النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
کتاب الهبة/ باب ٣٣
٣٣ - باب مَنِ استعارَ منَ الناسِ الفَرَسَ
(باب من استعار من الناس الفرس) زاد أبو ذر والدابة، وزاد الكشميهني وغيرها قال الحافظ
ابن حجر: وثبت مثله لابن شبويه لكن قال وغيرهما بالتثنية وعند بعض الشرّاح قبل الباب كتاب
العارية ولم أره لغيره والعارية بتشديد الياء وقد تخفّف وفيها لغة ثالثة عارة بوزن غارة وهي اسم لما
بعار مأخوذ من عار إذا ذهب وجاء، ومنه قيل للغلام الخفيف عيار لكثرة ذهابه ومجيئه، وقيل من
التعاور وهو التناوب. وقال الجوهري: كأنها منسوبة إلى العار لأن طلبها عار وعيب وحقيقتها شرعًا
إباحة الانتفاع بما يحلّ الانتفاع به مع بقاء عينه والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿ويمنعون
الماعون﴾ [الماعون: ٧] فسّره جمهور المفسرين بما يستعيره الجيران بعضهم من بعض.
٢٦٢٧ - حدثنا آدمُ حدَّثنا شُعبةُ عن قتادةَ قال: سمعتُ أَنَسًا يقول: ((كان فَزَعْ بالمدينةِ،
فاستعارَ النبيِّ وَّرِ فِرَسًا من أبي طلحةَ يقالُ لَهُ المندوبُ فرَكِبَه، فلما رجَعَ قال: ما رأينا مِن شيءٍ،
وإن وَجدْناهُ لبحرًا)). [الحديث ٢٦٢٧ - أطرافه في: ٢٨٢٠، ٢٨٥٧، ٢٨٦٢، ٢٨٦٦، ٢٨٦٧،
٢٩٠٨، ٢٩٦٨، ٢٩٦٩، ٣٠٤٠، ٦٠٣٣، ٦٢١٢].
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة أنه
(قال: سمعت أنسًا) هو ابن مالك رضي الله عنه (يقول: كان فزع) بفتح الفاء والزاي خوف من
العدوّ (بالمدينة فاستعار النبي وَ ﴿ فرسًا من أبي طلحة) زيد بن سهل زوج أم أنس (يقال له المندوب)
زاد في الجهاد من طريق سعيد عن قتادة كان يقطف أو كان فيه قطاف بالشك أي بطيء المشي. وقال
ابن الأثير: المندوب أي المطلوب وهو من الندب الرهن الذي يجعل في السباق، وقيل سمي به لندب
كان في جسمه وهو أثر الجرح، وقال عياض: يحتمل أنه لقب أو اسم بعير كسائر الأسماء (فركبه)
عليه الصلاة والسلام زاد في رواية جرير بن حازم عن محمد عن أنس في الجهاد، ثم خرج يركض
وحده فرکب الناس یرکضون خلفه (فلما رجع قال):
(ما رأينا من شيء) يوجب الفزع (وإن وجدناه) أي الفرس (لبحرًا) أي واسع الجري ومنه
سمي البحر بحرًا لسعته، وتبحر فلان في العلم إذا اتسع فيه، وقيل شبّهه بالبحر لأن جريه لا ينفذ
كما لا ينفذ ماء البحر. قال الخطابي: وإن هنا نافية واللام بمعنى إلا أي ما وجدناه إلا بحرًا، وعليه
اقتصر الزركشي قال في التوضيح: وهو قصور وهذا إنما هو مذهب كوفي ومذهب البصريين أن
إن مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية انتهى، وقد سبقه إليه ابن التين.
قال الحافظ ابن حجر: وفي رواية المستملي وإن وجدنا بحذف الضمير، وفي رواية حماد عن
ثابت عن أنس في الجهاد أيضًا استقبلهم النبي وَّ ر على فرس عري ما عليه سرج وفي عنقه سيف.
وأخرجه الإسماعيلي عن حماد وفي أوّله فزع أهل المدينة ليلة فتلقاهم النبي ◌َّ قد سبقهم إلى الصوب

٦٢
كتاب الهبة/ باب ٣٤
وهو على فرس بغير سرج واستدل به على مشروعية العارية وكانت كما قاله الروياني واجبة أول
الإسلام للآية السابقة، ثم نسخ وجوبها فصارت مستحبة أي أصالة فقد تجب كإعارة الثوب لدفع حرّ
أو برد وإعارة الخيل لإنقاذ غريق والسكين لذبح حيوان محترم يخشى موته وقد تحرم كإعارة الصيد من
المحرم والأمة من الأجنبي، وقد تكره كإعارة العبد المسلم من كافر، ويشترط في المعير أن يملك
المنفعة فتصحّ الإعارة من المستأجر لا من المستعير لأنه غير مالك لها، وإنما أبيح له الانتفاع لكن
للمستعير استيفاء المنفعة بنفسه وبوكيله كأن يركب الدابة المستعارة وكيله في حاجته أو زوجته أو
خادمه لأن الانتفاع راجع إليه بواسطة المباشر وحكم العارية إذا تلفت في يد المستعير بآفة سماوية أو
أتلفها هو أو غيره ولو بلا تقصير الضمان لحديث أبي داود وغيره العارية مضمونة ولأنها مال يجب
ردّه لمالكه فيضمن عند تلفه كالمأخوذ بجهة السوم، فإن تلفت باستعمال مأذون فيه كاللبس والركوب
المعتادين لم يضمن لحصول التلف بسبب مأذون فيه.
0
٣٤ - باب الاستعارةِ للعَروسِ عندَ البناءِ
(باب الاستعارة للعروس) نعت يستوي فيه الذكر والأنثى ما داما في أعراسهما (عند البناء)
أي الزفاف، وقال ابن الأثير: الدخول بالزوجة، وقيل له بناء لأنهم كانوا يبنون لمن يتزوّج قبّة
ليدخل بها فيها ثم أطلق ذلك على التزويج.
٢٦٢٨ - حدثنا أبو نُعيم حدّثنا عبدُ الواحدِ بنُ أيمنَ حدثني أبي قال: دخلتُ على عائشةً
رضيَ اللَّهُ عنها وعليها دِرعُ قُطَّرٍ ثمَنُ خمسةِ دراهمَ، فقالت: ارفع بَصرَكَ إلى جاربتي انظر إليها
فإنها تُزهى أن تلبَسَهُ في البيت. وقد كان لي منهنَّ دِرعٌ على عهدِ رسولِ اللَّهِ وَ ل﴿َ، فما كانت امرأةٌ
تُقْيَّنُ بالمدينةِ إلاّ أرسَلَتْ إليَّ تَستعيرُ))).
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا عبد الواحد بن أيمن) بفتح الهمزة
وسكون التحتية وبعد الميم المفتوحة نون المخزومي المكّي قال: (حدّثني) بالإفراد (أبي) أيمن الحبشي
(قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها وعليها درع قطر) بكسر الدال وسكون الراء قميص المرأة
وقطر بكسر القاف وسكون الطاء ثم راء مع إضافة درع لقطر ضرب من برود اليمن غليظ فيه بعض
الخشونة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي قطن بضم القاف وآخره نون والجملة حالية (ثمن خمسة
دراهم) برفع ثمن وجر خمسة في الفرع وأصله وغيرهما من الأصول المعتمدة التي وقفت عليها. وقال
في الفتح: ثمن بالنصب بنزع الخافض وخمسة بالجر على الإضافة أو ثمن خمسة بالرفع فيهما على
حذف الضمير أي ثمنه خمسة دارهم ويروى ثمن بضم المثلثة وتشديد الميم المكسورة على صيغة
المجهول من الماضي وخمسة بالنصب بنزع الخافض أي قوّم بخمسة دراهم قال: ووقع في رواية ابن
شبويه وحده خمسة الدراهم.

