النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
کتاب الصوم/ باب ٥٥/ حدیث ١٩٧٥
فقلتُ: بلى يا رسولَ اللّهِ. قال: فلا تَفعلْ، صُمْ وأفطِرْ، وقُمْ ونَم، فإِنَّ لجسدِكَ عليكَ حقًّا، وإِنَّ
العَينِكَ عليكَ حقًّا، وإِنَّ لزَوجِكَ عليكَ حقًا، وإِنَّ لزَورِكَ عليكَ حقًّا. وإنَّ بحَسْبِكَ أن تصومَ كلَّ
شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ، فإِنَّ لكَ بكلٌ حسنةٍ عَشْرَ أمثالِها، فإِنَّ ذُلكَ صِيامُ الدَّهرِ كلِّه. فشَدَّدتُ فَشُدْدَ عليّ.
قلتُ: يا رسولَ اللّهِ إِني أجدُ قُوَّةً، قال: فصُمْ صِيامَ نبيِّ اللّهِ داود عليه السلامُ ولا تَزذ عليه.
قلتُ: وما كان صِيامُ نبيِّ اللّهِ داود عليه السلامُ؟ قال: نِصفَ الذَّهرِ. فكانَ عبدُ اللّهِ يقولُ بعدَ ما
كَبِرَ: يا ليتَنِي قَبِلْتُ رُخصةَ النبيِّ ◌َِا)).
وبالسند قال: (حدثنا ابن مقاتل) ولأبي الوقت: محمد بن مقاتل أي المروزي المجاور بمكة
قال: (أخبرنا عبد اللَّه) بن المبارك المروزي قال (أخبرني الأوزاعي) بالزاي عبد الرحمن بن عمرو
(قال: حدثني) بالإفراد (يحيى بن أبي كثير قال: حدثني) بالإفراد أيضًا (أبو سلمة بن عبد الرحمن
قال حدثني) بالإفراد أيضًا (عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما) أنه قال (قال لي
رسول الله وَلـ):
(يا عبد اللَّه، ألم أخبر) بضم الهمزة وسكون المعجمة وفتح الموحدة مبنيًا للمفعول وهمزة ألم
للاستفهام (أنك تصوم النهار وتقوم الليل)؟ أي فيه (فقلت: بلى يا رسول الله) زاد مسلم ولم أرد إلا
الخير (قال) (فلا) ولابن عساكر لا (تفعل) زاد بعد بابين فإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين (صم
وأفطر)، بهمزة قطع (وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًّا)، بأن ترعاه وترفق به ولا تضره حتى تقعد
عن القيام بالفرائض ونحوها وقد ذم الله قومًا أكثروا من العبادة ثم تركوا بقوله تعالى ورهبانية
ابتدعوها إلى قوله فما رعوها حق رعايتها (وإن لعينك عليك حقًّا) بالإفراد في الفرع ولغير
الكشميهني لعينيك بالتثنية (وإن لزوجك عليك حقًّا)، في الوطء (وإن لزورك) أي لضيفك (عليك
حقًّا) في البسط والمؤانسة وغيرهما (وإن بحسبك) بسكون السين المهملة وفي اليونينية بفتحها. قال
البرماوي كالزركشي بفتح السين وحكى إسكانها والباء فيه زائدة أي كافيك (أن تصوم كل شهر) في
محل رفع خبر أن. قال في المصابيح: وينبغي أن يكون هذا الإعراب متعينًا ويؤخذ منه صحة ما
ذهب إليه ابن مالك في قولك بحسبك زيد أن حسبك مبتدأ وزيد خبر وأنه من باب الإخبار بالمعرفة
عن النكرة لأن حسبك لا يتعرف بالإضافة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: من كل شهر، وله
عن الكشميهني في كل شهر (ثلاثة أيام فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها فإن) ولأبوي ذر والوقت
وابن عساكر فإذن بالنون في الفرع وأصله وفي غيرهما بالألف منوّنة وعليه الجمهور ورسم المصحف
وقال بالأوّل المازني والمبرد، وقال الفراء: إن عملت كتبت بالألف وإلا كتبت بالنون للفرق بينها
وبين إذا وتبعه ابن خروف. قال في القاموس: ويحذفون الهمزة فيقولون ذن والأكثر أن تكون جوابًا
لأن أو لو ظاهرتين أو مقدرتين والمقدر هنا أن أي أن صمتها فإذا (ذلك صيام الدهر كله) قال الحافظ
ابن حجر وغيره: إذا بغير تنوين للمفاجأة. قال العيني: تقديره إن صمت ثلاثة أيام من كل شهر

٥٤٢
كتاب الصوم/ باب ٥٦/ حديث ١٩٧٦
فاجأت عشر أمثالها كما في قوله تعالى: ﴿ثم إذا دعاكم﴾ [الروم: ٢٥] الآية تقديره ثم إذا دعاكم
فاجأتم الخروج في ذلك الوقت قال عبد الله: (فشددت) على نفسي (فشدد عليّ) بضم الشين مبنيًّا
للمفعول (قلت: يا رسول الله إني أجد قوّة) على أكثر من ذلك (قال) عليه الصلاة والسلام: إن كنت
تجد قوّة. (فصم صيام نبي الله داود عليه السلام ولا تزد عليه) (قلت وما كان صيام نبي الله داود عليه
الصلاة والسلام؟ قال) عليه الصلاة والسلام: كان صيامه (نصف) صوم (الدهر) وهو أن يفطر يومًا
ويصوم يومًا. (وكان عبد الله) بن عمرو بن العاصي (يقول بعد ما كبر): بكسر الموحدة أي
وعجز عن المحافظة على ما التزمه ووظفه على نفسه وشق عليه (يا ليتني قبلت رخصة النبي وَّر)
وأخذت بالأخف.
٥٦ - باب صَومِ الذَّهر
(باب) بيان حكم (صوم الدهر) هل هو مشروع أم لا؟ ومذهب الشافعية استحبابه لإطلاق
الأدلة ولأنه رَّم قال: (من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وعقد بيده)) أخرجه أحمد والنسائي
وابنا خزيمة وحبان والبيهقي أي عنه فلم يدخلها. قال الغزالي: لأنه لما ضيق على نفسه مسالك
الشهوات بالصوم ضيق الله عليه النار فلا يبقى له فيها مكان لأنه ضيق طرقها بالعبادة فإن خاف
ضررًا أو فوت حق كره صومه وهل المراد الواجب أو المندوب؟ قال السبكي: ويتجه أن يقال أنه إن
علم أنه يفوّت حقًّا واجبًا حرم وإن علم أنه يفوت حقًّا مندوبًا أولى من الصيام كره وإن كان يقوم
مقامه فلا .
١٩٧٦ - حدثنا أبو اليَمانِ أخبرَنا شُعيبٌ عنِ الزُّهريُ قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيِّبِ وأبو
سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرو قال: «أُخبِرَ رسولُ اللَّهِ وَ يُّوَ أني أقول: واللّهِ
الأصومَنَّ النهارَ ولأقومنَّ الليلَ ما ◌ِشتُ، فقلتُ له: قد قُلتُهُ بأبي أنتَ وأمِّي. قال: فإِنكَ لا تَستطيعُ
ذُلكَ، فصُمْ وأفطِرْ، وقُمْ ونَمْ، وصُمْ منَ الشهرِ ثلاثةَ أيامٍ فإِنَّ الحسنةَ بعَشر أمثالها، وذلكَ مثلُ
صِيامِ الدَّهر. قلتُ: إِني أُطِيقُ أفضلَ من ذُلكَ. قال: فضُمْ يومًا وأفطِرْ يومَينٍ. قلتُ إِني أُطِيقُ
أفضلَ من ذلكَ. قال: فصُمْ يومًا وأفطِرْ يومًا، فذلك صِيامُ داودَ عليه السلامُ، وهو أفضلُ الصيام.
قلت: إني أطيقُ أفضلَ من ذلك، فقال النبيُّ ◌َله: لا أفضلَ من ذلك)).
وبالسند قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن
عبد الرحمن أن عبد الله بن عمرو) أي ابن العاصي (قال: أخبر رسول الله (وَّة) بضم الهمزة
وسكون المعجمة وكسر الموحدة مبنيًا للمفعول ورسول الله رفع نائب عن الفاعل (إني أقول: والله
لأصومنّ النهار ولأقومنّ الليل ما عشت)، أي مدة حياتي. (فقلت له): عليه الصلاة والسلام فيه

