النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١
کتاب الجهاد والسير/ باب ٢
وحديث الباب أخرجه البخاري أيضًا في الرقاق، ومسلم وأبو داود في الجهاد، وابن ماجه
في الفتن.
٢٧٨٧ - حدثنا أبو اليمانِ أخبرَنا شُعيبٌ عنِ الزُّهرِيِّ قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيَّبِ أن أبا
هريرةً قال: ((سمعتُ رسولَ اللَّهِ بَّهِ يقول: ((مثَلُ المجاهدِ في سبيلِ اللَّهِ - واللهُ أعلمُ بمن يُجاهِدُ
في سبيله - كمثَلِ الصائمِ القائم. وتوكلَ اللَّهُ للمجاهدِ في سبيله بأن يَتوَفَاهُ أن يُدخِلَهُ الجنَّةَ أو
يُرجِعَهُ سالمًا معَ أجرٍ أو غنيمة)).
وبه قال: (حذّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي هريرة (عن
الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب أن أبا هريرة) رضي الله عنه
(قال: سمعت رسول الله وَلافيه يقول): ولأبي ذر عن الحموي والمستملي قال:
(مثل المجاهد في سبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله) أي الله أعلم بعقد نيّته إن كانت
خالصة لإعلاء كلمته فذلك المجاهد في سبيله وإن كان في نيته حب المال والدنيا واكتساب الذكر فقد
أشرك مع سبيل الله الدنيا والجملة معترضة بين قوله مثل المجاهد في سبيل الله وبين قوله: (- كمثل
الصائم) نهاره (القائم -) ليله، وزاد مسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة: ((كمثل الصائم القائم
القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة)) وزاد النسائي من هذا الوجه: ((الخاشع الراكع
الساجد) ومثله بالصائم لأن الصائم ممسك لنفسه عن الأكل والشرب واللذات، وكذلك المجاهد
ممسلك لنفسه على محاربة العدوّ وحابس نفسه على من يقاتله وكما أن الصائم القائم الذي لا يفتر
ساعة من العبادة مستمرًّا الأجر كذلك المجاهد لا يضيع ساعة من ساعاته بغير أجر. قال تعالى:
﴿ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة﴾ إلى قوله: ﴿إلا كتب لهم به عمل صالح إن
الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ [التوبة: ١٢٠].
(وتوكل الله) أي تكفل الله تعالى على وجه الفضل منه (للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله
الجنة) أي بتوفيه بدخوله الجنة في الحال بغير حساب ولا عذاب كما ورد: إن أرواح الشهداء تسرح
في الجنة (أو يرجعه) بفتح أوّله أي أو أن يرجعه إلى مسكنه حال كونه (سالمًا مع أجر) وحده (أو
غنيمة) مع أجر وحذف الأجر من الثاني للعلم به إذ لا يخلو المجاهد عنه فالقضية مانعة الخلو لا مانعة
الجمع أو لنقصه بالنسبة إلى الأجر الذي بدون الغنيمة إذ القواعد تقتضي بأنه عند عدم الغنيمة أفضل
منه وأتم أجرًا عند وجودها. وقد روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا:
((ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلاّ تعجلوا ثلثي أجرهم ويبقى لهم الثلث فإن لم
يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم)) فهذا صريح ببقاء بعض الأجر مع حصول الغنيمة فتكون الغنيمة في
مقابلة جزء من ثواب الغزو.
. ٢٨٢
کتاب الجهاد والسير/ باب ٣
وفي التعبير بثلثي الأجر حكمة لطيفة، وذلك أن الله تعالى أعدّ للمجاهد ثلاث كرامات:
دنيويتان وأخروية، فالدنيويتان السلامة والغنيمة، والأخروية دخول الجنة، فإذا رجع سالمًا غانمًا فقد
حصل له ثلثا ما أعدّ الله له وبقي له عند الله الثلث، وإن رجع بغیر غنيمة عوضه الله عن ذلك ثوابًا
في مقابلة ما فاته، وليس المراد ظاهر حديث الباب أنه إذا غنم لا يحصل له أجر، وقيل إن أو بمعنى
الواو وبه جزم ابن عبد البر والقرطبي ورجحه التوريشتي في شرحه للمصابيح والتقدير بأجر
وغنيمة، وكذا رواه مسلم بالواو وفي بعض رواياته، ورواه الفريابي وجماعة عن يحيى بن يحيى
بصيغة أو، وكذا مالك في موطئه ولم يختلف عليه إلا في رواية يحيى بن بكير عنه بالواو، ولكن في
رواية ابن بكير عن مالك مقال وكذا وقع عند النسائي وأبي داود بإسناد صحيح، فإن كانت هذه
الروايات محفوظة تعين القول بأن ((أو)) في هذا الحديث بمعنى ((الواو)) كما هو مذهب نحاة الكوفة،
لكن استشكله ابن دقيق العيد من حيث أنه إذا كان المعنى يقتضي اجتماع الأمرين كان ذلك داخلاً
في الضمان فيقتضي أنه لا بدّ من حصول الأمرين لهذا المجاهد وقد لا يتفق له ذلك فما فرّ منه
الذي ادعى أن ((أو)) بمعنى الواو وقع في نظيره لأنه يلزم على ظاهرها أن من رجع بغنيمة رجع بغير
أجر كما يلزم على أنها بمعنى الواو وأن كل غاز يجمع له بين الأجر والغنيمة معًا.
وأجاب في المصابيح: بأنه إنما يرد الإشكال إذا كان القائل بأنها للتقسيم قد فسر المراد بما
ذكره هو من قوله فله الأجر إن فاتته الغنيمة إلى آخره، وأما إن سكت عن هذا التفسير فلا يتجه
الإشكال إذ يحتمل أن يكون التقدير أو يرجعه سالمًا مع أجر وحده أو غنيمة وأجر كما مرّ والتقسيم
بهذا الاعتبار صحيح والإشكال ساقط مع أنه لو سلم أن القائل بأنها للتقسيم صرح بأن المراد فله
الأجر إن فاتته الغنيمة، وإن حصلت فلا لم يرد الإشكال المذكور عليه لاحتمال أن يكون تنكير الأجر
لتعظيمه ويراد به الأجر الكامل فيكون معنى قوله فله الأجر إن فاتته الغنيمة وإن حصلت فلا يحصل
له ذلك الأجر المخصوص وهو الكامل فلا يلزم انتفاء مطلق الأجر عنه اهـ.
وهذا الحديث أخرجه النسائي في الجهاد أيضًا.
٣ - باب الدُّعاءِ بالجهاد والشهادةِ للرجالِ والنساءِ
وقال عمرُ: اللّهِمَّ ارزُقْني شهادةً في بلدِ رسولِكَ.
(باب الدعاء بالجهاد) كأن يقول: اللهم اجعلني من المجاهدين في سبيلك (والشهادة) أي
والدعاء بالشهادة (للرجال والنساء) كأن يقول: اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك. (وقال عمر): بن
الخطاب رضي الله عنه مما سبق موصولاً بأتم منه في آخر كتاب الحج (ارزقني) ولأبي ذر عن
الكشميهني: اللهم ارزقني قتلاً في سبيلك ووفاة في بلد نبيك. الحديث.
٢٨٣
كتاب الجهاد والسير/ باب ٣
٢٧٨٨، ٢٧٨٩ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ عن مالكِ عن إسحقَ بن عبدِ اللهِ بنِ أبي
طلحةً عن أنَسِ بنِ مالكِ رضيَ اللَّهُ عنه أنه سمعَهُ يقول: ((كان رسولُ اللَّهِ وَ﴿ يَدخلُ على أُمْ خَرام
بنت مِلْحانَ فتُطْعِمهُ وكانت أُمُ حَرامِ تحتَ عُبادةَ بنِ الصامتِ، فدخَلَ عليها رسولُ اللهَِ فْطِعَمَتْةً
وجعلَتْ تَقْلِي رأسَهُ، فنامَ رسولُ اللَّهِ وَّهَ، ثم اسْتَيقظَ وهو يَضحَكُ، قالت: فقلت: وما يُضحِكُكَ
يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: ناسٌ من أمَّتي عُرِضوا عليَّ غُزاةً في سبيلِ اللهِ، يركّبونَ تَبَجَ هذا البحرِ مُلوًّا
على الأسِرَّة - أو مِثْلَ الملوكِ على الأسرَّة، شكَّ إسحق - قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، ادعُ اللَّهَ
أن يجعلني منهم، فدعا لها رسول اللَّهِ وَله. ثمَّ وَضعَ رأسَهُ، ثمَّ اسْتَيقَظَ وهو يَضحكُ. فقلت: وما
يُضحِكُكَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: ناسٌ مِن أُمَّتِي عُرِضوا عليَّ غُزاةً في سبيلِ اللَّه . كما قال في الأوَّل -
قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ادعُ اللَّهَ أن يجعلني منهم، قال: أنتِ منَ الأولين. فَرَكِبَتِ البحرَ في
زمنٍ مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ فصُرِعَتْ عن دابْتِها حِينَ خَرجَتْ منَ البَحرِ فهلَّكَتْ)). [الحديث ٢٧٨٨-
أطرافه في: ٢٧٩٩، ٢٨٧٧، ٢٨٩٤، ٦٢٨٢، ٧٠٠١]. [الحديث ٢٧٨٩ - أطرافه في: ٢٨٠٠،
٢٨٧٨، ٢٨٩٥، ٢٩٢٤، ٦٢٨٣، ٧٠٠٢].
