النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
کتاب البيوع/ باب ٨
الصلاة في جماعة، وعن مقاتل بن حيان لا يلهيهم ذلك عن حضور الصلاة وأن يقيموها كما أمرهم
الله وأن يحافظوا على مواقيتها وما استحفظهم الله فيها، والتجارة صناعة التاجر وهو الذي يبيع
ويشتري للربح وعطف البيع على التجارة مع كونها أعم لأن البيع كما في الكشاف أدخل في الإلهاء
من قبل أن التاجر إذا اتجهت له بيعة رابحة وهي طلبته الكلية من صناعته ألهته ما لا يلهيه شراء شيء
يتوقع فيه الربح في الوقت أو لأن هذا يقين وذاك مظنون، أو أن الشراء يسمى تجارة إطلاقًا لاسم
الجنس على النوع أو التجارة لأهل الجلب يقال: تجر فلان في كذا إذا جلبه، واختلف في المعنى فقيل
لا تجارة لهم فلا يشتغلون عن الذكر، وقيل لهم تجارة ولكنها لا تشغلهم، وعلى هذا تنزل البخاري
فإنما أراد إباحة التجارة وإثباتها لا نفيها، وأراد بقوله في البز وغيره أنه لا يتقيد في تخصيص نوع من
البضائع دون غيره، وإنما التقييد في أن لا يشتغل بالتجارة عن الذكر ولم يسق في الباب حديثًا
يقتضي التجارة في البز بعينها من بين سائر أنواع التجارات. قال ابن بطال: غير أن قوله تعالى:
﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ [النور: ٣٧] يدخل فيه جميع أنواع التجارة من البز
وغيره. قال في المصابيح: لا نسلم شمول الآية لكل تجارة بطريق العموم الاستغراقي فإن التجارة
والبيع فيها من المطلق لا من العام.
فإن قلت: كيف يتجه هذا وكل من التجارة والبيع في الآية وقع نكرة في سياق النفي؟
وأجاب: بأن ترجمة البخاري مقتضية لإثبات التجارة لا نفيها وأن المعنى لهم تجارة وبيع لا يلهيانهم
عن ذكر الله فإذن كلٌّ منهما نكرة في سياق الإثبات فلا تعم.
(وقال قتادة كان القوم) أي الصحابة (يتبايعون ويتجرون ولكنهم إذا نابهم) أي عرض لهم
(حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع) أي لم تشغلهم الدنيا وزخرفها وملاذها وربحها (عن ذكر
الله حتى يؤدّوه إلى الله) عز وجل الذي هو خالقهم ورازقهم فيقدمون طاعته ومراده ومحبته على
مرادهم ومحبتهم وقال ابن بطال ورأيت في تفسير الآية قال كانوا حدادين وخرّازين فكان أحدهم إذا
رفع المطرقة أو غرز الأشفي لم يرفعه من الغرزة ولم يوقع المطرقة ورمى بها وقام إلى الصلاة وهذا
التعليق قال في الفتح لم أره موصولاً عن قتادة نعم روى ابن أبي حاتم وابن جرير فيما ذكره ابن كثير
في تفسيره عن ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال
ابن عمر: فيهم نزلت الآية وعزاه في فتح الباري لتخريج عبد الرزاق.
٢٠٦٠، ٢٠٦١ - حدثنا أبو عاصم عنِ ابنِ جُرَيجٍ قال: أخبرَني عمرُو بنُ دِينارٍ عن أبي
المِنهالِ قال: ((كنتُ أتَّجِرُ في الصَّرفِ، فسألتُ زيدَ بنَ أرقمَ رضيَ اللَّهُ عنهُ فقال: قال
النبيُّ ◌ِچو ح.
وحدثني الفضلُ بنُ يَعقوبَ حدَّثَنا الحجاجُ بنُ محمدٍ قال ابنُ جُرَيجِ أخبَرني عمرُو بنُ دِینارٍ
وعامرُ بنُ مُصعَبٍ أنهما سَمِعا أبا المِنْهالِ يقول: ((سألتُ البَراءَ بنَ عازِبٍ وزيد بن أرقمَ عنِ

٢٢
٠٠٠
كتاب البيوع / باب ٩
الصرفِ فقالا: كنّا تاجِرَين على عَهدِ رسولِ اللَّهِ وَ ﴿، فسَألْنا رسولَ اللَّهِ وَ لَ عنِ الصرفِ فقال: إن
كانَ يدًا بيد فلا بأسَ، وإن كان نَسَاءً فلا يَصلُحُ)). [الحديث ٢٠٦٠ - أطرافه في: ٢١٨٠،
٢٤٩٧، ٣٩٣٩]. [الحديث ٢٠٦١ - أطرافه في: ٢١٨١، ٢٤٩٨، ٣٩٤٠].
وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد البصري (عن ابن جريج) عبد الملك بن
عبد العزيز المكي (قال: أخبرني) بالإفراد (عمرو بن دينار) بفتح العين المكي (عن أبي المنهال) بكسر
الميم وسكون النون آخره لام اسمه عبد الرحمن بن مطعم الكوفي (قال: كنت أتجر في الصرف) وهو
بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة أو أحدهما بالآخر (فسألت زيد بن أرقم) الأنصاري الكوفي
(رضي الله عنه فقال النبي (وَليؤ) قال البخاري (ح).
(وحدّثني) بالتوحيد (الفضل بن يعقوب) الرخامي بضم الراء بعدها خاء معجمة أبو العباس
البغدادي الحافظ قال: (حدّثنا الحجاج بن محمد) الأعور الترمذي الأصل سكن المصيصة (قال ابن
جريج) عبد الملك: (أخبرني) بالإفراد (عمرو بن دينار وعامر بن مصعب) بضم الميم وفتح العين
(أنهما سمعا أبا المنهال) عبد الرحمن بن مطعم (يقول: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن
الصرف) سقط لفظ ابن عازب (فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله صل* فسألنا رسول الله وَالهرم
عن الصرف فقال):
(إن كان يدًا بيد) أي متقابضين في المجلس (فلا بأس) به (وإن كان نساء) بفتح النون والسين
المهملة ممدودًا، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: نسيئًا بكسر السين ثم مثناة تحتية ساكنة
مهموزًا أي متأخرًا (فلا يصلح) واشتراط القبض في الصرف متفق عليه وإنما الاختلاف في التفاضل
بين الجنس الواحد .
ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في محالها، وموضع الترجمة قوله: وكانا تاجرين على عهد
النبي وَهر، وأخرج المؤلف الطريق الثانية بنزول رجل لأجل زيادة عامر بن مصعب مع عمرو بن
دينار في رواية ابن جريج عنهما عن أبي المنهال المذكور، وليس لعامر بن مصعب في البخاري سوى
هذا الموضع الواحد، وروى المؤلف هذا الحديث في البيوع وهجرة النبي ◌ُّ ومسلم في البيوع وكذا
النسائي .
٩ - باب الخُروج في التجارةِ
وقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَانتَشِروا في الأرضِ وابْتَغْوا من فضلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠].
(باب) إباحة (الخروج في التجارة) وفي للتعليل أي لأجل التجارة كقوله تعالى: ﴿ولمسّكم فيما
أفضتم﴾ [النور: ١٤] (وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على سابقه (﴿فانتشروا في الأرض وابتغوا من
فضل الله﴾) [الجمعة: ١٠] إطلاق لما حظر عليهم واحتج به من جعل الأمر بعد الحظر للإباحة كما