٦٣
کتاب الهبة/ باب ٣٥
(قالت ارفع بصرك إلى جاريتي) قال الحافظ ابن حجر: لم أعرف اسمها (انظر إليها) بلفظ الأمر
(فإنها تزهى) بضم أوّله وفتح ثالثه تتكبر (أن تلبسه في البيت) يقال: زهى الرجل إذا تكبر وأعجب
بنفسه وهو من الأفعال التي لم ترد إلا مبنية لما لم يسم فاعله وإن كان بمعنى الفاعل مثل عني بالأمر
ونتجت الناقة، لکن قال في الفتح: إنه رآه في رواية أبي ذر تزهی بفتح أوله، وقد حكاها ابن دريد
لكن قال الأصمعي: لا يقال بالفتح (وقد كان لي منهن) أي من الدروع (درع على عهد رسول
الله (*) أي في زمنه وأيامه (فما كانت امرأة تقين) بضم حرف المضارعة وفتح القاف وتشديد
التحتية آخره نون مبنيًّا للمفعول أي تزين. قال صاحب الأفعال: قان الشيء قيانة أصلحه وقيل تجلى
على زوجها (بالمدينة إلا أرسلت إلي تستعيره) أي ذلك الدرع لأنهم كانوا إذ ذاك في حال ضيق فكان
الشيء الخسيس عندهم نفيسًا.
وهذا الحديث تفرّد به البخاري وفيه من الفوائد ما لا يخفى فتأمله.
٣٥ - باب فَضل المَنیحةِ
(باب فضل المنيحة) بفتح الميم والحاء المهملة بينهما نون مكسورة فمثناة تحتية ساكنة الناقة. أو
الشاة تعطيها غيرك يحتلبها ثم يردّها عليك والمنحة بالكسر العطية وسقط لفظ باب في رواية أبي ذر
ففضل مرفوع حينئذٍ.
٢٦٢٩ - حدثنا يحيى بنُ بُكيرِ حدّثنا مالكٌ عن أبي الزنادِ عنِ الأعرج عن أبي هريرةَ رضيَ
اللَّهُ عنه أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ﴿ه قال: «نِعمَ المَنيحةُ اللَّقحةُ الصَّفِيُّ منحة، والشاة الصفيُّ تَغْدو بإناء
وتَروحُ بإناء)».
حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ وإسماعيلُ عن مالكِ قال: ((نعمَ الصدقةَ ... )). [الحديث
٢٦٢٩ - طرفه في: ٥٦٠٨].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو ابن عبد الله بن بكير ونسبه لجده لشهرته به المخزومي
قال: (حدّثنا مالك) الإمام الأعظم (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن
هرمز (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ لثم قال):
(نعم المنيحة) الناقة (اللقحة) بكسر اللام وسكون القاف والرفع صفة لسابقها الملقوحة وهي
ذات اللبن القريبة العهد بالولادة (الصفي) بفتح الصاد وكسر الفاء صفة ثانية لكثيرة اللبن واستعمله
بغير هاء. قال الكرماني: لأنه إما فعيل أو فعول يستوي فيه المذكر والمؤنث وتعقبه العيني بأن قوله
إما فعيل غير صحيح لأنه من معتل اللام والواوي دون اليائي. وقال في المصابيح: والأشهر
استعمالها بغير هاء. قال العيني: ويروى أيضًا الصفية (منحة) نصب على التمييز قال ابن مالك في

٦٤
کتاب الهبة/ باب ٣٥
التوضيح: فیه وقوع التمییز بعد فاعل نعم ظاهرًا وقد منعه سيبويه إلا مع إضمار الفاعل نحو ﴿بئس
للظالمين بدلاً﴾ [الكهف: ٥٠] وجوّزه المبرد وهو الصحيح انتهى. وقال في المصابيح: يحتمل أن
يقال إن فاعل نعم في الحديث مضمر والمنيحة الموصوفة بما ذكر هي المخصوص بالمدح ومنحة تمييز
تأخر عن المخصوص فلا شاهد فيه على ما قال ولا يرد على سيبويه حينئذٍ.
(والشاة الصفي) صفة وموصوف عطف على ما قبله (تغدو بإناء وتروح بإناء) أي تحلب إناء
بالغداة وإناء بالعشي أو تغدو بأجر حلبها في الغدو والرواح والمنحة من باب الصلاة لا من باب
الصدقات.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (وإسماعيل) بن أبي أويس (عن مالك) أنه
(قال) في روايته للحديث السابق (نعم الصدقة) أي اللقحة الصفي منحة قال: في الفتح وهذا هو
المشهور عن مالك وكذا رواه شعيب عن أبي الزناد كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الأشربة أي بلفظ
الصدقة .
٢٦٣٠ - حقّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ أخبرنا ابن وَهب حدَّثنا یونُسُ عنِ ابنِ شهابٍ عن
أنس بنِ مالكِ رضيَ اللَّهُ عنهُ قال: ((لما قَدِمَ المهاجرونَ المدينةَ مِن مكةَ وليس بأيديهم، وكانتٍ
الأنصارُ أهلَ الأرضِ والعَقار، فقاسمهُمُ الأنصارُ على أن يُعطوهم ثمارَ أموالهِم كلَّ عام ويَكفوهمُ
العملَ والمؤونةَ. وكانت أمُّه أمّ أنسٍ أُمُّ سُليم كانت أمَّ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي طلحةً، فكانت أعطَتْ أمُّ
أنس رسولَ اللَّهِ وَ﴿ عذاقًا، فأعطاهنَّ النبيُّ وَّهِ أُمَّ أيمَنَ مَولاتَهُ أُمَّ أسامةَ بنِ زيدٍ)». قالَ ابنُ شهابٍ
فأخبَرَني أنسُ بنُ مالكِ: ((أن النبيَّ وَّ﴿ لما فرَغَ مِن قِتالِ أهلِ خَيبرَ فانصرَفَ إلى المدينةِ ردَّ
المهاجرونَ إلى الأنصارِ مَنائحهم من ثمارِهم، فردَّ النبيُّ وَلَ إلى أُمَّهِ عذاقَها، فأعطى رسولُ
اللَّهِ وَ﴿ أَمَّ أيمَنَ مكانَهنَّ مِن حائطهِ)).
وقال أحمدُ بنُ شَبيبٍ أخبرَنا أبي عن يونُسَ بهذا وقال: ((مكانَهنَّ من خالصهِ)). [الحديث
٢٦٣٠ - أطرافه في: ٣١٢٨، ٤٠٣٠، ٤١٢٠].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا ابن وهب) عبد الله المصري قال:
(حدّثنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن أنس بن مالك رضي الله عنه) أنه
(قال: لما قدم المهاجرون المدينة من مكة وليس بأيديهم يعني شيئًا) وسقط لأبي ذر: يعني شيئًا
(وكانت الأنصار أهل الأرض والعقار) بالخفض عطفًا على السابق وجواب لما قوله (فقاسمهم الأنصار
على أن يعطوهم ثمار أموالهم كل عام ويكفوهم العمل والمؤونة) في الزراعة والمنفي في حديث أبي
هريرة السابق في المزارعة حيث قالوا: قسم بيننا وبين إخواننا النخل قال: لا مقاسمة الأصول،
والمراد هنا مقاسمة الثمار، (وكانت أمه أم أنس) بدل من أمه والضمير فيه يعود على أنس واسمها

٦٥
کتاب الهبة/ باب ٣٥
سهلة وهي (أم سليم) بضم السين مصغرًا بدل من المرفوع السابق أيضًا و (كانت أم عبد الله بن أبي
طلحة) أيضًا فهو أخو أنس لأمه. قال في الفتح: والذي يظهر أن قائل ذلك الزهري عن أنس لكن
بقية السياق تقتضي أنه من رواية الزهري عن أنس فيكون من باب التجريد كأنه ينتزع من نفسه
شخصًا فيخاطبه (فكانت أعطت) أي وهبت (أم أنس رسول الله وَل﴿ عذاقًا) بكسر العين المهملة
وتخفيف الذال المعجمة جمع عذق بفتح العين وسكون الذال النخلة نفسها أو إذا كان حملها موجودًا
والمراد ثمرها ولأبي ذر عذاقًا بفتح العين (فأعطاهنَ) أي النخلات (النبي وَّفي أم أيمن) بركة (مولاته)
وحاضنته (أم أسامة بن زيد) مولاه عليه الصلاة والسلام وهو أخو أيمن بن عبيد الحبشي لأمه.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في المغازي والنسائي في المناقب.
(قال ابن شهاب) الزهري بالسند السابق (فأخبرني) بالإفراد (أنس بن مالك) رضي الله عنه (أن.
النبي ◌َّر لما فرغ من قتل) وللأصيلي من قتال (أهل خيبر فانصرف إلى المدينة رد المهاجرون إلى
الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم) لاستغنائهم بغنيمة خيبر (فردّ النبي ◌َّ إلى أمه)
هي أم أنس أم سليم (عذاقها) بكسر العين ولأبي ذر عذاقها بفتحها أي الذي كانت أعطته وأعطاه هو
لأم أيمن (وأعطى) بالواو ولأبي ذر فأعطى (رسول الله وَ ي أم أيمن) مولاته (مكانهن) أي بدلهن
(من حائطه) أي بستانه.
(وقال أحمد بن شبيب) بفتح الشين المعجمة وكسر الموحدة الأولى البصري: (أخبرنا أبي)
شبيب بن سعيد الحبطي بفتح الحاء المهملة والموحدة البصري (عن يونس) بن يزيد الأيلي (بهذا)
الحديث متنا وإسنادًا (وقال: مكانهنّ) فوافق ابن وهب إلا في قوله من حائطه فقال (من خالصه) أي
خالص ماله وفي مسلم من طريق سليمان التيمي عن أنس أن الرجل كان يجعل للنبي وَلقر النخلات
من أرضه حتى فتحت عليه قريظة والنضير فجعل بعد ذلك يردّ عليه ما كان أعطاه. قال أنس: وإن
أهلي أمروني أن آتي النبي ◌َّ فأسأله ما كان أهله أعطوه أو بعضه، وكان نبي الله وَلّو قد أعطاه أم
أيمن فأتيت النبي ﴿ فأعطانيهن فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي وقالت: والله لا
أعطيكهن وقد أعطانيهن فقال نبي الله يقول : ((يا أم أيمن اتركيه ولك كذا وكذا)) وتقول كلا والله
الذي لا إله إلا هو فجعل يقول كذا وكذا حتى أعطاها عشرة أمثاله أو قريبًا من عشرة أمثاله، وإنما
فعلت ذلك لأنها ظنت أنها هبة مؤبدة وتمليك الأصل الرقبة، فأراد وَلهو استطابة قلبها في استرداد
ذلك فما زال يزيدها في العوض حتى رضيت تبرعًا منه وَ﴿ وإكرامًا لها من حق الحضانة زاده الله
شرفًا وتكريمًا.
٢٦٣١ - هذّثنا مسدَّدٌ حدَّثَنا عيسى بنُ يونُسَ حدَّثَنا الأوزاعيَّ عن حسّانَ بنِ عطيةَ عن أبي
كبشةَ السَّلُوليِّ سمعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرٍو رضيَ اللَّهُ عنهما يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ وَلِ: ((أربعونَ
إرشاد الساري/ ج ٦/ م ٥