٥٤٣
كتاب الصوم/ باب ٥٦/ حديث ١٩٧٦
كلام مطويّ تقديره فقال لي عليه الصلاة والسلام: أنت تقول والله لأصومنّ النهار ولأقومنّ الليل ما
عشت، ولمسلم: أنت الذي تقول ذلك فقلت له: (قد) ولأبي الوقت: فقد (قلته بأبي أنت وأمي) أي
أفديك بهما (قال) عليه الصلاة والسلام.
(فإنك لا تستطيع ذلك) الذي قلته من صيام النهار وقيام الليل لحصول المشقة وإن لم يتعذر
الفعل أو بأن تبلغ من العمر ما يتعذر معه ذلك وعلمه عليه الصلاة والسلام بطريق ما أو المراد لا
تستطيع ذلك مع القيام ببقية المصالح المرعية شرعًا (فصم وأفطر)، بهمزة قطع (وقم ونم)، ثم بين ما
أجمل فقال (وصم من الشهر ثلاثة أيام) لم يعينها ثم علل وجه كونها ثلاثة بقوله (فإن الحسنة بعشر
أمثالها وذلك مثل صيام الدهر) استشكل هذا من جهة أن القواعد تقتضي أن المقدر لا يكون كالمحقق
وأن الأجور تتفاوت بحسب تفاوت المصالح أو المشقة في الفعل فكيف يوازي من له حسنة واحدة
في كل يوم جميع السنة من له عشر فيه وكيف يتساوى العامل وغيره في الأجر؟ وأجيب: بأن المراد
هنا أصل التضعيف دون التضعيف الحاصل من الفعل فالمثلية لا تقتضي المساواة من كل وجه. نعم
يصدق على فاعل ذلك أنه صام الدهر مجازًا قال عبد اللَّه (قلت): يا رسول الله (إني أطيق أفضل من
ذلك) أكثر من صيام ثلاثة أيام من كل شهر (قال): عليه الصلاة والسلام: (فصم يومًا وأفطر يومين)
بالإفراد في الأول والتثنية في الآخر وفي رواية حسين المعلم في الأدب فصم من كل جمعة ثلاثة
أيام. وفي رواية أبي المليح الآتية إن شاء الله تعالى في باب صوم داود: أما يكفيك من كل شهر
ثلاثة أيام؟ قال، قلت يا رسول الله. قال: خمسًا قلت: يا رسول الله. قال: سبعًا. قلت يا
رسول الله. قال: تسعًا قلت يا رسول الله قال: إحدى عشرة (قلت إني أطيق أفضل) أكثر (من ذلك
قال): (فصم يومًا وأفطر يومًا فذلك صيام داود عليه السلام وهو أفضل الصيام) وفي قيام الليل من
طريق عمرو بن أوس عن عبد الله بن عمرو أحب الصيام إلى الله صيام داود، وهذا يقتضي ثبوت
الأفضلية مطلقًا ومقتضاه أن تكون الزيادة على ذلك من الصوم مفضولة (فقلت: إني أطيق أفضل)
أكثر (من ذلك، فقال النبي ◌َّ): (لا) صوم (أفضل من ذلك) فهو يفضل من صوم الدهر كما قاله
المتولي وغيره: ويترجح من حيث المعنى بأن صيام الدهر قد يفوّت بعض الحقوق وبأن من اعتاده فإنه
لا يكاد يشق عليه بل تضعف شهوته عن الأكل وتقل حاجته إلى الطعام والشراب نهارًا ويألف تناوله
في الليل بحيث يتجدد له طبع زائد بخلاف من يصوم يومًا ويفطر يومًا فإنه ينتقل من فطر إلى صوم
ومن صوم إلى فطر، وقد نقل الترمذي عن بعض أهل العلم أنه أشق الصوم ويأمن مع ذلك من
تفويت الحقوق، وعند سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن ابن مسعود أنه قيل له: إنك لتقل
الصيام. فقال: إني أخاف أن يضعفني عن القراءة والقراءة أحب إلي من الصيام، لكن في فتاوى ابن
عبد السلام أن صوم الدهر أفضل لأنه أكثر عملاً فيكون أكثر أجرًا وما كان أكثر أجرًا كان أكثر ثوابًا
وبذلك جزم الغزالي أولاً وقيده بشرط أن لا يصوم الأيام المنهي عنها وأن لا يرغب عن السنة بأن
يجعل الصوم حجرًا على نفسه، فإذا أمن فالصوم من أفضل الأعمال فالاستكثار منه زيادة في
الفضل.

٥٤٤
كتاب الصوم/ باب ٥٧/ حديث ١٩٧٧
وقوله في الحديث: لا أفضل من ذلك أي لك وذلك لما علم من حاله ومنتهى قوته وأن ما هو
أكثر من ذلك يضعفه عن الفرائض ويقعد به عن الحقوق والمصالح، ويلتحق به من في معناه. لكن
تعقبه ابن دقيق العيد بأن الأفعال متعارضة المصالح والمفاسد وليس كل ذلك معلومًا لنا ولا
مستحضرًا، وإذا تعارضت المصالح والمفاسد فمقدار تأثير كل واحدة منها في الحث أو المنع غير محقق
لنا فالطريق حينئذ أن نفوّض الأمر إلى صاحب الشرع ونجري على ما دل عليه ظاهر الشرع من قوة
الظاهر هنا، وأما زيادة العمل واقتضاء العادة لزيادة الأجر بسببه فيعارضه اقتضاء العادة والجبلة
للتقصير في حقوق يعارضها الصوم الدائم ومقادير ذلك الفائت مع أن مقادير الحاصل من الصوم غير
معلومة لنا .
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: وذلك مثل صيام الدهر.
٥٧ - باب حقِّ الأهلِ في الصوم، رواهُ أبو جُحَيفةَ عنِ النبيِّ وَلـ
(باب حق الأهل) الأولاد والقرابة (في الصوم رواه) أي حق الأهل (أبو جحيفة) وهب بن
عبد الله السوائي فيما سبق في قصة سلمان وأبي الدرداء (عن النبي ◌َّ) حيث قال سلمان لأبي
الدرداء: وأن لأهلك عليك حقًّا، وأقره ◌َّر عليه .
١٩٧٧ - حدثنا عمرُو بنُ عليّ أخبرنا أبو عاصمِ عنِ ابنِ جُرَيجِ سَمعتُ عَطاءً أنَّ أبا العبّاسِ
الشاعرَ أخبرَهُ أنهُ سمعَ عبدَ اللهِ بنَ عمرو رضيَ اللَّهُ عنهما يقولُ: ((بَلِغَ النبيَّ ◌َ أني أسرُدُ
الصومَ، وأصلِّي الليلَ فإِمّا أرسلَ إِلَيَّ وإمّا لَقِيتُهُ فقال: ألم أُخْبَر أنكَ تَصومُ ولا تُفطِرُ، وتصلِّي ولا
تنامُ؟ فَصُمْ وأفطِرْ وقُمْ ونَمْ، فإِن لعَينَيكَ عليكَ حظّا وإِنَّ لنفسِكَ وأهلِكَ عليكَ حظًا. قال: إِني
الأقوى لذلكَ. قال: فصُمْ صِيام داودَ عليه السلامُ قال: وكيف؟ قال: كان يَصومُ يومًا ويُفطِرُ يومًا
ولا يَفِرُ إِذا لاقى. قال: مَن لي بهُذِهِ يا نبيَّ اللّـهِ)) قال عطاءٌ: لا أدري كيفَ ذكرَ صِيامَ الأبدِ، قال
النبيُّ ◌َّهِ: ((لا صامَ من صامَ الأبدَ)) مرتين.
وبالسند قال (حدثنا عمرو بن علي) الباهلي الصيرفي الفلاس البصري قال: (أخبرنا) ولابن
عساكر: حدثنا (أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز
المكي قال: (سمعت عطاء) هو ابن أبي رباح المكي (أن أبا العباس) السائب الأعمى (الشاعر) المكي
(أخبره أنه سمع عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يقول: بلغ النبي بَّه) أي من أبيه عمرو بن
العاص (إني أُسرد الصوم)، بضم الراء أي أصوم متتابعًا ولا أفطر (وأصلي الليل) كله (فإما أرسل)
عليه الصلاة والسلام (إلي وإما لقيته) عليه الصلاة والسلام من غير إرسال (فقال):
(ألم أخبر) بضم الهمزة وسكون المعجمة وفتح الموحدة (إنك تصوم ولا تفطر وتصلي)؟ أي
الليل (ولا تنام فصم وأفطر) بهمزة قطع (وقم ونم، فإن لعينك) بالإِفراد ولغير السرخسي والكشميهني

