبال الكلاب)) ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم فحمل الأصحاب الأمر
بقتلها على الكلب العقور، واختلفوا في قتل ما لا ضرر فيه منها فقال القاضي حسين وإمام
الحرمين والماوردي في باب بيع الكلاب، والنووي في أول البيع من شرحي المهذب ومسلم، لا
يجوز قتلها. وقال في باب: محرمات الإحرام إنه الأصح وإن الأمر بقتلها منسوخ، وعلى الكراهة
اقتصر الرافعي في الشرح وتبعه في الروضة وزاد كراهة تنزيه، ولكن قال الشافعي في الأم في
باب الخلاف في ثمن الكلب واقتل الكلاب التي لا نفع فيها حيث وجدتها وهذا هو الراجح في
المهمات ولا يجوز اقتناء الكلب الذي لا منفعة فيه.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في البيوع والنسائي في الصيد وكذا ابن ماجه.
٣٣٢٤ - حدثنا موسى بنُ إِسماعيلَ حَدَّثَنا همّامٌ عن يحيى قال: حدَّثني أبو سلمةَ أنَّ أبا
هريرةَ رضيَ اللّهُ عنه حدَّثه قال: قال رسولُ اللّهِ وَّهِ: (مَنْ أمسك كلبًا يَنقُصُ مِن عملهِ كلَّ يومٍ
قيراطُ، إِلا كلبَ حَرثٍ أو كلبَ ماشية)).
وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدثنا همام) هو ابن يحيى العوذي
بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة البصري (عن يحيى) هو ابن أبي كثير قال:
(حدثني) بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرَّحمن بن عوف (أن أبا هريرة رضي الله عنه حدّثه قال:
قال رسول الله (صَاء):
(من أمسك كلبًا ينقص من) أجر (عمله كل يوم قيراط) ولمسلم: قيراطان والحكم للزائد
لأنه حفظ ما لم يحفظه الآخر أو يحمل على نوع من الكلاب بعضها أشد أذى من بعض أو لمعنى
فيهما أو أنه يختلف باختلاف المواضع فيكون القيراطان في المدائن ونحوها، والقيراط في البوادي
أو يكون في زمنين فذكر القيراط أوّلاً ثم زاد التغليظ فذكر القيراطين، والمراد بالقيراط مقدار
معلوم عند الله تعالى ينقص من أجر عمله (إلا كل حرث أو ماشية) غنم فيجوز وإلاّ هنا معنى
غير صفة لكلب لا استثناء لتعذره، ويجوز أن تنزل النكرة منزلة المعرفة فيكون استثناء لا صفة كأنه
قيل من أمسك الكلب قاله الطيبي. وأو للتنويع وقيس عليه إمساكها لحراسة الدور والدواب.
وهذا الحديث سبق في باب اقتناء الكلب للحرث من كتاب المزارعة.

٢٢٩
کتاب بدء الخلق/ باب ١٧
٣٣٢٥ - حدثنا عبدُ اللّهِ بنُ مَسلمةَ حدَّثَنا سليمانُ قال: أخبرَني يزيدُ بن خُصَيفةَ قالَ:
أخبرني السائبُ بن يزيدَ سمِعَ سفيانَ بنَ أبِي زُهَيرِ الشنّيّ أنهُ سمِعَ رسولَ اللّهِ وَ لَه يقول: ((مَن
اقْتَنى كلبًا لا يُغني عنهُ زَرعًا ولا ضَرعًا نَقْصَ مِن عملهِ كلَّ يوم قيراط. فقال السائبُ: أنتَ
سمعتَ هذا من رسولِ اللَّهِ وََّ؟ قالَ: إي وربٌ هذهِ القِبلة)).
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي قال: (حدثنا سليمان) هو ابن بلال (قال:
أخبرني) بالإفراد (يزيد بن خصيفة) هو يزيد من الزيادة ابن عبد الله بن خصيفة بضم الخاء
المعجمة وفتح الصاد المهملة والفاء مصغرًا الكندي المدني ونسبه لجده (قال: أخبرني) بالإفراد
(السائب بن يزيد) الكندي صحابي صغير أنه (سمع سفيان بن أبي زهير الشني) بفتح الشين
المعجمة وكسر النون المشددة والتحتية المشددة، ولأبي ذر بالتنوين بفتح النون المخففة وزيادة واو
مكسورة بعدها وفي نسخة الشنئي بفتح الشين والنون وبهمزة مكسورة نسبة إلى شنوءة (أنه سمع
رسول الله * يقول) :
(من اقتنى كلبًا لا يغني عنه زرعًا ولا ضرعًا) أي لا ينفعه من جهة الزرع والضرع وفي
القاموس الضرع معروف للظلف والخف أو للشاة والبقرة ونحوهما (نقص من عمله كل يوم قيراط
فقال السائب) لسفيان بن أبي زهير: (أنت سمعت هذا من رسول الله وَلا؟ قال) سفيان: (إي
ورب هذه القبلة). بكسر الهمزة حرف جواب بمعنى نعم، فيكون لتصديق الخبر وإعلام المستخبر
ولوعد الطالب وتوصل باليمين كما وقع هنا، ولم يظهر له تعلق بعض هذه الأحاديث بترجمة
الباب، وما ذكره الكرماني من قوله: إن هذا آخر كتاب بدء الخلق وإنه ذكر فيه ما ثبت عنده مما
يتعلق ببعض المخلوقات فلا يخفى بعده. والله الموفق.
هذا آخر كتاب بدء الخلق وتم في يوم الأربعاء المبارك العشرين من شهر شوّال سنة عشر
وتسعمائة، وأستودع الله تعالى نفسي وديني وابنتي وأحبابنا والمسلمين وأن يطيل أعمارنا في
طاعته، ويلبسنا أثواب عافيته بمنه ورحمته، ويفرّج كربنا ويحسن عاقبتنا والمسلمين ويرفع هذا
الطعن والطاعون والوباء عنا أجمعين، ويمن بإكمال هذا الكتاب على يدي ويجعله لوجهه الكريم
وينفعني به والمسلمين والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
وسلم.

