النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
کتاب الشهادات/ باب ١٢
وامرأتان أو فليشهد رجل وامرأتان لأن المأمور هم المخاطبون لا الشهداء انتهى. وهذا مخصوص
بالأموال عندنا وبما عدا الحدود والقصاص عند الحنفية.
٢٦٥٨ - حدثنا ابنُ أبي مريمَ أخبرنا محمدُ بنُ جَعفرٍ قال: أخبرني زيدٌ عن عِياضٍ بنِ
عبدِ اللَّهِ عن أبي سعيدِ الخُدريِّ رضيَ اللهُ عنه عن النبيِّ وَّهِ أنه قال: ((أليسَ شهادةُ المرأةِ مثلَ
نصفٍ شهادةِ الرجُل؟ قلنَ بَلى. قال: فذلك مِن نُقصانٍ عقلِها)).
وبه قال: (حدّثنا ابن أبي مريم) سعيد الجمحي قال: (أخبرنا محمد بن جعفر) هو ابن أبي كثير
(قال: أخبرني) بالإفراد (زيد) هو ابن أسلم (عن عياض بن عبد الله) بن سعد بن أبي سرح بفتح
المهملة وسكون الراء بعدها حاء مهملة القرشي العامري المكي (عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه)
وسقط لأبي ذر الخدري (عن النبي ◌َّفي أنه قال):
(أليس) ولأبي ذر: قال النبي وَلقر أليس (شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل) لقوله تعالى
فرجل وامرأتان (قلنا) بالألف بعد النون، ولأبي ذر: قلن (بلى قال): (فذلك) بكسر الكاف (من
نقصان عقلها) لأن الاستظهار بأخرى يؤذن بقلة ضبطها وهو يُشعِر بقلة عقلها وهذا موضع الترجمة.
وأنواع الشهادات سبعة.
ما يقبل فيه شاهد واحد وهو رؤية هلال رمضان لحديث ابن عمر أخبرت النبي وَ * فصام
وأمر الناس بصيامه. رواه أبو داود وابن حبان.
وما يقبل فيه شاهد ويمين في الأموال خاصة لحديث مسلم وغيره عن ابن عباس رضي الله
عنهما.
وما يقبل فيه شاهد وامرأتان فى الأموال وعيوب النساء خاصة.
وما يقبل فيه شاهدان في الحدود والنكاح والقصاص لما روى مالك عن الزهري مضت السُّنّة
أنه لا يجوز شهادة النساء في الحدود ولا في النكاح والطلاق وقيس بالثلاثة ما في معناها كقصاص
ورجعة وإسلام وردّة وجرح وتعديل وموت وإعسار.
وما يقبل فيه شاهدان ويمين وهو في مسائل: دعوى ردّ المبيع بالعيب، ودعوى البكر أو
الثّب العنة على الزوج ودعوى الجراحة في عضو باطن ادّعى الخصم أنه غير سليم، ودعوى إعسار
نفسه إذا عهد له مال، وعلى الغائب والميت وولّ الصغير والمجنون، وفيما إذا قال لامرأته: أنت
طالق أمس، ثم قال: أردت أنها طالق من غيري فيقيم في هذه الصورة البيّنة بما اذّعاه، ويحلف
معها طلبًا للاستظهار والمراد بالمحلوف في الأولى قدم العيب وفي الثانية عدم الوطء.

١٠٢
كتاب الشهادات/ باب ١٣
وما يقبل فيه أربعة من الرجال في الشهادة على الزنا. نعم يكفي في الشهادة على الإقرار به
اثنان. وأجاز الكوفيون شهادة النساء في النكاح والطلاق والنسب والولاء، واختلف فيما لا يطّلع
عليه الرجال هل يكفي فيه امرأة واحدة؟ فعند الجمهور لا بدّ من أربع وعن مالك تكفي شهادة
البعض، وقال الحنفية، تجوز شهادتها وحدها.
وهذا الحديث قد مرّ بأتمّ من هذا في كتاب الحيض.
١٣ - باب شهادة الإماءِ والعبيدِ
وقال أنسٌ: شهادةُ العبدِ جائزةٌ إذا كان عدلاً. وأجازه شُرَيحْ وزُرارةُ بنُ أوفى.
وقال ابنُ سيرينَ: شهادته جائزةٌ إلاّ العبد لسيدهِ. وأجازهُ الحسنُ وإبراهيمُ في الشيءِ التافهِ.
وقال شُرَيحْ: كلّكم بنو عَبيدٍ وإماءٍ.
(باب) حكم (شهادة الإماء والعبيد) أي في حال الرقّ. (وقال أنس) فيما وصله ابن أبي شيبة
من رواية المختار بن فلفل (شهادة العبد) الرقيق (جائز إذا كان عدلاً، وأجازه) أي حكم شهادة العبد
(شريح) القاضي فيما وصله ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور في الشيء اليسير إذا كان مرضيًا وعنه
جوازها إلا لسيده (و) أجازه أيضًا (زرارة بن أوفى) قاضي البصرة. (وقال ابن سيرين) محمد مما
وصله عبد الله بن الإمام أحمد (شهادته) يعني العبد (جائزة إلا العبد لسيده، وأجازه) أي حكم
شهادة العبد (الحسن) البصري (وإبراهيم) النخعي فيما وصله ابن أبي شيبة عنهما من طريقين (في
الشيء التافه) بالمثناة الفوقية وكسر الفاء الحقير، (وقال شريح) القاضي مما وصله ابن أبي شيبة أيضًا
(كلكم بنو عبيد وإماء) ولابن السكن كلكم عبيد وإماء فأسقط بنو وهذا قاله: لما شهد عنده عبد
وأجاز شهادته فقيل: إنه عبد واتفق الأئمة الثلاثة على عدم قبول شهادة العبد مطلقًا لأنه ناقص الحال
قليل المبالاة فلا يصلح لهذه الأمانة، وقال الحنابلة واللفظ للمرداوي في تنقيحه: وتقبل شهادة عبد
حتى في حدّ وقود نصًّا وعنه لا تقبل فيهما وهي أشهر.
٢٦٥٩ - حدثنا أبو عاصمٍ عنِ ابنِ جُرَيجِ عنِ ابنِ أبي مُلَيكةً عن عُقبةَ بنِ الحارثِ ح.
وحدثنا عليّ بنُ عبدِ اللَّهِ حدَّثَنا يحيى بنُ سعيدٍ عن ابنِ جُرَيجِ قال: سمعتُ ابنَ أبي مُلَيكةً
قال: حدَّثني عُقبةُ بنُ الحارث أو سمعتهُ منه: ((أنهُ تَزوَّجَ أمّ يَحيى بنتَ أبي إهابٍ، قال: فجاءت
أمةٌ سَوداءُ فقالت: قد أرضَعتُكما. فذكرتُ ذُلكَ للنبيِّ وَ ل﴿ فَأعرَضَ عني، قال: فَتَنخَّيتُ فذكرتُ
ذُلكَ له، قال: وكيفَ وقد زعَمتْ أنها قد أرضعَتكما. فنهاهُ عنها)).

١٠٣
كتاب الشهادات/ باب ١٤
وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز
(عن ابن أبي مليكة) عبد الله (عن عقبة بن الحرث) بن عامر بن نوفل بن عبد مناف النوفلي المكي
الصحابي من مسلمة الفتح وبقي إلى بعد الخمسين (ح) للتحويل.
قال المؤلف بالسند: (وحدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان
(عن ابن جريج) عبد الملك أنه (قال سمعت ابن أبي مليكة) عبد الله (قال: حدّثني) بالإفراد
(عقبة بن الحرث) وسقط في بعض النسخ من قوله وحدّثنا علي إلى آخر قوله عقبة بن الحرث (أو
سمعته منه أنه تزوّج أم يحيى) غنية أو زينب (بنت أبي إهاب) بكسر الهمزة (قال: فجاءت أمة
سوداء) لم تسم (فقالت قد أرضعتكما) تعني عقبة والتي تزوجها قال عقبة (فذكرت ذلك) الذي قالته
الأمة (للنبي وَر فأعرض عني، قال: فتنحيت) أي من تلك الناحية إلى قبل وجهه (فذكرت ذلك)
الذي قالته (له) عليه الصلاة والسلام (قال):
(وكيف) خبر مبتدأ محذوف أي كيف ذلك أو كيف بقاء الزوجية (و) الحال أن (قد زعمت)
أي قالت الأمة (أنها) وللحموي والمستملي: أن (قد أرضعتكما فنهاه عنها) وهو يقتضي فراقها بقول
الأمة المذكورة فلو لم تكن شهادتها مقبولة ما عمل بها. وأجيب: بأن في بعض طرق الحديث فجاءت
مولاة لأهل مكة وهو لفظ يطلق على الحرة التي عليها الولاء فلا دلالة على أنه كانت رقيقة، وتعقب
بأن رواية حديث الباب فيها التصريح بأنها أمة فتعين أنها ليست بحرّة وقد قال ابن دقيق العيد: إن
أخذنا بظاهر حديث الباب فلا بدّ من القول بشهادة الأمة، وتعقبه بعضهم فيما ادعاه من لزوم
شهادة الأمة بأنه ورد في النكاح عند البخاري بلفظ: فجاءتنا امرأة سوداء، وفي الباب اللاحق
فجاءت امرأة فلم يقيد بالأمة. وأجيب: بأن مجيء رواية بوصف يجب أن يكون بيانًا لرواية الإطلاق
فتبين أن المراد الأمة اللهمَّ إلا أن يدّعي أنه أطلق عليها أمة مجازًا باعتبار ما كانت عليه، وإنما هي
حرة بدليل قوله في الحديث: مولاة لأهل مكة فإذن ليس هذا من شهادة الإماء في شيء على أنه لم
يعمل بشهادتها في حديث البخاري، وإنما دله عليه الصلاة والسلام على طريق الورع.
١٤ - باب شهادةِ المُرضِعة
(باب شهادة المرضعة).
٢٦٦٠ - حقثنا أبو عاصم عن عمرَ بنِ سعيدٍ عنِ ابن أبي مُلَيكةَ عن عُقبةَ بن الحارثِ قال:
((تَزْوَّجْتُ امرأةٌ، فجاءتِ امرأةٌ فقالت: إني قد أرضعتُكما، فأتيتُ النبيَّ نَّهِ فقال: وكيفَ وقد قِيلَ؟
دغها عنك. أو نحوَه)).
وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد (عن عمر بن سعيد) بكسر العين وعمر بضم
العين ابن حسين النوفلي القرشي المكي (عن ابن أبي مليكة) عبد الله (عن عقبة بن الحرث) النوفلي أنه