٢٣
كتاب البيوع / باب ٩
في قوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢] والابتغاء من فضل الله هو طلب الرزق
وسقط لابن عساكر وأبي ذر: وابتغوا من فضل الله .
٢٠٦٢ - حدثنا محمدُ بنُ سَلام أخبرَنا مَخْلَدُ بنُ يزيدَ أخبرنا ابنُ جريج قال: أخبرني عطاءٌ
عن عُبَيدِ بنِ عُميرٍ أنَّ أبا موسى الأَشْعَرَيَّ اسْتَأْذَنَ على عُمرَ بنِ الخَطَّابِ رضيَ اللَّهُ عنه فلم يُؤْذَنْ لهُ
- وكأنهُ كان مشغولاً - فرجَعَ أبو موسى. ففرَغَ عُمرُ فقال: ألم أسمَعْ صَوتَ عبدِ اللهِ بنِ قَيسٍ؟
الفَنوا لهُ. قيل: قد رجَعَ. فدعاه: فقال: كنّا نُؤْمرُ بذلكَ. فقال: تأتيني على ذَلك بالبَيْنَةِ. فانطَلَقَ
إلى مجلسٍ الأنصارِ فسألَهم، فقالوا: لا يَشْهَدُ لكَ على هذا إلاّ أصغَرُنا أبو سعيدِ الخُذْريُّ.
فَذَهَبَ بأبي سعيدِ الخُذريِّ، فقال عمر: أخَفِيَ عليَّ هذا من أمرٍ رسول الله وَلَّ؟ ألْهاني الصّفْقُ
بالأسواق. يعني الخُروج إلى تجارَةٍ)). [الحديث ٢٠٦٢ - طرفاه في: ٦٢٤٥، ٧٣٥٣].
وبه قال (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدّثني (محمد بن سلام) بتخفيف اللام ابن الفرج
البيكندي بكسر الموحدة وسقط في رواية ابن عساكر وأبي ذر لفظ ابن سلام قال: (أخبرنا مخلد بن
يزيد) من الزيادة ومخلد بفتح الميم وسكون المعجمة وفتح اللام الحرّاني قال: (أخبرنا ابن جريج)
عبد الملك (قال: أخبرني) بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي رباح (عن عبيد بن عمير) بضم العين فيهما
مصغرين ابن قتادة أبو عاصم قاصّ أهل مكة قال مسلم: ولد في زمانه وَلّ، وقال البخاري: رأى
النبي ◌َّر (أن أبا موسى) عبد الله بن قيس (الأشعري) رضي الله عنه (استأذن على عمر بن الخطاب
رضي الله عنه) زاد بسر بن سعيد عن أبي سعيد في الاستئذان أنه استأذن ثلاثًا (فلم يؤذن له) بضم
الياء مبنيًّا للمفعول (وكأنه) أي عمر (كان مشغولاً) بأمر من أمور المسلمين (فرجع أبو موسى ففرغ
عمر) من شغله (فقال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس) أبي موسى الأشعري (ائذنوا له) بالدخول
(قيل قد رجع) أي أبو موسى فبعث عمر وراءه فحضر (فدعاه) فقال: لم رجعت؟ (فقال) أي أبو
موسى (كنا نؤمر بذلك) أي بالرجوع حين لم يؤذن للمستأذن قال في رواية الاستئذان المذكورة
فأخبرت عمر عن النبي وَل# بذلك (فقال) أي عمر: (تأتيني) بدون لام التأكيد في أوله وهو خبر أريد
به الأمر وفي نسخة: تأتني بحذف التحتية التي بعد الفوقية (على ذلك) أي على الأمر بالرجوع (بالبيئة)
زاد مالك في موطئه فقال عمر لأبي موسى: أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على
رسول الله وَلقر، وحينئذ فلا دلالة في طلبه البيّنة على أنه لا يحتج بخبر الواحد بل أراد سد الباب
خوفًا من غير أبي موسى أن يختلق كذبًا على رسول الله وَ لجر عند الرغبة والرهبة، (فانطلق) أي أبو
موسى (إلى مجلس الأنصار) بتوحيد مجلس، ولأبي ذر عن الكشميهني: إلى مجالس الأنصار (فسألهم)
عن ذلك (فقالوا: لا يشهد لك على هذا) الذي أنكره عمر رضي الله عنه (إلا أصغرنا أبو سعيد)
سعد بن مالك (الخدري) أشاروا إلى أنه حديث مشهور بينهم حتى أن أصغرهم سمعه من
النبي ◌َّر، (فذهب) أي أبو موسى (بأبي سعيد الخدري) إلى عمر فأخبره أبو سعيد بذلك (فقال عمر

٢٤
كتاب البيوع/ باب ١٠
أخفي علّ) ولأبوي ذر والوقت عن الحموي: أخفي هذا علّ (من أمر رسول الله (منير) والهمزة في
أخفي للاستفهام وياء علّ مشددة (ألهاني) الذي شغلني (الصفق بالأسواق يعني) عمر رضي عنه
بذلك (الخروج إلى تجارةٍ) ولابن عساكر عن الكشميهني: إلى التجارة بالتعريف أي شغله ذلك عن
ملازمة رسول الله وَله في بعض الأوقات حتى حضر من هو أصغر مني ما لم أحضره من العلم وفيه
أن طلب الدنيا يمنع من استفادة العلم، وقد كان احتياج عمر رضي الله عنه إلى السوق لأجل
الكسب لعياله والتعفّف عن الناس.
وهذا موضع الترجمة، وفي ذلك ردّ على من يتنطع في التجارة فلا يحضر الأسواق ويتحرّج
منها، لكن يحتمل أن تحرّج من يتحرّج لغلبة المنكرات في الأسواق في هذه الأزمنة بخلاف الصدر
الأول، وفي الحديث أن قول الصحابي كنا نؤمر بكذا له حكم الرفع.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الاعتصام ومسلم في الاستئذان وأبو داود في الأدب.
١٠ - باب التجارة في البحرِ
وقال مَطَرٌ: لا بأسَ به، وما ذَكرَهُ اللَّهُ في القرآنِ إلاّ بحقّ ثمّ تلا: ﴿وَتَرَى الفَلْكَ مَواخِرَ فيه.
ولتبتغوا من فَضلِهِ﴾ [النحل: ١٤] والفُلكُ السُّفُنُ، الواحِدُ والجمعُ سواء.
وقال مُجاهدٌ: تَمخَرُ السفنُ الرِّيحَ، ولا يَمخرُ الريحَ منَ السُّفنِ إلّ الفُلكُ العِظامُ.
(باب التجارة في البحر) أي باب إباحة ركوب البحر للتجارة. قال الحافظ ابن حجر: وفي
بعض النسخ وغيره (وقال مطر) هو ابن طهمان أبو رجاء الوراق البصري مما وصله ابن أبي حاتم
(لا بأس به) أي بركوب البحر (و) يقول (ما ذكره الله) أي ركوب البحر (في القرآن إلا بحق) ولابن
عساكر: وما ذكر الله بإسقاط الضمير المنصوب وفي نسخة بالفرع إلا بالحق، ووقع في رواية
الحموي وقال مطرف بدل مطر. قال الحافظ ابن حجر وغيره: إنه تصحيف (ثم تلا) مطر (﴿وترى
الفلك مواخر فيه﴾) وهذه آية النحل ولأبي ذر: ﴿وترى الفلك فيه مواخر﴾ بتقديم فيه على مواخر وهذه
آية سورة فاطر (﴿ولتبتغوا من فضله﴾) [النحل: ١٤] من سعة رزقه تركبونها للتجارة، ووجه حمل
مطر ذلك على الإباحة أنه سيقت في مقام الامتنان لأن الله تعالى جعل البحر لعباده لابتغاء فضله من
نعمه التي عددها لهم وأراهم في ذلك عظيم قدرته وسخر الرياح باختلافها لحملهم وترددهم وهذا
من عظيم آياته، وهذا يرد على من منع ركوب البحر في إبّان ركوبه وهو قول يروى عن عمر رضي
الله عنه. ولما كتب إلى عمرو بن العاص يسأله عن البحر فقال: خلف عظيم يركبه خلق ضعيف دود
على عود فكتب إليه عمر رضي الله عنه أن لا يركبه أحد طول حياته، فلما كان بعد عمر رضي الله
عنه لم يزل يركب حتى كان عمر بن عبد العزيز فاتبع فيه رأي عمر رضي الله عنه وكان منع عمر
لشدة شفقته على المسلمين، وأما إذا كان إبان هيجانه وارتجاجه فلا يجوز ركوبه لأنه تعرض للهلاك،

٢٥
كتاب البيوع/ باب ١٠
وقد نهى الله عباده عن ذلك بقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥].
قال البخاري: (والفلك) في الآية هي (السفن) بضم السين والفاء جمع سفينة وسميت سفينة
لأنها تسفن وجه الماء أي تقشره فعيلة بمعنى فاعلة والجمع سفائن وسفن وسفين، وقوله: (الواحد
والجمع) وسقطت الواو من قوله والفلك لأبي ذر، ولأبي ذر وابن عساكر: والجميع (سواء) يعني في
الفلك بدليل قوله تعالى: ﴿في الفلك المشحون﴾ [يس: ٤١] وقوله: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك
وجرين بهم﴾ [يونس: ٢٢] فذكره في الإفراد والجمع بلفظ واحد.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي في تفسيره وعبد بن حميد من وجه آخر: (تمخر) بفتح التاء
وسكون الميم وفتح المعجمة أي تشق (السفن الريح) برفع السفن على الفاعلية ونصب الريح على
المفعولية كذا في فرع اليونينية. قال عياض: وهو رواية الأصيلي وهو الصواب ويدل له قوله تعالى:
﴿مواخر فيه﴾ إذ جعل الفعل للسفن وقال الخليل مخرت السفينة الريح إذا استقبلته. وقال أبو عبيد
وغيره: هو شقها الماء، وعلى هذا فالسفينة رفع على الفاعلية، ولأبي ذر وابن عساكر: من الريح،
وفي نسخة قال عياض: وهي للأكثر تمخر السفن بالنصب الريح بالرفع على الفاعلية لأن الريح هي
التي تصرف السفينة في الإقبال والإدبار، (ولا يمخر الريح) شيء (من السفن) بنصب الريح على
المفعولية، ولأبي ذر: الريح شيئًا من السفن برفع الريح على الفاعلية (إلا الفلك العظام) بالرفع فيهما
بدلاً من المستثنى منه لأنه منفي، ولأبي ذر: إلا الفلك العظام بالنصب فيهما على الاستثناء.
٢٠٦٣ - وقال الليثُ حدَّثني جَعفرُ بنُ رَبيعةَ عن عبد الرحمنِ بنِ هُرمُزَ عن أبي هريرةَ رضيَ
اللَّهُ عنهُ عن رسولِ اللهِ وَّهِ: ((أنّهُ ذَكرَ رجُلاً مِن بني إسرائيلَ خَرجَ في البَحرِ فقَضى حاجَتَهُ» وساق
الحديث .
حدثني عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ حدَّثَنِي الليثُ بهذا.
(وقال الليث) بن سعد الإمام: (حدّثني) بالتوحيد (جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل بن حسنة
المصري (عن عبد الرحمن بن هرمز) الأعرج (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله وَ ظلال أنه ذكر
رجلاً من بني إسرائيل خرج في البحر) ولأبي ذر إلى البحر (فقضى حاجته وساق الحديث) ويأتي
بتمامه في الكفالة إن شاء الله تعالى، وسبق في كتاب الزكاة في باب: ما يستخرج من البحر بصورة
التعليق أيضًا ولفظه: أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار
فدفعها إليه فخرج في البحر فلم يجد مركبًا فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار فرمى بها في
البحر فخرج الرجل الذي كان أسلفه فإذا بالخشبة فأخذها لأهله حطبًا فذكر الحديث، فلما نشرها
وجد المال والرجل المقرض هو النجاشي كما نقله الحافظ ابن حجر في المقدمة عن كتاب الصحابة
لمحمد بن الربيع الجيزي، وفيه بحث يأتي، إن شاء الله تعالى في الكفالة.