بسم الله الرحمن الرحيم
٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء
١ - باب خَلقِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ
﴿صَلْصال﴾: طينٌ خُلط برَمل، فصَلْصَلَ كما يُصَلصِلُ الفَخَّار، ويقال مُنتِنٌ يريدون به
صَلّ، كما يقال صَرَّ البابُ وصَرْصَر عندَ الإِغلاق، مثلُ كبكبته يعني كَبِيتُه. ﴿فمرَّت به﴾: استمرّ
بها الحملُ فأتمَّتْه. ﴿أن لا تسجُدَ﴾: أن تَسجُدَ. وقول اللّهِ تعالى: ﴿وإذ قال ربُّكَ للملائكةِ إِنِي
جاعلٌ في الأرضِ خليفة﴾ [البقرة: ٣٠]. قال ابنُ عبّاسٍ: ﴿لما عليها حافظ﴾: إلا عليها حافظ
﴿فِي كَبَد﴾: في شِدَّةِ خَلق. ﴿ورياشًا﴾: المال. وقال غيرهُ: الرِّياش والرِّشُ واحد وهوَ ما ظهرَ
منَ اللباس. ﴿ما تُمْنُون﴾: النُّطفة في أرحام النساءِ. وقال مجاهد: ﴿إنّهُ على رَجعهِ لقادِر):
النُّطفة في الإحليل. كلُّ شيءٍ خلقه فهوَ ﴿شفع﴾: السماءُ شفع. ﴿والوَترُ﴾: اللّهُ عزَّ وجلَّ.
﴿في أحسَنِ تقويم﴾: في أحسنٍ خَلقٍ، ﴿أسفَلَ سافلينَ﴾: إلاّ مَن آمَن. ﴿خُسرٍ﴾: ضلال، ثمّ
استثنى فقال إلّ مَن آمَن. ﴿لازِب﴾: لازم. ﴿ننشِئكم﴾: في أيّ خلقٍ نَشاء. ﴿نُسَبِّحُ بحمدِك﴾:
نُعظّمكَ. وقال أبو العالية: ﴿فتلقَّى آدمُ مِن ربِّه كلمات﴾: فهوَ قولهُ: ﴿ربَّنا ظلَمنا أنفُسنا﴾.
﴿فَأَزَلَّهما﴾: فاستزَلَّهما. و﴿يَتسنَّة﴾: يَتغيَّر. ﴿آَسِن﴾: مَتغيِّر. و ﴿المسْنون﴾: المتغيّر.
﴿حَمَا﴾: جمع حَمْأة وهو الطينُ المتغيِّر. ﴿يَخْصِفان﴾: أخْذُ الخصاف ﴿مِن ورَقِ الجنة﴾
يُؤَلِّفانِ الورقَ ويَخصفان بعضَهُ إِلى بعض. ﴿سَوْآتهما﴾: كناية عن فَرَجَيهما. ﴿ومَتاعٍ إِلى حِين﴾
هاهنا إلى يوم القيامة، الحِين عندَ العرب: من ساعة إلى ما لا يحصى عددُه. ﴿قَبيلهُ﴾: جِيلهُ
الذي هو منهم.
(باب) ذكر (خلق آدم) صلوات الله عليه وسلامه (و) ذكر خلق (ذريته) وفي نسخة صحيحة
كما في اليونينية: كتاب الأنبياء وعددهم مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألفًا أرسل منهم ثلاثمائة

٢٣١
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ١
وثلاثة عشر كما صححه ابن حبان من حديث أبي ذر مرفوعًا صلوات الله عليهم، وفي أخرى
كتاب أحاديث الأنبياء عليهم السلام باب: خلق آدم صلوات الله عليه وذريته.
((صلصال﴾﴾ [الحجر: ٢٦]. في قوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من صلصال﴾ هو (طين)
يابس (خلط برمل فصلصل) أي صوّت (كما يصلصل الفخار) يصوّت إذا نقر (ويقال منتن) بضم
الميم (يريدون به صل) فضوعف فاء الفعل فصار صلصل (كما يقال) ولأبي ذر وأبي الوقت كما
تقول (صرّ الباب) إذا صوّت (وصرصر عن الإغلاق) فضوعف فيه كذلك (مثل كبكبته)
بتضعيف الكاف (يعني كبيته) بتخفيف الموحدة الأولى وسكون الثانية.
(﴿فمرّت به﴾﴾ [الأعراف: ١٨٩]. في قوله تعالى: ﴿فلما تغشاها﴾ أي جامع آدم حواء
حملت حملاً خفيفًا فمرت به أي (استمر بها الحمل فأتمته) أي وضعته.
(﴿أن لا تسجد﴾﴾ [الأعراف: ١٢]. في قوله تعالى ﴿ما منعك أن لا تسجد﴾ أي (أن
تسجد) فلا صلة مثلها في لئلا يعلم مؤكدة معنى الفعل الذي دخلت عليه ومنبهة على أن الموبخ
عليه ترك السجود، وقيل الممنوع عن الشيء مضطرًا إلى خلافه فكأنه قيل ما اضطرك إلى أن لا
تسجد قاله في الأنوار.
(باب قول الله تعالى) وسقط لأبي ذر وفي روايته وأبي الوقت وقول الله تعالى: (﴿وإذ قال
ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾) [البقرة: ٣٠]. أي قومًا يخلف بعضهم بعضًا قرنًا
بعد قرن وجيلاً بعد جيل كما قال تعالى: ﴿هو الذي جعلكم خلائف في الأرض﴾
[الأنعام: ١٦٥]. وأن المراد آدم لأنه خلف الجن وجاء بعدهم أو لأنه خليفة الله في أرضه لإقامة
حدوده وتنفيذ قضاياه ورجح القول الأول بأنه لو كان المراد آدم نفسه لما حسن قول الملائكة ((أتجعل
فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)).