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (عن مالك) الإمام الأعظم (عن إسحق بن
عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سمعه يقول: كان رسول الله ◌َلا يدخل
على أم حرام) بفتح الحاء والراء المهملتين (بنت ملحان) بكسر الميم وسكون اللام وبالحاء المهملة وبعد
الألف نون وهي أخت أم سليم وخالة أنس بن مالك (فتطعمه) مما في بيتها من الطعام (وكانت أم
حرام تحت عبادة بن الصامت)، الأنصاري أي زوجًا له. (فدخل عليها رسول الله وَ﴿) يومًا
(فأطعمته وجعلت تفلي رأسه)، بفتح المثناة الفوقية وإسكان الفاء وكسر اللام من فلى يغلي من باب
ضرب يضرب يعني تفتش شعر رأسه لتستخرج هوامه، وإنما كانت تفلي رأسه لأنها كانت منه ذات
محرم من قبل خالاته لأن أم عبد المطلب كانت من بني النجار، وقيل: كانت إحدى خالاته عليه
الصلاة والسلام من الرضاعة. قال ابن عبد البر: فأيّ ذلك كان فأم حرام محرم منه. ونقل النووي
الإجماع على ذلك قال: وإنما اختلفوا هل ذلك من النسب أو الرضاع وصوّب بعضهم أنه لا محرمية
بينهما كما بيّنه الحافظ الدمياطي في جزء أفرده لذلك قال: وليس في الحديث ما يدل على الخلوة بها
فلعل ذلك كان مع ولد أو زوج أو خادم أو تابع والعادة تقتضي المخالطة بين المخدوم وأهل الخادم
لا سيما إذا كنّ مُسنّات مع ما ثبت له وَ لهو من العصمة أو هو من خصائصه عليه الصلاة والسلام
(فنام رسول الله ◌ِّر) عندها (ثم استيقظ وهو يضحك) فرحًا وسرورًا لكون أمته تبقى بعده متظاهرة
أمور الإسلام قائمة بالجهاد حتى في البحر والجملة حالية (قالت) أم حرام (فقلت: وما يضحكك يا
رسول الله؟ قال):
٢٨٤٨
کتاب الجهاد والسير/ باب ٣
(ناس من أمتي عرضوا علي) حال كونهم (غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر) بمثلثة
فموحدة مفتوحتين فجيم وسطه أو معظمه أو هوله أقوال (ملوكًا) نصب بنزع الخافض أي مثل ملوك
(على الأسرّة) أي في الجنة كما قاله ابن عبد البر. قال النووي: والأصح أنه صفة لهم في الدنيا أي
يركبون مراكب الملوك لسعة حالهم واستقامة أمرهم (أو) قال (مثل الملوك على الأسرّة) (شك
إسحق) بن عبد الله بن أبي طلحة (قالت فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها
رسول الله (*). وهذا ظاهر فيما ترجم له المؤلف في حق النساء ويؤخذ منه حكم الرجال بطريق
الأولى، ولا يقال لا مطابقة بينهما لأنه ليس في الحديث تمني الشهادة وإنما فيه تمني الغزو ولأن
الشهادة هي الثمرة العظمى المطلوبة في الغزو.
واستشكل الدعاء بالشهادة إذ حاصله أن يدعو الله تعالى أن يمكن منه كافرًا يعصي الله بقتله
فيقل عدد المسلمين ويدخل السرور على قلوب المشركين، ومقتضى القواعد الفقهية أن لا يتمني
معصية الله لنفسه ولا لغيره. وأجاب ابن المنير: بأن المدعو به قصدًا إنما هو نيل الدرجة الرفيعة
المعدة للشهداء وأما قتل الكافر للمسلم فليس بمقصود للداعي وإنما هو من ضرورات الوجود لأن
الله قد أجرى حكمه أن لا ينال تلك الدرجة إلا شهيدًا.
(ثم وضع) عليه الصلاة والسلام (رأسه) الشريف ثانيًا فنام (ثم استيقظ وهو يضحك فقلت:
وما يضحكك يا رسول الله)؟ وسقطت الواو من قوله وما لأبي ذر (قال): (ناس من أمتي عرضوا
علي) حال كونهم (غزاة في سبيل الله) قيل أي يركبون البرّ (كما قال في الأول) ملوكًا على الأسرّة،
ولأبي ذر: في الأولى بالتأنيث. (قالت فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: (أنت
من الأولين) الذين يركبون ثبج البحر (فركبت البحر زمن معاوية ابن أبي سفيان) مع زوجها في أول
غزوة كانت إلى الروم مع معاوية زمن عثمان بن عفان سنة ثمان وعشرين وهذا قول أكثر أهل
السِّير. وقال البخاري ومسلم في زمان معاوية فعلى الأول يكون المراد زمان غزو معاوية في البحر لا
زمان خلافته (فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت). في الطريق لما رجعوا من
غزوهم بغير مباشرة للقتال، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن
مات في سبيل الله فهو شهيد)). رواه مسلم، وروى أبو داود من حديث أبي مالك الأشعري
مرفوعًا: ((من رقصته فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه فهو شهيد)). وقال تعالى:
﴿ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾
[النساء: ١٠٠].
وحديث الباب أخرجه البخاري أيضًا في الجهاد وكذا أبو داود والترمذي والنسائي والله أعلم.
٢٨٥
كتاب الجهاد والسير/ باب ٤
٤ - باب درجاتِ المجاهدِينَ في سَبيلِ اللهِ. يقال هذه سَبيلي، وهذا سَبيلي
قال أبو عبدِ اللَّهِ: غُزّا واحدها غازٍ. هُم دَرَجاتٌ: لهم درجات.
(باب درجات المجاهدين في سبيل الله. يقال هذه سبيلي، وهذا سبيلي) يريد المؤلف أن السبيل
يؤنث ويذكر وبذلك جزم الفرّاء (قال أبو عبد الله): البخاري (غُزَّا) بضم المعجمة وتشديد الزاي
(واحدها غازٍ هم درجات) أي (لهم درجات) أي منازل قاله أبو عبيدة، وقال غيره أي وهم ذوو
درجات وثبت قوله قال أبو عبد الله: إلى آخره. في رواية أبي ذر عن الحموي والمستملي.
٢٧٩٠ - حدثنا يحيى بنُ صالحِ حدَّثَنا فُليحْ عن هِلالِ بنِ عليّ عن عطاءِ بنِ يسارٍ عن أبي
هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((من آمَنَ باللَّهِ وبرسولهِ وأقامَ الصلاةَ وصامَ رمضانَ كان
حَقًّا على اللَّهِ أن يُدْخِلَهُ الجنَّة، جاهدَ في سبيلِ اللَّهِ أو جَلَسَ في أرضهِ التي وُلِدَ فيها فقالوا: يا
رسولَ اللَّهِ، أفلا نُبَشِّرُ الناس؟ قال: إنَّ في الجنةِ مائةَ درجةٍ أعدّها اللَّهُ للمجاهدينَ في سَبيلِ اللَّه ما
بينَ الدرجتين كما بينَ السماءِ والأرض فإذا سألتمُ اللَّهَ فاسألوهُ الفِردَوسَ فإنهُ أوْسَطُن الجنة وأعلى
الجنة- أراهُ قال: وفوقَهُ عرشُ الرحمنِ- ومنهُ تَفَجَّر أنهارُ الجنة)) قال محمدُ بنُ فُلَيِحِ عن أبِيهِ «وفوقَهُ
عرشُ الرحمن)). [الحديث ٢٧٩٠ - طرفه في: ٧٤٢٣].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن صالح) الوحاظي الشامي قال: (حدّثنا فليح) بضم الفاء وفتح
اللام وبعد التحتية الساكنة حاء مهملة عبد الملك بن سليمان (عن هلال بن عليّ) الفهري المدني (عن
عطاء بن يسار) بالتحتية والمهملة المخففة الهلالي المدني (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال: قال
رسول الله) ولأبي ذر: قال النبي (رَّ):
(من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان) لم يذكر الزكاة والحج ولعله سقط من أحد
رواته، وقد ثبت الحج في الترمذي في حديث معاذ بن جبل وقال فيه: ولا أدري أذكر الزكاة أم
لا. وأيضًا فإن الحديث لم يذكر لبيان الأركان فكأن الاقتصار على ما ذكر إن كان محفوظًا لأنه هو
المتكرر غالبًا وأما الزكاة فلا تجب إلا على من له مال بشرطه والحج لا يجب إلا مرة على التراخي.
(كان حقًّا على الله) بطريق الفضل والكرم لا بطريق الوجوب (أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو
جلس في أرضه التي ولد فيها). وفي نسخة: في بيته الذي ولد فيه وفيه تأنيس لمن حرم الجهاد وأنه
ليس محرومًا من الأجر بل له من الإيمان والتزام الفرائض ما يوصله إلى الجنة وإن قصر عن درجة
المجاهدين. (فقالوا: يا رسول الله) في الترمذي أن الذي خاطبه بذلك هو معاذ بن جبل، وعند
الطبراني: وأبو الدرداء (أفلا نبشر الناس)؟ بذلك (قال): (إن في الجنة مائة درجة أعدّها الله
للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض) قال الطيبي وتبعه الكرماني: لما
سوى النبي 8* بين الجهاد وبين عدمه وهو المراد بالجلوس في أرضه التي ولد فيها في دخول المؤمن
٢٨٦
كتاب الجهاد والسير/ باب ٤
بالله ورسوله المقيم للصلاة الصائم لرمضان في الجنة استدرك وي لو قوله الأول بقوله الثاني: إن في
الجنة مائة درجة إلى آخره، وتعقب بأن التسوية ليست على عمومها وإنما هي في أصل دخول الجنة
لا في تفاوت الدرجات كما مرّ.