٥٤٥
كتاب الصوم/ باب ٥٧/ حديث ١٩٧٧
كما في الفتح: لعينيك بالتثنية (عليك حظًا) بالظاء المعجمة بدل القاف أي نصيبًا من النوم (وإن
لنفسك وأهلك عليك حظًا) بالظاء المعجمة أيضًا وحق النفس الرفق بها والأهل في الكسب والقيام
بنفقتهم ولا يدئب نفسه بحيث يضعف عن القيام بما يجب من ذلك (قال) عبد الله (إني لأقوى
لذلك) أي لسرد الصوم دائمًا ولابن عساكر إني لأقوى ذلك كذا في اليونينية بإسقاط حرف الجر وفي
نسخة على ذلك (قال): عليه الصلاة والسلام: (فصم صيام داود عليه السلام) (قال) عبد الله يا
رسول الله (وكيف)؟ أي صيام داود كما في مسلم (قال): عليه الصلاة والسلام (كان يصوم يومًا
ويفطر يومًا ولا يفر) أي لا يهرب (إذا لاقى) العدو أشار به إلى أن الصوم على هذا الوجه لا ينهك
البدن بحيث يضعف عن لقاء العدو بل يستعان بفطر يوم على صيام يوم فلا يضعف عن الجهاد
وغيره من الحقوق. (قال) عبد اللَّه (من لي بهذه) الخصلة الأخيرة وهي عدم الفرار أي من يتكفل لي
بها (يا نبي الله. قال عطاء): هو ابن أبي رباح بالإسناد السابق (لا أدري كيف ذكر) بفتحات (صيام
الأبد) أي لا أحفظ كيف جاء ذكر صيام الأبد في هذه القصة إلا أني أحفظ أنه (قال النبي (وَّر): (لا
صام من صام الأبد مرتين) استدل به من قال بكراهة صوم الدهر لأن قوله: لا صام يحتمل الدعاء
ويحتمل الخبر.
قال ابن العربي: إن كان معناه الدعاء فيا ويح من أصابه دعاء النبي ◌ُّ، وإن كان معناه الخبر
فيا ويح من أخبر عنه وَّ أنه لم يصم وإذا لم يصم شرعًا فلم يكتب له ثواب لوجوب صدق قوله
عليه الصلاة والسلام لأنه نفى عنه الصوم وقد نفى عنه الفضل كما تقدم فكيف يطلب الفضل فيما
نفاه وَّر، وأجيب بأجوبة:
أحدها: أنه محمول على حقيقته بأن يصوم معه العيد والتشريق. قال النووي: وبهذا أجابت
عائشة اهـ.
وهو اختيار ابن المنذر وطائفة، وتعقب بأنه عليه الصلاة والسلام قال جوابًا لمن سأله عن صوم
الدهر لا صام ولا أفطر وهو يؤذن بأنه لا أجر ولا إثم، ومن صام الأيام المحرمة لا يقال فيه ذلك لأنه
عند من أجاز صوم الدهر إلا الأيام المحرمة يكون قد فعل مستحبًا وحرامًا، وأيضًا فإن الأيام المحرمة
مستثناة في الشرع غير قابلة للصوم شرعًا فهي بمنزلة الليل وأيام الحيض فلم تدخل في السؤال عند
من علم بتحريمها ولا يصلح الجواب بقوله: لا صام ولا أفطر لمن لم يعلم بتحريمها قاله في فتح
الباري .
الثاني: أنه محمول على من تضرر به أو فوت به حقًّا ويؤيده أن النهي كان خطابًا لعبد الله بن
عمرو بن العاصي، وقد ذكر مسلم عنه أنه عجز في آخر عمره وندم على كونه لم يقبل الرخصة.
الثالث: أن معناه الخبر عن كونه لم يجد من المشقة ما يجد غيره لأنه إذا اعتاد ذلك لم يجد في صومه
مشقة، وتعقبه الطيبي بأنه مخالف لسياق الحديث ألا تراه كيف نهاه أولاً عن صيام الدهر كله ثم حثه
على صوم داود عليه الصلاة والسلام والأولى أن يكون خبرًا عن أنه لم يمتثل أمر الشرع.
إرشاد الساري/ ج ٤/ م ٣٥

٥٤٦
کتاب الصوم/ باب ٥٨ و ٥٩/ حديث ١٩٧٨
٥٨ - باب صوم يوم وإِفطارِ يوم
(باب صوم يوم وإفطار يوم).
١٩٧٨ - حدثنا محمدُ بنُ بَشَارِ حدَّثَنَا غُنْدَرٌ حدَّثَنَا شُعبةُ عن مُغِيرةَ قال: سمعتُ مجاهدًا عن
عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو رضيَ اللّهُ عنهما عن النبيِّ وَّرِ قال: ((صُمْ منَ الشهرِ ثلاثةَ أيام، قال: أُطِيقْ
أكثرَ من ذُلِكَ، فما زالَ حتّى قال: صُمْ يومًا وأفطِر يومًا، فقال اقرَإِ القرآنَ في كلْ شهرٍ، قال: إِني
أُطِيقُ أكثرَ، فما زال حتى قال: في ثلاثٍ)).
وبالسند قال (حدثنا محمد بن بشار) بتشديد المعجمة قال: (حدثنا غندر) هو محمد بن جعفر
البصري قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن مغيرة) بن مقسم الضبي الكوفي (قال: سمعت مجاهدًا
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي ◌َّ) أنه (قال) له:
(صم من الشهر ثلاثة أيام) زاد في باب صيام الدهر وذلك مثل صيام الدهر (قال) إني (أطيق
أكثر من ذلك) فما زال حتى قال: (صم يومًا وأفطر يومًا) زاد في الباب المذكور فذلك صيام داود
وهو أفضل الصيام (فقال): عليه الصلاة والسلام (اقرأ القرآن في كل شهر)، (قال) عبد اللَّه: (إني
أطيق أكثر)، من ذلك (فما زال) عليه الصلاة والسلام (حتى قال): عليه الصلاة والسلام اقرأه (في
ثلاث) أي ثلاث ليال.
ولمسلم من طريق أبي سلمة قال عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أصوم الدهر وأقرأ القرآن
كل ليلة قال: فإما ذكر للنبي وَل﴿، وإما أرسل إليّ فأتيته فقال: ألم أخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ
القرآن كل ليلة؟ فقلت: بلى يا نبي الله الحديث وفيه قال: اقرأ القرآن في كل شهر. قلت يا نبي الله
إني أطيق أفضل من ذلك. قال: فاقرأه في كل عشرين. قال: قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من
ذلك. قال: فاقرأه في كل عشر. قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك قال فاقرأه في سبع ولا
تزد. قال في المصابيح: ولهذا منع كثير من العلماء الزيادة على السبع. قال النووي: وقد كان
بعضهم يختم في كل شهر وهو أقله وأما أكثره فثمان ختمات في اليوم والليلة على ما بلغنا اهـ.
وفي سنة سبع وستين وثمانمائة رأيت بالقدس الشريف شيخًا يدعى بأبي الطاهر من أصحاب
الشيخ ابن رسلان قيل: إنه جاوز العشر في اليوم والليلة فالله أعلم، بل أخبرني شيخ الإسلام
البرهان بن أبي شريف المقدسي أمتع الله بحياته عنه أنه يقرأ خمس عشرة ختمة، وفي الصفوة عن
منصور بن زاذان أنه كان يختم بين المغرب والعشاء ختمتين ويبلغ في الختمة الثالثة إلى الطواسين.
٥٩ - باب صَوم داودَ عليهِ السلامُ
(باب صوم داود عليه الصلاة والسلام) عقبه بسابقه إشارة إلى الاقتداء بداود عليه الصلاة
والسلام في صوم يوم وإفطار يوم.

٥٤٧
كتاب الصوم/ باب ٥٩/ حديث ١٩٧٩
١٩٧٩ - حدثنا آدم حدَّثَنا شُعبةُ حدَّثَنَا حَبيبُ بنُ أبي ثابتٍ قال: سمعتُ أبا العبّاس المكيّ
- وكان شاعِرًا، وكان لا يُتَّهَمُ في حَديثهِ - قال: سمعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرٍو بنِ العاصِ
رضيَ اللّهُ عنهما قال: قال لي النبيُّ ◌َّهِ: ((إِنكَ لَتصومُ الدهرَ وتقومُ الليلَ، فقلتُ نعم، قال: إِنكَ
إِذا فعلتَ ذلكَ هجَمَتْ لهُ العَينُ ونَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ، لا صامَ مَن صامَ الدهرَ، صَومُ ثلاثةِ أيامٍ صومُ
الدَّهرِ كلهِ. قلت: فإِنِي أُطِيقُ أكثرَ مِن ذُلكَ، قال: فصُمْ صَومَ داودَ عليهِ السلامُ: كان يصومُ يومًا
ويُفطِرُ يومًا، ولا يَفِرُ إِذا لاقى)).
وبالسند قال: (حدثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدثنا
حبيب بن أبي ثابت) الأسدي الأعور. (قال: سمعت أبا العباس المكي وكان شاعرًا) والشاعر قد
يتهم فيما يحدث به لما تقتضيه صناعته من المبالغة في الإطراء (و) لكن هذا (كان لا يتهم في حديثه)
مرويه من الحديث وغيره وقد وثقه أحمد وابن معين وغيرهما وليس له في البخاري سوى هذا الحديث
وآخر في الجهاد وآخر في المغازي وأعادهما في الأدب (قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاصي
رضي الله عنهما قال: قال لي النبي (مَلِر):
(إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل)، (فقلت: نعم، قال): عليه الصلاة والسلام (إنك إذا فعلت
ذلك هجمت له العين) بفتح الهاء والجيم أي غارت وضعف بصرها (ونفهت) بفتح النون وكسر الفاء
أي تعبت وكلت (له النفس) وفي رواية النسفي كما في الفتح: نثهت بالمثلثة بدل الفاء واستغربها ابن
التين، وقال ابن حجر: وكأنها أبدلت من الفاء فإنها تبدل منها كثيرًا. قال العيني: لم يذكر لذلك
مثالاً ولا نسبه إلى أحد من أهل العربية ولم يذكر هذا أحد في الحروف التي يبدل بعضها من بعض
فإن كان يوجد فربما يوجد في لسان ذي لثغة فلا يبنى عليه شيء اهـ.
قلت: وقد وقع إبدال الثاء بالفاء في قوله تعالى: ﴿فومها﴾ أي ثومها فلا وجه لإنكار ذلك
ولأبي الوقت وابن عساكر: نهئت بنون فهاء فمثلثة مفتوحات، وللكشميهني: نهكت بهاء بعد النون
ثم كاف بفتحات في بعض الأصول وفي بعضها بكسر الهاء وفي الفرع كشط الضبط. قال في فتح
الباري: أي هزلت وضعفت. قال العيني: ولا وجه له إلا إذا ضم النون من نهكته الحمى إذا
أضنته اهـ.
وقال الأبي: وضبطه بعضهم بضم النون وكسر الهاء وفتح الكاف وهو ظاهر كلام عياض.
وقال في القاموس : نهکه کمنعه نهاکة غلبة والحمى أضنته وهزلته وجهدته کنھکته کفرح بهگًا ونهگًا
ونهكة ونهاكة أو النهك المبالغة في كل شيء ونهكه السلطان كسمعه نهكًا ونهكة بالغ في نهكته عقوبته
كأنهكه (لا صام من الدهر)، لأن منه العيد والتشريق والصوم فيها حرام قال الخطابي يحتمل أنه
دعاء ويحتمل أن لا بمعنى لم نحو فلا صدق ولا صلى اهـ.