١٠٤
کتاب الشهادات/ باب ١٥
(قال: تزوجت امرأة) هي أم يحيى بنت أبي إهاب كما في الأخرى (فجاءت امرأة) لم يقل أمة فالأولى
مقيدة لهذه وقد مرّ ما في ذلك قريبًا (فقالت: إني قد أرضعتكما) زاد المؤلف في العلم من طريق
عمر بن سعيد عن أبي حسين عن ابن أبي مليكة ما أرضعتني ولا أخبرتني يعني بذلك قبل التزوج
(فأتيت النبي وَّه) وفي العلم فركب إلى رسول الله وَ لتر بالمدينة فسأله (فقال) عليه الصلاة والسلام:
(وكيف وقد قيل دعها) اتركها (عنك أو نحوه) احتج به من قبل شهادة المرضعة وحدها،
وأجاب الجمهور بحمل النهي في قوله في السابقة فنهاه عنها على التنزيه والأمر في قوله في هذا
دعها عنك على الإرشاد.
(حديث الإفك) هذا ساقط عند أبي الوقت.
١٥ - باب تعديلِ النساءِ بعضهِنَّ بعضًا
(باب تعديل النساء بعضهن بعضًا).
٢٦٦١ - حدثنا أبو الرَّبيع سُليمانُ بنُ داودَ - وأفهَمني بعضَهُ أحمدُ - حدَّثَنَا فُلِيحُ بنُ سليمانَ
عنِ ابنِ شهاب الزُّهريّ عن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ وسعيدِ بنِ المسيَّبِ وعَلقمةَ بنِ وقّاص الليثيّ
وعُبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ بن عتبةَ عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها زوجِ النبيِّ ◌ََّ حِينَ قال لها أهلُ الإفكِ
ما قالوا فبرَّأها اللَّهُ منه. قال الزَّهريَّ وكلُّهم حدَّثني طائفةٌ من حَديثها - وبعضُهم أوعى مِن بعضٍ
وأثبتُ له اقتِصاصًا - وقد وعَيتُ عن كلِّ واحدٍ منهم الحديثَ الذي حدِّثني عن عائشة، وبعضُ
جَديثهم يُصدّقُ بعضًا. زعموا أن عائشةَ قالت: ((كان رسول اللَّهِ وَّهَ إذا أراد أن يَخرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ
بينَ أزواجهِ، فَأَيَّتُهُن خرِجَ سَهمُها خرَجَ بها معِه. فأقرَعَ بينَنا في غُزاةٍ فَخَرَجَ سَهمي فخرجتُ معه
بِعَد ما أُنزِلَ الحِجَاب، فأنا أُحمَلُ في هَودَج وأُنزّلُ فيه. فسِرنا حتى إذا فرَغَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ مِن
غَزِوَتِهِ تلك وقَفَلَ ودَنَونا منَ المدينةِ آذَنَ ليلَةً بالرَّحيلِ، فقُمتُ حينَ آذنُوا بالرحيلِ فمشَيتُ حتَّى
جاوَزتُ الجيشَ، فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى الرَّحْلِ فلمَسْتُ صَدرِي، فإذا عِقدٌ لي من جَزْعِ
أظفارٍ قد انقطعَ، فرجَعتُ فالتمستُ عِقدي، فحبسَني ابتِغاؤه. فأقبلَ الذينَ يَرحَلونَ لي فاحتَملوا
هَودَجي فرَحَلوهُ على بعيري الذي كنتُ أركبُ وهم يحسِبونَ أني فيه، وكان النساءُ إذ ذاكَ خِفافًا لم
يَثْقُلْنَ ولم يَغْشَهُنَّ اللحمُ، وإنما يأكُلنَ العُلْقةَ منَ الطعام، فلم يستنكِرِ القومُ حينَ رَفعوهُ ثِقَلَ الهودج
فاحتملوه، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنَّ، فبعثوا الجملَ وساروا، فوجدتُ عِقدي بعدَ ما استمرَّ
الجيشُ، فجئتُ مَنزِلَهم وليس فيه أحد، فأمَمتُ منزِلي الذي كنتُ بهِ فظَننتُ أنهم سيَفْقِدونَني
فيَرجِعونَ إليَّ. فبينا أنا جالسةٌ غلبَتْني عَينايَ فيِمت، وكان صَفْوانُ بنُ المُعطِّل السُّلَميُّ ثم الذَّكْوانِيّ

١٠٥
کتاب الشهادات/ باب ١٥
مِن وراءِ الجيشِ، فأصبحَ عندَ مَنزلي، فرأى سَوادَ إنسانٍ نائم، فأتاني، وكان يراني قبلَ الحجابِ،
فاستيقظتُ باستِزْجاعهِ حتّى أناخَ راحلتَه فوَطىءَ يدَها فركِبتُها، فانطلقَ يَقودُ بي الراحلةَ حتّى أَتَينا
الجيشَ بعدَما نزّلوا مُعرِّسينَ في نحرِ الظهيرةِ، فَهَلكَ مَن هَلك. وكانَ الذي تَولَّى الإفكَ
عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيّ ابن سَلولَ. فَقَدِمنا المدينةَ فاشتكيتُ بها شَهرًا، والناسُ يُفيضونَ مِن قولِ أصحاب
الإفك، ويَرِيبُني في وَجَعي أني لا أرىُ منَ النبيِّ نَّ اللطفَ الذي كنتُ أَرَى منهُ حينَ أمرَضُ، إنما
يَدخلُ فَيُسلّم ثمّ يقول: كيفَ تِيكُم؟ لا أشعُرُ بشيءٍ من ذُلكَ حتّى نَقَهْتُ، فخرجتُ أنا وأُمُّ مِسْطَحِ
قِبَلَ المناصِعِ مُتَبرَّزِنا، لا نخرُجُ إلاّ ليلاً إلى ليل، وذلكَ قبلَ أن نتَّخِذ الكُنُفَ قَريبًا من بيوتِنا،
وأمرُنا أمرُ العَرَبِ الأُوَّلِ في البرِيةِ أو في الشَّنزّه. فأقبلتُ أنا وأُمُّ مِسْطحٍ بنتُ أبي رُهمٍ نَمْشِي،
فَعَثْرَتْ في مِرطِها فقالتْ: تَعِسَ مِسطَحْ. فقلتُ لها: بئسَ ما قلتِ، أتسُبِينَ رجلاً شهدَ بَدرًا؟
فقالت: يا هَنتاهُ، ألم تَسمعي ما قالوا؟ فأخبرَتْني بقولِ أهلِ الإفكِ، فازدَدْتُ مرَضًا على مَرضي.
فلما رجَعتُ إلى بيتي دَخلَ عليَّ رسولُ اللَّهِ وَل﴿ فسلَّمَ فقال: كيفَ تِيكم؟ فقلتُ: ائذَنْ لي إلى
أبَويَّ - قالت: وأنا حينئذٍ أُريدُ أن أستيقنَ الخبر من قِبَلِهما - فأذِنَ لي رسولُ اللَّهِ وَلَّ، فأتيتُ
أبَوَيَّ، فقُلتُ لأمي: ما يتحدَّث به الناسُ؟ فقالت: يا بُنِيةُ، هَوِّني على نَفسِكِ الشأنَ، فواللَّهِ لقلّما
كانتِ امرأةٌ قطُ وَضيئةٌ عندَ رَجُلٍ يُحِبُّها ولها ضَرائرُ إلاّ أكثَزْنَ عليها. فقلتُ: سُبحانَ اللَّه، ولقد
يَتحدَّثُ الناسُ بهذا؟ قالت: فبِتُ تلكَ الليلةَ حتّى أصبحتُ لا يَرقأُ لي دَمعٌ ولا أكتَحِلُ بنَومِ. ثمَّ
أصبحتُ، فدعا رسولُ اللَّهِ وَلهَ عليّ بن أبي طالبٍ وأُسامةَ بنَ زيدٍ حينَ استَلْبَثَ الوَحيُّ يَستشِيرُهما
في فراقٍ أهلهِ، فأما أسامةُ فأشار عليهِ بالذي يَعلمُ في نفسهِ منَ الوُدِّ لهم، فقال أُسامةُ: أهلُكَ يا
رسولَ اللَّهِ ولا نَعلمُ واللَّهِ إلاّ خَيرًا. وأما عليّ بنُ أبي طالبٍ فقال: يا رسولَ اللَّهِ لم يُضيِّقِ اللَّهُ
عليكَ، والنساءُ سِواها كثيرٌ، وسَلِ الجاريةَ تَصْدُقْكَ. فَدَعا رسولُ اللَّهِ وَهَ بَرِيرةَ فقال: يا بَرِيرةُ هل
رأيتِ فيها شيئًا يَرِيبُكِ؟ فقالت بَريرةُ: لا والذي بَعثَكَ بالحقّ، إنْ رأيتُ منها أمرًا أغمِصهُ عليها قطُ
أكثرَ مِن أنها جاريةٌ حديثةُ السنُّ تنامُ عنِ العَجينِ فتأتي الداجنُ فتأكله. فقام رسول اللَّهِ بَّر من يومهِ
فاستعذرَ مِن عبدِ اللَّهِ بن أُبيِّ بن سَلولَ، فقال رسولُ اللَّهِ وََّ: مَن يَعذُرُني من رجلٍ بَلغني أذاهُ في
أهلي، فواللهِ ما علمتُ على أهلي إلّ خيرًا، وقد ذكروا رجُلاً ما علمتُ عليهِ إلاّ خيرًا، وما كان
يَدخلُ على أهلي إلاّ معي. فقام سعدُ بنُ مُعاذٍ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، واللَّهِ أنا أعذرُكَ منه، إن كان
مِنَ الأوسِ ضرّبْنا عُنقه، وإن كان من إخواننا منَ الخَزْرَج أمرْتَنا ففعلنا فيه أمرَك. فقام سعدُ بنُ
عُبادةً وهو سيدُ الخَزْرَجِ - وكان قبلَ ذُلكَ رجُلاً صالحًا، ولكنِ احتَمَلَتْهُ الحَميةُ - فقال: كذَبتَ
لِعَمْرُ اللّه، واللَّهِ لا تَقْتُلَهُ ولا تَقدِرُ على ذلك. فقامَ أُسَيدُ بنُ الحُضَير فقال كَذَبتَ لعَمرُ اللَّه، واللَّهِ