٢٦
كتاب البيوع/ باب ١١
وهذا الحديث قد وصله الإسماعيلي، وكذا هو موصول عند المؤلف في رواية أبي ذر عن
المستملي حيث قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن صالح) كاتب الليث (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا
(الليث بهذا) الحديث. وأفاد في فتح الباري أن هذا ثابت في رواية أبي الوقت أيضًا، وقال صاحب
اللامع وفي بعض النسخ تقديم ذلك على قوله، وقال الليث: ويعزى ذلك لرواية الحموي، ولكن
الصواب أن يكون مؤخرًا، فإن البخاري لم يخرج عن عبد الله بن صالح كاتب الليث في الجامع
مسندًا ولا حرفًا بل ولا مسلم إلا أن البخاري استشهد به في مواضع، وهذا معنى قول أبي ذر أن
كل ما قاله البخاري عن الليث فإنما سمعه من عبد الله بن صالح كاتب الليث في الاستشهاد انتهى.
ووجه تعلقه بالترجمة ظاهر من جهة أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا ما ينسخه
لا سيما إذا ذكره ﴿ مقررًا له أو في سياق الثناء على فاعله وما أشبه ذلك، ويحتمل أن يكون مراد
المؤلف بإيراد هذا أن ركوب البحر لم يزل متعارفًا مألوفًا من قديم الزمان فيحمل على أصل الإباحة
حتى يرد دليل على المنع والحديث يأتي إن شاء الله تعالى في الكفالة والاستقراض واللقطة والشروط
والاستئذان، وأخرجه النسائي في اللقطة .
١١ - باب ﴿وإذا رَأوْا تجارةً أو لَهْوَا انْفَضُّوا إليها﴾ [الجمعة: ١١]
وقولُه جلَّ ذِكرهُ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهيهم تِجارةٌ ولا بَيعٌ عن ذِكرِ الله﴾ [النور: ٣٧].
وقال قتادةُ: كانَ القومُ يَتَّجرونَ، ولكنَّهم كانوا إذا نابَهمُ حَقٌّ من حُقوقِ اللَّهِ لم تُلْهِهِمْ تِجارةٌ
ولا بَيعٌ عن ذِكرِ اللَّهِ حتى يُؤَدُّوهُ إلى الله .
هذا (باب) بالتنوين (﴿وإذا رأوا تجارةً أو لهوا انفضوا إليها﴾) [الجمعة: ١١] (وقوله جلّ
ذكره: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾) [النور: ٣٧].
(وقال قتادة: كان القوم) أي الصحابة (يتجرون ولكنهم كانوا إذا نابهم حق من حقوق الله) عز
وجل (لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله) كذا وقع ذلك كله معادًا في رواية
المستملي وحده وسقط لغيره قال الحافظ ابن حجر: إلا النسفي فإنه ذكره هنا وحذفه فيما سبق
انتهى، وسقط عند المستملي في رواية أبي ذر لفظ ((رجال)) وعن أبي ذر سقوط قوله ((عن ذكر الله))
وهذا التعليق قد سبق في باب التجارة في البرّ أنه لم يقف عليه موصولاً مع ما فيه.
٢٠٦٤ - حدثني محمدٌ قال: حدَّثني محمدُ بنُ فُضَيلٍ عن حُصَينٍ عن سالمِ بنِ أبي الجَعدِ
عن جابرٍ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((أقبلَتْ عِيرٌ ونحنُ نُصلِّي معَ النبيِّ وَّرَ الجُمعةَ، فانفضَّ الناسُ إلاّ
اثنَيْ عَشَرَ رَجُلاً، فَزَلَتْ هذه الآيَةُ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارةً أو لَهْوَا انْفضوا إليها وتَركوكَ قائمًا﴾)).
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولابن عساكر: حدّثنا (محمد) هو ابن سلام البيكندي (قال:

٢٧
كتاب البيوع/ باب ١٢
حدّثني) بالإفراد من التحديث ولابن عساكر: أخبرنا بالجمع من الإخبار (محمد بن فضيل) مصغرًا
ابن غزوان الضبي الكوفي (عن حصين) مصغرًا ابن عبد الرحمن السلمي الكوفي (عن سالم بن أبي
الجعد) بفتح الجيم وسكون العين المهملة الكوفي (عن جابر رضي الله عنه قال: أقبلت عير ونحن
نصلي مع النبي ◌َّر الجمعة) أي ننتظرها (فانفض الناس) أي فتفرقوا (إلا اثني عشر رجلاً) بنصب
اثني بالياء على الاستثناء (فنزلت هذه الآية ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوًا انفضوا إليها وتركوك قائمًا﴾)
[الجمعة: ١١] أي في الخطبة.
وهذا الحديث قد سبق في باب التجارة في البر وذكر هنا لكن بتخالف لبعض المتن والسند.
١٢ - باب قولِ اللَّهِ تعالى:
﴿أَنْفِقوا مِن طَيِّبَاتِ ما كَسَبْتم﴾ [البقرة: ٢٦٧]
(باب) تفسير (قول الله تعالى: ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾) [البقرة: ٢٦٧] أي من
خلاله أو جياده وعن مجاهد المراد به التجارة، ولأبي الوقت: كلوا بدل أنفقوا. قال ابن بطال:
وهو غلط وأفاد في فتح الباري أنه رأى ذلك في رواية النسفي.
٢٠٦٥ - حدثنا عثمانُ بنُ أبي شَيبةً قال: حدَّثَنا جَرِيرٌ عن منصورٍ عن أبي وائلٍ عن مَسروقٍ
عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالت: قال النبيُّ بَّهِ: ((إذا أنفَقَتِ المرأةُ من طعام بَيتِها غيرَ مُفسِدةٍ كان
لها أجرُها بما أنفقَتْ، ولزَوجِها بما كسَبَ، وللخازِنِ مثلُ ذُلكَ، لا يَنقُصُ بعضُهم أجرَ بعضٍ
شيئًا» .
وبه قال: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة) أخو أبي بكر (قال: حدّثنا جرير) بفتح الجيم وكسر الراء
ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي وائل) بالهمز شقيق (عن مسروق) هو ابن
الأجدع (عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي ◌َّه):
(إذا أنفقت المرأة) على عيال زوجها وأضيافه ونحوهم (من طعام) زوجها الذي في (بيتها)
المتصرفة فيه إذا أذن لها في ذلك بالصريح أو بالمفهوم أو علمت رضاه بذلك حال كونها (غير
مفسدة) له بأن لم تتجاوز العادة (كان لها) أي للمرأة وأفاد الزركشي أن قوله وكان ثبت بالواو
فيحتمل زيادتها ولهذا روي بإسقاطها انتهى، والذي في الفرع وغيره كان بحذف الواو. وقال في
المصابيح: لم تثبت زيادة الواو في جواب إذا فالذي ينبغي أن يجعل الجواب محذوفًا والواو عاطفة على
المعهود فيها محافظة على إبقاء القواعد وعدم الخروج عنها أي لم تأثم وكان لها (أجرها بما أنفقت)
غير مفسدة (ولزوجها) زاد فى باب: من أمر خادمه بالصدقة أجره (بما كسب) أي بسبب كسبه
وهذا موضع الترجمة (والخازن) الذي يحفظ الطعام المتصدق منه (مثل ذلك) من الأجر (لا ينقص)
بفتح أوله وضم ثالثه (بعضهم أجر بعض) أي من أجر بعض (شيئًا) بالنصب مفعول ينقص.