(قال ابن عباس) في قوله تعالى: (﴿م١﴾) بتشديد الميم (﴿عليها حافظ﴾) [الطارق: ٤] أي
(إلا عليها حافظ) وهي قراءة عاصم وحمزة وابن عامر فلما بمعنى إلا الاستثنائية وهي لغة هذيل
يقولون سألتك بالله لما فعلت بمعنى ألا فعلت، وهذا وصله ابن أبي حاتم وزاد عليها حافظ من
الملائكة. وقال قتادة: هم حفظة يحفظون عملك ورزقك وأجلك وقيل هو الله رقيب عليها.
(﴿في كبد﴾) [البلد: ٤]. أي (في شدة خلق) بفتح الخاء وسكون اللام رواه ابن عيينة في
تفسیره عن ابن عباس بإسناد صحيح وأخرجه الحاكم في مستدركه وقيل لأنه يكابد مصائب الدنيا
وشدائد الآخرة، وقيل لم يخلق الله خلقًا يكابد ابن آدم وهو مع ذلك أضعف خلق الله.
(﴿ورياشًا﴾) بفتح الياء وألف بعدها جمع ريش فهو كشع وشعاب وهي قراءة الحسن ولأبي
ذر (وريشًا) بسكون الياء وإسقاط الألف وهي القراءة المتواترة في قوله تعالى: ﴿قد أنزلنا عليكم
لباسًا يواري سوآتكم وريشًا﴾ [الأعراف: ٢٦]. قال ابن عباس: الرياش هو (المال). رواه عنه

٢٣٢
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ١
ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة يقال تريش الرجل إذا تموّل (وقال غيره): غير ابن
عباس (الرياش) بالألف (والريش) بإسقاطها (واحد وهو ما ظهر من اللباس) وعن ابن الأعرابي:
كل شيء يعيش به الإنسان من متاع أو مال أو مأكول فهو ريش ورياش، وقال ابن السكيت:
الرياش مختص بالثياب والأثاث والريش قد يطلق على سائر الأموال.
(﴿ما تمنون﴾) [الواقعة: ٥٨]. قال الفراء هي (النطفة في أرحام النساء). وقرىء تمنون
بفتح التاء من منى النطفة بمعنى أمناها وقراءة الجمهور بضمها من أمنى. قال القرطبي: ويحتمل
أن يختلف معناهما فيكون أمنى إذا أنزل عن جماع ومنى إذا أنزل عن احتلام.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿أنه على رجعه لقادر﴾) [الطارق: ٨]. هو (النطفة في
الإحليل). قادر على أن يردّها فيه والضمير للخالق ويدل عليه خلق وقيل قادر على ردّ الماء في
الصلب الذي خرج منه، وسقط لأي ذر لفظ: إنه ولقادر (كل شيء خلقه فهو ﴿شفع﴾ السماء
شفع) يعني أن كل شيء له مقابل يقابله فهو بالنسبة إليه شفع كالسماء والأرض والبر والبحر
والجن والإنس ونحو هذا شفع. (﴿والوتر﴾) [الفجر: ٣] (الله عز وجل) وحدّه وهذا وصله
الطبري عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿ومن كل شيء خلقنا زوجين﴾ [الذاريات: ٤٩]. بنحوه وعن
ابن عباس فيما أخرجه الطبري أيضًا من طرق صحيحة الوتر يوم عرفة والشفع يوم الذبح.
(﴿في أحسن تقويم﴾) قال مجاهد فيما أخرجه الفريابي أي (في أحسن خلق) بفتح الخاء
منتصب القامة حسن الصورة (﴿أسفل سافلين)) [التين: ٤، ٥]. بأن جعلناه من أهل النار أو
كناية عن الهرم والضعف فينقص عمل المؤمن عن زمن الشباب ويكون له أجره لقوله تعالى: ﴿إلا
الذين آمنوا﴾ قال مجاهد: (إلا من آمن) أي لكن من آمن فالاستثناء منقطع، والمعنى ثم رددناه
أسفل سافلين رددناه إلى أرذل العمر فنقص عمله فنقصت حسناته، لكن من آمن وعمل الصالحات
ولازم عليها إلى زمن الهرم والضعف فإنه يكتب له بعدة مثل الذي كان يعمل في الصحة.
(﴿خسر﴾) في قوله تعالى: ﴿إن الإنسان لفي خُسر﴾ [العصر: ٢]. أي (ضلال ثم استثنى
فقال: إلاّ من آمن) فليس في ضلال قال مجاهد فيما أخرجه الفريابي وذكر بالمعنى وإلاّ فالتلاوة
﴿إلا الذين آمنوا﴾ وثبت لأبي ذر لفظ فقال.
(﴿لازب﴾) في قوله تعالى: ﴿إنا خلقناهم من طين لازب﴾ [الصافات: ١١]. قال أبو
عبيدة (لازم) بالميم. قال النابغة:
ولا تحسبون الشرّ ضربة لازب
أي لازم. وعن مجاهد فيما رواه الطبري لازق، وعن ابن عباس من التراب والماء فيصير
طينًا يلزق فلعل تفسيره باللازم تفسير بالمعنى وأكثر أهل اللغة على أن الباء في اللازب بدل من
الميم فهما بمعنى، وقد قرىء لازم بالميم لأنه يلزم اليد وقيل اللازب المنتن.
٠٠٠

٢٣٣
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ١
(﴿نتشئكم﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وننشئكم فيما لا تعلمون﴾ [الواقعة: ٦١]. أي (في أي
خلق نشاء) أي من الصور والهيئات. وقال الحسن: أي نجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بأقوام
قبلكم.
