النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كتاب الشهادات/ باب ٥
صبي ومجنون حرّ فلا تقبل شهادة من فيه رقُّ لنقصه غير فاسق لقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ
فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦] نعم إن كان فسقه بتأويل كذي بدعة قبلت شهادته بصير فلا تقبل من أعمى
لانسداد طريق المعرفة عليه مع اشتباه الأصوات إلا في مواضع غير مغفل إذ المغفل لا يضبط ولا
يوثق بقوله نعم لا يقدح الغلط اليسير لأن أحدًا لا يسلم منه ذو مروءة وهو المتخلق بخلق أمثاله في
زمانه ومكانه فالأكل والشرب في السوق لغير سوقيّ والمشي فيه مكشوف الرأس وقبلته زوجته أو
أمته بحضرة الناس وإكثار حكايات مضحكة بينهم مسقط لإشعاره بالخسة.
(وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على السابق (﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾) [الطلاق: ٢] فالعدالة
في الشاهد شرط (﴿و﴾) قوله تعالى: (﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢] فإذا لم يرض بهم
لمانع عن الشهادة لا تقبل شهادتهم كشهادة أصل لفرع أو هو لأصله.
٢٦٤١ - حدثنا الحَكّمُ بنُ نافع أخبرَنا شُعَيبٌ عنِ الزُّهريّ قال: حدَّثني حُمَيدُ بنُ
عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ غُتبةَ قال: سمعتُ عمرَ بنَ الخطاب رضيَ اللَّهُ عنه يقول:
(إِنَّ أُناسًا كانوا يُؤْخَذُونَ بالوحي في عهدِ رسولِ اللَّهِ وََّ، وإنَّ الوحيَ قدِ انقَطعَ، وإنما نأْخُذُكم
الآنَ بما ظَهرَ لنا من أعمالِكم، فمن أظهرَ لنا خَيرًا أمِنَّهُ وقرَّبْناهُ وليس إلينا من سرِيرَته شيء، اللَّهُ
يُحاسِبُ سَريرته. ومَن أظهرَ لنا سُوءًا لم نأْمَنْهُ ولم نُصَدُقْهُ وإن قال إنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنة)).
وبه قال: (حدّثنا الحكم بن نافع) أبو اليمان البرهاني الحمصي قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن
أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: حدثني) بالإفراد (حميد بن
عبد الرحمن بن عوف) بضم حاء حميد مصغرًا (أن عبد الله بن عتبة) أي ابن مسعود وهو ابن أخي
عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي المتوفى زمن عبد الملك بن مروان (قال: سمعت عمر بن الخطاب
رضي الله عنه يقول: إن إناسًا كانوا يؤخذون بالوحي) يعني كان الوحي يكشف عن سرائر الناس في
بعض الأوقات (في عهد رسول الله وَّطهر وأن الوحي قد انقطع) بوفاته وَّه فلم يأت الملك به عن الله
لبشر لختم النبوة (وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خبرًا أمناه) بهمزة
مقصورة وميم مكسورة ونون مشددة من الأمان أي جعلناه آمنًا من الشرّ أو صيّرناه عندنا أمينًا
(وقرّبناه) أي أكرمناه وعظمناه إذ نحن إنما نحكم بالظاهر (وليس إلينا من سريرته شيء الله يحاسبه)
بمثناة تحتية مضمومة وإثبات ضمير النصب في الفرع. وقال ابن حجر: محاسبه بميم أوّله وهاء
آخره، ولأبي ذر عن الكشميهني: يحاسب بحذف ضمير المفعول ومثناة مضمومة أوّله (في سريرته
ومن أظهر لنا سوءًا) ولأبي ذر عن الكشميهني: شرًّا (لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة)
ويؤخذ منه أن العدل من لم توجد منه ريبة.
وهذا الحديث من إفراده.
إرشاد الساري/ ج ٦/ م ٦

٨٢
كتاب الشهادات/ باب ٦
٦ - باب تَعدِيلُ كم يجوز؟
(باب) بيان (تعديل كم) نفس (يجوز) قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد: لا يقبل أقل
من رجلين، وقال أبو حنيفة: يكفي الواحد.
٢٦٤٢ - حدثنا سليمانُ بنُ حربٍ حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ عن ثابتٍ عن أنسٍ رضيَ اللَّهُ عنه
قال: ((مُرَّ على النبيِّ وَّهَ بجنازةٍ، فأثْنَوا عليها خَيرًا، فقال: وَجَبتُ. ثمَّ مُرَّ بأخرى فأثنَوا عليها شرًا
- أو قال: غيرَ ذُلك - فقال: وَجبَتْ. فقيل يا رسولَ اللَّهِ قلتَ لهُذا وَجَبتْ ولهذا وَجبتْ. قال:
شهادةُ القوم. المؤمنونَ شُهداء اللَّهِ في الأرض)).
وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) هو ابن درهم
الجهضمي البصري (عن ثابت) البناني (عن أنس) هو ابن مالك (رضي الله عنه) أنه (قال:
مرّ) بضم الميم مبنيًّا للمفعول (على النبي ﴿ه بجنازة فأثنوا عليها خيرًا فقال) عليه الصلاة
والسلام :
(وجبت ثم مرّ بأخرى فأثنوا عليها شرًّا) واستعمل الثناء في الشر على اللغة الشاذة للمشاكلة
لقوله فأثنوا عليها خيرًا (أو قال غير ذلك) شك الراوي (فقال) عليه الصلاة والسلام (وجبت فقيل)
القائل عمر كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى (يا رسول الله قلت لهذا) المثني عليه خيرًا (وجبت ولهذا)
المثني عليه شرًّا (وجبت) (قال) عليه الصلاة والسلام: (شهادة القوم المؤمنين) مقبولة فشهادة مبتدأ
والمؤمنين صفة القوم المجرور بالإضافة والخبر محذوف تقديره مقبولة كما مر (شهداء الله في الأرض)
خبر مبتدأ محذوف أي هم شهداء الله، ولأبي ذر عن الكشميهني: شهادة القوم المؤمنين بالرفع مبتدأ
وشهداء الله خبره وشهادة القوم مبتدأ حذف خبره أي شهادة القوم مقبولة، وقال الحافظ ابن حجر:
ووقع في رواية الأصيلي شهادة بالنصب، ووجهه في المصابيح بأن يكون النائب عن الفاعل ضمير
المصدر مستكًا في الفعل وخيرًا حال منه أي فأثنى هو أي الثناء حالة كونه خيرًا.
٢٦٤٣ - هذّثنا موسى بنُ إسماعيلَ حدَّثَنا داودُ بنُ أبي الفُراتِ حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ بُرَيدةَ عن
أبي الأسْودِ قال: ((أتيتُ المدينةَ وقد وقعَ بها مرضٌ وهم يموتونَ مَوتًا ذَرِيعًا، فجلستُ إلى عمر
رضيَ اللَّهُ عنه، فمرَّت جنازةٌ فأَثْنِيَ خَيرًا، فقال عمرُ: وَجَبَتْ. ثمَّ مُرَّ بأخرى فأُثْنِي خيرًا، فقال
عمرُ: وَجَبتْ. ثمَّ مُرَّ بالثالثةِ فأُثْنِيَ شرًّا، فقال: وَجَبَتْ. فقلتُ: وما وَجبَتْ يا أميرَ المؤمنين؟
قال: قلتُ كما قال النبيُّ نَّهِ: أيَّما مسلمٍ شَهدَ لهُ أربعةٌ بخيرٍ أدخلهُ اللَّهُ الجنة. قلنا: وثلاثة؟ قال:
وثلاثة. قلنا واثنان؟ قال: واثنان. ثمَّ لم نَسألُهُ عنِ الواحد)».

٨٣
کتاب الشهادات/ باب ٧
وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا داود بن أبي الفرات) بلفظ النهر
واسمه عمرو الكندي قال: (حدّثنا عبد الله بن بريدة) بضم الموحدة وفتح الراء آخره هاء تأنيث (عن
أبي الأسود) ظالم بن عمرو بن سفيان الديلي أنه (قال: أتيت المدينة) يثرب (وقد وقع بها مرض) جملة
حالية كقوله (وهم يموتون موتًا ذريعًا) بفتح المعجمة سريعًا (فجلست إلى عمر) بن الخطاب (رضي
الله عنه فمرّت جنازة فأثني خير) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول ورفع خير نائبًا عن الفاعل وحذف
عليها، ولأبي ذر والأصيلي: فأثني بضم الهمزة أيضًا خيرًا بالنصب صفة لمصدر محذوف أي ثناء خيرًا
أو بنزع الخافض أي بخير (فقال عمر: وجبت. ثم مرّ) بضم الميم (بأخرى فأَثني خيرًا) بضم الهمزة
ونصِب خيرًا كما مرّ (فقال) أي عمر (وجبت، ثم مر بالثالثة) ولأبي ذر بالثالث بحذف هاء التأنيث
(فأُثني شرًا) بضم الهمزة ونصب شرًا أيضًا أي ثناء شرًّا أو بشر (فقال) أي عمر (وجبت) قال أبو
الأسود. (فقلت ما) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وما أي وما معنى قولك (وجبت يا أمير
المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي (َ﴾):
(أيما مسلم شهد له أربعة) من المسلمين (بخير أدخله الله الجنة. قلنا: وثلاثة؟ قال) عليه
الصلاة والسلام: (وثلاثة. قلنا. واثنان؟ قال) عليه الصلاة والسلام: (واثنان ثم لم نسأله عن الواحد).
استبعادًا أن يكتفى به في مثل هذا المقام العظيم.
وسبق هذا الحديث في الجنائز.
٧ - باب الشهادةِ على الأنسابِ، والرَّضاع المستَفيضِ، والموتِ القديم
وقال النبيُّ ◌َّرَ: ((أرضعَتْني وأبا سَلمةَ تُوَيبةُ)). والتثبُتِ فيه.
(باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض) الشائع الذائع (والموت القديم) الذي تطاول
عليه الزمان (وقال النبي وَ﴿) أرضعتني وأبا سلمة، بالنصب عطفًا على المفعول وفتح اللام ابن
عبد الأسد المخزومي زوج أم سلمة أم المؤمنين وتوفي سنة أربع فتزوج النبي وَّلتر أم سلمة (ثويبة)
بالمثلثة والموحدة مصغرًا مولاة أبي لهب.
وهذا طرف من حديث وصله في الرضاع (والتثبيت فيه) أي في أمر الرضاع وهذا من بقية
الترجمة.
٢٦٤٤ - حدثنا آدمُ حدَّثنا شعبةُ أخبرَنا الحَكّمُ عنِ عراكِ بنِ مالكِ عن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ عن
عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها قالت: ((استأذَنَ عليَّ أفْلَحُ فلم آذَن له، فقال: أتخْتَجبين مني وأنا عمُّكِ؟
فقلتُ: وكيفَ ذُلك؟ فقال: أرضعتْكِ امرأةٌ أخي بلَبَنِ أخي. فقالت: سألتُ عن ذُلكَ رسول

