النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١
كتاب الوصايا/ باب ١٠
طلحة: أفعَلُ يا رسولَ اللَّهِ، فقَسمها أبو طلحة في أقاربهِ وبني عمهِ)). وقال ابنُ عبّاسٍ: ((لما
نَزَلَت: ﴿وَأَنذِرْ عَشيرَتَكَ الأقربين﴾ جعلَ النبيُّ ◌َ ﴿ يُنادي: يا بني فِهْر، يا بَني عَدِيّ، لبُطونِ
قُرَيشٍ)). وقال أبو هريرةَ: ((لما نَزَلَت: ﴿وَأَنذِرْ عَشيرتَكَ الأقرَبين﴾ قال النبيُّ ◌ِّ: يا مَعشَرَ
قریش».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن إسحاق بن
عبد الله بن أبي طلحة) سقط ابن أبي طلحة لأبي ذر (أنه سمع أنسًا رضي الله عنه قال: قال النبي ◌َّـ
لأبي طلحة):
(أرى أن تجعلها في الأقربين) اختصره هنا، ولفظه في باب الزكاة على الأقارب من كتاب
الزكاة أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: كان أبو طلحة رضي الله عنه أكثر الأنصار
بالمدينة مالاً من نخل وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله والتي
يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية ﴿لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما
تحبون) قام أبو طلحة إلى رسول الله والقر فقال: يا رسول الله إن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿لن تنالوا
البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وإن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله
فضعها يا رسول الله حيث أراك الله قال فقال رسول الله ويالفجر: ((بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح
وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين)) (قال) ولأبي ذر فقال (أبو طلحة: أفعل با
رسول الله فقسمها) أي بيرحاء (أبو طلحة في أقاربه وبني عمه) هو من عطف الخاص على العام.
(وقال ابن عباس رضي الله عنهما مما وصله في مناقب قريش وتفسير سورة الشعراء (ما
نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤] جعل النبي ◌َّلتر ينادي) (يا بني فهر) بكسر
الفاء وسكون الهاء (يا بني عدي) (لبطون قريش) زاد في سورة تبّت بعد قوله عشيرتك الأقربين
ورهطك منهم المخلصين، وهذه الزيادة كما قال القرطبي كانت قرآنًا فنسخت، وزاد أيضًا في تفسير
الشعراء بعدها صعد النبي 18 على الصفا، وهذا يدل على أن هذا الحديث مرسل، وبه جزم
الإسماعيلي لأن ابن عباس كان حينئذٍ إما لم يولد وإما طفلاً، لكن روى الطبراني من حديث أبي أمامة
أنه وَّير جمع بني هاشم ونساءه وأهله وفيه فقال: ((يا عائشة بنت أبي بكر يا حفصة بنت عمر يا أم
سلمة)) فهذا إن ثبت كما قاله في الفتح يدل على التعدد لأن القصة الأولى وقعت بمكة لتصريحه في
الشعراء بأنه صعد الصفا ولم تكن عائشة وحفصة وأم سلمة عنده من أزواجه إلا بالمدينة فتكون
متأخرة عن الأولى فيحضر ابن عباس ذلك، ويحمل قوله جعل أي بعد ذلك لا أنه وقع على الفور.
(وقال أبو هريرة) رضي الله عنه (لما نزلت ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ قال النبي { (*): (يا
معشر قريش) وهذا طرف من حديث وصله في الباب اللاحق.
إرشاد الساري/ ج ٦/ م ١٦
٢٤٢
کتاب الوصايا/ باب ١١
١١ - باب هل يَدخُلُ النساء والْوَلَّدُ في الأقاربِ؟
هذا (باب) بالتنوين (هل يدخل النساء والولد في الأقارب) إذا أوصى لهم.
٢٧٥٣ - حدثنا أبو اليمانِ أخبرَنا شُعَيبٌ عن الزُّهريّ قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيَّبِ وأبو
سَلمةً بنُ عبدِ الرحمن أنَّ أبا هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنهُ قال: ((قامَ رسولُ اللَّهِ وَهِ حِينَ أَنزَلَ اللَّهُ عَزَّ
وجلّ: ﴿وَأَنذِرْ عَشيرتَكَ الأقربين﴾ قال: يا مَعشرَ قُريشٍ - أو كلمةً نحوَها - اشتَرُوا أَنفُسَكم، لا
أُغنِي عنكم منَ اللَّهِ شيئًا. يا بني عبدٍ مَنافٍ لا أغني عنكم منَ اللَّهِ شيئًا. يا عباسُ بنَ عبدِ المُطَّلِبِ
لا أغنِي عنكَ منَ اللَّهِ شيئًا. يا صَفيَّةُ عمةَ رسول الله لا أغنِي عنكِ منَ اللَّهِ شيئًا. ويا فاطمةُ بنتَ
محمدٍ سَلِيني ما شِئتٍ من مالي لا أغني عنكِ منَ اللَّهِ شيئًا».
تابعَهُ أصْبَغُ عنِ ابنِ وَهبٍ عن يونُس عنِ ابنِ شِهابٍ. [الحديث ٢٧٥٣- طرفاه في: ٣٥٢٧،
٤٧٧١].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (ص
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب وأبو سلمة) عبد الله
أو إسماعيل (بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني (أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قام رسول
الله ◌َ﴾ حين أنزل الله عز وجل ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ أي الأقرب فالأقرب منهم فإن الاهتمام
بشأنهم أهم.
وهذا الحديث من مرسل أبي هريرة لأن إسلامه إنما كان بالمدينة. نعم إن قلنا بالتعدّد المفهوم
من حديث أبي أمامة عند الطبراني حيث قال: يا عائشة إلخ انتفى كونه مرسلاً، ويحمل على أن أبا
هريرة حضر القصة بالمدينة كما مرّ في الباب السابق.
(قال): عليه الصلاة والسلام (يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم) من الله بأن
تخلصوها من العذاب بإسلامكم (لا أغني) لا أدفع (عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف لا أغني
عنكم من الله شيئًا يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا ويا صفية عمة رسول الله لا
أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد ◌ّفي سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله
شيئًا) سقطت التصلية بعد قوله بنت محمد من نسخة وثبتت في أخرى بعد عمة رسول الله اله
وعباس وصفية وفاطمة بالبناء على الضم، وقول الزركشي يجوز في عباس الرفع والنصب وكذا في یا
صفية عمة وكذا يا فاطمة بنت. قال في المصابيح: يريد بالرفع والنصب الضم والفتح إذ مثله من
المناديات مبني على الضم وفتح للإتباع أو للتركيب على الخلاف.
والمطابقة بين الحديث والترجمة في قوله: يا صفية ويا فاطمة ففيه دلالة على دخول النساء في
٢٤٣
کتاب الوصايا/ باب ١٢
الأقارب وكذا الفروع وعلى عدم التخصيص بمن يرث ولا بمن كان مسلمًا قاله في الفتح، لكن
مذهبنا كأبي حنيفة أنه لا يدخل في الوصية للأقارب الأبوان والأولاد ويدخل الأجداد لأن الوالد
والولد لا يعرفان بالقرب في العرف بل القريب من ينتمي بواسطة فتدخل الأحفاد والأجداد، وقيل
لا يدخل أحد من الأصول والفروع، وقيل يدخل الجميع وبه قطع المتولي.
(تابعه) أي تابع أبا اليمان (أصبغ) بن الفرج (عن ابن وهب) عبد الله (عن يونس) بن يزيد
الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري، وهذه المتابعة أخرجها مسلم.
١٢ - باب هل يَتَفِعُ الواقِفُ بوَقفهِ؟
وقدِ اشترَطَ عمرُ رضيَ اللهُ عنه: لا جُناحَ على مَن وَلِيَهُ أن يأكل منها. وقد يَلِي الواقفُ
وغيرُه.
وكذلكَ كلّ، مَن جَعَلَ بَدَنَّةً أو شيئًا للَّهِ فلهُ أن يَنْتَفِعَ بها كما ينتفعُ بها غيرُه وإن لم يَشتَرِطُ.
هذا (باب) بالتنوين (هل ينتفع الواقف بوقفه)؟ إذا وقفه على نفسه ثم على غيره أو شرط لنفسه
جزءًا معينًا أو يجعل للناظر على وقفه شيئًا ويكون هو الناظر، والصحيح من مذهب الشافعية بطلان
الوقف على النفس وهو المنصوص، ولو وقف على الفقراء وشرط أن يقضي من غلة الوقف زكاته
وديونه فهذا وقف على نفسه ففيه الخلاف، وكذا لو شرط أن يأكل من ثماره أو ينتفع به ولو استبقى
الواقف لنفسه التولية وشرط أجره وقلنا لا يجوز أن يقف على نفسه فالأرجح جوازه، ولو وقف على
الفقراء ثم صار فقيرًا ففي جواز أخذه وجهان: إذا قلنا لا يقف على نفسه لأنه لم يقصد نفسه وقد
وجدت الصفة والأصح الجواز ورجح الغزالي المنع لأن مطلقه ينصرف إلى غيره.
(وقد اشترط عمر) بن الخطاب (رضي الله عنه) في تحبيسه أرضه التي بخيبر المسماة بثمغ
السابق موصولاً في آخر الشروط (لا جُناح) لا إثم (على من وليه) ولي التحدث إليه (أن يأكل) زاد
أبو ذر عن الكشميهني منها بالتأنيث أي من الأرض المحبسة.