١٠٦
کتاب الشهادات/ باب ١٥
لنقتلنَّهُ، فإنّك مُنافِقٌ تُجادِلُ عنِ المافقينَ. فثار الحيّانِ الأوسُ والخَزْرَجُ حتى هَمُوا، ورسولُ
اللَّهِ وَّهِ على المنبرِ. فنزَل فخفّضَهم حتى سكتوا وسَكَتَ. وبَكَيتُ يومي لا يَرْقَأُ لي دمعٌ، ولا
أكتحِلُ بنَوم، فأصبحَ عندي أبُوايَ وقد بَكَيت لَيلَتي ويومًا حتى أظُنُّ أنَّ البكاءَ فالقٌ كبِدي. قالت:
فَبَينا هما جالسانِ عندي وأنا أبكي إذ استأذنَتِ امرأةٌ منَ الأنصارِ فأذِنْتُ لها فجلَسَتْ تبكي معي،
فبينا نحنُ كذلك إذ دخلَ رَسولُ اللَّهِ ﴿ ﴿ فجلسَ ولم يَجلِسْ عندي مِن يوم قيلَ فيَّ ما قيلَ قبلَها،
وقد مَكثَ شهرًا لا يُوحى إليهِ في شأني شيءٍ. قالت: فتشهَّدَ ثم قال: يا عائشةُ فإنه بَلغَني عنكِ
كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيُبَرَّتُكِ اللّهُ، وإن كنت ألممْتِ بذنبٍ فاستغفِرِي اللَّهَ وتُوبي إليه، فإنَّ
العبدَ إذا اعترَفَ بذنبهِ ثمَّ تابَ تابَ اللَّهُ عليه. فلما قَضى رسولُ اللَّهِ وَّهِ مَقالتَه قَلَصَ دَمعي حتى ما
أُحِسُّ منهُ قَطرةً، وقلت لأبي: أجِبْ عني رسولَ اللَّهِ وَّهَ. قال: واللَّهِ لا أدري ما أقولُ لرسولٍ
اللَّهِ نَّهِ. فقلتُ لأُمِّي: أجيبي عني رسولَ اللَّهِ وَه فيما قال. قالت: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولٍ
اللَّهِ وَهِ. قالت وأنا جارية حديثةُ السنْ لا أقرأُ كثيرًا منَ القرآنِ، فقلتُ: إني واللَّهِ لقد علمتُ أنكم
سَمعتم ما يتحدَّثُ بهِ الناسُ ووَقرَ في أَنفُسِكم وصدَقتم بهِ، وإن قلتُ لكم إني بريئةٌ - واللَّهُ يعلمُ
أني بريئةٌ - لا تُصدِّقوني بذلك، ولئنِ اعترفتُ لكم بأمرٍ - واللَّهُ يعلمُ أني بريئةٌ - لتُصدّقُنِّي. والله ما
أجِدُ لي ولكم مَثَلاَ إلاّ أبا يوسفَ إذ قال: ﴿فصبرٌ جميلٌ واللَّهُ المستَعانُ على ما تَصِفون﴾. ثمّ
تَحوَّلتُ على فِراشي وأنا أرجو أن يُبَرَّثَنِي اللَّهُ. ولكنْ واللَّهِ ما ظَنْتُ أن يُنزِلَ في شأني وَحيًا، ولأنا
أحقَّرُ في نفْسي من أن يُتكلمَ بالقرآنِ في أمري، ولكنّي كنتُ أرجو أن يَرَى رسولُ اللَّهِ وَّ في
النومِ رُؤيا تُبرِّثُني، فواللهِ ما رامَ مَجلِسَهُ ولا خرَج أحدٌ من أهلِ البيتِ حتّى أُنزِلَ عليهِ الوَحِيُّ،
فأخذَّهُ ما يأخُذُهُ منَ الْبُرَحاءِ، حتّى إنه ليَتحذّرُ منهُ مثلُ الجُمانِ منَ العَرَقِ في يومٍ شاتٍ. فلمّا سُرِّيَ
عن رسولِ اللَّهِ وَل﴿ وهوَ يضحكُ فكان أوَّلَ كلمةٍ تكلمَ بها أن قال لي: يا عائشةً احمَدِي اللَّهَ، فقد
برَّأَكِ اللَّهُ. قالت لي أُمي: قومي إلى رسولِ اللَّهِ وَِّ. فقلتُ: لا واللَّهِ لا أقومُ إليهِ، ولا أحمَدُ إلاّ
اللَّهَ. فأنزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ الذينَ جاؤوا بالإفكِ عُصبةٌ منكم﴾ [النور: ١١] الآيات. فلما أنزَلَ
اللَّهُ هذا في براءَتي قال أبو بكرٍ الصدِّيقُ رضيَ اللهُ عنه - وكان يُنفِقُ على مِسْطَحِ بنِ أُثاثةَ لِقَرابتِهِ
منه - واللّهِ لا أُنفِقُ على مِسطح بشيءٍ أبدًا بعدَ أن قال لعائشةَ، فأنزَّلَ اللهُ تعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولو
الفضلِ منكم والسَّعة أن يُؤْتوا - إلى قوله - غفورٌ رحيم﴾ [النور: ٢٢] فقال أبو بكرٍ: بَلى واللهِ،
إني لأُحِبُّ أن يَغْفِرَ اللَّهُ لي، فرَجَعَ إلى مِسطحِ الذي كان يُجري عليه. وكان رسولُ اللَّهِ وَّهِ يسألُ
زينبَ بنتَ جَحشٍ عن أمري، فقال: يا زينبُ ما علمتِ؟ ما رأيتِ؟ فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، أخْمِي
سَمعي وبَصَري، واللَّهِ ما عَلِمْتُ عليها إلاّ خيرًا. قالت: وهيَ التي كانت تُساميني، فعصَمَها اللَّهُ

١٠٧
كتاب الشهادات/ باب ١٥
بالورَعِ)). قال: وحدَّثَنَا فُلَيَحْ عن هِشامٍ بنِ عُروةَ عن عائشةَ وعبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيرِ مثله. قال: وحدَّثَنا
فُلَيَحْ عن ربيعة بنِ أبي عبد الرحمنِ ويحيى بنِ سعيدِ عن القاسمِ بنِ محمدِ بنِ أبي بكرٍ مثلَه.
وبه قال: (حدّثنا أبو الربيع سليمان بن داود) الزهراني العتكي بفتح العين المهملة والمثناة
الفوقية بصري دخل بغداد (وأفهمني بعضه) بعض معاني الحديث ومقاصد لفظه (أحمد) مجردًا عن
النسب ولم يبينه أبو علي الجياني وفي الأطراف لخلف أنه ابن يونس وجزم به الدمياطي، وكذا ثبت
في حاشية الفرع كأصله ورقم عليه علامة ق. وقال ابن حجر أنه رآه كذلك في نسخة الحافظ أبي
الحسن اليونيني. قلت: وكذا رأيته وقد أهمله في جميع الروايات التي وقعت له إلا هذه. وقال ابن
عساكر والمزي: إنه وهم، وفي طبقات القراء للذهبي أنه ابن النضر، وزعم ابن خلفون أنه ابن
حنبل، وأحمد بن يونس هذا هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي المعروف بشيخ الإسلام، وهل
أحمد المذكور هنا رفيق لأبي الربيع في الرواية عن فليح فيكون المؤلف حمله عنهما معًا على الصفة
المذكورة أو رفيق للمؤلف في الرواية عن أبي الربيع؟ قال: (حدّثنا فليح بن سليمان) الخزاعي أو
الأسلمي أبو يحيى (عن ابن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير) بن العوّام (وسعيد بن المسيب)
بفتح المثناة التحتية المشددة وكسرها (وعلقمة بن وقاص الليثي) العتواري (وعبيد الله بن عبد الله بن
عتبة) بن مسعود الأربعة (عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي وَلقر حين قال لها أهل الإفك) بكسر
الهمزة أبلغ ما يكون من الافتراء والكذب (ما قالوا فبرأها الله منه).
(قال الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (وكلهم) أي عروة فمن بعده (حدّثنا طائفة) قطعة
(من حديثها) وقد انتقد على الزهري روايته لهذا الحديث ملفقًا عن هؤلاء الأربعة وقالوا: كان ينبغي
له أن يفرد حديث كل واحد عن الآخر حكاه عياض فيما ذكره في الفتح (وبعضهم أوعى) أحفظ
لأكثر هذا الحديث (من بعض وأثبت له اقتصاصًا) أي سياقًا (وقد وعيت) بفتح العين أي حفظت
(عن كل واحد منهم الحديث) أي بعض الحديث (الذي حدّثني) به منه (عن) حديث (عائشة) فأطلق
الكل على البعض فلا تنافي بين قوله: وكلهم حدّثني طائفة من الحديث، وبين قوله: وقد وعيت
عن كل واحد منهم الحديث كما نبّه عليه الكرماني. والحاصل أن جميع الحديث عن مجموعهم لا أن
مجموعة عن كل واحد منهم (وبعض حديثهم يصدق بعضًا زعموا أن عائشة) أي قالوا أنها (قالت):
(كان رسول الله و ﴿ إذا أراد أن يخرج سفرًا) أي إلى سفر فهو نصب بنزع الخافض أو ضمن
يخرج معنى ينشىء فالنصب على المفعولية (أقرع بين أزواجه) تطييبًا لقلوبهنّ (فأيتهنّ) بتاء التأنيث.
قال الزركشي فيما نقله عنه في المصابيح: ولم أره في النسخة التي وقفت عليها من التنقيح أنه
الوجه، ويروى: فأيهنّ بدون تاء تأنيث، وتعقبه الدماميني فقال: دعواه أن الرواية الثانية ليست على
الوجه خطأ إذ المنصوص أنه إذا أريد بأيّ المؤنث جاز إلحاق التاء به موصولاً كان أو استفهامًا أو
غيرهما انتهى.