٢٨
کتاب البيوع/ باب ١٣
وهذا الحديث سبقت مباحثه في الزكاة .
٢٠٦٦ - هقني يَحيى بنُ جَعفرِ حدَّثَنا عبدُ الرزّاقِ عن مَعْمَرٍ عن هَمّام قال: سَمعتُ أبا
هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه عنِ النبيِّ وَّرِ قال: ((إذا أنفقَتِ المرأةُ مِن كسبِ زوجِها عن غيرِ أمرِهِ فلها
نصفُ أجرِه)). [الحديث ٢٠٦٦ - أطرافه في: ٥١٩٢، ٥١٩٥، ٥٣٦٠].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (يحيى بن جعفر) أبو زكريا البيكندي قال: (حدّثنا) ولابن عساكر
أخبرنا (عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (عن معمر) بفتح الميمين ابن راشد (عن همام) هو ابن منبه أنه
(قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه عن النبي وَلقه) أنه (قال):
(إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها عن غير أمره) الصريح في ذلك القدر المعين فلا يشترط في
ذلك الإذن الصريح بل لو فهمت الإذن لها بقرائن حالية دالّة على ذلك جاز لها الاعتماد على ذلك
فينزل منزلة صريح الإذن، أو المراد إنفاقها من الذي اختصّها الزوج به فإنه يصدق بأنه من كسبه
فيؤجر عليه وكونه بغير أمره، ولا بدّ من الحمل على هذين المعنيين وإلا فلو لم تكن مأذونًا لها فيه
أصلاً فهي متعدية فلا أجر لها بل عليها الوزر (فله) أي للزوج، وللكشميهني: فلها أي للمرأة
(نصف أجره) محمول على ما إذا لم يكن هناك من يعينها على تنفيذ الصدقة بخلاف حديث عائشة
رضي الله عنها ففيه أن للخادم مثل ذلك أو أن معنى النصف أن أجره وأجرها إذا جمعا كان لها
النصف من ذلك فلكلِّ منهما أجر كامل وهما اثنان فكأنهما نصفان، وقيل إنه بمعنى الجزء والمراد
المشاركة في أصل الثواب وإن كان أحدهما أكثر بحسب الحقيقة. وموضع الترجمة قوله: من كسب
زوجها فإن كسبه من التجارة وغيرها وهو مأمور بأن ينفق من طيبات ما كسب.
وأخرجه المؤلف أيضًا في النفقات ومسلم في الزكاة وكذا أبو داود.
١٣ - باب مَن أحب البَسْطَ في الرِّزق
(باب من أحب البسط) التوسع (في الرزق).
٢٠٦٧ - حدثنا محمدُ بنُ أبي يَعقوبَ الكَرْمانيُّ حدَّثَنا حسّانُ حدَّثَنا یونُسُ حدّثنا
محمد عن أنسٍ بنِ مالكِ رضيَ اللهُ عنه قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَ لَ يقول: ((مَن سَرَّهُ أن يُبسَطَ
لهُ فِي رِزْقِهِ أو يُنْسَأَ لهُ في أثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَه)). [الحديث ٢٠٦٧ - طرفه في: ٥٩٨٦].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن أبي يعقوب) إسحق (الكرماني) بكسر الكاف قال: (حدّثنا حسان)
بتشديد المهملة من غير صرف ابن إبراهيم أبو هشام العنزي بالزاي قاضي كرمان قال: (حدّثنا
يونس) بن يزيد قال: (حدّثنا محمد) هو ابن مسلم بن شهاب، ولأبي ذر وابن عساكر قال: محمد هو
الزهري (عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَله يقول):

٢٩
كتاب البيوع/ باب ١٤
(من سره) أي من أفرحه (أن يبسط له رزقه) بضم المثناة التحتية وسكون الموحدة وفتح المهملة
مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذر وابن عساكر: له في رزقه (أو ينسأ) بضم أوّله وسكون النون آخره همزة
منصوب عطفًا على أن يبسط أي يؤخر (له في أثره) بفتح الهمزة المقصورة والمثلثة أي في بقية عمره
وجواب من قوله (فليصل رحمه) كل ذي رحم محرم أو الوارث أو القريب وقد يكون بالمال وبالخدمة
وبالزيارة. واستشكل هذا مع قوله في الحديث الآخر كتب رزقه وأجله في بطن أمه .
وأجيب: بأن معنى البسط في الرزق البركة فيه إذ الصلة صدقة وهي تربي المال وتزيد فيه
فينمو بها وفي العمر حصول القوّة في الجسد أو يبقى ثناؤه الجميل على الألسنة فكأنه لم يمت، وبأنه
يجوز أن يكتب في بطن أمه إن وصل رحمه فرزقه وأجله كذا وإن لم يصل فكذا.
وفي كتاب الترغيب والترهيب للحافظ أبي موسى المديني من حديث عبد الله بن عمرو بن
العاص عن النبي وَ لّر أنه قال: ((إن الإنسان ليصل رحمه وما بقي من عمره إلا ثلاثة أيام فيزيد الله
تعالى في عمره ثلاثين سنة وإن الرجل ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاثون سنة فينقص الله تعالى
عمره حتى لا يبقى منه إلا ثلاثة أيام)) ثم قال: حديث حسن. ومن حديث إسماعيل بن عياش عن
داود بن عيسى قال: مكتوب في التوراة صلة الرحم وحسن الخلق وبرّ القرابة يعمر الديار ويكثر
الأموال ويزيد في الآجال وإن كان القوم كفّارًا. قال أبو موسى: يروى هذا من طريق أبي سعيد
الخدري مرفوعًا عن التوراة.
١٤ - باب شراءِ النبيِّ وَّهُ بِالَّسِيئَةِ
(باب شراء النبي ◌َّ بالنسيئة) بفتح النون وكسر السين المهملة وفتح الهمزة أي بالأجل.
٢٠٦٨ - حدثنا مُعَلَّى بنُ أسَدِ حدَّثَنا عبدُ الواحدِ حدّثَنا الأعمشُ قال: ((ذكّرْنا عندَ إبراهيمَ
الرَّهْنَ في السَّلَمِ فقال: حدَّثَني الأسْودُ عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها أنَّ النبيَّ ◌َِّ اشترَى طَعامًا مِن
يهوديّ إلى أَجَلٍ ورَهَنَهُ دِرعًا من حديد)). [الحديث ٢٠٦٨ - أطرافه في: ٢٠٩٦، ٢٢٠٠،
٢٣٥١، ٢٢٥٢، ٢٣٨٦، ٢٥٠٩، ٢٥١٣، ٢٩١٦، ٤٤٦٧].
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) بضم الميم وفتح العين المهملة وفتح اللام المشددة أبو الهيثم
قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: ذكرنا عند
إبراهيم النخعي (الرهن في السلم) أي في السلف ولم يرد به السلم العرفي الذي هو بيع الدين
بالعين (فقال) أي إبراهيم: (حدّثني) بالإفراد (الأسود) بن يزيد وهو خال إبراهيم (عن عائشة رضي
الله عنها: أن النبي ◌َّر اشترى طعامًا) في البخاري من حديث عائشة أنه ثلاثون صاعًا من شعير،
وفي أخرى عشرون، وللبزار من طريق ابن عباس: أربعون، وفي مصنف عبد الرزاق: وسق من
شعير (من يهودي) هو أبو الشحم كما في مسند الشافعي ومبهمات الخطيب، ورواه البيهقي (إلى

٣٠
كتاب البيوع / باب ١٤
أجل ورهنه درعًا من حديد) بكسر الدال المهملة ما يلبس في الحرب. قال أبو عبد الله محمد بن أبي
بكر التلمساني في كتاب الجوهرة: إن هذه الدرع هي ذات الفضول قيل، وإنما لم يرهنه عند أحد من
مياسير الصحابة حتى لا يبقى لأحد عليه منّة لو أبرأه منه.
وفي الحديث جواز البيع إلى أجل ومعاملة اليهود وإن كانوا يأكلون أموال الربا كما أخبر الله
تعالى عنهم، ولكن مبايعتهم وأكل طعامهم مأذون لنا فيه بإباحة الله تعالى وفيه معاملة من يظن أن
أكثر ماله حرام ما لم يتيقن أن المأخوذ بعينه حرام وجواز الرهن في الحضر وإن كان في التنزيل مقيدًا
بالسفر .
وفي هذا الحديث ثلاثة من التابعين على نسق واحد الأعمش وإبراهيم والأسود، وأخرجه
المؤلف في البيوع والاستقراض والرهن والجهاد والمغازي، ومسلم في البيوع، وكذا النسائي،
وأخرجه ابن ماجة في الأحكام.
٢٠٦٩ - حدثنا مسْلمُ حدّثنا هِشامٌ حدَّثَنَا فَتادةُ عن أنَسٍ ح.
وحدثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ حَوْشَبٍ حدَّثَنا أسْباطُ أبو اليَسَعِ البَصرِيُّ حدَّثَنا هِشامٌ
الدَّسْتُوائي عن قتادةَ: ((عن أنسٍ رضيَ اللَّهُ عنه أنهُ مَشى إلى النبيِّ وَهَ بِخُبزِ شَعيرٍ وإهالَةٍ سَنِخةٍ،
ولقد رَهَن النبيُّ وَّرَ دِرْعًا لهُ بالمدينةِ عندَ يَهودِيٍّ وأخذَ منهُ شَعيرًا لأهلهِ. ولقد سمعتهُ يقول: ما
أمسى عندَ آلِ محمدٍ بَّرَ صاعُ بُرِّ ولا صاعُ حَبِّ، وإنَّ عندَهُ لِتِسْعَ نِسوة)). [الحديث ٢٠٦٩- طرفه
في : ٢٥٠٨].
وبه قال: (حدّثنا مسلم) هو ابن إبراهيم الفراهيدي القصاب قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي
قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن أنس ح) لتحويل السند.
(وحدّثني) بواو العطف والإفراد وسقطت الواو ولغير أبي ذر وابن عساكر (محمد بن
عبد الله بن حوشب) بفتح الحاء والشين المعجمة بينهما واو ساكنة آخره موحدة على وزن كوكب
قال: (حدّثنا أسباط) بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وبالموحدة وبعد الألف طاء مهملة (أبو
اليسع) يفتح المثناة التحتية والسين المهملة (البصري) وليس له في البخاري سوى هذا الموضع قال:
(حدّثنا هشام الدستوائي عن قتادة) بن دعامة (عن أنس رضي الله عنه أنه مشى إلى النبي ◌َّ بخبز
شعير وإهالة) بكسر الهمزة وتخفيف الهاء الألية أو ما أذيب من الشحم أو كل ما يؤتدم به من
الأدهان أو الدسم الجامد على المرقة (سنخة) بفتح السين المهملة وكسر النون وفتح الخاء المعجمة أي
متغيرة الرائحة من طول المكث، وروي زنخة بالزاي (ولقد رهن النبي ◌َّ درعًا له) من حديد
تسمى ذات الفضول (بالمدينة عند يهودي) هو أبو الشحم (وأخذ منه شعيرًا) ثلاثين صاعًا أو عشرين