٨٤
کتاب الشهادات/ باب ٧
اللَّهِ وَلِّ سال: صدَقَ أفلحُ، ائْذَني له)). [الحديث ٢٦٤٤ - أطرافه في: ٤٧٩٦، ٥١٠٣، ٥١١١،
٥٢٢٩، ٦١٥٦].
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (أخبرنا الحكم)
بفتحتين ابن عتيبة مصغرًا (عن عراك بن مالك) بكسر العين المهملة وتخفيف الراء (عن عروة بن
الزبير) بن العوّام (عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت استأذن علّ أفلح) بتشديد الياء أي طلب
الإذن في الدخول علي بعد نزول الحجاب، وأفلح هو أبو الجعد أخو أبي القعيس بضم القاف وفتح
العين المهملة واسم أبي القيس كما قال الدارقطني وائل الأشعري (فلم آذن له) بالمد في الدخول عليّ
(فقال) أي أفلح (أتحتجبين منّي وأنا عمك: فقلت وكيف ذلك قال): ولأبي ذر فقال: (أرضعتك
امرأة أخي) وائل (بلبن أخي فقالت) عائشة (سألت عن ذلك رسول الله (وَّفي) وسقط لغير الكشميهني
قوله عن ذلك (فقال) :
(صدق أفلح ائذني له) زاد مسلم من طريق يزيد بن أبي حبيب عن عراك عن عروة لا تحتجبي
منه فإنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، واستشكل كونه عليه الصلاة والسلام عمل بمجرد
دعوى أفلح من غير بيّنة. وأجيب: باحتمال اطّلاعه عليه الصلاة والسلام على ذلك، وفيه أن لبن
الفحل يحرّم وأن زوج المرضعة بمنزلة الوالد للرضيع وأخاه بمنزلة العم له.
ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في محالها.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في النكاح والتفسير وكذا مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
٢٦٤٥ - هقثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ حدّثنا همامٌ حدَّثنا قَتادةُ عن جابر بنِ زيدٍ عنِ ابنِ عبّاسٍ
رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((قال النبيُّ وَّه في بنتِ حمزةَ: لا تَحِلُّ لي، يَحرُمُ منَ الرَّضاعةِ ما يَحرُمُ منَ
التَّسَبِ، هي ابنةُ أخي من الرَّضاعة)). [الحديث ٢٦٤٦ - طرفه في: ٥١٠٠].
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي بالفاء البصري قال: (حدثنا همام) هو ابن
يحيى العوذي بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة البصري قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن
جابر بن زيد) التابعي الأزدي ثم الجوفي بفتح الجيم وسكون الواو بعدها فاء أبو الشعثاء البصري
(عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال: قال النبي وَّ*) أي لما قال عليّ رضي الله عنه (في بنت
حمزة) بن عبد المطلب عمه وَّر وأخيه من الرضاعة أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب ألا تتزوجها (لا
تحلّ لي) وكان اسمها أمامة أو عمارة أو غير ذلك.
(يحرم من الرضاع) ولأبي ذر: من الرضاعة (ما يحرم من النسب) يستثنى من هذا العموم أربع
نسوة يحرمن في النسب مطلقًا وفي الرضاع قد لا يحرمن، ويأتي ذكرهنّ إن شاء الله في النكاح،
وكما أن الرضاع يحرّم ما يحرم من النسب يبيح ما يبيحه بالإجماع فيما يتعلق بالنكاح وتوابعه وانتشار

٨٥
کتاب الشهادات/ باب ٧
الحرمة بين الرضيع وأولاد المرضعة وتنزيلهم منزلة الأقارب في جواز النظر والخلوة والمسافرة لا باقي
الأحكام من التوارث وغيره مما يأتي إن شاء الله تعالى في محله (هي) أي بنت حمزة أمامة (بنت) ولأبي
ذر: ابنة (أخي) حمزة (من الرضاعة).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا المؤلف ومسلم والنسائي وابن ماجه في النكاح.
٢٦٤٦ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ أخبرنا مالكٌ عن عبدِ اللهِ بنِ أبي بكرٍ عن عَمْرةَ بنتِ
عبد الرحمنِ أنَّ عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها زوجَ النبيِّ وَّ﴿ أخبرَتْها أنَّ النبيَّ وَّرَ كان عندَها، وأنها
سمِعَثْ صوتَ رجُلٍ يَستأذِنُ في بيتٍ حَفصةَ، قالت عائشةُ: فقلتُ يا رسولَ اللَّهِ أُراهُ فلانًا، لعمْ
خَفصةَ منَ الرَّضاعةِ - فقالت عائشةُ: يا رسولَ اللَّهِ هذا رجُلٌ يستأذِنُ في بَيْتِكَ. قالت: فقال رسولُ
اللَّهِ وَ﴾: أُراهُ فلانًا، لعمِّ حفصةَ منَ الرضاعة. فقالت عائشةُ: لو كان فلانٌ حَيًّا - لعمّها من
الرضاعةِ - دَخل عليَّ، فقال رسولُ اللَّهِ وَّ: نعم، إنَّ الرَّضاعةَ يَخْرُمُ منها ما يَخْرِمُ منَ الولادةِ)).
[الحديث ٢٦٤٦ - طرفاه في: ٣١٠٥، ٥٠٩٩].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن عبد الله بن
أبي بكر) اسم جده محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني (عن عمرة بنت عبد الرحمن) بن
سعد بن زرارة الأنصارية المدنية (أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي ◌َّ﴿ أخبرتها أن رسول الله)
ولأبي ذر أن النبي (وَ ل* كان عندها) في بيتها (وأنها سمعت صوت رجل) قال ابن حجر: لم أعرف
اسمه (يستأذن في بيت حفصة) بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين والجملة في موضع جر صفة لرجل
(قالت عائشة رضي الله عنها: فقلت يا رسول الله أراه) بضم الهمزة أي أظنه (فلانًا لعم حفصة) أم
المؤمنين (من الرضاعة فقالت عائشة: يا رسول الله هذا رجل يستأذن في بيتك) الذي فيه حفصة
(قالت) عائشة (فقال رسول الله (صَ﴿) :
(أراه) بضم الهمزة أظنه (فلانًا لعم) أي عم (حفصة من الرضاعة) لم يسم عم حفصة هذا
وسقط قوله قالت عائشة فقلت يا رسول الله أراه إلخ في الأصل المقروء على الميدومي، وثبت في
عدة من الفروع المقابلة بأصل اليونينية وكذا رأيته فيها وسقوطه أولى كما لا يخفى (فقالت عائشة) له
عليه الصلاة والسلام (لو كان فلان حيًّا لعمها) اللام بمعنى عن أي عن عمها (من الرضاعة دخل
علي) بتشديد الياء أي هل كان يجوز أن يدخل عليّ؟ قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم عم
حفصة ووهم من فسره بأفلح أخي أبي القعيس لأن أبا القعيس والد عائشة من الرضاعة، وأما أفلح
فهو أخوه وهو عمها من الرضاعة وقد عاش حتى جاء يستأذن على عائشة فأمرها عليه الصلاة
والسلام أن تأذن له بعد أن امتنعت فالمذكور هنا عم آخر أخو أبيها أبي بكر من الرضاع أرضعتهما
امرأة واحدة، وقيل هما واحد. وغلطه النووي بأن عمها في حديث أبي القعيس كان حيًّا والآخر
كان ميتًا وإنما ذكرت عائشة ذلك في العم الثاني لأنها جوّزت تبدل الحكم فسألت مرة أخرى.