٦٦
كتاب الهبة/ باب ٣٥
خَصْلةً - أعلاهنَّ مَنيحةُ العنزِ - ما مِن عاملٍ يَعملُ بخصلةٍ منها رَجاءَ ثوابِها وتَصديقَ موعودِها إلاّ
أدخلَهُ اللَّهُ بها الجنَّة)).
قال حسّانُ: فعدَذنا ما دونَ منيحةِ العَنزِ - مِن ردِّ السلام، وتشميتِ العاطِسِ، وإماطة الأذى
عن الطريقِ ونحوه - فما استطعنا أن نبلُغَ خمسَ عشرةَ خَصلةً.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عيسى بن يونس) الهمداني قال: (حدّثنا
الأوزاعي) عبد الرحمن (عن حسان بن عطية) الشامي (عن أبي كبشة) بفتح الكاف وسكون الموحدة
وفتح الشين المعجمة (السلولي) بفتح السين المهملة وضم اللام الأولى أنه (قال: سمعت عبد الله بن
عمرو) هو ابن العاص (رضي الله عنهما يقول قال: رسول الله (وَ ل﴾):
(أربعون خصلة) مبتدأ ولأحمد أربعون حسنة بدل خصلة وقوله (أعلاهن) مبتدأ ثانٍ خبره
(منيحة العنز) الأنثى من المعز والجملة خبر المبتدأ الأول (ما من عامل يعمل بخصلة منها) أي من
الأربعين (رجاء ثوابها) بنصب رجاء على التعليل وكذا قوله (وتصديق موعودها إلا أدخله الله) عز
وجل (بها الجنة) (قال حسان) هو ابن عطية راوي الحديث بالسند السابق (فعددنا ما دون منيحة العنز
من رد السلام وتشميت العاطس وإماطة الأذى عن الطريق ونحوه) مما وردت به الأحاديث (فما
استطعنا أن نبلغ خمس عشرة خصلة) قال ابن بطال: ما أبهمها عليه الصلاة والسلام إلا لمعنى هو
أنفع من ذكرها وذلك والله أعلم خشية أن يكون التعيين والترغيب فيها مزهدًا في غيرها من أبواب
الخير، وقول حسان: فما استطعنا ليس بمانع أن يوجد غيرها ثم عدد خصالاً كثيرة، تعقبه ابن المنير
في بعضها فقال: التعداد سهل، ولكن الشرط صعب وهو أن يكون كل ما عدّده من الخصال دون
منيحة العنز ولا يتحقق فيما عدّده ابن بطال بل هو منعكس، وذلك أن من جملة ما عدّده نصرة
المظلوم والذبّ عنه ولو بالنفس وهذا أفضل من منيحة العنز والأحسن في هذا أن لا يعدّ لأن
النبي وَلقر أبهمه وما أبهمه الرسول كيف يتعلق الأمل ببيانه من غيره مع أن الحكمة في إبهامه أن لا
يحتقر شيء من وجوه البرّ وإن قلّ.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في الزكاة.
٢٦٣٢ - حقثنا محمدُ بن يوسُفَ حدَّثَنا الأوزاعيَّ قال: حدَّثني عطاءً عن جابرٍ رضيَ اللَّهُ
عنهُ قال: ((كانت لرجالٍ منّا فُضولُ أَرَضينَ، فقالوا: نُؤاجِرُها بالثُّلثِ والرُّبع والنصفِ، فقال
النبيُّ وَّهِ: مَن كانت له أرضٌ فَلْيَزْرَغها أو ليَمنَحْها أخاهُ، فإن أبى فلْيُمسِك أرضَه)).
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي بكسر الموحدة قال: (حدّثنا الأوزاعي)
عبد الرحمن قال: (حدّثني) بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي رباح ولأبي ذر عن عطاء (عن جابر) هو ابن

٦٧
کتاب الهبة/ باب ٣٥
عبد الله (رضي الله عنه) وعن أبيه أنه (قال: كانت لرجال منّا فضول أرضين) بفتح الراء (فقالوا
نؤاجرها بالثلث والربع والنصف) بما يخرج منها والواو في الموضعين بمعنى أو (فقال النبي (وَلاغير):
(مَن كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها) بفتح الياء والنون والجزم على الأمر فيهما أي يعطها
(أخاه) المسلم (فإن أبى) امتنع (فليمسك أرضه) وسقط لفظ أخاه في هذا الحديث في باب: ما كان
أصحاب النبي وَّر يواسي بعضهم بعضًا في الزراعة والثمرة والغرض منه هنا قوله أو ليمنحها أخاه.
٢٦٣٣ - وقال محمدُ بنُ يوسُفَ حدَّثَنا الأوزاعيَّ حدَّثني الزُّهريُّ حدثني عطاءُ بنُ يزيدَ
حدَّثني أبو سعيدٍ قال: ((جاء أعرابيٍّ إلى رسولِ اللَّهِ وَ له فسألَهُ عن الهجرةِ، فقال: وَيْحَك، إنَّ
الهجرة شأنُها شديد، فهل لكَ مِن إبلٍ؟ قال: نعم. قال: فتُعطِي صدَقَتها؟ قال: نعم. قال: فهل
تَمنَحُ منها شيئًا؟ قال: نعم. قال: فتَحلُبُها يومَ وِردِها؟ قال: نعم. قال: فاعملْ مِن وراءِ البِحارِ،
فإنَّ اللَّهَ لن يَتِرَكَ من عملكَ شيئًا)».
(وقال محمد بن يوسف) البيكندي مما وصله الإسماعيلي وأبو نعيم قال: (حدّثنا الأوزاعي)
عبد الرحمن قال: (حدّثني) بالإفراد (الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب قال: (حدّثني) بالإفراد
أيضًا (عطاء بن يزيد) من الزيادة الليثي قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (أبو سعيد) الخدري رضي الله
عنه (قال: جاء أعرابي إلى النبي) ولأبي ذر: إلى رسول الله ( * فسأله عن الهجرة) أي أن يبايعه على
الإقامة بالمدينة ولم يكن من أهل مكة الذين وجبت عليهم الهجرة قبل الفتح (فقال) له عليه الصلاة
والسلام:
(ويحك) كلمة ترحم وتوجع لمن وقع في هلكة لا يستحقها (إن الهجرة شأنها) أي القيام بحقها
(شديد) لا يستطيع القيام به إلا القليل (فهل لك من إبل؟ قال: نعم، قال) عليه الصلاة والسلام له
(فتعطي صدقتها) المفروضة؟ (قال: نعم قال) عليه الصلاة والسلام (فهل تمنح) بفتح النون وكسرها.
في الفرع كالصحاح (منها شيئًا قال: نعم) وهذا موضع الترجمة فإن فيه إثبات فضيلة المنيحة (قال)
عليه الصلاة والسلام (فتحلبها يوم وردها) بكسر الواو وفي اليونينية بفتحها ولعله سبق قلم وفي
النسخة المقروءة على الميدومي ورودها أي يوم نوبة شربها لأن الحلب يومئذ أوفق للناقة وأرفق
للمحتاجين (قال: نعم قال) عليه الصلاة والسلام له (فاعمل من وراء البحار) بموحدة ومهملة أي
من وراء القرى والمدن، ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني: من وراء التجار المثناة الفوقية وبالجيم
بدل الموحدة والحاء (فإن الله لن يترك) بفتح المثناة التحتية وكسر الفوقية أي لن ينقصك (من) ثواب
(عملك شيئًا).
وهذا الحديث سبق في الزكاة في باب زكاة الإبل.