١٠٨
كتاب الشهادات/ باب ١٥
ولم أقف على الرواية الثانية هنا. نعم هي في تفسير سورة النور لغير أبي ذر والمعنى فأيّ
أزواجه (خرج سهمها خرج بها معه) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أخرج بزيادة همزة قال: في
الفتح والأوّل هو الصواب، ولعل ذا الهمزة أخرج بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (فأقرع) عليه الصلاة
والسلام (بيننا في غزاة غزاها) هي غزوة بني المصطلق من خزاعة (فخرج سهمي) فيه إشعار بأنها
كانت في تلك الغزاة وحدها، ويؤيده ما في رواية ابن إسحق بلفظ: فخرج سهمي عليهنّ فخرج بي
معه، وأما ما ذكره الواقدي من خروج أم سلمة معه أيضًا في هذه الغزوة فضعيف.
قالت عائشة: (فخرجت معه) عليه الصلاة والسلام (بعدما أنزل الحجاب) أي الأمر به (فأنا
أحمل في هودج وأنزل فيه) بضم الهمزة فيهما مبنيين للمفعول والهودج بهاء ودال مهملة مفتوحتين
بينهما واو ساكنة آخره جيم محمل له قبلة تستر بالثياب ونحوها يوضع على ظهر البعير يركب فيه
النساء ليكون أستر لهنّ (فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله وَ ﴿ من غزوته تلك وقفل) بقاف ففاء أي
رجع من غزوته (ودنونا) أي قربنا (من المدينة آذن) بالمدّ والتخفيف ويجوز القصر والتشديد أي أعلم
(ليلة بالرحيل) وفي رواية ابن إسحق عند أبي عوانة: فنزل منزلاً فبات به بعض الليل ثم آذن
بالرحيل (فقمت حين آذنوا بالرحيل) بالمد والقصر كما مرّ (فمشيت) أي لقضاء حاجتي منفردة (حتى
جاوزت الجيش فلما قضيت شأني) أي الذي توجهت له (أقبلت إلى الرحل) إلى المنزل (فلمست
صدري فإذا عقد لي) بكسر العين قلادة (من جزع أظفار) بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها عين مهملة
مضاف لقوله أظفار بهمزة مفتوحة ومعجمة ساكنة والجزع خرز معروف في سواده بياض كالعروق،
وقد قال التيفاشي: لا يتيمن بلبسه ومن تقلده كثرت همومه ورأى منامات رديئة، وإذا علق على طفل
سال لعابه، وإذا لف على شعر المطلقة سهلت ولادتها، ولأبي ذر عن الكشميهني: ظفار بإسقاط
الهمزة وفتح الظاء وتنوين الراء فيهما كما في الفرع وغيره. قال ابن بطال: الرواية أظفار بألف
وأهل اللغة لا يقرؤونه بألف ويقولون ظفار وقال الخطابي الصواب الحذف وكسر الراء مبني كحضار
مدينة باليمن قالوا فدل على أن رواية زيادة الهمزة وهم وعلى تقدير صحة الرواية فيحتمل أنه كان من
الظفر أحد أنواع القسط وهو طيب الرائحة يتبخر به فلعله عمل مثل الخرز فأطلقت عليه جزعًا
تشبيها به ونظمته قلادة إما لحسن لونه أو لطيب ريحه، وفي رواية الواقدي كما في الفتح: فكان في
عنقي عقد من جزع ظفار كانت أمي قد أدخلتني به على رسول الله وَ طير (قد انقطع) وفي رواية ابن
إسحلق عند أبي عوانة قد انسلّ من عنقي وأنا لا أدري (فرجعت) أي إلى المكان الذي ذهبت إليه
(فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه) أي طلبه، وعند الواقدي وكنت أظن أن القوم لو لبثوا شهرًا لم
يبعثوا بعيري حتى أكون في هودجي (فأقبل الذين يرحلون لي) بفتح أوّله وسكون الراء مخففًا أي
يشدون الرحل على بعيري ولم يسم أحد منهم نعم ذكر منهم الواقدي أبا مويهيبة، وقال البلاذري:
إنه شهد غزوة المريسيع وكان يخدم بعير عائشة ولأبي ذر يرحلون بضم أوّله وفتح الراء مشددًا
(فاحتملوا هودجي فرحلوه) بالتخفيف، ولأبي ذر: فرحّلوه بالتشديد أي وضعوا هودجي (على بعيري

١٠٩
کتاب الشهادات/ باب ١٥
الذي كنت أركب) أي عليه، وفي قوله فرحلوه على بعيري تجوّز لأن الرجل هو الذي يوضع على
ظهر البعير ثم يوضع الهودج فوقه (وهم يحسبون أني فيه) في الهودج، (وكان النساء إذ ذاك خفاقًا لم
يثقلن) بكثرة الأكل (ولم يغشهن اللحم) لم يكثر عليهن (وإنما يأكلن العلقة) بضم العين وسكون
اللام وبالقاف أي القليل (من الطعام فلم يستنكر القوم) بالرفع على الفاعلية (حين رفعوه ثقل الهودج
فاحتملوه) وثقل بكسر المثلثة وفتح القاف الذي اعتادوه منه الحاصل فيه بسبب ما ركب منه من
خشب وحبال وستور وغيرها، ولشدة نحافة عائشة لا يظهر بوجودها فيه زيادة ثقل، وفي تفسير
سورة النور من طريق يونس خفّة الهودج وهذه أوضح لأن مرادها إقامة عذرهم في تحميل هودجها
وهي ليست فيه فكأنها لخفّة جسمها بحيث إن الذين يحملون هودجها لا فرق عندهم بين وجدها فيه
وعدمها، ولهذا أردفت ذلك بقولها: (وكنت جارية حديثة السن) لم تكمل إذ ذاك خمس عشرة سنة
(فبعثوا الجمل) أي أثاروه (وساروا فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش) أي ذهب ماضيًا وهو
استفعل من مرّ (فجئت منزلهم وليس فيه أحد) وفي التفسير فجئت منازلهم وليس بها داعٍ ولا مجيب
(فأممت) بالتخفيف فقصدت (منزلي الذي كنت فيه فظننت) أي علمت (أنهم سيفقدوني) بكسر القاف
وحذف النون تخفيفًا، ولأبوي ذر والوقت: سيفقدونني (فيرجعون إليّ فبينا) بغير ميم (أنا جالسة)
وجواب بينا قوله (غلبتني عيناي فنمت) أي من شدة الغم الذي اعتراها، أو أن الله تعالى لطف بها
فألقى عليها النوم لتستريح من وحشة الانفراد في البرية بالليل (وكان صفوان بن المعطل) بفتح الطاء
المشددة (السلمي) بضم السين وفتح اللام (ثم الذكواني) بالذال المعجمة منسوب إلى ذكوان بن ثعلبة
وكان صحابيًّا فاضلاً (من وراء الجيش). وفي حديث ابن عمر عند الطبراني أن صفوان كان سأل
النبي ◌َ﴿ أن يجعله على الساقة، فكان إذا رحل الناس قام يصلي ثم اتبعهم فمن سقط له شيء أتاه
به، وفي حديث أبي هريرة عند البزار: وكان صفوان يتخلّف عن الناس فيصيب القدح والجراب
والإدارة، وفي مرسل مقاتل بن حيان في الإكليل: فيحمله فيقدم به فيعرّفه في أصحابه (فأصبح
عند منزلي) كأنه تأخر في مكانه حتى قرب الصبح فركب ليظهر له ما يسقط من الجيش مما يخفيه الليل
أو كان تأخره مما جرت به عادته من غلبة النوم عليه (فرأى سواد إنسان) أي شخص إنسان (نائم) لا
يدري أرجل أو امرأة (فأتاني) زاد في التفسير فعرفني حين رآني (وكان يراني قبل الحجاب) أي قبل
نزوله (فاستيقظت) من نومي (باسترجاعه) أي بقوله: إنّا لله وإنّا إليه راجعون (حين أناخ راحلته)
وكأنه شق عليه ما جرى لعائشة فلذا استرجع، ولأبي ذر عن الكشميهني: حتى أناخ راحلته (فوطىء
يدها) أي وطىء صفوان يد الراحلة ليسهل الركوب عليها فلا تحتاج إلى مساعد (فركبتها فانطلق)
صفوان حال كونه (يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا) حال كونهم (معرسين) بفتح العين
المهملة وكسر الراء المشددة بعدها سين مهملة نازلين (في نحر الظهيرة) حين بلغت الشمس منتهاها
من الارتفاع وكأنها وصلت إلى النحر وهو أعلى الصدر أو أولها وهو وقت شدة الحر (فهلك من
هلك) زاد أبو صالح في شأني، وفي رواية أبي أويس عند الطبراني: فهنالك قال أهل الإفك فيّ وفيه
ما قالوا (وكان الذي تولى الإفك) أي تصدّى له وتقلده رأس المنافقين (عبد الله بن أبي بن سلول)