(﴿نسبح بحمدك﴾) [البقرة: ٣٠]. يريد قوله: ﴿ونحن نسبح بحمدك﴾ قال مجاهد: أي
(نعظمك) بأن نبرئك من كل نقص فنقول: سبحان الله وبحمده. (وقال أبو العالية): رفيع بن
مهران الرياحي فيما وصله الطبري بإسناد حسن في قوله تعالى: (﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾)
[البقرة: ٣٧]. (فهو قوله) تعالى: (﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾) [الأعراف: ٢٣]. الآية. (﴿فأزلهما))
[البقرة: ٣٦]. أي (فاستزلهما) دعاهما إلى الزلة وهي الخطيئة لكنها صغيرة وعبر عنها في طه
بقوله (وعصى) تعظيمًا للزلة وزجرًا لأولاده عنها (﴿ويتسنه﴾) في قوله تعالى: ﴿فانظر إلى طعامك
وشرابك لم يتسنه﴾ [البقرة: ٢٥٩]. أي لم (يتغير) ولأبي ذر: يتسنه يتغير. (﴿آسن﴾) في قوله
تعالى: ﴿من ماء غير آسن﴾ [محمد يظهر: ١٥]. معناه متغير و (﴿المسنون﴾) في قوله تعالى: ﴿من
حما مسنون﴾ [الحجر: ٢٦]. معناه (المتغير) من الطين ((حما﴾) بفتح الميم (جمع حمأة) بسكونها
(وهو الطين المتغير) المسود من طول مجاورة الماء. وقوله: ﴿يتسنه﴾ لم يتغير ذكره بطريق التبعية
للمسنون وهذا كله تفسير أبي عبيدة لا من تفسير أبي العالية ويحتمل أنه كان في الأصل بعد قوله:
﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ [الأعراف: ٢٣]. وقال غيره: فأزلهما.
(﴿يخصفان)) قال أبو عبيدة هو (أخذ الخصاف) بسكون خاء أخذ وضم الذال والخصاف
بكسر الخاء وجر الفاء في الفرع كأصله وفي غيرهما أخذ الخصاف بفتح الخاء والذال وألف التثنية
ونصب الفاء على المفعولية ﴿من ورق الجنة﴾ قال ابن عباس: من ورق التين (يؤلفان الورق
ويخصفان) يلزقان (بعضه إلى بعض) ليسترا به عورتهما (﴿سوآتهما﴾ كناية عن فرجهما) ولأبي ذر:
فرجيهما بفتح الجيم وتحتية ساكنة والضمير لآدم وحواء (﴿ومتاع إلى حين﴾) [الأنبياء: ١١١].
المراد به (ههنا إلى يوم القيامة، والحين عند العرب: من ساعة إلى ما لا يحصى عدده). كذا رواه
الطبري عن ابن عباس بنحوه.
(﴿قبيله﴾) في قوله تعالى: ﴿إنه يراكم هو وقبيله﴾ [الأعراف: ٢٧]. أي (جيله الذي هو
منهم) كذا قاله أبو عبيدة. وعن مجاهد فيما ذكره الطبري الجن والشياطين.
٣٣٢٦ - حدثنا عبدُ اللّهِ بن محمدٍ حدَّثَنا عبدُ الرزّاقِ عن مَعْمرٍ عن همّامٍ عن أبي هريرةَ
رضيَ اللّهُ عنه عنِ النبيِّ وَ ◌ّ قال: ((خَلَقَ اللّهُ آدَمَ وطولهُ سِتُون ذِراعًا، ثم قال: اذهَبْ فسلم على
أُولئكَ منَ الملائكة فاستمِعْ ما يُحيُّونَك، تحيَّتُك وتحيَّة ذُرِيتكَ. فقال: السَّلام عليكم فقالوا:
السلامُ عليكَ ورحمة اللّهِ. فزادوهُ: ورحمةُ اللّهِ فكلُّ مَن يَدخُلُ الجنةَ على صورةِ آدمَ، فلم يَزَلِ
الخَلقُ يَنقُصُ حتى الآنَ)). [الحديث ٣٣٢٦ - طرفه في: ٦٢٢٧].

٢٣٤
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ١
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدثنا (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدثنا
عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (عن معمر) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة هو ابن
راشد (عن همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى هو ابن منبه (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن
النبي ◌َّ﴾﴾ أنه (قال):
(خلق الله) عز وجل (آدم) عليه الصلاة والسلام زاد عبد الرزاق عن معمر على صورته
والضمير لآدم أي أن الله أوجده على الهيئة التي خلقه الله عليها لم ينتقل في النساء أحوالاً ولا
تردد في الأرحام أطوارًا بل خلقه كاملاً سويًا، وعورض هذا التفسير بقوله في حديث آخر خلق
آدم على صورة الرحمن وهي إضافة تشريف وتكريم لأن الله تعالى خلقه على صورة لم يشاكلها
شيء من الصور في الكمال والجمال (وطوله ستون ذراعًا) بقدر ذراع نفسه أو بقدر الذراع
المتعارف يومئذ عند المخاطبين، ورجح الأول بأن ذراع كل أحد مثل ربعه فلو كان بالذراع المعهود
لكانت يده قصيرة في جنب طول جسده، وزاد أحمد من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة
مرفوعًا في سبعة أذرع عرضًا (ثم قال) تعالى له (اذهب فسلّم على أولئك من الملائكة فاستمع ما
يحيونك) من التحية وهذه (تحيتك وتحية ذريتك) من بعدك. وفي الترمذي من حديث أبي هريرة لما
خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال: الحمد لله فحمد الله بإذنه. الحديث إلى قوله: اذهب
إلى أولئك الملائكة إلى ملأ منهم جلوس، (فقال السلام عليكم. فقالوا: السلام عليك ورحمة الله
فزادوه ورحمة الله) وهذا أول مشروعية السلام وتخصيصه بالذكر لأنه فتح لباب المودّة وتأليف
لقلوب الإخوان المؤدي إلى استكمال الإيمان كما في حديث مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: ((لا
تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا
السلام بينكم)). (فكل من يدخل الجنة) يدخلها وهو (على صورة آدم) عليه السلام في الحسن
والجمال والطول ولا يدخلها على صورته من السواد أو بوصف من العاهات (فلم يزل الخلق
ينقص) في الجمال والطول (حتى الآن) فانتهى التناقص إلى هذه الأمة فإذا دخلوا الجنة عادوا إلى
ما كان عليه آدم من الجمال وطول القامة.