٣١
كتاب البيوع/ باب ١٥
أو أربعين أو وسقًا واحدًا كما مرّ (لأهله) لأزواجه وكنّ تسعًا. قال أنس: (ولقد سمعته) عليه
الصلاة والسلام (يقول):
(ما أمسى عند آل محمد رَّير صاع بر ولا صاع حب) تعميم بعد تخصيص. قال البرماوي: وآل
مقحمة (وإن عنده لتسع نسوة) بنصب تسع اسم إن واللام فيه للتأكيد وفيه: ما كان عليه الصلاة
والسلام من التقلل من الدنيا اختيارًا منه، وهذا من كلام أنسٍ كما مرّ والضمير في سمعته للنبي (وَل
كما مرّ أي قال ذلك لما رهن الدرع عند اليهودي مظهرًا للسبب في شرائه إلى أجل كذا قاله الحافظ
ابن حجر قال: وذهل من زعم أنه كلام قتادة وجعل الضمير في سمعته لأنس لأنه إخراج للسياق
عن ظاهره بغير دليل انتهى .
وهذا قاله البرماوي كالكرماني وانتصر له العيني متعقبًا لابن حجر فقال: الأوجه في حق
النبي ◌َّ ما قاله الكرماني لأن في نسبة ذلك إلى النبي ◌َّ نوع إظهار بعض الشكوى وإظهار الفاقة
على سبيل المبالغة وليس ذلك يذكر في حقه وَلَد .
ورجال هذا الحديث كلهم بصريون، وساقه المؤلف هنا على لفظ أسباط، وفي الرهن على لفظ
مسلم بن إبراهيم مع أن طريق مسلم أعلى وذلك لأن أسباطًا فيه مقال فاحتاج إلى ذكره عقب من
يعضده ويتقوّى به، ولأن من عادته غالبًا أن لا يذكر الحديث الواحد في موضعين بإسناد واحد.
١٥ - باب كَسْبِ الرجُلِ وعملهِ بیدِه
(باب) بيان فضل (كسب الرجل وعمله بيده) هو من عطف الخاص على العام لأن الكسب
أعمّ من أن يكون بعمل اليد أو بغيرها.
٢٠٧٠ - حدثني إسماعيلُ بنُ عبدِ اللَّهِ قَالَ حدَّثَني ابنُ وَهبٍ عن يونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ
قال: حدَّثني عُروةُ بنُ الزُّبَيرِ أنَّ عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها قالت: ((لمّا استُخلِفَ أبو بكرِ الصدِّيقُ قال:
لقد عَلِمَ قَومي أنَّ حِرْفَتي لم تَكنْ تَعجِزُ عن مؤنةِ أهلي، وشُغِلتُ بأمرِ المسلمِينَ، فسيأكلُ آلُ أبي
بكر مِن هذا المالٍ ويحترفُ للمسلمينَ فيه)).
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) الأويسي (قال: حدثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله
(عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (قال: حدثني) ولأبوي ذر
والوقت: أخبرني بالإفراد فيهما (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن عائشة رضي الله عنها قالت: لما
استخلف أبو بكر الصدّيق) رضي الله عنه (قال: لقد علم قومي) قريش أو المسلمون (أن حرفتي)
بكسر المهملة وسكون الراء بعدها فاء أي جهة كسبي (لم تكن تعجز) بكسر الجيم (عن مؤنة أهلي
وشغلت) بضم المعجمة مبنيًّا للمفعول (بأمر المسلمين) عن الاحتراف (فسيأكل آل أبي بكر من هذا

٣٢
كتاب البيوع/ باب ١٥
المال) لأنه لما اشتغل بالنظر في أمور المسلمين لكونه خليفة احتاج أن يأكل هو وأهله من بيت المال.
وقد روى ابن سعد بإسناد مرسل رجاله ثقات قال: لما استخلف أبو بكر أصبح غاديًا إلى
السوق على رأسه أثواب يتجر بها فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجرّاح رضي الله عنهما
فقالا: كيف تصنع هذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ قالوا: نفرض لك
ففرضوا له كل يوم شطر شاة. ففيه أن القدر الذي كان يتناوله فرض له باتفاق من الصحابة .
(ويحترف للمسلمين فيه) أي يتجر في أموالهم بأن يعطي المال لمن يتجر فيه ويجعل ربحه
للمسلمين في نظير ما يأخذه، وللمستملي والحموي: واحترف بهمزة بدل الياء وهذا تطوّع منه فإنه
لا يجب على الإمام الاتجار في أموال المسلمين بقدر مؤنته لأنها فرض في بيت المال، أو المراد من
الاحتراف نظره في أمورهم وتمييز مكاسبهم وأرزاقهم أو المعنى يجازيهم يقال: احترف الرجل إذا
جازى على خير أو شر.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث أن فيه ما يدل على أن كسب الرجل بيده أفضل، وذلك أن
أبا بكر رضي الله عنه كان يحترف أي يكتسب ما يكفي عياله ثم لما اشتغل بأمر المسلمين حين
استخلف لم يكن يفرغ للاحتراف بيده فصار يحترف للمسلمين وإنه يعتذر عن تركه الاحتراف لأهله،
فلولا أن الكسب بيده أفضل لم يكن ليعتذر، وقد صوّب النووي أن أطيب الكسب ما كان بعمل
الید .
وهذا الحديث وإن كان ظاهره أنه موقوف لكنه بما اقتضاه من أنه قبل أن يستخلف كان يحترف
لتحصيل مؤنة أهله يصير مرفوعًا لأنه كقول الصحابي: كنا نفعل كذا على عهد النبي وَلّر.
٢٠٧١ - حدثنا محمدٌ حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يزيدَ حدَّثَنا سعيدٌ قال: حدَّثَني أبو الأسْودِ عن
عُزوةً قال: قالت عائشةُ رضيَ اللَّهُ عنها: ((كان أصحابُ رسولِ اللَّهِ وَّرَ عُمَّالَ أنْفُسِهم، وكان يكونُ
لَهم أرواحٌ، فقيلَ لهم: لوِ اغتَسلْتم)). رواه هَمّامٌ عن هِشام عن أبيهِ عن عائشةَ.
وبه قال: (حدّثنا محمد) هو ابن إسماعيل المؤلف قال: (حدّثنا عبد الله بن يزيد) هو المقري
مولى عمر بن الخطاب القرشي العدوي شيخ المؤلف قال: (حدّثنا سعيد) هو ابن أبي أيوب المصري
(قال: حدّثني) بالإفراد (أبو الأسود) محمد بن عبد الرحيم يتيم عروة بن الزبير (عن عروة قال:
قالت عائشة رضي الله عنها: كان أصحاب رسول الله ﴿ عمال أنفسهم) بضم العين وتشديد الميم
جمع عامل (وكان) ولأبي ذر وابن عساكر: فكان بالفاء (يكون لهم أرواح) جمع ريح وهو أكثر من
أرياح خلافًا لما يقتضيه كلام الصحاح وذلك أن فيه والريح واحدة الرياح والأرباح وقد يجمع على
أرواح لأن أصلها الواو وأراح اللحم أنتن، وكان الأولى شأنية واسمها ضمير مستتر فيها ويكون لهم
أرواح في محل نصب خبر كان وعبر بيكون المضارع استحضارًا للماضي أو إرادة الاستمرار (فقيل
لهم: لو اغتسلتم) لذهبت عنكم تلك الروائح الكريهة. (رواه) أي الحديث المذكور (همام) بفتح