وقال الطيبي في شرح المشكاة: هذا الجواب من الأسلوب الحكيم أي بشرهم بدخول الجنة
بالإيمان والصوم والصلاة ولا تكتف بذلك بل زد على تلك البشارة بشارة أخرى وهي الفوز
بدرجات الشهداء فضلاً من الله ولا تقنع بذلك أيضًا بل بشّرهم بالفردوس الذي هو أعلى، وتعقبه
في فتح الباري فقال: لو لم يرد الحديث إلا كما وقع هنا (كان) ما قال متجهًا، لكن ورد في الحديث
زيادة دلّت على أن قوله إن في الجنة مائة درجة تعليل لتلك البشارة المذكورة فعند الترمذي من رواية
معاذ قلت: يا رسول الله ألا أخبر الناس؟ قال: ((ذر الناس يعملوا فإن في الجنة مائة درجة)) فظهر أن
المراد لا تبشر الناس بما ذكرته من دخول الجنة لمن آمن وعمل الأعمال المفروضة عليه فيقفوا عند
ذلك ولا يتجاوزوه إلى ما هو أفضل منه من الدرجات التي تحصل في الجهاد، وهذه هي النكتة في
قوله: أعدها الله للمجاهدين، وتعقبه العيني بأن قوله: لكن وردت في الحديث زيادة على آخره غير
مسلم لأن الزيادة المذكورة في حديث معاذ بن جبل وكلام الطيبي وغيره في حديث أبي هريرة وكل
واحد من الحديثين مستقل بذاته، والراوي مختلف فكيف يكون ما في حديث معاذ تعليلاً لما في
حديث أبي هريرة على أن حديث معاذ لا يعادل حديث أبي هريرة ولا يدانيه فإن عطاء بن يسار لم
يدرك معاذًا اهـ.
وهذا الذي قاله العيني ليس مانعًا مما ذكره الحافظ ابن حجر فالحديث يبينّ بعضه بعضًا وإن
تباينت طرقه واختلفت مخارجه ورواته على ما لا يخفى.
(فإن سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة) أي أفضلها (وأعلى الجنة). يعني أرفعها.
وقال ابن حيان: المراد بالأوسط السعة، وبالأعلى الفوقية. قال يحيى بن صالح شيخ البخاري (أراه)
بضم الهمزة أي أظنه (قال: وفوقه عرش الرحمن) بفتح القاف قيل وقيده الأصيلي بضمها، ولم
يصححه ابن قرقول بل قال: إنه وهم عليه. قال في المصابيح: ووجهه أن فوق من الظروف الملازمة
للظرفية فلا تستعمل غير منصوبة أصلاً والضمير المضاف إليه فوق ظاهر التركيب عوده إلى
الفردوس، وقال السفاقسي: راجع إلى الجنة كلها. قال في المصابيح: والتذكير حينئذ باعتبار كون
الجنة مكانًا وإلاّ فمقتضى الظاهر على ذلك أن يقال وفوقها.
(ومنه) أي من الفردوس (تفجر أنهار الجنة) الأربعة المذكورة في قوله تعالى: ﴿فيها أنهار من ماء
غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى﴾
[محمد رَعليه: ١٥]. وأصل تفجر تتفجر فحذفت إحدى التائين تخفيفًا وقيل الفردوس مستنزه أهل
الجنة، وفي الترمذي هو ربوة الجنة.
٢٨٧
كتاب الجهاد والسير/ باب ٥
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في التوحيد والترمذي.
(قال محمد بن فليح) فيما وصله في التوحيد (عن أبيه) فليح (وفوقه عرش الرحمن) فلم يشك
كما شك يحيى بن صالح حيث قال: أراه.
٢٧٩١ - حدثنا موسى حدَّثَنَا جَرِيرٌ حدَّثَنا أبو رجاءٍ عن سَمُرةً قال: ((قال النبيُّ نَّهِ: رأيتُ
الليلةَ رجلَينِ أتياني فصَعِدا بي الشجرةَ وأدخلاني دارًا هي أحسنُ وأفضلُ، لم أر قطُ أحسنَ منها،
قال أما هذهِ الدارُ فدارُ الشُّهداءِ».
وبه قال: (حدثنا موسى) بن إسماعيل التبوذكي قال: (حدّثنا جرير) هو ابن حازم قال:
(حدّثنا أبو رجاء) عمران بن ملحان العطاردي البصري (عن سمرة) أي ابن جندب رضي الله عنه أنه
(قال: قال النبي (َّر):
(رأيت الليلة رجلين) أي ملكين وهما جبريل وميكائيل (أتيا فصعدا بي الشجرة فأدخلاني) بالفاء
ولأبي ذر وأدخلاني (دارًا هي أحسن وأفضل) أي من الأولى المذكورة في هذا الحديث المسوق مطوّلاً
في الجنائز حيث قال: وأدخلاني دارًا لم أرَ قطّ أحسن منها فيها رجال وشيوخ وشباب ونساء
وصبيان، ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة وأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل (لم أرَ قطّ أحسن
منها، قالا) أي الملكان ولأبي ذر عن المستملي قال: (أما هذه الدار فدار الشهداء) وهو يدل على أن
منازل الشهداء أرفع المنازل.
٥ - باب الغذوةِ والرَّوحة في
سبيلِ اللهِ، وقاب قوسٍ أحدِكم في الجنةِ
(باب الغدوة والروحة في سبيل الله)، بفتح الغين المعجمة المرة الواحدة من الغدو وهو الخروج
في أي وقت كان من أوّل النهار إلى انتصافه والروحة بفتح الراء المرة الواحدة من الرواح وهو
الخروج في أي وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها (وقاب قوس أحدكم من الجنة) بجر قاب
عطفًا على الغدوة المجرورة بالإضافة وبالرفع على الاستئناف ما بين الوتر والقوس، أو قدر طولها، أو
ما بين السية والمقبض، أو قدر ذراع أو ذراع يقاس به فكأن المعنى بيان فضل قدر الذراع من الجنة،
ولأبي ذر عن الكشميهني: في الجنة.
٢٧٩٢ - حدثنا مُعلَّ بنُ أسدٍ حدَّثَنَا وُهَيبُ حدَّثَنَا حُمَيدٌ عن أنسٍِ بنِ مالكِ رضيَ اللَّهُ عنه
عنِ النبيِّ وَِّ قال: ((لغَذْوةُ في سبيلِ اللَّهِ أو رَوحةٌ خيرٌ منَ الدُّنيا وما فيها)). [الحديث ٢٧٩٢ .
طرفاه في: ٢٧٩٦، ٦٥٦٨].
٢٨٨
کتاب الجهاد والسير/ باب ٥
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) العمي البصري قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن
خالد البصري قال: (حدّثنا حميد) هو الطويل (عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي وَلّ أنه
(قال) :
(لغدوة في سبيل الله) مبتدأ تخصص بالصفة وهي قوله في سبيل الله والتقدير لغدوة كائنة في
سبيل الله واللام في لغدوة للتأكيد. وقال ابن حجر: للقسم، ولأبي ذر عن الكشميهني: الغدوة في
سبيل الله (أو روحة) عطف عليه وأو للتقسيم أي لخرجة واحدة في الجهاد من أوّل النهار أو آخره
(خير من الدنيا وما فيها). أي ثواب ذلك الزمن القليل في الجنة خير من الدنيا وما اشتملت عليه،
وكذا قوله: لقاب قوس أحدكم أي ما صغر في الجنة من الموضع كلها بساتينها وأرضها فأخبر أن
قصير الزمان وصغير المكان في الجنة خير من طويل الزمان وكبير المكان في الدنيا تزهيدًا وتصغيرًا لها
وترغيبًا في الجهاد، فينبغي أن يغتبط صاحب الغدوة والروحة بغدوته وروحته أكثر مما يغتبط أن لو
حصلت له الدنيا بحذافيرها نعيمًا محضًا غير محاسب عليه مع أن هذا لا يتصور.
وهذا الحديث من هذا الوجه من أفراد البخاري.
٢٧٩٣ - حدثنا إبراهيمُ بنُ المُنذرِ حدَّثنا محمدُ بنُ فُلَيحِ قال: حدَّثني أبي عن هِلالِ بنِ
عليَّ عن عبد الرحمنِ بنِ أبي عَمرةً عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه عن النبيِّ وَِّ قال: ((لَقَابُ قَوسٍ
في الجنة خيرٌ مما تطلُعُ عليه الشمسُ وتغرُب. وقال: لغَدوةٌ أو رَوحة في سبيلِ اللَّهِ خير مما تطلُعُ
عليهِ الشمسُ وتغرُب)). [الحديث ٢٧٩٣ - طرفه في: ٣٢٥٣].