٥٤٨
کتاب الصوم/ باب ٥٩/ حديث ١٩٨٠
فهو على هذا التقدير خبر لأن لم تخلص للمضي، وقد تقدم ما فيه من البحث قريبًا في سابق
سابقه (صوم ثلاثة أيام) أي من كل شهر (صوم الدهر كله). أي بالتضعيف كما مرّ فإن الحسنة بعشر
أمثالها. قال عبد الله (قلت) يا رسول الله (فإني أطيق أكثر من ذلك قال): عليه الصلاة والسلام
(فصم صوم داود عليه السلام كان) ولابن عساكر: وكان (يصوم بومًا ويفطر يومًا ولا يفر إذا
لاقى) العدو لأنه يستعين بيوم فطره على يوم صومه فلم يضعفه ذلك عن لقاء عدوه.
١٩٨٠ - حدثنا إِسحُقُ بنُ شاهينَ الواسطيُّ حدَّثَنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ عن خالدِ الْحَذّاءِ عن
أبي قِلابةَ قال: أخبرني أبو المليحِ قال: دخلتُ مع أبيكَ على عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو فحدَّثنا أنَّ
رسولَ اللّهِ ذُكِر لهُ صَومي، فدَخلَّ عليَّ، فألقَيتُ لهُ وِسادةً من أَدَمٍ حَشوُها لِيفٌ، فَجَلسَ على
الأرضِ وصارَتِ الوِسادةُ بَيني وبينَهُ، فقال: أما يَكفِيكَ مِن كل شهرٍ ثلاثةُ أيام؟ قال: قلتُ: يا
رسولَ الله ... قال: خَمسًا. قلتُ: يا رسولَ اللهِ ... قال: سَبعًا. قلتُ: يا رسولَ اللهِ ...
قال: تِسعًا. قلتُ: يا رسول اللّهِ ... قال: إِحدىُ عَشْرَة. ثم قال النبيُّ ◌َ له: لا صومَ فوقَ صَومِ
داودَ عليهِ السلامُ: شطر الدهرِ، صُمْ يومًا وأفطِرْ يومًا».
وبه قال: (حدثنا إسحاق الواسطي) ولأبوي ذر والوقت: إسحق بن شاهين الواسطي قال:
(حدثنا خالد) هو الطحان الواسطي ولأبي ذر وابن عساكر: خالد بن عبد اللَّه (عن خالد) ولأبوي
ذر والوقت وابن عساكر: زيادة الحذاء (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي (قال أخبرني) ولأبي
الوقت: حدثني بالإفراد فيهما (أبو المليح) بفتح الميم وكسر اللام وسكون المثناة التحتية آخره حاء
مهملة اسمه عامر أو زيد بن أسامة بن عمير الهذلي (قال: دخلت مع أبيك) زيد بن عمرو الجرمي
فالخطاب لأبي قلابة (على عبد الله بن عمرو) هو ابن العاصي (فحدثنا) أي والد أبي قلابة (أن
رسول الله (*) بفتح المثلثة (ذكر له صومي) بضم الذال مبنيًّا للمفعول (فدخل عليّ) وَليل (فألقيت له
وسادة من أدم حشوها ليف فجلس على الأرض) تواضعًا وتركًا للاستئثار على عادته الشريفة وَل
وزاده شرفًا (وصارت الوسادة بيني وبينه فقال): لي.
(أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام) (قال) عبد اللَّه (قلت) لا
يكفيني الثلاث من كل شهر (يا رسول الله قال): عليه الصلاة والسلام: صم (خمسًا) من كل شهر،
ولأبي ذر عن الكشميهني: خمسة بالتأنيث على إرادة الأيام والأول على إرادة الليالي وفيه تجوّز (قلت)
لا تكفيني الخمسة (يا رسول الله، قال) عليه الصلاة والسلام صم (سبعًا) أي من كل شهر ولأبي ذر
عن الكشميهني: سبعة بالتأنيث كما مر قال عبد الله: (قلت) لا تكفيني السبعة (يا رسول الله قال):
عليه الصلاة والسلام صم (تسعًا) من كل شهر وللكشميهني تسعة كما سبق قال عبد اللَّه: (قلت)
لا تكفيني (يا رسول الله قال): عليه الصلاة والسلام صم: (إحدى عشرة) بكسر الهمزة وسكون
الحاء والشين من عشرة وآخره هاء تأنيث وللكشميهني أحد عشر (ثم قال النبي ◌َِّ) (لا صوم) أي

٥٤٩
كتاب الصوم/ باب ٦٠
لا فضل ولا كمال في صوم التطوّع (فوق صوم داود عليه السلام): وفيه ما مر من كونه أفضل من
صوم الدهر أو الخطاب خاص بعبد اللَّه ويلحق به من في معناه ممن يضعفه عن الفرائض والحقوق
(شطر الدهر)، أي: نصفه وهو بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي هو شطر الدهر والجر بدل من قوله
صوم داود، وهذان الوجهان رواية أبي ذر كما في الفرع ولغيره شطر بالنصب على أنه مفعول فعل
مقدّر أي هاك أو خذ أو نحو ذلك (صم يومًا وأفطر يومًا) وفي رواية عمر بن عون: صيام يوم
وإفطار يوم ويجوز فيه الأوجه الثلاثة السابقة.
٦٠ - باب صيام البِيضٍ: ثلاثَ عشرَة وأربعَ عشرةَ وخمسَ عشرةَ
(باب صيام أيام) الليالي (البيض): وسقط لأبي الوقت وابن عساكر لفظ أيام وفي الفتح أنه
رواية الأكثر وإثبات أيام رواية الكشميهني والأول هو الذي في الفرع والبيض صفة لمحذوف وهو
الليالي وسميت بذلك لأنها مقمرة لا ظلمة فيها وهي (ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة) ليلة
البدر وما قبلها وما بعدها يكون القمر فيها من أول الليل إلى آخره، ولأبي ذر عن الكشميهني: ثلاثة
عشر وأربعة عشر وخمسة عشر وهذا باعتبار الأيام والأول باعتبار الليالي ولا يقال البيض صفة للأيام
كما لا يخفى.
وأما قوله في الفتح: إن اليوم الكامل هو النهار بليلته وليس في الشهر يوم أبيض كله إلا هذه
الأيام لأن ليلها أبيض ونهارها أبيض فصح قوله الأيام البيض على الوصف فتعقبه في عمدة القاري
بأن قوله أن اليوم الكامل هو النهار بليلته غير صحيح لأن اليوم الكامل في اللغة من طلوع الشمس
إلى غروبها وفي الشرع من طلوع الفجر الصادق وليس لليلة دخل في حد النهار، وأما قوله ونهارها
أبيض فيقتضي أن بياض نهار أيام البيض من بياض الليلة وليس كذلك لأن صيام الأيام كلها بالذات
وأيام الشهر كلها بيض فسقط قوله وليس في الشهر يوم أبيض كله إلا هذه الأيام اهـ.
وهذا الذي قاله في الفتح سبقه إليه ابن المنير فقال: وأنكر بعض اللغوين أن يقال الأيام البيض
وقال: إنما هي الليالي البيض وإلا فالأيام كلها بيض وهذا وهم منه، والحديث يرد عليه أي ما ذكره
ابن بطال عن شعبة عن أنس بن سيرين عن عبد الملك بن المنهال عن أبيه قال أمرني النبي وَليه
بالأيام البيض وقال هو صوم الدهر. قال: واليوم اسم يدخل فيه الليل والنهار وما كل يوم أبيض
بجملته إلا هذه الأيام فإن نهارها أبيض وليلها أبيض فصارت كلها بيضًا وأظنه سبق إلى وهمه أن اليوم
هو النهار خاصة اهـ.
قال في المصابيح: الظاهر أن مثل هذا ليس بوهم فإن اليوم وإن كان عبارة عن الليل والنهار
جميعًا لكنه بالنسبة إلى الصوم إنما هو النهار خاصة وعليه فكل يوم يصام هو أبيض لعموم الضوء فيه
من طلوع الفجر إلى غروب الشمس اهـ.