وفي كتاب مثير الغرام في زيارة القدس والخليل عليه السلام لتاج الدين التدمري مما نقله
عن ابن قتيبة في المعارف: أن آدم عليه السلام كان أمرد وإنما نبتت اللحية لولده بعده وكان
طوالاً كثير الشعر جعدًا أجمل البرية.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في الاستئذان ومسلم في صفة الجنة وصححه ابن حبان ورواه
البزار والترمذي والنسائي من حديث سعيد المقبري وغيره عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إن الله خلق آدم
من تراب فجعله طينًا، ثم ترك حتى إذا كان حما مسنونًا خلقه وصوره، ثم تركه حتى إذا كان
صلصالاً كالفخار كان إبليس يمرّ به فيقول: خلقت لأمر عظيم ثم نفخ الله فيه من روحه فكان أول
ما جرى فيه الروح بصره وخياشيمه فعطس فقال: الحمد لله. فقال الله: يرحمك ربك)) الحديث.

٢٣٥
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ١
وفي حديث أبي موسى أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان مرفوعًا: ((إن الله خلق آدم من
قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض))، ففي هذا أن الله تعالى لما أراد إبراز
آدم من العدم إلى الوجود قلبه في ستة أطوار: طور التراب وطور الطين اللازب وطور الحمأ
وطور الصلصال وطور التسوية وهو جعل الخزقة التي هي الصلصال عظمًا ولحمًا ودمًا ثم نفخ فيه
الروح، وقد خلق الله تعالى الإنسان على أربعة أضرب: إنسان من غير أب ولا أم وهو آدم،
وإنسان من أب لا غير وهو حواء، وإنسان من أم لا غير وهو عيسى، وإنسان من أب وأم وهو
الذي خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب يعني من صلب الأب وترائب الأم، وهذا
الضرب يتم بعد ستة أطوار أيضًا. النطفة ثم العلقة، ثم المضغة، ثم العظام، ثم كسوة العظام
لحمًا، ثم نفخ الروح فيه، وقد شرف الله تعالى هذا الإنسان على سائر المخلوقات فهو صفوة العالم
وخلاصته وثمرته قال الله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ [الإسراء: ٧٠]. ﴿وسخر لكم ما في
السموات وما في الأرض جميعًا منه﴾ [الجاثية: ١٣].
ولا ريب أن من خلقت لأجله وسببه جميع المخلوقات علويها وسفليها خليق بأن يرفل في
ثياب الفخر على من عداه، وتمتد إلى اقتطاف زهرات النجوم يداه، وقد خلقه الله تعالى واسطة بين
شريف وهو الملائكة، ووضيع وهو الحيوان. ولذلك كان فيه قوى العالمين وأهل لسكنى الدارين
فهو كالحيوان في الشهوة وكالملائكة في العلم والعقل والعبادة وخصه رتبة النبوة، واقتضت الحكمة
أن تكون شجرة النبوّة صنفًا منفردًا ونوعًا واقعًا بين الإنسان والملك ومشاركًا لكل واحد منهما على
وجه فإنه كالملائكة في الاطلاع على ملكوت السموات والأرض، وكالبشر في أحوال المطعم
والمشرب، وإذا طهر الإنسان من نجاسته النفسية وقاذوراته البدنية وجعل في جوار الله كان حينئذ
أفضل من الملائكة. قال تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب﴾ [الرعد: ٢٣].
وفي الحديث: الملائكة خدم أهل الجنة.
قال ابن كثير: واختلف هل ولد لآدم في الجنة؟ فقيل: لا. وقيل: ولد له فيها قابيل
وأخته. قال: وذكروا أنه كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى. وفي تاريخ ابن جرير أن حواء
ولدت لآدم أربعين ولدًا في عشرين بطنًا، وقيل مائة وعشرين بطنًا في كل بطن ذكر وأنثى أوّلهم
قابيل وأخته أقليما، وآخرهم عبد المغيث وأخته أمة المغيث، وقيل: إنه لم يمت حتى رأى من
ذريته من ولده وولد ولده أربعمائة ألف نسمة والله أعلم.
وذكر السدي عن ابن عباس وغيره أنه كان يزوّج ذكر كل بطن بأنثى الآخر، وأن هابيل
أراد أن يتزوج أخت قابيل فأبى فأمرهما آدم أن يقربا قربانًا فنزلت نار فأكلت قربان هابيل وتركت
قربان قابيل فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تتزوج أختي فقال: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين)
[المائدة: ٢٧]. وضربه فقتله وكانت مدة حياة آدم ألف سنة. وعن عطاء الخراساني مما رواه ابن
جرير أنه لما مات آدم بكت الخلائق عليه سبعة أيام.

٢٣٦
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ١
٣٣٢٧ - حدّثنا قتيبةُ بن سعيدٍ حدثَنا جريرٌ عن عُمارةَ عن أبي زُرعةَ عن أبي هريرةَ رضيَ
اللّهُ عنه قال: قال رسولُ اللّهِ ﴿: ((أوَّلُ زُمرةٍ يدخلون الجنةَ على صورة القمر ليلة البدر، ثمَّ
الذين يَلونَهم على أشدٌ كوكبٍ دُرِيٌّ في السماءِ إِضاءةٌ، لا يَبولونَ ولا يَتغوَّطون ولا يَتفلون ولا
يمتَخِطون، أمشاطهمُ الذهَبُ ورشحهمُ المسكُ ومَجامِرُهُم الألُوَّة، الألَنْجوج عودُ الطّيبِ،
وأزواجهمُ الحورُ العِين على خَلقِ رَجُلٍ واحد على صورةٍ أبيهم آدمَ ستونَ ذِراعًا في السماء)».
