النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ کتاب بدء الخلق/ باب ٣ وكان أرضًا (إلى مروان) بن الحكم وكان يومئذ متولي المدينة (فقال سعيد: أنا أنتقص من حقها شيئًا أشهد لسمعت رسول الله صل# يقول): (من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا فإنه يطوّقه) بفتح الواو المشددّة مبنيًا للمفعول أي يصير كالطوق في عنقه (يوم القيامة من سبع أرضين) فيعظم قدر عنقه حتى يسع ذلك كما جاء في غلظ جلد الكافر وعظم ضرسه وقد ترك سعيد الحق لأروى ودعا عليها فقال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واجعل قبرها في دارها فتقبل الله دعوته فعميت ومرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها. (قال ابن أبي الزناد) عبد الرحمن بن عبد الله (عن هشام عن أبيه) عروة (قال: قال لي سعيد بن زيد: دخلت على النبي ◌َّ) وفي هذا التعليق بيان لقاء عروة سعيدًا والتصريح بسماعه منه الحديث المذكور، ففي هذه الأحاديث إثبات سبع أرضين والمراد أن كل واحدة فوق الأخرى، وفي حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعًا: أن بين كل أرض والتي تليها خمسمائة عام. ٣ - باب في النُّجوم هذا (باب) بالتنوين (في) ما جاء في (النجوم). وقال قتادةُ: ﴿ولقد زيَّنًا السماءَ الدُّنيا بمصابيح﴾ [الملك: ٥] خَلقَ هذه النجوم لِثلاثٍ: جعلها زينةً للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلاماتٍ يُهتدَى بها، فمن تأولَ فيها بغير ذلكَ أخطأَ وأضاعَ نصيبهُ وتكلف ما لا علم لهُ به. وقال ابن عباس: ﴿هشيمًا﴾ متغيرًا. والأبُّ: ما يأكلُ الأنعامُ. والأنامُ الخلقُ. برْزَخٌ: حاجبٌ. وقال مجاهدٌ ﴿ألفافًا﴾: مُلتفةً. والغُلبُ: الملتفّة: فِراشًا: مِهادًا. كقوله: ﴿ولكم في الأرض مُستقَرّ﴾، ﴿نكِدًا﴾: قليلاً. (وقال قتادة): فيما وصله عبد بن حميد (﴿ولقد زيّنا السماء الدنيا بمصابيح﴾) [الملك: ٥] (خلق هذه النجوم لثلاث جعلها زينة للسماء). تضيء بالليل إضاءة السرج (ورجومًا للشياطين) الضمير في قوله تعالى: ((وجعلناها﴾) يعود على جنس المصابيح لا على عينها لأنه لا يرمى بالكواكب التي في السماء بل بشهب من دونها وقد تكون مستمدّة منها (وعلامات يهتدى بها)، كما قال تعالى: (﴿وبالنجم هم يهتدون﴾) [النحل: ١٦]. (فمن تأول بغير ذلك) وللحموي والمستملي: فمن تأول فيها بغير ذلك أي من علم أحكام ما تدل عليه حركاتها ومقارناتها في سيرها وإن ذلك يدل على حوادث أرضية فقد (أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به). لأن أكثر ذلك حدس وظنون كاذبة ودعاوى باطلة وقد جرى المؤلف على عادته في ذكر تفسير آيات استطرادا للفائدة، فقال. ١٢٢ كتاب بدء الخلق/ باب ٤ (وقال): بالواو ولأبي ذر: قال (ابن عباس: ﴿هشيمًا﴾) [الكهف: ٤٥]. أي (متغيرًا) كما ذكره إسماعيل بن أبي زياد في تفسيره وقال أبو عبيدة: هشيمًا أي يابسًا متفتتًا (والأبّ ما يأكل الأنعام) أي ولا يأكله الناس (والأنام الخلق) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وسقطت الواو من والأنام لغير أبي ذر (برزخ) قال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم (حاجب) بالموحدة في آخره ولابن عساكر وأبي ذر عن المستملي والكشميهني حاجز بالزاي بدل الموحدة . (وقال مجاهد): هو ابن جبر فيما وصله عبد بن حميد في قوله تعالى: ((وجنات)) (﴿ألفافًا﴾﴾ [النبأ: ١٦]. أي (ملتفة) أي بعضها على بعض (والغلب: الملتفة): يريد وحدائق غلبًا قاله مجاهد أيضًا : (فراشًا) في قوله تعالى: ﴿جعل لكم الأرض فراشًا﴾ [البقرة: ٢٢] كما قال قتادة فيما وصله الطبري (﴿مهادًا﴾ كقوله) تعالى: (﴿ولكم في الأرض مستقر﴾﴾ [البقرة: ٣٦]. أي موضع قرار أو هو بمعنى المهاد. (﴿نكدًا﴾﴾ [الأعراف: ٥٨]. من قوله: والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا. قال السدي فيما أخرجه ابن أبي حاتم (قليلاً). ٤ - باب صفةِ الشمس والقمر ﴿بحُسْبانٍ﴾ قال مجاهدٌ: كحسْبان الرَّحى. وقال غيره: بحساب ومَنازلَ لا يغْدُوانِها. حُسبانٌ: جماعة الحساب، مثل شهابٍ وشهبان. ضُحاها: ضوؤها. أن تُدركَ القمَر: لا يَستُرُ ضَوءُ أحدِهما ضوءَ الآخر، ولا ينبغي لهما ذلك. سابقُ النهار: يَتطالَبانِ حَثيثَينٍ. نَسلخُ: نخرجُ أحدَهما منَ الآخر، ونُجْري كلَّ واحدٍ منهما: واهية: وَهْيُها تشقُّقُها. أرجائها: ما لم يَنشقَّ منها، فهوَ على حافّتَيها كقولك: على أرجاءِ البئر. أُغْطَشَ وجَنَّ: أظلمَ. وقال الحسنُ: كُوْرَتْ تُگؤَّرُ حتى يَذْهَبَ ضَوؤُها. والليلِ وما وَسَقَ: أَي جَمعَ من دابَّةٍ. اتَّسَقَ: استوى. بُروجًا: مَنازلَ الشمسِ والقمر. فالحرورُ بالنهارِ معَ الشمسِ. وقال ابنُ عباسٍ ورُؤبةُ: الحرورُ بالليلِ، والسَّمومُ بالنهار. يقال: يُولِجُ يُكوِّرُ وَليجةً، كلَّ شيءٍ أدخلته في شيءٍ. (باب) تفسير (صفة الشمس والقمر ﴿بحسبان﴾) [الرحمن: ٥]. (قال مجاهد): فيما وصله الفريابي في تفسيره من طريق ابن أبي نجيح عنه (كحسبان الرحى) أي يجريان على حسب الحركة المرحوية ووضعها. (وقال غيره): مما وصله عبد بن حميد من طريق أبي مالك الغفاري (بحساب ومناز لا يعدوانها). أي لا يجاوزان المنازل (حسبان: جماعة الحساب) بالتعريف لأبوي ذر والوقت (مثل شهاب وشهبان). وهذا قول أبي عبيدة في المجاز والمعنى يجريان متعاقبين بحساب معلوم ١٢٣ كتاب بدء الخلق/ باب ٤ مقدر في بروجهما ومنازلهما وتتسق أمور الكائنات السفلية وتختلف الفصول والأوقات وتعلم السنون والحساب. (ضحاها) في قوله: ﴿والشمس وضحاها﴾ [الشمس: ١]. قال مجاهد فيما وصله عبد بن حميد (ضؤوها) أي: إذا أشرقت (أن تدرك القمر)، يريد ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر﴾ [يَس: ٤٠]. قال مجاهد فيما وصله الفريابي في تفسيره (لا يستر ضوء أحدهما ضوء الآخر، ولا ينبغي لهما) أي لا يصح لهما (ذلك). وقال عكرمة، لكل منهما سلطان فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل ولا يستقيم لوقوع التدبير على المعاقبة، وما ألطف قول ابن الجوزي وقد وصف منافع أثر الشمس في العالم على سبيل التذكير والتعريف بصنع الله الحكيم اللطيف حيث قال: تبرز الشمس بالنهار في حلة الشعاع الانتفاع البصر فإذا ذهب النهار نشرت رداءها المعصفر ونزلت عن الأشهب فركبت الأصفر فهي تستر بالليل لسكون الخلق وتظهر بالنهار لمعايشهم، فتارة تبعد ليرطب الجوّ وينعقد الغيم ويبرد الهواء ويبرز النبات، وتارة تقرب ليجف الحب وينضج الثمر. وقوله: (سابق النهار) يريد قوله تعالى: ﴿والليل سابق النهار﴾ [يَس: ٤٠]. قال مجاهد فيما وصله الفريابي أيضًا (يتطالبان حثيثان) أي سريعان ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر حثيثين بالنصب بالياء أي فلا تسبق آية الليل آية النهار وهما النيران (نسلخ): أي (نخرج أحدهما من الآخر)، قال ابن كثير: والمعنى في هذا أنه لا فترة بين الليل والنهار بل كل منهما يعقب الآخر بلا مهلة ولا تراخ لأنهما مسخران دائبين يتطالبان طلبًا حثيثًا. وقال في الانتصاف: يؤخذ من قوله تعالى: ﴿ولا الليل سابق النهار﴾ أن النهار تابع لليل إذ جعل الشمس التي هي آية النهار غير مدركة للقمر الذي هو آية الليل فنفى الإدراك الذي يمكن أن يقع وهو يستدعي تقدم القمر وتبعية الشمس، فإنه لا يقال أدرك السابق اللاحق لكن يقال: أدرك اللاحق السابق، فالليل إذًا متبوع والنهار تابع. فإن قيل: فالآية مصرحة بأن الليل لا يسبق النهار. فجوابه: أنه مشترك الإلزام إذ الأقسام المحتملة ثلاثة إما تبعية النهار لليل كمذهب الفقهاء أو