٦٨
کتاب الهبة/ باب ٣٦
٢٦٣٤ - حدثنا محمدُ بنُ بَشَارِ حدَّثَنا عبدُ الوَهابِ حدَّثنا أيوبُ عن عمرٍو عن طاوُسٍ قال:
حدَّثني أعلَمُهم بذلكَ - يَعني ابنَ عبّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما - ((أنَّ النبيَّ وَ﴿ْ خَرجَ إلى أرضٍ تَهْتَزُ
زرعًا، فقال: لمن هذه؟ فقالوا: اكْتَراها فُلانٌ. فقال: أما إنهُ لو مَنحها إيّاهُ كان خيرًا لهُ مِن أن
يَأْخُذَ عليها أجْرًا معلومًا)).
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشّار) بندار العبدي البصري قال: (حدّثنا عبد الوهاب) هو ابن
عبد المجيد البصري قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن عمرو) بفتح العين ابن دينار المكي (عن
طاوس) هو ابن كيسان اليماني أنه (قال: حدثني) بالإفراد (أعلمهم بذاك) ولأبي ذر: بذلك باللام
وفي المزارعة قال عمرو: قلت لطاوس لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون أن النبي وَ ل* نهى عنها.
قال: أي عمرو وإني أعطيهم وأغنيهم وإن أعلمهم أخبرني (يعني ابن عباس رضي الله عنهما أن
النبي * خرج إلى أرض تهتز زرعًا) أي تتحرك بالنبات وترتاح لأجل الزرع (فقال) عليه الصلاة
والسلام:
(لمن هذه) الأرض (فقالوا اكتراها فلان فقال) عليه الصلاة والسلام (أما) بالتخفيف (أنه لو
منحها) أي أعطاها المالك (إياه) أي فلانًا المكتري على سبيل المنحة (كان خيرًا له من أن يأخذ) أي
من أخذه (عليها أجرًا معلومًا) لأنها أكثر ثوابًا وسبق هذا الحديث في المزارعة.
٣٦ - باب إذا قال: أخدَمْتُكَ
هذه الجاريةَ على ما يَتعارَفُ الناسُ فهو جائز
وقال بعضُ الناسِ: هُذهِ عاريةٌ. وإن قال: كسَوْتُكَ هذا الثوبَ فَهُذهِ هِبة.
هذا (باب) بالتنوين (إذا قال) رجل لآخر (أخدمتك هذه الجارية على ما يتعارف الناس) أي على
عرفهم في صدور هذا القول منهم أو على عرفهم في كون الإخدام هبة أو عارية (فهو جائز) جواب
إذا (وقال بعض الناس) قال: الكرماني: قيل أراد به الحنفية (وهذه) الصفة المذكورة بقوله إذا قال:
أخدمتك هذه الجارية مثلاً فهي (عارية) قال الحنفية: لأنه صريح في إعارة الاستخدام (وإن قال
كسوتك هذا الثوب فهو) ولأبي ذر: فهذه (هبة) قال الله تعالى ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾
(إلى قوله) ﴿أو كسوتهم﴾ [المائدة: ٨٩] ولم تختلف الأمة أن ذلك تمليك للطعام والكسوة فلو قال:
كسوتك هذا الثوب مدة معينة فله شرطه قاله ابن بطال وقال ابن المنير: الكسوة للتمليك بلا شك
لأن ظاهرها الأصلي لا يراد إذ أصلها لمباشرة الإلباس لكنّا نعلم أن الغني إذا قال للفقير كسوتك هذا
الثوب لا يعني أنني باشرت إلباسك إياه فإذا تعذّر حمله على الوضع حمل على العرف وهو العطية.
وقال الكرماني قوله: وإن قال كسوتك إلخ يحتمل أن يكون من تتمة قول الحنفية ومقصود المؤلف منه
أنهم تحكموا حيث قالوا ذلك عارية وهذا هبة، ويحتمل أن يكون عطفًا على الترجمة.

٦٩
کتاب الهبة/ باب ٣٦
٢٦٣٥ - حدثنا أبو اليمانِ أخبرنا شعيبٌ حدَّثنا أبو الزّنادِ عنِ الأعرج عن أبي هريرة رضيَ
اللَّهُ عنه أنَّ رسولَ اللَّهِ وَه قال: ((هاجَرَ إبراهيمُ بسارةَ، فأعطَوْهَا آجَرَ، فرجَعَتْ فقالت: أَشَعَرْتَ
أنَّ اللَّهَ كبتَ الكافرَ، وأخْدَمَ وَلِيدةً»؟ وقال ابن سِيرِينَ عن أبي هريرةً عنِ النبيِّ وَّهِ: «فأخدَمَها
هاجر)) .
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال
(حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة رضي الله
عنه أن رسول الله (# قال):
(هاجر إبراهيم) الخليل ◌َر (بسارّة) زوجته فدخل قرية فيها جبار من الجبابرة فقيل إن ههنا
رجلاً معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ فقال:
ادعي الله لي ولا أضرّك فدعت الله فأطلق بعض حجبته (فأعطوها آجر) بهمزة بدل الهاء وفتح الجيم
(فرجعت) سارّة إلى الخليل (فقالت) له (أشعرت أن الله) عز وجل (كبت الكافر) أي صرفه وأذلّه
(وأخدم) أي الكافر (وليدة) جارية أي وهبها لأجل الخدمة.
(وقال ابن سيرين) محمد مما هو موصول في أحاديث الأنبياء (عن أبي هريرة) رضي الله عنه
(عن النبي وَ﴾﴾ (فأخدمها هاجر) غرض المؤلف أن لفظ الإخدام للتمليك وكذلك الكسوة، لكن قال
ابن بطال: استدلاله بقوله فأخدمها هاجر على الهبة لا يصح، وإنما صحّت الهبة في هذه القصة من
قوله فأعطوها هاجر.
قال في فتح الباري: مراد البخاري أنه إن وجدت قرينة تدل على العرف حمل عليها فإن كان
جرى بين قوم عرف في تنزيل الإخدام منزلة الهبة فأطلقه شخص وقصد التمليك نفذ، ومن قال هي
عارية في كل حال فقد خالف والله أعلم.
وهذا الحديث قد مرّ بتمامه في البيع في باب شراء المملوك من الحربي وساق هنا قطعة منه.
وهلهنا فروع لو أعطى إنسان آخر دراهم وقال: اشترٍ لك بها عمامة أو ادخل بها الحمام أو
نحو ذلك تعينت لذلك مراعاة لغرض الدافع هذا إن قصد ستر رأسه بالعمامة وتنظيفه بدخول الحمام
لما رأى به من كشف الرأس وشعث البدن ووسخه، وإن لم يقصد ذلك بل قاله على سبيل التبسّط المعتاد
فلا يتعينّ ذلك بل يملكها ويتصرف فيها كيف شاء وكذا لو طلب الشاهد من المشهود له مرکوبًا
ليركبه في أداء الشهادة فأعطاه أجرة المركوب فيأتي فيها التفصيل السابق، لكن قال الأسنوي:
والصحيح أن له صرفها إلى جهة أخرى كما ذكروه في بابه، والفرق أن الشاهد يستحق أجرة
المركوب فله التصرف فيها كيف شاء والمذكور أولاً من باب الصدقة والبرّ فروعِيَ فيه غرض الدافع،
وإن أعطاه كفنًا لأبيه فكفّنه في غيره فعليه ردّه له إن كان قصد التبرّك بأبيه وما يحصله خادم الصوفية

٠
٧٠
كتاب الهبة/ باب ٣٧
لهم من السوق وغيره يملكه دونهم لأنه ليس بوكيل عنهم ووفاؤه لهم مروءة منه فإن قصدهم الدافع
معه فالملك مشترك أو دونه فمختص بهم إن كان وكيلاً عنهم.
٣٧ - باب إذا حَملَ رجُلٌ رجلاً على فرسٍ فهوَ كالعُمرى والصدَقة
وقال بعضُ الناس: لهُ أن يَرجِعَ فيها.
هذا (باب) بالتنوين (إذا حمل رجل رجلاً) آخر غيره (على فرس) ولأبوي ذر والوقت
والأصيلي: إذا حمل رجلاً بالنصب على المفعولية والفاعل مضمر أي حمل رجل رجلاً على فرس (فهو)
أي فحكمه (كالعمرى والصدقة) في عدم الرجوع فيه (وقال بعض الناس) أبو حنيفة رحمه الله (له أن
يرجع فيها) في الفرس الذي حمله عليها ناويًا الهبة لأنه يجوز عنده الرجوع في الهبة للأجنبي.
٢٦٣٦ - حدثنا الحُميديُّ أخبرَنا سُفيانُ قال: سمعتُ مالكًا يسألُ زيدَ بنَ أُسْلَم فقال:
سمعتُ أبي يقولُ: ((قال عمرُ رضيَ اللَّهُ عنه: حَمْتُ على فرسٍ في سَبيلِ اللهِ، فرأيتهُ يُباع،
فسألتُ رسولَ اللَّهِ ﴿ فقال: لا تَشْترِهِ ولا تَعُذْ في صدَقِتِك)).
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال: (أخبرنا سفيان) بن عيينة (قال:
سمعت مالگا) الإمام الأعظم (يسأل زيد بن أسلم) العدوي مولی عمر المدني (قال) ولأبي ذر فقال
(سمعت أبي) أسلم (يقول قال عمر) بن الخطاب (رضي الله عنه: حملت على فرس) أي تصدّقت به
(في سبيل الله) عز وجل وليس المراد أنه حبسه كما سبق واسم الفرس الورد (فرأيته يباع) وأردت أن
أشتريه (فسألت رسول الله ◌َالخ فقال):
(لا تشتره) أي الفرس والنهي للتنزيه، ولغير أبي ذر: لا تشتر بحذف الضمير المنصوب زاد في
رواية يحيى بن قزعة وإن أعطاكه بدرهم (ولا تعد في صدقتك) والله تعالى أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم
٥٢ - كتاب الشهادات
(بسم الله الرحمن الرحيم).
جمع شهادة وهي کما في القاموس خبر قاطع وقد شهد کعلم و کرم وقد تسكن هاؤه وشهده
كسمعه شهودًا حضره فهو شاهد الجمع شهود وشهد ولزيد بكذا شهادة أدّى ما عنده من الشهادة فهو
شاهد الجمع شهد بالفتح وجمع الجمع شهود وأشهاد واستشهده سأله أن يشهد له والشهید وتکسر
شینه الشاهد والأمین في شهادته انتهى.
والفرق بين الشهادة والرواية مع أنهما خبر إن كما في شرح البرهان للمازري أن المخبر عنه
في الرواية أمر عام لا يختص بمعين نحو الأعمال بالنيات والشفعة فيما لم يقسم فإنه لا يختص بمعين
بل عام في كل الخلق والأعصار والأمصار بخلاف قول العدل لهذا عند هذا دينار فإنه إلزام لمعين لا
يتعداه، وتعقبه الإمام ابن عرفة بأن الرواية تتعلق بالجزئي كثيرًا كحديث: يخرب الكعبة ذو السويقتين
من الحبشة انتهى.
وقد تكون مركبة من الرواية والشهادة كالإخبار عن رؤية هلال رمضان فإنه من جهة أن
الصوم لا يختص بشخص معين بل عام على من دون مسافة القصر رواية، ومن جهة أنه مختص بأهل
المسافة ولهذا العام شهادة قاله: الكرماني. وقد ثبتت البسملة قبل كتاب في الفرع ونسب ذلك في
الفتح لرواية النسفي وابن شبويه وفي بعض النسخ سقوطها.
١ - باب ما جاءَ في البَيِّنةِ على المدَّعي
لقولهِ تعالى: ﴿يا أيُّها الذين آمنوا إذا تَدايَنْتم بدَينٍ إلى أجَلٍ مُسمَّى فاكتبوهُ، ولْيَكْتُبْ بينكم
كاتبٌ بالعَدْل، ولا يَأْبَ كاتبٌ أن يَكتُبَ كما علَّمَهُ اللَّهُ، فَلْيَكْتُبْ وَلْيُملِلِ الذي عليهِ الحقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ
ربَّه ولا يَبْخَسْ منهُ شيئًا، فإن كانَ الذي عليهِ الحقُّ سَفيهًا أو ضَعيفًا أو لا يستطيعُ أن يُمِلَّ هوَ