٥٥٠
كتاب الصوم/ باب ٦٠/ حديث ١٩٨١
وقال في الأنصاف: سميت بيضًا لا بيضاضها ليلاً بالقمر ونهارًا بالشمس، وقيل لأن الله تعالى
تاب فیھا علی آدم وبیض صحيفته.
١٩٨١ - حدّثنا أبو مَعْمَرِ حدَّثَنا عبدُ الوارِثِ حدَّثَنا أبو النَّحِ قال: حدَّثَني أبو عثمانَ عن أبي
هريرةَ رضيَ اللّهُ عنه قال: ((أوصاني خَليليِّرَ بِثَلاثِ: صيام ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، ورَكعتَيٍ
الضُّحى، وأنْ أُوتِرَ قبل أنْ أنام)).
وبالسند قال: (حدثنا أبو معمر) بفتح الميمين وسكون العين المهملة بينهما عبد الله بن عمرو
المنقري المقعد قال: (حدثنا عبد الوارث) بن سهل التميمي قال: (حدثنا أبو التياح) بفتح المثناة
الفوقية وتشديد التحتية آخره حاء مهملة يزيد بن حميد الضبعي (قال: حدثني) بالإفراد (أبو عثمان)
هو عبد الرحمن النهدي (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال): (أوصاني خليلي) رسول الله (وَل
بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر)، بجر صيام بدل من ثلاث ولم يعين الأيام بل أطلقها.
واستشكلت المطابقة بين الترجمة والحديث، وأجيب: بأن المؤلف جرى على عادته في الإشارة
إلى ما ورد في بعض طرق الحديث عند النسائي وصححه ابن حبان من طريق موسى بن طلحة عن
أبي هريرة قال: جاء أعرابي إلى النبي وَل# بأرنب قد شواها فأمرهم أن يأكلوا وأمسك الأعرابي فقال:
ما منعك أن تأكل؟ قال: إني أصوم ثلاثة أيام من كل شهر قال: إن كنت صائمًا فصم الغر أي
البيض. وهذا الحديث اختلف فيه على موسى بن طلحة اختلافًا كثيرًا بينه وبين الدارقطني.
وفي بعض طرقه عند النسائي إن كنت صائمًا فصم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس
عشرة، وعنده أيضًا من حديث جرير بن عبد الله عن النبي بَ لّ قال: صيام ثلاثة أيام من كل شهر
صيام الدهر وأيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وإسناده صحيح، وفي رواية أيام
البيض بغير واو ففيه استحباب صوم الثلاثة التي أولها الثالث عشر، والمعنى فيه أن الحسنة بعشر
أمثالها فصومها كصوم الشهر ومن ثم سن صوم ثلاثة أيام من كل شهر ولو غير أيام البيض كما في
البحر وغيره لإطلاق حديث الباب وغيره.
قال السبكي: والحاصل أنه يسن صوم ثلاثة أيام من كل شهر وأن تكون أيام البيض فإن
صامها أتى بالسنتين وتترجح البيض بكونها وسط الشهر ووسط الشيء أعدله ولأن الكسوف غالبًا
يقع فيها وقد ورد الأمر بمزيد العبادة إذا وقع.
وسئل الحسن البصري: لم صام الناس الأيام البيض وأعرابي يسمع؟ فقال الأعرابي: لأنه لا
يكون الكسوف إلا فيهن ويحب الله أن لا تكون في السماء آية إلا كان في الأرض عبادة، والاحتياط
صوم الثاني عشر مع أيام البيض لأن في الترمذي أنها الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر، ورجح
بعضهم صيام الثلاثة في أول كل شهر لأن المرء لا يدري ما يعرض له من الموانع.

٥٥١
كتاب الصوم/ باب ٦٠/ حديث ١٩٨١
وفي حديث ابن مسعود عند أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة أن النبي وير كان يصوم
ثلاثة أيام من كل شهر، وقال بعضهم: يصوم من أول كل عشرة أيام يومًا. وفي حديث
عبد الله بن عمر وعند النسائي: صم من كل عشرة أيام يومًا.
وروى أبو داود والنسائي من حديث حفصة: كان النبي ◌ّر يصوم من كل شهر ثلاثة أيام
الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى.
وروى الترمذي عن عائشة: كان النبي وَلّ يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ومن
الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس، وقد جمع البيهقي بين ذلك وبين ما قبله بما في مسلم عن
عائشة قالت: كان رسول الله وَ ل* يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ما يبالي من أي الشهر صام قال:
فكل من رآه فعل نوعًا ذكره وعائشة رأت جميع ذلك وغيره فأطلقت.
وروى أبو داود عن أم سلمة قالت: كان رسول الله وَل وليأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل
شهر أولها الاثنين والخميس، والمعروف من قول مالك كراهة تعيين أيام النفل أو يجعل لنفسه شهرًا
أو يومًا يلتزم صومه، وروي عنه كراهة تعمد صيام الأيام البيض وقال: ما كان ببلدنا. وروي عنه
أنه كان يصومها وأنه كتب إلى الرشيد يحضه على صومها. قال ابن رشد: وإنما كرهها لسرعة أخذ
الناس بمذهبه فيظن الجاهل وجوبها، والمشهور من مذهبه استحباب ثلاثة أيام من كل شهر وكراهة
كونها البيض لأنه كان يفر من التحديد.
وقال الماوردي: ويسن صوم أيام السود الثامن والعشرين وتالييه، وينبغي أيضًا أن يصام معها
السابع والعشرون احتياطًا، وخصت أيام البيض وأيام السود بذلك لتعميم ليالي الأولى بالنور وليالي
الثانية بالسواد فناسب صوم الأولى شكرًا والثانية لطلب كشف السواد، ولأن الشهر ضيف قد أشرف
على الرحيل فناسب تزويده بذلك والحاصل مما سبق أقوال.
أحدها: استحباب ثلاثة أيام من الشهر غير معينة .
الثاني: استحباب الثالث عشر وتالييه وهو مذهب الشافعي وأصحابه وابن حبيب من المالكية
وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد.
الثالث: استحباب الثاني عشر وتالييه وهو في الترمذي.
الرابع: استحباب ثلاثة أيام من أوّل الشهر.
الخامس: السبت والأحد والاثنين من أول شهر ثم الثلاثاء والأربعاء والخميس من أوّل الشهر
الذي يليه .
السادس: استحبابها في آخر الشهر.

٥٥٢
كتاب الصوم/ باب ٦١ / حديث ١٩٨٢
السابع: أولها الخميس والاثنين والخميس.
التامن: الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى.
التاسع: أن يصوم من أوّل كل عشرة أيام يومًا .
(وركعتي الضحى) عطف على السابق أي: قال أبو هريرة: وأوصاني خليلي عليه الصلاة
والسلام بصلاة ركعتي الضحى، وزاد أحمد في كل يوم (وأن أوتر) أي وبالوتر (قبل أن أنام) وليست
الوصية بذلك خاصة بأبي هريرة، فقد وردت وصيته عليه الصلاة والسلام بالثلاث أيضًا لأبي ذر كما
عند النسائي، ولأبي الدرداء كما عند مسلم، وقيل في تخصيص الثلاثة بالثلاثة لكونهم فقراء لا مال
لهم فوصاهم بما يليق بهم وهو الصوم والصلاة وهما من أشرف العبادات البدنية.
وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والقول، ورواته الأول بصريون، وأبو عثمان كوفي نزل
البصرة، وقد مضى في باب: صلاة الضحى في السفر.
٦١ - باب مَن زارَ قَومَا فلم يُفطِرْ عندَهم
(باب من زار قومًا) وهو صائم في التطوّع (فلم يفطر عندهم).
١٩٨٢ - حدثنا محمدُ بنُ المُثَنِى قال: حدَّثَني خالدٌ هوَ ابنُ الحارثِ حدَّثَنَا حُمَيذٌ عن أنسٍ
رضيَ اللّهُ عنهُ «دَخْلَ النبيُّ وََّ على أُمْ سُليم، فأتَتْهُ بتمرٍ وسَمنٍ، قال: أعيدوا سَمنَكم في سِقائِهِ
وتمرَكم في وعائهِ فإني صائم. ثم قامَ إلى ناحيةٍ مِنَ البيتِ فَصلَّى غيرَ المكتوبةِ، فَدَعا لِأُمُّ سُلَيم
وأهلِ بَيتِها. فقالت أمُّ سُليم: يا رسولَ اللّهِ إِنَّ لي خُوَيصَّة، قال: ما هيَ؟ قالت: خادمُكَ أنسٌ.
فما ترك خيرَ آخِرةٍ ولا دُنياً إِلاّ دَعا لي به: اللّهمَّ ارزُقْهُ مالاً ووَلدًا، وبارِكْ لهُ. فإِنِي لَمِنْ أكثَرِ
الأنصارِ مالاً. وحدَّثَنْني ابنَتي أُمَينةُ أنهُ دُفِنَ لِصُلْبِي مَقْدَمَ الحَجَاجِ البَصرةَ بِضعٌ وعشرونَ ومائة)).
قال ابنُ أبي مَريمَ أخبرنا يحيى بنُ أَيُّوبَ قال: حدَّثَني حُمَيدٌ سَمِع أنسًا رضيَ اللهُ عنهُ
عنِ النبيِّ بَّر. [الحديث ١٩٨٢ - أطرافه في: ٦٣٣٤، ٦٣٤٤، ٦٣٧٨، ٦٣٨٠].
وبالسند قال: (حدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري الزمن (قال: حدثني) بالإفراد ولأبي
الوقت حدثنا (خالد هو ابن الحرث) بينه لرفع الإيهام لاشتراك من يسمى خالدًا في الرواية عن حميد
الآتي ممن يمكن أن يروي عنه ابن المثنى وخالد هذا هو الهجيمي قال: (حدثنا حميد) الطويل البصري
(عن أنس رضي الله عنه) أنه قال: (دخل النبي ◌َّ على أم سليم)، والدة أنس المذكور واسمها
الغميصاء بالغين المعجمة والصاد المهملة أو الرميصاء بالراء بدل المعجمة وقيل اسمها سهلة. وعند
أحمد من طريق حماد عن ثابت عن أنس أن النبي ◌َّلت دخل على أم حرام وهي خالة أنس لكن في بقية