٨٦
کتاب الشهادات/ باب ٧
(فقال رسول الله وَ(#) في جوابها (نعم) أي يجوز دخوله عليك ثم علّل جواز ذلك بقوله (إن
الرضاعة تحرم) بتشديد الراء المكسورة مع ضم أوله ولأبي ذر عن الكشميهني يحرم منها بفتح المثناة
التحتية وضم الراء مخففًا (ما يحرم) بفتح أوله مخففًا (من الولادة) أي مثل ما يحرم من الولادة فهو على
حذف مضاف وتعبيره بقوله ما يحرم من الولادة وفي الرواية الأخرى من النسب. قال القرطبي:
دليل على جواز الرواية بالمعنى أو قال عليه الصلاة والسلام اللفظين في وقتين وقطع بالأخير في
الفتح معلّلاً بأن الحديثين مختلفان في القصة والسبب والراوي.
وهذا الحديث أخرجه في الخمس أيضًا والنكاح ومسلم والنسائي في النكاح.
٢٦٤٧ - هذاثنا محمدُ بنُ كثيرٍ أخبرَنا سفيانُ عن أشعثَ بن أبي الشغثاءِ عن أبيهِ عن مسروقٍ
أنَّ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالت: ((دَخْلَ النبيُّ وَّهِ وعندي رجُلٌ فقال: يا عائشةَ مَن هذا؟ قلتُ:
أخي منَ الرَّضاعةِ قال: يا عائشةُ انظُرْنَ مَن إخوانُكنَّ، فإنما الرضاعةُ مِنَ المجاعة)). تابعَهُ ابنُ
مَهْديٍّ عن سفيانَ. [الحديث ٢٦٤٧ - طرفه في: ٥١٠٢].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة أبو عبد الله العبدي البصري وثّقه أحمد، وروى له
المؤلف ثلاثة أحاديث في العلم والبيوع والتفسير توبع عليها قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن
أشعث بن أبي الشعثاء) بالشين المعجمة والمثلثة والعين المهملة فيهما والأخير ممدود (عن أبيه) أبي
الشعثاء سليم بن الأسود (عن مسروق) هو ابن الأجدع (أن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علّ
النبي ◌َ ﴿ وعندي رجل) الواو للحال وأخو عائشة هذا لا أعرف اسمه، وقول الجلال البلقيني فيما
نقله عنه في المصابيح أنه وجد بخط مغلطاي على حاشية أسد الغابة ما يدل على أنه عبد الله بن يزيد
تعقبه في مقدمة فتح الباري بأنه غلط لأنه تابعي انتهى.
يعني وهذا صحابي لأنه و 98 رآه بلا ريب عند عائشة، نعم عبد الله التابعي هذا المذكور أخوها
من الرضاعة كما صرّح به في رواية مسلم في الجنائز وكثير بن عبد الله الكوفي أخوها أيضًا كما
عند المؤلف في الأدب المفرد وسنن أبي داود وسبق التنبيه على ذلك في باب الغسل بالصاع.
--
(قال) عليه الصلاة والسلام ولأبي ذر: فقال (يا عائشة من هذا؟ قلت: أخي من الرضاعة.
قال: يا عائشة انظرن) بهمزة وصل وضم الظاء المعجمة من النظر بمعنى التفكّر والتأمّل (من
إخوانكن) استفهام (فإنما الرضاعة) الفاء تعليلية لقوله انظرن من إخوانكن أي ليس كل من أرضع
لبن أمهاتكنّ يصير أخاكن بل شرطه أن يكون (من المجاعة) بفتح الميم من الجوع أي أن الرضاعة
المعتبرة في المحرمية شرعًا ما كان فيه تقوية للبدن واستقلال بسد الجوع، وذلك إنما يكون في حال
الطفولية قبل الحولين كما سيأتي إن شاء الله تعالى تقريره في بابه بعون الله وقوّته.

٠
٨٧
کتاب الشهادات/ باب ٨
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في النكاح وكذا مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. (تابعه) أي
تابع محمد بن كثير (ابن مهدي) عبد الرحمن بفتح الميم في روايته الحديث فيما وصله مسلم وأبو يعلى
(عن سفيان) الثوري ثم إن المطابقة بين الترجمة والأحاديث المسوقة في بابها مستفادة منها فأما النسب
فمن أحاديث الرضاعة فإنه من لازمه وأما الرضاعة فبالاستفاضة وأما الموت القديم فبالإحقاق قاله
ابن المنير والله أعلم.
٨ - باب شهادةِ القاذِفِ والسارقٍ والزاني
وقولِ اللهِ عزَّ وجل: ﴿ولا تَقبلوا لهُم شهادةً أبدًا وأولئكَ همُ الفاسقون إلاَّ الذينَ تابوا﴾
[النور: ٤ - ٥].
وجلَدَ عمرُ أبا بَكْرة وشِبْلَ بنَ مَعبدٍ ونافِعًا بقَذْفِ المغيرةِ، ثم استَتابَهم وقال: مَن تابَ قَبِلتُ
شهادته .
وأجازهُ عبدُ اللَّهِ بنُ عُتبةَ وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ وطاوُسٌ ومُجاهدٌ والشّعبيِّ
وعِكرمةُ والزُّهريّ ومُحاربُ بنُ دِثارٍ وشُرَيحْ ومُعاويةُ بنُ قُرةً.
وقال أبو الزنادِ: الأمرُ عندنا بالمدينةِ إذا رجَعَ القاذِفُ عن قوله فاستغفَرَ قُبِلَتْ شهادتهُ.
وقال الشّعبيُّ وقَتادةُ: إذا أكذبَ نفسَهُ جُلِدَ وقُبِلَتْ شهادتُهُ.
وقال الثوريَّ: إذا جُلِدَ العبدُ ثمَّ أُعتِقَ جازَت شهادتهُ، وإن استُقْضِيَ المحدودُ فقضاياهُ
جائزةٌ.
وقال بعضُ الناسِ: لا تجوزُ شهادةُ القاذِفِ وإن تاب. ثمّ قال: لا يجوزُ نکاحْ بغیرٍ
شاهدين، فإن تزوَّجَ بشهادةِ محدودَينٍ جاز، وإن تزوَّجَ بشهادةِ عبدَينٍ لم يَجُز. وأجازَ شهادةَ
المحدودِ والعبدِ والأمةِ لرؤية هلالِ رمضان. وكيفَ تعرَفُ تَوبتهُ. وقد نَفى النبيُّ ونَ﴿ الزانيَ سنةً،
ونهى النبيُّ بَّهِ عن كلامِ كعب بن مالكٍ وصاحبَيهِ حتى مَضى خمسونَ ليلة.
(باب) حكم (شهادة القاذف) بالذال المعجمة الذي يقذف أحدًا بالزنا (والسارق والزاني) هل
تقبل بعد توبتهم أم لا (وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على سابقه ولأبي ذر عز وجل (﴿ولا تقبلوا لهم
شهادة﴾) قال القاضي أيّ شهادة كانت لأنه مصرٌّ وقيل شهادتهم في القذف ولا يتوقف ذلك على
استيفاء الجلد (﴿أبدًا﴾) ما لم يتب وعند أبي حنيفة إلى آخر عمره (﴿وأولئك هم الفاسقون﴾) المحكوم
بفسقهم (﴿إلا الذين تابوا﴾) عن القذف (﴿من بعد ذلك وأصلحوا﴾) [النور: ٤ - ٥] أي أعمالهم

٨٨
کتاب الشهادات/ باب ٨
بالتدارك ومنه الاستسلام للحد أو الاستحلال من المقذوف فإن شهادتهم مقبولة لأن الله استثنى
التائبين عقب النهي عن قبول شهادتهم، وقال الحنفية: ذكره بالتأبيد يدل على أنها لا تقبل بعد استيفاء
الحد بكل حال والاستثناء منصرف إلى ما يليه وهو قوله: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ وقال الحنفية:
الاستثناء منقطع لأن التائبين غير داخلين في صدر الكلام وهو قوله: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ إذ
التوبة تجب ما قبلها من الذنوب فلا يكون التائب فاسقًا، وأما شهادته فلا تقبل أبدًا لأن ردّها من
تتمة الحد لأنه يصلح جزاء فيكون مشار كالأول في كونه حدًّا وقوله: وأولئك هم الفاسقون لا
يصلح أن يكون جزاء لأنه ليس بخطاب للأئمة بل إخبار عن صفة قائمة بالقاذفين فلا يصلح أن
يكون من تمام الحد لأنه كلام مبتدأ على سبيل الاستئناف منقطع عما قبله لعدم صحته على ما سبق
لأن قوله: وأولئك هم الفاسقون جملة خبرية ليس بخطاب للأئمة وما قبله إنشائية خطاب لهم،
وقوله: ﴿ولا تقبلوا﴾ إنشائية يصح عطفها على فاجلدوا فإذا شهد قبل الحد أو قبل تمام استيفائه
قبلت شهادته فإذا استوفى لم تقبل وإن تاب وكان من الأتقياء الأبرار لتعلقها باستيفاء الحد وتعقبه
الشافعي بأن الحدود كفّارات لأهلها فهو بعد الحدّ خير منه قبله فكيف ترد في خير حالتيه وتقبل في
شرهما ولأن أبدًا في كل شيء على ما يليق به كما لو قيل لا تقبل شهادة الكافر أبدًا أي ما دام
کافرًا .
(وجلد عمر) بن الخطاب رضي الله عنه فيما وصله الشافعي (أبا بكرة) نفيع بن الحرث بن
كلدة بالكاف واللام والدال المهملة المفتوحات الصحابي (وشبل بن معبد) بكسر الشين وسكون
الموحدة ومعبد بفتح الميم وسكون المهملة وفتح الموحدة ابن عبيد بن الحرث البجلي أخا أبي بكرة لأمه
سميّة وهو معدود في المخضرمين (ونافعًا) هو ابن الحرث أخو أبي بكرة لأمه أيضًا (بقذف المغيرة) بن
شعبة وكان أمير البصرة لعمر رضي الله عنه لما رأوه وكان معهم أخوهم لأمهم زياد بن أبي سفيان
متبطن الرقطاء أم جميل بنت عمرو بن الأفقم الهلالية زوج الحجاج بن عتيك بن الحرث بن عوف
الجشمي فرحلوا إلى عمر فشكوه فعزله وولى أباً موسى الأشعري وأحضر المغيرة فشهد عليه الثلاثة
بالزنا ولم يثبت زياد الشهادة وقال: رأيت منظرًا قبيحًا وما أدري أخالطها أم لا. وعند الحاكم فقال
زياد: رأيتهما في لحاف واحد وسمعت نفسًا عاليًا وما أدري ما وراء ذلك فأمر عمر بجلد الثلاثة
حدّ القذف (ثم استتابهم وقال: من تاب قبلت شهادته) نصب مفعول قبلت.
(وأجازه) أي الحكم المذكور وهو قبول شهادة المحدود في القذف (عبد الله بن عتبة) بضم
العين وسكون المثناة الفوقية ابن مسعود فيما وصله الطبري من طريق عمران بن عمير عنه،
(وعمر بن عبد العزيز) الخليفة المشهور فيما وصله الطبري أيضًا والخلال من طريق ابن جريج عن
عمران بن موسى عنه، (وسعيد بن جبير) التابعي المشهور فيما وصله الطبري من طريقه، (وطاوس)
هو ابن كيسان اليماني، (ومجاهد) هو ابن جبر المكي فيما وصله عنهما سعيد بن منصور والشافعي
والطبري من طريق ابن أبي نجيح، (والشعبي) عامر بن شراحيل فيما وصله الطبري من طريق ابن