٧٢
كتاب الشهادات/ باب ١
فلْيُملِلْ وليُّهُ بالعَدل، واستشهدوا شَهيدينٍ مِن رجالِكم، فإن لم يكونا رجُلَينٍ فرجُلٌ وامرأتانِ ممِّن
تَرْضَونَ منَ الشُّهَداءِ أن تَضِلَّ إحداهما فتُذَكِّرَ إحداهما الأخرى، ولا يَأْبَ الشُّهداءُ إذا ما دُعُوا، ولا
تَسْأموا أن تَكتُبُوهُ صغيرًا أو كبيرًا إلى أجَلهِ، ذلكم أقْسطُ عندَ اللَّهِ وأقْوَمُ للشهادةِ وأذنى أن لا
تَرْتابوا، إلاّ أن تكونَ تِجارةً حاضرةً تُديرونَها بينكم فليسَ عليكم جُناحْ ألا تَكتُبوها، وأشهِدوا إذا
تَبَايَعْتم، ولا يُضارَّ كاتبٌ ولا شَهيد، وإن تَفعلوا فإنهُ فُسوقْ بكم واتَّقوا اللَّهَ، ويُعلِّمُكمُ اللَّهُ، واللّهُ
بكلّ شيءٍ عليم﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿يا أيُّها الذينَ آمنوا كونوا قَوّامينَ بالقِسْطِ
شُهداءَ للَّهِ ولو على أنفُسِكم أو الوالِدَيْنِ والأقرَبينَ إن يَكنْ غنيًّا أو فقيرًا فاللَّهُ أولى بهما، فلا تَتَّبِعوا
الهَوَى أن تَعدِلوا وإن تَلْوُوا أوْ تُعْرِضوا فإنَّ اللَّهَ كانَ بمَا تَعْمَلُونَ خَبيرًا﴾ [النساء: ١٣٥].
(باب ما جاء في البينة على المدعي) بكسر العين (لقوله) زاد أبو ذر تعالى ولأبي ذر أيضًا عز
وجل (﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين﴾) أي إذا داين بعضكم بعضًا تقول داينته إذا عاملته نسيئة
معطيًا أو آخذًا (﴿إلى أجل مسمى﴾) معلوم بالأيام والأشهر لا بالحصاد وقدوم الحاج (﴿فاكتبوه﴾) قال
ابن كثير: هذا إرشاد من الله تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها ليكون
ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد، ويقال مما ذكره السمرقندي مَن ادّان دينًا ولم يكتب فإذا
نسي دينه ويدعو الله تعالى بأن يظهره يقول الله تعالى: أمرتك بالكتابة فعصيت أمري، والجمهور على
أن الأمر هنا للاستحباب (﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾) أي بالقسط من غير زيادة ولا نقصان
(﴿ولا يأب كاتب﴾) ولا يمتنع أحد من الكتاب (﴿أن يكتب كما علمه الله﴾) مثل ما علمه الله
من كتب الوثائق ما لم يكن يعلم (﴿فليكتب﴾) تلك الكتابة المعلمة (﴿وليملل الذي عليه الحق﴾)
وليكن المملل من عليه الحق لأنه المقرّ المشهود عليه (﴿وليتق الله ربه﴾) أي المملي أو الكاتب (﴿ولا
يبخس﴾) ولا ينقص (﴿منه شيئًا﴾) أي من الحق أو الكاتب لا ينجس مما أمل عليه (﴿فإن كان
الذي عليه الحق سفيهًا﴾) ناقص العقل مبذرًا (﴿أو ضعيفًا﴾) صبيًّا أو ضعيفًا مختلاً (﴿أو لا
يستطيع أن يمل هو﴾) أو غير مستطيع للإملاء بنفسه الخرس أو جهل باللغة (﴿فليملل وليه
بالعدل﴾) أي الذي يلي أمره ويقوم مقامه من قيم إن كان صبيًّا أو مختل عقل أو وكيل أو مترجم
إن كان غير مستطيع وهو دليل جريان النيابة في الإقرار ولعله مخصوص بما تعاطاه القيم أو
الوكيل (﴿واستشهدوا﴾) على حقكم (﴿شهيدين من رجالكم﴾) المسلمين الأحرار البالغين وقال:
ابن كثير أمر بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة (﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾) وهو
مخصوص بالأموال عندنا ومما عدا الحدود والقصاص عند أبي حنيفة (﴿ممن ترضون من الشهداء﴾)
لعلمكم بعد التهم (﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾) أي لأجل أن إحداهما إن ضلّت
الشهادة بأن نسيتها ذكرتها الأخرى وفيه إشعار بنقصان عقلهن وقلة ضبطهن (﴿ولا يأتَ الشهداء
إذا ما دعوا﴾) لأداء الشهادة عند الحاكم فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت، وإلاّ فهو
فرض كفاية أو التحمل وسموا شهداء تنزيلاً لما يشارف منزلة الواقع وما مزيدة (﴿ولا تسأموا﴾)

٧٣
کتاب الشهادات/ باب ١
ولا تملوا من كثرة مدايناتكم (﴿أن تكتبوه﴾) أي الدين أو الكتاب (﴿صغيرًا أو كبيرًا﴾) صغيرًا
كان الحق أو كبيرًا أو مختصرًا كان الكتاب أو مشبعًا (﴿إلى أجله﴾) أي إلى وقت حلوله الذي أقرّ
به المديون (﴿ذلكم﴾) الذي أمرناكم به من الكتابة (﴿أقسط عند الله﴾) أعدل (﴿وأقوم للشهادة﴾)
وأثبت لها وأعون على إقامتها إذا وضع خطه ثم رآه تذكر به الشهادة لاحتمال أنه لولا الكتابة
لنسيه كما هو الواقع غالبًا (﴿وأدنى أن لا ترتابوا﴾) وأقرب في أن لا تشكوا في جنس الدين
وقدره وأجله والشهور ونحو ذلك ثم استثنى من الأمر بالكتابة فقال: (﴿إلا أن تكون تجارة
حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها﴾) أي إلا أن تتبايعوا يدًا بيد فلا بأس
أن لا تكتبوا لبعده عن التنازع والنسيان (﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾) هذا التبايع أو مطلقًا لأنه أحوط
(﴿ولا يضارّ كاتب ولا شهيد﴾) فيكتب هذا خلاف ما علم ويشهد هذا بخلاف ما سمع أو
الضرار بهما مثل أن يعجلا عن أمر مهم ويكلفا الخروج عما حدّ لهما ولا يعطي الكاتب جعله
والشاهد مؤونة مجيئه حيث كانت (﴿وإن تفعلوا﴾) الضرار بالكاتب والشاهد (﴿فإنه فسوق بكم﴾)
خروج عن الطاعة لاحق بكم (﴿واتقوا الله﴾) في مخالفة أمره ونهيه (﴿ويعلمكم الله﴾) أحكامه
المتضمنة لمصالحكم (﴿والله بكل شيء عليم)) [البقرة: ٢٨٢] عالم بحقائق الأمور ومصالحها لا
يخفى عليه شيء بل علمه محيط بجميع الكائنات ولفظ رواية أبي ذر بعد قوله: (﴿فاكتبوه﴾) إلى
قوله: (﴿واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم﴾) وكذا لابن شبويه، وساق في رواية
الأصيلى وكريمة الآية كلها قاله الحافظ ابن حجر.
(وقوله تعالى) في سورة النساء ولأبوي ذر والوقت وقول الله عز وجل: (﴿يا أيها الذين
آمنوا كونوا قوامين بالقسط﴾) مواظبين على العدل مجتهدين في إقامته (﴿شهداء لله﴾) بالحق تقيمون
شهاداتكم لوجه الله تعالى (﴿ولو﴾) كانت الشهادة (على أنفسكم﴾) بأن تقرّوا عليها لأن الشهادة
بيان الحق سواء كان الحق عليه أو على غيره (﴿أو الوالدين والأقربين﴾) ولو على أقاربكم (﴿إن
يكن﴾) أي المشهود عليه أو كل واحد منه ومن المشهود له (﴿غنيًا أو فقيرًا﴾) فلا تمتنعوا عن إقامة
الشهادة فلا تراعوا الغني لغناه ولا الفقير لفقره (﴿فالله أولى بهما﴾) بالغني والفقير وبالنظر لهما
فلو لم تكن الشهادة لهما أو عليهما صلاحًا لما شرعها (﴿فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا﴾) لأن تعدلوا
عن الحق (﴿وإن تلووا﴾) ألسنتكم عن شهادة الحق أو عن حكومة العدل (﴿أو تعرضوا﴾) عن
أدائها (﴿فإن الله كان بما تعملون خبيرًا﴾) [النساء: ١٣٥] تهديد للشاهد لكيلا يقصر في أداء
الشهادة ولا يكتمها، ولأبي ذر وابن شبويه بعد قوله: ﴿بالقسط﴾ إلى قوله: ﴿بما تعملون
خبيرًا﴾ .
ووجه الاستدلال بما ذكره على الترجمة كما قاله ابن المنير أن المدعي لو كان مصدقًا بلا بيّنة لم
يحتج إلى الإشهاد ولا إلى كتابة الحقوق وإملائها فالإرشاد إلى ذلك يدل على الحاجة إليه وفي ضمن
ذلك أن البيّنة على المدّعي، ولأن الله تعالى حين أمر الذي عليه الحق بالإملاء اقتضى تصديقه فيما أقرّ
به، وإذا كان مصدّقًا فالبيّنة على مَن ادّعى تكذيبه، ولم يسق المؤلف رحمه الله حديثًا اكتفاء بالآيتين.