٥٥٣
كتاب الصوم/ باب ٦١/ حديث ١٩٨٢
الحديث ما يدل على أنهما معًا كانتا مجتمعتين (فأتته) أم سليم (بتمر وسمن) على سبيل الضيافة (قال)
عليه الصلاة والسلام:
(أعيدوا سمنكم في سقائه) بكسر السين ظرف الماء من الجلد وربما جعل فيه السمن والعسل
(و) أعيدوا (تمركم في وعائه فإني صائم) (ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة).
وفي رواية أحمد عن ابن أبي عدي عن حميد فصلى ركعتين وصلينا معه (فدعا لأم سليم وأهل
بيتها، فقالت أم سليم: يا رسول الله إن لي خويصة) بضم الخاء المعجمة وفتح الواو وسكون المثناة
التحتية وتشديد الصاد المهملة تصغير خاصة وهو مما اغتفر فيه التقاء الساكنين أي الذي يختص
بخدمتك (قال) عليه الصلاة والسلام: (ما هي) الخويصة (قالت) هو (خادمك أنس). فادع له دعوة
خاصة وصغرته لصغر سنه، وقولها أنس رفع عطف بيان أو بدل، ولأحمد من رواية ثابت المذكورة
أن لي خويصة خويدمك أنس ادع الله له قال أنس: (فما ترك خير آخرة ولا) خير (دنيا إلا دعا لي
به). قال في الكشاف في قوله تعالى: ﴿إنما صنعوا كيد ساحر﴾ [طه: ٦٩].
فإن قلت: فلم نكر أوّلاً وعرّف ثانيًا؟ قلت: إنما نكر من أجل تنكير المضاف لا من أجل
تنکیره في نفسه کقول العجاج:
يوم ترى النفوس ما أعدّت في سعي دنيا طالما قد مدّت
وفي حديث عمر رضي الله عنه: لا في أمر دنيا ولا في أمر آخرة أراد تنكير الأمر كأنه قيل :
إنما صنعوا كيد سحري وفي سعي دنيوي وأمر دنيوي وأخروي اهـ.
فتنكير الآخرة هنا القصد به تنكير خير المضاف إليهما أي: ما ترك خيرًا من خيور الآخرة ولا
خيرًا من خيور الدنيا إلا دعا لي به، لكن تعقب أبو حيان في البحر الزمخشري بأن قول العجاج في
سعي دنيا محمول على الضرورة إذ دنيا تأنيث الأدنى ولا يستعمل تأنيثه إلا بالألف واللام أو
بالإضافة. قال: وأما قول عمر فيحتمل أن يكون من تحريف الرواة اهـ.
وعند أحمد من رواية عبيدة بن حميد عن حميد فكان من قوله أي النبي وَّر ((اللهم أرزقه مالاً
وولدًا وبارك له)) وزاد أبو ذر وابن عساكر ونسبها الحافظ ابن حجر للكشميهني فيه بالتوحيد باعتبار
المذكور، ولأحمد فيهم بالجمع اعتبارًا بالمعنى (فإني لمن أكثر الأنصار مالاً) نصب على التمييز، وفاء
فإني لتفسير معنى البركة في ماله، واللام في قوله لمن للتأكيد، ولم يذكر الراوي ما دعا له به من خير
الآخرة اختصارًا، ويدل له ما رواه ابن سعد بإسناد صحيح عن الجعد عن أنس قال: اللهم أكثر ماله
وولده وأطل عمره واغفر ذنبه أو أن لفظ بارك إشارة إلى خير الآخرة أو المال والولد الصالحان من
جملة خير الآخرة لأنهما يستلزمانها قاله البرماوي كالكرماني.

٥٥٤
کتاب الصوم/ باب ٦٢/ حديث ١٩٨٣
قال أنس: (وحدثتني ابنتي أمينة) بضم الهمزة وفتح الميم وسكون المثناة التحتية وفتح النون ثم
هاء تأنيث تصغير آمنة (أنه دفن) بضم الدال مبنيًا للمفعول من ولدي (لصلبي) أي غير أسباطه
وأحفاده (مقدم) مصدر وسمي بالنصب على نزع الخافض أي أن الذي مات من أول أولاده إلى مقدم
(حجاج) ولأبي ذر: مقدم الحجاج أي ابن يوسف الثقفي (البصرة) سنة خمس وسبعين وكان عمر
أنس إذ ذاك نيفًا وثمانين سنة (بضع وعشرون ومائة) بكسر الموحدة وقد تفتح ما بين الثلاث إلى
التسع والبصرة نصب بمقدم بمعنى قدوم ويقدر قلبه زمان قدومه البصرة إذ لو جعل مقدم اسم زمان
لم ينصب مفعولاً قاله البرماوي كالكرماني.
ورواة هذا الحدیث کلهم بصریون.
وبه قال (حدثنا) ولأبوي ذر والوقت: قال (ابن أبي مريم) سعيد الجمحي المصري فعلى الأول
يكون موصولاً (أخبرنا يحيى) ولأبوي ذر والوقت: يحيى بن أيوب الغافقي المصري (قال: حدثني)
بالإفراد (حميد) الطويل أنه (سمع أنسَا رضي الله عنه عن النبي (وَ﴿). وفائدة ذكر هذه الطريق بيان
سماع حميد لهذا الحديث من أنس لما اشتهر من أن حميدًا كان ربما دلس على أنس وقد طرح زائدة
حديثه لدخوله في شيء من أمر الخلفاء، وقد اعتنى البخاري في تخريجه لأحاديث حميد بالطرق التي
فيها تصريحه بالسماع بذكرها متابعة وتعليقًا وروى له الباقون.
٦٢ - باب الصوم من آخِرِ الشَّهر
(باب الصوم آخر الشهر) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: من آخر الشهر.
١٩٨٣ - حدثنا الصَّلْتُ بنُ محمدٍ حدَّثَنا مَهْديٍّ عن غَيلانَ، وحدَّثَنا أبو النّعمانِ حدَّثَنا
مَهدُّ بنُ مَيمونٍ حدَّثَنا غَيلانُ بنُ جَرِيرٍ عن مُطَرِّفٍ عن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ رضيَ اللّهُ عنهما عن
النبيِّ أنّهُ سَأَلُهُ - أو سألَ رجُلاً وعمرانُ يَسمعُ ! فقال: يا فُلانُ أما صُمتَ سَرَرَ هذا الشهر؟ قال:
يظنُّهُ قال يَعني رمضانَ، قال الرجل: لا، يا رسولَ اللّهِ. قال: فإِذا أفطَرْتَ فصُمْ يومين، لم يَقُلِ
الصَّلتُ : أظنُّه يعني رمضان)) .
قال أبو عبدِ اللَّهِ: وقال ثابتٌ عن مُطَرِّفٍ عن عِمرانَ عن النبيِّ بََّ: (مِن سَرَرِ شعبانَ)).
(حدثنا الصلت بن محمد) أبو همام الخاركي بخاء معجمة قال (حدثنا مهدي) بفتح الميم
وسكون الهاء وكسر الدال ابن ميمون المعولي الأزدي بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو البصري
(عن غيلان) بالغين المعجمة ابن جرير المعولي الأزدي البصري أيضًا قال المؤلف: (ح).
(وحدثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدثنا مهدي بن ميمون) المعولي قال:
(حدثنا غيلان بن جرير) المعولي (عن مطرف) بضم الميم وكسر الراء مشددة ابن عبد الله بن الخير

٥٥٥
كتاب الصوم/ باب ٦٢/ حديث ١٩٨٣
بكسر الشين والخاء المشددتين المعجمتين آخره راء العامري (عن عمران بن حصين) أسلم عام خيبر
وتوفي سنة اثنتين وخمسين (رضي الله عنهما عن النبي (وَلهو أنه) وَلخر (سأله) أي عمران (أو سأل
رجلاً) شك من مطرف وزاد أبو عوانة في مستخرجه من أصحابه (وعمران يسمع) جملة حالية
(فقال) :
(يا أبا فلان) قال الحافظ ابن حجر كذا في نسخة من رواية أبي ذر بأداة الكنية وللأكثر يا فلان
بإسقاطها ((أما)) بالتخفيف (صمت سرر هذا الشهر) بفتح السين وكسرها وحكى القاضي عياض
ضمها وقال: هو جمع سرة ويقال سرار الشهر وسراره بكسر السين وفتحها ذكره ابن السكيت وغيره
قيل: والفتح أفصح قاله الفراء، واختلف في تفسيره والمشهور أنه آخر الشهر وهو قول الجمهور من
أهل اللغة والغريب والحديث، وسمي بذلك لاستسرار القمر فيها وهي ليلة ثمان وعشرين وتسع
وعشرين وثلاثين يعني استتاره وهذا موافق لما ترجم له هنا.
واستشكل بقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة عند الشيخين السابق: لا تقدموا
رمضان بيوم أو يومين إلا من كان يصوم يومًا فليصمه .
وأجيب: بأن الرجل كان معتادًا لصيام سرر الشهر أو كان قد نذره فلذلك أمره بقضائه كما
سيأتي إن شاء الله تعالى. وقالت طائفة: سرر الشهر أوّله وبه قال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز
فیما حكاه أبو داود.
وأجيب: بأنه لا يصح أن يفسر سرر الشهر وسراره بأوّله لأن أوّل الشهر يشتهر فيه الهلال
ويرى من أوّل الليل ولذلك سمي الشهر شهرًا لاشتهاره وظهوره عند دخوله فتسمية ليالي الاشتهار
ليالي السرار قلب للغة والعرف، وقد أنكر العلماء ما رواه أبو داود عن الأوزاعي منهم الخطابي
وقيل: السرر وسطه وحكاه أبو داود أيضًا ورجحه بعضهم، ووجهه بأن السرر جمع سرة وسرة
الشيء وسطه وأيدوه بما ورد من استحباب صوم أيام البيض. وفي رواية مسلم من حديث
عمران بن حصين المذكور هل صمت من سرة هذا الشهر وفسر بالأيام البيض.
وأجيب: بأن الأظهر أنه الآخر كما قال الأكثر لقوله فإذا أفطرت فصم يومين من سرر هذا
الشهر والمشار إليه شعبان ولو كان السرر أوّله أو وسطه لم يفته.
(قال) أبو النعمان (أظنه قال: يعني رمضان)، لم يقل الصلت ذلك لكن روى الجوزقي من
طريق أحمد بن يوسف السلمي عن أبي النعمان بدون ذلك قال الحافظ ابن حجر: وهو الصواب.
(قال الرجل: لا يا رسول الله) ما صمته (قال) (فإذا أفطرت) أي من رمضان كما في مسلم (فصم
يومين) بعد العيد عوضًا عن سرر شعبان (لم يقل الصلت أظنه يعني رمضان قال أبو عبد الله): أي
البخاري وسقط ذلك في رواية ابن عساكر، (وقال ثابت) فيما وصله مسلم (عن مطرف) المذكور
(عن عمران) بن حصين (عن النبي ◌َّ-): (من سرر شعبان) وليس هو برمضان كما ظنه أبو النعمان