٨٩
کتاب الشهادات/ باب ٨
أبي خالد عنه، (وعكرمة) مولى ابن عباس فيما وصله البغوي في الجعديات عن شعبة عن يونس هو
ابن عبيد عنه، (والزهري) محمد بن مسلم بن شهاب فيما وصله ابن جرير عنه، (ومحارب بن دثار)
بكسر الدال وبالمثلثة ومحارب بضم الميم وبعد الحاء المهملة ألف فراء مكسورة آخره موحدة الكوفي
قاضيها (وشريح) القاضي (ومعاوية بن قرة) ابن إياس البصري فيما قاله العيني، لكن قال ابن
حجر: لم أرَ عن واحد من الثلاثة أي الأخيرة التصريح بالقبول.
(وقال أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان فيما وصله سعيد بن منصور (الأمر عندنا بالمدينة) طيبة
(إذارجع القاذف عن قوله فاستغفر ربه قبلت شهادته) وهذا بخلاف الحنفية كما مرّ (وقال الشعبي)
عامر بن شراحيل (وقتادة) فيما وصله الطبري عنهما مفرقًا (إذا أكذب) القاذف (نفسه جلد) حدّ
القذف (وقبلت شهادته) لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [النور: ٤] وقد سأل ابن المنير فقال: إن
كان صادقًا في قذفه فمِمَّ يتوب إذًا؟ وأجاب: بأنه يتوب من الهتك ومن التحدّث بما رآه، ويحتمل
أن يقال إن المعاين للفاحشة مأمور بأن لا يكشف صاحبها إلا إذا تحقق كمال النصاب معه فإذا كشف
قبل ذلك عصى فيتوب من المعصية في الإعلان لأمن الصدق في علمه، وتعقبه في الفتح بأن أبا
بكرة لم يكشف حتى تحقق كمال النصاب ومع ذلك أمره عمر بالتوبة لتقبل شهادته قال: ويجاب
عن ذلك بأن عمر لعله لم يطّلع على ذلك فأمره بالتوبة ولذلك لم يقبل منه أبو بكرة ما أمره به لعلمه
بصدقه عند نفسه انتھی.
(وقال الثوري) سفيان مما هو في جامعه برواية عبد الله بن الوليد العدني عنه (إذا جلد العبد)
بالرفع نائبًا عن الفاعل (ثم أعتق) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (جازت شهادته وإن استقضي المحدود)
بسكون السين وضم الفوقية وسكون القاف وكسر الضاد المعجمة أي طلب منه أن يحكم بين خصمين
(فقضاياه جائزة، وقال بعض الناس) يعني أبا حنيفة رحمه الله (لا تجوز شهادة القاذف وإن تاب) عن
جريمة القذف لقوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا﴾ [النور: ٤] كما مرّ (ثم قال) أي أبو حنيفة
(لا يجوز نكاح بغير شاهدين فإن تزوج بشهادة محدودين) في قذف (جاز) النكاح لأنهما أهل للشهادة
تحملاً وعدم قبولها عند الأداء لا يمنع تحققها إذ الأداء من ثمراتها وفوت الثمرة لا يدل على فوت
الأصل وانعقاد النكاح موقوف على حضور الشاهدين لا على أدائهما الشهادة كذا علّلوه وفي الحقائق
من كتبهم أن محل الخلاف في المحدودين قبل ظهور التوبة إذ بعده ينعقد إجماعًا (وإن تزوج بشهادة
عبدين لم يجز) لأن الشهادة من باب الولاية لكونها نافذة على الغير رضي والعبد ليس من أهل
الولاية.
(وأجاز) بعض الناس المذكور (شهادة المحدود) أي في قذف بعد التوبة (والعبد والأمة لرؤية
هلال رمضان) لجريانه مجرى الخبر وهو مخالف للشهادة في المعنى قال البخاري: (وكيف تعرف توبته)
أي القاذف وهذا من كلام المصنف من تمام الترجمة، وقد قال: الشافعي كأكثر السلف: لا بدّ أن
يكذب نفسه، وعن مالك إذا ازداد خيرًا كفى ولا يتوقف على تكذيبه نفسه لجواز أن يكون صادقًا في

٩٠
کتاب الشهادات/ باب ٨
نفس الأمر، وإلى هذا مال المؤلف رحمه الله ثم استدل لذلك بقوله: (وقد نفى النبي وَلا ير الزاني سنة)
فيما يأتي موصولاً قريبًا وسقط (قد) لأبي ذر، (ونهى النبي(وَلّ عن) ولأبي ذر: ونهي عن (كلام
كعب بن مالك وصاحبيه) وهما هلال بن أمية ومرارة بن الربيع (حتى مضى خمسون ليلة) كما يأتي
إن شاء الله تعالى موصولاً في غزوة تبوك وتفسير براءة ووجه الدلالة من ذلك أنه لم ينقل أنه وَلفى
كلفهما بعد التوبة بقدر زائد على النفي والهجران.
٢٦٤٨ - عقثنا إسماعيلُ قال: حدَّثني ابنُ وَهبٍ عن يونُسَ.
وقال اللَّيثُ حدّثني يونسُ عنِ ابنِ شهابٍ أخبرَني عُروةُ بنُ الزُّبِيرِ: ((أنَّ امرأةً سَرَقَتْ في
غزوةِ الفتحِ فأُتيَ بها رسولُ اللَّهِ وَه ثمَّ أمرَ بها فقُطِعَتْ يدُها. قالت عائشة: فحسُنَتْ توبتها
وتزوَّجَتْ، وكانت تأتي بعدَ ذلكَ فأرفَعُ حاجتَها إلى رسولِ اللَّهِ وَلِخ)). [الحديث ٢٦٤٨ - أطرافه
في: ٣٤٧٥، ٣٧٣٢، ٣٧٣٣، ٤٣٠٤، ٦٧٨٧، ٦٧٨٨، ٦٨٠٠].
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أُويس (قال: حدثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله (عن
يونس) بن يزيد الأيلي (وقال الليث) بن سعد الإمام مما وصله أبو داود لكن بغير هذا اللفظ فظهر أن
اللفظ لابن وهب (حدّثني) بالإفراد (يونس) الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه قال: (أخبرني)
بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوام (أن امرأة) هي فاطمة بنت الأسود عبد الأسد المخزومية على
الراجح كما سيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الحدود (سرقت في غزوة الفتح) وزاد ابن ماجه،
وصحّحه الحاكم أن الذي سرقته كان قطيفة من بيت رسول الله وَ لفي ويأتي في الحدود إن شاء الله
تَعالى الجمع بينه وبين ما رواه ابن سعد أن الذي سرقته كان حليًّا (فأتي) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول
(بها) أي بالمرأة السارقة (رسول الله وي ثم أمر) عليه الصلاة والسلام وزاد أبو ذر عن الكشميهني : .
بها (فقطعت يدها) أي اليمنى وعند النسائي من حديث ابن عمر قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها
بعدما ثبت عنده عليه الصلاة والسلام المقتضي للقطع وعند أبي داود تعليقًا عن صفية بنت أبي عبيد
نحو حديث المخزومية وزاد فيه قال: فشهد عليها.
(قالت عائشة) رضي الله عنها زاد في الحدود فتابت (فحسنت توبتها) وهذا موضع الترجمة.
وقد نقل الطحاوي الإجماع على قبول شهادة السارق إذا تاب وكأن المؤلف أراد إلحاق القاذف بالسارق
لعدم الفارق عنده (وتزوجت) وللإسماعيلي في الشهادات فنكحت رجلاً من بني سليم (وكانت تأتي
بعد ذلك) أي عندي (فأرفع حاجتها إلى رسول الله وَ ل#) وعند الحاكم في آخر حديث مسعود بن
الحكم قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر أن النبي وس لو كان بعد ذلك يرحمها ويصلها.
وهذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى بقية مباحثه في غزوة الفتح وكتاب الحدود.