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) الحزامي بالحاء المهملة والزاي الأسدي قال: (حدّثنا محمد
ابن فليح قال: حدّثني) بالإفراد (أبي) فليح اسمه عبد الملك بن سليمان (عن هلال بن علي) الفهري
المدني (عن عبد الرحمن بن أبي عمرة) بفتح العين وسكون الميم الأنصاري واسم أبي عمرو بن محصن
(عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي بَي) أنه (قال):
(لقاب قوس) مبتدأ واللام للتأكيد (في الجنة) صفة لقاب قوس (خير مما عليه تطلع الشمس
وتغرب) لا تدخل الجنة مع الدنيا تحت أفضل إلا كما يقال: العسل أحلى من الخل، والغدوة أو
الروحة في سبيل الله وثوابها خير من نعيم الدنيا كلها لو ملكها وتصور تنعمه بها كلها لأنه زائل
ونعيم الآخرة باقٍ (وقال) وَلّر: (لغدوة) ولأبي ذر: الغدوة (أو روحة في سبيل الله خير مما تطلع
عليه الشمس وتغرب).
٢٧٩٤ - حدثنا قبيصةُ حدَّثنا سُفيانُ عن أبي حازم عن سهلِ بنِ سعدٍ رضي اللهُ عنه عنِ
النبيِّ بَّرِ قال: ((الرَّوحةُ والغَدوَةُ في سبيل اللَّهِ أفضلُ منَ الدُّنيا وما فيها)). [الحديث ٢٧٩٤.
أطرافه في: ٢٨٩٢، ٣٢٥٠، ٦٤١٥].
٢٨٩
كتاب الجهاد والسير/ باب ٦
وبه قال: (حدّثنا قبيصة) بن عقبة قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن أبي حازم) سلمة بن دينار
المدني (عن سهل بن سعد) الساعدي (رضي الله عنه عن النبي بَي) أنه (قال):
(الروحة والغدوة) ولمسلم من طريق وكيع عن سفيان غدوة أو روحة (في سبيل الله أفضل من
الدنيا وما فيها) وهو معنى تطلع عليه الشمس وتغرب، وقد يقال: إن بينهما تفاوتًا فإن حديث: وما
فيها يشمل ما تحت طباقها مما أودعه الله تعالى فيها من الكنوز وغيرها، وحديث: ما طلعت عليه
الشمس وغربت يشمل ما تطلع وتغرب عليه من بعض السموات لأنها في الرابعة أو السابعة على
الخلاف وللمتكلمين قولان في حقيقة الدنيا أحدهما: أنها ما على الأرض من الهواء والجوّ، والثاني:
أنها كل المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة، والحاصل من أحاديث هذا
الباب أن المراد تسهيل أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد وأن من حصل له من الجنة قدر سوط يصير كأنه
حصل له أعظم من جميع ما في الدنيا فكيف بمن حصل له منها أعلى الدرجات.
٦ - باب الحورِ العينِ وصفتِهنَّ
يحارُ فيها الطَّرفُ. شديدةُ سواد العين، شديدةُ بياض العين. وزوجناهم بحُورٍ: أنكحناهم.
(باب) بيان (الحور العين و) بيان (صفتهن) وسقط لفظ: باب في رواية أبي ذر وحينئذٍ فالثلاثة
بالرفع فالحور مبتدأ والعين وصف له وصفتهن عطف على المبتدأ والخبر محذوف أي صفتهن ما نذكره
والحور بضم الحاء وسكون الواو وتحرك. قال في القاموس: أن يشتد بياض بياض العين وسواد
سوادها وتستدير حدقتها وترقّ جفونها ويبيض ما حواليها أو شدة بياضها وسوادها في شدة بياض
الجسد أو اسوداد العين كلها مثل الظباء ولا يكون في بني آدم بل يستعار لها والعين بكسر العين جمع
عيناء (يحار فيها الطرف) أي يتحير فيها البصر لحسنها (شديدة سواد العين، شديدة بياض العين) كأنه
يريد تفسير العين بالكسر، وبه قال أبو عبيدة. وقال في القاموس: وعين كفرح عينًا وعينة بالكسر
عظم سواد عينه في سعة فهو أعين (وزوجناهم بحور) أي: (أنكحناهم). قاله أبو عبيدة وسقط لغير
أبي ذر بحور.
٢٧٩٥ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ حدَّثنا مُعاويةُ بنُ عمرٍو حدَّثنا أبو إسحقَ عن حُميدٍ قال:
سمعتُ أنَسَ بنَ مالكِ رضي اللهُ عنهُ عنِ النبيِّ نَلِّ قال: ((ما من عبدٍ يموتُ لهُ عندَ اللَّهِ خيرٌ يسرُّهُ
أن يرجعَ إلى الدنيا وأنَّ لهُ الدُّنيا وما فيها، إلا الشهيدُ لما يَرى من فضلِ الشهادة، فإنهُ يسرُّهُ أن
يرجعَ إلى الدُّنيا فَيُقْتَلَ مرَّةً أُخرى)). [الحديث ٢٧٩٥ - طرفه في: ٢٨١٧].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) الجعفي المسندي قال: (حدّثنا معاوية بن عمرو) بفتح
العين الأزدي البغدادي قال: (حدّثنا أبو إسحاق) إبراهيم بن محمد الفزاري (عن حميد) الطويل أنه
(قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي ◌َّي) أنه (قال):
إرشاد الساري/ ج ٦/ م ١٩
٢٩٠
کتاب الجهاد والسير/ باب ٦
(ما من عبد يموت) صفة لعبد (له عند الله خير) أي ثواب والجملة صفة أخرى (يسره أن
يرجع إلى الدنيا) أي رجوعه، فأن مصدرية والجملة وقعت صفة لقوله خير (وأن له الدنيا وما فيها)،
بفتح الهمزة عطفًا على أن يرجع، ويجوز الكسر على أن تكون جملة حالية (إلا الشهيد) مستثنى من
قوله يسره أن يرجع (لما يرى من فضل الشهادة) بكسر اللام التعليلية (فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا
فيقتل مرة أخرى) فيقتل بضم التحتية وفتح الفوقية مبنيًّا للمفعول منصوب عطفًا على أن يرجع.
٢٧٩٦ - قال: وسمعتُ أنسَ بنَ مالكِ عنِ النبيِّ وَّرَ أنه قال: «لَرَوحةٌ في سبيلِ اللَّهِ أو غَدوةٌ
خيرٌ منَ الدُّنيا وما فيها، ولَقابُ قَوسٍ أحدِكم منَ الجنةِ أو مَوضعُ قِدٍ - يَعنِي سَوطَهُ - خيرٌ منَ الدُّنيا
وما فيها. ولو أنَّ امرأةٌ من أهلِ الجنةِ اطَّلَعَت إلى أهل الأرض لأضاءَت ما بينهما ولَمَلأَتْهُ رِيحًا،
ولَنَصِيفُها على رأسِها خيرٌ منَ الدنيا وما فيها.
(وسمعت) ولأبي ذر عن المستملي قال أي حميد الطويل وسمعت (أنس بن مالك عن
النبي ◌َّر) أنه (قال):
(الروحة في سبيل الله أو غدوة) بفتح الراء والغين (خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس
أحدكم من الجنة أو) قال: والشك من الراوي (موضع قيد) بكسر القاف وسكون التحتية دون إضافة
مع التنوين الذي هو عوض عن المضاف إليه (يعني سوطه) تفسير للقيد غير معروف، ومن ثم جزم
بعضهم بأن الصواب (قِدّ) بكسر القاف وتشديد الدال وهو السوط المتخذ من البلد، وأن زيادة الياء
تصحيف. وأما قول الكرماني: إنه لا تصحيف فيه وإن المعنى صحيح وإن غاية ما فيه أن يقال قلب
إحدى الدالين ياء وذلك كثير، فتعقبه العيني فقال: نفيه التصحيف غير صحيح وتعليله لما ادعاه
تعليل من ليس له وقوف على علم الصرف، وذلك أن قلب أحد الحرفين المتماثلين ياء إنما يجوز إذا
أمن اللبس ولا لبس أشد من ذلك إذ القيد بالياء المقدار والقد بالتشديد السوط المتخذ من الجلد
وبينهما بون عظيم وعبر بموضع سوط لأنه الذي يسوق به الفرس للزحف فهو أقل آلات المجاهد
ومع كونه تافهًا في الدنيا فمحله في الجنة أو ثواب العمل به أو نحوه عظيم بحيث أنه ((خير من
الدنيا وما فيها)). وهو من تنزيل المغيب منزلة المحسوس وإلا فليس شيء من الآخرة بينه وبين الدنيا
توازن حتى يقع فيه التفاضل، أو المراد أن إنفاق الدنيا وما فيها لا يوازن ثوابه ثواب هذا فيكون
التوازن بين ثوابي عملين فليس فيه تمثيل الباقي بالفاني، (ولو أن امرأة من أهل الجنة اطّلعت) بتشديد
الطاء المفتوحة وفتح اللام ((إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما)) أي بين السماء والأرض ((ولملأته
ريجًا))، وعن ابن عباس فيما ذكره ابن الملقن في شرحه: خلقت الحوراء من أصابع رجليها إلى
ركبتيها من الزعفران، ومن ركبتيها إلى ثديها من المسك الأذفر، ومن ثديها إلى عنقها من العنبر
الأشهب، ومن عنقها من الكافور الأبيض. ((ولنصيفها)) بفتح لام التأكيد والنون وكسر الصاد المهملة
وسكون التحتية وبالفاء أي خمارها (على رأسها خير من الدنيا وما فيها).