٥٥٦
کتاب الصوم/ باب ٦٣ / حديث ١٩٨٤
ونقل الحميدي عن البخاري أنه قال شعبان أصح، وقال الخطابي ذكر رمضان هنا وهم لأن رمضان
يتعين صوم جميعه .
ورواة الحديث الأول بصريون وأضاف رواية أبي النعمان إلى الصلت لما وقع فيها من تصريح
مهدي بالتحديث عن غيلان، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.
٦٣ - باب صَومِ يوم الجمعةِ، وإِذا أصبحَ صائمًا
يومَ الجمعةِ فعلَيهِ أن يُفطِرَ
(باب صوم يوم الجمعة، فإذا) بالفاء ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: وإذا (أصبح صائمًا يوم
الجمعة فعليه أن يفطر) زاد في رواية أبوي ذر والوقت: يعني إذا لم يصم قبله ولا يريد أن يصوم
بعده. قال الحافظ ابن حجر: وهذه الزيادة تشبه أن تكون من الفربري أو ممن دونه فإنها لم تقع في
رواية النسفي عن البخاري، ويبعد أن يعبر البخاري عما يقوله بلفظ يعني ولو كان ذلك من كلامه
لقال أعني بل كان يستغني عنها أصلاً ورأسًا، واعترضه العيني بأن عدم وقوع الزيادة في رواية
النسفي لا يستلزم وقوعها من غيره وليس قوله يعني ببعيد فكأنه جعل قوله: وإذا أصبح صائمًا فعليه
أن يفطر لغيره بطريق التجريد ثم أوضحه بقوله: يعني فافهم فإنه دقيق اهـ. فليتأمل ما فيه من
التكلف .
١٩٨٤ - حدثنا أبو عاصم عنِ ابنِ جُرَيجِ عن عبد الحميدِ بنِ جُبَيْرِ بنِ شَيبةً عن محمدِ بنِ
عَبّادٍ قال: ((سَألتُ جابرًا رضيَ اللّهُ عنه: أَنهى النبيُّ وَّر عن صوم يوم الجمعةِ؟ قال: نعم)). زاد
غَيرُ أبي عاصم ((يَعني أن يَنفردَ بصَومِهِ».
وبالسند قال: (حدثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز
(عن عبد الحميد بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة مصغرًا ولأبي ذر زيادة ابن شيبة وهو ابن
عثمان بن طلحة الحجبي (عن محمد بن عباد) بفتح العين وتشديد الموحدة المخزومي (قال: سألت
جابرًا) هو ابن عبد الله الأنصاري (رضي الله عنه) زاد مسلم وغيره وهو يطوف بالبيت (نهى)
بحذف همزة الاستفهام ولأبوي ذر والوقت: (أنهى النبي ويل عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم) زاد
مسلم ورب هذا البيت، وللنسائي: ورب الكعبة، وعزاها في العمدة لمسلم فوهم والظاهر أنه نقله
بالمعنى قال البخاري: (زاد غير أبي عاصم) النبيل من الشيوخ وهو فيما جزم به البيهقي يحيى بن
سعيد القطان (أن ينفرد) يوم الجمعة (بصوم) ولأبوي ذر والوقت: يعني أن ينفرد بصومه والحكمة
في كراهة إفراده بالصوم خوف أن يضعف إذا صامه عن الوظائف المطلوبة منه فيه، ومن ثم خصصه
البيهقي والماوردي وابن الصباغ والعمراني نقلاً عن مذهب الشافعي بمن يضعف به عن الوظائف

٥٥٧
کتاب الصوم/ باب ٦٣/ حديث ١٩٨٥
وتزول الكراهة بجمعه مع غيره، لكن التعليل بأن الصوم يضعف عن الوظائف المطلوبة يوم الجمعة
يقتضي أنه لا فرق بين الإفراد والجمع.
وأجاب في شرح المهذب بأنه إذا جمع الجمعة حصل له بفضيلة صوم غيره ما يجبر ما حصل
فيها من النقص، وقيل، الحكمة فيه أنه لا يتشبه باليهود في إفرادهم صوم يوم الاجتماع في
معبدهم .
وهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة في الصوم.
١٩٨٥ - حدثنا عمرُ بنُ حفصٍ بنِ غِياثٍ حدَّثَنا أبي حدَّثَنا الأعمشُ حدَّثَنا أبو صالح عن أبي
هريرةَ رضيَ اللّهُ عنهُ قال: سمعتُ النبيَّ وََّ يقول: ((لا يَصومُ أحدُكم يومَ الجمعة إِلا يومًا قبلَهُ أو
بَعدَە».
وبه قال: (حدثنا عمر بن حفص بن غياث) النخعي الكوفي قال: (حدثنا أبي) حفص بن
غياث بن طلق بن معاوية بن الحرث بن ثعلبة قال: (حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال:
(حدثنا أبو صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي ◌َّ يقول):
(لا يصومن أحدكم يوم الجمعة) ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي: لا يصوم. وقال الحافظ
ابن حجر: للأكثر لا يصوم بلفظ النفي والمراد به النهي وللكشميهني: لا يصومن بلفظ النهي المؤكد
(إلا) أن يصوم (يومًا قبله) وهو يوم الخميس (أو) يصوم يومًا (بعده) وهو السبت.
وفي المستدرك من حديث أبي هريرة مرفوعًا يوم الجمعة عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم
صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده وقال: صحيح الإسناد إلا أن أبا بشر لم أقف له على اسم فقيل
العلة كونه عيدًا كما في الحديث.
وعند ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن عليّ: من كان منكم متطوّعًا من الشهر فليصم يوم
الخميس ولا يصم يوم الجمعة فإنه يوم طعام وشراب.
وذكر لمسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش: لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله
أو يصوم بعده، وله أيضًا من طريق هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة: لا تخصوا ليلة الجمعة
بقيام من بين الليالي ولا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم.
وهذه الأحاديث تفيد النهي المطلق في حديث جابر، والزيادة السابقة من تقييد الإطلاق بالإفراد
ويؤخذ من الاستثناء الوارد في حديث مسلم جوازه لمن اتفق وقوعه في أيام له عادة بصومها كأن
اعتاد صوم يوم وفطر يوم فوافق صومه يوم الجمعة فلا كراهة كما في صوم يوم الشك. واستشكل
زوال الكراهة بتقدم صوم قبله أو بعده بكراهة صوم يوم عرفة فإن كراهة صومه أو كونه على خلاف
الأولى على ما رجحه محققو أصحابنا لا يزول بصوم قبله .

٥٥٨
کتاب الصوم/ باب ٦٣ / حديث ١٩٨٦
وأجيب: بأن في اليوم قبله اشتغالاً بالتروية والإحرام بالحج لمن لم يكن محرمًا ففيه شيء من
معنى يوم عرفة، واختلف في صوم يوم الجمعة على أقوال: كراهته مطلقًا وإباحته مطلقًا من غير
كراهة وهو قول مالك وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن وكراهة إفراده وهو مذهب الشافعية، والرابع أن
النهي مخصوص بمن يتحرى صيامه ويخصه دون غيره فمتى صام مع صومه يومًا غيره فقد خرج عن
النهي، وهذا يردّه قوله عليه الصلاة والسلام لجويرية أصمت أمس الحديث الآتي قريبًا إن شاء الله تعالى،
والخامس: أنه يحرم إلا لمن صام قبله أو بعده أو وافق عادته وهو قول ابن حزم لظواهر الأحاديث
ويكره أيضًا إفراد يوم السبت أو الأحد بالصوم لحديث الترمذي وحسنه والحاكم وصححه على شرط
الشيخين لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ولأن اليهود تعظم يوم السبت والنصارى يوم
الأحد ولا يكره جمع السبت مع الأحد لأن المجموع لم يعظمه أحد.
وهذا الحديث أخرجه مسلم وابن ماجه في الصوم.
١٩٨٦ - حدثنا مُسدَّدٌ حدَّثَنا يحيى عن شُعْبَةَ. ح. وحدثني محمدٌ حدَّثَنَا غُنْذَرُ حدَّثَنَا شعبةٌ
عن قتادةَ عن أبي أيُّوبَ عن جُوَيريةَ بنتِ الحارثِ رضيَ اللّهُ عنها أن النبيَّ وَّ دَخلَ عليها يومَ
الجمعةِ وهيَ صائمةٌ فقال: أصُمتِ أمسٍ؟ قالت: لا. قال: تريدينَ أن تَصومي غدًا؟ قالت: لا.
قال: فأفطِري».
وقال حَمّادُ بنُ الجَعْدِ سَمِعَ قَتادةَ حدَّثني أبو أيوبَ: ((أنَّ جُوَيريةَ حدثَتْهُ فأمرَها فأفطَرَتْ)).
وبه قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن شعبة) بن
الحجاج (ح) مهملة لتحويل السند.
(وحدثني) بالإفراد (محمد) غير منسوب وجزم أبو نعيم في مستخرجه أنه ابن بشار الذي يقال
له بندار قال: (حدثنا غندر) هو محمد بن جعفر قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن
دعامة (عن أبي أيوب) الأنصاري (عن جويرية) تصغير جارية (بنت الحرث) المصطلقية زوج
النبي ◌ّر وليس لها في البخاري من روايتها سوى هذا الحديث (رضي الله عنها أن النبي ◌َّ دخل
عليها يوم الجمعة وهي صائمة) جملة حالية (فقال) لها:
(أصمت أمس)؟ بهمزة الاستفهام وكسر سين أمس على لغة الحجاز أي يوم الخميس (قالت)
جويرية: (لا. قال) عليه الصلاة والسلام (تريدين أن تصومين غدًا)؟ أي يوم السبت، ولأبوي ذر
والوقت وابن عساكر: أن تصومي بإسقاط النون على الأصل (قالت: لا. قال) عليه الصلاة
والسلام: (فأفطري) بقطع الهمزة، وزاد أبو نعيم في روايته إذًا.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي في الصوم.
(وقال حماد بن الجعد) بفتح الجيم وسكون العين المهملة الهذلي البصري ضعيف، وقال أبو