٣٣
كتاب البيوع/ باب ١٥
المهملة وتشديد الميم ابن يحيى بن دينار الشيباني البصري (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن
عائشة) وفي بعض النسخ: وقال همام بدل رواه وقد وصله أبو نعيم في مستخرجه من طريق هدية
عنه بلفظ: كان القوم خدّام أنفسهم فكانوا يروحون إلى الجمعة فأمروا أن يغتسلوا.
٢٠٧٢ - حدثنا إبراهيمُ بنُ موسى أخبرنا عيسى بنُ يُونُسَ عن ثَورِ عن خالدِ بنِ مَعدانَ عنِ
المِقدامِ رضيَ اللهُ عنهُ عنِ رسولِ اللَّهِوَّه قال: «ما أكلَ أحدٌ طعامًا قطُ خَيرًا مِن أن يأكلَ مِن عمَلٍ
يدِه، وإنَّ نبيَّ اللَّهِ داودَ عليه السلامُ كان يأكلُ مِن عمَلِ يدِه)).
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) بن يزيد التميمي الفرّاء الرازي الصغير قال: (أخبرنا
عيسى بن يونس) الهمداني وسقط لأبوي ذر والوقت وابن عساكر بن يونس (عن ثور) بالمثلثة ابن
يزيد من الزيادة الكلاعي الحمصي اتفقوا على تثبته في الحديث لكنه كان قدريًا فأخرج من حمص
فأحرقت داره بها فارتحل منها إلى القدس وقدم المدينة فنهى مالك عن مجالسته. وقال ابن معين: كان
يجالس قومًا ينالون من علّ لكنه كان لا يسب، وقد احتج به الجماعة وكان الثوري يقول: خذوا عنه
(عن خالد بن معدان) بفتح الميم وسكون العين المهملة بعدها دال مهملة وبعد الألف نون الكلاعي
كان يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحة (عن المقدام) بكسر الميم وسكون القاف ابن معد يكرب
الكندي (رضي الله عنه عن رسول الله) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: عن النبي (وَلّ) أنه
(قال):
(ما أكل أحد طعامًا) وعند الإسماعيلي ما أكل أحد من بني آدم طعامًا (قطّ خيرًا) بالنصب.
قال في المصابيح: يحتمل أن يكون صفة لمصدر محذوف أي أكلاً خيرًا (من أن يأكل من عمل يده)
فيكون أكله من طعام ليس من كسب يده منفي التفضيل على أكله من كسب يده وهو واضح ويحتمل
أن يكون صفة لطعامًا فيحتاج إلى تأويل أيضًا وذلك لأن الطعام في هذا التركيب مفضل على نفس
أكل الإنسان من عمل يده بحسب الظاهر، وليس المراد فيقال في تأويله الحرف المصدري وصلته
بمعنى مصدر مراد به المفعول أي من مأكوله من عمل يده فتأمله وعند الإسماعيلي خير بالرفع على
أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو خير، وقوله: من عمل يده بالإفراد، وعند الإسماعيلي يديه بالتثنية
ووجه الخيرية ما فيه من إيصال النفع إلى المكاسب وإلى غيره وللسلامة عن البطالة المؤدّية إلى الفضول
ولكسر النفس به وللتعفّف عن ذل السؤال (وأن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده)
في الدروع من الحديد ويبيعه لقوته، وخصّ داود بالذكر لأن اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم
يكن من الحاجة لأنه كان خليفة في الأرض وإنما ابتغى الأكل من طريق الأفضل، ولهذا أورد
النبي ◌َ﴾ قصته في مقام الاحتجاج بها على ما قدمه من أن خير الكسب عمل اليد، وقد كان
نبينا ◌َ* يأكل من سعيه الذي يكسبه من أموال الكفار بالجهاد وهو أشرف المكاسب على الإطلاق لما
فيه من إعلاء كلمة الله وخذلان كلمة أعدائه والنفع الأخروي.
إرشاد الساري/ ج ٥/ م ٣

٣٤
كتاب البيوع/ باب ١٥
٢٠٧٣ - حدثنا يحيى بنُ موسى حدَّثَنا عبدُ الرزّاقِ أخبرَنا مَعْمَرٌ عن هَمّامِ بنِ مُنبِّهِ حدَّثَنا أبو
هريرةً عن رسولِ اللَّهِ وَ لِهِ: أنَّ داودَ النبيَّ عليه السلامُ كان لا يأكلُ إلاّ مِن عَملِ يدِه)). [الحديث
٢٠٧٣ - طرفاه في: ٣٤١٧، ٤٧١٣].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن موسى) بن عبد ربه البلخي المشهور بخت قال: (حدّثنا
عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري الصنعاني ثقة حافظ شهير عمي في آخر عمره فتغير وكان
يتشيع، وقد احتجّ به الشيخان في جملة حديث من سمع منه قبل الاختلاط، وقال ابن معين: كان
عبد الرزاق أثبت في حديث معمر وروى له الجماعة قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن
همام بن منبه) بكسر الموحدة المشدّدة قال: (حدّثنا أبو هريرة) رضي الله عنه (عن رسول الله (وَلياء):
(أن داود عليه السلام) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: أن داود النبي عليه السلام (كان لا
يأكل إلا من عمل يده) صريح في الحصر بخلاف الذي قبله، وهو طرف من حديث يأتي إن شاء الله
تعالى في ترجمة داود من أحاديث الأنبياء، ووقع في المستدرك عن ابن عباس بسند واهٍ: كان داود
زرّادًا، وكان آدم حرّانًا، وكان نوح نجارًا، وكان إدريس خياطًا، وكان موسى راعيًا وفي أن
التكسب لا يقدح في التوكل.
٢٠٧٤ - حدثنا يحيى بنُ بُكَيرِ حدَّثَنَا اللَّيثُ عن عُقَيلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عن أبي عُبيدٍ مَولى
عبد الرحمنِ بنِ عَوفِ أنه سَمِعَ أبا هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنهُ يقول: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لأنْ يَحْتَطِبَ
أحدُكم حُزمةً على ظَهرهِ خَيرٌ مِن أن يَسألَ أحدًا فيُعطِيَهُ أو يَمنعَهُ)».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة مصغرًا قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام
(عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد الأيلي: (عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي عبيد)
بالضم مصغرًا من غير إضافة (مولى عبد الرحمن بن عوف أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول:
قال رسول الله (وَالله) :
(لأن) بفتح اللام. قال الزركشي: على جواب قسم مقدر. قال البدر الدماميني: يحتمل كونها
لام الابتداء ولا تقدير (يحتطب أحدكم حزمة) بضم الحاء المهملة وسكون الزاي المعجمة فيحملها
(على ظهره) فيبيعها فيأكل ويتصدّق (خير من) وللكشميهني وابن عساكر خير له من (أن يسأل أحدًا
فيعطيه أو يمنعه) بنصب الفعلين جوابًا للطلب ولا يخفى ما في ذلك من ذلّ السؤال مع ما ينضاف
إلى ذلك من ألم الحرمان.
وهذا الحديث قد مضى في الزكاة في باب قول الله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافًا﴾ [البقرة:
٢٧٣].

٣٥
كتاب البيوع / باب ١٦
٢٠٧٥ - هذّثنا يحيى بنُ موسى حدَّثَنَا وَكِيعُ حدَّثَنَا هِشامُ بنُ عُروةَ عن أبيه عنِ الزُّبَيرِ بنِ
الغَوّامِ رضيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللَّهِ وَ لِهِ: ((لأنْ يأخُذَ أحدُكم أحْبُلَه ... )).
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن موسى) المشهور بختّ قال: (حدّثنا وكيع) هو ابن الجرّاح الرؤاسي
بضم الراء وهمزة ثم مهملة الكوفي قال: (حدّثنا هشام بن عروة) بن الزبير بن العوّام (عن أبيه)
عروة (عن الزبير بن العوّام رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ له):
(لأن) بفتح اللام (يأخذ أحدكم أحبله) بفتح الهمزة وضم الموحدة جمع حبل كفلس وأفلس أي
أخذ الحبل للاحتطاب، ولابن عساكر وأبي ذر عن الحموي والمستملي: خير له من أن يسأل الناس .
وبه قال :
١٦ - باب السُّهولةِ والسَّماحةِ
في الشِّراء والبيع ومَن طَلبَ حقًّا فِلْيَطْلُبُهُ فِي عَفاف
(باب) استحباب (السهولة) ضد الصعوبة (والسماحة) أي الجود والسخاء (في الشراء والبيع).
وقول الحافظ ابن حجر: السهولة والسماحة متقاربان في المعنى فعطف أحدهما على الآخر من التأكيد
اللفظي تعقبه العيني بأنهما متغايران في أصل الوضع، فلا يصح أن يقال من التأكيد اللفظي لأن
التأكيد اللفظي أن يكون المؤكد والمؤكد لفظًا واحدًا من مادة واحدة كما عرف في موضعه، (ومن
طلب حقًّا) له ممن عليه (فليطلبه) منه حال كونه (في) ولابن عساكر في نسخة عن (عفاف) بفتح
العين الكف عما لا يحل، وهذا القدر أخرجه الترمذي وابن ماجة وابن حبان من حديث نافع عن
ابن عمر وعائشة مرفوعًا بلفظ «من طلب حقًّا فليطلبه في عفاف وافٍ أو غير وافٍ)).
٢٠٧٦ - حدثنا عليُّ بنُ عيّاشِ حدَّثَنا أبو غَسّانَ محمدُ بنُ مُطرِّفٍ قال: حدَّثَني محمدُ بنُ
المنكدرِ عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ رضيَ اللَّهُ عنهما أنَّ رسولَ اللّهِ وَله قال: ((رحمَ اللَّهُ رجُلاً سَمحًا إذا
باعَ، وإذا اشترَى، وإذا اقتضى)) .
وبه قال: (حدّثنا علي بن عياش) بفتح العين المهملة وتشديد التحتية وبعد الألف شين معجمة
الألهاني الحمصي قال: (حدّثنا أبو غسان) بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة وبعد الألف نون
(محمد بن مطرف) بكسر الراء على صيغة اسم الفاعل من التطريف (قال: حدّثني) بالإفراد (محمد بن
المنكدر) على وزن اسم الفاعل من الانكدار (عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله وعليه
قال) :
(رحم الله رجلاً سمحًا) بإسكان الميم من السماحة وهي الجود (إذا باع وإذا اشترى وإذا
اقتضى) أي طلب قضاء حقه بسهولة، وهذا يحتمل الدعاء والخبر، ويؤيد الثاني قوله في حديث