قال البخاري تفقهًا منه: (وقد يلي الواقف) التحدث على وقفه (و) قد يليه (غيره) واستنبط منه
أن للواقف أن يشترط لنفسه جزءًا من ربع الموقوف لأن عمر شرط لمن ولي وقفه أن يأكل منه ولم
يستئن إن كان هو الواقف أو غيره فدل على صحة الشرط، وإذا جاز في المبهم الذي لم يعينه كان
فيما يعينه أجوز، وقال المالكية: لا تكون ولاية النظر للواقف. قال ابن بطال سدًّا للذريعة: لئلا
يصير كأنه وقف على نفسه أو يطول العهد فينسى الواقف فيتصرف فيه لنفسه أو يموت فيتصرف فيه
ورثته، واستنبط بعضهم من هذا صحة الوقف على النفس وهو قول أبي يوسف، وقال المرداوي من
الحنابلة في تنفيحه: ولا يصح على نفسه ويصرف على من بعده في الحال وعنه يصح واختاره جماعة
٢٤٤
کتاب الوصايا/ باب ١٣
وعليه العمل وهو أظهر، وإن وقف على غيره واستثنى كل الغلة أو بعضها له أو لولده مدّة حياته
نصًّا أو مدة معينه أو استثنى الأكل أو الانتفاع لأهله أو يطعم صديقه صح فلو مات في أثناء المدة
کان لورثته، ثم قوّی المؤلف ما احتج به من قصة عمر بقوله: (و کذلك من) ولأبي ذر وكذلك کل
من (جعل بدنة أو شيئًا لله) على سبيل العموم كالمسلمين (فله أن ينتفع بها) بتلك العين التي جعلها الله
(كما ينتفع غيره) من المسلمين بناء على أن المخاطب يدخل في عموم خطابه (وإن لم يشترط) لنفسه
ذلك في أصل الوقف ومن ذلك انتفاعه بكتاب وقفه على المسلمين.
٢٧٥٤ - حدثنا قُتَّيبةُ بنُ سعيدٍ حدَّثَنا أبو عَوانةَ عن قتادةَ عن أنسٍ رضيَ اللَّهُ عنه: ((أنَّ
النبيَّ ◌َ ﴿ رأى رجُلاَ يَسوقُ بَدَنةً فقال له: اركَبْها، فقال: يا رسولَ اللَّهِ إنها بَدَنةٌ، قال - في الثالثةِ
أو في الرابعةِ - اركَبْها وَيْلَك - أو وَيحَك)).
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) سقط ولأبي ذر ابن سعيد قال: (حدّثنا أبو عوانة الوضاح
اليشكري (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس رضي الله عنه أن النبي (وَج رأى رجلاً) لم يعرف اسمه
(يسوق بدنة فقال له) عليه الصلاة والسلام:
(اركبها) (فقال) الرجل: (يا رسول الله إنها بدنة) أي هدي (فقال) عليه الصلاة والسلام (في
الثالثة أو الرابعة) ولأبي ذر: أو في الرابعة (اركبها ويلك) كلمة عذاب (أو) قال (ويحك) كلمة رحمة
أو هما بمعنى واحد والشك في الموضعين من الراوي.
٢٧٥٥ - حدثنا إسماعيلُ حدَّثنا مالكٌ عن أبي الزنادِ عنِ الأعرج عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ
عنه: ((أنَّ رسولَ اللَّهِ وَله رأى رَجُلاً يَسوقُ بدَنَةً فقال: اركَبْها، قال: يا رسولَ اللَّهِ إنّها بَدَنة، قال:
اركَبْھا ویلَكَ. في الثانيةِ أو في الثالثة)».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثنا) وفي نسخة حدّثني بالإفراد (مالك)
الإمام الأعظم (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة
رضي الله عنه أن رسول الله وَ ل﴿ رأى رجلاً يسوق بدنة) هديًا (فقال) له عليه الصلاة والسلام:
(اركبها) (قال: يا رسول الله إنها بدنة) هدي (قال) (اركبها ويلك في الثانية أو في الثالثة)
واحتج بذلك من أجاز الوقف على النفس لأنه أجاز له الانتفاع بما أهداه بعد خروجه عن ملكه
بغير شرط فجوازه بالشرط أحرى، والحديث سبق في الحج.
١٣ - باب إذا وقَفَ شيئًا قبلَ أن يَدفَعَهُ إلی غیرهِ فهو جائز
لأن عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهُ أوقفَ فقال: لا جُناحَ على مَن ولِيَهُ أن يأكلَ، ولم يَخُصَّ إن وَلِيَهُ
عمرُ أو غيره.
٢٤٥
کتاب الوصايا/ باب ١٤
وقال النبيُّ رَّهِ لأبي طلحةَ: ((أرى أن تجعَلَها في الأقرَبينَ، فقال: أفعَلُ، فقسَمَها في أقاربهِ
وبني عمهِ).
هذا (باب) بالتنوين (إذا وقف) شخص (شيئًا فلم يدفعه) ولأبي ذر: قبل أن يدفعه (إلى غيره
فهو جائز) أي صحيح، (لأن عمر رضي الله عنه أوقف) بهمزة قبل الواو لغة شاذة في وقف
بإسقاطها أرضه التي بخيبر (وقال): ولأبي ذر فقال: (لا جناح على من وليه) أي الوقف (أن يأكل)
من ريعه (ولم يخص إن وليه عمر أو غيره) ولم يأمره ◌َلتر بإخراجه من يده فكان تقريره لذلك دالاً على
صحة الوقف وإن لم يقبضه الموقوف عليه قاله في الفتح، واشترط المالكية لصحة الوقف خروجه عن
يد واقفه وأن يقبضه الموقوف عليه وبه قال محمد بن الحسن.
(قال) ولأبي ذر: وقال (النبي ◌َّه) مما سبق موصولاً من طريق إسحق بن أبي طلحة (لأبي
طلحة (أرى أن تجعلها في الأقربين) (فقال) أبو طلحة (أفعل فقسمها في أقاربه وبني عمه) واستشكل
الداوديّ الاستدلال بهذا على صحة الوقف قبل القبض بأنه حمل للشيء على ضدّه وتمثيله بغير جنسه
فإنه دفع صدقته إلى أبيّ بن كعب وحسان. وأجاب ابن المنير: بأن أبا طلحة أطلق صدقة أرضه
وفوّض إلى النبي ◌َّ مصرفها فلما قال له: أرى أن تجعلها في الأقربين ففوّض له قسمتها بينهم صار
كأنه أقرّها في يده بعد أن مضت الصدقة اهـ.
وقد وقع التصريح في الحديث كما سيأتي إن شاء الله تعالى بأن أبا طلحة هو الذي تولى
قسمتها. قال في الفتح: وبذلك يتم الجواب اهـ.
وقرأت في المعرفة للبيهقي في ترجمة تمام الحبس بالكلام دون القبض. قال الشافعي: ولم يزل
عمر بن الخطاب المتصدق بأمر النبي ◌ّير يلي فيما بلغنا صدقته حتى قبضه الله، ولم يزل عليّ بن
أبي طالب يلي صدقته حتى لقي الله، ولم تزل فاطمة رضي الله عنها تلي صدقتها حتى لقيت الله أخبرنا
بذلك أهل العلم من ولد عليّ وفاطمة وعمر ومواليهم، ولقد حفظت الصدقات عن عدد كثير من
المهاجرين والأنصار، ولقد حكى لي عدد كثير من أولادهم وأهليهم أنهم لم يزالوا يلون صدقاتهم
حتى ماتوا ينقل ذلك العامّة منهم عن العامّة لا يختلفون فيه، وإن أكثر ما عندنا بالمدينة ومكة من
الصدقات لكما وصفت لم يزل يتصدق بها المسلمون من السلف يلونها حتى ماتوا.
١٤ - باب إذا قال: دارِي صَدَقةٌ للَّه، ولم
يُبينَّ للفُقَراءِ أو غَيرِهم فهو جائز، ويُعْطيها للأقرَبينَ أو حيثُ أراد
قال النبيُّ وََّ لأبي طلحةَ حينَ قال أحبُّ أموالي إليَّ بيرحاء وإنها صدَقةٌ للَّهِ، فأجازَ
النبيُّ ◌َِّ ذُلكَ. وقال بعضُهم: لا يجوزُ حتى يُبيِّنَ لِمن، والأوَّلُ أصحُ.
٢٤٦
کتاب الوصايا/ باب ١٥
هذا (باب) بالتنوين (إذا قال) شخص: (داري صدقة لله) عز وجل (و) الحال أنه (لم يبين) هل
هي (للفقراء أو غيرهم فهو جائز) أي تتم قبل تعيين جهة مصرفها (ويضعها) بعد ذلك (في
الأقربين) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ويعطيها للأقربين (أو حيث أراد. قال النبي وَيرٍ لأبي
طلحة حين قال: أحب أموالي إلي بيرحاء)، بكسر الموحدة وفتحها وسكون الياء من غير همز وفتح
الراء وضمها آخره همزة مصروف وغير مصروف ولأبي ذر بيرحا بكسر الموحدة وسكون التحتية من
غير همز وضم الراء آخره ألف من غير همز وفيها وجوه أخرى سبقت (وإنها صدقة لله) ولم يعين
المتصدّق عليه ولا المتصدق فيه. قال المؤلف تفقهًا: (فأجاز النبي وَلفي ذلك). الوقف من غير تعيين،
(وقال بعضهم: لا يجوز) هذا الوقف المطلق (حتى يبين) واقفه (لمن) يصرف وهذا أحد قولي
الشافعي، لكن قال بعض الشافعية: إن قال وقفته وأطلق فهو محل الخلاف، وإن قال وقفته لله خرج
عن ملكه جزمًا واستدل بقصة أبي طلحة (والأول) القائل بالجواز (أصح).