وبه قال: (حدثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي مولاهم البلخي الكوفي قال: (حدّثنا جرير) هو ابن
عبد الحميد (عن عمارة) بضم العين ابن القعقاع (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير البجلي
الكوفي (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال: قال رسول الله (وَ﴿):
(إن أول زمرة) أي جماعة (يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر) في الحسن والإضاءة
(ثم الذين يلونهم) وفي باب ما جاء في صفة الجنة من طريق الأعرج عن أبي هريرة: ثم الذين
على أثرهم (على أشد كوكب دري) بضم الدال وتشديد الراء والتحتية من غير همز (في السماء
إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون) بكسر الفاء وفي باب ما جاء في صفة الجنة ولا
يبصقون بالصاد (ولا يمتخطون أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك) أي عرقهم كالمسك في طيب
ريحه (ومجامرهم الألوة) بفتح الهمزة وضم اللام وتشديد الواو وهي (الأنجوج) بهمزة مفتوحة فنون
ساكنة وبعد الجيم المضمومة واو ساكنة فجيم أخرى، ولأبي ذر: الألنجوج بلام مفتوحة بين
الهمزة والنون وهو (عود الطيب) الذي يبخر به.
فإن قلت: أي حاجة في الجنة إلى الامتشاط ولا تتلبد شعورهم ولا تتسخ وأي حاجة إلى
البخور وريحهم أطيب من المسك؟ أجيب: بأن نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم
فليس أكلهم عن جوع ولا شربهم عن ظمأ ولا تطيبهم عن نتن وإنما هي لذات متوالية ونعم
متتابعة .
(وأزواجهم الحور العين) وهم (على خلق رجل واحد) بفتح الخاء وسكون اللام (على صورة
أبيهم آدم) في الطول (ستون ذرعًا في السماء) في العلو والارتفاع.
وهذا موضع الترجمة وسبق هذا الحديث في باب: ما جاء في صفة الجنة.
٣٣٢٨ - حدثنا مسدَّدٌ حدثنا يحيى عن هشام بن عُروةَ عن أبيهِ عن زينبَ بنتِ أبي سَلمةَ
عن أُمّ سلمةَ: ((أنَّ أُمَّ سُليم قالت: يا رسولَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يستَخْبِي منَ الحقّ، فهل على المرأة
الغسلُ إِذا احْتَلَمَت؟ قال: نعم، إِذا رأَتِ الماء. فضَحِكَت أُمُّ سلمةَ فقالت: تَحتلمُ المرأة؟ فقال
رسولُ اللّهِ وَل﴿رَ: فبما يُشْبِهُ الوَلد)»؟.

٢٣٧
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ١
وبه قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن
هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة) عبد اللَّه المخزومي (عن أم سلمة) أم المؤمنين
رضي الله عنها (أن أم سليم) سهلة والدة أنس بن مالك (قالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي
من الحق)، قالت ذلك اعتذارًا عن تصريحها بما تنقبض عنه النفوس البشرية لا سيما بحضرته وَلاو
أي أن الله تعالى بيّن لنا أن الحق ليس مما يستحيا منه وسؤالها هذا كان من الحق (فهل على المرأة
الغسل) بفتح الغين في الفرع كأصله (إذا احتلمت)؟ وفي باب: إذا احتلمت المرأة من كتاب
الغسل إذا هي احتلمت (قال) عليه الصلاة والسلام:
(نعم). يجب عليها الغسل (إذا رأت الماء) أي المني بعد استيقاظها من النوم (فضحكت أم
سلمة. فقالت: تحتلم المرأة) بغير همزة والواو (فقال رسول الله وَقير فيما) بألف بعد الميم مع دخول
الجار وهو قليل (يشبه الولد)؟ أمه. وقال البيضاوي: هذا استدلال على أن لها منيًّا كما للرجل
منيّ والولد مخلوق منهما إذ لو لم يكن لها ماء وكان الولد من مائه المجرد لم يكن يشبهها لأن الشبه
بسبب ما بينهما من المشاركة في المزاج الأصلي المعين المعدّ لقبول التشكلات والكيفيات المعينة من
مبدعه تبارك وتعالى، فإن غلب ماء الرجل ماء المرأة وسبق نزع الولد إلى جانبه ولعله يكون ذكرًا،
وإن كان العكس نزع الولد إلى جانبه ولعله يكون أنثى.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: فبما يشبه الولد؟ وسبق الحديث في الطهارة.
٣٣٢٩ - حدثنا محمدُ بن سَلامِ أخبرَنا الفَزاريُّ عن حُمَيدٍ عن أنسٍ رضي اللهُ عنه قال:
((بَلغَ عبدَ اللهِ بنَ سَلامِ مَقْدَمُ النبيِّ وَّهِ المدينةَ، فأتاهُ فقال: إِني سائلُكَ عن ثلاثٍ لا يَعلمُهِنَّ إِلا
نبيّ، قال ما أوَّلُ أشراط الساعة؟ وما أولُ طعام يأكلهُ أهل الجنةِ؟ ومِن أيّ شيءٍ يَنزعُ الولَّدُ إِلى
أبيهِ ومن أيّ شيءٍ يَنزِعُ إلى أخوالهِ؟ فقال رسولُ اللّهِ وَّه: خَبَّرَني بهنَّ آنِفًا جبريلُ. قال: فقال
عبدُ اللّهِ: ذاكَ عدُوُّ اليهود منَ الملائكة فقال رسولُ اللّهِ وَله: أمّا أوَّلُ أشراطِ الساعةِ فنار تحشُرُ
الناسَ منَ المشرقِ إِلى المغرب. وأما أوَّل طَعامِ يأكله أهلُ الجنةِ فزِيادة كبدٍ حُوتٍ وأما الشِّبَهُ في
الولدِ فإِن الرجُلَ إِذا غَشِيَ المرأةَ فسبَقَها ماؤُهُ كان الشَّبَه به، وإِذا سَبقَ ماؤها كان الشَّبَهُ لها.