١١٠
کتاب الشهادات/ باب ١٥
بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد المثناة وابن سلول يكتب بالألف والرفع لأن سلول بفتح السين
غير منصرف علم لأم عبد الله فهو صفة لعبد الله لا لأبي وأتباعه مسطح بن أثاثة، وحسان بن
ثابت، وحمنة بنت جحش. وفي حديث ابن عمر فقال عبد الله بن أبي: فجرَّبها وربّ الكعبة وأعانه
على ذلك جماعة وشاع ذلك في العسكر (فقدمنا المدينة فاشتكيت) مرضت (بها شهرًا) زاد في التفسير
حين قدمتها وزاد هنا بدل لها بها (والناس يفيضون) بضم أوّله يشيعون (من قول أصحاب الإفك)
وسقط للحموي والمستملي قوله والناس (ويريبني) بفتح أوّله من رابه ويجوز ضمه من أرابه أي
يشككني ويوهمني (في وجعي أني لا أرى من النبي ◌َّر اللطف) بضم اللام وسكون الطاء عند ابن
الخطيئة عن أبي ذر كذا في حاشية فرع اليونينية كهي وفي متنهما زيادة فتح اللام والطاء أي الرفق
(الذي كنت أرى منه حين أمرض) بفتح الهمزة والراء (إنما يدخل) عليه الصلاة والسلام (فيسلم ثم
يقول) وللحموي والمستملي فيقول:
(كيف تيكم)؟ بكسر المثناة الفوقية وهي في الإشارة للمؤنث مثل ذاكم في المذكر قال في
التنقيح: وهي تدل على لطف من حيث سؤاله عنها وعلى نوع جفاء من قوله: ((تيكم)) (لا أشعر
بشيء من ذلك) الذي يقوله أهل الإفك (حتى نقهت) بفتح النون والقاف وقد تكسر أي أفقت من
مرضي ولم تتكامل لي الصحة (فخرجت أنا وأم مسطح) بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء
المهملتين آخره حاء مهملة (قبل المناصع) بكسر القاف وفتح الموحدة والمناصع بالصاد والعين المهملتين
موضع خارج المدينة (متبرزنا) بفتح الراء المشددة وبالرفع أي وهو متبرزنا أي موضع قضاء حاجتنا،
ولغير أبي ذر: متبرزنا بالجر بدلاً من المناصع (لا تخرج إلا ليلاً إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف)
بضم الكاف والنون جمع كنيف وهو الساتر والمراد به هنا المكان المتخذ لقضاء الحاجة (قريبًا من بيوتنا
وأمرنا أمر العرب الأول) بضم الهمزة وتخفيف الواو وكسر اللام في الفرع وغيره نعت للعرب، وفي
نسخة الأوّل بفتح الهمزة وتشديد الواو وضم اللام نعت للأمر. قال النووي: وكلاهما صحيح، وقد
ضبطه ابن الحاجب بفتح الهمزة، وصرّح بمنع وصف الجمع بالضم ثم خرّجه على تقدير ثبوته على
أن العرب اسم جمع تحته جموع فيصير مفردًا بهذا التقرير قال: والرواية الأولى أشهر وأقعد انتهى.
أي: لم يتخلقوا بأخلاق أهل الحاضرة والعجم في التبرّز (في البرية) بفتح الموحدة وتشديد
الراء والمثناة التحتية خارج المدينة (أو في التنزّه) بمثناة فوقية فنون ثم زاي مشددة طلب النزاهة والمراد
البعد عن البيوت والشك من الراوي (فأقبلت أنا وام مسطح) سلمی (بنت أبي رهم) حال كوننا
(نمشي) أي ماشين، ورهم بضم الراء وسكون الهاء واسمه أنيس (فعثرت) بالعين المهملة والمثلثة
والراء المفتوحات أي أم مسطح (في مرطها) بكسر الميم كساء من صوف أو خرز أو كتان قاله الخليل
(فقالت: تعس مسطح) بكسر العين المهملة وفتح الفوقية قبلها آخره سين مهملة وقد تفتح العين وبه
قيد الجوهري أي كب لوجهه أو هلك أو لزمه الشر (فقلت لها: بئسما قلت أتسبين رجلاً شهد
بدرًا). وعند الطبراني: أتسبين ابنك وهو من المهاجرين الأوّلين؟ (فقالت: يا هنتاه) بفتح الهاء

١١١
کتاب الشهادات/ باب ١٥
وسكون النون وقد تفتح وبعد المثناة الفوقية ألف ثم هاء ساكنة في الفرع كأصله وقد تضم أي يا هذه
نداء للبعيد فخاطبتها خطاب البعيد لكونها نسبتها للبله وقلة المعرفة بمكائد النساء (ألم تسمعي ما قالوا
فأخبرتني بقول الإفك) وللكشميهني أهل الإفك (فازددت مرضًا إلى) أي مع ولأبوي ذر والوقت:
على (مرضي) قال في الفتح: وعند سعيد بن منصور من مرسل أبي صالح فقالت: وما تدرين ما
قال؟ قالت: لا والله فأخبرتها بما خاض فيه الناس فأخذتها الحمى، وعند الطبراني بإسناد صحيح
عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: لما بلغني ما تكلموا به هممت أن آتي قليبًا فأطرح
نفسي فيه.
(فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله وَ ير فسلم فقال): (كيف تيكم)؟ (فقلت ائذن لي)
أن آتي (إلى أبوي قالت وأنا حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما) بكسر القاف وفتح الموحدة أي
من جهتهما (فأذن لي رسول الله وَلي) في ذلك (فأتيت أبوي فقلت لأمي) أم رومان زاد في التفسير يا
أمتاه (ما يتحدّث به الناس) بفتح المثناة التحتية من يتحدث، ولأبي ذر: ما يتحدث الناس به بتقديم
الناس على الجار والمجرور. (فقالت: يا بنية هوني على نفسك الشأن فوالله لقلما كانت امرأة قطّ
وضيئة) بالرفع صفة لامرأة أو بالنصب على الحال واللام في لقل للتأكيد، وقلّ: فعل ماضي دخلت
عليه ما للتأكيد والوضيئة المعجمة والهمزة والمد على وزن عظيمة من الوضاءة وهي الحسن والجمال،
وكانت عائشة رضي الله عنها كذلك. ولمسلم من رواية ابن ماهان حظية من الحظوة أي وجيهة رفيعة
المنزلة (عند رجل يحبها ولها ضرائر) جمع ضرّة وزوجات الرجل ضرائر لأن كل واحدة يحصل لها
الضرر من الأخرى بالغيرة (إلاّ أكثرن) أي نساء ذلك الزمان (عليها) القول في عيبها ونقصها
فالاستثناء منقطع أو بعض أتباع ضرائرها كحمنة بنت جحش أخت زينب أم المؤمنين فالاستثناء
متصل والأول هو الراجح لأن أمهات المؤمنين لم يعبنها.
سلمنا أنه متصل لكن المراد بعض أتباع الضرائر كقوله تعالى: ﴿حتى إذا استیأس الرسل﴾
[يوسف: ١١٠] فأطلق الأياس على الرسل، والمراد بعض أتباعهم وأرادت أمها بذلك أن تهوّن
عليها بعض ما سمعت فإن الإنسان يتأسى بغيره فيما يقع له، وطيبت خاطرها بإشارتها بما يشعر
بأنها فائقة الجمال والحظوة عنده وَّلته .
(فقلت: سبحان الله!) تعجّبًا من وقوع مثل ذلك في حقها مع براءتها المحققة عندها وقد نطق
القرآن الكريم بما تلفظت به فقال تعالى عند ذكر ذلك: ﴿سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ [النور: ١٦]
(ولقد يتحدّث الناس بهذا) بالمضارع المفتوح الأول، ولأبي ذر: تحدّث الناس بالماضي، وفي رواية
هشام بن عروة عند البخاري فاستعبرت فبكيت فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ فقال
لأمي: ما شأنها؟ قالت بلغها الذي ذكر من شأنها ففاضت عيناه، فقال: أقسمت عليك يا بنية إلا
رجعت إلى بيتك فرجعت.

١١٢
کتاب الشهادات/ باب ١٥
(قالت) أي عائشة (فبت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع) بالقاف والهمزة أي لا
ينقطع (ولا أكتحل بنوم) لأن الهموم موجبة للسهر وسيلان الدموع.
وفي المغازي عن مسروق عن أم رومان قالت عائشة: سمع رسول الله وَّر؟ قالت: نعم.
قالت: وأبو بكر؟ قالت: نعم فخرّت مغشيًّا عليها فما أفاقت إلّ وعليها حمى بنافض فطرحت عليها
ثيابها فغطتها .
(ثم أصبحت فدعا رسول الله وَ ﴿ علي بن أبي طالب) رضي الله تعالى عنه (وأسامة بن زيد
حين استلبث الوحي) حال كونه (يستشيرها) لعلمه بأهليتهما للمشورة (في فراق أهله) لم تقل في
فراقي لكراهتها التصريح بإضافة الفراق إليها والوحي بالرفع في الفرع أي طال لبث نزوله. وقال ابن
العراقي: ضبطناه بالنصب على أنه مفعول لقوله استلبث أي استبطأ النبي و لتر الوحي، وكلام النووي
يدل على الرفع (فأما أسامة فأشار عليه) ◌َّر (بالذي يعلم في نفسه من الودّ لهم فقال أسامة): هم
(أهلك) العفائف اللائقات بك وعبر بالجمع إشارة إلى تعميم أمهات المؤمنين بالوصف المذكور أو أراد
تعظيم عائشة وليس المراد أنه تبرأ من الإشارة، ووكل الأمر في ذلك إلى النبي ◌َّ، وإنما أشار
وبرّأها. وجوّز بعضهم النصب أي أمسك أهلك لكن الأولى الرفع لرواية معمر حيث قال: هم
أهلك (يا رسول الله ولا نعلم والله إلاّ خيرًا) إنما حلف ليقوي عنده عليه الصلاة والسلام براءتها ولا
يشك وسقط لفظ والله لأبي ذر (وأما علي بن أبي طالب) رضي الله عنه (فقال: يا رسول الله لم
يضيق الله عليك) وللحموي والمستملي: لم يضيق عليك بحذف الفاعل للعلم به وبناء الفعل للمفعول
(والنساء سواها كثير) بصيغة التذكير للكل على إرادة الجنس، وللواقدي قد أحلّ الله لك وأطاب
طلّقها وانكح غيرها، وإنما قال لما رأى عنده عليه الصلاة والسلام من القلق والغمّ لأجل ذلك،
وكان شديد الغيرة صلوات الله وسلامه عليه فرأى عليّ أن بفراقها يسكن ما عنده بسببها إلى أن
يتحقق براءتها فيراجعها فبذل النصيحة لإراحته لا عداوة لعائشة. وقال فى بهجة النفوس مما قرأته
فيها لم يجزم علي بالإشارة بفراقها لأنه عقب ذلك بقوله (وسل الجارية) بريرة (تصدقك) بالجزم على
الجزاء ففوّض علّ الأمر في ذلك إلى نظره عليه الصلاة والسلام فكأنه قال: إن أردت تعجيل الراحة
ففارقها، وإن أردت خلاف ذلك فابحث عن حقيقة الأمر إلى أن تطلع على براءتها لأنه كان يتحقق
أن بريرة لا تخبره إلا بما علمته وهي لم تعلم من عائشة إلا البراءة المحضة. (فدعا رسول الله وَلفنون
بريرة).
قال الزركشي: قيل إن هذا وهم فإن بريرة إنما اشترتها عائشة وأعتقتها قبل ذلك ثم قال:
والمخلص من هذا الإشكال أن تفسير الجارية ببريرة مدرج في الحديث من بعض الرواة ظنًا منه أنها
هي. قال في المصابيح: وهذا أي الذي قاله الزركشي ضيق عطن فإنه لم يرفع الإشكال إلا بنسبة
الوهم إلى الراوي قال: والمخلص عندي من الإشكال الرافع لتوهيم الرواة وغيرهم أن يكون إطلاق