١٥ - باب إذا قال أرْضِي أو بُسْتاني
صدَقةٌ للَّهِ عن أُمّي فهو جائز، وإن لم يُبينَّ لِن ذُلك
هذا (باب) بالتنوين (إذا قال) شخص (أرضي أو بستاني صدقة) زاد أبو ذر: لله (عن أمّي فهو
جائز وإن لم يبين لمن ذلك) الموقوف للفقراء أو غيرهم فهي كالترجمة السابقة إلا أنه عين في هذه
المتصدق عنه.
٢٧٥٦ - حقثنا محمدٌ أخبرَنا مَخلَدُ بنُ يَزِيدَ أخبرنا ابنُ جُرَيجٍ قال: أخبرَني يعلى أنهُ سَمِعَ
عِكرِمةً يقول: أنبأنا ابنُ عبّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما: ((أنَّ سَعدَ بنَ عُبادةَ رضيَ اللَّهُ عنهُ تُوُفَِّتْ أمُّهُ وهو
غائبٌ عنها فقال: يا رسولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي تُوُفِيَتْ وأنا غائبٌ عنها، أيَنفَعُها شيءٌ إنْ تَصدَّقتُ بهِ عنها؟
قال: نعم. قال: فإني أُشهِدُكَ أنَّ حائطِيَ المِخْرافَ صَدَقةٌ عليها)). [الحديث ٢٧٥٦ - طرفاه في:
٢٧٦٢، ٢٧٧٠].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سلام) وسقط لغير أبي ذر ابن سلام قال: (أخبرنا مخلد بن يزيد)
بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام ويزيد من الزيادة قال: (أخبرنا ابن جريج)
عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرني) بالإفراد (يعلى) هو ابن مسلم المكي البصري الأصل كما
سماه عبد الرزاق في روايته عن ابن جريج عنه (أنه سمع عكرمة) مولى ابن عباس (يقول: أنبأنا) من
الإنباء ويستعمله المتأخرون في الإجازة المجرّدة (ابن عباس رضي الله عنهما أن سعد بن عبادة).
الأنصاري سيد الخزرج (رضي الله عنه توفيت أمه) عمرة بنت مسعود وقيل سعد بن قيس بن عمرو
الأنصارية الخزرجية سنة خمس (وهو غائب عنها) مع النبي وَّر في غزوة دومة الجندل، وكانت
أسلمت وبايعت كما عند ابن سعد والجملة الاسمية حالية (فقال): سعد (يا رسول الله إن أمي
٢٤٧
کتاب الوصايا/ باب ١٦
توفيت وأنا غائب عنها أينفعها) عند الله (شيء إن تصدّقت به)؟ أي بشيء وهمزة إن مكسورة (عنها؟
:(醬):(JU
(نعم) ينفعها عند الله (قال): سعد (فإني أشهدك أن حائطي) بستاني (المخراف) بكسر الميم
وسكون الخاء المعجمة آخره فاء عطف بيان لحائطي اسم له أو وصف أي المثمر (صدقة عليها) ولأبي
ذر عن الكشميهني: عنها وهو أصح.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الوصايا.
١٦ - باب إذا تَصدَّقَ أو
وقفَ بعضَ رَقیقهِ أو دوابُّهِ فھو جائز
هذا (باب) بالتنوين (إذا تصدق) شخص (أو وقف) بألف قبل الواو لغة شاذة ولأبي ذر: أو
وقف (بعض ماله أو بعض رقيقه أو) بعض (دوابه فهو جائز) إذا كان غير مريض لكن يستحب أن
يبقي لنفسه منه ما يعيش به خوف الحاجة، وقوله أو بعض رقيقه من عطف الخاص على العام.
٢٧٥٧ - حدثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ حدّثَنا الليثُ عن عُقَيلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ قال: أخبرني
عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ كُعبِ بنِ مالكِ رضيَ اللهُ عنه: قلتُ: يا رسول اللّهِ وَّةِ، إِنَّ مِن
تَوبَتي أن أنخَلِعَ مِن مالي صدقةً إلى اللَّهِ وإلى رسولِهِ وََّ، قال: أمسِك عليكَ بعضَ مالِكَ فهوَ خَيرُ
لك. قلتُ: أمسِكُ سَهمي الذي بخَيبَرَ)). [الحديث ٢٧٥٧ - أطرافه في: ٢٩٤٧، ٢٩٤٨. ٢٩٤٩،
٢٩٥٠، ٣٠٨٨. ٣٥٥٦، ٣٨٨٩، ٣٩٥١، ٤٤١٨، ٤٦٧٣، ٤٦٧٦، ٤٦٧٧، ٤٦٧٨، ٦٢٥٥،
٦٦٩٠، ٧٢٢٥].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة مصغرًا قال (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام
(عن عقيل) بضم العين (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد
(عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب أن) أباه (عبد الله بن كعب قال: سمعت) أبي (كعب بن مالك
رضي الله عنه يقول): أي حين تخلف عن غزوة تبوك وتيب عليه (قلت يا رسول الله إن من توبتي أن
أنخلع) أي أن أخرج (من مالي) بالكلية (صدقة) بالنصب مفعولاً له أي لأجل التصدّق أو حالاً
بمعنى متصدقًا (إلى الله وإلى رسوله وَفي قال): عليه الصلاة والسلام:
(أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك) من إنفاقه كله لئلا تتضرر بالفقر وعدم الصبر على
الإضاقة. قال كعب (قلت) يا رسول الله (فإني أمسك سهمي الذي بخيبر). واستدل به على كراهة
التصدق بجميع المال وجواز وقف المنقول، ومطابقته للترجمة ظاهرة وقد ساقه هنا مختصرًا كما في
باب: لا صدقة إلا عن ظهر غنى وبتمامه في المغازي.
٢٤٨
کتاب الوصايا/ باب ١٧
١٧ - باب مَن تَصدَّقَ إلى وَكيلهِ ثمَّ رَدَّ الوكيلُ إليه
٢٢٥٨ - وقال إسماعيلُ: أخبرني عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي سَلمةً عن إسحقِ بنِ
عبدِ اللَّهِ بنِ أبي طلحةً لا أعلمُهُ إلاّ عن أنسٍ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((لما نزَلَتْ: ﴿لن تَنالوا البِرَّ حتى
تُنفِقوا مما تُحِبُّون﴾ جاءَ أبو طلحةَ إلى رسولِ اللَّهِ وَّه فقال: يا رسولَ اللَّهِ يقولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وتعالى
في كتابهِ: ﴿لَن تَنالوا البِرَّ حتى تُنفِقوا مما تُحِبُّون﴾ وإنَّ أحَبَّ أموالي إليَّ بِيرحاءُ - قال وكانت
حَديقةً كانَ رسولُ اللَّهِ وَ﴿ يَدخُلُها ويَسْتظِلُ بها ويَشرَبُ مِن مائها - فهيَ إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ وإلى
رسولهِ ﴿ أرجو بِرَّهُ وذُخْرَهُ، فضَعْها أي رسولَ اللَّهِ حيثُ أراكَ اللَّهُ. فقال رسولُ اللَّهِ وَله: بَخْ یا
أبا طلحةَ، ذُلكَ مال رابحٌ قبِلْناهُ منكَ ورَدَدْناهُ عليك، فاجعَلْهُ في الأقربينَ. فتَصدَّقَ بهِ أبو طلحةَ
على ذَوِي رَحِمِه. قال وكان منهم أُبَيِّ وحَسّانُ. قال: وباع حَسّانُ حِصَّتَهُ منهُ مِن مُعاوِيةً فقيلَ لهُ:
تَبِيعُ صَدقةَ أبي طلحةَ؟ فقال: ألا أبيعُ صاعًا مِن تمرٍ بصاعٍ مِن دَراهِمَ؟ قال: وكانت تلك الحديقةُ
في مَوضعٍ قصرِ بني حُدَيلةَ الذي بناهُ مُعاوية)).
(باب من تصدق إلى) وللكشميهني: على (وكيله ثم ردّ الوكيل) الصدقة (إليه) أي إلى الموكل.