عكسه وهو منقول عن طائفة من النحاة واجتماعهما، فهذا القسم الثالث منفي بالاتفاق فلم يبق إلا تبعية النهار لليل وعكسه والسؤال وارد عليهما لا سيما من قال: إن النهار سابق الليل يلزم من طريق البلاغة أن يقول ولا الليل يدرك النهار فإن المتأخر إذا نفي إدراكه كان أبلغ من نفي سبقيته مع أنه ناء عن قوله: ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر﴾ [يس: ٤٠]. نأيًا ظاهرًا فالتحقيق أن المنفي السبقية الموجبة لتراخي النهار عن الليل وتخلل زمن آخر بينهما فيثبت التعاقب، وحينئذ يكون القول بسبق الليل مخالفًا لصدر الآية. فإن عدم الإدراك الدال على التأخر والتبعية وبين السبق بونا بعيدًا ولو کان تابعًا متأخرًا لکان حریًا أن يوصف بعدم الإدراك ولا يبلغ به عدم السبق فتقدم الليل على النهار مطابق لصدر الآية صريحًا ولعجزها بتأويل حسن اهـ. ١٢٤ كتاب بدء الخلق / باب ٤ ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ينسلخ يخرج بلفظ المضارع فيهما ويخرج بالتحتية المفتوحة وضم الراء. (ويجري) بضم أوله وكسر ثالثه (كل واحد منهما). أي من الليل والنهار في فلك، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ويجري كل منهما بفتح أول يجري وكسر رائه وكل بالرفع منوّنًا. (واهية): يشير إلى قوله تعالى: ﴿فهي يومئذ واهية﴾ [الحاقة: ١٦]. قال الفراء (وهيها) بسكون الهاء (تشققها). وقوله والملك على (أرجائها) أي (ما لم ينشق منها، فهي) أي الملائكة (على حافتيه) بالتثنية ولأبي ذر فهو أي الملك ولابن عساكر فهم جمع باعتبار الجنس وللكشميهني على حافتيها أي السماء وعن سعيد بن جبير على حافات الدنيا (كقولك: على أرجاء البئر) والأرجاء جمع رجا بالقصر، وقوله تعالى: (﴿اغطش)) [النازعات: ٢٩]. ليلها (﴿و﴾) قوله: (﴿فلما﴾ ﴿جنّ﴾﴾ [الأنعام: ٧٦] عليه الليل أي (أظلم)، فيهما ونقل تفسير الأول به عن قتادة فيما أخرجه عبد بن حميد والثاني عن أبي عبيدة. (وقال الحسن) البصري فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: ﴿إذا الشمس) (﴿كورت﴾) [التكوير: ١] (تكوّر) بفتح الواو المشددة (حتى يذهب ضؤوها) وأخرج الطبري عن ابن عباس ﴿كورت﴾ أي أظلمت. وعن مجاهد اضمحلت. والتكوير في الأصل الجمع وحينئذ فالمراد أنها تلف ويرمى بها فيذهب ضوءها قاله ابن كثير في تفسيره. (﴿والليل وما وسق﴾) [الانشقاق: ١٧]. ولابن عساكر يقال: وسق أي (جمع من دابة) وزاد قتادة ونجم وقال عكرمة ما ساق من ظلمة. (اتسق) يريد قوله تعالى: ﴿والقمر إذا اتسق﴾ [الانشقاق: ١٨]. أي (استوى) وقوله تعالى: ﴿جعل في السماء﴾ ﴿بروجًا﴾ [الفرقان: ٦١]. أي (منازل الشمس والقمر) وهي اثنا عشر، وقيل هي قصور في السماء للحرس، وقيل هي الكواكب العظام . (﴿الحرور﴾) ولأبي ذر فالحرور بالفاء يريد قوله تعالى: ﴿ولا الظل ولا الحرور﴾ [فاطر: ٢١]. فسره بأنه يكون (بالنهار مع الشمس). قاله أبو عبيدة. (وقال ابن عباس الحرور): ولأبي ذر وابن عساكر وقال ابن عباس ورؤية بضم الراء وسكون الهمزة وفتح الموحدة ابن العجاج: الحرور (بالليل، والسموم بالنهار) وتفسير رؤية ذكره أبو عبيدة عنه في المجاز (يقال: يولج) أي (يكوّر) بالراء أي يلف النهار في الليل (وليجة)، يريد قوله تعالى: ﴿ولا المؤمنين وليجة﴾ [التوبة: ١٦]. وفسره بقوله (كل شيء أدخلته في شيء) هو قول أبي عبيدة وزاد بعد قوله في شيء ليس منه فهو وليجة والمعنى لا تتخذوا وليًا ليس من المسلمين. ٣١٩٩ - حدثنا محمدُ بن يوسُفَ حدَّثنا سفيانُ عنِ الأعْمَشِ عن إبراهيم التيميِّ عن أبيهِ عن أبي ذرِّ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((قال النبيُّ وَ﴿ لأبي ذرِّ حينَ غَرَبَتِ الشمسُ: أتدري أينَ ١٢٥ كتاب بدء الخلق / باب ٤ تَذْهَبُ؟ قلتُ: اللَّهُ ورسوله أعلم، قال: فإنها تَذهب حتَّى تَسجُدَ تحتَ العَرش، فتستأذنَ فِيُؤْذَنُ لها، ويوشِكُ أن تَسجدَ فلا يُقبَلُ منها، وتستأذِنَ فلا يُؤذن لها، فيقالُ لها: ارجعي مِن حيثُ جِئتِ، فَتَطلُعُ مِن مَغربها. فذلك قوله تعالى: ﴿والشمس تَجرِي لمستقَرِّ لها ذُلكَ تقديرُ العزيز العَليم﴾ [يَس: ٣٨]. [الحديث ٣١٩٩ - أطرافه في: ٤٨٠٢، ٤٨٠٣، ٧٤٢٤، ٧٤٣٣]. وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) قال: (حدَّثنا سفيان بن الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم التيمي عن أبيه) يزيد من الزيادة ابن شريك بن طارق التيمي الكوفي (عن أبي ذر) جندب بن جنادة (رضي الله عنه) أنه (قال: قال النبي وَلّ لأبي ذر حين غربت الشمس): (تدري) بحذف همزة الاستفهام والغرض منه إعلامه بذلك، ولأبي ذر: أتدري (أين تذهب) زاد في التوحيد: هذه (قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش) منقادة لله تعالى انقياد الساجد من المكلفين أو تشبيها لها بالساجد عند غروبها. قال ابن الجوزي: ربما أشكل هذا الحديث على بعض الناس من حيث إنا نراها تغيب في الأرض، وفي القرآن العظيم أنها تغيب في عين حمئة أي ذات حمأة أي طين فأين هي من العرش؟ والجواب: أن الأرضين السبع في ضرب المثال كقطب رحى والعرش لعظم ذاته بمثابة الرحى فأينما سجدت الشمس سجدت تحت العرش وذلك مستقرها. وقال ابن العربي: أنكر قوم سجودها وهو صحيح ممكن لا يحيله العقل وتأوّله قوم على التسخير الدائم ولا مانع أن تخرج عن مجراها فتسجد ثم ترجع اهـ. وتعقبه في الفتح: بأنه إن أراد بالخروج الوقوف فواضح وإلاّ فلا دليل على الخروج. قال ابن كثير: وقد حكى ابن حزم وابن المناوي وغير واحد من العلماء الإجماع على أن السموات كرية مستديرة، واستدل لذلك بقوله: ﴿في فلك يسبحون﴾ [يَس: ٤٠] قال الحسن، يدورون. وقال ابن عباس: في فلكة مثل فلكة المغزل، ولا تعارض بين هذا وبين الحديث وليس فيه أن الشمس تصعد إلى فوق السموات حتى تسجد تحت العرش بل هي تغرب عن أعيننا وهي مستمرة في فلكها الذي هي فيه وهو الرابع فيما قاله غير واحد من علماء التسيير وليس في الشرع ما ينفيه، بل في الحس وهو الكسوفات ما يدل عليه ويقتضيه. فإذا ذهبت فيه حتى تتوسطه وهو وقت نصب الليل مثلاً في اعتدال الزمان فإنها تكون أبعد ما تكون تحت العرش لأنها تغيب من جهة وجه العالم، وهذا محل سجودها كما يناسبها كما أنها أقرب ما تكون من العرش وقت الزوال من جهتنا فإذا كانت في محل سجودها (فتستأذن) عطف على المنصوب السابق بحتى في الطلوع من المشرق على عادتها (فيؤذن لها)، فتبدو من جهة المشرق وهي مع ذلك كارهة لعصاة بني آدم أن تطلع عليهم وهو يدل على أنها تعقل كسجودها (ويوشك) بكسر المعجمة أي يقرب (أن تسجد فلا يقبل منها)، أي لا يؤذن لها أن تسجد (وتستأذن) في المسير إلى مطلعها (فلا يؤذن لها، يقال) ١٢٦ كتاب بدء الخلق/ باب ٤ ولأبي ذر عن الكشميهني فيقال (لها: ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك) أي قوله فإنها تذهب الخ ... (قوله تعالى: ﴿والشمس تجري لمستقر لها﴾) [يَس: ٣٨] لحد معين ينتهي إليه دورها فشبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره أو لكبد السماء فإن حركتها فيه يوجد فيها ابطاء يظن أن لها هناك وقفة. وقال ابن عباس: لا تبلغ مستقرها حتى ترجع إلى منازلها وقيل إلى انتهاء أمرها عند خراب العالم، وقيل لحدّ لها من مسيرها كل يوم في مرأى عيوننا وهو المغرب، وقيل منتهى أمرها لكل يوم من المشارق والمغارب فإن لها في دورها ثلاثمائة وستين مشرقًا ومغربًا تطلع كل يوم من مطلع وتغرب من مغرب ثم لا تعود إليهما إلى العام القابل (﴿ذلك﴾) الجري على هذا التقدير والحساب الدقيق الذي يكل الفطن عن إحصائه (﴿تقدير العزيز﴾) الغالب بقدرته على كل مقدور (﴿العليم)) [يَس: ٣٨] المحيط علمه بكل معلوم، وظاهر هذا أنها تجري في كل يوم وليلة بنفسها كقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وكُل في فلك يسبحون﴾ [يَس: ٤٠] أي يدورون وهو مغاير لقول أصحاب الهيئة أن الشمس مرصعة في الفلك إذ مقتضاه أن الذي يسير هو الفلك وهذا منهم على طريق الحدس والتخمين فلا عبرة به. وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في التفسير والتوحيد ومسلم في الإيمان وأبو داود في الحروب والترمذي في الفتن والتفسير والنسائي في التفسير. ٣٢٠٠ - حدثنا مسدَّدٌ حدَّثنا عبدُ العزيز بن المختارِ حدَّثَنا عبدُ اللَّه الداناجُ قال: حدَّثني أبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه عنِ النبيِّ وَِّ قال: ((الشمسُ والقمرُ مُكوَّرانِ يومَ القيامة)). وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عبد العزيز بن المختار) قال: (حدّثنا عبد الله) بن فيروز (الداناج) بدال مهملة وبعد الألف نون مخففة فألف فجيم معرب داناه ومعناه بالفارسية العالم وهو تابعي صغير بصري (قال: حدَّثني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَّ﴾﴾: أنه (قال): (الشمس والقمر مكوّران) بتشديد الواو المفتوحة مطويان ذاهبا الضوء. وزاد البزار وابن أبي شيبة في مصنفه والإسماعيلي في مستخرجه في النار (يوم القيامة). لأنهما عبدا من دون الله وليس المراد من تكويرهما فيها تعذيبهما بذلك لكنه زيادة تبكيت لمن كان يعبدهما في الدنيا ليعلموا أن عبادتهم لهما كانت باطلة. ٣٢٠١ - حدثنا يحيى بن سليمان قال: حدَّثني ابنُ وَهبٍ قال: أخبرَني عمرٌو أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ القاسم حدَّثَه عن أبيهِ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما أنه كان يُخبرُ عنِ النّبِيِّ وَِّ قال: ((إِنَّ الشمسَ والقمرَ لا يَخسِفان لموتِ أحدٍ ولا لحياته، ولكنَّهما آيتان من آياتٍ اللَّهِ، فإذا رأيتُموهما فصَلُوا)). ١٢٧ كتاب بدء الخلق/ باب ٤ وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) بن يحيى أبو سعيد الجعفي الكوفي (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد اللَّه المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (عمرو) بفتح العين ابن الحرث المصري (أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم (عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يخبر عن النبي وَّ) أنه (قال): (إن الشمس والقمر لا يخسفان) بفتح أوله على أنه لازم وسكون الخاء المعجمة وكسر السين المهملة ويجوز ضم أوله على أنه متعدّ أي لا يذهب الله نورهما (لموت أحد) من العظماء (ولا لحياته)، لم يقل أحد أن الكسوف لحياة أحد فذكر ذلك إنما هو تتميم للتقسيم أو لدفع توهم من يقول لا يلزم من نفي كونه سببًا للفقد أن لا يكون سببًا للإيجاد فعم عليه الصلاة والسلام النفي لدفع هذا التوهم، وهذا القول صدر منه وَ ليز لما مات ابنه إبراهيم وقال الناس: إنما كسفت لموته إيطالاً لما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثيرهما (ولكنهما) أي خسوفهما (آيتان) ولأبي ذر آية بالإفراد (من آيات الله)، الدالة على وحدانيته وعظيم قدرته (فإذا رأيتموهما) بالتثنية أي كسوف كل واحد منهما على انفراده ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فإذا رأيتموه أي الكسوف (فصلّوا). أي صلاة الكسوف. وحكمة الكسوف أن الله تعالى لما أجرى في سابق علمه أن الكواكب تعبد من دونه وخاصة النيرين قضى عليهما بالخسوف والكسوف وجعلهما لها بمنزلة الحتوف وصير ذلك دلالة على أنهما مع إشراق نورهما وما يظهر من حسن آثارهما مأموران مقهوران في مصالح العباد مسيران، وفي يوم القيامة مكوّران، فعبدة الشمس زعمت أنها ملك من الملائكة له نفس وعقل ومنها نور الكواكب وضياء العالم وهي ملك الفلك، فلذا يستحق التعظيم والسجود. ومن سنتهم إذا نظروا إلى الشمس قد أشرقت سجدوا لها وقالوا: ما أحسنك من نور لا تقدر الأبصار أن تمتدّ بالنظر إليك فلك المجد والتسبيح وإياك نطلب وإليك نسعى لندرك السكنى بقربك إلى غير ذلك مما نقل عنهم من الخرافات. فسبحان من حجبهم عن رؤية الحقائق وحاد بهم عن متون الطرائق، فجهلوا أن صفات المخلوق تباين صفات الخالق، وأن العبادة لا يستحقها إلا من هو للحب والنوى فالق. وأما مطابقة الحديث للترجمة فمن حيث إن الكسوف والخسوف العارضين لهما من صفاتهما وقد مرّ هذا الحديث في أبواب كسوف الشمس من كتاب الصلاة. ٣٢٠٢ - حدثنا إسماعيلُ بن أبي أُوَيس حدَّثني مالكٌ عن زيد بن أسلمَ عن عطاءِ بنِ يسارٍ عن عبدِ اللَّهِ بن عبّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّ الشمسَ والقمر آيتان من آياتٍ اللَّهِ، لا يَخسِفان لموتِ أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله)). وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس) هو إسماعيل بن عبد الله بن عبد اللَّه المدني وسقط ابن أبي أويس لأبي ذر قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن زيد بن أسلم) العدوي ١٢٨ كتاب بدء الخلق / باب ٤ (عن عطاء بن يسار) بالسين المهملة المخففة (عن عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال: قال النبي ◌َّ-9) يوم مات ابنه إبراهيم: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله)، علامتان يخوّف بهما عباده (لا يخسفان) بالخاء المعجمة مع فتح أوله (لموت أحد ولا لحياته)، لأنهما خلقان مسخران ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة لهما على الدفع عن أنفسهما (فإذا رأيتم ذلك) الخسوف (فاذكروا الله). وفي حديث أبي بكرة عند المؤلف في باب: الصلاة في كسوف الشمس فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم. ٣٢٠٣ - هذّثنا يحيى بنُ بُكيرِ حدَّثَنا الليثُ عن عُقَيلِ عنِ ابنِ شهابٍ قال: أخبرَني عُروة أنَّ عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها أخبرَتهُ: ((أنَّ رسولَ اللَّهِ وَهَ يومَ خَسَفَتِ الشمسُ قام فكبَّرَ وقرأْ قِراءَةٌ طويلةً، ثم رَكحَ رُكوعًا طويلاً، ثمَّ رفعَ رأسَهُ فقال: سمعَ اللَّهُ لمن حَمِدَه، وقام كما هو فقرَاً قراءةً طويلةً وهي أدنى من القراءةِ الأولى، ثمَّ ركعَ رُكوعًا طويلاً وهي أدنى من الركعة الأولى، ثمَّ سجدَ سُجودًا طويلاً، ثمَّ فعل في الرَّكعةِ الآخرةِ مثلَ ذلك، ثمَّ سلم وقد تَجلَّتِ الشمسُ، فخطبَ الناسَ فقال في كسوف الشمس والقمر: إنهما آيتانٍ مِن آياتِ اللَّه، لا يَخسفانِ لموتٍ أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتُموهما فافزَعوا إلى الصلاة)). وبه قال: (حدَّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير بضم الموحدة وفتح الكاف مصغرًا قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد بن عقيل بفتح العين الأيلي بفتح الهمزة وسكون التحتية (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (أن عائشة رضي الله عنها أخبرته أن رسول الله وَلافي يوم خسفت الشمس) بفتح الخاء المعجمة والسين والفاء (قام) في المسجد لا الصحراء لخوف الفوات بالانجلاء (فكبّر) تكبيرة الإحرام بعد أن صف الناس وراءه (وقرأ قراءة طويلة) نحوًا من سورة البقرة (ثم ركع ركوعًا طويلاً) مسبحًا فيه قدر مائة آية من البقرة (ثم رفع رأسه) من الركوع (فقال سمع الله لمن حمده وقام كما هو) لم يسجد (فقرأ قراءة طويلة) في قيامه (وهي