٩١
كتاب الشهادات/ باب ٩
٢٦٤٩ - هقثنا يحيى بنُ بُكَيرِ حدَّثَنا اللَّيْثُ عن عُقَيل عنِ ابنِ شهابٍ عن عُبَيدِ اللَّهِ بن
عبدِ اللهِ عن زيدِ بنِ خالدٍ رضيَ اللَّهُ عنه: (عن رسولِ اللَّهِ وَ أَنهُ أمرَ فيمن زنى ولم يُخْصنْ بجَلدٍ
مائةٍ وتَغريب عام)).
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة مصغرًا قال (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام
(عن عقيل) بضم العين مصغرًا ابن خالد بن عقيل بفتح العين الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن
عبيد الله) بضم العين مصغرًا (ابن عبد الله) بن عتبة بن مسعود (عن زيد بن خالد) الجهني المدني
المتوفى بالكوفة سنة ثمان وستين أو وسبعين وله ثمانون سنة (رضي الله عنه عن رسول الله﴾) (أنه
أمر فيمن زنى ولم يحصن) بكسر الصاد ولأبي ذر ولم يحصن بفتحها بمعنى الفاعل وهو الذي اجتمع
فيه العقل والبلوغ والحرية والإصابة في النكاح الصحيح والواو للحال (بجلد مائة) الباء تتعلق بأمر
(وتغريب عام). واستشكل الداودي إيراد هذا الحديث في هذا الباب يعني فإنه ليس مجرد الغربة عامًا
توبة توجب قبول الشهادة باتفاق فكيف يتوجه قول البخاري؟ وأجاب ابن المنير: بأنه أراد أن الحال
يتغير في العام وينتقل إلى حال لا يحتاج معها إلى تغريب وكأنها مظنة لكسر سورة النفس وهيجان
الشهودة .
٩ - باب لا يَشْهَدُ على شهادةِ جَورٍ إذا أُشهِدَ
هذا (باب) بالتنوين (لا يشهد) الرجل وفي بعض الأصول لا يشهد بالجزم على النهي (على
شهادة جور) ظلم أو حيف أو ميل عن الحق (إذا أشهد) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول.
٢٦٥٠ - حقثنا عَبدانُ أخبرنا عبدُ اللَّهِ أخبرنا أبو حَيّانَ التَّيميُّ عنِ الشّعبيِّ عنِ النُّعمانِ بنِ
بَشيرٍ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((سألتْ أُمّي أبي بعضَ المَوهِبةِ لي من مالهِ، ثمَّ بَدا لهُ فَوَهبَها لي،
فقالت: لا أرضى حتّى تشهِدَ النبيِّ ◌َ﴿. فأخذَ بيدي وأنا غُلامٌ فأتىْ بِيَ النبيِّ ◌َ ◌ّ فقال: إنَّ أُمَّهُ
بنتَ رَواحةً سألْتني بعضَ المَوهبةِ لهذا. قال: ألكَ وَلَدٌ سواهُ؟ قال: نعم. قال: فأراهُ قال: لا
تُشهِدْني على جَور)».
وقال أبو حَريز عن الشّعبيّ: ((لا أشهَدُ علی جور)).
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عتمان المروزي قال: (حدّثنا عبد الله) بن المبارك
المروزي قال: (أخبرنا أبو حيان) بالحاء المهملة والمثناة التحتية المشددة وبعد الألف نون يحيى بن
سعيد (التيمي) الكوفي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما) أنه
(قال: سألت أمي) عمرة بنت رواحة بفتح الراء والواو المخففة وبالحاء المهملة (أبي) بشيرًا (بعض.
الموهبة لي) مصدر ميمي بمعنى الهبة (من ماله) والموهبة عبد أو أمة كما صرّح به في رواية أبي ذر

٩٢
كتاب الشهادات/ باب ٩
وفي رواية غلام من غير شك ولم يسمَّ وفي رواية حديقة وحملهما ابن حبان على حالتين (ثم بدا له)
بعد أن امتنع أوّلاً (فوهبها لي) الأمة أو الحديقة (فقالت) أمي (لا أرضى حتى تشهد النبي وَاي) أنك
أعطيته (فأخذ) أبي (بيدي وأنا غلام فأتى بي النبي ◌َ إ فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة
لهذا قال) عليه الصلاة والسلام ولأبي الوقت فقال:
(ألك ولد سواء؟ قال: نعم قال) أي النعمان (فأراه) بضم الهمزة أظنه عليه الصلاة والسلام
(قال) لبشير (لا تشهدني على جور) بفتح الجيم وبعد الواو الساكنة راء.
(وقال أبو حريز) بفتح الحاء وكسر الراء المهملتين وبعد التحتية الساكنة زاي بوزن سعيد
عبد الله بن الحسين الأزدي قاضي سجستان مما وصله ابن حبان في صحيحه والطبراني (عن الشعبي)
عامر بن شراحيل أي عن النعمان في هذا الحديث (لا أشهد على جور) واستدل به الحنابلة على
وجوب العدل في عطية الأولاد. وأجاب الجمهور: بأن الجور هو الميل عن الاعتدال والمكروه أيضًا
جور، وسبق في الهبة مزيد لذلك ووقع في اليونينية أنه أثبت قوله، وقال: أبو حريز إلخ هنا بعد ما
قدّمه على قوله حدّثنا عبدان وضبب عليه والأولى تأخيره لما لا يخفى.
٢٦٥١ - هذثنا آدمُ حدِّثَنا أبو جَمرةَ قال: سمعتُ زَهْدَمَ بنَ مُضرَّبٍ قال: سمعتُ عِمرانَ بنَ
حُصَّين رضيَ اللَّهُ عنهما قال: قال النبيُّ نَّهِ: ((خيرُكم قَرْني، ثمَّ الذين يَلونَهم، ثمَّ الذين يَلونَهم
- قال عِمرانُ: لا أدري أَذَكَّرَ النبيُّ ◌َّهِ بعد قَرِنَينِ أو ثلاثة - قال النبيُّ ◌َّهِ: إِنَّ بعدَكم قَومًا يَخونون
ولا يُؤْتَمنون، ويَشْهدون ولا يُسْتَشهَدون، ويَنذِرون ولا يَفون، ويَظْهَرُ فيهِمُ السَّمَن)). [الحديث
٢٦٥١ - أطرافه في: ٣٦٥٠، ٦٤٢٨، ٦٦٩٥].
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا أبو جمرة)
بالجيم والراء نصر بن عمران الضبعي (قال: سمعت زهدم بن مضرب) بفتح الزاي وسكون الهاء
وفتح الدال المهملة ابن مضرب بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء المكسورة الجرمي
البصري (قال: سمعت عمران بن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين (رضي الله عنهما قال:
قال النبي ◌َِّ):
(خيركم) أي خير الناس أهل (قرني) أي عصري مأخوذ من الاقتران في الأمر الذي يجمعهم،
والمراد هنا الصحابة قيل والقرن ثمانون سنة أو أربعون أو مائة أو غير ذلك (ثم الذين يلونهم) أي
يقربون منهم وهم التابعون (ثم الذين يلونهم) وهم أتباع التابعين (قال عمران) بن حصين مما هو
موصول بالإسناد السابق (لا أدري أذكر النبي ◌َّفي بعد) بالبناء على الضم لنيّة الإضافة ولأبي ذر عن
الحموي والمستملي بعد قرنه (قرنين أو ثلاثة قال النبي وَ﴾) (إن بعدكم قومًا) بالنصب اسم إن قال
العيني وهي رواية النسفي. وقال الحافظ ابن حجر: ولبعضهم قوم بالرفع فيحتمل أن يكون من

٩٣
كتاب الشهادات/ باب ٩
الناسخ على طريقة من لا يكتب الألف في المنصوب، وقال العيني: مرفوع بفعل محذوف أي إن
بعدكم يجيء قوم (يخونون) بالخاء المعجمة من الخيانة (ولا يؤتمنون) لخيانتهم الظاهرة بحيث لا يعتمد
عليهم (ويشهدون ولا يستشهدون) أي يتحملون الشهادة من غير تحميل أو يؤدونها من غير طلب
الأداء، وهذا لا يعارضه حديث زيد بن خالد المروي في مسلم مرفوعًا: ((ألا أخبركم بخير الشهداء
الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها لأن المراد بحديث زيد من عنده شهادة لإنسان بحق لا يعلم بها
صاحبها فيأتي إليه فيخبره بها أو يموت صاحبها العالم بها ويخلف ورثة فيأتي الشاهد إليهم أو إلى من
يتحدث عنهم فيعلمهم بذلك أو أن الأول في حقوق الآدميين، وهذا في حقوق الله تعالى التي لا
طالب لها أو المراد بها الشهادة على المغيب من أمر الناس يشهد على قوم أنهم من أهل الجنة بغير دليل
كما يصنع ذلك أهل الأهواء وهذا حكاه الطحاوي وتبعه جماعة منهم الزركشي، وتعقبه في المصابيح
فقال: هذا مشكل لأن الذم ورد في الشهادة بدون استشهاد والشهادة على الغيب مذمومة مطلقًا سواء
كانت باستشهاد أو بدونه (وينذرون) بفتح حرف المضارعة ويكسر الذال المعجمة ولأبي ذر وينذرون
بضم الذال (ولا يفون) من الوفاء (ويظهر فيهم السمن) بكسر السين المهملة وفتح الميم أي يعظم
حرصهم على الدنيا والتمتع بلذاتها وإيثار شهواتها والترفّه في نعيمها حتى تسمن أجسادهم أو المراد
تكثرهم بما ليس فيهم وادعاؤهم الشرف أو المراد جمعهم المال، وعند الترمذي من طريق هلال بن
يساف عن عمران بن حصين: ثم يجيء قوم يتسمنون ويحبون السمن.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: يشهدون ولا يستشهدون لأن الشهادة قبل الاستشهاد فيها
معنى الجور، وقد أخرجه المؤلف أيضًا في فضل الصحابة وفي الرقاق والنذور، ومسلم في
الفضائل، والنسائي في النذور.
٢٦٥٢ - حقثنا محمدُ بنُ كَثيرِ أخبرَنا سُفيانُ عن مَنصورٍ عن إبراهيمَ عن عبيدةَ عن عبدِ اللهِ
رضيَ اللهُ عنه عن النبيِّ وَّ﴿ قال: ((خيرُ النّاسِ قَرني، ثمَّ الذين يَلونهم، ثمَّ الذينَ يَلونَهم. ثمَّ
يَجِيءُ أقوامٌ تَسبِقُ شهادةُ أحدِهم يَمينَه ويَميتُهُ شهادته)). قال إبراهيم: ((وكانوا يَضرِبونَنا على الشهادةِ
والعَهد)). [الحديث ٢٦٥٢ - أطرافه في: ٣٦٥١، ٦٤٢٩، ٦٦٥٨].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي البصري قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن
منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة) بفتح العين السلماني (عن عبد الله) ابن
مسعود (رضي الله عنه عن النبي (َ(*) أنه (قال):
(خير الناس) أهل (قرني) يعني أصحابه (ثم الذين يلونهم) يعني أتباعهم (ثم الذين يلونهم)
يعني أتباع التابعين وهذا يقتضي أن الصحابة أفضل من التابعين والتابعون أفضل من أتباع التابعين
لكن هل الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد محل بحث، وإلى الثاني ذهب الجمهور والأول قول
ابن عبد البرّ، وفي كتابي بالمواهب اللدنية بالمنح المحمدية مباحث ذلك، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد

٩٤
كتاب الشهادات/ باب ١٠
لذلك في فضائل الصحابة بعون الله تعالى وقوّته (ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه
شهادته) أي في حالين لا في حالة واحدة لأنه دور قال البيضاوي وتبعه الكرماني: هم الذين
يحرصون على الشهادة مشغوفين بترويجها يحلفون على ما يشهدون به فتارة يحلفون قبل أن يأتوا
بالشهادة وتارة يعكسون، ويحتمل أن يكون مثلاً في سرعة الشهادة واليمين وحرص الرجل عليهما
والتسرّع فيهما حتى لا يدري بأيهما يبتدىء فكأنه يسبق أحدهما الآخر من قلة مبالاته بالدين. قال
النووي: واحتج به المالكية في رد شهادة من حلف معها والجمهور على أنها لا ترد.
(قال إبراهيم) النخعي بالإسناد السابق (وكانوا يضربوننا) زاد المؤلف في الفضائل ونحن صغار
(على الشهادة والعهد) أي قول الرجل أشهد بالله وعلّ عهد الله ما كان كذا على معنى الحلف حتى لا
يصير لهم عادة فيحلفون في كل ما يصلح وما لا يصلح والله أعلم.
١٠ - باب ما قِيلَ في شهادةِ الزُّور
لِقولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ ﴿والذينَ لا يَشهدون الزور﴾، وكتمانِ الشهادة ﴿ولا تَكْتُموا الشهادةَ ومَن
يَكْتُمْها فإنهُ آئِمٌ قلبهُ والله بما تعملون عليم﴾. تَلْوُوا ألسنتكم بالشهادة.
(باب ما قيل في شهادة الزور) أي من التغليظ والوعيد (لقول الله) أي لأجل قول الله ولأبي ذر
لقوله عز وجل: (﴿والذين لا يشهدون الزور﴾﴾ [الفرقان: ٧٢] أي لا يقيمون الشهادة الباطلة أو لا
يحضرون محاضر الكذب والفسق والكفر أو اللهو والغناء. وقال ابن حجر: أشار أي المؤلف إلى أن
الآية سيقت في ذم متعاطي شهادة الزور وهو اختيار منه لأحد ما قيل في تفسيرها، وتعقبه العيني
فقال: ما سيقت الآية إلا في مدح تاركي شهادة الزور وقوله: وهو اختيار لأحد ما قيل في تفسيرها
لم يقل به أحد من المفسرين وحينئذ فإيراد المؤلف للآية في معرض التعليل لما قيل في شهادة الزور
من الوعيد لا وجه له لأنها ما سيقت إلا في مدح الذين لا يشهدون الزور انتهى.
وما قاله ابن حجر أقعد ليكون ما قاله المؤلف مطابقًا لما استدل له ولعله وقف على ذلك من
قول بعض المفسرين، وجزم العيني بأنه لم يقل به أحد من المفسرين ودعواه الحصر فيه نظر ولا
يخفى، ونقل في الفتح عن الطبري أنه قال: وأولى الأقوال عندنا أن المراد به مدح من لا يشهد شيئًا
من الباطل (و) ما قيل في (كتمان الشهادة) بكسر الكاف (لقوله) تعالى (﴿ولا تكتموا الشهادة﴾) أيها
الشهود إذا دعيتم لتأديتها عند الحاكم (﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾) أي يأثم قلبه وإسناد الإثم إلى
القلب لأن الكتمان يتعلق به لأنه مضمر فيه (﴿والله بما تعملون﴾) من كتمان الشهادة وإقامتها ((عليم))
[البقرة: ٢٨٣] فيجازي على كتمان الشهادة وأدائها وسقط لغير أبي ذر لقوله الثابتة قبل قوله: ﴿ولا
تكتموا الشهادة﴾ وقوله تعالى في سورة النساء وأن (﴿تلووا)) [النساء: ١٣٥] يعني (ألسنتكم
بالشهادة) كذا فسره ابن عباس فیما روي عنه من طريق عليّ بن أبي طلحة كما عند الطبري وروي

٩٥
كتاب الشهادات/ باب ١٠
عنه من طريق العوفي قال: تلوي لسانك بغير الحق وهي اللجلجلة فلا تقيم الشهادة على وجهها
والتي هو التحريف وتعمد الكذب، وأتى المؤلف رحمه الله بكلمةُ مفردة من التنزيل في معرض
الاحتجاج ولم يقل، وقوله (وإن) ولم يفصل بين الكلمة القرآنية وتفسيرها.
٢٦٥٣ - حقثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مُنيرٍ سَمِعَ وَهبَ بن جَريرٍ وعبدَ الملكِ بنَ إبراهيمَ قالا: حدَّثَنَا
شُعبةُ عن عُبِيدِ اللَّهِ بن أبي بكرِ بنِ أَنَسٍ عن أنس رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((سُئل النبيُّ ◌َّه عن الكبائر
قال: الإشراكُ بالله، وعُقوقُ الوالِدَين، وقتلُ النَّفْس، وشَهادةُ الزُّورِ). تابَعَهُ غُنْدَرٌ وأبو عامرٍ وبَهْزٌ
وعبدُ الصَّمد عن شعبةً. [الحديث ٢٦٥٣ - طرفاه في: ٥٩٧٧، ٦٨٧١].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن منير) بضم الميم وكسر النون آخره راء أبو عبد الرحمن المروزي
الزاهد أنه (سمع وهب بن جرير) هو ابن حازم الأزدي (وعبد الملك بن إبراهيم) مولى بني
عبد الدار القرشي (قالا: حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس) بتصغير عبد
(عن) جده (أنس) هو ابن مالك (رضي الله عنه) أنه (قال: سئل النبي ◌َّير عن الكبائر) جمع كبيرة
واختلف فيها والأقرب أنها كل ذنب رتب الشارع عليه حدًّا أو صرّح بالوعيد فيه (قال) عليه الصلاة
والسلام الكبائر:
(الإشراك بالله) رفع خبرًا عن المبتدأ المقدّر (وعقوق الوالدين) بأن يفعل الولد ما يتأذى به تأذيًا
ليس بالهين مع كونه ليس من الأفعال الواجبة (وقتل النفس) أي بغير حق قال تعالى ﴿ومن يقتل
مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها﴾ [النساء: ٩٣] الآية (وشهادة الزور) الواو في الثلاثة
للعطف على السابق وليس المراد حصر الكبائر فيما ذكر بل اقتصر على أكبرها والشرك أعظمها.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الأدب والديات ومسلم في الأيمان والترمذي في البيوع
والتفسير والنسائي في القضاء والقصاص والتفسير.
(تابعه) أي تابع وهب بن جرير في روايته عن شعبة (غندر) وهو محمد بن جعفر (وأبو عامر)
عبد الملك العقدي فيما وصله أبو سعيد النقاش في كتاب الشهود وابن مندة في كتاب الأيمان
(وبهز) بفتح الموحدة وبعد الهاء الساكنة زاي ابن أسد العميّ فيما وصله أحمد (وعبد الصمد) بن
عبد الوارث فيما وصله المؤلف في الديات الأربعة (عن شعبة) أي ابن الحجاج المذكور.
٢٦٥٤ - حدثنا مُسدّدٌ حدَّثَنَا بِشرُ بنُ المُفضَّلِ حدّثَنَا الجُرَيريُّ عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بَكرةً
عن أبيهِ رضيَ اللَّهُ عنه قال: قال النبيِّ وََّ: ((ألا أُنْبِّئُكم بأكبر الكبائرِ (ثلاثًا)؟ قالوا: بلى يا رسولَ
اللَّهِ. قال: الإشراكُ باللّهِ، وعقوقُ الوالِدَينِ - وجَلَسَ وكان مُتَّكِئًا فقال -: ألا وقولُ الزُّورِ. قال:
فما زال يُكرِّرُها حتّى قلنا: لَيتَهُ سَكَتَ)). وقال إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ: حدَّثَنا الجُرَيرِيُّ حدَّثَنا
عبدُ الرحمنِ ... [الحديث ٢٦٥٤ - أطرافه في: ٥٩٧٦، ٦٢٧٣، ٦٢٧٤، ٦٩١٩].