(وقال إسماعيل) كذا ثبت في أصل أبي ذر من غير أن ينسبه، وجزم أبو نعيم في مستخرجه
أنه ابن جعفر، وأسنده الدمياطي في أصله بخطه فقال: حدّثنا إسماعيل. قال الحافظ ابن حجر:
فإن كان محفوظًا تعين أنه ابن أبي أويس، وبه جزم المزي قال: (أخبرني) بالإفراد (عبد العزيز بن
عبد الله بن أبي سلمة) الماجشون واسم أبي سلمة دينار (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة)
زيد بن سهل الأنصاري (لا أعلمه إلا عن أنس رضي الله عنه) وجزم به ابن عبد البر في تمهيده
والظاهر كما في الفتح أن الذي قال لا أعلمه إلا عن أنس البخاري أنه (قال: لما نزلت: ﴿لن تنالوا
البرّ حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢]. جاء أبو طلحة إلى رسول الله ﴿*) زاد ابن عبد البر
ورسول الله وَّر على المنبر (فقال: يا رسول الله يقول الله تعالى في كتابه: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا
مما تحبون﴾ وإن أحب أموالي إلي بيرحاء) بكسر الموحدة وسكون التحتية وضم الراء آخره همزة غير
منصرف وفيها لغات أخرى سبقت (قال: وكانت) أي بيرحاء (حديقة كان رسول الله وَل فيه يدخلها
ويستظل فيها ويشرب من مائها) جملة معترضة بين قوله: وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء وبين قوله:
(فهي إلى رسول الله وإلى رسوله ◌َ#) أي خالصة لله ولرسوله (أرجو برّه وذخره) بالذال المضمومة
والخاء الساكنة المعجمتين (فضعها أي رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله وَل ◌ٍ):
(بخ يا أبا طلحة) بفتح الموحدة وسكون الخاء المعجمة من غير تكرار كلمة تقال عند المدح
والرضا بذلك الشيء (ذلك مال رابح) بالموحدة أي يربح صاحبه فيه في الآخرة (قبلناه) أي المال
٢٤٩
کتاب الوصايا/ باب ١٨
(منك ورددناه عليك فاجعله في الأقربين) (فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه) الشامل لقرابة الأب
والأم بلا خلاف في العرب والعجم.
(قال): أنس (وكان منهم أُّ) هو ابن كعب (وحسان) هو ابن ثابت (قال) أنس (وباع حسان
حصته منه) من ذلك المال المتصدق به (من معاوية) بن أبي سفيان قيل إنما باعها لأن أبا طلحة لم
يقفها بل ملكهم إياها إذ لا يسوغ بيع الموقوف، وحينئذ فكيف يستدل به لمسائل الوقف؟ وأجانب
الكرماني بأن التصدق على المعين تمليك له. قال العيني: وفيه نظر لا يخفى. وأجاب آخر: بأن أبا
طلحة حين وقفها شرط جواز بيعهم عند الاحتياج فإن الوقف بهذا الشرط قال بعضهم: بجوازه والله
أعلم.
(فقيل له): لحسان (تبيع صدقة أبي طلحة)؟ بحذف همزة الاستفهام (فقال: ألا أبيع صاعًا من
تمر بصاع من دراهم) في الفتح عن أخبار المدينة لمحمد بن الحسن المخزومي من طريق أبي بكر بن
حزم أن ثمن حصة حسان مائة ألف درهم قبضها من معاوية بن أبي سفيان (قال: وكانت تلك
الحديقة) المتصدق بها (في موضع قصر بني جديلة) بجيم مفتوحة فدال مهملة مكسورة كذا في الفرع
وأصله وضبب عليه، والصواب أنه بالحاء المضمومة وفتح الدال المهملتين كما ذكره الأئمة الحفّاظ أبو
نصر وأبو علي الغساني والقاضي عياض بطن من الأنصار وهم بنو معاوية بن عمرو بن مالك بن
النجار وجديلة أمهم وإليهم ينسب القصر المذكور (الذي بناه معاوية) بن أبي سفيان لما اشترى حصة
حسان ليكون حصنًا له لما كانوا يتحدثون به بينهم مما وقع لبني أمية، وكان الذي تولى بناءه لمعاوية
الطفيل بن أبيّ بن كعب قاله عمر بن شبة في أخبار المدينة وأبو غسان المدني وغيرهما وليس هو
معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار كما ذكره الكرماني. قاله في الفتح.
وهذا الباب وحديثه سقط من أكثر الأصول وثبتا في رواية الكشميهني فقط. نعم ثبتت الترجمة
وبعض الحديث للحموي إلى قوله: مما تحبون.
ومطابقته للترجمة في قوله: قبلناه منك ورددناه عليك فهو شبيه بما ترجم به.
١٨ - باب قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ :
﴿وإذا حَضَر القسمةَ أُولو القُرْبى واليتامى والمساكِينُ فارزُقوهم منه﴾
(باب قول الله تعالى) ولأبي ذر: عز وجل (﴿وإذا حضر القسمة﴾) قسمة الميراث (﴿أولو القربى))
ممن ليس بوارث (﴿واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾) [النساء: ٨]. ارضخوا لهم من التّرِكة نصيبًا
قبل القسمة، وكان ذلك واجبًا في ابتداء الإسلام لأن أنفسهم تتشوّف إلى شيء من ذلك إذا رأوا
هذا يأخذ وهذا يأخذ وهم آيسون لا يعطون شيئًا فأمر الله تعالى برأفته ورحمته أن يرضخ لهم شيء
٢٥٠
کتاب الوصايا/ باب ١٩
من الوسط إحسانًا إليهم وجبرًا لقلوبهم، ثم نسخ ذلك بآية المواريث وهذا مذهب الجمهور، وقالت
طائفة: هي محكمة وليست بمنسوخة.
٢٧٥٩ - حدثنا محمدُ بنُ الفضلِ أبو النُّعمانِ حدَّثَنا أبو عَوانةَ عن أبي بِشرٍ عن سَعيدِ بنِ
جُبِيرٍ عنِ ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما قال: ((إنَّ ناسًا يَزْعمُونَ أنَّ هُذِهِ الآيةَ نُسِخَتْ، ولا واللَّهِ ما
نُسِخَت، ولكنَّها مما تَهاوَنَ الناسُ، هُما واليانٍ: والٍ يَرِثُ وذاكَ الذي يَرْزُق، ووالٍ لا يَرِث فذاكَ
الذي يقولُ بالمعروف، يقول لا أملِكُ لكَ أن أُعطِيكَ)). [الحديث ٢٧٥٩ - طرفه في: ٤٥٧٦].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن الفضل أبو النعمان) وفي نسخة: حدّثنا أبو النعمان محمد بن
الفضل بالتقديم والتأخير قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن أبي بشر) بكسر وسكون
المعجمة جعفر بن أبي وحشية واسم أبي وحشية إياس اليشكري البصري (عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس رضي الله عنهما) أنه (قال): موقوفًا عليه (إن ناسًا يزعمون) منهم عائشة (إن هذه الآية) وإذا
حضر القسمة إلى آخرها (نسخت) بضم النون وكسر السين بآية المواريث (ولا والله ما نسخت) بل
هي محكمة فيعطى الحاضر ممن ذكر من التّرِكَة (ولكنها) أي قضية الآية (مما تهاون الناس) فيها ولم
يعملوا بها (هما) أي المتصرفان في التّرِكة والمتوليان أمرها (واليان والٍ يرث) المال كالعصبة مثلاً
(وذاك) بغير لام ولأبي ذر: وذلك (الذي يرزق) يرضخ الحاضرين من أولي القربى واليتامى والمساكين
(ووالٍ لا يرث) كولي اليتيم (فذاك) ولأبي ذر: فذلك (الذي يقول بالمعروف يقول: لا أملك لك أن
أعطك) شيئًا منه إنما هو لليتيم ولو كان لي منه شيء لأعطيتك وسقط قوله لك في رواية المستملي.
١٩ - باب ما يُستَحبُّ لِمَن
تَؤُنِّيَ فجأةً أن يتصدَّقوا عنه، وقضاءِ النُّورِ عنِ الميّتِ
(باب ما يستحب لمن يتوفى) بضم أوّله وفتح تالييه، ولأبي ذر: توفي بحذف التحتية وضم
الفوقية والواو وكسر الفاء مات (فجأة) بفتح الفاء وسكون الجيم من غير مدّ، ولأبي ذر: فجاءة بضم
الفاء وفتح الجيم مخففة ممدودًا بغتة (أن يتصدقوا) أهله أو أصحابه (عنه و) استحباب (قضاء النذور)
بالمعجمة والجمع (عن الميت) الذي مات وعليه نذور.
٢٧٦٠ - حدثنا إسماعيلُ قال: حدَّثني مالكٌ عنِ هشامٍ عن أبيهِ عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها:
((أنَّ رَجُلاً قال للنبيِّ وََّ: إنَّ أُمِّي افتُلِتَت نَفسُها، وأُراها لوَ تكَلَّمتْ تصدَّقَت، أفْتَصدَّقُ عنها؟
قال: نعم، تصدّقَ عنها)).
وبه قال: (حدثنا إسماعيل) بن أبي أُويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام الأعظم (عن
هشام) ولأبي ذر: زيادة ابن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً) هو
٢٥١
کتاب الوصايا/ باب ٢٠
سعد بن عبادة (قال للنبي ◌َ﴿ إن أمي) عمرة بنت مسعود (افتلتت) بالفاء الساكنة والفوقية المضمومة
وكسر اللام مبنيًّا للمفعول (نفسها) بالنصب مفعول ثانٍ أي افتلتها الله نفسها، ولأبي ذر: نفسها
بالرفع مفعول ناب عن الفاعل أي أخذت نفسها فلتة والنفس هنا الروح أي ماتت بغتة دون تقدّم
مرض ولا سبب (وأراها) بضم الهمزة أي أظنها لعلمي بحرصها على الخير (لو تكلمت تصدقت
أفأتصدق عنها؟ قال): عليه الصلاة والسلام:
(نعم تصدق عنها). بجزم تصدق على الأمر. وعند النسائي قلت: فأيّ الصدقة؟ قال: ((سقي
الماء)) وفيه دلالة على أن الصدقة تنفع الميت.