١١٣
کتاب الشهادات/ باب ١٥
الجارية على بريرة وإن كانت معتقة إطلاقًا مجازيًّا باعتبار ما كانت عليه فاندفع الإشكال ولله الحمد
انتھی.
وهذا الذي قاله: في المصابيح بناء على سبقية عتق بريرة وفيه نظر لأن قصتها إنما كانت بعد
فتح مكة لأنها لما خيّرت فاختارت نفسها كان زوجها يتبعها في سكك المدينة يبكي عليها فقال:
رسول الله ﴿ للعباس: ((يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة))؟ ففيه دلالة على أن قصة بريرة
كانت متأخرة في السنة التاسعة أو العاشرة لأن العباس إنما سكن المدينة بعد رجوعهم من غزوة
الطائف وكان ذلك في أواخر سنة ثمانٍ، ويؤيد ذلك قول ابن عباس أنه شاهد ذلك وهو إنما قدم
المدينة مع أبويه، وأيضًا فقول عائشة إن شاء مواليك أن أعدّها لهم عدة واحدة فيه إشارة إلى وقوع
ذلك في آخر الأمر لأنهم كانوا في أول الأمر في غاية الضيق ثم حصل لهم التوسع بعد الفتح،
وقصة الإفك في المريسيع سنة ست أو سنة أربع وفي ذلك رد على من زعم قصتها كانت متقدمة قبل
قصة الإفك، وحمله على ذلك قوله هنا فدعا رسول الله وَل قر بريرة.
وأجيب: باحتمال أنها كانت تخدم عائشة قبل شراءها أو اشترتها وأخرت عتقها إلى بعد الفتح
أو دام حزن زوجها عليها مدة طويلة أو كان حصل لها الفسخ وطلب أن يردّه بعقد جديد أو كانت
لعائشة ثم باعتها ثم استعادتها بعد الكتابة (فقال) عليه الصلاة والسلام:
(يا بريرة هل رأيت فيها شيئًا يريبك)؟ بفتح أوّله يعني من جنس ما قيل فيها فأجابت على
العموم ونفت عنها كل ما كان من النقائص من جنس ما أراد ◌َ فز السؤال عليه وغيره (فقالت بريرة:
لا والذي بعثك بالحق إن رأيت) بكسر الهمزة أي ما رأيت (منها أمرًا أغمصه) بهمزة مفتوحة فغين
معجمة ساكنة فميم مكسورة فصاد مهملة أعيبه (عليها) في كل أمورها، ولأبي ذر عن المستملي: قطّ
(أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن العجين) لأن الحديث السن يغلبه النوم ويكثر عليه (فتأتي
الداجن فتأكله) بدال مهملة ثم جيم الشاة التي تألف البيوت ولا تخرج إلى المرعى، وفي رواية مقسم
مولى ابن عباس عن عائشة عند الطبراني: ما رأيت منها شيئًا منذ كنت عندها إلا أني عجنت عجينًا
لي فقلت: احفظي هذه العجينة حتى أقتبس نارًا لأخبزها فغفلت فجاءت الشاة فأكلتها وهو تفسير
المراد بقولها فتأتي الداجن وهذا موضع الترجمة لأنه عليه الصلاة والسلام سأل بريرة عن حال عائشة
وأجابت ببراءتها، واعتمد النبي ◌َّي على قولها حين خطب فاستعذر من ابن أبيّ، لكن قال القاضي
عياض: وهذا ليس ببين إذ لم تكن شهادة والمسألة المختلف فيها إنما هي في تعديلهن للشهادة فمنع
من ذلك مالك والشافعي ومحمد بن الحسن وأجازه أبو حنيفة في المرأتين والرجل لشهادتهما في
المال، واحتج الطحاوي لذلك بقول زينب في عائشة وقول عائشة في زينب فعصمها الله بالورع
قال: ومن كانت بهذه الصفة جازت شهادتها، وتعقب بأن إمامه أبا حنيفة لا يجيز شهادة النساء إلاّ
في مواضع مخصوصة فكيف يطلق جواز تزكيتهنّ.
إرشاد الساري/ ج ٦/ م ٨

١١٤
کتاب الشهادات/ باب ١٥
(فقام رسول الله وَّير من يومه) على المنبر خطيبًا (فاستعذر) بالذال المعجمة (من عبد الله بن أبي
ابن سلول فقال رسول الله وَطاهر: من يعذرني) بفتح حرف المضارعة وكسر الذال المعجمة من يقوم
بعذري إن كافأته على قبيح فعله ولا يلومني أو من ينصرني (من رجل بلغني أذاه في أهلي فوالله ما
علمت في أهلي إلاّ خيرًا وقد ذكروا رجلاً) زاد الطبراني في روايته صالحا (ما علمت عليه إلاّ خيرًا
وما كان يدخل على أهلي إلاّ معي) (فقام سعد بن معاذ) وهو سيد الأوس، وسقط لأبوي ذر
والوقت ابن معاذ.
واستشكل ذكر سعد بن معاذ هنا بأن حديث الإفك كان سنة ست في غزوة المريسيع كما
ذكره ابن إسحاق وسعد بن معاذ مات سنة أربع من الرمية التي رميها بالخندق. وأجيب: بأنه
اختلف في المريسيع، وقد حكى البخاري عن موسى بن عقبة أنها كانت سنة أربع وكذلك الخندق
فتكون المريسيع قبلها لأن ابن إسحق جزم بأنها كانت في شعبان وأن الخندق كانت في شوّال فإن
كانا في سنة استقام ذلك، لكن الصحيح في النقل عن موسى بن عقبة أن المريسيع سنة خمس فما في
البخاري عنه من أنها سنة أربع سبق قلم والراجح أن الخندق أيضًا في سنة خمس خلافًا لابن إسحاق
فيصح الجواب.
(فقال يا رسول الله أنا والله) ولأبي ذر عن المستملي: والله أنا (أعذرك منه) بكسر الذال (إن
كان من الأوس) قبيلتنا (ضربنا عنقه) وإنما قال ذلك لأنه كان سيدهم كما مرّ فجزم بأن حكمه فيهم
نافذ ومن آذاه وَ ي وجب قتله (وإن كان من إخواننا من الخزرج) من الأولى تبعيضية والثانية بيانية،
ولأبي ذر: من إخواننا الخزرج بإسقاط من البيانية (أمرتنا ففعلنا فيه أمرك) وإنما قال ذلك لما كان
بينهم من قبل فبقيت فيهم بعض أنفة أن يحكم بعضهم في بعض فإذا أمرهم النبي وَلقر بأمر امتثلوا
أمره.
(فقام سعد بن عبادة) شهد العقبة وكان أحد النقباء ودعا له وَّله فقال: ((اللهمَّ اجعل صلواتك
ورحمتك على آل سعد بن عبادة)» رواه أبو داود (وهو سيد الخزرج) بعد أن فرغ سعد بن معاذ من
مقالته (وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا) أي كاملاً في الصلاح، (ولكن) لأبوي ذر والوقت: وكان
(احتملته) من مقالة سعد بن معاذ (الحمية) أي أغضبته (فقال) لابن معاذ (كذبت) زاد في رواية أبي
أسامة في التفسير أما والله لو كان من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم (لعمر الله) بفتح العين
أي وبقاء الله (لا تقتله) ولأبي ذر عن المستملي والله لا تقتله قال في الفتح وفسر قوله بقوله (ولا تقدر
على ذلك) لأنّا نمنعك منه ولم يرد سعد بن عبادة الرضا بما نقل عن عبد الله بن أبيّ ولم ترد عائشة
رضي الله عنها أنه ناضل عن المنافقين، وأما قولها: وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا أي لم يتقدم منه ما
بتعلق بالوقوف مع أنفة الحمية ولم تغمصه في دينه، لكن كان بين الحيّين مشاحنة قبل الإسلام ثم
زالت بالإسلام وبقي بعضها بحكم الأنفة فتكلم سعد بن عبادة بحكم الأنفة ونفى أن يحكم فيهم
سعد بن معاذ.

١١٥
کتاب الشهادات/ باب ١٥
وقد وقع في بعض الروايات بيان السبب الحامل لسعد بن عبادة على مقالته هذه لابن معاذ.
ففي رواية ابن إسحق فقال: سعد بن عبادة: ما قلت هذه المقالة إلا أنك علمت أنه من الخزرج،
وفي رواية يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عند الطبراني فقال سعد بن عبادة: يا ابن معاذ والله ما
بك نصرة رسول الله وَّيه ولكنها قد كانت بيننا ضغائن في الجاهلية وإحن لم تحلل لنا من صدوركم
فقال ابن معاذ: الله أعلم بما أردت.
وقال في بهجة النفوس: إنما قال سعد بن عبادة لابن معاذ كذبت لا تقتله أي لا تجد لقتله
من سبيل لمبادرتنا قبلك لقتله ولا تقدر على ذلك أي لو امتنعنا من النصرة فأنت لا تستطيع أن تأخذه
من بين أيدينا لقوّتنا. قال: وهذا في غاية النصرة إذ أنه يخبر أنه في القوة والتمكين بحيث لا يقدر له
الأوس مع قوتهم وكثرتهم، ثم هم مع ذلك تحت السمع والطاعة للنبي بَيّ فحملته الحمية مثل ما
حملت الأول أو أكثر فلم يستطع أن يرى غيره قام في نصرته بَّر وهو قادر عليها فقال لابن معاذ ما
قال، وإنما قالت عائشة: ولكن احتملته الحميّة لتبين شدّة نصرته في القضية مع إخبارها بأنه صالح
لأن الرجل الصالح أبدًا يعرف منه السكون والناموس لكنه زال عنه ذلك من شدة ما توالى عليه من
الحمية لنبيّه وَّر انتهى. وهو محمل حسن ينفي ما في ظاهر اللفظ مما لا يخفى.
(فقام أسيد بن الحضير) بضم الهمزة من أسيد والحاء المهملة من الحضير مصغرين ولأبي ذر:
ابن حضير زاد في التفسير وهو ابن عمّ سعد بن معاذ أي من رهطه (فقال) لابن عبادة: (كذبت
لعمر الله والله لنقتلته) أي ولو كان من الخزرج إذا أمرنا رسول الله وَلاير بذلك وليست لكم قدرة على
منعنا قابل قوله لابن معاذ كذبت لا تقتله بقوله كذبت لنقتلنّه (فإنك منافق) قال له ذلك مبالغة في
زجره عن القول الذي قاله أي إنك تصنع صنيع المنافقين وفسّره بقوله: (تجادل عن المنافقين). قال
المازري: لم يرد نفاق الكفر وإنما أراد أن يظهر الود للأوس ثم ظهر منه في هذه القضية ضدّ ذلك
فأشبه حال المنافقين لأن حقيقته إظهار شيء وإخفاء غيره، وقال ابن أبي جمرة: وإنما صدر ذلك
منهم لأجل قوة حال الحمية التي غطت على قلوبهم حين سمعوا ما قال ◌َيرٍ فلم يتمالك أحد منهم
إلاّ قام في نصرته لأن الحال إذا ورد على القلب ملكه فلا يرى غير ما هو لسبيله، فلما غلبهم حال
الحمية لم يراعوا الألفاظ فوقع منهم السباب والتشاجر لغيبتهم لشدة انزعاجهم في النصرة.
(فثار الحيّان الأوس والخزرج) بمثلثة والحيّان بمهملة فتحتية مشددة تثنية حيّ أي نهض بعضهم
إلى بعض من الغضب (حتى هموا) زاد في المغازي والتفسير: أن يقتتلوا (ورسول الله وَلقر على المنبر
فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت) عليه الصلاة والسلام. (وبكيت يومي) بكسر الميم وتخفيف الياء
(لا يرقأ) بالهمزة لا يسكن ولا ينقطع (لي دمع أكتحل بنوم) لأن الهم يوجب السهر وسيلان الدمع
(فأصبح عندي أبواي) أبو بكر الصديق وأم رومان أي جاءا إلى المكان الذي هي فيه من بيتهما (قد)
ولأبوي ذر والوقت: وقد (بكيت ليلتين) بالتثنية ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ليلتي بالإفراد