٩٦
كتاب الشهادات/ باب ١٠
وبه قال: (حدّثنا مسدّد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا بشر بن المفضل) بن لاحق الرقاشي
بقاف ومعجمة البصري قال: (حدّثنا الجريري) بضم الجيم وفتح الراء الأولى سعيد بن إياس الأزدي
(عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه) أبي بكرة نفيع بضم النون الثقفي (رضي الله عنه) أنه (قال:
قال النبي (وَّر) سقط لأبي ذر قال الأولى:
(ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام للتنبيه لتدل على تحقق ما بعدها (أنبئكم) بالتشديد والذي في
اليونينية بالتخفيف أي أخبركم (بأكبر الكبائر) قال ذلك (ثلاثًا) تأكيدًا لتنبيه السامع على إحضار فهمه
(قالوا: بلى يا رسول الله) أي أخبرنا (قال) عليه الصلاة والسلام: أكبر الكبائر (الإشراك بالله وعقوق
الوالدين) وهذا يدل على انقسام الكبائر في عظمها إلى كبير وأكبر ويؤخذ منه ثبوت الصغائر لأن
الكبيرة بالنسبة إليها أكبر منها وأما ما وقع للأستاذ أبي إسحق الإسفرايني والقاضي أبي بكر الباقلاني
والإمام وابن القشيري من أن كل ذنب كبيرة ونفيهم الصغائر نظرًا إلى عظمة من عصى بالذنب، فقد
قالوا كما صرّح به الزركشي إن الخلاف بينهم وبين الجمهور لفظي. قال القرافي: وكأنهم كرهوا
تسمية معصية الله صغيرة إجلالاً له عز وجل مع أنهم وافقوا في الجرح على أنه لا يكون بمطلق
المعصية وأن من الذنوب ما يكون قادحًا في العدالة وما لا يقدح هذا مجمع عليه، وإنما الخلاف في
التسمية والإطلاق والصحيح التغاير لورود القرآن والأحاديث به ولأن ما عظم مفسدته أحقّ باسم
الكبيرة بل قوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ [النساء: ٣١] صريح في انقسام الذنوب إلى
كبائر وصغائر، ولذا قال الغزالي: لا يليق إنكار الفرق بينهما وقد عرفا من مدارك الشرع انتهى.
ولا يلزم من كون هذه المذكورات أكبر الكبائر سواء رتبتها في نفسها كما إذا قلت زيد وعمرو
أفضل من بكر فإنه لا يقتضي استواء زيد وعمرو في الفضيلة، بل يحتمل أن يكونا متفاوتين فيها
وكذلك هنا فإن الإشراك أكبر الذنوب المذكورة (وجلس وكان متكئًا) تأكيدًا للحرمة (فقال) (ألا
وقول الزور) ولأبي ذر: وكان متكئًا ألا وقول الزور فأسقط فقال: وفصل بين المتعاطفين بحرف
التنبيه والاستفتاح تعظيمًا لشأن الزور لما يترتب عليه من المفاسد وإضافة القول إلى الزور من إضافة
الموصوف إلى صفته، وفي رواية خالد عن الجريري ألا وقول الزور وشهادة الزور. قال ابن دقيق
العيد: يحتمل أن يكون من الخاص بعد العام، لكن ينبغي أن يحمل على التأكيد فإنّا لو حملنا القول
على الإطلاق لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقًا كبيرة وليس كذلك ومراتب الكذب متفاوتة بحسب
تفاوت مفاسده.
(قال) أنس (فما زال) عليه الصلاة والسلام (يكررها حتى قلنا: ليته) عليه الصلاة والسلام
(سكت) قال في الفتح: أي شفقة عليه وكراهية لما يزعجه، وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب
معه ◌َّ* والمحبة له والشفقة عليه، وقال في جمع العمدة: هو تعظيم لما حصل لمرتكب هذا الذنب من
غضب الله ورسوله ولما حصل للسامعين من الرعب والخوف من هذا المجلس.

٩٧
كتاب الشهادات/ باب ١١
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في استتابة المرتدين والاستئذان والأدب ومسلم في الإيمان
والترمذي في البر والشهادات والتفسير.
(وقال إسماعيل بن إبراهيم) ابن علية وهي أمه مما وصله المؤلف في كتاب استتابة المرتدّين
(حدّثنا الجريري) سعيد بن إياس الأزدي منسوب إلى جرير بن عبادة قال: (حدّثنا عبد الرحمن) هو
ابن أبي بكرة.
١١ - باب
شهادةِ الأعمى وأمرهِ ونكاحِهِ وإِنكاحهِ ومُبايَعتهِ وقَبولهِ في التأذينِ وغيرِهِ. وما يُعرَفُ
بالأصوات. وأجازَ شهادتَهُ قاسِمٌ والحسنُ وابنُ سِيرينَ والزُّهريُّ وعطاء. وقال الشّعبيُّ: تجوزُ
شهادتُهُ إذا كان عاقلاً. وقال الحَكَم: رُبَّ شيءٍ تجوزُ فيه. وقال الزُّهريُّ: أرأيتَ ابنَ عبّاسٍ لو
شَهِدَ على شهادةٍ أكنتَ تَرُدُّه؟ وكان ابنُ عبّاسٍ يَبعَثُ رجُلاً، إذا غَابتِ الشمسُ أفطَرَ. ويسألُ عنٍ
الفجرِ فإذا قيل له طَلَعَ صلَّى رَكعتَينٍ. وقال سُليمانُ بنُ يسارٍ: استأذَنْتُ على عائشةَ فعرَفَت
صولتي، قالت: سليمان؟ أدخُلْ فإنَّكَ مملوكٌ ما بَقِيَ عليكَ شيء. وأجاز سَمُرةُ بن جُنْدبٍ شهادةَ
امرأةٍ مُنْتقِبة.
(باب) بيان حكم (شهادة الأعمى و) بيان (أمره) في تصرفاته (ونكاحه) بامرأة (وإنكاحه) غيره
(ومبايعته) بيعه وشرائه (وقبوله في التأذين وغيره) كإقامته الصلاة إذا توقّى النجاسة (وما يعرف
بالأصوات) عند تحققها أما عند الاشتباه فلا اتفاقًا (وأجاز شهادته قاسم) هو ابن محمد بن أبي بكر
الصديق أحد الفقهاء السبعة مما وصله سعيد بن منصور (والحسن) البصري (وابن سيرين) محمد فيما
وصله ابن أبي شيبة عنهما (والزهري) محمد بن مسلم بن شهاب فيما وصله ابن أبي شيبة أيضًا عنه
(وعطاء) هو ابن أبي رباح فيما وصله الأثرم وهذا مذهب المالكية وعبارة المختصر وإن أعمى في قول
أو أصم في فعل يعني فلا يشترط في الشاهد أن يكون سميعًا بصيرًا وعند الشافعية كالجمهور لا
تقبل شهادة الأعمى لانسداد طريق المعرفة عليه مع اشتباه الأصوات إلا في أربعة مواضع في ترجمته
لكلام الخصوم أو الشهود للقاضي لأنها تفسير للفظ فلا تحتاج إلى معاينة وإشارة والنسب ونحوه مما
يثبت بالاستفاضة كالموت والملك إن كان المشهود له معروف الاسم والنسب وما تحمله قبل العمى إن
كان المشهود له وعليه معروف الاسم والنسب بخلاف مجهوليه أو أحدهما وأن يقبض على المقر حتى
يشهد عليه عند القاضي بما سمعه من نحو طلاق أو عتق أو مال لشخص معروف الاسم والنسب.
(وقال الشعبي) عامر بن شراحيل مما وصله ابن أبي شيبة (تجوز شهادته إذا كان عاقلاً) أي فطنًا
مدركًا لدقائق الأمور بالقرائن وليس احترازًا عن الجنون إذ العقل شرط في البصير والأعمى. (وقال
إرشاد الساري/ ج ٦/ م ٧