وهذا الحديث أخرجه النسائي في الوصايا.
٢٧٦١ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ أخبرنا مالكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ
عنِ ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما: ((أنَّ سعدَ بنَ عُبادةَ رضيَ اللَّهُ عنهُ اسْتَفتى رسولَ اللَّهِ وَ له فقال:
إِنَّ أمي ماتَتْ وعليها نَذْرٌ، فقال: اقضِهِ عنها)). [الحديث ٢٧٦١ - طرفاه في: ٦٦٩٨، ٦٩٥٩].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب)
محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله بن عبد الله) بضم عين الأول مصغرًا العمري (عن ابن عباس
رضي الله عنهما أن سعد بن عبادة رضي الله عنه استفتى رسول الله ﴿ فقال: إن أمي) عمرة (ماتت
وعليها نذر) لم تقضه (فقال):
(اقضه عنها) وفيٍ رواية سليمان بن كثير عند النسائي: أفيجزي عنها أن أعتق؟ قال: ((أعتق
عن أمك)».
٢٠ - باب الإشهادِ في الوَقفِ والصدَقةِ
٢٧٦٢ - حدثنا إبراهيمُ بنُ موسى أخبرَنا هشامُ بنُ يوسُفَ أنَّ ابن جُرَيجِ أخبرَهم قال:
أخبرَني يَعلَى أنه سمعَ عِكرِمَةً مَولى ابنِ عبّاسٍ يقول: ((أنبأنا ابنُ عباسٍ أنَّ سعدَ بنَ عُبادةَ رضيَ اللَّهُ
عنه - أخا بني ساعدة - تُوُفّيَتْ أمُّهُ وهو غائبٌ، فأتى النبيَّ نَّهِ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ أمّي تُوُفّيَت
وأنا غائبٌ عنها، فهل يَنفَعُها شيءٌ إن تَصدَّقْتُ بهِ عنها؟ قال: نعم. قال: فإني أُشهِدُكَ أنَّ حائطيَ
المخرافَ صدقةٌ عليها)).
(باب الإشهاد في الوقف والصدقة).
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام بن يوسف)
الصنعاني (أن ابن جريج) عبد الملك (أخبرهم قال: أخبرني) بالإفراد (يعلى) بن مسلم المكي البصري
٢٥٢
کتاب الوصايا/ باب ٢١
الأصل (أنه سمع عكرمة مولى ابن عباس يقول: أنبأنا) أي أخبرنا (ابن عباس أن سعد بن عبادة
رضي الله عنه أخا بني ساعدة) أي واحدًا منهم أي أنه أنصاري ساعدي (توفيت أمه) عمرة (وهو
غائب) زاد أبو ذر: عنها أي مع النبي وَّه في غزوة دومة الجندل سنة خمس (فأتى) سعد (النبي ◌َل
فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها فهل ينفعها شيء إن تصدقت به) أي بشيء
(عنها؟ قال): عليه الصلاة والسلام:
(نعم) ينفعها (قال: فإني أشهدك أني حائطي) بستاني (المخراف) بكسر الميم وسكون الخاء
المعجمة آخره فاء اسم للبستان أو وصف له أي المثمر، وسمي بذلك لما يخرف منه أي يجنى من التمرة
تقول: شجرة مخراف ومثمار قاله الخطابي، وفي رواية عبد الرزاق المخرف بغير ألف. (صدقة
عليها) أي مصروفة على مصلحتها، وسقط قوله من قوله قال فإني أشهدك للحموي والكشميهني.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: أشهدك أن حائطي صدقة وألحق الوقف بالصدقة وعورض
بأن قوله أشهدك يحتمل إرادة الإشهاد المعتبر أو الإعلام واستدل له المهلب بقوله تعالى: ﴿وأشهدوا
إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية. لأنه إذا أمر بالإشهاد في البيع الذي له عوض فلأن يشرع في
الوقف الذي لا عوض له أولى.
وهذا الحديث سبق قبل ثلاثة أبواب.
٢١ - باب قولِ اللَّهِ تَعالى:
﴿وَآتُّوا اليتامى أموالَهم ولا تَتَبَدَّلوا الخَبِيثَ بالطَّيْبِ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالِكم إنَّهُ كانَ
حُوبًا كبيرًا. وإنْ خِفْتُم أنْ لا تُقْسِطوا في اليتامى فانكِحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء:
١٢ - ١٣].
(باب قول الله تعالى) ولأبي ذر: عز وجل بدل قوله تعالى: ((وآتوا﴾) وأعطوا (﴿اليتامى
أموالهم﴾) إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة موفرة (﴿ولا تتبدلوا الخبيث﴾) من أموالهم الحرام عليكم
(﴿بالطيب﴾) الحلال من أموالكم، وقال سعيد بن جبير والزهري: لا تعطوا هزيلاً وتأخذوا سمينًا،
وقال السدي؛ كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل مكانها الشاة المهزولة ويقول:
شاة بشاة، ويأخذ الدراهم الجيدة ويطرح مكانها الزائف ويقول: درهم بدرهم فنهوا عن ذلك (﴿ولا
تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾) أي مع أموالكم (﴿إنه﴾) أي أكل أموالهم (﴿كان حوبًا﴾) إثمًا
(﴿كبيرًا﴾) عظيمًا (﴿وإن خفتم ألا تقسطوا﴾) أن لا تعدلوا (﴿في﴾) نكاح (﴿اليتامى فانكحوا ما
طاب﴾) حلْ (﴿لكم من النساء﴾﴾ [النساء: ٢، ٣] سواهن، وفي رواية أبي ذر: بعد قوله ﴿إلى
أموالكم﴾ إلى قوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾.
٢٥٣
کتاب الوصايا/ باب ٢١
٢٧٦٣ - حدثنا أبو اليمانِ أخبرَنا شُعَيبٌ عنِ الزُّهريّ قال: ((كان عُروةُ بنُ الزُّبَيرِ يُحدِّثُ أنهُ
سألَ عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها: ﴿وإنْ خِفتُم أن لا تُقسِطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم منَ
النساءِ﴾ قالت: هيَ اليتيمةَ في حَجر وليْها، فيرغَبُ في جَمالِها ومالِها، ويُريدُ أن يتزَوَّجها بأدنى مِن
سُنَّةِ نِسائها، فتُهوا عن نِكاحهنَّ إلا أن يُقسِطوا لهنَّ في إكمالِ الصَّداق، وأُمِروا بنكاحِ مَن سِواهنَّ منَ
النساء، قالت عائشةُ: ثمَّ استَفتى الناس رسولَ اللَّهِ وَ﴿ بعدُ، فأَنزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿ويستفتونكَ
في النساءِ قُلِ اللَّهُ يُقْتيكم فيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] قالت: فبيَّنَ اللَّه في هذهِ أنَّ اليتيمةَ إذا كانت ذاتَ
جَمالٍ ومال رغبوا في نكاحِها ولم يُلحِقوها بسُنَّتِها بإكمالِ الصَّداق، فإذا كانت مرغوبةً عنها في قلة
المالِ والجمال تَرَكوها والتمسوا غيرَها منَ النساءِ. قال فكما يترُكونها حينَ يرغبون عنها فليس لهم
أن يَنكِحوها إذا رَغبوا فيها إلا أن يُقسطوا لها الأوفى منَ الصَّداق ويَعطوها حقَّها».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: كان عروة بن الزبير) بن العوّام (يحدّث أنه سأل
عائشة رضي الله عنها) عن هذه الآية (﴿وإن﴾) ولأبي ذر: فإن بالفاء بدل الواو لفظ التلاوة (﴿خفتم أن
لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾) [النساء: ٣]. سقط قوله: ﴿من النساء﴾
لأبي ذر. (قال) أي عروة مخبرًا عن عائشة ولأبي ذر عن المستملي قالت عائشة: (هي اليتيمة في حجر
وليها) الذي يلي مالها (فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنّة نسائها) أي بأقل
من مهر مثلها من قراباتها (فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا) أي يعدلوا (لهنّ في إكمال الصداق)
بيان للإلحاق بسنّتها (وأمر بنكاح من سواهن) سوى اليتامى (من النساء. قالت عائشة: ثم استفتى
الناس رسول الله ◌َ و بعد) أي بعد نزول قوله تعالى: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى﴾ الآية
(فأنزل الله عز وجل: ﴿ويستفتونك﴾) أي يطلبون منك الفتوى ولأبي ذر: يستفتونك بحذف الواو
(﴿في النساء قل الله يفتيكم فيهن﴾) [النساء: ١٢٧]. (قالت) عائشة (فبين الله) عز وجل (في هذه)
وَلأبي ذر: في هذه الآية (أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها ولم) وللكشميهني:
أو لم (يلحقوها بسنّتها) بمهر مثلها من قراباتها (بإكمال الصداق فإذا كانت) أي اليتيمة (مرغوبة عنها
في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء قال فكما يتركونها حين يرغبون عنها) لقلة
مالها وجمالها (فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها) لمالها وجمالها (إلاّ أن يقسطوا لها) لذات الجمال
والمال المرغوب فيها (الأوفى من الصداق ويعطوها حقها) كاملاً.