٧٤
کتاب الشهادات/ باب ٢
٢ - باب إذا عدَّلَ رَجُلٌ رجُلاً فقال: لا نَعلمَ
إلاّ خَيرًا، أو ما علمتُ إلاّ خيرًا وساقَ حديث الإفكِ
فقال النبيُّ ◌َّهِ لأسامةَ حين استشارهُ، فقال: أهلَكَ ولا نعلم إلا خَيرًا
هذا (باب) بالتنوين (إذا عدّل) بتشديد الدال (رجل أحدًا) ولأبي ذر عن المستملي: رجلاً
بدل أحدًا (فقال) المعدل (لا نعلم إلا خيرًا أو قال ما) ولأبوي ذر والوقت أو ما (علمت إلا خيرًا)
ما الحكم في ذلك زاد أبو ذر وساق حديث الإفك فقال النبي ولاير لأسامة حين عدّله قال أهلك ولا
نعلم إلاّ خيرًا. قال في الفتح: ولم يقع هذا كله في رواية الباقين وهو اللائق لأن حديث الإفك قد
ذكر في الباب موصولاً وإن كان اختصره.
٢٦٣٧ - حدثنا حَجْاجٌ حدَّثَنا عبدُ الله بنُ عمرَ النُّمَيرِيُّ حدَّثَنَا ثوبانُ، وقال اللَّيث: حدَّثني
يونُسُ عنِ ابنِ شهابٍ قال: أخبرني عروةُ بنُ الزَّبَيرِ وابنُ المسيَّبِ وعلقمةُ بنُ وقّاصٍ وعُبَيْدُ اللَّهِ بنُ
عبدِ اللَّهِ عن حديثٍ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها - وبعضُ حديثهم يُصدّقُ بعضًا - حين قال لها أهلُ
الإفكِ ما قالوا، فدعا رسولُ اللَّهِ وَهِ عليًّا وأسامةَ حينَ استَلْبَثَ الوحيُّ يَستأمِرُهما في فِراقِ أهلِهِ،
فأما أُسامةُ فقال: أهلَكَ ولا نعلمُ إلاّ خيرًا. وقالت بَريرةُ: إن رأيتُ عليها أمرًا أغمِصُهُ أكثرَ من أنها
جاريةٌ حديثةُ السنّ تنامُ عن عَجينِ أهلِها فتأتي الداجِنُ فتأكلُهُ. فقال رسولُ اللَّهِ وَ﴾: (مَن يَعذُرُنا
في رجُلٍ بلَغني أذاهُ في أهلِ بَيْتِي، فوَاللَّهِ ما علمتُ مِن أهلي إلاّ خَيرًا، ولقد ذكروا رجُلاً ما علمتُ
علیه إلاّ خیرًا».
وبه قال: (حدّثنا حجاج) هو ابن منهال قال: (حدّثنا عبد الله بن عمر) بضم العين وفتح الميم
ابن غانم (النميري) بضم النون وفتح الميم قال: (حدّثنا ثَوبان) كتب في اليونينية وفرعها على ثوبان
علامة السقوط من غير رقم ولأبي ذر: حدّثنا يونس بن يزيد الأيلي.
(وقال الليث) بن سعد الإمام مما وصله في تفسير سورة النور (حدّثني) بالإفراد (يونس) الأيلي
(عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام وسقط لغير أبي ذر
ابن الزبير (وابن المسيب) سعيد (وعلقمة بن وقاص) بتشديد القاف الليثي (وعبيد الله بن عبد الله)
بضم العين في الأول ابن عتبة بن مسعود وسقط ابن عبد الله لغير أبي ذر (عن حديث عائشة رضي
الله عنها وبعض حديثهم يصدق بعضًا) أي وحديث بعضهم يصدّق بعضًا فيكون من باب المقلوب أو
المراد أن حديث كلِّ منهم يدل على صدق الراوي في بقية حديثه لحسن سياقه وجودة حفظه (حين
قال لها أهل الإفك) أسوأ الكذب (ما قالوا) مما رموها به وبرّأها الله وسقط لغير الكشميهني قوله ما
قالوا: (فدعا رسول الله ◌َ في عليًّا) هو ابن أبي طالب (وأسامة) الفاء في فدعا عاطفة على محذوف

٧٥
کتاب الشهادات/ باب ٢
تقديره، وكان رسول الله وَ﴿ قبل ذلك قد سمع ما قيل فدعا عليًّا وأسامة (حين استلبث الوحي)
استفعل من اللبث وهو الإبطاء والتأخير والوحي بالرفع أي أبطأ نزوله (يستأمرهما) يشاورها (في
فراق أهله) عدلت عن قولها في فراقي إلى قولها في فراق أهله لكراهتها التصريح بإضافة الفراق إليها
(فأما أسامة فقال: أهلك) بالرفع أي هم أهلك، ولأبي ذر: أهل بالنصب على الإغراء أي الزم أهلك
أي العفائف المعروفات بالصيانة (ولا نعلم إلاّ خيرًا).
وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى، لكن اعترضه ابن المنير: بأن التعديل إنما هو تنفيذ
للشهادة وعائشة رضي الله عنها لم تكن شهدت ولا كانت محتاجة إلى التعديل لأن الأصل البراءة،
وإنما كانت محتاجة إلى نفي التهمة عنها حتى تكون الدعوى عليها بذلك غير مقبولة ولا مشبهة
فيكفي في هذا القدر هذا اللفظ فلا يكون فيه لمن اكتفى في التعديل بقوله لا أعلم إلا خيرًا حجة
انتھی .
ولا يلزم من أنه لا يعلم منه إلا خيرًا أن لا يكون فيه شيء، وعند الشافعية لا يقبل التعديل
ممن عدل غيره حتى يقول هو عدل، وقيل: عدل علي ولي. قال الإمام: وهو أبلغ عبارات التزكية
ويشترط أن تكون معرفته به باطنة متقادمة بصحبة أو جوار أو معاملة، وقال مالك: لا يكون قوله لا
نعلم إلاّ خيرًا تزكية حتى يقول رضا ونقل الطحاوي عن أبي يوسف إنه إذا قال: لا نعلم إلا خيرًا
قبلت شهادته، والصحيح عند الحنفية أن يقول هو عدل جائز الشهادة قال ابن فرشتاه: وإنما أضاف
إلى قوله هو عدل كونه جائز الشهادة لأن العبد والمحدود في قذف يكونان عدلين إذا تابا ولا تقبل
شهادتهما انتهى.
(وقالت بريرة) خادمتها حين سألها عليه السلام هل رأيت شيئًا يريبك (إن رأيت عليها أمرًا)
بكسر همزة إن النافية أي ما رأيت عليها شيئًا (أغمصه) بفتح الهمزة وسكون الغين المعجمة وكسر
الميم وبصاد مهملة أي أعيبها به (أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها) الرطوبة بدنها
وسقط لأبي ذر قوله جارية (فتأتي الداجن) بدال مهملة وبعد الألف جيم الشاة تألف البيوت ولا
تخرج إلى المرعى (فتأكله فقال رسول الله(ص ):
(من يعذرنا) أي من ينصرنا أو من يقوم بعذره فيما رمى به أهلي من المكروه أو من يقوم
پعذري إذا عاقبته على سوء ما صدر منه، ورجح النووي هذا الثاني (في) وللکشميهني من (رجل)
هو عبد الله بن أبي (بلغني أذاه في أهل بيتي) فيما رمى به من المكروه (فوالله ما علمت من أهلي إلاّ
خيرًا ولقد ذكروا رجلاً) هو صفوان بن معطل (ما علمت عليه) ولأبي ذر عن الكشميهني فيه (إلاّ
خیرًا).
وهذا الحديث أخرجه هنا مختصرًا، وأخرجه أيضًا في الشهادات والمغازي والتفسير والأيمان
والنذور والتوحيد ومسلم في التوبة والنسائي في عِشرة النساء والتفسير.