٥٥٩
كتاب الصوم/ باب ٦٤ و ٦٥/ حديث ١٩٨٧ و ١٩٨٨
حاتم ليس بحديثه بأس وليس له في البخاري غير هذا الموضع ووصله البغوي في جمع حديث
هدبة بن خالد أنه (سمع قتادة) يقول (حدثني) بالإِفراد (أبو أيوب أن جويرية حدثته) وقال في آخره
(فأمرها) عليه الصلاة والسلام (فأفطرت).
٦٤ - باب هل يَخُصُ شيئًا منَ الأيام؟
هذا (باب) بالتنوين (هل يخص) الشخص الذي يريد الصيام (شيئًا من الأيام) ولابن عساكر:
هل يخص شيء بضم الياء وفتح الخاء مبنيًا للمفعول وشيء رفع نائب عن الفاعل.
١٩٨٧ - حدثنا مُسدَّدٌ حدَّثَنا يَحيى عن سُفيانَ عن مَنصورٍ عن إِبراهيمَ عن عَلقَمَةَ «قلتُ
لعائشةَ رضيَ اللّهُ عنها: هل كانَ رسولُ اللّهِ بَلهَ يَختصُ منَ الأيام شيئًا؟ قالت: لا، كان عملهُ
دِيمَة، وأيُّكم يُطِيقُ ما كانَ رسولُ اللّهِ وَلَ يُطِيق))؟ [الحديث ١٩٨٧ - طرفه في: ٦٤٦٦].
وبالسند قال: (حدثنا مسدد) قال (حدثنا يحيى) القطان (عن سفيان) الثوري (عن منصور)
هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس النخعي وهو خال إبراهيم المذكور أنه
قال (قلت لعائشة رضي الله عنها، هل كان رسول الله (وَلقول يختص) بتاء بعد الخاء وفي رواية جرير
عن منصور في الرقائق هل يخص (من الأيام شيئًا)؟ بالصوم كالسبت مثلاً (قالت: لا)، ويشكل
عليه صوم الاثنين والخميس الوارد عند أبي داود والترمذي والنسائي وصححه ابن حبان عنها.
وأجيب: بأنه استثناء من عموم قول عائشة: لا .
وأجاب في فتح الباري باحتمال أن يكون المراد بالأيام المسؤول عنها الثلاثة من كل شهر فكان
السائل لما سمع أنه عليه الصلاة والسلام كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر سأل عائشة هل كان
يختصها بالبيض فقالت: لا، (كان عمله ديمة) بكسر الدال وسكون المثناة التحتية أي دائمًا (وأيكم
يطيق ما كان رسول الله وَّيهر يطيق)؟ وفي رواية جرير: وأيكم يستطيع في الموضعين.
ورواة هذا الحديث كلهم كوفيون إلا الأوّلين فبصريان وإسناده مما عدوه من أصح الأسانيد،
وأخرجه المؤلف في الرقاق، ومسلم في الصوم، وأبو داود في الصلاة.
٦٥ - باب ضَومِ يَومٍ عَرَفَةَ
(باب) حكم (صوم يوم عرفة).
١٩٨٨ - حدثنا مُسدَّدٌ حدَّثَنَا يَحيى عن مالكِ قال: حدَّثَني سالمٌ قال: حدَّثني عُمَيرٌ مَولى أُمّ
الفَضلِ أنَّ أمَّ الفضلِ حدَّثَنْهُ. ح. وحدثنا عبدُ اللهِ بنُ يوسُفَ أخبرنا مالكٌ عن أبي النَّضْرِ مَولى
عُمرَ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ عن عُميرٍ مَولى عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ عن أمُ الفضلِ بنتِ الحارثِ ((أنَّ ناسًا تَمارَوا

٥٦٠
کتاب الصوم/ باب ٦٥/ حديث ١٩٨٩
عندَها يومَ عَرَفَةَ في صَومِ النّبِيِّ وَّرَ، فقال بعضُهم: هوَ صائمٌ، وقال بعضُهم: ليسَ بصائم.
فأرسلَتْ إِليه بِقَدَحِ لَبَنٍ وهوَ واقفٌ على بَعيرِهِ فَشَرِبَه)).
وبالسند قال: (حدثنا مسدد) قال (حدثنا يحيى) القطان (عن مالك) الإمام (قال: حدثني)
بالإفراد (سالم) هو أبو النضر (قال: حدثني) بالإفراد أيضًا (عمير) تصغير عمر (مولى أم الفضل) لبابة
أم ابن عباس (أن أم الفضل حدثته. ح)، قال المؤلف:
(وحدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك عن أبي النضر) بالضاد المعجمة سالم
المذكور وهو (مولى عمر بن عبيد اللَّه) بالتصغير (عن عمير مولى عبد الله بن العباس) بالألف
واللام، ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: ابن عباس نسبة أولاً لأم عبد الله أم الفضل باعتبار
الأصل، وثانيًا لولدها عبد الله باعتبار ما آل إليه حاله (عن أم الفضل بنت الحرث) بن حزن الهلالية
أخت ميمونة بنت الحرث أم المؤمنين، (أن ناسًا تماروا) أي اختلفوا (عندها يوم عرفة في صوم
النبي ◌َّ فقال بعضهم هو صائم): على جاري عادته في سرد الصوم في الحضر، (وقال بعضهم:
ليس بصائم) لكونه مسافرًا (فأرسلت) أي أم الفضل، لكن في الحديث التالي أن أختها ميمونة هي
المرسلة ويأتي الجواب عنه إن شاء الله تعالى (إليه) عليه الصلاة والسلام (بقدح لبن وهو واقف) أي
راكب (على بعيره) بعرفات (فشربه) زاد في حديث ميمونة: والناس ينظرون.
وهذا الحديث سبق في باب صوم يوم عرفة من كتاب الحج، ومقتضاه أن صوم يوم عرفة غير
مستحب، لكن في حديث قتادة عند مسلم أنه يكفر سنة آتية وسنة ماضية. قال الإمام: والمكفر
الصغائر والجمع بينه وبين حديثي الباب أن يحمل على غير الحاج، أما الحاج فلا يستحب له صومه
وإن كان قويًا لأنه عليه الصلاة والسلام أفطر حينئذٍ، وتعقب بأن فعله المجرد لا يدل على نفي
الاستحباب إذ قد يترك الشيء المستحب لبيان الجواز ويكون في حقه أفضل لمصلحة التبليغ، لكن
روى أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة والحاكم أن أبا هريرة حدثهم أنه بُّ نهى عن صوم
يوم عرفة بعرفة، وقد أخذ بظاهره قوم منهم: يحيى بن سعيد الأنصاري فقال: يجب فطره للحاج
والجمهور على استحباب فطره حتى، قال عطاء: من أفطر ليتقوّى به على الذكر كان له مثل أجر
الصائم فصومه له خلاف الأولى، بل في نكت التنبيه للنووي أنه مكروه وفي شرح المهذب أنه
يستحب صومه لحاج لم يصل عرفة إلا ليلاً لفقد العلة، وهذا كله في غير المسافر والمريض أما هما
فيستحب لهما فطره مطلقًا كما نص عليه الشافعي في الإملاء.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الحج وكذا أبو داود.
١٩٨٩ - حدثنا يحيى بنُ سليمانَ أخبرَني ابنُ وَهبٍ - أو قُرِىءَ عليه - قال: أخبرَني عمرٌو
عن بُكَيرٍ عن كُرَيبٍ عن مَيمونةَ رضيَ اللّهُ عنها ((أنَّ الناسَ شَكُوا في صيام النبيِّ بَ يومَ عَرَفَةَ،
فأرسَلْتُ إِليه بحِلابٍ وهوَ واقِفٌ في المَوقِف، فشَرِبَ منهُ والناسُ يَنظُرون)).