وهذا الحديث سبق في باب شركة اليتيم وأهل الميراث، وتأتي إن شاء الله تعالى بقية مباحثه في
التفسير وغيره.
٢٥٤
کتاب الوصايا/ باب ٢٢
٢٢ - باب قولِ اللَّهِ تعالى:
﴿وابتلوا اليتامى حتّى إذا بلغوا النكاحَ فإنْ آنستُم منهم رُشْدًا فادفَعوا إليهم أموالَهم ولا
تَأْكلوها إسرافًا وبِدارًا أن يَكبّروا، ومَن كان غَنِيًّا فلْيَسْتَعِفِفْ، ومَن كان فَقيرًا فلْيَأْكُلْ بالمعروف، فإذا
دَفَعْتم إليهم أموالَهم فأشهدوا عليهم، وكفى باللّهِ حَسِيبًا. للرّجالِ نَصيبٌ مما تَرَكَ الوالِدانِ
والأقرَبونَ مما قلَّ منهُ أو كثُرَ نَصيبًا مَفروضًا﴾ [النساء: ٦و٧]. حَسِيبًا يعني كافيًا.
(باب قول الله تعالى) ولأبي ذر: عز وجل (﴿وابتلوا اليتامى﴾) أي اختبروهم في عقولهم
وأديانهم وحفظهم أموالهم (﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾) يعني الحلم بأن يروا في منامهم ما ينزل به الماء
الدافق أو يستكملوا خمس عشرة سنة (﴿فإن آنستم﴾) أبصرتم (﴿منهم رشدًا﴾) أي صلاحًا في دينهم
وحفظًا لأمواله (﴿فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها﴾) يا معاشر الأولياء والأوصياء (﴿إسرافًا﴾) بغير
حق (﴿وبدارًا﴾) ومبادرة وانتصبا على الحال أي مسرفين ومبادرين (﴿أن يكبروا﴾) أي حذارًا من أن
يكبروا أي يبلغوا فيلزمكم تسليم المال إليهم ثم بيّن ما يحل لهم فقال: (﴿ومن كان غنيًا فليستعفف﴾)
فليمتنع عن مال اليتيم فلا يرزؤه قليلاً ولا كثيرًا (﴿ومن كان فقيرًا﴾) إلى مال اليتيم وهو يحفظه
ويتعهده (﴿فليأكل بالمعروف﴾) بأجرة عمله (﴿فإذا دفعتم﴾) أيها الأوصياء (﴿إليهم﴾) إلى اليتامى
(﴿أموالهم فأشهدوا عليهم﴾) بعد بلوغهم الحلم وإيناس الرشد، والأمر للندب خوف الإنكار (﴿وکفی
بالله حسيبًا للرجال نصيب﴾) حظ (﴿مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان
والأقربون مما قلّ منه﴾) من المال (﴿أو كثر﴾) أي الجميع فيه سواء في حكم الله يستوون في أصل
الوراثة وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكلَّ منهم بما يدلي به إلى الميت من قرابة أو زوج أو ولاء
فإنه لُحُمة كلُحمة النسب (﴿نصيبًا مفروضًا﴾) أي مقدّرًا. [النساء: ٦ و٧]. وقال المؤلف مفسّرًا
لقوله: (حسيبًا يعني كافيًا) وسقط لأبي ذر لفظة يعني وقال غيره: محاسبًا ومجازيًّا وشاهدًا به، وقد
كان المشركون لا يورثون النساء ولا الصغار شيئًا فأنزل الله ذلك إبطالاً لفعلهم ثم بيّن تعالى مقادير ما
لكلِّ بقوله سبحانه وتعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١١] إلى
آخرها. وسياق ﴿وابتلوا اليتامى﴾ إلى آخر قوله: ﴿مفروضًا﴾ ثابت في رواية الأصيلي وكريمة.
وقال أبو ذر في روايته بعد قوله: ﴿فادفعوا إليهم أموالهم﴾ إلى قوله: ﴿مما قلّ منه أو كثر نصيبًا
مفروضًا﴾ كذا في الفرع. وقال في الفتح بعد قوله رشدًا.
باب وما للوَصيّ أن يَعْمَلَ
في مالِ اليتيم وما يأكلُ منهُ بقَدْرِ عُمالَتِهِ
(باب وما للوصي) سقط لأبي ذر لفظ باب ولفظ ما فصار وللوصي (أن يعمل في مال اليتيم
وما يأكل منه بقدر عمالته) بضم العين وتخفيف الميم أي بقدر حق سعيه وأجرة مثله، ومذهب
٢٥٥
کتاب الوصايا/ باب ٢٢
الشافعية أن يأخذ أقل الأمرين من أجرته ونفقته ولا يجب ردّه على الصحيح، وقال سعيد بن جبير
ومجاهد: إذا أكل ثم أيسر قضى. وعن ابن عباس إن كان ذهبًا أو فضة لم يجز له أن يأخذ منه شيئًا
إلا على سبيل القرض وإن كان غير ذلك جاز بقدر الحاجة.
٢٧٦٤ - حدثنا هارونُ بنُ الأشعَثِ حدَّثَنا أبو سعيدٍ مولى بني هاشم حدَّثَنَا صَخرُ بنُ جُوَيريةَ
عن نافعٍ عنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما ((أنَّ عمرَ تَصدَّقَ بمالٍ لهُ على عهَدِ رسول اللَّهِ وَلِ - وكان
يُقالُ لهُ ثَمغٌ، وكان نَخلاً - فقال عمرُ: يا رسولَ اللَّهِ إني استَقَدَتُ مالاً وهوَ عندي نفيسٌ فأرَدتُ أن
أَتَصدَّقَ بهِ، فقال النبيُّ وَّهِ: تَصدَّقْ بأصلهِ، لا يُباعُ ولا يوهَبُ ولا يُورث، ولكن يُنفَقُ ثمرَهُ.
فتصدَّقَ بهِ عمرُ، فصدَقَتُهُ تلك في سَبيلِ اللَّهِ وفي الرِّقابِ والمساكينِ والضَّيفِ وابنِ السبيلِ ولِذي
القُرْبى، ولا ◌ُناحَ على مَن وَلِيَهُ أن يأكلَ منهُ بالمعروف، أو يُؤكِلَ صَديقهُ غيرَ مُتموِّلٍ بِهِ)).
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (هارون بن الأشعث) بالشين المعجمة والعين
المهملة والمثلثة الهمداني الكوفي ثم البخاري ولم يخرج عنه المؤلف سوى هذا. وسقط لغير أبي ذر ابن
الأشعث قال: (حدّثنا أبو سعيد) بكسر العين عبد الرحمن بن عبد الله الحافظ (مولى بني هاشم)
قال: (حدّثنا صخر بن جويرية) بصاد مهملة مفتوحة فخاء معجمة ساكنة وجويرية بالجيم مصغرًا
البصري (عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن) أباه (عمر) بن الخطاب (تصدّق بمال له) أي
بأرض له فهو من إطلاق العام على الخاص (على عهد رسول الله ( #) أي زمنه (وكان يقال له) للمال
(ثمغ) بمثلثة مفتوحة فميم ساكنة فغين معجمة، وحكى المنذري فتح الميم أرض تلقاء المدينة كانت
لعمر (وكان نخلاً فقال عمر: يا رسول الله إني استفدت مالاً وهو عندي نفيس) أي جيد (فأردت أن
أتصدق به، فقال النبي (َّ):
(تصدق بأصله) بالجزم على الأمر (لا يباع ولا يوهب ولا يورث) هذا حكم الوقف ويخرج به
التمليك المحض (ولكن ينفق ثمره فتصدّق به عمر فصدقته ذلك) المذكور ولأبي ذر عن الكشميهني
تلك (في سبيل الله) الغزاة الذين لا رزق لهم في الفيء (وفي الرقاب) وفي الصرف في فكّ الرقاب
(والمساكين) الذين لا يملكون ما يقع موقعًا من كفايتهم (والضيف) الذي ينزل بالقوم للقرى (وابن
السبيل) المسافر (ولذي القربى) الشامل لجهة الأب والأم (ولا جناح) أي ولا إثم (على من وليه) ولي
التحدّث إليه (أن يأكل منه بالمعروف) بقدر أجرة عمله (أو يؤكل صديقه) بضم الياء وكسر الكاف
وصديقه نصب به أي يطعم صديقه منه حال كونه (غير متموّل به) أي بالمال الذي تصدّق به عمر
وهو الأرض. قاله الكرماني.
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن المقصود جواز أخذ الأجرة من مال اليتيم لقول عمر:
ولا جناح على من وليه أن يأكل منه بالمعروف.