٩٨
كتاب الشهادات/ باب ١١
الحكم) بفتحتين ابن عتيبة فيما وصله ابن أبي شيبة أيضًا (ربّ شيء تجوز فيه) شهادته. (وقال
الزهري) محمد بن مسلم مما وصله الكرابيسي في أدب القضاء (أرأيت ابن عباس لو شهد على شهادة
أکنت ترده) مع کونه کان أعمى.
(وكان ابن عباس) رضي الله عنهما فيما وصله عبد الرزاق بمعناه (يبعث رجلاً) لم يسمّ (إذا
غابت الشمس) يفحص عن غروب الشمس للإفطار فإذا أخبره أنها غربت (أفطر) من صومه (ويسأل
عن الفجر، فإذا قيل) زاد في رواية غير أبي ذر له (طلع صلّى ركعتين) ولا يرى شخص المخبر له
وإنما يسمع صوته.
(وقال سليمان بن يسار) ضدّ اليمين أبو أيوب (استأذنت) في الدخول (على عائشة رضي الله
عنها فعرفت صوتي قالت) ولأبي ذر فقالت (سليمان) بحذف حرف النداء (ادخل فإنك مملوك ما بقي
عليك شيء) أي من مال الكتابة وكان مكاتبًا لأم المؤمنين وفيه أن عائشة كانت لا ترى الاحتجاب
من العبد سواء كان في ملكها أو في ملك غيرها.
(وأجاز سمرة بن جندب شهادة امرأة منتقبة) بسكون النون وفتح المثناة الفوقية بعدها قاف
مكسورة من الانتقاب ولأبي ذر منتقبة بتقديم المثناة على النون وتشديد القاف من التنقيب التي على
وجهها نقاب. قال الحافظ ابن حجر: ولم أعرف اسم هذه المرأة.
٢٦٥٥ - حدثنا محمدُ بنُ عُبَيدِ بنِ مَيمونٍ أخبرَنا عيسى بنُ يونُسَ عن هشامٍ عن أبيهِ عن
عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها قالت: ((سَمِعَ النبيِّ وَّمَ رَجُلاً يقرأُ في المسجد فقال: رَحِمَهُ اللَّه، لقد
أذْكَرَني كذا وكذا آيةً أسْقَطْتُهنَّ من سُورة كذا وكذا)) وزاد عَبّادُ بنُ عبدِ اللَّهِ عن عائشةَ: ((تَهجَّدَ
النبيُّ ◌َّ﴿ في بَيتي، فسمِعَ صوتَ عبّادٍ يُصلّي في المسجد فقال: يا عائشة، أصوتُ عبّادِ هذا؟
قلتُ: نعم. قال: اللَّهِمَّ ارحَمْ عبَّادًا)). [الحديث ٢٦٥٥ - أطرافه في: ٥٠٣٧، ٥٠٤٢، ٦٣٣٥].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبيد بن ميمون) بضم عين عبيد مصغرًا من غير إضافة القرشي
التيمي مولاهم المدني وقيل كوفي التبان قال: (أخبرنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحق السبيعي (عن
هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت: سمع النبي (وَلفر رجلاً) هو
عبد الله بن يزيد الأنصاري القاري وزعم عبد الغني أنه الخطمي. قال ابن حجر: وليس في روايته
التي ساقها نسبته كذلك وقد فرق ابن منده بينه وبين الخطمي فأصاب، والمعنى هنا سمع صوت
رجل (يقرأ في المسجد فقال) عليه الصلاة والسلام:
(رحمه الله) أي القارىء (لقد أذكرني كذا وكذا آية) وسقط لأبي ذر قوله وكذا الثانية (أسقطتهن)
أي نسيتهن (من سورة كذا وكذا) كلمة مبهمة وهي في الأصل مركبة من كاف التشبيه واسم الإشارة
ثم نقلت فصارت يكنى بها عن العدد وغيره. قال في الفتح: ولم أقف على تعيين الآيات المذكورة

٩٩
كتاب الشهادات/ باب ١١
وأغرب من زعم أن المراد بذلك إحدى وعشرون آية لأن ابن عبد الحكم قال فيمن أقرأن عليه: كذا
وكذا درهما أنه يلزمه أحد وعشرون درهما، وقال الداودي يكون مقرًّا بدرهمين لأنه أول ما يقع عليه
ذلك انتھی.
وقال المالكية: واللفظ للشيخ خليل وكذا درهما وعشرون وكذا وكذا أحد وعشرون وكذا كذا
أحد عشر وقال الشافعية ويجب عليه بقوله كذا درهم بالرفع درهم لكون الدرهم تفسيرًا لما أبهمه
بقوله: كذا وكذا لو نصب الدرهم أو خفض أو أسكن أو كرر كذا بلا عاطف في الأحوال الأربعة
لذلك ولاحتمال التوكيد في الأخيرة وإن اقتضى النصب لزوم عشرين لكونه أوّل عدد مفرد ينصب
الدرهم عقبه إذ لا نظر في تفسير المبهم إلى الإعراب ومتى كررها وعطف بالواو أو بثم ونصب
الدرهم كقوله له: علّ كذا وكذا درهما أو كذا ثم كذا درهما تكرر الدرهم بعدد كذا فيلزمه في كلٌ
من المثالين درهمان لأنه أقرّ بمبهمين وعقبهما بالدرهم منصوبًا فالظاهر أنه تفسير لكلِّ منهما بمقتضى
العطف غير أنّا نقدّره في صناعة الإعراب تمييزًا لأحدهما ونقدّر مثله للآخر فلو خفض الدرهم أو
رفعه أو سكنه لا يتكرر لأنه لا يصلح تمييزًا لما قبله.
(وزاد عباد بن عبد الله) بفتح العين وتشديد الموحدة في الأول ابن الزبير بن العوام التابعي
فيما وصله أبو يعلى (عن عائشة) رضي الله عنها (تهجد) أي صلّ (النبي ◌َّير في بيتي فسمع صوت
عباد) هو ابن بشر الأنصاري الأشهلي الصحابي (يصلي في المسجد فقال): (يا عائشة أصوت عباد
هذا) بهمزة الاستفهام (قلت: نعم قال): (اللهمّ ارحم عبادًا) وظاهره أن المبهم في الرواية السابقة هو
هذا المفسر في هذه إذ مقتضى قوله زاد أن يكون المزيد فيه والمزيد عليه حديثًا واحدًا فتتحد القصة،
لكن جزم عبد الغني بن سعيد في مبهماته بأن المبهم في الأولى هو عبد الله بن يزيد كما مرّ،
فيحتمل أنه وَّي سمع صوت رجلين فعرف أحدهما فقال: هذا صوت عباد ولم يعرف الآخر فسأل
عنه، والذي لم يعرفه هو الذي تذكر بقراءته الآيات التي نسيها وفيه جواز النسيان عليه ومطهر فيما ليس
طريقه البلاغ.
وبقية مباحثه تأتي إن شاء الله تعالى في فضائل القرآن ومطابقته لما ترجم له هنا من كونه عليه
الصلاة والسلام اعتمد على صوت الرجل من غير رؤية شخصه.
٢٦٥٦ - حدثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ حدَّثَنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلمةَ أخبرنا ابنُ شهابٍ عن
سالم بنِ عبدِ اللَّهِ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: قال النبيُّ وَِّ: ((إنَّ بلالاً يُؤَذِّنُ
بَيلَ، فَكُلُوا واشرَبوا حتى يُؤَذِّنَ - أو قال: حتى تسمعوا أذانَ - ابنِ أُمّ مكتوم)» وكان ابنُ أُمْ مَكتومٍ
رجُلاً أعمى لا يُؤَذِّنُ حتّى يقولَ لهُ الناسُ: أصبَحْتَ.
وبه قال: (حدّثنا مالك بن إسماعيل) بن زياد بن درهم النهدي قال): حدّثنا عبد العزيز بن
أبي سلمة) هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة بفتح اللام واسمه الماجشون بكسر الجيم وبعدها.

١٠٠
کتاب الشهادات/ باب ١٢
معجمة مضمومة المدني نزيل بغداد قال: (أخبرنا ابن شهاب) الزهري (عن سالم بن عبد الله عن) أبيه
(عبد الله بن عمر رضي الله عنهما) أنه (قال: قال النبي (َّ):
(إن بلالاً يؤذن) للصبح (بليل) أي في ليل (فكلوا واشربوا حتى) أي إلى أن (يؤذن أو قال
حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم) عمرو أو عبد الله بن قيس القرشي والشك من الراوي (وكان ابن
أم مكتوم رجلاً أعمى لا يؤذن حتى يقول له الناس أصبحت) في الأذان أصبحت أصبحت مرتين.
ومطابقته لما ترجم له الاعتماد على صوت الأعمى، وقد سبق في أذان الأعمى من كتاب
الأذان.
٢٦٥٧ - حدثنا زيادُ بنُ يحيى حدَّثَنا حاتمُ بنُ وَردانَ حدَّثنا أيّوبُ عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي
مُلَيكةَ عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((قَدِمَتْ على النبيِّ وََّ أقْبِيَةٌ، فقال لي أبي
مخرمةُ: انطَلِقْ بنا إليهِ عَسى أن يُعطِينَا منها شيئًا. فقامَ أبي على البابِ فتكلمَ، فعرَفَ النبيُّ ◌َّ
صَوتَهُ، خرَجَ النبيُّ وَّرِ ومعهُ قَباءً وهوَ يُرِيهِ مَحاسنَهُ وهوَ يقول: خَبَأْتُ هذا لكَ، خبأتُ هذا
لك».
وبه قال: (حدّثنا زياد بن يحيى) بن زياد أبو الخطاب البصري قال: (حدّثنا حاتم بن وردان)
أبو صالح البصري قال: (حدّثنا أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني (عن عبد الله بن أبي مليكة)
نسبه لجده لشهرته به . واسم أبيه عبيد الله بالتصغير واسم أبي مليكة زهير (عن المسور بن مخرمة)
الزهري (رضي الله عنهما) أنه (قال: قدمت على النبي ◌َّفي أقبية) وفي الهبة قسم رسول الله وَلقر أقبية
ولم يعط مخرمة منها شيئًا (فقال لي أبي مخرمة انطلق بنا إليه) صلوات الله وسلامه عليه (عسى أن
يعطينا منها شيئًا فقام أبي على الباب فتكلم فعرف النبي (وَلافي صوته فخرج) بالفاء ولأبي ذر عن
الحموي والمستملي خرج (النبي ◌َّير ومعه قباء) وفي الهبة فخرج إليه وعليه قباء منها (وهو يريه
محاسنه وهو يقول):
(خبأت هذا لك خبأت هذا لك) مرتين.
ومطابقة الحديث للترجمة كالذي قبله كما لا يخفى.
١٢ - باب شهادة النساءِ
وقولهِ تعالى: ﴿فإن لم يكونا رجُلَينِ فَرَجُلٌ وامرأتانٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
(باب) جواز (شهادة النساء. وقوله تعالى) بالجر عطفًا على سابقه (﴿فإن لم يكونا﴾) أي فإن لم
يكن الشهيدان (﴿رجلين فرجل وامرأتان﴾﴾ [البقرة: ٢٨٢] فليشهد أو فالمستشهد رجل وامرأتان كذا
قاله البيضاوي كالزمخشري قال في المصابيح: الأنسب فإن لم يكن الشهيدان رجلين فالشهيدان رجل