٢٩١
کتاب الجهاد والسیر/ باب ٧
وعند الطبراني من حديث أنس مرفوعًا للنبي وَلّر عن جبريل (لو أن بعض بنائها بدا لغلب
ضوءه الشمس والقمر ولو أن طاقة من شعرها بدت لملأت ما بين المشرق والمغرب من طيب ريحها)
الحدیث.
٧ - باب تمَنِّي الشَّهادة
٢٧٩٧ - حدثنا أبو اليمانِ أخبرَنا شُعيبٌ عن الزُّهريِّ أخبرني سعيدُ بنُ المسيَّبِ أن أبا هريرة
رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((سمعتُ النبيَّ ◌ََّ يقول: والذي نفسي بيده، لولا أنَّ رِجالاً منَ المؤمنينَ لا
تَطيبُ أنفُسُهُم أن يَتخلَّفوا عني، ولا أجدُ ما أحملهم عليه، ما تَلَّفْتُ عن سَريةٍ تغدو في سَبيلٍ
اللَّهِ، والذي نفسي بيده لَوَدِدْتُ أني أُقتَلُ في سبيلِ اللَّهِ ثمَّ أحيا، ثمَّ أقتل ثُمَّ أحيا، ثمَّ أقتلُ ثمَّ
أحيا، ثم أقتل».
(باب تمني الشهادة).
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب أن أبا هريرة رضي
الله عنه قال: سمعت النبي ◌َّ يقول): ((والذي نفسي بيده)) بسكون الفاء قال عياض واليد هنا الملك
والقدرة (لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه ما
تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله) بالزاي، ولأبي ذر: تغدو بالدال المهملة بدل الزاي من الغدو،
وفي رواية أبي زرعة بن عمرو في باب الجهاد من الإيمان: لولا أن أشق على أمتي، ورواية الباب
تفسر المراد بالمشقة المذكورة وهي أن نفوسهم لا تطيب بالتخلف ولا يقدرون على التأهب لعجزهم
عن آلة السفر من مركوب وغيره تعذّر وجوده عند النبي وَّ، وصرح بذلك في رواية همام عند
مسلم ولفظه: ولكن لا أجد سعة أحملهم ولا يجدون سعة فيتبعوني ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا
بعدي. قاله في الفتح :
(والذي نفسي بيده لوددت) بفتح اللام والواو وكسر الدال الأولى وتسكين الثانية (أني أقتل في
سبيل الله ثم أحيى) بضم الهمزة على البناء للمفعول (ثم أقتل ثم أحيى ثم أقتل ثم أحيى، ثم
أقتل) بتكرير ثم ست مرات. قال الطيبي: ثم وإن دلّ على التراخي في الزمان لكن الحمل على
التراخي في الرتبة هو الوجه لأن المتمنى حصول درجات بعد القتل والإحياء لم تحصل قبل ومن ثم
كررها لنيل مرتبة بعد مرتبة إلى أن ينتهي إلى الفردوس الأعلى، ولأبي ذر: فأقتل بالفاء في الثلاثة
عوض ((ثم)) وقال في الفتح: ثم إن النكتة في إيراد هذه عقب تلك إرادة تسلية الخارجين في الجهاد
عن مرافقته لهم فكأنه قال الوجه الذي تسيرون إليه فيه من الفضل ما أتمنى لأجله أن أقتل مرات
٢٩٢
کتاب الجهاد والسیر/ باب ٨
فمهما فاتكم من مرافقتي والقعود معي من الفضل يحصل لكم مثله أو فوقه من فضل الجهاد فراعى
خواطر الجميع.
واستشكل هذا التمني منه عليه الصلاة والسلام مع علمه بأنه لا يقتل. وأجيب بأن تمني
الفضل والخير لا يستلزم الوقوع فكأنه عليه الصلاة والسلام أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد
وتحريض المؤمنين عليه.
٢٧٩٨ - حدّثنا يوسُفُ بنُ يعقوبَ الصفّارُ حدَّثَنا إسماعيلُ بن عليَّةَ عن أيوبَ عن حُميدِ بنِ
هِلالِ عن أنَسِ بنِ مالكِ رضيَ اللهُ عنه قال: ((خطبَ النبيُّ وَرَ فقال: أخذَ الرايةَ زَيدٌ فأصيبَ، ثمَّ
أخذَها جعفرٌ فأصيبَ ثمَّ أخذها عبدُ اللَّهِ بنُ رَواحةَ فأصيبَ، ثمَّ أخذَها خالدُ بنُ الوَليدِ عن غيرِ
إمْرةٍ فَفُتحَ له. وقال: ما يَسُرُّنا أنهم عندنا)) قال أيوبُ: أو قال: ((ما يسرُّهم أنهم عندنا، وعَيناهُ
تذرفان».
وبه قال: (حدّثنا يوسف بن يعقوب الصفار) بفتح الصاد المهملة وتشديد الفاء وبعد الألف راء
الكوفي وليس له في البخاري سوى هذا الحديث قال (حدّثنا إسماعيل بن علية) بضم العين المهملة
وفتح اللام وتشديد التحتية (عن أيوب) السختياني (عن حميد بن هلال) العدوي البصري (عن
أنس بن مالك رضي الله عنه) أنه (قال: خطب النبي ◌َّ) بعد أن أرسل سرية إلى مؤتة في جمادى
الأولى سنة ثمان واستعمل عليهم زيدًا وقال ((إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن
أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة)) فاقتتلوا مع الكفار فأصيب زيد (فقال) عليه الصلاة والسلام:
(أخذ الراية زيد فأصيب)، أي قتل (نم أخذها جعفر فأصيب. ثم أخذها عبد الله بن رواحة
فأصيب، ثم أخذها خالد بن الوليد عن غير إمرة) بكسر الهمزة وسكون الميم أي من غير أن يؤمره
أحد لكنه لما رأى المصلحة في ذلك فعله (فتح له) بضم الفاء الثانية (وقال) عليه الصلاة والسلام (ما
يسرنا أنهم) أي الذين أصيبوا (عندنا). وإنما قال عليه الصلاة والسلام ذلك لعلمه بما صاروا إليه
من الكرامة (قال أبوب) السختياني: (أو قال) عليه الصلاة والسلام: (ما يسرهم أنهم عندنا)،
لتحققهم خيرية ما حصلوا عليه من السعادة العظمى والدرجة العليا قال ذلك (وعيناه تذرفان) بفتح
الفوقية وسكون الذال المعجمة وكسر الراء تسيلان دمعًا على فراقهم أو رحمة لما خلفوه من عيال
وأطفال يحزنون لفراقهم ولا يعرفون مقدار عاقبتهم وما لهم عند الله تعالى والجملة حالية.
٨ - باب فضلٍ مَن يُصرَعُ في سبيلِ اللَّهِ فماتَ فهو منهم
وقولِ اللَّهِ عزَّ وجل: ﴿ومَن يَخرُجْ مُهاجرًا إلى اللَّهِ ورسولهِ ثمَّ يدرِكُهُ الموتُ فقد وَقِعَ أجرُهُ
على اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] وَقَعَ: وَجبَ.
٢٩٣
کتاب الجهاد والسیر/ باب ٨
(باب فضل من يصرع في سبيل الله فمات) عطف على يصرع وعطف الماضي على المضارع
قليل، وكان الأصل أن يقول: من صرع فمات أو من يصرع فيمت، وسقط للنسفي لفظ فمات
وجواب الشرط قوله: (فهو منهم) أي من المجاهدين، (وقول الله تعالى): بالجر عطفًا على فضل،
ولأبي ذر: عز وجل بدل قوله تعالى: (﴿ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت﴾)
بقتل أو وقوع من دابة أو غير ذلك (﴿فقد وقع أجره على الله﴾) [النساء: ١٠٠] (وقع) أي: (وجب)
هذا تفسير أبي عبيدة في المجاز، وسقط قوله وقع وجب للمستملي، وروى الطبري أن الآية نزلت
في رجل مسلم كان مقيمًا بمكة فلما سمع قوله تعالى: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾
[النساء: ٩٧] قال لأهله وهو مريض: أخرجوني إلى جهة المدينة فأخرجوه فمات في الطريق
فنزلت، واسمه ضمرة على الصحيح.
٢٧٩٩، ٢٨٠٠ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ قال: حدَّثني اللّيثُ حَدَّثَنا يحيى عن محمدِ بنِ
يحيى بن حَبّان عن أنسٍ بنِ مالكِ عن خالَتِهِ أمُّ حَرامٍ بنتِ مِلحانَ قَالَت: ((نامَ النبيُّ ◌َّهِ يومًا قَرِيبًا
مِنِّي، ثمّ استَيقَظَ يَتَبَسَّمُ، فقلتُ: ما أضْحَكَكَ؟ قال: أَناس من أمَّتي عُرِضوا عليَّ يركّبونَ هذا البحرَ
الأخضرَ كالملوكِ على الأسِرّة، قالت: فادعُ اللَّهَ أن يجعلني منهم، فدَعا لها. ثمَّ نامَ الثانية، ففَعَلَ
مثلَها، فقالت: مثلَ قَولِها، فأجابها مِثْلَها، فقالت: ادعُ اللَّهَ أن يجعلني منهم، فقال: أنتِ منَ
الأوَّلين. فخرَجتْ مِعَ زَوجها عُبادةَ بنِ الصامتِ غازِيًا أولَ ما رَكِبَ المسلمون البحرَ معَ مُعاويةَ،
فلما انصرَفوا من غزوَتهم قافِلِينَ فنزلوا الشأمَ فقُرَّبتْ إليها دابةٌ لتركبَها فصَرعَتْها فماتت)).