٣٦
کتاب البيوع/ باب ١٧
الترمذي عن زيد بن عطاء بن السائب عن ابن المنكدر في هذا الحديث: غفر الله لرجل كان قبلكم
كان سهلاً إذا باع، ولكن قرينة الاستقبال المستفاد من إذا تجعله دعاء وتقديره رجلاً يكون سمحًا وقد
يستفاد العموم من تقييده بالشرط قاله البرماوي وغيره كالكرماني، وفي رواية حكاها ابن التين: وإذا
قضى أي أعطى الذي عليه بسهولة من غير مطل.
وهذا الحديث أخرجه الترمذي كما مرّ، وكذا أخرجه ابن ماجة في التجارات.
١٧ - باب مَن أنظَرَ مُوسِرًا
(باب) فضل (من أنظر موسرًا).
٢٠٧٧ - حدّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ حدَّثنا زُهَيرٌ حدَّثَنا مَنصورٌ أنَّ رِبْعيَّ بنَ حِراشٍ حدَّثهُ أنَّ
حُذَيفةَ رضيَ اللَّهُ عنهُ حدَّثهُ قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: (تَلَقَّتِ الملائكةُ رُوحَ رَجُلٍ ممَّن كان قبلَكم،
قالوا: أعمِلتَ منَ الخيرِ شيئًا؟ قال: كنتُ آمُرُ فِتياني أن يُنظِروا ويَتجاوَزوا عنِ الموسِر. قال:
فَتَجاوَزوا عنه)). وقال أبو مالكِ عن رِبعيُّ: ((كنتُ أُيَسِّرُ على الموسِرِ، وأُنظِرُ المُعسِر)». وتابعَهُ
شعبةُ عن عبدِ الملكِ عن رِبعيٍّ. وقال أبو عَوانةَ عن عبدِ الملكِ عن رِبعيٍّ: (أُنْظُرُ الموسِرَ،
وأتجاوَزُ عنِ المُعسِرِ)). وقال نُعيمُ بنُ أبي هندٍ عن رِبعيٍّ: «فأقبَلُ منَ المُوسِر، وأتجاوَزُ عنِ
المعسِر)). [الحديث ٢٠٧٧ - طرفاه في: ٢٣٩١، ٣٤٥١].
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي قال:
(حدّثنا زهير) بضم الزاي وفتح الهاء مصغرًا ابن معاوية أبو خيثمة الجعفي قال: (حدّثنا منصور) هو
ابن المعتمر السلمي (أن ربعي بن حراش) بكسر الراء وسكون الموحدة وبعد العين المهملة المكسورة
تحتية مشدّدة وحراش بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وبعد الألف شين معجمة (حذّثه أن
حذيفة) بن اليمان (رضي الله عنه حدّثه قال: قال النبي وَلاغير: تلقت الملائكة) استقبلت (روح رجل
ممن كان قبلكم) عند الموت (قالوا) أي الملائكة، ولأبي ذر: فقالوا (أعملت) بهمزة الاستفهام (من
الخير شيئًا)؟ زاد في رواية عبد الملك بن عمير عن ربعي في ذكر بني إسرائيل فقال ما أعلم قيل
انظر (قال: كنت آمر فتياني) بكسر الفاء جمع فتى وهو الخادم حرًّا كان أو مملوكًا (أن ينظروا) بضم
أوله وكسر ثالثه أي يمهلوا (ويتجاوزوا) أي يتسامحوا في الاستيفاء (عن الموسر) كذا في اليونينية ليس
فيها ذكر المعسر وكذا فيما وقفت عليه من الأصول المعتمدة، لكن قال الحافظ ابن حجر أنها كذلك
ساقطة في رواية أبي ذر والنسفي وللباقين إثباتها، والجار والمجرور يتعلق بقوله: ويتجاوزوا، لكنه
يخالف الترجمة بمن أنظر موسرًا فيقتضي أن الموسر يتعلق بقوله: ينظروا أيضًا، واختلف في الموسر
فقيل من عنده مؤنته ومؤنة من تلزمه نفقته والمرجح أن الإيسار والإعسار يرجعان إلى العرف،
فمن كان حاله بالنسبة إلى مثله يعدّ يسارًا فهو موسر وعكسه قال: (قال فتجاوزوا عنه) بفتح الواو في

٣٧
کتاب البيوع/ باب ١٧
الفرع وغيره، وفي رواية فتجاوزوا، بكسر الواو على الأمر فيكون من قول الله تعالى للملائكة. وفي
لفظ لمسلم كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى فقال الله عز وجل: أنا أحق بذا منك تجاوزوا عن
عبدي، وللمؤلف في بني إسرائيل، ومسلم: أن رجلاً كان فيمن كان قبلكم أتاه الملك ليقبض روحه
فقيل له هل علمت من خير؟ قال ما أعلم قيل له: انظر. قال: ما أعلم شيئًا غير أني كنت أبايع
الناس في الدنيا فأجازيهم فأنظر الموسر وأتجاوز عن المعسر فأدخله الله الجنة. قال المظهري: هذا
السؤال منه كان في القبر، وقال الطيبي: يحتمل أن يكون فقيل مسندًا إلى الله تعالى والفاء عاطفة على
مقدّر أي أتاه الملك ليقبض روحه فبعثه الله تعالى فقال له فأجابه فأدخله الله الجنة، وعلى قول المظهري
فقبض وأدخل القبر فتنازع ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فيه فقيل له ذلك، وينصر هذا قوله في
الرواية الأخرى تجاوزوا عن عبدي.
وحديث الباب أخرجه المؤلف في الاستقراض وفي ذكر بني إسرائيل، ومسلم في البيوع،
وابن ماجة في الأحكام.
(وقال أبو مالك) سعد بن طارق الأشجعي الكوفي ولأبوي ذر والوقت قال أبو عبد الله أي
البخاري، وقال أبو مالك (عن ربعي) هو ابن حراش: (كنت أيسر على الموسر) بضم الهمزة وتشديد
السين من التيسير (وأنظر المعسر) وهذا وصله مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الأشج قال: حدّثنا
الأحمر عن أبي مالك عن ربعي عن حذيفة بلفظ: أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالاً فقال له: ماذا
عملت في الدنيا؟ قال: ﴿ولا يكتمون الله حديثًا﴾ [النساء: ٤٢] قال: يا رب آتيتني مالاً فكنت
أبايع الناس وكان من خلقي الجواز فكنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر، فقال الله تعالى: أنا أحق
بذا منك تجاوزوا عن عبدي. قال عقبة بن عامر الجهني وأبو مسعود الأنصاري: هكذا سمعناه من
في رسول الله وَالچول.
(وتابعه) أي تابع أبا مالك (شعبة) بن الحجاج (عن عبد الملك) بن عمير (عن ربعي) أي عن
حذيفة في قوله: وأنظر المعسر، وهذه المتابعة وصلها ابن ماجة من طريق أبي عامر عن شعبة بهذا
اللفظ، ورواها البخاري في الاستقراض عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة بلفظ: فأتجوّز عن الموسر
وأخفف عن المعسر.
(وقال أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري مما وصله المؤلف في ذكر بني إسرائيل (عن
عبد الملك عن ربعي: أنظر الموسر وأتجاوز عن المعسر) وهذا موافق للترجمة.
(وقال نعيم بن أبي هند) بضم النون وفتح العين مصغرًا الأشجعي مما وصله مسلم (عن
ربعي: فأقبل من الموسر وأتجاوز عن المعسر) قال ابن التين مما نقله في الفتح: رواية من روى وأنظر
الموسر أولى من رواية من روى وأنظر المعسر لأن إنظار المعسر واجب. قال في الفتح: ولا يلزم من
کونه واجبًا أن لا يؤجر صاحبه عليه أو یکفر عنه بذلك من سيئاته.

٣٨
كتاب البيوع/ باب ١٨
١٨ - باب مَن أنظَرَ مُعسِرًا
(باب) فضل (من أنظر معسرًا) وهو الذي لم يجد وفاء.
٢٠٧٨ - حدثنا هِشامُ بنُ عَمّارٍ حدَّثَنا يَحيى بنُ حمزةَ حدَّثَنا الزُّبَيدِيُّ عنِ الزُّهريّ عن
عُبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ أنه سَمِعَ أبا هريرةَ رضيَ اللهُ عنه عنِ النّبِيِّ ◌ََّ قال: ((كان تاجِرٌ يُداينُ
الناسَ، فإذا رأى مُعسِرًا قال لفِتيانهِ: تجاوَزُوا عنهُ لعلَّ اللَّهَ أن يَتجاوَزَ عنّا، فتَجاوَزَ الله عنه)).
[الحديث ٢٠٧٨ - طرفه في: ٣٤٨٠].
وبه قال: (حدّثنا هشام بن عمار) السلمي قال: (حدّثنا يحيى بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي
الحضرمي قاضي دمشق قال: (حدّثنا الزبيدي) بضم الزاي وفتح الموحدة محمد بن الوليد بن عامر
(عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عبيد الله بن عبد الله) بتصغير الأول ابن عتبة بن مسعود أحد
الفقهاء السبعة (أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه) يحدّث (عن النبي ◌َّ) أنه (قال):
(كان تاجر يدين الناس) وفي رواية أبي صالح عن أبي هريرة عند النسائي أن رجلاً لم يعمل
خيرًا قطّ وكان يداين الناس (فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه) لخدّامه (تجاوزوا عنه) وعند النسائي فيقول
لرسوله خذ ما تيسر واترك ما عسر وتجاوز (لعل الله أن يتجاوز عنّا فتجاوز الله عنه) وعند النسائي:
فلما هلك قال الله تعالى له: هل عملت خيرًا قطّ؟ قال: لا إلا أنه كان لي غلام وكنت أداين الناس
فإذا بعثته يتقاضى قلت له خذ ما تيسر واترك ما عسر وتجاوز لعل الله يتجاوز عنّا. قال الله تعالى:
قد تجاوزت عنك. وفي حديث أبي اليسر من أنظر معسرًا أو وضع له أظلّه الله في ظل عرشه وقد
أمر الله تعالى بالصبر على المعسر فقال: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠] أي
فعليكم تأخير إلى ميسرة لا كفعل الجاهلية إذا حلّ الدين يطالب إما بالقضاء وإما بالربا فمتى علم
صاحب الحق عسر المديان حرمت عليه مطالبته وإن لم يثبت عسره عند الحاكم، وقد حكى القرافي
وغيره أن إبراءه أفضل من إنظاره وجعلوا ذلك مما استثني من قاعدة كون الفرض أفضل من النافلة
وذلك أن إنظاره واجب وإبراءه مستحب، وقد انفصل عنه الشيخ تقيّ الدين السبكي بأن الإبراء
يشتمل على الإنظار اشتمال الأخص على الأعم لكونه تأخيرًا للمطالبة فلم يفضل مندوب واجبًا وإنما
فضل واجب وهو الإنظار الذي تضمنه الإبراء وزيادة وهو خصوص الإبراء واجبًا آخر وهو مجرد
الأنظار، ونازعه ولده التاج في الأشباه والنظائر في ذلك فقال: وقد يقال الإنظار هو تأخير الطلب
مع بقاء العلقة والإبراء زوال العلقة فهما قسمان لا يشتمل أحدهما على الآخر، فينبغي أن يقال إن
الإبراء يحصل مقصود الإنظار وزيادة قال: وهذا كله بتقدير تسليم أن الإبراء أفضل، وغاية ما استدل
به عليه بقوله تعالى: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾ [البقرة: ٢٨٠] وهذا يحتمل أن يكون افتتاح كلام
فلا يكون دليلاً على أن الإبراء أفضل ويتطرّق من هذا إلى أن الإنظار أفضل لشدة ما يقاسيه المنظر من
ألم الصبر مع تشوّف القلب، وهذا فضل ليس في الإبراء الذي انقطع فيه اليأس فحصلت فيه راحة