٧٦
کتاب الشهادات/ باب ٣
٣ - باب شهادة المختبىء، وأجازهُ عمرو بن حُرَیثٍ
قال: وكذلكَ يُفْعَلُ بالكاذبِ الفاجرِ وقال الشّعبيِّ وابنُ سِيرِينَ وعطاءُ وقَتادةُ: السَّمعُ شهادة.
وكان الحسنُ يقول: لم يُشهِدوني على شيء، وإني سمعتُ كذا وكذا.
(باب) حكم (شهادة المختبىء) بالخاء المعجمة والموحدة أي الذي يختفي عند تحمل الشهادة
(وأجازه) أي الاختباء عند تحملها (عمرو بن حريث) بفتح العين وسكون الميم وحريث بضم الحاء
المهملة وبالمثلثة آخره مصغرًا المخزومي من صغار الصحابة رضي الله عنهم ولأبيه صحبة أيضًا وليس
له في البخاري ذكر إلا هذا، ورواه البيهقي (وقال) أي عمرو بن حريث (وكذلك يفعل) ما ذكر من
الاختباء عند التحمل (بالكاذب الفاجر) بسبب المديون الذي لا يعترف بالدين ظاهرًا بل إذا خلا به
صاحب الدين يعترف به فيسمع إقراره به من هو مختف عمل بذلك، وبه قال الشافعي في الجديد
ومالك وأحمد، قال أبو حنيفة: لا .
(وقال الشعبي) بفتح المعجمة وسكون المهملة عامر فيما وصله ابن أبي شيبة (وابن سيرين)
محمد (وعطاء) هو ابن أبي رباح (وقتادة) بن دعامة (السمع شهادة) وإن لم يشهد المقر، (وقال) ولأبي
ذر كان (الحسن) البصري (يقول) الذي سمع من قوم شيئًا للقاضي (لم يشهدوني على شيء وإني)
ولأبي ذر: ولكن (سمعت) هم يقولون (كذا وكذا) وهذا وصله ابن أبي شيبة.
٢٦٣٨ - حدثنا أبو اليمانِ أخبرنا شعيب عن الزهري قال سالم: سمعت عبد اللَّهِ بن عمرَ
رضيَ اللَّهُ عنهما يقول: ((انطلقَ رسولُ اللَّهِ وَهُ وأَبِيُّ بن كعبِ الأنصاريُّ يؤُمَّانِ النخلَ وهو يَخْتِلُ
أن يَسمَّعَ منِ ابنِ صَيّادٍ شيئًا قبلَ أن يَراهُ، وابنُ صَيّادٍ مُضْطَجِعْ على فِراشِهِ في قطيفةٍ، له فيها رَمْرَمَةٌ
أو زمزمة، فرَأت أُمُّ ابنِ صيادِ النبيِّ وَّه وهوَ يَتَّقي بجُذوعِ النخلِ، فقالت لابنِ صَيّادٍ: أَيْ صافٍ،
هذا محمدٌ. فَتَناهى ابنُ صيّادٍ. قال النبيِّ وََّ: لَو تَرَكَتْهُ بَيَّنَ)).
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (قال سالم سمعت) أبي (عبد الله بن عمر) بن الخطاب
(رضي الله عنهما يقول: انطلق رسول الله وَ ﴿ وأبيّ بن كعب الأنصاري يؤمان النخل) أي يقصدانه
ولأبي ذر عن الحموي والمستملي إلى النخل (التي فيها ابن صياد) واسمه صافي (حتى إذا دخل رسول
الله (99) في النخل (طفق) بكسر الفاء جعل (رسول الله وَ ﴿) وخبر طفق قوله (يتقي بجذوع النخل
وهو يختل) بفتح المثناة التحتية وسكون الخاء المعجمة وكسر الفوقية آخره لام أي حال كونه يطلب
(أن يسمع من ابن صياد شيئًا) من كلامه الذي يقوله في خلوته ليعلم هو وأصحابه أكاهن هو أو
ساحر (قبل أن يراه) أي ابن صياد كما صرّح به في الجنائز (وابن صياد مضطجع) الواو للحال (على
فراشه في قطيفة) كساء له حمل (له) أي لابن صياد (فيها) في القطيفة (رمرمة) براءين مهملتين بينهما

٧٧
کتاب الشهادات/ باب ٣
ميم ساكنة وبعد الراء الثانية ميم أخرى أي صوت خفي (أو زمزمة) بزاءين معجمتين ومعناها كالأولى
والشك من الراوي (فرأت أم ابن صياد النبي ◌َلقه وهو) أي والحال أنه (يتقي) يخفي نفسه (بجذوع
النخل) حتى لا تراه أم صياد (فقالت لابن صياد) أمه (أي صافٍ) كقاضٍ أي يا صافٍ (هذا محمد)
صلوات الله وسلامه عليه (فتناهى ابن صياد) أي رجع إليه عقله وتنبّه من غفلته أو انتهى عن زمزمته
(قال رسول الله) ولأبي ذر النبي (َ﴿):
(لو تركته) أمه ولم تعلمه بمجيئنا (بين) لنا من حاله ما نعرف به حقيقة أمره. وهذا يقتضي
الاعتماد على سماع الكلام وإن كان السامع محتجبًا عن المتكلم إذا عرف صوته.
وهذا الحديث سبق في الجنائز في باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وأخرجه أيضًا
في بدء الخلق وغيره.
٢٦٣٩ - هقلني عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ حدَّثَنا سفيانُ عنِ الزُّهريّ عن عُروة عن عائشةَ رضيَ
اللَّهُ عنها «جاءَتِ امرأةُ رِفاعةَ القُرَظِيِّ إلى النبيِّ ◌َ﴿ فقالت: كنتُ عندَ رفاعَة فطلّقَني فأبتَّ
طَلاقي، فتزوَّجتُ عبد الرحمنِ بنَ الزُّبَيرِ، وإنما معهُ مثلُ هُذْبةِ الثوب. فقال: أتريدينَ أن ترجعِي
إلى رِفاعةً؟ لا، حتى تَذوقي عُسَيلتَهُ ويذوقَ عُسَيْلتَكِ. وأبو بكرٍ جالسٌ عنْدَهُ، وخالدُ بنُ سعيدِ بنِ
العاص بالبابِ يَنتظِرُ أن يُؤْذَنَ له. فقال: يا أبا بكرٍ ألا تَسمِعُ إلى هذِهِ ما تَجهَرُ بهِ عندَ النبيِّ ◌ََِّ)).
[الحديث ٢٦٣٩ - أطرافه في: ٥٢٦٠، ٥٢٦١، ٥٢٦٥، ٥٣١٧، ٥٧٩٢، ٥٨٢٥، ٦٠٨٤].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا
سفيان) بن عيينة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبير بن العّام (عن
عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت: جاءت امرأة رفاعة) بكسر الراء (القرظي النبي) بالنصب والقرظي
بضم القاف وفتح الراء وبالظاء المعجمة من بني قريظة وهو أحد العشرة الذين نزل فيهم ولقد وصلنا
لهم القول الآية كما رواه الطبراني عنه قال البغوي: ولا أعلم له حديثًا غيره واسم زوجته سهيمة،
وقيل غير ذلك مما يأتي إن شاء الله تعالى في النكاح ولأبي ذر: جاءت إلى النبي (لَّه فقالت) له عليه
الصلاة والسلام: (كنت عند رفاعة فطلقني فأبتْ طلاقي) بهمزة مفتوحة وتشديد المثناة الفوقية كذا
في جميع ما وقفت عليه من النسخ في الأصول المعتمدة فأبتّ بالهمز من الثلاثي المزيد فيه، وقال
العيني: فبتَّ من غير همز من الثلاثي المجرّد قال وفي النسائي فأبتَّ من المزيد انتهى.
نعم رأيت في النسخة المقروءة على الميدومي فطلّقني فأبتَّ فزاد فطلّقني ولم يقل بعد أبت
طلاقي، وفي الطلاق عند المؤلف طلّقني فبتَّ طلاقي أي قطع قطعًا كليًّا بتحصيل البينونة الكبرى
بالطلاق الثلاث متفرقات.