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد
الإمام قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد الأنصاري (عن محمد بن يحيى بن حبان) بفتح الحاء المهملة
وتشديد الموحدة (عن أنس بن مالك عن خالته أم حرام) بفتح الحاء والراء المهملتين (بنت ملحان)
بكسر الميم وسكون اللام بعدها حاء مهملة أنها (قالت: نام النبي ◌َّه يومًا قريبًا مني، ثم استيقظ)
حال كونه (يتبسم)، وفي رواية مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس في باب:
الدعاء بالجهاد وهو يضحك (فقلت: ما أضحكك؟ قال):
(أناس من أمتي عرضوا علي يركبون هذا البحر الأخضر) قال الزركشي وتبعه الدماميني قيل
المراد الأسود، وقال الكرماني الأخضر صفة لازمة للبحر لا مخصصة إذ كل البحار خضر.
فإن قلت: الماء بسيط لا لون له. قلت: تتوهم الخضرة من انعكاس الهواء وسائر مقابلاته
إليه اهـ.
(كالملوك على الأسرّة) في الدنيا أو في الجنة (قالت: فادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها. ثم
نام) عليه الصلاة والسلام (الثانية. ففعل مثلها)، أي من التبسم (فقالت مثل قولها). أي ما
٢٩٤
كتاب الجهاد والسير/ باب ٩
أضحكك (فأجابها مثلها) أي مثل الأولى من العرض، لكن قيل: إن المعروضين راكبو البر (فقالت:
ادع الله أن يجعلني منهم، فقال): (أنت من الأوّلين). أي الذين يركبون البحر الأخضر (فخرجت مع
زوجها عبادة بن الصامت) حال كونه (غازيًا أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية) بن أبي سفيان
في خلافة عثمان رضي الله عنهم (فلما انصرفوا من غزوهم) ولأبي ذر: من غزوتهم بزيادة تاء
التأنيث (قافلين) أي راجعين (فنزلوا الشام فقربت إليها دابة لتركبها فصرعتها فماتت) والفاء في
فصرعتها فصيحة أي فركبتها فصرعتها.
وهذا الحديث قد سبق في باب الدعاء بالجهاد.
٩ - باب مَن يُنكبُ في سبيلِ اللهِ
٢٨٠١ - حدثنا حفصُ بنُ عمرَ حدَّثَنا همامٌ عن إسحقَ عن أنس رضي اللَّهُ عنه قال: ((بَعثَ
النبيُّ وَّهِ أقوامًا مِن بني سُلَيم إلى بني عامرٍ في سَبعينَ، فلمّا قدموا قال لهم خالي: أتقدَّمُكم، فإن
أمَّنوني حتّى أُبَلْغَهم عن رسولِ اللَّهِ بَّهِ وإلا كنتم مني قَرِيبًا. فتقدَّمَ فأمَّنوهُ، فبينما يُحدِّثُهم عنِ النبيِّ
وَل﴿ إِذ أومَؤوا إلى رجُلٍ منهم فطعنَهُ فأنفَذَهُ، فقال: اللَّهُ أكبرُ، فُزْتُ وربّ الكعبة. ثمَّ مالوا على بقيَّةِ
أصحابهِ فقتلوهم إلا رجلاً أعْرَجَ صَعِدَ الجبلَ، قال همام: وأراهُ آخرَ معهُ، فأخبرَ جبريلُ عليه السلامُ
النبيَّ وَّرِ أنهم لَقوا ربّهم فرَضِيَ عنهم وأرضاهم؛ فكنّا نقرأُ أن بلِّغوا قومَنا أنْ قد لَقِينا ربنا فرَضِيَ
عنّا وأرضانا، ثمَّ نُسِخَ بعدُ، فدعا عليهم أربعينَ صَباحًا؛ علىْ رِعلٍ وذَكوانَ وبني لِحيانَ وبَنِي عُصَيَّةً
الذينَ عَصَوُا اللَّهَ ورسولَه)».
(باب) فضل (من ينكب في سبيل الله) بضم أوله وفتح ثالثه وآخره موحدة أي من أدمي عضو
منه أو أعم وفي بعض النسخ تنكب على وزن تفعل.
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر الحوضي) بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وبالضاد المعجمة
نسبة إلى حوض داود محلة ببغداد وسقط الحوضي لأبي ذر قال: (حدثنا همام) بفتح الهاء وتشديد أليم
الأولى ابن يحيى البصري (عن إسحاق) بن عبد الله بن أبي طلحة (عن أنس رضي الله عنه) أنه
(قال: بعث النبي ◌ِّ أقوامًا من بني سليم إلى بني عامر في سبعين) وهم المشهورون بالقرّاء لأنهم
كانوا أكثر قراءة من غيرهم، وسليم: بضم السين المهملة وفتح اللام وسكون التحتية وقد وهم
الدمياطي هذه الرواية بأن بني سليم مبعوث إليهم والمبعوث هم القراء وهم من الأنصار، وقال ابن
حجر: التحقيق أن المبعوث إليهم بنو عامر وأما بنو سليم فغدروا بالقرّاء المذكورين، والوهم في هذا
السياق من حفص بن عمر شيخ البخاري، فقد أخرجه هو في المغازي عن موسى بن إسماعيل عن
٢٩٥
كتاب الجهاد والسير/ باب ٩
همام فقال: بعث أخّا لأم سليم في سبعين راكب وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل الحديث.
فلعل الأصل بعث أقوامًا معهم أخو أم سليم إلى بني عامر فصارت من بني سليم.
(فلما قدموا) بئر معونة (قال لهم خالي): حرام بن ملحان (أتقدمكم)، أي إلى بني سليم (فإن
أمنوني) بتشديد الميم (حتى أبلغهم) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد اللام المكسورة (عن رسول
الله ◌َّ) أنه يدعوهم إلى الإيمان (وإلاّ) أي وإن لم يؤمنوني (كنتم مني قريبًا، فتقدم) إليهم (فأمنوه
فبينما) بالميم هو (يحدّثهم) أي يحدّث بني سليم (عن النبي (وَلفي إذ أومؤوا) جواب بينما أي أشاروا
وفي رواية أومىء بضم الهمزة وكسر الميم أي أشير (إلى رجل منهم) هو عامر بن الطفيل (فطعنه)
برمح (فأنفذه) بالفاء والذال المعجمة في جنبه حتى خرج من الشق الآخر (فقال): أي حرام المطعون
(الله أكبر فزت) بالشهادة (ورب الكعبة ثم مالوا على بقية أصحابه) أي أصحاب حرام (فقتلوهم إلا
رجلاً أعرج) بالنصب، وهذا الرجل هو كعب بن يزيد الأنصاري وهو من بني أمية كما عند
الإسماعيلي، ولأبي ذر: رجل أعرج بالرفع، وقال الكرماني: وفي بعضها يكتب بدون ألف على
اللغة الربيعية (صعد الجبل. قال همام): الراوي (فأراه) بضم الهمزة بعد الفاء ولأبي ذر وأراه بالواو
أي أظنه (آخر معه) هو عمرو بن أمية الضمري (فأخبر جبريل عليه الصلاة والسلام النبي ◌َّ أنهم
قد لقوا ربهم فرضي عنهم وأرضاهم فكنا نقرأ) أي في جملة القرآن (أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا
فرضي عنا وأرضانا ثم نسخ) لفظه (بعد) من التلاوة.
وههنا تنبيه وهو: هل يجوز بعد نسخ تلاوة الآية أن يمسها المحدّث ويقرأها الجنب؟ قال
الآمدي: تردد فيه الأصوليون والأشبه المنع من ذلك، وكلام السهيلي يقتضي خلاف ذلك فإنه قال:
إن هذا المذكور ليس عليه رونق الإعجاز، إنه لم ينزل بهذا النظم ولكن بنظم معجز كنظم القرآن،
فإن قيل: إنه خبر فلا ينسخ؟ قلنا: لم ينسخ منه الخبر وإنما نسخ منه الحكم فإن حكم القرآن أن يتلى
في الصلاة وأن لا يمسه إلا طاهر وأن يكتب بين الدفتين وأن يكون تعلمه فرض كفاية وكل ما نسخ
رفعت منه هذه الأحكام وإن بقي محفوظًا فهو منسوخ، فإن تضمن حكمًا جاز أن يبقى ذلك الحكم
معمولاً به اهـ.
وزاد ابن جرير من طريق عمر بن يونس عن عكرمة عن إسحق بن أبي طلحة عن أنس وأنزل
الله: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران: ١٦٩]
(فدعا عليهم) بَّر (أربعين صباحًا) في القنوت (على رعل) بكسر الراء وسكون العين المهملة آخره
لام مجرور بدل من عليهم بإعادة العامل ورعل هم بطن من بني سليم (وذكوان) بفتح المعجمة
وسكون الكاف (وبني لحيان) بكسر اللام وسكون الحاء المهملة (وبني عصية) بضم العين وفتح الصاد
المهملتين وتشديد الياء التحتية (الذين عصوا الله ورسوله وَله) وسيأتي في أواخر الجهاد إن شاء الله
تعالى أنه دعا على أحياء من بني سليم حيث قتلوا القراء. قال في الفتح: وهو أصرح في المقصود.