١١٦٠
کتاب الشهادات/ باب ١٥
(ويومًا) ولأبي الوقت عن الكشميهني ويومي بكسر الميم وتخفيف الياء ونسبتهما إلى نفسها لما وقع لها
فيهما. وقال الحافظ ابن حجر في رواية الكشميهني: ليلتين ويومًا أي الليلة التي أخبرتها فيها أم
مسطح الخبر واليوم الذي خطب فيه عليه الصلاة والسلام الناس والتي تليه (حتى أظن أن البكاء
فالق كبدي. قالت: فبينما هما) أي أبواها (جالسان عندي وأنا أبكي) جملة حالية (إذ استأذنت امرأة
من الأنصار) لم تسم (فأذنت لها فجلست تبكي معي) تفجّعًا لما نزل بعائشة وتحزّنًا عليها (فبينا) بغير
ميم (نحن كذلك إذ دخل رسول الله وَ*) ولأبي أسامة عن هشام في التفسير فأصبح أبواي عندي
فلم يزالا حتى دخل عليّ رسول الله وَعليه وقد صلى العصر ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني
وشمالي (فجلس) عليه الصلاة والسلام (ولم يجلس عندي من يوم قيل في) بتشديد الياء ولأبي ذر يوم
بالتنوين ولأبوي ذر والوقت لي (ما قيل قبلها وقد مکث شهرًا لا یوحى إليه في شأني) أمري وحالي
(شيء) ليعلم المتكلم من غيره ولأبوي ذر والوقت عن الكشميهني بشيء.
(قالت) عائشة: (فتشهد) عليه الصلاة والسلام وفي رواية هشام بن عروة فحمد الله وأثنى
عليه (ثم قال): (يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا) كناية عمّا رميت به من الإفك (فإن كنت بريئة
فسیبرئك الله) بوحي ینزله (وإن كنت ألممت) زاد في رواية أبوي ذر والوقت عن الكشميهني بذنب
أي وقع منك على خلاف العادة (فاستغفري الله وتوبي إليه) وفي رواية أبي أويس عند الطبراني: ((إنما
أنت من بنات آدم إن كنت أخطأت فتوبي)» (فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب) أي منه إلى الله (تاب
الله عليه) (فلما قضى رسول الله ﴿﴿ مقالته قلص دمعي) بفتح القاف واللام آخره صاد مهملة أي
انقطع لأن الحزن والغضب إذا أخذا حدّهما فقد الدمع لفرط حرارة المصيبة (حتى ما أحس) بضم
الهمزة وكسر المهملة أي ما أجد (منه قطرة وقلت لأبي: أجب عني رسول اللهمَ ظافر. قال: والله ما
أدري ما أقول لرسول الله وَلجر. فقلت لأمي: أجيبي عنّي رسول الله وَ ﴿ فيما قال. قالت: والله ما
أدري ما أقول لرسول الله #ر. قالت) عائشة (وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً في القرآن
فقلت: إني والله لقد علمت أنکم سمعتم ما يتحدّث به الناس ووقر في أنفسكم وصدقتم به ولئن
قلت لكم إني بریئة والله يعلم إني بریئة) بکسر إني (لا تصدقوني) ولأبي ذر لا تصدقونني (بذلك،
ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقني) بضم القاف وإدغام إحدى النونين في الأخرى
(والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف) يعقوب عليهما السلام (إذ) أي حين (قال: ﴿فصبر جميل﴾)
أي فأمري صبر جميل لا جزع فيه على هذا الأمر وفي مرسل حبان بن أبي جبلة قال سئل رسول
الله ◌َل عن قوله فصبر جميل فقال صبر لا شكوى فيه أي إلى الخلق قال صاحب المصابيح إنه رأى
في بعض النسخ صبر بغير فاء مصححًا عليه كرواية ابن إسحق في سيرته (﴿والله المستعان على ما
تصفون﴾) [يوسف: ١٨] أي على ما تذكرون عني مما يعلم الله براءتي منه.
(ثم تحوّلت على فراشي) زاد ابن جرير في روايته ووليت وجهي نحو الجدار (وأنا أرجو أن
يبرئني الله، ولكن) بتخفيف النون (والله ما ظننت أن ينزل) الله بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه

١١٧
کتاب الشهادات/ باب ١٥
وحذف الفاعل للعلم به (في شأني وحيًا) زاد في رواية يونس يتلى (ولأنا أحقر في نفسي من أن
يتكلم بالقرآن في أمري) بضم ياء يتكلم. وعند ابن إسحق يقرأ في المساجد ويصلّ به، (ولكني
كنت أرجو أن يرى رسول الله وَي في النوم رؤيا يبرثني الله) بها، ولأبوي ذر والوقت: تبرئني بالمثناة
الفوقية وحذف الفاعل (فوالله ما رام) أي ما فارق بَّر (مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت) أي الذين
كانوا إذ ذاك حضورًا (حتى أنزل عليه) زاده الله شرفًا لديه، ولأبي ذر عن الكشميهني حتى أنزل عليه
الوحي (فأخذه) عليه الصلاة والسلام (ما كان يأخذ من البرحاء) بضم الموحدة وفتح الراء ثم مهملة
ممدودًا العرق من شدة ثقل الوحي (حتى أنه ليتحدر) بتشديد الدال واللام للتأكيد أي ينزل ويقطر
(منه مثل الجمان) بكسر الميم وسكون المثلثة مرفوعًا والجمان بضم الجيم وتخفيف الميم أي مثل اللؤلؤ
(من العرق في يوم شاتٍ، فلما سري) بضم المهملة وتشديد الراء المكسورة أي كشف (عن رسول
الله (َّ﴾ وهو يضحك) سرورًا (فكان أول كلمة تكلم بها) بنصب أول (أن قال لي): (يا عائشة احمدي
الله) وعند الترمذي البشرى يا عائشة احمدي الله (فقد برأك الله) أي مما نسبه أهل الإفك إليك بما
أنزل من القرآن: (فقالت) ولأبي ذر: قالت (لي أمي قومي إلى رسول الله(وَ﴿) لأجل ما بشرك به
(فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلاّ الله) الذي أنزل براءتي وأنعم عليّ بما لم أكن أتوقعه من أن
يتكلم الله فيّ بقرآن يُتلى وقالت ذلك إدلالاً عليهم وعتبًا لكونهم شكّوا في حالها مع علمهم بحسن
طرائقها وجميل أحوالها وارتفاعها عما نسب إليها مما لا حجة فيه ولا شبهة، (فأنزل الله تعالى ﴿إن
الذين جاءوا بالإفك﴾) بأبلغ ما يكون من الكذب (﴿عصبة منكم)) [النور: ١١] جماعة من العشرة إلى
الأربعين، والمراد عبد الله بن أبي وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت
جحش ومن ساعدهم (الآيات) في براءتها وتعظيم شأنها وتهويل الوعيد لمن تكلم فيها والثناء على من
ظن فيها خيرًا .
(فلما أنزل الله) عز وجر (هذا في براءتي) وطابت النفوس المؤمنة وتاب إلى الله تعالى من كان
تكلم من المؤمنين في ذلك وأقيم الحدّ على من أقيم عليه (قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان
ينفق على مسطح بن أثاثة) بكسر الميم وسكون المهملة وأثاثة بضم الهمزة ومثلثتين بينهما ألف
(لقرابته) أي لأجل قرابته (منه) وكان ابن خالة الصديق وكان مسكينًا لا مال له: (والله لا أنفق على
مسطح شيئًا) ولأبي ذر عن الكشميهني: بشيء (أبدًا بعد ما قال لعائشة) أي عنها من الإفك (فأنزل
الله تعالى) يعطف الصديق عليه: (﴿ولا يأتل﴾) أي لا يحلف ((أولو الفضل منكم﴾) أي من الطول
والإحسان والصدقة (﴿والسعة﴾) في المال (إلى قوله: ﴿غفور رحيم﴾) [النور: ٢٢] ولأبوي ذر
والوقت ﴿والسعة أن يؤتوا﴾ إلى قوله: ﴿غفور رحيم﴾ أي فإن الجزاء من جنس العمل فكما تغفر
لك وكما تصفح يصفح عنك. (فقال أبو بكر الصديق) عند ذلك: (بلى والله إني لأحب أن يغفر الله
لي فرجع) بتخفيف الجيم (إلى مسطح الذي كان يجري عليه) من النفقة، ويجري بضم أوله.
(وكان رسول الله ﴿ يسأل) ولأبي ذر وأبي الوقت سأل بلفظ الماضي (زينب بنت جحش) أم