٧٨
کتاب الشهادات/ باب ٣
(فتزوّجت) بعد انقضاء العدّة (عبد الرحمن بن الزبير) بفتح الزاي وكسر الموحدة ابن باطا
القرظي (إنما) أي إن الذي (معه مثل هدية الثوب) بضم الهاء وسكون الدال المهملة طرفه الذي لم
ينسج شبهوه بهدب العين وهو شعر جفنها ومرادها ذكره وشبهته بذلك لصغره أو استرخائه وعدم
انتشاره. قال في العدة: والثاني أظهر، وجزم به ابن الجوزي لأنه يبعد أن يبلغ في الصغر إلى حدّ لا
تغيب منه الحشفة التي يحصل بها التحلل (فقال) عليه الصلاة والسلام:
(أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة) سبب هذا الاستفهام قول زوجها عبد الرحمن بن الزبير كما في
مسلم أنها ناشز تريد رفاعة. قال الكرماني: وفي بعضها ترجعين بالنون على لغة من يرفع الفعل بعد
أن حملا على ما أختها (لا) رجوع لك إلى رفاعة (حتى تذوقي عسيلته) أي عسيلة عبد الرحمن
(ويذوق) هو أيضًا (عسيلتك) بضم العين وفتح السين المهملتين مصغرًا فيهما كناية عن الجماع فشبّه
لذته بلذة العسل وحلاوته واستعار لها ذوقًا. وقد روى عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة مرفوعًا إن
العسيلة هي الجماع. رواه الدارقطني فهو مجاز عن اللذة وقيل العسيلة ماء الرجل والنطفة تسمى
العسيلة، وحينئذٍ فلا مجاز لكن ضعف بأن الإنزال لا يشترط، وإن قال به الحسن البصري، وأنّث
العسيلة لأنه شبهها بالقطعة من العسل أو أن العسل في الأصل يذكّر ويؤنّث، وإنما صغره إشارة إلى
القدر القليل الذي يحصل به الحلّ قال: النووي واتفقوا على أن تغيب الحشفة في قبلها كافٍ من غير
إنزال وقال ابن المنذر: في الحديث دلالة على أن الزوج الثاني إن واقعها وهي نائمة أو مغمى عليها
لا تحسّ باللذة أنها لا تحلّ للأوّل لأن الذوق أن تحسّ باللذة وعامّة أهل العلم أنها تحلّ.
(وأبو بكر) الصديق رضي الله عنه (جالس عنده) وَ ﴿ (وخالد بن سعيد بن العاص) الأموي
(بالباب) الشريف النبوي (ينتظر أن يؤذن له فقال) أي خالد وهو بالباب: (يا أبا بكر ألا) بفتح
الهمزة وتخفيف اللام (تسمع إلى هذه ما تجهر به عند النبي ( 9) من قولها: إنما معه مثل الهدبة وكأنه
استعظم تلفظها بذلك بحضرته ﴾.
وهذا موضع الترجمة لأن خالد بن سعيد أنكر على امرأة رفاعة ما كانت تتكلم به عند
النبي ◌َّهر مع كونه محجوبًا عنها خارج الباب، ولم ينكر النبي ◌َّر ذلك فاعتماد خالد على سماع
صوتها حتى أنكر عليها هو حاصل ما يقع من شهادة السمع ولا معنى للإشهاد إلا الإسماع، فإذا
أسمعه فقد أشهده قصد ذلك أم لا؟ وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾ [البقرة: ٢٨٣] ولم
يقل الإشهاد والسماع شهادة ولكن إذا صرّح المقرّ بالإشهاد فالأحسن أن يكتب الشاهد أشهدني بذلك
فشهدت عليه حتى يخلص من الخلاف.
وهذا الحديث أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه في النكاح والنسائي فيه وفي الطلاق.

٧٩
کتاب الشهادات/ باب ٤
٤ - باب إذا شَهِدَ شاهدٌ أو شُهودٌ بشيء
وقال آخرون ما علمنا بذلك يُكَمُ بقولِ مَن شَهِدَ
قال الحُميديُّ: هذا كما أخبرَ بلال أنَّ النبيِّ وَّهِ صلَّى في الكعبةِ، وقال الفضلُ: لم يُصَلِّ،
فأخذَ الناسُ بشهادةِ بلال. كذلكَ إن شَهِدَ شاهدانِ أنَّ لفلانٍ على فلانٍ ألفَ دِرهمٍ، وشهِدَ آخرانٍ
بألفٍ وخمسمائة، يُقضى بالزِّيادة.
هذا (باب) بالتنوين (إذا شهد شاهد) بقضية (أو) شهد (شهود بشيء فقال) بالفاء ولأبي ذر
قال: جماعة (آخرون ما علمنا ذلك) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: بذلك (يحكم بقول من شهد)!
لأنه مثبت فيقدم على النافي (قال الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي فيما وصله في الحج (هذا) أي
الحكم (كما أخبر بلال) المؤذن (أن النبي ◌َّ صلى في) جوف (الكعبة) عام الفتح، (وقال
الفضل بن العباس (لم يصلّ) عليه الصلاة والسلام فيها (فأخذ الناس بشهادة بلال) فرجحوها على
رواية الفضل لأن فيها زيادة علم وإطلاق الشهادة على إخبار بلال تجوّز.
وقال الكرماني فإن قلت: ليس هذا من باب ما علمنا بل هما متنافيان لأن أحدهما قال: صلّ،
والآخر قال: لم يصلّ؟ وأجاب: بأن قوله لم يصلُ معناه أنه ما علم أنه صلّ قال ولعلّ الفضل كان
مشتغلاً بالدعاء ونحوه فلم يره صلّ فنفاه عملاً بظنه.
(كذلك) الحكم (إن شهد شاهدان أن لفلان على فلان ألف درهم وشهد آخران بألف وخمسمائة)
مثلاً (يقضي بالزيادة) لأن عدم علم الغير لا يعارض علم من علمه، ولأبي ذر يعطي بدل يقضي
فالباء في بالزيادة على هذا ساقطة أو زائدة.
٢٦٤٠ - حدثنا حِبّانُ أخبرنا عبدُ اللَّهِ أخبرَنا عمرُ بنُ سعيدِ بنِ أبي حسينٍ قال: أخبرني
عبدُ اللَّهِ بنُ أبي مُليكةَ: ((عن عُقبةَ بنِ الحارثِ أنهُ تزوَّجَ ابنةً لأبي إهابٍ بنِ عزيزٍ، فَأَتَتْهُ امرأةٌ
فقالَتْ: قد أرضعتُ عُقبَةَ والتي تزوَّجَ. فقال لها عُقبةُ: ما أعلمُ أنَّكِ أرضَعتني، ولا أخبَرْتِني.
فأرسلَ إلى آلِ أبي إهابٍ يسألهم فقالوا: ما علمناهُ أرضَعَتْ صاحبتنا. فركبَ إلى النبيِّ وَّهِ بالمدينةِ
فسألهُ، فقال رسولُ اللّهِ ﴿: كيفَ وقد قيلَ؟ ففارقَهَا ونَكَحتْ زَوجًا غيرَه)).
وبه قال: (حدّثنا حبّان) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة ابن موسى السلمي المروزي قال:
(أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا عمر بن سعيد بن أبي حسين) بضم العين في
الأول وكسرها في الثاني وضم حاء حسين النوفلي المكي: (قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الله بن أبي
مليكة) هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة بالتصغير واسمه زهير التيمي المدني (عن
عقبة بن الحرث) بن عامر بن نوفل المكي صحابي من مسلمة الفتح بقي إلى بعد الخمسين (أنه تزوّج

٨٠
كتاب الشهادات/ باب ٥
ابنة لأبي إهاب بن عزيز) بكسر همزة إهاب وعزيز بفتح العين المهملة وزايين معجمتين بوزن عظيم،
ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: عزيز بضم العين وفتح الزاي الأولى، لكن قال في الفتح وتبعه
العيني آخره راء فالله أعلم واسم المرأة غنية وهي أم يحيى (فأتته امرأة) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف
على اسمها (فقالت: قد أرضعت) وعند المؤلف في باب الرحلة في المسألة النازلة من العلم فقالت
إني قد أرضعت (عقبة) بن الحرث (و) المرأة (التي تزوّج) بحذف بها الثابتة في رواية عنده في باب
الرحلة (فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني) بغير مثناة تحتية بعد الفوقية فيهما، وفي
رواية بباب الرحلة بإثباتها فيهما وعبر بأعلم المضارع وأخرت الماضي لأن نفي العلم حاصل في الحال
بخلاف نفي الإخبار فإنه كان في الماضي لا غير (فأرسل) عقبة (إلى آل أبي إهاب يسألهم) أي عن
مقالة المرأة، ولأبوي ذر والوقت: فيسألهم (فقالوا ما علمنا) بحذف الضمير المنصوب ولأبي ذر: ما
علمناه (أرضعت صاحبتنا فركب) عقبة (إلى النبي ( #) حال كونه (بالمدينة) أي فيها (فسأله) أي سأل
عقبة النبي ◌َّر عن الحكم في هذه الواقعة (فقال رسول الله (صل(*):
(كيف) تباشرها وتفضي إليها (وقد قيل) إنك أخوها من الرضاعة إن ذلك بعيد من ذي
المروءة والورع (ففارقها) زاد في الرحلة ففارقها عقبة أي طلّقها احتياطًا وورعًا لا حكمًا بثبوت
الرضاع قال ابن بطال: ويدل عليه الاتفاق على أنه لا يجوز شهادة امرأة واحدة في الرضاع إذا
شهدت بذلك بعد النكاح، لكن تعقب في دعوى الاتفاق بأن شهادتها وحدها فيه قول جماعة من
السلف ونقل عن أحمد حتى المالكية فإن عندهم رواية أنها تقبل وحدها لكن بشرط فشوّ ذلك في
الجيران.
(ونكحت) غنية بعد فراق عقبة (زوجًا غيره) هو ظريب بمعجمة مضمومة وراء مفتوحة آخره
موحدة ابن الحرث.
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أمره و 8م بالمفارقة تورعًا فجعل كالحكم وإخبارها كالشهادة
وعقبة نفى العلم.
وسبق هذا الحديث في باب الرحلة من كتاب العلم.
٥ - باب الشهداءِ العُدولِ، وقول اللَّهِ تعالى:
﴿وَأَشْهِدوا ذَوَيْ عَذْلٍ مِنكم﴾ - و - ﴿ممَّن تَرضَونَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾
[الطلاق: ٢، والبقرة: ٢٨٢]
(باب) بيان (الشهداء العدول) جمع عدل وهو مسلم فلا تقبل شهادة كافر ولو على مثله لقوله
تعالى: ﴿شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢] والكافر ليس من رجالنا بالغ عاقل فلا تقبل شهادة