قال: أشهدُ أنكَ رسولُ اللّه. ثمَّ قال: يا رسولَ اللّه، إِنَّ اليهودَ قوم بُهْتُ، إِن علموا بإسلامي
قبلَ أن تسألهم بَهتوني عندك. فجاءت اليهود، ودخلَ عبدُ اللّهِ البيتَ، فقال رسولُ اللّهِ وَلجر: أيُّ
رجلٍ فيكم عبدُ اللّهِ بن سَلام؟ قالوا: أعلَمنا وابن أعلمنا، وأخبرُنا وابنُ أخبَرِنا. فقال رسول
اللّهِ وَليّ: أفرأيتم إنْ أسلم عبدُ اللّه؟ قالوا: أعاذَهُ اللّه من ذلك. فخرجَ عبدُ اللَّهِ إِليهم فقال:
أشهدُ أنْ لا إلهَ إِلا اللّه، وأشهدُ أن محمدًا رسول الله. فقالوا: شرَّنا وابنُ شرِّنا. ووقَعوا فيه)).
[الحديث ٣٣٢٩ - أطرافه في: ٣٩١١، ٣٩٣٨، ٤٤٨٠].

٢٣٨
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ١
وبه قال: (حدثنا محمد بن سلام) بتخفيف اللام السلمي مولاهم البيكندي قال: (أخبرنا
الفزاري) بفتح الفاء والزاي مروان بن معاوية بن الحرث بن أسماء الكوفي نزيل مكة (عن حميد)
الطويل (عن أنس رضي الله عنه) أنه (قال: بلغ عبد الله بن سلام) بتخفيف اللام الإسرائيلي
وعبد الله نصب بقوله (مقدم) وهو رفع على الفاعلية مصدر ميمي بمعنى القدوم (رسول الله)
ولأبي ذر: النبي (وَ﴿ المدينة) نصب على الظرفية (فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث) من المسائل
(لا يعلمهن إلاّ نبي. أوّل) ولأبي ذر قال: قال ما أوّل (أشراط الساعة) أي علاماتها (وما أول
طعم يأكله أهل الجنة) فيها (ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه) أي يشبه أباه (ومن أي شيء ينزع
إلى أخواله) يشبههم (فقال رسول الله (وَ لخير):
(خبرني) بتشديد الموحدة (بهن) بالمسائل المذكورة (آنفًا جبريل) عليه السلام (قال) أنس (فقال
عبد الله) بن سلام (ذاك) يعني جبريل (عدو اليهود من الملائكة، فقال رسول الله(وَ ل﴿) مجيبًا له:
(أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة
فزيادة كبد حوت) وهي القطعة المنفردة المتعلقة بالكبد وهي أطيبها وهي في غاية اللذة، وقيل هي
أهنأ طعام وأمرؤه، وقيل: إن الحوت هو الذي عليه الأرض والإشارة بذلك إلى نفاد الدنيا. (وأما
الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة) أي جامعها (فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبق
ماؤها) ضبب على قوله ماؤها في الفرع، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: استبقت بهمزة وصل
وتسكين السين المهملة وفوقية مفتوحة وبعد القاف تاء تأنيث، ولأبي ذر عن الكشميهني سبقت
بفتح السين وإسقاط الألف والفوقية (كان الشبه لها) وفي حديث عائشة عن مسلم: إذا علا ماء
الرجل ماء المرأة أشبه أعمامه وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أشبه أخواله، والمراد بالعلو هنا السبق
فقد علا شأنه فهو علو معنوي، وقيل غير ذلك مما يأتي إن شاء الله تعالى بعونه وكرمه قبيل كتاب
المغازي.
(قال) ابن سلام: (أشهد أنك رسول الله. ثم قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت) بضم
الموحدة وسكون الهاء وتضم جمع بهيت كقضيب وقضب وهو الذي تبهت العقول له بما يفتريه من
الكذب أي كذابون ممارون لا يرجعون إلى الحق (إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم) عني (بهتوني)
كذبوا علّ (عندك فجاءت اليهود) إلى رسول الله وَّر (ودخل عبد الله) بن سلام (البيت، فقال
رسول الله (وَ*) لليهود: (أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعلمنا وابن أعلمنا وأخيرنا
وابن أخيرنا) أفعل تفضيل من الخير وفيه استعمال أفعل التفضيل بلفظ الأخير، ولغير أبي ذر
أخبرنا وابن أخيرنا بالموحدة في الأولى من الخبرة وبالتحتية في الثانية، (فقال رسول الله (وَ ال9):
(أفرأيتم) أي أخبرني (إن أسلم عبد اللَّه)؟ تسلموا (قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله)
من البيت (إليهم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. فقالوا: شرّنا وابن
شرّنا ووقعوا فيه).

٢٣٩
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ١
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: وأما الشبه لأن الترجمة في خلق آدم وذريته.
٣٣٣٠ - حقّثنا بِشرُ بن محمدٍ أخبرنا عبدُ اللّهِ أخبرَنا مَعمرٌ عن همام عن أبي هريرةَ رضيَ
اللّهُ عنه عنِ النبيِّ ◌ِ﴿ نحوَه، يَعني: ((لولا بنو إسرائيلَ لم يَخَزِ اللحم، ولولا حَوّاءُ لم تَخُنْ
أُنثی زوجها».
وبه قال: (حدثنا بشر بن محمد) بكسر الموحدة وسكون المعجمة المروزي قال: (أخبرنا
عبد اللَّه) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن همام) هو ابن منبه (عن أبي
هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َل﴿ نحوه) فيه حذف قيل لعله روي قبل هذا عن محمد بن رافع
عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي وَ لهر: لولا بنو إسرائيل لم يخبث
الطعام ولم يخنز اللحم ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر، ثم رواه عن بشر بن محمد عن
عبد اللَّه عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي ◌َّر ثم قال نحوه أي نحو الحديث المذكور
ثم فسر ذلك بقوله:
(يعني لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم) بخاء معجمة ساكنة فنون مفتوحة فزاي لم ينتن وأصل
ذلك فيما روي عن قتادة أن بني إسرائيل ادّخروا لحم السلوى وكانوا نهوا عن ذلك فعوقبوا بذلك
فاستمر نتن اللحم من ذلك الوقت. (ولولا حواء) بالهمزة ممدودًا (لم تخن أنثى زوجها) حيث
زينت لزوجها آدم عليه السلام الأكل من الشجرة فسرى في أولادها مثل ذلك فلا تكاد امرأة
تسلم من خيانة زوجها بالفعل أو القول.