٢٥٦
کتاب الوصايا/ باب ٢٣
٢٧٦٥ - حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إسماعيلَ حدَّثَنا أبو أُسامةَ عن هِشام عن أبيهِ عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ
عنها: ﴿وَمَن كان غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، ومَن كان فقيرًا فليأكلْ بالمعروف﴾ قالت: أُنزِلَت في والِي اليتيمِ
أن يُصِيبَ من ماله إذا كان مُحتاجًا بقَدْرِ مالِهِ بالمعروف)».
وبه قال: (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) بضم العين مصغرًا وكان اسمه عبد الله بالتكبير مع
الإضافة الهباري القرشي الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه)
عروة بن الزبير بن العوام (عن عائشة رضي الله عنها) في قوله تعالى: (﴿ومن كان غنيًا﴾) من
الأوصياء (﴿فليستعفف﴾) عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئًا (﴿ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف))
[النساء: ٦]. بقدر أجرة عمله (قالت) أي عائشة (أنزلت في والي اليتيم) ولأبي ذر عن المستملي في
مال اليتيم (أن يصيب من ماله إذا كان) الوالي (محتاجًا بقدر ماله) بكسر اللام في الموضعين أي مال
اليتيم (بالمعروف) بيان له ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني: أن يصيبوا أي الأولياء.
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا.
٢٣ - باب قول الله تعالى:
﴿إِنَّ الذين يأكلونَ أموالَ اليتامىُ ظُلمًا إنَّما يأكلونَ في بُطونِهم نارًا، وسيَصْلَونَ سَعیرًا﴾
[النساء: ١٠].
(باب قول الله تعالى): ولأبي ذر: عز وجل (﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا﴾)
حرامًا بغير حق (﴿إنما يأكلون في بطونهم نارًا﴾) أي ما يجر إلى النار فكأنه نار في الحقيقة
(﴿وسيصلون سعيرًا﴾﴾ [النساء: ١٠]. نارًا ذات لهب أي يقاسون شدتها وحرّها.
وفي حديث الإسراء المروي عند ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قلنا يا رسول الله ما
رأيت ليلة أسري بك؟ قال: ((انطلق بي إلى خلق من خلق الله رجال كل رجل له مشفر كمشفر البعير
موكل بهم رجال يفكون لحي أحدهم ثم يجاء بصخرة من نار فتقذف في في أحدهم حتى تخرج من
أسفله وله جؤار وصراخ. قلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى
ظلمًا».
٢٧٦٦ - حدثنا عبدُ العزيز بنُ عبدِ اللهِ قال: حدَّثَني سليمانُ بنُ بلالٍ عن ثورِ بنِ زَیدِ
المدَنيّ عن أبي الغَيثِ عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنهُ عنِ النبيِّ وَّرِ قال: ((اجتنبوا السَّبعَ الموبقات.
قالوا: يا رسولَ اللَّهِ وما هُنَّ؟ قال: الشّركُ باللّهِ، والسّخْرُ، وقَتْلُ النَّفسِ التي حَرَّمَ اللَّهُ إلاّ بالحقّ؛
وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليتيم، والتَّوَلِي يَومَ الزَّحفِ، وقَذفُ المُحصَناتِ المؤمِناتِ الغافِلاتِ».
[الحديث ٢٧٦٦ - طرفاه في: ٥٧٦٤، ٦٨٥٧].
٢٥٧
کتاب الوصايا/ باب ٢٤
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) القرشي الأويسي (قال: حدّثني) بالإفراد
(سليمان بن بلال) أبو أيوب القرشي التميمي (عن ثور بن زيد المدني) وسقط المدني لأبي ذر (عن أبي
الغيث) مرادف المطر واسمه سالم مولى ابن مطيع القرشي (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (وَلير)
أنه (قال):
(اجتنبوا السبع الموبقات) أي المهلكات (قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال): أحدها (الشرك
بالله)، بأن يتخذ معه إله غيره (و) الثاني (السحر)، وهو لغة صرف الشيء عن وجهه وتأتي مباحثه
إن شاء الله تعالى في كتاب الطب بعون الله وقوّته (و) الثالث (قتل النفس التي حرّم الله) قتلها (إلا
بالحق، و) الرابع (أكل الربا)، وهو لغة الزيادة (و) الخامس (أكل مال اليتيم)، الذي مات أبوه وهو
دون البلوغ (و) السادس (التولي يوم الزحف) أي الفرار عن القتال يوم ازدحام الطائفتين (و) السابع
(قذف المحصنات) بفتح الصاد اسم مفعول اللاتي أحصنهن الله تعالى وحفظهن من الزنا (المؤمنات)
احترز به عن قذف الكافرات (الغافلات). بالغين المعجمة والفاء أي عما نسب إليهن من الزنا
والتنصيص على عدد لا ينافي أزيد منه في غير هذا الحديث كالزنا بحليلة الجار وعقوق الوالدين
واليمين الغموس وغير ذلك مما سيأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وفضله.
وهذا الحديث رواته كلهم مدنيون، وأخرجه أيضًا في الطب والمحاربين، ومسلم في الإيمان،
وأبو داود في الوصايا، والنسائي فيه وفي التفسير.
٢٤ - باب
﴿وَيَسألونَكَ عنِ اليَتامىُ، قَلْ إصلاحٌ لهم خَيرٌ، وإن تُخالِطوهم فإخوانُكم، واللَّهُ يَعْلَمُ
المفسِدَ منَ المصلِح، ولو شاءَ اللَّهُ لأعنتَكم، إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حكيم﴾ [البقرة: ٢٢٠]. لأعنتكم:
لأحرَجَكم وضَيَّق عليكم. وعَنَتْ: خَضَعَت.
(باب قول الله تعالى: ﴿ويسألونك﴾) وسقط لأبي ذر لفظ قول الله تعالى والواو من ويسألونك
(﴿عن اليتامى﴾) قال ابن عباس فيما رواه ابن جرير بسنده وأبو داود والنسائي والحاكم: لما نزلت:
﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ [الأنعام: ١٥٢] و﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى
ظلمًا﴾ [النساء: ١٠] الآية. انطلق: من كان عنده يتيم يعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه
لرسول الله وَّر، فأنزل تعالى ﴿ويسألونك عن اليتامى﴾ (﴿قل إصلاح لهم﴾) أي الإصلاح
لأموالهم من غير أجرة ولا عوض ((خير﴾) أعظم أجرًا (﴿وإن تخالطوهم﴾) تشاركوهم في
أموالهم وتخلطوها بأموالكم فتصيبوا من أموالهم عوضًا من قيامكم بأمورهم (﴿فإخوانكم﴾) فهم
إخوانكم والإخوان يعين بعضهم بعضًا ويصيب بعضهم من مال بعض (﴿والله يعلم المفسد﴾)
لأموالهم (﴿من المصلح﴾) لها يعني الذي يقصد بالمخالطة الخيانة وإفساد مال اليتيم وإكله بغير حق
إرشاد الساري/ ج ٦/ م ١٧
٢٥٨
کتاب الوصايا/ باب ٢٤
من الذي يقصد الإصلاح (﴿ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز﴾) في ملكه (﴿حكيم))
[البقرة: ٢٢٠] فيما أمر به.
قال البخاري مفسّرًا لقوله تعالى: (لأعنتكم) أي: (لأحرجكم وضيق عليكم) وسقط لفظ
عليكم من اليونينية وثبت في فرعها، وهذا تفسير ابن عباس فيما أخرجه ابن المنذر وزاد ولكنه وسع
ويسر (وعنت) أي: (خضعت). كذا أورده المؤلف وعورض بأنه لا تعلق له بلأعنتكم لأنه من العنوّ
بضم العين المهملة والنون وتشديد الواو وليس هو من العنت في شيء، وأجيب: بأنه أوردها
استطرادًا.
٢٧٦٧ - وقال لنا سُلَيمانُ بنُ حربٍ حدَّثَنا حمّادٌ عن أيوبَ عن نافعٍ قال: ما ردّ ابنُ عمرَ
على أحدٍ وَصِيَّتَهُ. وكان ابنُ سِيرِينَ أحبّ الأشياءِ إليهِ في مالِ اليتيم أن يَجتمعَ إليهِ نُصَحاؤهُ وأولياؤهُ
فيَنْظُرُوا الذي هوَ خَيرٌ له. وكان طاوُسٌ إذا سُئلَ عن شيءٍ مِن أمرِ اليتامى قرأ: ﴿واللَّهُ يَعلمُ
المُفْسِدَ منَ المصلِحِ﴾. وقال عَطاءٌ في يتامى الصغيرِ والكبيرِ: يُنفِقُ الوَليُّ على كلِّ إنسانٍ بقَدْرِهِ مِن
حصَّتهِ .
قال البخاري: (وقال لنا سليمان) بن حرب الواشحي (حدثنا حماد) أبو أسامة بن أسامة (عن
أيوب) السختياني (عن نافع) مولى ابن عمر أنه (قال: ما ردّ ابن عمر على أحد وصيته) يبتغي بذلك
الأجر لحديث ((أنا وكافل اليتيم كهاتين)) نعم يكره الدخول في الوصايا عند خشية التهمة أو الضعف
عن القيام بحقها. وقول سليمان هذا قال ابن حجر: إنه موصول، وقال الكرماني وقال بلفظ قال
لأنه لم يذكره على سبيل النقل والتحمل، وتعقب العيني ابن حجر فقال: كيف يكون موصولاً وليس
فيه لفظ من الألفاظ الدالة على الاتصال من التحديث والإخبار والسماع والعنعنة؟ فالذي قاله
الكرماني هو الأظهر.