٣٩
كتاب البيوع/ باب ١٩
من هذه الحيثية ليست في الإنظار، ومن ثم قال ◌َله: ((من أنظر معسرًا كان له بكل يوم صدقة)) رواه
أحمد. فانظر كيف وزع أجره على الأيام يكثر بكثرتها ويقل بقلتها ولعل سره ما أبديناه فالمنظر ينال
كل يوم عوضًا جديدًا ولا يخفى أن هذا لا يقع بالإبراء فإن أجره وإن وافرًا لكنه ينتهي بنهايته انتهى.
١٩ - باب إذا بَيَّنَ البَيْعانِ، ولم يَكتُما، ونَصَحا
ويُذكَرُ عنِ العَدّاءِ بنِ خالدٍ قال: كَتَبَ لي النبيُّ وَّرَ: ((هذا ما اشترَى محمدٌ رسولُ اللَّهِ وَلِّ
مِنَ العَدّاءِ بنِ خالدٍ بَيعَ المُسلِمِ المسلم، لا داءَ ولا خِبْئةَ ولا غائلةَ)). قال قتادةُ: الغائلةُ الزُّنا
والسَّرِقَةُ والإباق.
وقيل لإبراهيمَ: إنَّ بعضَ النَّخَاسِينَ يُسمِّي: آرِيَّ خُراسان، وسِجِسْتانَ. فيقول: جاءَ أمسٍ
من خُراسانَ، جاءَ اليومَ من سِجِسْتَانَ. فكرِهَهُ كراهةً شديدةً.
وقال عُقبةُ بنُ عامر: لا يَحِلُّ لامرىء يَبيعُ سِلعةً يَعلَمُ أنَّ بها داءً إلاّ أخبرَهُ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا بين البيعان) بفتح الموحدة وتشديد التحتانية المكسورة أي إذا أظهر
البائع والمشتري ما في المبيع من العيب (ولم يكتما) ما فيه من العيب (ونصحا) من عطف العام على
الخاص وجواب إذا محذوف للعلم به وتقديره بورك لهما في بيعهما.
(ويذكر) بضم أوله وفتح ثالثه (عن العدّاء) بفتح العين والدال المشددة المهملتين ممدودًا (ابن
خالد) واسم جدّه هوذة بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن صعصعة الصحابي أسلم بعد حنين أنه
(قال: كتب لي النبي ◌َّ هذا ما اشترى محمد رسول الله وَ﴿ من العداء بن خالد) قال القاضي
عياض هذا مقلوب، والصواب كما في الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن منده موصولاً أن المشتري
العداء من محمد رسول الله # أو الذي في البخاري صواب غير منافٍ لباقي الروايات لأن اشترى
يكون بمعنى باع، وحمله في المصابيح على تعدّد الواقعة وحينئذ فلا تعارض (بيع المسلم المسلم) برفع
بيع خبر مبتدأ محذوف أي هو بيع المسلم وبالنصب على أنه مصدر من غير فعله لأن معنى البيع
والشراء متقاربان أو منصوب بنزع الخافض أي كبيع المسلم والمسلم الثاني منصوب بالمصدر وهو بيع،
وليس المراد به أنه إذا بايع ذميًّا يغشه بل هذا مبايعة المسلمين مطلقًا لا يغش مسلمًا ولا غيره، ولأبي
ذر عن الكشميهني من المسلم (لا داء) أي لا عيب والمراد به العيب الباطن سواء ظهر منه شيء أم لا
كوجع الكبد والسعال. وقال ابن المنير: قوله لا داء أي يكتمه البائع وإلا فلو كان بالعبد داء وبيّنه
البائع لكان من بيع المسلم المسلم ومحصله كما قاله في الفتح إنه لم يرد بقوله لا داء نفي الداء مطلقًا
بل نفي داء مخصوص وهو ما لم يطلع عليه، (ولا خبثة) بكسر الخاء المعجمة وضمها وإسكان الموحدة
ثم مثلثة مفتوحة أي لا مسبيًّا من قوم لهم عهد أو المراد الأخلاق الخبيثة كالإباق أو الحرام كما عبر

٤٠
كتاب البيوع/ باب ١٩
عن الحلال بالطيب وللكشميهني: ولا خبية (ولا غائلة) بالغين المعجمة والهمزة أي لا فجور وأصله
من الغول أي الهلاك.
(وقال قتادة) فيما وصله ابن منده من طريق الأصمعي عن سعيد بن أبي عروبة عنه (الغائلة
الزنا والسرقة والإباق) قال ابن قرقول في المطالع: الظاهر أن تفسير قتادة يرجع إلى الخبثة والغائلة
معًا .
(وقيل لإبراهيم) النخعي (إن بعض النخاسين) بفتح النون والخاء المعجمة المشددة وبعد الألف
سين مهملة الدلالين (يسمي) بكسر الميم المشددة وفاعله ضمير يعود على البعض المتقدم ومفعوله
الأول قوله (آريّ) بفتح الهمزة الممدودة وكسر الراء وتشديد التحتية على المشهور، وفي اليونينية رفع
الياء وهو مربط الدابة أو حبل يدفن في الأرض ويبرز طرفه تشدّ به الدابة. قال القاضي عياض:
وأظن أنه سقط من الأصل لفظة دوابه يعني أنه كان الأصل يسمي آري دوابه، ووجهه في المصابيح
بأنه من حذف المضاف إليه وإبقاء المضاف على حاله أو على حذف الألف واللام أي يسمي الآريّ أي
الإصطبل كأنه كان فيه يسمى آريه، وفي رواية أبي زيد المروزي يسمي أرى بفتح الهمزة والراء من
غير مدّ مع قصر آخره كدعا. قال الحافظ ابن حجر: وهو تصحيف، ولأبي ذر الهروي أرى بضم
الهمزة وفتح الراء بمعنى أظن والصواب الأول وهو الذي في الفرع وأصله لا غير.
وقد بيّن الصواب في ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال قيل له:
إن ناسًا من النخاسين وأصحاب الدواب يسمي أحدهم إصطبل دوابه (خراسان) الإقليم المعروف
وهو ثاني مفعول يسمي (وسجستان) بكسر السين الأولى والجيم وسكون الثانية عطف عليه ثم يأتي
السوق (فيقول: جاء أمس) بكسر السين اليوم الذي قبل يومك (من خراسان جاء اليوم) ولأبي ذر
وابن عساكر: وجاء اليوم، وللحموي والمستملي: أمس (من سجستان فكرهه كراهة شديدة) لما
تضمنه من الغش والخداع والتدليس على المشتري لأنه يظن بذلك أنها قريبة الجلب من المحلين
المذکورین.
(وقال عقبة بن عامر) الجهني المتوفى بمصر واليًا سنة ثمان وخمسين فيما وصله ابن ماجة بمعناه
(لا يحل لامرىء يبيع سلعة يعلم أن بها داء) عيبًا باطنًا كوجع كبد (إلا أخبره) وللكشميهني: إلا
أخبر به .
٢٠٧٩ - حدثنا سليمانُ بنُ حَربٍ حدَّثَنا شعبةُ عن قتادةً عن صالحِ أبي الخَليلِ عن
عبدِ اللهِ بن الحارثِ رَفعَهُ إلى حَكِيمِ بنِ حِزام رضيَ اللهُ عنهُ قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((البَيْعانِ
بالخِيارِ ما لم يتفرَّقا - أو قال: حتَّى يتفرَّقا - فإن صَدَقا وبَيَّنا بورك لهما في بَيْعِهما، وإن كَتَما وكذَبا
مُحِقَتْ بركةُ بَيْعِهِما)). [الحديث ٢٠٧٩ - أطرافه في: ٢٠٨٢، ٢١٠٨، ٢١١٠، ٢١١٤].