٢٩٦
کتاب الجهاد والسير/ باب ١٠
٢٨٠٢ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ حدَّثَنا أبو عَوانةَ عنِ الأسْوَدِ هوَ ابنُ قَيسٍ عن جُندَبِ بنِ
سُفيانَ: ((أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لهل كان في بعضِ المشاهدِ قد دَمِيَتْ إصبَعُهُ فقال: هل أنتِ إلاّ إصبَعْ
دَميتٍ، وفي سَبيلِ اللهِ ما لقيتٍ)). [الحديث ٢٨٠٢ - طرفه في: ٦١٤٦].
وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن
الأسود بن قيس) ولأبي ذر هو ابن قيس (عن جندب بن سفيان) بضم الجيم وسكون النون وفتح
الدال وضمها ابن عبد الله بن سفيان رضي الله عنه (أن رسول الله وَليو كان في بعض المشاهد) أي
أمكنة الشهادة قيل كان في غزوة أُحُد (وقد دميت أصبعه) بفتح الدال أي جرحت أصبعه فظهر منها
الدم (فقال): مخاطبًا لها لما توجعت على سبيل الاستعارة أو حقيقة على سبيل المعجزة تسلية لها:
(هل أنتِ إلا أصبع دميت) بفتح الدال وسكون التحتية وكسر الفوقية صفة للأصبع والمستثنى
فيه أعم عام الصفة أي ما أنت بأصبع موصوفة بشيء إلا بأن دميت فتثبتي فإنك ما ابتليت بشيء من
الهلاك أو القطع إلا أنك دميت ولم يكن ذلك هدرًا (و) لكنه (في سبيل الله) ورضاه (ما لقيت).
بسكون التحتية وكسر الفوقية، ولغير أبي ذر: دميت لقيت بسكون الفوقية، وهذا مما تعلق به
الملحدون في الطعن فقالوا: هذا شعر نطق به، والقرآن ينفي عنه أن يكون شاعرًا وأجيب بأنه رجز
والرجز ليس بشعر على مذهب الأخفش وإنما يقال لصاحبه فلان الراجز لا الشاعر إذ الشعر لا
يكون إلا بيتًا تامًّا مقفى على أحد أنواع العروض المشهورة وبأن الشعر لا بدّ فيه من قصد ذلك فما لم
يكن مصدره عن نية له وروية فيه وإنما هو اتفاق كلام يقع موزونًا ليس منه فالمنفي صنعة الشاعرية
لا غير.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الأدب ومسلم في المغازي والترمذي في التفسير
والنسائي في اليوم والليلة.
١٠ - باب مَن يُجرَحُ في سبيلِ اللهِ عزَّ وجل
(باب) فضل (من يجرح في سبيل الله عز وجل) بضم التحتية وسكون الجيم.
٢٨٠٣ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ أخبرَنا مالِكٌ عن أبي الزنادِ عن الأعرجِ عن أبي هريرةَ
رضيَ اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ ه قال: ((والذي نَفْسي بيدِه، لا يُكْلمُ أحدٌ في سبيلِ الله - واللهُ أعلمُ
بِمَن يُكلَّمُ في سبيلِهِ - إلا جاءَ يَومَ القيامةِ واللّونُ لَونُ الدَّمِ، والرِّيحُ رِيحُ المسْك)).
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي الزناد)
عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله ◌َ﴾ قال):
٢٩٧
كتاب الجهاد والسير/ باب ١٠
(و) الله (الذي نفسي بيده) بقدرته أو في ملكه (لا يكلم) بضم التحتية وسكون الكاف وفتح
اللام أي لا يجرح (أحد) مسلم (في سبيل الله) أي في الجهاد ويشمل من جرح في ذات الله وكل ما
دافع فيه المرء بحق فأصيب فهو مجاهد كقتال البغاة وقطاع الطريق وإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وعند مسلم من طريق همام عن أبي هريرة: كل كلم يكلمه المسلم (- والله أعلم بمن يكلم)
يجرح (في سبيله -) جملة معترضة بين المستثنى منه والمستثنى مؤكدة مقررة لمعنى المعترض فيه وتفخيم
شأن من يكلم في سبيل الله، ومعناه والله أعلم تعظيم شأن من يكلم في سبيل الله ونظيره قوله
تعالى: ﴿قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى﴾
[آل عمران: ٣٦] أي والله أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور، ويجوز أن
يكون تتميمًا للصيانة عن الرياء والسمعة وتنبيهًا على الإخلاص في الغزو وأن الثواب المذكور إنما هو
لن أخلص فيه وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا (إلا جاء يوم القيامة و) جرحه يثعب بالمثلثة والعين
المهملة يجري دمًا (اللون لون الدم والربح ريح المسك). أي كريح المسك إذ ليس هو مسكًا حقيقة
بخلاف اللون لون الدم فلا حاجة فيه لتقدير ذلك لأنه دم حقيقة فليس له من أحكام الدنيا والصفات
فيها إلا اللون فقط، وظاهر قوله في رواية مسلم: كل كلم يكلمه المسلم أنه لا فرق في ذلك بين
أن يستشهد أو تبرأ جراحته، لكن الظاهر أن الذي يجيء يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا من
فارق الدنيا وجرحه كذلك، ويؤيده ما رواه ابن حبان في حديث معاذ: عليه طابع الشهداء، والحكمة
في بعثته كذلك أن يكون معه شاهد فضيلته ببذله نفسه في طاعة الله عز وجل، ولأصحاب
السُّنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم من حديث معاذ بن جبل: من جرح جرحًا في
سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها الزعفران وريحها المسك.
قال الحافظ ابن حجر: وعرف بهذه الزيادة أن الصفة المذكورة لا تختص بالشهيد بل هي
حاصلة لكل من جرح كذا قال فليتأمل.
وقال النووي: قالوا وهذا الفضل وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفار فيدخل فيه من جرح في
سبيل الله في قتال البغاة وقطاع الطريق وفي إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك،
وكذا قال ابن عبد البرّ واستشهد على ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: ((من قتل دون ماله فهو
شهيد)). لكن قال الولي بن العراقي: قد يتوقف في دخول المقاتل دون ماله في هذا الفصل الإشارة
النبي وَّ إلى اعتبار الإخلاص في ذلك بقوله: والله أعلم بمن يكلم في سبيله والمقاتل دون ماله لا
يقصد بذلك وجه الله وإنما يقصد صون ماله وحفظه فهو يفعل ذلك بداعية الطبع لا بداعية الشرع،
ولا يلزم من كونه شهيدًا أن يكون دمه يوم القيامة كريح المسك وأيّ بذل بذل نفسه فيه لله حتى
يستحق هذا الفضل.
وهذا الحديث أورده المؤلف في باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء من كتاب الطهارة
وسبق البحث في وجه ذكره ثَمَّ .
٢٩٨
كتاب الجهاد والسير/ باب ١١ و١٢
١١ - باب قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ :
﴿قُلْ هِلْ تَرَبَّصونَ بنا إلا إحدَى الْحُسْنَيَينِ﴾ [التوبة: ٥٢] والحربُ سِجالٌ
{(باب) ذكر (قول الله تعالى) ولأبي ذر: عز وجل (﴿قل هل تربصون بنا﴾) تنتظرون بنا (﴿إلا
إحدى الحسنيين﴾) [التوبة: ٥٢] إلا إحدى العاقبتين اللتين كلٌّ منهما حسنى العواقب الفتح أو
الشهادة وسقط قوله قل لغير أبي الوقت (والحرب سجال) بكسر السين المهملة وتخفيف الجيم أي تارة
وتارة ففي غلبة المسلمين يكون لهم الفتح وفي غلبة المشركين يكون للمسلمين الشهادة.
٢٨٠٤ - حدثنا يحيى بنُ بُكَيرِ حدَّثَنا اللَّيثُ قال: حدَّثني يونُسُ عنِ ابنِ شِهابٍ عن
عُبِيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عبّاسٍ أخبرَهُ أنَّ أبا سُفيانَ بنَ حربٍ أخبرَهُ ((أنَّ هِرَقْلَ قال له:
سألتُكَ كيفَ كان قتالُكم إيّاهُ، فَزَعمتَ أنَّ الحربَ سِجالٌ ودُوَلْ، فكذلك الرُّسُلُ تُبْتَلى ثمَّ تكونُ لهمُ
العاقبةُ)).
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) نسبة إلى جده واسم أبيه عبد الله المخزومي مولاهم المصري
قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (قال: حدّثني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن
شهاب) الزهري (عن عبيد الله بن عبد الله) بضم العين من الأول مصغرًا ابن عتبة بن مسعود (أن
عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان) زاد أبو ذر ابن حرب (أخبره أن هرقل) بكسر الهاء وفتح
الراء وسكون القاف آخره لام ملك الروم الملقب بقيصر (قال له) أي لأبي سفيان (سألتك كيف كان
قتالكم إياه) عليه الصلاة والسلام بفصل ثاني الضميرين قيل: هو أصوب من وصله ونص عليه
الزمخشري (فزعمت أن الحرب سجال ودول)، بكسر الدال ولأبي ذر ودول بضمها قال القزاز:
العرب تقول الأيام دول ودول ثلاث لغات فقيل بالضم الاسم وبالفتح المصدر، وفي بدء الوحي من
طريق شعيب عن الزهري: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه، (فكذلك الرسل تبتلى) أي
تختبر (ثم تكون لهم العاقبة).