(وكان ابن سيرين) محمد (أحب الأشياء إليه في مال اليتيم) بنصب أحب، ولأبي ذر: أحب
بالرفع مبتدأ وخبره (أن يجتمع إليه) وسقط لفظ إليه عند أبي ذر ولأبي ذر عن الكشميهني أن يخرج
إليه (نصحاؤه) بضم النون جمع ناصح (وأولياؤه فينظروا الذي هو خير له) وفي الأصل المقروء على
الميدومي فينظرون بالنون أي فهم ينظرون وهذا التعليق. قال ابن حجر: لم أقف عليه موصولاً.
(وكان طاوس) هو ابن كيسان اليماني مما وصله سفيان بن عيينة في تفسيره (إذا سئل عن شيء
من أمر اليتامى قرأ) قوله تعالى: (﴿والله يعلم المفسد﴾) لأموال اليتامى (﴿من المصلح﴾) لها.
(وقال عطاء): هو ابن أبي رباح مما وصله ابن أبي شيبة (في يتامى الصغير والكبير) بالجر فيهما
على البدل مما قبلهما ولأبي ذر الصغير والكبير بالرفع أي الوضيع والشريف (ينفق الولي) ولأبي ذر
عن المستملي الوالي (على كل إنسان) منهما (بقدره) بقدر الإنسان اللائق بحاله (من حصته).
٢٥٩
کتاب الوصايا/ باب ٢٥ و٢٦
٢٥ - باب استخدام اليتيم في السّفر
والحَضَرِ إذا كان صَلاحًا لهُ. ونَظرِ الأمّ أو زَوجها لليتيم
(باب) حكم (استخدام اليتيم في السفر والحضر إذا كان) الاستخدام (صلاحًا له) فيهما
(و) حكم (نظر الأم أو) نظر (زوجها لليتيم) وإن لم يكونا وصيّين.
٢٧٦٨ - حدثنا يَعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ كثيرٍ حدَّثَنَا ابنُ عُلَيَّةَ حدَّثَنَا عبدُ العزيزِ عن أنسٍ رضي
اللَّهُ عنه قال: ((قَدِمَ رسولُ اللَّهِ وَهِ المدينةَ ليسَ لهُ خادِمٌ، فأخذَ أبو طلحةً بيدِي فانطَلَقَ بي إلى
رسولِ اللَّهِ وَ﴿ فقال: يا رسولَ اللَّهِ إن أنسًا غُلامٌ كَيسٌ فَلْيَخْدُمْكَ، قال: فخدَمتُهُ في السفَر
والحضَر، ما قال لي لشيءٍ صَنَعتُهُ لِمَ صَنعتَ هذا هكذا؟ ولا لشيءٍ لَمْ أصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تصنَعْ هذا
هكذا)»؟ [الحديث ٢٧٦٨ - طرفاه في: ٦٠٣٨، ٦٩١١].
وبه قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير) بالمثلثة الدورقي قال: (حدّثنا ابن علية) بضم
العين المهملة وفتح اللام وتشديد التحتية اسم أم إسماعيل بن إبراهيم قال: (حدّثنا عبد العزيز) بن
صهيب (عن أنس رضي الله عنه) أنه (قال: قدم رسول الله ◌َفي المدينة ليس له خادم فأخذ أبو طلحة)
زيد بن سهل الأنصاري زوج أم سليم والدة أنس (بيدي فانطلق بي إلى رسول الله # فقال: يا
رسول الله إن أنسًا غلام كيّس) بفتح اللام وبعد التحتية المشددة المكسورة سين مهملة عاقل أو غير
أحمق (فليخدمك) بسكون اللام والجزم على الأمر (قال) أنس: (فخدمته) عليه الصلاة والسلام (في
السفر والحضر ما قال لي لشيء صنعته لم صنعت هذا هكذا ولا لشيء لم أصنعه لِمَ لَمْ تصنع هذا
هكذا)؟ وهذا من محاسن أخلاقه العظيمة.
ومطابقة الحديث للترجمة في السفر والحضر من قوله فخدمته في السفر والحضر وفي قوله
ونظر الأم من جهة أن أبا طلحة لم يفعل ذلك إلا بعد رضا أم سليم، وفي قوله وزوجها من قوله
فأخذ أبو طلحة بيدي إلى آخره.
ورواة الحديث كلهم بصريون وأخرجه البخاري أيضًا في الديّات ومسلم في فضائل
النبي آلد .
٢٦ - باب إذا وقفَ أرضًا ولم يُبَيِّنِ الحدودَ فهو جائز، وكذلكَ الصدقة
هذا (باب) بالتنوين (إذا وقف) شخص (أرضًا و) الحال أنه (لم يبين الحدود) التي لها (فهو
جائز) إذا كانت الأرض مشهورة متميزة بحيث لا تلتبس بغيرها (وكذلك الصدقة) أي الوقف بلفظ
الصدقة .
١
٢٦٠
کتاب الوصايا/ باب ٢٦
٢٧٦٩ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسلمةَ عن مالكِ عن إسحقَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي طلحةَ أنهُ
سمعَ أنسَ بن مالكِ رضيَ اللَّهُ عنهُ يقول: كان أبو طلحةً أكثرَ الأنصارِ بالمدينةِ مالاً مِن نَخلٍ،
وكان أحبّ مالهِ إليهِ بيرحاء مستقبلةَ المسجدِ، وكان النبيُّ وَلَهِ يَدخُلها ويشرَبُ من ماءٍ فيها طيِّبٍ،
قال أنسٌ: فلمّا نزَلَت: ﴿لن تَنالوا البِرَّ حتّى تُنفِقوا مما تُحبُّون﴾ قام أبو طلحةَ فقال: يا رسول اللَّهِ
إِنَّ اللَّهَ يقول: ﴿لَن تَنالوا البِرَّ حتّى تُنفِقوا مما تُحبُّون﴾ وإنَّ أحبّ أموالي إليَّ بيرحاءُ، وإنها صدقةٌ
للَّهِ أرجو بِرَّها وذخرَها عندَ اللَّهِ، فضَعْها حيثُ أراك الله، فقال: بَخْ، ذُلكَ مالٌ رابحْ - أو رايح،
شكَّ ابنُ مَسلمةَ - وقد سمِعتُ ما قلتَ، وإني أرى أن تَجعلَها في الأقرَبينَ. قال أبو طلحةَ: أفعَلُ
ذلكَ يا رسولَ اللَّهِ. فقسَمَها أبو طلحةً في أقاربهِ وبني عمه)».
وقال إسماعيلُ وعبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ ويحيى بنُ يحيى عن مالكِ ((رايحْ)).
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن إسحلق بن عبد الله بن
أبي طلحة) الأنصاري (أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: كان أبو طلحة) الأنصاري
(أكثر أنصاري) أي أكثر كل واحد من الأنصار. قال الكرماني: إذا أريد التفضيل أضيف إلى المفرد
النكرة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أكثر الأنصار (بالمدينة مالاً) نصب على التمييز (من نخل)
حرف الجر للبيان (وكان أحب ماله إليه بيرحاء) بفتح الموحدة وكسرها وسكون التحتية وضم الراء
وفتحها آخره همزة مصروف وغير مصروف، وعند أبي ذر بالقصر من غير همز. قال في المشارق:
ورواية الأندلسيين والمغاربة بضم الراء في الرفع وفتحها في النصب وكسرها في الجر مع الإضافة إلى
حاء وحاء على لفظ الحاء من حروف المعجم، وكذا وجدته بخط الأصيلي. قال الباجي: وأنكر أبو
ذر الضم والإعراب في الراء وقال إنما هي بفتح الراء في كل حال. قال الباجي: وعليه أدركت
أهل العلم بالمشرق وقال لي أبو عبد الله الصوري إنما هي بفتح الباء والراء في كل حال واختلف في
حاء هل هي اسم رجل أو امرأة أو مكان أضيفت إليه البئر أو كلمة زجر للإبل فكأن الإبل كانت
ترعى هناك وتزجر بهذه اللفظة فأضيفت البئر إلى اللفظة المذكورة (مستقبلة المسجد، وكان النبي ◌َّ
يدخلها) زاد عبد العزيز ويستظل فيها (ويشرب من ماء فيها طيب قال أنس: فلما نزلت ﴿لن تنالوا
البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢] قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله إن الله) عز وجل
(يقول ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وإن أحب أموالي إلي بيرحاء) بفتح الموحدة وكسرها
وسكون التحتية وفتح الراء وضمها آخره همزة مصروف ولأبي ذر غير مصروف (وإنها صدقة لله
أرجو برّها وذخرها عند الله فضعها حيث أراك الله فقال) عليه الصلاة والسلام:
(بخ) بفتح الموحدة وسكون المعجمة من غير تكرير ومعناه تفخيم الأمر والإعجاب به (ذلك
مال رابح) بالموحدة (أو رايح) بالتحتية (شك ابن مسلمة) عبد الله القعنبي (وقد سمعت ما قلت وإني
أرى أن تجعلها في الأقربين قال) ولأبي ذر فقال (أبو طلحة أفعل ذلك يا رسول الله) بضم لام