أدنى من القراءة الأولى) نحوًا من سورة آل عمران (ثم ركع ركوعًا طويلاً وهي) أي هذه الركعة (أدنى من الركعة الأولى) مسبحًا فيه قدر ثمانين آية. وفي الفرع تضبيب على قوله وهي وبأعلاه رقم أبي ذر وابن عساكر مصححًا عليهما، (ثم سجد سجودًا طويلاً) مسبحًا فيه قدر مائة آية (ثم فعل في الركعة الآخرة) بمد الهمزة من غير ياء بعد الخاء (مثل ذلك) الذي فعله في الركعة الأولى، لكن القراءة في أولها كالنساء وفي ثانيها كالمائدة (ثم سلم. وقد تجلت الشمس) بمثناة فوقية وفتح الجيم وتشديد اللام أي صفت. (فخطب الناس فقال) في الخطبة (في كسوف الشمس والقمر): (إنهما آيتان من آيات الله لا يخسفان) بفتح أوله وكسر ثالثه (الموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما) بالتثنية أي كسوف الشمس والقمر، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: رأيتموها بالإفراد ١٢٩ کتاب بدء الخلق/ باب ٥ أي الكسفة (فافزعوا) بفتح الزاي أي التجئوا وتوجهوا (إلى الصلاة) المعهودة السابق فعلها منه عليه الصلاة والسلام. ٣٢٠٤ - حدثنا محمدُ بن المثنّى حدَّثنا يحيى عن إسماعيلَ قال: حدَّثني قَيسٌ عن أبي مَسعودٍ رضي اللهُ عنه عن النبيِّ وَِّ قال: «الشمسُ والقمرُ لا يَنكسِفان لموتِ أحدٍ ولا لحياته، ولكنَّهما آيتانٍ من آيات اللَّه، فإذا رأيتموهما فصلُوا)). وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر حدّثنا (محمد بن المثنى) العنزي الزمن قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن إسماعيل) بن أبي خالد الأحمسي البجلي مولاهم الكوفي أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (قيس) هو ابن أبي حازم واسمه عوف الأحمسي البجلي (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو البدري (رضي الله عنه) قال في الفتح: ووقع في بعض النسخ عن ابن مسعود بالموحدة والنون وهو تصحيف (عن النبي ◌َ﴾) أنه (قال): (الشمس والقمر لا ينكسفان) بكاف مفتوحة وكسر السين مع فتح أوله (لموت أحد ولا لحياته) سقط قوله ولا لحياته من رواية أبي ذر (ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما) بالتثنية ولأبي ذر عن الحموي والمستملي رأيتموها بالإفراد أي الكسفة (فصلّوا). ركعتين في كل ركعة ركوعان أو ركعتين كسنة الظهر. ٥ - باب ما جاء في قوله: ﴿وهوَ الذي يُرسِلُ الرِّياحَ نُشرًا بين يديْ رحمته﴾ [الأعراف: ٥٧] قاصِفًا: تقصِفُ كلَّ شيء. لواقحَ: مَلاقحَ مُلقِحةٌ. إعصارٌ: ريح عاصِفْ تهُبُّ منَ الأرضِ إلى السماءِ كعمودٍ فيه نار. صِرَّ: بَرْدٌ: نُشُرًا. مُتفرِّقة. (باب ما جاء في قوله) تعالى: ((وهو الذي يرسل الرياح نشرًا﴾)(١) جمع نشور بمعنى ناشر (﴿بين يدي رحمته﴾) [الأعراف: ٥٧] قدّام رحمته يعني المطر فإن الصبا تثير السحاب والشمال تجمعه والجنوب تدرّه والدبور تفرقه. (قاصفًا): يريد قوله تعالى: ﴿فيرسل عليكم قاصفًا من الريح﴾ [الإسراء: ٦٩] قال أبو عبيدة هي التي (تقصف كل شيء) تأتي عليه. وقوله تعالى: ﴿وأرسلنا الرياح﴾ [الحجر: ٢٢] (﴿لواقح)) قال أبو عبيدة (ملاقح) واحدتها (ملقحة) ثم حذفت منه الزوائد وأنكره غيره، وقال هو بعيد جدًا لأن حذف الزوائد في مثل هذا بابه الشعر. قال: ولكنه لواقح جمع لاقحة بلا خلاف على النسب أي ذات اللقاح، وقال ابن السكيت: اللواقح الحوامل. وقوله تعالى: ﴿فأصابها إعصار﴾ [البقرة: ٢٦٦] قال أبو عبيدة (ريح عاصف تهب من (١) الأعراف: ٥٧. إرشاد الساري/ ج ٧ / م ٩ ١٣٠ کتاب بدء الخلق/ باب ٥ الأرض إلى السماء كعمود فيه نار). وقوله تعالى: ﴿ريح فيها صرّ﴾: قال أبو عبيدة (برد) شدید. وقوله: (﴿نشرًا﴾) أي (متفرقة). ٣٢٠٥ - حدثنا آدَمُ حدَّثنا شعبةُ عن الحكم عن مجاهدٍ عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما عنِ النبيِّ وََّ قال: ((نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهلِكَتْ عادٌ بالدَّبور)). وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد أبو بسطام الواسطي ثم البصري (عن الحكم) بفتحتين ابن عتيبة مصغرًا الكندي الكوفي (عن مجاهد) هو ابن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة المخزومي مولاهم المكي الإمام في التفسير (عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي وَلي) أنه (قال): (نصرت) أي يوم الأحزاب وكانوا زهاء اثني عشر ألفًا حين حاصروا المدينة (بالصبا)، بفتح الصاد مقصورًا الريح التي تجيء من ظهرك إذا استقبلت القبلة (وأهلكت) بضم الهمزة وكسر اللام (عاد) قوم هود (بالدبور). بفتح الدال التي تجيء من قبل وجهك إذا استقبلت القبلة، وقد قيل: إن الريح تنقسم إلى قسمين: رحمة وعذاب ثم إن كل قسم ينقسم أربعة أقسام، ولكل قسم اسم فأسماء أقسام الرحمة: المبشرات والنشر والمرسلات والرخاء. وأسماء قسم العذاب: العاصف والقاصف وهما في البحر، والعقيم والصرصر وهما في البر، وقد جاء القرآن بكل هذه الأسماء. وقد روى البيهقي في سننه الكبرى مرفوعًا: الريح من روح الله تعالى تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فلا تسبوها واسألوا الله خيرها واستعيذوا به من شرها، وقد نزل الأطباء كل ريح على طبيعة من الطبائع الأربع: فطبع الصبا الحرارة واليبس ويسميها أهل مصر الريح الشرقية لأن مهبها من الشرق وتسمى قبولاً لاستقبالها وجه الكعبة، وطبع الدبور البرد والرطوبة ويسميها أهل مصر الغربية لأن مهبها من المغرب وهي تأتي من دبر الكعبة، وطبع الشمال البرد واليبس وتسمى البحرية لأنها يسار بها في البحر على كل حال وقلما تهب ليلاً، وطبع الجنوب الحرارة والرطوبة وتسمى القبلية والنعاما لأن مهبها من قبل القطب وهي عن يمين مستقبل المشرق ويسميها أهل مصر المريسية وهي من عيوب مصر المعدودة، فإنها إذا هبت عليهم سبع ليال استعدوا للأكفان، وقد جعل الله تعالى بلطيف قدرته الهواء عنصرًا لأبداننا وأرواحنا فيصل إلى أبداننا بالتنفس فينمي الروح الحيواني ويزيد في النفساني، فما دام معتدلاً صافيًا لا يخالطه جوهر غريب فهو يحفظ الصحة ويقويها وينعش النفس ويحييها، ومن خاصيته أن الله تعالى جعله واسطة بين الحواس ومحسوساتها فلا ترى العين شيئًا ما لم يكن بينه وبينها هواء وكذلك لا تسمع الأذن ولا يصدق الذوق ولو أن الإنسان فقد الهواء ساعة لمات. وقال كعب الأحبار: لو أن الله تعالى حبس الهواء عن الناس لأنتن ما بين السماء والأرض، ولقد أحسن بعض الشعراء حيث قال: إذا خلا الجوّ من هواء فعيشهم غمة ويوس فهو حياة لكل حيّ كأن أنفاسه نفوس ١٣١ کتاب بدء الخلق/ باب ٦ وقد سبقت زيادة لهذا في باب قول النبي وَّر (نصرت بالصبا). ٣٢٠٦ - حدثنا مكيُّ بن إبراهيمَ حدَّثنا ابنُ جُرَيج عن عطاءٍ عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها قالت: ((كان النبيُّ نََّ إذا رأىْ مَخِيلةٌ في السماءِ أقبلَ وأدبَرَ ودَخْلَ وخرجَ وتغيَّرَ وَجهه، فإذا أمطَرَتِ السماءُ سُرِّيَ عنهُ، فعرَّفته عائشة ذلك فقال النبي وَّرَ: وما أدري لعلّهُ كما قال قوم عاد ﴿فلما رأوه عارضًا مُسْتقبِلَ أودِيتهم﴾ [الأحقاف: ٢٤] الآية)). [الحديث ٣٢٠٦- طرفه في: ٤٨٢٩]. وبه قال: (حدّثنا مكي بن إبراهيم) بن بشير بن فرقد الحنظلي البلخي قال: (حدّثنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت: كان رسول الله ◌َ﴿ إذا رأى خيلة في السماء) بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة وبعد التحتية الساكنة لام مفتوحة أي سحابة يخال فيها المطر (أقبل وأدبر ودخل وخرج وتغيّر وجهه) خوفًا أن يحصل من تلك السحابة