٣٣٣١ - حدثنا أبو كُرَيبٍ وموسى بن حِزامٍ قالا: حدَّثَنا حسينُ بن عليّ عن زائدةً عن
مَيسَرةً الأشْجَعيِّ عن أبي حازم عن أبي هريرةَ رضيَ الله عنه قال: قال رسولُ اللّهِ وَلِ:
((استَوصوا بالنساءِ، فإِن المرأةَ خُلِقَت من ضِلَع، وإِن أَعْوَجَ شَيءٍ في الضلَع أعلاه، فإِن ذهبتَ
تقيمه كَسَرْته، وإِن ترَكتَه لم يَزّل أعوج، فاستوصوا بالنساء)». [الحديث ٣٣٣١ - طرفاه في:
٥١٨٤، ٥١٨٦].
وبه قال: (حدثنا أبو كريب) بضم الكاف مصغرًا محمد بن العلاء (وموسى بن حزام) بالحاء
المهملة المكسورة والزاي الترمذي العابد (قالا: حدثنا حسين بن علي) بضم الحاء وفتح السين
مصغرًا ابن الوليد الجعفي (عن زائدة) بن قدامة الثقفي (عن ميسرة) ضد الميمنة ابن عمار
(الأشجعي) بالشين المعجمة (عن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمان الأشجعي الغطفاني (عن
أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال: قال رسول الله وَلِيرٍ):
(استوصوا) قال البيضاوي: الاستيصاء قبول الوصية والمعنى أوصيكم (بالنساء) خيرًا وقال
الطيبي: الأظهر أن السين للطلب مبالغة أي اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهن بخير كما في

٢٤٠
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ١
قوله تعالى: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون﴾ [البقرة: ٨٩]. قال في الكشاف: السين للمبالغة أي
يسألون أنفسهم الفتح عليهم كالسين في استعجب ويجوز أن يكون الخطاب العام أي يستوصي
بعضكم من بعض في حق النساء، (فإن المرأة خلقت من ضلع) أي أعوج بكسر الضاد المعجمة
وفتح اللام وتسكن واحد الأضلاع استعير للعوج صورة أو معنى أي فلا يتهيأ الانتفاع بها إلا
بمداراتها والصبر على اعوجاجها، وقيل: أراد به أن أول النساء حواء أخرجت من ضلع آدم
الأيسر، وقيل من القصيرى كما تخرج النخلة من النواة وجعل مكانها لحم، وهذا مروي عن ابن
عباس فيما رواه ابن إسحاق في المبتدأ بلفظ: إن حواء خلقت من ضلع آدم الأقصر الأيسر وهو
نائم، وكأن المعنى أن النساء خلقن من أصل خلق من شيء معوج، وقوله: أعوج هو أفعل
التفضيل فاستعماله في العيوب شاذ، وإنما يمتنع عند الالتباس بالصفة فإذا تميز عنه بالقرينة جاز.
(وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه) ذكره تأكيدًا لمعنى الكسر أو إشارة إلى أنها خلقت من
أعوج أجزاء الضلع مبالغة في إثبات هذه الصفة لهن أو ضرب مثلاً لأعلى المرأة لأن أعلاها رأسها
وفيه لسانها، وهو الذي يحصل منه الأذى. والأصل التعبير بأعلاها لأن الضلع مؤنثة، وإنما أعاد
الضمير مذكرًا على تأويله بالعضو، وقول الزركشي: تأنيثه غير حقيقي فلذا جاز التذكير، تعقبه في
المصابيح فقال: هذا غلط لأن معاملة المؤنث غير الحقيقي معاملة المذكر إنما هو بالنسبة إلى ظاهره
إذا أسند إليه مثل طلع الشمس، وأما مضمره فحكمه حكم المؤنث الحقيقي في وجوب التأنيث
تقول: الشمس طلعت وهي طالعة ولا تقول طلع وهو طالع. نعم قد يؤول في بعض المواضع
بالمذكر فينزل منزلته مثل :
فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل أبقالها
فأول الأرض بالمکان فذگّر وكذا ما نحن فيه.
(فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته) أي وإن لم تقمه (لم يزل أعوج) فلا يقبل الإقامة وهذا
ضرب مثل لما في أخلاق النساء من الاعرجاج فإن أريد منهن الاستقامة ربما أفضى ذلك إلى
الطلاق. وفي مسلم من حديث أبي هريرة: إن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها، (فاستوصوا
بالنساء) أيها الرجال. وفي الحديث الندب إلى المداراة لاستمالة النفوس وتألف القلوب وفيه سياسة
النساء بأخذ العفو عنهن والصبر على عوجهن فإن من رام تقويمهن فاته الانتفاع بهن مع أنه لا
غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها ويستعين بها على معاشه. وفي صحيح ابن حبان مرفوعًا من
حديث أبي هريرة: إن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن أقمتها کسرتها فدارها تعش بها.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في النكاح وعشرة النساء ومسلم في النكاح.
٣٣٣٢ - حقثنا عمرُ بنُ حَفصٍ حدِّثَنا الأعمشُ حدَّثَنا زيدُ بنُ وَهبٍ حدثنا عبدُ اللَّهِ:
((حدّثنا رسولُ اللّهِ وَلِهِ وهو الصادقُ المصدوق: إِنَّ أحدَكم يُجمَعُ فِي بَطنِ أمِّهِ أربعينَ يومًا، ثمَّ