وهذه قطعة من حديث سبق في أوائل الكتاب.
١٢ - باب قَولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ:
﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رجالٌ صَدَقوا ما عاهدوا اللَّهَ عليهِ، فمنهم مَن قَضى نَحبَهُ ومنهم مَن يَنتظِرُ وما
بَدَّلوا تَبديلاً﴾ [الأحزاب: ٢٣].
(باب قول الله تعالى) ولأبي ذر: عز وجل: (﴿من المؤمنين رجال﴾) مبتدأ وخبره مقدّم (﴿صدقوا
ما عاهدوا الله عليه﴾) أوّل ما خرجوا إلى أحد لا يولون الأدبار وقال مقاتل ليلة العقبة: من الثبات
مع رسول الله وَليل والمقاتلة لإعلاء الدين من صدقني إذ قال لي الصدق فإن المعاهد إذا أوفى بعهده
٢٩٩
کتاب الجهاد والسير/ باب ١٢
فقد صدق فيه (﴿فمنهم من قضى نحبه﴾) أي نذره بأن قاتل حتى استشهد كأنس بن النضر وطلحة
والنحب النذر استعير للموت لأنه كنذر لازم في رقبة كل حيوان (﴿ومنهم من ينتظر﴾) الشهادة
كعثمان (﴿وما بدلوا﴾) العهد ولا غيروه (﴿تبديلاً﴾﴾ [الأحزاب: ٢٣] بل استمروا على ما عاهدوا الله
عليه وما نقضوه كفعل المنافقين الذين قالوا إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلاّ فرارًا وقد
كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار.
٢٨٠٥ - حدثنا محمدُ بنُ سعيدِ الخُزاعيَّ حدَّثَنا عبدُ الأعلى عن حُميد قال: سألت
أنسّا ح. حدَّثَنا عمرُو بنُ زُرارةَ حدَّثَنا زِيادٌ قال: حدَّثني حُميدٌ الطّويلُ عن أَنَسٍ رضيَ اللهُ عنه
قال: ((غابَ عَمِّي أنسُ بنُ النَّضْرِ عن قِتالِ بَدْرٍ: فقال: يا رسولَ اللَّهِ، غِبتُ عن أولٍ قِتالٍ قاتلتَ
المشرِكينَ، لئن اللَّهُ أَشهَدَني قتالَ المشرِكينَ لَيَرَيَّنَّ اللَّهُ ما أصنَعُ. فلما كانَ يومُ أُحُدٍ وانكشَفَ
المسلمونَ قال: اللهمَّ إني أعتَذِرُ إليكَ مما صَنعَ هؤلاءِ، يَعني أصحابهُ، وأبرَأُ إليكَ مما صَنَعَ
هؤلاء، يعني المشركينَ. ثمَّ تقدَّمَ فاستقبلَهُ سعدُ بنُ مُعاذٍ، فقال: يا سعدُ بنَ مُعاذ، الجنَّةَ وربٌ
النَّضْرِ، إني أجِدُ رِيحَها مِن دُونٍ أُحُدٍ. قال سعدُ: فما استطَعْتُ يا رسول اللَّهِ ما صَنعَ. قال أنس:
فَوَجَدْنا بهِ بضعًا وثمانينَ ضَربةً بالسيفِ أو طَعنةً أو رَميةً بسَهم، ووجَدْنَاهُ قد قُتِلَ وقد مَثَلَ بهِ
المشركون، فما عرفَهُ أحَدٌ إلا أُختُهُ ببنانِهِ. قال أنسٌ: كنّا نرَى - أو نظنُّ - أن هُذهِ الآيةَ نزَلَت فيهِ
وفي أشباههِ: ﴿منَ المؤمنينَ رجالٌ صَدَقوا ما عاهدوا اللَّهَ عليه﴾ إلى آخرِ الآية)). [الحديث
٢٨٠٥ - طرفاه في: ٤٠٤٨، ٤٧٨٣].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سعيد) بكسر العين (الخزاعي) بضم الخاء المعجمة وتخفيف الزاي
وبالعين المهملة البصري الملقب بمردويه قال: (حدّثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي بالسين
المهملة (عن حميد) الطويل (قال: سألت أنسًا).
(حدّثنا) ولأبي ذر قال: وحدثني بالإفراد، وفي نسخة ح لتحويل السند: وحدّثنا (عمرو بن
زرارة) بفتح العين وسكون الميم وزرارة بضم الزاي وتخفيف الراءين بينهما ألف ابن واقد الهلالي
قال: (حدّثنا زياد) بكسر الزاي وتخفيف التحتية ابن عبد الله العامري البكائي (قال: حدثني) بالإفراد
(حميد الطويل عن أنس رضي الله عنه) أنه (قال: غاب عمي أنس بن النضر) بالنون والضاد المعجمة
(عن قتال بدر فقال: يا رسول الله: غبت عن أوّل قتال قاتلت المشركين) لأن غزوة بدر هي أولى
غزوة غزاها رسول الله 18 وكانت في السنة الثانية من الهجرة (لئن الله أشهدني) أي أحضرني (قتال
المشركين ليرين الله) بنون التوكيد الثقيلة واللام جواب القسم المقدّر ولأبي ذر عن المستملي ليراني الله
بألف بعد الراء وتحتية بعد النون المكسورة المخففة (ما أصنع فلما كان يوم أُحُد) برفع يوم على أنه
فاعل بكان التامة وفي الفرع وأصله يوم بالنصب أيضًا على الظرفية أي يوم قتال أَحُد أو أطلق اليوم
٣٠٠
كتاب الجهاد والسير/ باب ١٢
وأراد الواقعة فهو إضمار أو مجاز قاله الكرماني (وانكشف المسلمون)، وفي رواية الإسماعيلي: وانهزم
الناس وهو معنى انكشف (قال) أنس بن النضر: (اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني
أصحابه) المسلمين من الفرار (وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين) من القتال فاعتذر عن
الأولياء وتبرأ عن الأعداء مع أنه لم يرض الأمرين جميعًا (ثم تقدم) نحو المشركين (فاستقبله) أي
استقبل أنس بن النضر (سعد بن معاذ) بضم الميم آخره ذال معجمة وزاد في مسند الطيالسي من
طريق ثابت عن أنس منهزمًا (فقال: يا سعد بن معاذ) أريد (الجنة ورب النضر) أي والده (إني أجد
ريحها) أي ريح الجنة حقيقة أو وجد رتجا طيبة ذكره طيبها بطيب ريح الجنة (من دون أحد) أي عنده
(قال سعد): هو ابن معاذ (فما استطعت يا رسول الله ما صنع) من إقدامه ولا صنيعه في المشركين
من القتل مع أني شجاع كامل القوّة، ولا ما وقع له من الصبر بحيث وجد في جسده ما يزيد على
الثمانين من ضربة وطعنة ورمية، كما (قال أنس) هو ابن مالك (فوجدنا به) أي بابن النضر (بضعًا)
بكسر الموحدة وقد تفتح (وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم) قال العيني: وكلمة
أو في الموضعين للتنويع وفي رواية عبد الله بن بكر عن حميد عند الحرث بن أبي أسامة. قال أنس:
فوجدناه بين القتلى (ووجدناه قد قتل وقد مثّل به المشركون) بفتح الميم وتشديد المثلثة من المثلة أي
قطعوا أعضاءه من أنف وأذن وغيرهما (فما عرفه أحد إلا أخته بينانه) بإصبعه أو بطرف إصبعه (قال
أنس): هو ابن مالك (كنا نرى) بضم النون (أو نظن) شك من الراوي وهما بمعنى واحد (أن هذه
الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ [الأحزاب: ٢٣] إلى
آخر الآية).
٢٨٠٦ - وقال: ((إنَّ أُختَهُ - وهي تُسمى الرُّبَيِّعَ - كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ امرأةٍ فأمرَ رسولُ اللَّهِ وَ
بالقصاص، فقال أنسٌ: يا رسولَ اللَّهِ، والذي بَعَثَكَ بالحقِّ لا تُكسَرُ ثَنيَّتُها، فرَضُوا بالأرش وتركوا
القصاص، فقال رسولُ اللَّهِ وَله: إنَّ مِن عِبادِ اللَّهِ مَن لو أقسَمَ على اللَّهِ لأبرّه)).
(وقال: إن أخته -) أي أخت أنس بن النضر وهي عمة أنس بن مالك (وهي تسمى الربيع -)
بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية (كسرت ثنية امرأة) زاد في الصلح فطلبوا الأرش وطلبوا
العفو فأبو فأتوا النبي ◌َ ﴿ (فأمر رسول الله وَله بالقصاص، فقال أنس): هو ابن النضر المستشهد يوم
أُحُد (يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها)، قاله توقعًا ورجاءً من فضله تعالى أن يرضى
خصمها ليعفو عنها ابتغاء مرضاته (فرضوا بالأرش) عوضًا عن القصاص (وتركوا القصاص، فقال
رسول الله (زايد):
(إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره) في قسمه وهو ضد الحنث وقصة الربيع هذه
سبقت في باب الصلح في الدية من كتاب الصلح.