ما فيه ضرر بالناس، (فإذا أمطرت السماء سُري) بضم السين مبنيًا للمجهول أي كشف (عنه) الخوف وأزيل (فعرفته) بتشديد الراء وسكون الفوقية من التعريف أي عرفت النبي ◌َّر (عائشة ذلك) الذي عرض له (فقال النبي ◌َّ): (ما) ولأبي ذر: وما (أدري لعله كما قال قوم) هم عاد (﴿فلما رأوه عارضًا﴾) [الأحقاف: ٢٤] سحابًا عرض في أفق السماء (﴿مستقبل أوديتهم)) متوجه أوديتهم (الآية). وهذا الحديث أخرجه الترمذي في التفسير وكذا النسائي. ٦ - باب ذكر الملائكة وقال أنس: قال عبدُ اللَّهِ بنُ سلام للنبيِّ وَّهِ: إِنَّ جبريلَ عليه السلام عدُوُّ اليهود منَ الملائكة قال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿لنحنُ الصافُون﴾: الملائكة (باب ذكر الملائكة صلوات الله عليهم) الملائكة: جمع ملأك على الأصل كالشمائل جمع شمأل والتاء التأنيث الجمع وتركت الهمزة في المفرد للاستثقال وهو مقلوب مألكٍ من الألوكة وهي الرسالة لأنهم وسائط بين الله وبين الناس فهم رسل الله أو كالرسل إليهم، واختلف العقلاء في حقيقتهم بعد اتفاقهم على أنهم ذوات موجودة قائمة بأنفسها فذهب أكثر المسلمين إلى أنهم أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة مستدلين بأن الرسل كانوا يرونهم كذلك، وقالت طائفة من النصارى: هي النفوس الفاضلة البشرية المفارقة للأبدان، وزعم الحكماء أنها جواهر مجردة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة منقسمة إلى قسمين: قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق والتنزه عن الاشتغال بغيره كما وصفهم في محكم التنزيل فقال: ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ [الأنبياء: ٢٠] وهم العليون والملائكة المقربون. وقسم يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ١٣٢ كتاب بدء الخلق / باب ٦ على ما سبق به القضاء وجرى به القلم الإلهي لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وهم المدبرات أمرًا فمنهم سماوية ومنهم أرضية، فهم بالنسبة إلى ما هيأهم الله له أقسام: فمنهم حملة العرش، ومنهم كروبيون الذين هم حول العرش وهم أشراف الملائكة مع حملة العرش وهم الملائكة المقربون، ومنهم جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقد ذكر الله تعالى أنهم يستغفرون بظهر الغيب، ومنهم سكان السماوات السبع يعمرونها عبادة لا يفترون فمنهم الراكع دائمًا والقائم دائمًا والساجد دائمًا، ومنهم الذين يتعاقبون زمرة بعد زمرة إلى البيت المعمور كل يوم سبعون ألفًا يعودون إليه، ومنهم الموكلون بالجنان وإعداد الكرامة لأهلها وتهيئة الضيافة لساكنيها من ملابس ومساكن ومآكل ومشارب وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ومنهم الموكلون بالنار وهم الزبانية ومقدموهم تسعة عشر وخازنها مالك وهو مقدم على جميع الخزنة، ومنهم الموكلون بحفظ بني آدم فإذا جاء قدر الله خلوا عنه، ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد لا يفارقون الإنسان إلا عند الجنابة والغائط والغسل. وقد روى الطبراني من حديث ابن عباس أن رسول الله وَ لقر قال: لجبريل عليه السلام: ((على أي شيء أنت))؟ قال: على الريح والجنود. قال: ((وعلى أي شيء ميكائيل))؟ قال: على النبات والقطر. وفي حديث أنس عند الطبراني مرفوعًا: ((إن ميكائيل ما ضحك منذ خلقت النار)). وورد أن له أعوانًا يفعلون ما يأمرهم به فيصرفون الرياح والسحاب كما يشاء الله تعالى. وروينا أنه ما من قطرة تنزل من السماء إلا ومعها ملك يقرّها في الأرض، واتفق على عصمة الرسل منهم كعصمة رسل البشر وأنهم معهم كهم مع أممهم في التبليغ وغيره واختلف في غير الرسل منهم، فذهب بعضهم إلى القول بعدم عصمتهم لقصة هاروت وماروت وما روي عنهما من شرب الخمر والزنا والقتل مما رواه أحمد مرفوعًا وصححه ابن حبان، ومفهوم آية ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى﴾ [البقرة: ٣٤] الآية. إذ مفهومها أن إبليس كان منهم وإلا لم يتناوله أمرهم ولم يصح استثناؤه منهم قال في الأنوار: ولا يرد على ذلك قوله تعالى: ﴿إلا إبليس كان من الجن﴾ [الكهف: ٥٠] لجواز أن يقال كان من الجن فعلاً ومن الملائكة نوعًا، ولأن ابن عباس روى أن من الملائكة ضربًا يتوالدون يقال لهم الجن ومنهم إبليس، وحاصله أن من الملائكة من ليس بمعصوم وإن كان الغالب فيهم العصمة، كما أن من الإنس معصومين وإن كان الغالب فيهم عدمها، ولعل ضربًا من الملائكة لا يخالف الشياطين بالذات وإنما يخالفهم بالعوارض والصفات كالبررة والفسقة من الإنس والجن والذي عليه المحققون عصمة الملائكة مطلقًا . وأجابوا: بأن إبليس كان جنيًا نشأ بين أظهر الملائكة وكان مغمورًا بالألوف منهم فغلبوا عليه، أو أن الجن كانوا مأمورين مع الملائكة، لكن استغنى بذكر الملائكة عن ذكرهم فإنه إذا علم أن الأكابر مأمورون بالتذلل لأحد والتوسل به علم أن الأصاغر أيضًا مأمورون به. ١٣٣ کتاب بدء الخلق/ باب ٦ وأما قصة هاروت وماروت فرواها الإمام أحمد وابن حبان. ولفظ أحمد: حدّثنا يحيى بن أبي بكر، حدّثنا زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع، عن ابن عمر أنه سمع النبي وَلآت يقول: ((إن آدم لما أهبط إلى الأرض قالت الملائكة أي رب ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ [البقرة: ٣٠] الآية. قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم. قال الله تعالى للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض ومثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر فجاءتهما فسألاها نفسها. فقالت: لا والله حتى تكلما بهذه الكلمة من الإشراك، فقالا: والله لا نشرك بالله أبدًا فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله فسألاها نفسها. فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي، فقالا: والله لا نقتله أبدًا. فذهبت ثم رجعت بقدح خمر فسأَلاها نفسها. فقالت: لا والله حتى تشربا هذا الخمر فشربا فسكرا فوقعا عليها وقتلا الصبي، فلما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئًا ابيتماه عليّ إلا قد فعلتماه حين سكرتما فخيّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا. وهذا حديث غريب من هذا الوجه ورجاله كلهم من رجال الصحيحين إلا موسى بن جبير هذا وهو الأنصاري السلمي الحذاء. وذكره ابن حبان في كتاب الجرح والتعديل ولم يحك فيه شيئًا فهو مستور الحال، وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر عن النبي ◌َّله. وروي له متابع من وجه آخر عند ابن مردويه عن نافع عن ابن عمر عن النبي ◌َّر، لكن رواه عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر عن كعب قال: ذكرت الملائكة أعمال بني آدم وما يأتون به من الذنوب فقيل لهم: اختاروا منكم اثنين فاختاروا هاروت وماروت الحديث. ورواه ابن جرير من طريقين عن عبد الرزاق به عن كعب الأحبار قال الحافظ ابن كثير: فهذا أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر، وسالم أثبت في أبيه من مولاه نافع فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل وقيل: إنهما كانا قبيلين من الجن قاله ابن حزم وهذا غريب وبعيد عن اللفظ، وعند ابن الجوزي في زاد المسير أنهما هما بالمعصية ولم يفعلاها، ومنهم من قرأ الملكين بكسر اللام وقال إنهما علجان من أهل فارس قاله الضحاك. وروى الحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه عن ابن عباس وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما وقع الناس من بعد آدم عليه السلام فيما وقعوا فيه من المعاصي الحديث وفيه قال: وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب وهذا اللفظ أحسن ما ورد في شأن الزهرة. (وقال أنس) فيما وصله المؤلف في الهجرة (قال عبد الله بن سلام) بتخفيف اللام (للنبي ( إن جبريل عليه السلام عدوّ اليهود من الملائكة) روي أنه إنما كان عدوًّا لهم لأنه كان يطلع الرسول عليه السلام على أسرارهم وأنه صاحب كل خسف وعذاب. (وقال ابن عباس) فيما وصله الطبراني (لنحن الصافون) أي (الملائكة). ١٣٤ كتاب بدء الخلق/ باب ٦ ٣٢٠٧ - حدثنا هُذْبة بن خالدٍ حدَّثَنا همام عن قتادةً. وقال لي خليفة: حدَّثَنا يزيدُ بن زُرَيعِ حدَّثنا سعيدٌ وهشامٌ قالا: حدَّثَنا قتادةُ حدَّثَنا أنسُ بن مالكِ عن مالكِ بنِ صَعْصَعةً رضيَ اللَّه عنهما قال: قال النبيُّ ◌َر: (بينا أنا عندَ البيت بينَ النائم واليَقْظان - وذكرَ يعني رجلاً بينَ الرَّجُلَين - فأُتيتُ بطِسْتٍ من ذَهَبِ مَلآن حكمةً وإيمانًا، فشقّ منَ النَّحر إلى مَراق البطنِ، ثمَّ غُسِلَ البطنُ بماءِ زَهْزَمَ، ثمَّ مُلىءَ حكمةً وإيمانًا. وأُتيتُ بدائَّةٍ أبيضَ دُونَ البغلِ وفَوقَ الحمارِ البراقُ، فانطلَقْتُ معَ جِبرِيلَ، حتى أتينا السماءَ الدُّنيا، قيلَ: من هذا؟ قال: جبريلُ. قيل: من معكَ؟ قال: محمدٌ. قيل: وقد أُرسِلَ إليهِ؟ قال: نعم. قيل: مَرحبًا بهِ؛ ولنِعمَ المجيءُ جاء. فأتيتُ على آدم فسلمتُ عليه فقال: مَرحبًا بك منِ ابنٍ ونبيّ. فأتَينا السماءَ الثانية. قيلَ: مَن هذا؟ قال: جبريلُ. قيل: مَن معكَ؟ قال: محمدٌ وَلَّ، قيل: أُرسِلَ إليه؟ قال: نعم. قيل: مَرحبًا به، ولنِعمَ المَجيءُ جاء. فأتيتُ على عيسى ويحيى، فقالا: مَرحبًا بكَ مِن أخٍ ونبيّ. فأتينا السماءَ الثالثة. قيل: من هذا؟ قيلَ: جبريلُ. قيلَ مَن معكَ؟ قال: محمد. قيلَ: وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نعم. قيلَ: مرحبًا به، ولنِعمَ المجيءُ جاء. فأتيتُ على يوسفَ فسلمتُ عليه، فقال: مرحبًا بكَ من أخ ونبيّ. فأتَينا السماءَ الرابعةَ، قيل من هذا؟ قال: جبريل. قيلَ: من معك؟ قيل: محمد رَله. قيل: وقد أُرسلَ إليه؟ قال: نعم. قيلَ: مَرحبًا بهِ ولَنِعم المجيءُ جاء. فأتيتُ على إدريسَ فسلمتُ عليه فقال: مَرحبًا بك من أخ ونبيّ. فأتينا السماءَ الخامسة، قيلَ: مَن هذا؟ قيل: جبريلُ. قيلَ: ومَن معك؟ قيل: محمدٌ. قيل: وقد أُرسلَ إليه؟ قال: نعم. قيل: مَرحبًا به ولَنِعم المجيءُ جاء. فأَتَينا على هارونَ، فسلمتُ عليه، فقال: مَرحَبًا بك من أخٍ ونبيّ. فأتينا على السماءِ السادسةِ، قيل: مَن هذا؟ قيل جبريلُ: قيلَ: من معكَ؟ قيل: محمد رَجَ. قيل: وقد أُرسِلَ إِليه؟ مَرحَبًا بهِ، وَلَنِعْمَ المجيء جاء. فأتيتُ على موسى فسلمت عليه فقال: مَرحبًا بكَ من أخ ونبيّ. فلما جاوزتُ بكى، فقيل: ما أبكاك؟ قال: يا رب، هذا الغلامُ الذي بُعِثَ بعدي يَدخُل الجنةَ من أُمَّتِهِ أفضلُ ممّا يدخلُ من أمَّتي. فأتينا السماء السابعة، قيل: من هذا؟ قيل: جبريل. قيل: من معك؟ قيل: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ مَرحبًا بهِ ولَنِعمَ المجيء جاء. فأتيتُ على إبراهيمَ فسلَّمتُ عليه فقال: مَرحبًا بكَ منِ ابنٍ ونبيّ. فرُفعَ لي البيتُ المعمور، فسألتُ جبريلَ فقال: هذا البيتُ المعمور، يُصلي فيه كلَّ يومٍ سبعونَ ألفَ مَلك، إذا خَرَجوا لم يعودوا إليه آخرَ ما عليهم. ورُفعَت لي سِذْرَةُ المنتهى، فإذا نَبِقُها كأنهُ قِلالُ هَجَر، ووَرَقها كأنه آذانُ الفُيول، في أصلها أربعة أنهار: نهرانٍ باطِنانٍ ونهرانٍ ظاهران. فسألتُ جِبرِيلَ فقال: أمّا الباطنانِ ففي الجنَّة، وأما الظاهرانِ النيلُ والفُرات. ثمَّ فُرِضَتْ عليَّ خمسونَ صلاةٌ، فأقبلتُ حتَّى جئتُ موسى فقال: ما صَنَعتَ؟ قلتُ: فُرِضَت عليَّ خمسون صلاة. قال: ١٣٥ کتاب بدء الخلق/ باب ٦ أنا أعلم بالناسِ منكَ، عالجتُ بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، وإنَّ أمتَكَ لا تُطِيق، فارجع إلى ربّكَ فسَلْهُ. فرجَعتُ فسألتهُ، فجعلَها أربعين، ثمَّ مثلَهُ ثمَّ ثلاثين، ثمَّ مثله فجعَل عَشرين، ثمَّ مثله فجعَل عَشرًا، فأتيتُ موسى فقال مثله فجعلها خمسًا: فأتيتُ موسى فقال: ما صنعت؟ قلتُ: جعلَها خمسًا. فقال مثلهُ: قلتُ: فسلَّمتُ. فتُودي: إني قد أمضيتُ فريضتي. وخففتُ عن عبادي، وأجزي الحَسنة عَشْرًا)). وقال هَمام عن قتادةَ عن الحسن عن أبي هريرةَ رضي اللَّهُ عنه عن النبيِّ وَّ: ((في البيتِ المعمور)). [الحديث ٣٢٠٧ - أطرافه في: ٣٣٩٣، ٣٤٣٠، ٣٨٨٧]. وبه قال: (حدّثنا هدية بن خالد) بضم الهاء وسكون المهملة وفتح الموحدة القيسي البصري ويقال له هداب قال: (حدّثنا همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى ابن يحيى بن دينار العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالذال المعجمة (عن قتادة) بن دعامة (وقال لي خليفة) أي ابن خياط العصفري مذاكرة ولفظ المتن الخليفة، وفي نسخة ح لتحويل السند (وقال لي خليفة): (حدّثنا يزيد بن زريع) بزاي مضمومة فراء مفتوحة مصغرًا العيشي البصري قال: (حدّثنا سعيد) هو ابن أبي عروبة واسمه مهران اليشكري (وهشام) هو الدستوائي (قالا: حدثنا قتادة) قال: (حدّثنا أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة) الأنصاري (رضي الله عنهما) أنه (قال: قال النبي ◌َ(*) : (بينا) بغير ميم (أنا عند البيت) الحرام (بين النائم واليقظان). هو محمول على ابتداء الحال ثم استمر يقظان في القصة كلها، وأما ما وقع في رواية شريك في التوحيد في آخر الحديث فلما استيقظ، فإن قلنا بالتعدد فلا إشكال وإلاّ حمل على أن المراد باستيقظت أنه أفاق مما كان فيه من شغل البال بمشاهدة الملكوت ورجع إلى العالم الدنيوي، وقال عبد الحق في الجمع بين الصحيحين رواية شريك أنه كان نائمًا زيادة مجهولة ثم قال وشريك ليس بالحافظ ( - وذكر) وَلهـ (يعني رجلاً بين الرجلين -) وهذا مختصر أوضحته رواية مسلم من طريق سعيد عن قتادة بلفظ: إذ سمعت قائلاً يقول أحد الثلاثة بين الرجلين فأتيت فانطلقوا بي، وقد ثبت أن المراد بالرجلين حمزة وجعفر فإن النبي ◌ّ﴿ كان نائمًا بينهما. وقال الكرماني: ثلاثة رجال وهم الملائكة تصوّروا بصورة الإنسان فلينظر، وسقط لغير الأصيلي وأبي الوقت قوله يعني رجلاً (فأتيت بطست) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول والطست بفتح الطاء وسكون السين المهملتين مؤنث (من ذهب ملىء حكمة وإيمانًا) بضم الميم وكسر اللام فهمزة مبنيًا للمفعول في الماضي كذا في الفرع، وضبط الدمياطي، والتذكير باعتبار الإناء. ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ملآن بفتح الميم وسكون اللام وزيادة نون بعد الهمزة، ولأبي ذر عن الكشميهني: ملأى بفتح الميم وسكون اللام وفتح الهمزة ولعله من باب التمثيل أو مثلت له المعاني كما مثلت له أرواح الأنبياء الدارجة بالصور التي كانوا عليها. ١٣٦ كتاب بدء الخلق/ باب ٦ (فشق) الملك وفي الفرع بضم الشين للمفعول (من النحر إلى مراق البطن) بفتح الميم وتخفيف الراء بعدها ألف فقاف مشدّدة وأصله مراقق بقافين فأدغمت الأولى في الثانية وهو ما سفل من البطن ورق من جلده (ثم غسل البطن) المقدس بضم الغين مبنيًا للمفعول (بماء زمزم) الذي هو أفضل المياه على ما اختير. وهذا الشق غير الذي وقع له في زمن حليمة السعدية (ثم ملىء) القلب (حكمة، وإيمانًا وأتيت بدابة أبيض) لم يقل بيضاء نظرًا إلى المعنى أي بمركوب أبيض (دون البغل وفوق الحمار) هو (البراق) ويجوز جره بدلاً من دابة واشتقاقه من البرق لسرعة مشيه وكان الأنبياء يركبونه، (فانطلقت مع جبريل حتى أتينا السماء الدنيا)، لم يذكر مجيئه لبيت المقدس كما في التنزيل ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١] وليس صعوده إلى السماء كان على البراق بل نصب له المعراج فرقي عليه كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ولعل الراوي اقتصر أو وقع تعدد المعراج (قيل: من هذا؟) ولأبي ذر: فلما جئت إلى السماء الدنيا قال جبريل، لخازن السماء: افتح. قال: من هذا؟ (قال) ولأبي ذر: قيل (جبريل. قيل: ومن معك؟ قيل) ولأبي الوقت: قال (محمد. قيل: وقد أرسل إليه) للعروج به إلى السموات (قال) جبريل: (نعم. قيل: مرحباً به)، أي لقي رحبًا وسعة (ولنعم المجيء جاء) قال المظهري: المخصوص بالمدح محذوف وفيه تقديم وتأخير تقديره جاء فنعم المجيء مجيئه. وقال في التوضيح: فيه شاهد على جواز الاستغناء بالصلة عن الموصول في (نعم) إذ التقدير: نعم المجيء الذي جاءه، (فأتيت على آدم فسلمت عليه. فقال: مرحبًا بك من ابن ونبيّ، فأتينا السماء الثانية قيل: من هذا؟ قال جبرل: قيل من) وللأصيلي: ومن (معك؟ قال: محمد وَّر) سقطت التصلية لغير أبي ذر (قيل: أرسل إليه؟ قال) جبريل: (نعم. قيل مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء فأتيت على عيسى ويحيى) ابني الخالة (فقالا. مرحبًا بك، من أخ ونبي، فأتينا السماء الثالثة قيل: من هذا؟ قيل: جبريل. قيل: من معك؟ قال: محمد. قيل): ولأبي ذر عن الحموي والمستملي قال: (وقد أرسل إليه؟ قال) جبريل: (نعم. قيل مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت يوسف) ولأبي ذر فأتيت على يوسف (فسلمت عليه) سقط لأبي ذر لفظ عليه (قال): ولأبي ذر. فقال (مرحبًا بك من أخ ونبي، فأتينا السماء الرابعة قيل: من هذا؟ قيل) ولأبي ذر قال (جبريل. قيل: من معك؟ قيل: محمد ◌َ*) سقطت التصلية لغير أبي ذر (قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، ولنعم) ولأبي ذر: ونعم (المجيء جاء، فأتيت على إدريس فسلمت عليه فقال: مرحبًا من) ولابن عساكر وأبي الوقت مرحبًا بك من (أخ ونبي) خاطبه بلفظ الأخوّة وإن كان المناسب لفظ النبوّة تلطفًا وتأذبًا والأنبياء أخوة (فأتينا السماء الخامسة قيل: من هذا؟ قال): ولأبي ذر قيل (جبريل. قبل: ومن معك؟) بالواو (قيل: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء، فأتينا على هارون فسلمت عليه) سقط لأبي ذر لفظ عليه (فقال مرحبًا بك من أخ ونبي، فأتينا على السماء السادسة. قيل: من هذا؟ قيل: جبريل. قيل: من معك؟ قيل): وفي نسخة قال (محمد (18) سقطت التصلية لأبي ذر (قيل: وقد أرسل إليه مرحبًا به)، سقط قال: ١٣٧ کتاب بدء الخلق/ باب ٦ نعم. قيل: (ولنعم) ولأبي ذر: نعم (المجيء جاء، فأتيت على موسى فسلمت فقال): ولأبي ذر عن الكشميهني فسلمت عليه فقال: (مرحبًا بك من أخ ونبي. فلما جاوزت) بحذف الضمير المنصوب (بكى) شفقة على قومه حيث لم ينتفعوا بمتابعته انتفاع هذه الأمة بمتابعة نبيهم ولم يبلغ سوادهم مبلغ سوادهم (فقيل: ما أبكاك؟ قال: يا رب هذا الغلام الذي بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أفضل مما يدخل من أمتي). أشار إلى تعظيم شأن نبينا ومنة الله تعالى عليه حيث أتحفه بتحف الكرامات وخصوص الزلفى والهبات من غير طول عمر أفناه مجتهدًا في الطاعات، والعرب تسمي الرجل المستجمع السن غلامًا ما دامت فيه بقية من القوّة، فالمراد استقصار مدته مع استكثار فضائله واستتمام سواد أمته. (فأتينا السماء السابعة قيل من هنا قيل: جبريل. قيل من معك؟ قيل: محمد. قيل: وقد أرسل إليه مرحبًا به)، سقط هنا أيضًا قال: نعم قيل: (ونعم) بغير لام، ولأبي ذر ولنعم (المجي جاء، فأتيت على إبراهيم فسلمت) زاد أبو ذر عن الكشميهني عليه (فقال: مرحبًا بك. من ابن ونبي) سقط لفظ بك من بعض النسخ كذا وقع هنا أنه رأى إبراهيم في السابعة. وفي أول كتاب الصلاة في السادسة فإن قيل بتعدد الإسراء فلا إشكال وإلاّ فيحتمل أن يكون رآه في السادسة ثم ارتقى هو أيضًا إلى السابعة. (فرفع) بضم الراء أي كشف (لي) وقرب مني (البيت المعمور) المسمى بالضراح بضم الضاد المعجمة وتخفيف الراء آخره حاء مهملة حيال الكعبة وعمارته بكثرة من يغشاه من الملائكة (فسألت جبريل). أي عنه (فقال، هذا البيت المعمور. يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم) بنصب آخر على الظرفية أو بالرفع بتقدير ذلك آخر ما عليهم من دخوله (ورفعت لي سدرة المنتهى) أي كشف لي عنها وقربت مني السدرة التي ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله (فإذا نبقها) بفتح النون وكسر الموحدة (كأنه قلال هجر) بكسر القاف جمع قلة وهجر بفتحات لا ينصرف. وفي الفرع صرفه (وورقها كأنه آذان الفيول) بضم الفاء جمع فيل الحيوان المشهور أي في الشكل لا في المقدار (في أصلها أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران فسألت جبريل؟) عنها (فقال: أما الباطنان ففي الجنة) نقل النووي عن مقاتل أن الباطنين السلسبيل والكوثر (وأما الظاهران النيل والفرات) يخرجان من أصلها ثم يسيران حيث شاء الله ثم يخرجان من الأرض ويجريان فيها. (ثم فرضت علّ خمسون صلاة. فأقبلت حتى جئت موسى. فقال: ما صنعت؟ قلت: فرضت علّ خمسون صلاة. قال: أنا أعلم بالناس منك عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة). قال التوربشتي: أي مارستهم ولقيت الشدة فيما يردت منهم من الطاعة والمعالجة مثل المزاولة والمحاولة، (وإن أمتك لا تطيق) ذلك ولم يقل إنك وأمتك لا يطيقون لأن العجز مقصور على الأمة لا يتعداهم إلى النبي ◌َّ# فهو لما رزقه الله من الكمال يطيق أكثر من ذلك، وكيف لا وقد جعلت قرة عينه في الصلاة (فارجع إلى ربك) أي إلى الموضع الذي ناجيت فيه ربك (فسله) أي التخفيف (فرجعت فسألته) أي التخفيف (فجعلها أربعين) أي صلاة (ثم) قال موسى (مثله) أي ما تقدم من المراجعة وسؤال التخفيف (ثم) جعلها الله تعالى (ثلاثين) صلاة (ثم) قال موسى أيضًا ١٣٨ كتاب بدء الخلق / باب ٦ (مثله فجعلها) الله تعالى (عشرين) صلاة (ثم) قال موسى (مثله فجعلها) الله تعالى (عشرًا، فأتيت موسى فقال: مثله فجعلها خمسًا فأتيت موسى فقال: ما صنعت؟ قلت: جعلها) سبحانه وتعالى (خمسًا. فقال: مثله قلت: سلمت) بتشديد اللام من التسليم أي سلمت فلم يراجعه تعالى لأني استحييت منه جل وعلا. وزاد في غير رواية أبي ذر هنا بخير (فنودي) من قبل الله تعالى (إني) بكسر الهمزة (قد أمضيت) أي أنفذت (فريضتي) بخمس صلوات (وخففت عن عبادي) من خمسين إلى خمس (وأجزي الحسنة عشرًا) ثواب كل صلاة عشرًا. وفيه دليل على جواز النسخ قبل الوقوع، وأنكره أبو جعفر النحاس لأن ذلك من البداء وهو محال على الله تعالى، ولأن النسخ وإن جاز قبل العمل عند من يراه فلا يجوز قبل وصوله إلى المخاطبين فهو شفاعة شفعها عليه الصلاة والسلام لا نسخ. وأجيب: بأن النسخ إنما وقع فيما وجب على الرسول من التبليغ وبأن الشفاعة لا تنفي النسخ فقد تكون سببًا له أو أن هذا كان خبرًا لا تعبدًا فلا يدخله النسخ، ومعناه أنه تعالى أخبر رسوله عليه الصلاة والسلام أن على أمته خمسين صلاة في اللوح المحفوظ، ولذا قال في الحديث في رواية: هي خمس وهي خمسون والحسنة بعشر أمثالها، فتأوّله عليه السلام على أنها خمسون بالفعل فلم يزل يراجع ربه حتى بيّن له أنها في الثواب لا بالعمل. (وقال همام) بالإسناد السابق بتشديد الميم الأولى ابن يحيى العوذي (عن قتادة) بن دعامة (عن الحسن) البصري (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَّر في البيت المعمور) يريد أن سعيد بن أبي عروبة وهشامًا الدستوائي أدرجا قصة البيت المعمور في قصة الإسراء، والصواب رواية همام هذه حيث فصلها من قصة الإسراء لكن قال يحيى بن معين لم يصح للحسن سماع من أبي هريرة. ٣٢٠٨ - حدثنا الحسنُ بن الرّبيع حدَّثَنا أبو الأخوَصِ عن الأعمَشِ عن زيدِ بنِ وَهبٍ قال عبدُ اللَّه: حدَّثَنَا رسولُ اللَّهِ وَّهِ - وهوَ الصادقُ المصدوق - قال: ((إِنَّ أحدَكم يُجمَعُ خَلْقُهُ في بطن أُمِّهِ أربعينَ يومًا، ثمّ يكونُ عَلقَةً مثلَ ذلك، ثمّ يكونُ مُضْغَةً مثلَ ذلك، ثمَّ يَبعَثُ اللَّه مَلَكًا يُؤمَرُ بأربع كلماتٍ ويقال لهُ: اكتبُ عَمَلُهُ ورزقهُ وشَقيٍّ أو سعيد. ثمَّ يُنفَخُ فيهِ الرُّوحُ، فإنَّ الرجلَ منكم ليَعملُ حتَّى ما يكون بينهُ وبينَ الجنَّةِ إلا ذِراعٍ، فَيَسْبِقُ عليه كتابهُ فَيَعْمَلُ بعملٍ أهل النار. ويَعمِلُ حتَّى ما يكونُ بينَهُ وبينَ النارِ إلا ذراعٌ، فيسبقُ عليه الكتابُ فيَعمل بعملِ أهلِ الجنة)). [الحديث ٣٢٠٨ - أطرافه في: ٣٣٣٢، ٦٥٩٤، ٧٤٥٤]. وبه قال: (حدّثنا الحسن بن الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة ابن سليمان البوراني بضم الموحدة وسكون الواو وفتح الراء البجلي الكوفي قال: (حدّثنا أبو الأحوص) بالحاء المهملة الساكنة وفتح الواو آخره صاد مهملة سلام بتشديد اللام ابن سليم الحنفي مولى بني حنيفة الكوفي (عن ١٣٩ کتاب بدء الخلق/ باب ٦ الأعمش) سليمان بن مهران (عن زيد بن وهب) أبي سليمان الهمداني الكوفي أنه قال، (قال عبد الله) يعني ابن مسعود رضي الله عنه: (حدّثنا رسول الله وَّر وهو الصادق) في قوله: (المصدوق) فيما وعده به ربه تعالى. قال في شرح المشكاة: الأولى أن تجعل الجملة اعتراضية لا حالية لتعم الأحوال كلها وأن يكون من عادته ودأبه ذلك فما أحسن موقعها (قال): (إن أحدكم يجمع خلقه) بضم الياء وسكون الميم وفتح الميم مبنيًّا للمفعول (في بطن أمه أربعين يومًا)، أي يضم بعضه إلى بعض بعد الانتشار ليخمر فيها حتى يتهيأ للخلق، وفي قوله خلقه تعبير بالمصدر عن الجثة وحمل على أنه بمعنى المفعول كقولهم: هذا ضرب الأمير أي مضروبه . وقال الخطابي: روي عن ابن مسعود في تفسيره أن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله أن يخلق منها بشرًا طارت في بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين ليلة ثم تنزل دمًا في الرحم فذلك جمعها. وهذا رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، وقد رجح الطيبي هذا التفسير فقال: والصحابة أعلم الناس بتفسير ما سمعوه وأحقهم بتأويله وأولاهم بالصدق فيما يتحدثون به وأكثرهم احتياطًا للتوقي عن خلافه فليس لمن بعدهم أن يرد عليهم. قال في الفتح: وقد وقع في حديث مالك بن الحويرث رفعه ما ظاهره يخالف ذلك ولفظه: إذا أراد الله خلق عبد جامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعضو منها فإذا كان يوم السابع جمعه الله ثم أحضره كل عرق له دون آدم في أيّ صورة ما شاء ركبك. (ثم يكون علقة) دمًا غليظًا جامدًا (مثل ذلك) الزمان (ثم يكون مضغة) قطعة لحم قدر ما يمضغ (مثل ذلك)، الزمان. واختلف في أوّل ما يتشكل من الجنين فقيل: قلبه لأنه الأساس ومعدن الحركات الغريزية، وقيل: الدماغ لأنه مجمع الحواس ومنه تنبعث، وقيل الكبد لأن فيه النموّ والاغتذاء الذي هو قوام البدن، ورجحه بعضهم بأنه مقتضى النظام الطبيعي لأن النموّ هو المطلوب أوّلاً ولا حاجة له حينئذٍ إلى حس ولا حركة إرادية وإنما يكون له قوّة الحس والإرادة عند تعلق النفس به بتقديم الكبد ثم القلب ثم الدماغ. (ثم يبعث الله ملكًا) إليه في الطور الرابع حين يتكامل بنيانه وتتشكل أعضاؤه (فيؤمر) مبنيًّا للمفعول ولأبي ذر ویؤمر (بأربع كلمات) يكتبها كما قال (ويقال له: اكتب عمله ورزقه) غذاءه حلالاً أو حرامًا قليلاً أو كثيرًا أو كل ما ساقه الله تعالى إليه لينتفع به كالعلم وغيره (وأجله) طويلاً أو قصيرًا (وشقي أو سعيد) حسب ما اقتضته حكمته وسبقت كلمته، ورفع شقي خبر مبتدأ محذوف وتاليه عطف عليه، وكان حق الكلام أن يقول: یکتب سعادته وشقاوته فعدل عن ذلك حكاية لصورة ما يكتب لأنه يكتب شقي أو سعيد. والظاهر أن الكتابة هي الكتابة المعهودة في صحيفته، وقد جاء ذلك مصرحًا به في رواية لمسلم في حديث حذيفة بن أسيد: ثم تطوى ١٤٠ كتاب بدء الخلق / باب ٦ الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص، ووقع في حديث أبي ذر عنه فيقضي الله ما هو قاض فيكتب ما هو لاق بين عينيه. (ثم) بعد كتابة الملك هذه الأربعة (ينفخ فيه الروح) بعد تمام صورته ثم إن حكمة تحوّل الإنسان في بطن أمه حالة بعد حالة مع أن الله تعالى قادر على أن يخلقه في أقل من لمحة أن في التحويل فوائد: منها أنه لو خلقه دفعة واحدة لشق على الأم فجعله أوّلاً نطفة لتعتاد بها مدة ثم علقة كذلك وهلمّ جرّا، ومنها إظهار قدرته تعالى حيث قلبه من تلك الأطوار إلى كونه إنسانًا حسن الصورة متحليًا بالعقل، ومنها التنبيه والإرشاد على كمال قدرته على الحشر والنشر لأن من قدر على خلق الإنسان من ماء مهين ثم من علقة ثم من مضغة قادر على إعادته وحشره للحساب والجزاء؛ قاله المظهري. فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون نصب بحتى وما نافية غير مانعة لها من العمل أو رفع وهو الذي في الفرع على أن حتى ابتدائية. وفي كتاب القدر من طريق أبي الوليد الطيالسي عن شعبة عن الأعمش وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون (بينه وبين الجنة إلاّ ذراع)، أي ما يبقى بينه وبين أن يصل إلى الجنة إلا كمن بقي بينه وبين موضع من الأرض ذراع فهو تمثيل بقرب حاله من الموت وضابط ذلك بالغرغرة التي جعلت علامة لعدم قبول التوبة (فيسبق عليه كتابه) الذي كتبه الملك وهو في بطن أمه والفاء للتعقيب الدال على حصول السبق بغير مهملة (فيعمل) عند ذلك، ولأبي ذر عن الكشميهني: يعمل (بعمل أهل النار) أي فيدخلها (ويعمل) أي بعمل أهل النار (حتى ما يكون بينه وبين النار إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة). أي فيدخلها وفيه أن مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء وجرى به القدر . وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التوحيد والقدر ومسلم في القدر وكذا أبو داود والترمذي وابن ماجه، وتأتي بقية مباحثه إن شاء الله تعالى. بعون الله وقوّته. ٣٢٠٩ - حدثنا مُحَمَّدُ بن سَلام أخبرَنا مَخْلَدٌ، أخبرنا ابنُ جُرَيج قال: أخبرَني مُوسى بنُ عُقبةَ عن نافع قال: قال أبو هريرةَ رضيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبيِّ وَّهِ. وتابَعَهُ أبو عاصم عنِ ابن جُرَيجِ قال: أخبرني موسى بنُ عقبةً عن نافعٍ عن أبي هريرةً عن النبيِّ وَّرِ قال: ((إِذا أحَبَّ اللَّهُ العبدُ نادَى جبريلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فلانًا فأحيِبَّهُ، فيُحبُّه جبريلُ. فينادي جبريلُ في أهل السماء: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فلانَا فأحِبُّوهُ، فيحبُّه أهلُ السماء. ثمَّ يُوضعُ له القَبول في الأرض)). [الحديث ٣٢٠٩- طرفاه في: ٦٠٤٠، ٧٤٨٥]. وبه قال: (حدّثنا محمد بن سلام) بتخفيف اللام البيكندي كما ضبطه ابن ماكولا وغيره قال: (أخبرنا مخلد) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة ابن يزيد الحراني قال: (أخبرنا ابن جريج)