١١٨
کتاب الشهادات/ باب ١٦
المؤمنين (عن أمري فقال): (يا زينب ما علمت) على عائشة (ما رأيت) منها؟ (فقالت: يا رسول الله
أحمي سمعي) من أن أقول سمعت ولم أسمع (وبصري) من أن أقول أبصرت ولم أبصر (والله ما
علمت عليها إلاّ خيرًا. قالت) أي عائشة (وهي) أي زينب (التي كانت تساميني) بضم التاء بالسين
المهملة أي تضاهيني وتفاخرني بجمالها ومكانتها عند النبي وب لر مفاعلة من السموّ وهو الارتفاع
(فعصمها الله) أي حفظها الله ومنعها (بالورع) أي بالمحافظة على دينها أن تقول بقول أهل الإفك.
(قال) أبو الربيع سليمان بن داود شيخ المؤلف: (وحدّثنا فليح) هو ابن سليمان المذكور (عن
هشام بن عروة) بن الزبير (عن) أبيه (عروة عن عائشة) رضي الله عنها (وعبد الله بن الزبير مثله) أي
مثل حديث فليح عن الزهري عن عروة. (قال) أي أبو الربيع أيضًا (وحدثنا فليح) المذكور (عن
ربيعة بن أبي عبد الرحمن) شيخ مالك الإمام (ويحيى بن سعيد) الأنصاري (عن القاسم بن محمد بن
أبي بكر) الصديق (مثله): والحاصل أن فليحًا روى الحديث عن هؤلاء الأربعة.
(لطيفة).
قال الصلاح الصفدي: رأيت بخط ابن خلكان أن مسلمًا ناظر نصرانيًّا فقال له النصراني في
خلال كلامه محتقنًا في خطابه بقبيح آثامه: يا مسلم كيف كان وجه زوجة نبيّكم عائشة في تخلّفها عن
الركب عند نبيّكم معتذرة بضياع عقدها؟ فقال له المسلم: يا نصراني كان وجهها كوجه بنت عمران
لما أتت بعيسى تحمله من غير زوج فمهما اعتقدت في دينك من براءة مريم اعتقدنا مثله في ديننا من
براءة زوج نبيّنا، فانقطع النصراني ولم يجز جوابًا.
وقد أخرج المؤلف الحديث في المغازي والتفسير والأيمان والنذور والجهاد والتوحيد
والشهادات أيضًا ومسلم في التوبة والنسائي في عِشرة النساء والتفسير وبقية ما فيه من المباحث
والفوائد تأتي إن شاء الله تعالى والله الموفق والمعين.
١٦ - باب إذا زَكّى رجلٌ رجلاً كفاهُ
وقال أبو جَميلةَ: وَجدتُ مَنبوذًا فلما رآني عمرُ قال: عَسى الغُوَيرُ أَبُوْسًا، كأنه يتَّهمني. قال
عريفي: إنه رجُلٌ صالح. قال: كذلك، اذهبْ وعلَينا نفَقتُهُ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا زكّى رجل) واحد (رجلاً كفاه) فلا يحتاج إلى آخر معه والذي ذهب
إليه الشافعية والمالكية وهو قول محمد بن الحسن اشتراط اثنين. (وقال أبو جميلة) بفتح الجيم وكسر
الميم واسمه سنين بضم السين المهملة وفتح النون الأولى مصغرًا فيما رواه البخاري (وجدت منبوذًا)
بالذال المعجمة أي لقيطًا ولم يسم (فلما رآني عمر بن الخطاب رضي الله عنه (قال: عسى الغوير).
بضم الغين المعجمة تصغير غار (أبوسًا) بفتح الهمزة وسكون الموحدة بعدها همزة مضمومة فسين

١١٩
کتاب الشهادات/ باب ١٦
مهملة جمع بؤس وانتصب على أنه خبر ليكون محذوفة أي: عسى الغوير أن يكون أبؤسًا وهو مثل
مشهور يقال فيما ظاهره السلامة ويخشى منه العطب، وأصله كما قال الأصمعي: أن ناسًا دخلوا
يبيتون في غار فانهار عليهم فقتلهم، وقيل أول من تكلم به الزبّاء بفتح الزاي وتشديد الموحدة ممدودًا
لما عدل قصير بالأحمال عن الطريق المألوفة وأخذ على الغوير أبؤسًا أي عساه أن يأتي بالبأس والشر،
وأراد عمر بالمثل لعلك زنيت بأمه وادعيته لقيطًا قاله ابن الأثير، وقد سقط قوله قال عسى الغوير
أبؤسًا لغير الأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني (كأنه يتهمني) أي كأن عمر يتهم أبا جميلة. قال ابن
بطال: أن يكون ولده أتى به ليفرض له في بيت المال (قال عريفي): القيّم بأمور القبيلة والجماعة من
الناس يلي أمورهم ويعرّف الأمير أحوالهم واسمه سنان فيما ذكره الشيخ أبو حامد الإسفرايني في
تعليقه (أنه رجل صالح قال) عمر لعريفه (كذاك) هو صالح مثل ما تقول؟ قال: نعم. فقال:
(اذهب) به زاد مالك فهو حر ولك ولاؤه أي تربيته وحضانته (وعلينا نفقته) أي في بيت المال بدليل
رواية البيهقي ونفقته في بيت المال.
وهذا موضع الترجمة فإن عمر اكتفى بقول العريف على ما يفهمه قوله كذاك، ولذا قال: اذهب
وعلينا نفقته .
٢٦٦٢ - حدثني محمدُ بن سلام حدَّثَنا عبدُ الوَهابِ حدّثَنا خالدٌ الحذاءُ عن
عبد الرحمنِ بنِ أبي بكرةَ عن أبيهِ قال: ((أثنى رجلٌ على رجلٍ عندَ النبيِّ وَّ، فقال: وَيْلَكَ،
قَطعتَ عنُقَ صاحبِكَ، قطعتَ عنقَ صاحبك (مرارًا). ثم قال: من كان منكم مادحًا أخاهُ لا مَحَالَةً
فلْيَقُلْ: أحسب فلانًا. واللَّهُ حَسيبُه. ولا أُزكي على اللَّهِ أحدًا. أُحسِبهُ كذا وكذا. إن كان يَعلمُ
ذلكَ منه)). [الحديث ٢٦٦٢ - طرفاه في: ٦٠٦١، ٦١٦٢].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبوي ذر والوقت: حدّثني بالإفراد (ابن سلام) بتخفيف اللام ولأبي ذر
محمد بن سلام قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي البصري قال:
(حدّثنا خالد الحذاء) بالمهملة والمعجمة ممدودًا ابن مهران البصري (عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن
أبيه) أبي بكرة نفيع بن الحرث الثقفي أنه (قال: أثنى رجل على رجل) لم يسميا ويحتمل كما قال في
المقدمة والفتح أن يسمى المثني بمحجن ابن الأذرع والمثنى عليه بعبد الله ذي البجادين كما سيأتي في
الأدب إن شاء الله تعالى (عند النبي ◌َّر فقال):
(ويلك) نصب بعامل مقدّر من غير لفظه (قطعت عنق صاحبك قطعت عنق صاحبك) مرتين
وهو استعارة من قطع العنق الذي هو القتل لاشتراكهما في الهلاك قالها (مرارًا ثم قال) عليه الصلاة
والسلام (من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة) بفتح الميم لا بدّ (فليقل أحسب) بكسر عين الفعل
وفتحه أي أظن (فلانًا والله حسبه) أي كافيه فعيل بمعنى فاعل (ولا أزكي على الله أحدًا) أي لا أقطع

١٢٠
٤
کتاب الشهادات/ باب ١٧ و١٨
له على عاقبته ولا على ما في ضميره لأن ذلك مغيب عنّا (أحسبه) أي أظنه (كذا وكذا إن كان يعلم
ذلك) أي يظنه (منه) فلا يقطع بتزكيته لأنه لا يطّلع على باطنه إلاّ الله تعالى.
ووجه المطابقة أنه وَّ واعتبر تزكي الرجل إذا اقتصد لأنه لم يعب عليه إلاّ الإسراف والتغالي في
المدح.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الأدب، ومسلم في آخر الكتاب، وأبو داود وابن ماجه
في الأدب.
١٧ - باب ما يُكرَهُ منَ الإطنابِ في المدح، وليقُلْ ما يعلم
(باب ما يكره من الإطناب) بكسر الهمزة أي المبالغة (في المدح وليقل) أي المادح في الممدوح
(ما يعلم) ولا يتجاوزه.
٢٦٦٣ - حقثنا محمدُ بنُ الصَّبَّاحِ حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ زكرياءَ حدَّثَنِي بُرَيدُ بنُ عبدِ اللَّهِ عن
أبي بُردةَ عن أبي موسى رضيَ اللهُ عنه قال: ((سَمِعَ النبيِّ وَّهِ رَجُلاً يُثني على رجُلٍ ويُطرِيهِ في
مدحهِ فقال: أهلَكْتم - أو قطعتم - ظَهرَ الرجُل)). [الحديث ٢٦٦٣ - طرفه في: ٦٠٦٠].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن الصباح) بالصاد والحاء المهملتين بينهما موحدة مشددة فألف البزار
أبو جعفر البغدادي الثقة الحافظ قال: (حدّثنا إسماعيل بن زكريا) بن مرّة الخلقاني بضم الخاء المعجمة
وسكون اللام بعدها قاف الكوفي الملقب بشقوصا بفتح الشين المعجمة وضم القاف المخففة وبالصاد
المهملة قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (بريد بن عبد الله) بضم الموحدة وفتح الراء مصغرًا
(عن) جدّه (أبي بردة) الحرث أو عامر أو اسمه كنيته (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس (رضي
الله عنه) أنه (قال: سمع النبي وَ﴿ رجلاً يثني على رجل) لم يسميا أو هما محجن وذو البجادين
السابقان في الباب السابق (ويطريه) بضم أوله من الإطراء أي يبالغ (في مدحه) ولأبوي ذر والوقت
في المدح (فقال) عليه الصلاة والسلام:
(أهلكتم أو) قال (قطعتم ظهر الرجل) خاف عليه العجب والشك من الراوي، ولم يأتِ
المؤلف بما يدل لجزء الترجمة الأخير، ويحتمل أن يقال: إن الذي يطنب لا بدّ أن يقول ما لا يعلم أو
أن حديثي أبي بكرة وأبي موسى متّحدان، وقد قال في حديث أبي بكرة: إن كان يعلم ذلك منه ولا
كراهة في مدح الرجل الرجل في وجهه إنما المكروه الإطناب.
١٨ - باب بُلوغِ الصبيانِ وشهادتِهم
وقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وإذا بَلِغ الأطفالُ منكمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنوا﴾ [النور: ٥٩]. وقال مُغيرةُ: