النص المفهرس
صفحات 461-480
1
٤٦١
كتاب الصوم/ باب ١١/ حديث ١٩١٠
١٩١٠ - حدثنا أبو عاصم عنِ ابنِ جُرَيجٍ عن يحيى بنِ عبدِ اللهِ بنِ صَيفيّ عن عكرمةَ بنِ
عبدِ الرَّحمنِ عن أمُّ سَلمةَ رضيَ اللّهُ عنها: ((أَنَّ النبيَّ ◌ََّ آلى من نسائِهِ شَهرًا، فلما مَضى تِسعةٌ
وعشرونَ يَومًا غَدا - أو راح - فقيلَ لهُ: إِنكَ حَلفتَ أن لا تَدخُلَ شهرًا فقال: إِنَّ الشهرَ يكونُ تسعةً
وعشرينَ يَومًا)). [الحديث ١٩١٠ - طرفه في: ٥٢٠٢].
وبه قال: (حدثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل (عن ابن جريج) عبد الملك بن
عبد العزيز (عن يحيى بن عبد الله بن صيفي) بصاد مهملة مفتوحة فتحتية ساكنة وفاء اسم بلفظ
النسبة (عن عكرمة بن عبد الرحمن) بن الحرث المخزومي (عن أم سلمة) أم المؤمنين
(رضي الله عنها):
(أن النبي وَّر آلى من نسائه) بمد الهمزة من آلى أي حلف لا يدخل عليهن (شهرًا)، وفي
مسلم من حديث عائشة: أقسم أن لا يدخل على أزواجه شهرًا ففيه التصريح بأن حلفه عليه الصلاة
والسلام كان على الامتناع من الدخول عليهن شهرًا فتبين أن المراد بقوله هنا آلى: حلف لا يدخل ولم
يرد الحلف على الوطء والروايات يفسر بعضها بعضًا فإن الإيلاء في اللغة مطلق الحلف ويستعمل في
عرف الفقهاء في حلف مخصوص وهو الحلف على الامتناع من وطء زوجته مطلقًا أو مدة تزيد على
أربعة أشهر، وتعديته بمن في قوله: من نسائه تدل على ذلك لأنه راعى المعنى وهو الامتناع من
الدخول وهو یتعدی بمن.
(فلما مضى تسعة وعشرون يومًا) وفي حديث عائشة عند مسلم: فلما مضت تسع وعشرون
ليلة دخل علي واستشكل لأن مقتضاه أنه دخل في اليوم التاسع والعشرين فلم يكن ثم شهر لا على
الكمال ولا النقصان.
وأجيب بأن المراد تسع وعشرون ليلة بأيامها فإن العرب تؤرخ بالليالي وتكون الأيام تابعة لها،
ويدل له حديث أم سلمة هذا فلما مضى تسعة وعشرون يومًا (غداً). بالغين المعجمة ذهب أول
النهار (أو راح) ذهب آخره والشك من الراوي (فقيل له): وفي مسلم من حديث عائشة بدأ بي
فقلت يا رسول الله (إنك حلفت أن لا تدخل) علينا (شهرًا فقال) عليه الصلاة والسلام: (إن الشهر
يكون تسعة وعشرين يومًا) ولأبي ذر: وعشرون بالرفع. وهذا محمول عند الفقهاء على أنه عليه
الصلاة والسلام والسلام أقسم على ترك الدخول على أزواجه شهرًا بعينه بالهلال وجاء ذلك الشهر
ناقصًا فلو تم ذلك الشهر ولم ير الهلال فيه ليلة الثلاثين لمكث ثلاثين يومًا أما لو حلف على ترك
الدخول عليهن شهرًا مطلقًا لم يبر إلا بشهر تام بالعدد.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في النكاح ومسلم في الصوم والنسائي في عشرة النساء وابن ماجة
في الطلاق.
٤٦٢
كتاب الصوم/ باب ١٢/ حديث ١٩١١
١٩١١ - حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ اللّهِ حدَّثَنا سُليمانُ بنُ بلالٍ عن حُمَيدٍ عن أنسٍِ
رضيَ اللّهُ عنهُ قال: ((آلى رسولُ اللّهِ وَلَّ مِن نِسائِهِ، وكانتِ انفكَّتْ رِجلُه، فأقامَ في مَشرُبةٍ تِسعَ
وعشرين ليلةً ثم نَزَلَ، فقالوا: يا رسولَ اللّهِ آلَيتَ شهرًا، فقال: إنَّ الشهرَ يكونُ تِسعًا وعِشرين)).
وبه قال: (حدثنا عبد العزيز بن عبد اللَّه) الأويسي القرشي المدني قال: (حدثنا سليمان بن
بلال) التيمي المدني (عن حميد) الطويل (عن أنس رضي الله عنه قال):
(آلى رسول الله وَّر من نسائه)، بمد الهمزة وفتح اللام أي حلف لا يدخل عليهن شهر
(وكانت) بالواو وفي نسخة: فكانت ((انفكت رجله، فأقام في مشربة)) بفتح الميم وسكون الشيز
المعجمة وضم الراء وفتحها بالموحدة غرفة (تسعًا وعشرين ليلة) وفي نسخة بالفرع كأصله لم يعزهـ
تسعة وعشرين (ثم نزل) من المشربة ودخل على عائشة (فقالوا): وعند مسلم: قالت عائشة: فقلت:
(يا رسول الله) إنك (آليت) حلفت أن لا تدخل (شهرًا، فقال) عليه الصلاة والسلام (إن الشهر
يكون تسعًا وعشرين) يومًا وللكشميهني والحموي والمستملي وابن عساكر: تسعة وعشرين.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الإيمان والنذور والنكاح.
١٢ - باب شَهْرا عيدٍ لا يَنقُصان
قال أبو عبدِ اللَّهِ قال إسحقُ: وإن كان ناقصًا فهوَ تامٌّ. وقال محمد: لا يَجتمِعانِ كلاهم
ناقص .
هذا (باب) بالتنوين (شهرا عيد) رمضان وذو الحجة (لا ينقصان).
(قال أبو عبد اللَّه) البخاري (إسحق): هو ابن راهويه أو ابن سويد بن هبيرة العدوي (وإن
كان) كل واحد من شهري العيد (ناقصًا) في العدد والحساب (فهو تام). في الأجر والثواب. (وقال
محمد) هو ابن سيرين أو المؤلف نفسه (لا يجتمعان كلاهما ناقص) كلاهما مبتدأ وناقص خبره والجملة
حال من ضمير الاثنين. قال أحمد بن حنبل: إن نقص رمضان تم ذو الحجة وإن نقص ذو الحجة تم
رمضان، وذكر قاسم في الدلائل أنه سمع البزار يقول: لا ينقصان جميعًا في سنة واحدة قال: ويدل
له رواية زيد بن عقبة عن سمرة بن جندب مرفوعًا: شهرا عيد لا يكونان ثمانية وخمسين يومًا .
وقال آخرون: يعني لا يكاد يتفق نقصانهما جميعًا في سنة واحدة غالبًا وإلا فلو حمل الكلام على
عمومه اختل ضرورة أن اجتماعهما ناقصين في سنة واحدة قد وجد، بل قال الطحاوي قد وجدناهما
ينقصان معًا في أعوام وهذا الوجه أعدل مما قبله ولا يجوز حمله على ظاهره ويكفي في ردّه قوله عليه
الصلاة والسلام ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة)) فإنه لو كان رمضان
٤٦٣
كتاب الصوم/ باب ١٢/ حديث ١٩١٢
أبدًا ثلاثين لم يحتج إلى هذا، وقيل لا ينقصان في ثواب العمل فيهما كما سيأتي إن شاء الله تعالى
وسقط من قوله قال أبو عبد اللَّه إلى آخره قوله ناقص من رواية أبي ذر وابن عساكر.
١٩١٢ - حدّثنا مسدَّدٌ حدَّثَنَا مُعتمِرٌ قال: سمعت إِسحقَ عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بكرة عن
أبيهِ عنِ النبيِّ ◌َّه. ح وحدَّثني مسدَّدٌ حدَّثنا مُعتمِرٌ عن خالدِ الحَذّاءِ قال: أخبرني عبدُ الرحمن بنُ
أبي بكرةَ عن أبيهِ رضيَ اللّهُ عنهُ عنِ النبيِّ بََّه قال: ((شهرانِ لا يَنقُصانِ، شهرا عيدٍ: رَمضانُ وذو
الحجّة)).
وبالسند قال (حدثنا مسدد) بالمهملة ابن مسرهد قال: (حدثنا معتمر) هو ابن سليمان البصري
(قال: سمعت إسحق يعني ابن سويد) وسقط لفظ يعني لأبي الوقت والجملة لأبي ذر وابن عساكر
وإسحق هذا هو العدوي (عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه) أبي بكرة نفيع (عن النبي ◌َّ).
ولم يسق المؤلف متن هذا الإسناد وهو عند أبي نعيم في مستخرجه من طريق أبي خليفة وأبي مسلم
الكجي جميعًا عن مسدد بهذا الإسناد بلفظ لا ينقص رمضان ولا ينقص ذو الحجة قال المؤلف: (ح).
(وحدثني) بالإفراد (مسدد قال: حدثنا معتمر عن خالد الحذاء قال: أخبرني) بالإفراد ولأبوي
ذر والوقت وابن عساكر: حدثني بالإفراد أيضًا (عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه رضي الله عنه
عن النبي ◌َّ﴾ قال):
(شهران لا ينقصان)، مبتدأ وخبر. قال الزين بن المنير: المراد أن النقص الحسي باعتبار العدد
ينجبر بأن كلا منهما شهر عيد عظيم فلا ينبغي وصفهما بالنقصان بخلاف غيرهما من الشهور. وقال
البيهقي في المعرفة: إنما خصهما بالذكر لتعلق حكم الصوم والحج بهما، وبه جزم النووي وقال إنه
الصواب المعتمد وأن كل ما ورد عنهما من الفضائل والأحكام حاصل سواء كان رمضان ثلاثين أو
تسعًا وعشرين سواء صادف الوقوف اليوم التاسع أو غيره. ولا يخفى أن محل ذلك ما إذا لم يحصل
تقصير في ابتغاء الهلال. وفائدة الحديث رفع ما يقع في القلوب من شك لمن صام تسعًا وعشرين أو
وقف في غير يوم عرفة. وقال الطيبي: ظاهر سياق الحديث في بيان اختصاص الشهرين بمزية
ليست في سائرها وليس المراد أن ثواب الطاعة في سائرها قد ينقص دونهما، وإنما المراد رفع الحرج
عما عسى أن يقع فيه خطأ في الحكم لاختصاصهما بالعيدين وجواز احتمال وقوع الخطأ فيهما ومن
ثم لم يقتصر على قوله رمضان وذو الحجة بل قال:
(شهرا عيد) خبر مبتدأ محذوف أي هما شهرا عيد أو رفع على البدلية أحدهما ((رمضان)) بغير
صرف للعلمية والألف والنون (و) الآخر (ذو الحجة) وهذا لفظ متن السند الثاني وهو موافق للفظ
الترجمة وأطلق على رمضان أنه شهر عيد لقربه من العيد أو لكون هلال العيد ربما(رئي في اليوم
الأخير من رمضان قاله الأثرم والأول أولى ونظيره قوله وَلير: ((المغرب وتر النهار)) أخرجه الترمذي
٤٦٤
كتاب الصوم/ باب ١٣/ حديث ١٩١٣
من حديث ابن عمر وصلاة المغرب ليلية جهرية وأطلق كونها وتر النهار لقربها منه وفيه إشارة إلى أن
وقتها يقع أوّل ما تغرب الشمس. واستشكل ذكر الحجة لأنه إنما يقع الحج في العشر الأول منه فلا
دخل لنقصان الشهر وتمامه.
وأجيب: بأنه مؤول بأن الزيادة والنقص إذا وقعا في القعدة يلزم منهما نقص عشر ذي الحجة
الأول أو زيادته فيقفون الثامن أو العاشر فلا ينقص أجر وقوفهم عما لا غلط فيه قاله الكرماني، لكن
قال البرماوي: وقوف الثامن غلطًا لا يعتبر على الأصح.
١٣ - باب قولِ النبيِّ وَالَ: ((لا نَكتُبُ ولا نَحسُب))
(باب قول النبي ◌ّلير لا نكتب ولا نحسب) بالنون فيهما.
١٩١٣ - حدثنا آدمُ حدَّثَنَا شُعبةُ حدَّثَنَا الأسودُ بنُ قيسٍ حدَّثَنا سعيدُ بنُ عمرٍو أنه سَمِعَ ابنَ
عمرَ رضيَ اللّهُ عنهما عنِ النبيِّ وَرَ أَنْهُ قال: ((إِنَّا أُمَّةٌ أُمّيةٌ لا نَكتُبُ ولا نَحسُبُ، الشهرُ هكذا
هكذا. يَعني مرَّةً تسعةً وعشرينَ ومرَّةً ثلاثين)).
وبالسند قال: (حدثنا آدم) بن أبي إياس قال (حدثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدثنا
الأسود بن قيس) الكوفي التابعي الصغير قال: (حدثنا سعيد بن عمرو) بفتح العين ابن سعيد بن
العاصي المدني سكن دمشق ثم الكوفة (أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي بَلقر أنه قال):
(إنا) أي العرب أو نفسه المقدسة (أمة) جماعة قريش (أمية) بلفظ النسبة إلى الأم أي باقون على
الحالة التي ولدتنا عليها الأمهات (لا نكتب) بيان لكونهم كذلك أو المراد النسبة إلى أمة العرب لأنهم
ليسوا أهل كتاب والكاتب منهم نادر (ولا نحسب)، بضم السين لا نعرف حساب النجوم وتسييرها
فلم نكلف في تعريف مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة إنما
ربطت عبادتنا بأعلام واضحة وأمور ظاهرة لائحة يستوي في معرفتها الحساب وغيرهم، ثم تمم عليه
الصلاة والسلام هذا المعنى بإشارته بيده من غير لفظ إشارة يفهمها الأخرس والأعجمي (الشهر هكذا
وهكذا). قال الراوي (يعني) عليه الصلاة والسلام (مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين) ..
قال في الفتح هكذا ذكره آدم شيخ المؤلف مختصرًا ورواه غندر عن شعبة تامًا أخرجه مسلم
عن ابن المثنى وغيره عنه بلفظ الشهر هكذا وهكذا وعقد الإبهام في الثالثة والشهر هكذا وهكذا
وهكذا يعني تمام ثلاثين أي أشار أولاً بأصابع يديه العشر جميعًا مرتين وقبض الإبهام في المرة الثالثة،
وهذا هو المعبر عنه بقوله: تسع وعشرون وأشار بهما مرة أخرى ثلاث مرات وهو المعبر عنه بقوله
ثلاثون .
وحديث الباب أخرجه مسلم في الصوم وكذا أبو داود والنسائي.
٤٦٥
کتاب الصوم/ باب ١٤/ حديث ١٩١٤
١٤ - باب لا يُتَقدَّمُ رَمضانُ بصومٍ يَومٍ ولا يومين
هذا (باب) بالتنوين وبغيره (لا يتقدّمن) بنون التوكيد الثقيلة ويجوز تخفيفها ولأبي ذر وابن
عساكر: لا يتقدم أي المكلف (رمضان) وقال الحافظ ابن حجر: لا يتقدم بضم أوّله وفتح ثانيه يعني
مبنيًا للمفعول رمضان رفع نائب عن الفاعل ثم قال: ويجوز فتحهما أي أوّل يتقدم وثانيه ولم يعزه
لأحد (بصوم يوم ولا) ولابن عساكر: أو (يومين) بعدّ منه بقصد الاحتياط له فإن صومه مرتبط
بالرؤية فلا حاجة إلى التكلف.
١٩١٤ - حدثنا مُسلمُ بنُ إبراهيمَ حدَّثَنا هِشامٌ حدَّثَنا يحيى بن أبي كثيرٍ عن أبي سَلمةَ عن
أبي هُريرةَ رضيَ اللّهُ عنهُ عن النبيِّ وَّ قال: ((لا يَتقدَّمنَّ أحدُكم رمضانَ بصوم يومٍ أو يومَينٍ إلّ
أن يكونَ رجُلٌ كان يصومُ صومَهُ فَلْيَصُمْ ذُلك اليومَ)».
وبالسند قال (حدثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي البصري قال: (حدثنا هشام) الدستوائي
قال: (حدثنا يحيى بن أبي كثير) اليمامي أحد الثقات الأثبات إلا أنه كان كثير الإرسال والتدليس
رأى أنسًا ولم يسمع منه واحتج به الأئمة (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني
(عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَلّ ر أنه قال):
(لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين) أي بنية الرمضانية احتياطًا ولكراهة التقدم
معان .
أحدها: خوفًا من أن يزاد في رمضان ما ليس منه كما نهي عن صيام يوم العيد لذلك حذرا مما
وقع فيه أهل الكتاب في صيامهم فزادوا فيه بآرائهم وأهوائهم وخرّج الطبراني عن عائشة أن ناسًا
كانوا يتقدمون الشهر فيصومون قبل النبي وَلّ فأنزل الله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي
الله ورسوله﴾ [الحجرات: ١] ولهذا نهي عن صوم يوم الشكل.
والمعنى الثاني: الفصل بين صيام الفرض والنفل فإن جنس الفصل بين الفرائض والنوافل
مشروع، ولذا حرم صيام يوم العيد ونهى رسول الله وَالر أن توصل صلاة مفروضة بصلاة حتى
يفصل بينهما بسلام أو كلام خصوصًا سنة الفجر، وفي المسند أنه وَّر فعله وهذا فيه نظر لأنه يجوز
لمن له عادة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
والمعنى الثالث: أنه للتقوّي على صيام رمضان فإن مواصلة الصيام تضعف عن صيام الفرض،
فإذا حصل الفطر قبله بيوم أو يومين كان أقرب إلى التقوى على صيام رمضان وفيه نظر لأن معنى
الحديث أنه لو تقدمه بصيام ثلاثة أيام فصاعدًا جاز.
المعنى الرابع: أن الحكم علق بالرؤية فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك
الحكم (إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه) المعتاد من ورد كأن اعتاد صوم الدهر أو صوم يوم
إرشاد الساري/ ج ٤/ م ٣٠
٤٦٦
كتاب الصوم/ باب ١٥/ حديث ١٩١٥
وفطر يوم أو يوم معين كالاثنين فصادفه أو نذر أو قضاء، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: يصوم
صومًا (فليصم ذلك اليوم) فإنه مأذون له فيه ويجب عليه النذر وما بعده فهو مستثنى بالأدلة القطعية
ولا يبطل القطعي بالظني، ومفهوم الحديث الجواز إذا كان التقدم بأكثر من يومين، وقيل يمتد المنع
لما قبل ذلك وبه قطع كثير من الشافعية. وأجابوا عن الحديث بأن المراد منه التقدم بالصوم فحيث
وجد منع، وإنما اقتصر على يوم أو يومين لأنه الغالب ممن يقصد ذلك، وقالوا أمد المنع من أوّل
السادس من شعبان لحديث إذا انتصف شعبان فلا تصوموا رواه أبو داود وغيره وظاهره أنه يحرم
الصوم إذا انتصف وإن وصله بما قبله وليس مرادًا حفظًا لأصل مطلوبية الصوم، وقد قال النووي
في المجموع: إذا انتصف شعبان حرم الصوم بلا سبب إن لم يصله بما قبله على الصحيح.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصوم وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
١٥ - باب قولِ اللّهِ جلَّ ذِكرُه:
﴿أُحِلَّ لكم ليلةَ الصيامِ الرَّفَتُ إلى نسائكم هُنَّ لِباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهنَّ عَلِمَ اللّهُ أنَّكم
كنتم تَختانونَ أنْفُسَكم فتابَ عليكم وعَفا عنكم فالآنَ باشِروهنَّ وابتغوا ما كَتبَ اللَّهُ لكم﴾
[البقرة: ١٨٧].
(باب قول الله جلّ ذكره) (﴿أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾) كناية عن الجماع
وعدّى بآلى لتضمنه معنى الإفضاء ثم بين سبب الإحلال فقال: (﴿هنّ لباس لكم وأنتم لباس
لهن﴾) لأن الرجل والمرأة يتضاجعان ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه شبه باللباس أو لأن
كلاً منهما يستر حال صاحبه ويمنعه عن الفجور ((علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾)
تجامعون النساء وتأكلون وتشربون في الوقت الذي كان حرامًا عليكم (﴿فتاب عليكم﴾) لما تبتم
مما اقترفتموه (﴿وعفا عنكم))، ومحا عنكم أثره (﴿فالآن باشروهن﴾) أي جامعوهن فقد نسخ
عنكم التحريم (﴿وابتغوا ما كتب الله لكم﴾) [البقرة: ١٨٧] واطلبوا ما قدّره لكم وأثبته ففي
اللوح المحفوظ من الولد والمعنى أن المباشر ينبغي أن يكون غرضه الولد فإنه الحكمة في خلق
الشهوة وشرع النكاح ولفظ رواية أبي ذر (﴿أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾) إلى قوله
(﴿ما كتب الله لكم﴾).
١٩١٥ - حدثنا عُبيدُ اللَّهِ بنُ موسى عن إسرائيلَ عن أبي إسحق عنِ البَراءِ رضيَ اللهُ عنهُ
قال: ((كان أصحابُ محمدٍ بَّهَ إذا كان الرجُلُ صائمًا فحضَرَ الإِفطارُ فنامَ قبلَ أن يُفطِرَ لم يأكلْ
ليلتَهُ ولا يَومَهُ حتّى يُمسِي. وإِنَّ قَيسَ بنَ صِرْمةَ الأنصاريِّ كان صائمًا، فلما حضر الإفطارُ أتى
امرأتَهُ فقال لها: أعِندَكِ طعامٌ؟ قالت: لا، ولكنْ أنطَلِقُ فأطلُبُ لك، وكان يومَهُ يَعملُ، فغلَبَتْهُ
عيناهُ، فجاءَتْهُ امرأتهُ، فلما رأَتْهُ قالت خَيبةٌ لك، فلما انتصَفَ النهارُ غُشيَ عليه، فذُكِرَ ذُلكَ للنبيِّ
٤٦٧
کتاب الصوم/ باب ١٥/ حديث ١٩١٥
هذِهِ الآيةُ: ﴿أَحِلَّ لكم ليلةَ الصيامِ الرَّفَتُ إلى نسائكم﴾ ففرحوا فرحًا شديدًا، ونزلتْ: ﴿وَكُلُوا
واشرَبوا حتَى يَتبيَّنَ لكُم الخَيطُ الأبيضُ منَ الخيطِ الأسودِ﴾. [الحديث ١٩١٥ - طرفه في:
٤٥٠٨].
وبالسند قال (حدثنا عبيد اللَّه بن موسى) بضم العين مصغرًا العبسي الكوفي (عن
إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي (عن) جده (أبي إسحق) عمرو بن عبد الله (عن
البراء) بن عازب (رضي الله عنه قال: كان أصحاب محمد وَّ) في أول ما افترض الصيام (إذا كان
الرجل صائمًا فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي). وفي رواية زهير
عند النسائي كان إذا نام قبل أن يتعشى لم يحل له أن يأكل شيئًا ولا يشرب ليلته ويومه حتى تغرب
الشمس، ولأبي الشيخ من طريق زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحق: كان المسلمون إذا أفطروا
يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا فإذا ناموا لم يفعلوا شيئًا من ذلك إلى مثلها، وقد بين
السدي أن هذا الحكم كان على وفق ما كتب على أهل الكتاب كما أخرجه ابن جرير من طريق
السدي بلفظ: كتب على النصارى الصيام وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا بعد
النوم وكتب على المسلمين أولاً مثل ذلك. (وإن قيس بن صرمة) بكسر الصاد المهملة وسكون الراء
(الأنصاري) قال في الإصابة: وقع عند أبي داود من هذا الوجه صرمة بن قيس، وفي رواية النسائي
أبو قيس بن عمرو فإن حل هذا الاختلاف على تعدد أسماء من وقع له ذلك وإلا فيمكن الجمع برد
جميع الروايات إلى واحد، فإنه قيل فيه صرمة بن قيس وصرمة بن مالك وصرمة بن أنس
وصرمة بن أبي أنس، وقيل فيه قيس بن صرمة وأبو قيس بن صرمة وأبو قيس بن عمرو فيمكن أن
يقال: إن كان اسمه صرمة بن قيس فمن قال فيه قيس بن صرمة قلبه وإنما اسمه صرمة وكنيته أبو
قيس أو العكس، وأما أبوه فاسمه قيس أو صرمة على ما تقرر من القلب وكنيته أبو أنس، ومن قال
فيه أنس حذف أداة الكنية ومن قال فيه ابن مالك نسبه إلى جدّ له والعلم عند الله تعالى (كان صائمًا،
فلما حضر الإفطار أتى امرأته) لم تسم (فقال لها: أعندك طعام)، بهمزة الاستفهام وكسر الكاف
(قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك)، وظاهره أنه لم يجىء معه بشيء، لكن في مرسل السدي أنه
أتاها بتمر فقال استبدلي به طحينًا واجعليه سخينًا فإن التمر أحرق جوفي. وفي مرسل ابن أبي ليلى
فقال لأهله: أطعموني فقالت حتى أجعل لك شيئًا سخينًا.
ووصله أبو داود من طريق ابن أبي داود (وكان يومه) بالنصب (بعمل). أي في أرضه كما
صرح به أبو داود في روايته (فغلبته عيناه)، فنام (فجاءته امرأته) ولأبي ذر عن الكشميهني: عينه
فجاءت امرأته بالإفراد وحذف الضمير من فجاءته (فلما رأته) نائمًا (قالت خيبة لك)، حرمانّ
منصوب على أنه مفعول مطلق حذف عامله وجوبًا قال بعض النحاة: إذا كان بدون لام وجب نصبه
أو معها جاز النصب وفي مرسل السدي فأيقظته فكره أن يعصي الله وأبى أن يأكل وزاد في رواية
أحمد هنا فأصبح صائمًا (فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي (وَلّ) بضم الذال وكسر
٤٦٨
كتاب الصوم/ باب ١٦
الكاف مبنيًا للمفعول، وزاد الإمام أحمد وأبو داود والحاكم من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن
معاذ بن جبل، وكان عمر أصاب النساء بعدما نام، ولابن جرير وابن أبي حاتم من طريق
عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم
عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد فرجع عمر من عند النبي ◌َّ وقد سمر عنده
فأراد امرأته فقالت: إني قد نمت. فقال: ما نمت ووقع عليها وصنع كعب بن مالك مثل ذلك
(فنزلت هذه الآية) ﴿أحل لكم ليلة الصيام﴾) التي تصبحون منها صائمين (﴿الرفث إلى نسائكم))
[البقرة: ١٨٧] (ففرحوا فرحًا شديدًا ونزلت) ولابن عساكر: فنزلت بالفاء بدل الواو (﴿وكلوا
واشربوا﴾) جميع الليل (﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض﴾) بياض الصبح (﴿من الخيط الأسود﴾)
[البقرة: ١٨٧] من سواد الليل قال الكرماني لما صار الرفث وهو الجماع هنا حلالاً بعد أن كان
حرامًا كان الأكل والشرب بطريق الأولى فلذلك فرحوا بنزولها وفهموا منها الرخصة. هذا وجه
مطابقة ذلك لقصة أبي قيس ثم لما كان حلهما بطريق المفهوم نزل بعد ذلك قوله تعالى: ﴿وكلوا
واشربوا﴾ ليعلم بالمنطوق تسهيل الأمر عليهم تصريّحًا أو المراد نزول الآية بتمامها.
قال في فتح الباري: وهذا هو المعتمد وبه جزم السهيلي وقال: إن الآية نزلت في الأمرين معًا
فقدم ما يتعلق بعمر رضي الله عنه لفضله اهـ.
ووقع في رواية أبي داود فنزلت ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث﴾ إلى قوله: ﴿من الفجر﴾ فهذا
يبين أن محل قوله ففرحوا بها بعد قوله: ﴿الخيط الأسود) وقد وقع ذلك صريحًا في رواية زكريا بن
أبي زائدة ولفظه فنزلت: ﴿أحل لكم﴾ إلى قوله: ﴿من الفجر﴾ ففرح المسلمون بذلك.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في الصوم والترمذي في التفسير.
١٦ - باب قول الله تعالى: ﴿وَكُلوا واشرَبوا حتى يَتبيَّنَ لكُم الخيطُ الأبيضُ
من الخيطِ الأسودِ منَ الفجرِ ثمَّ أَمُوا الصِّيامَ إلى الليل﴾
فيه عنِ البَراءِ عنِ النبيِّ وَّه
(باب قول الله تعالى) مخاطبًا للمسلمين (﴿وكلوا واشربوا﴾) بعد أن كنتم ممنوعين منهما بعد
النوم في رمضان (﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾)، بيان للخيط
الأبيض (﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾) [البقرة ١٨٧] فإنه آخر وقته. وحتى للغاية واستشكل بأنه
يلزم منه أن يؤكل جزء من النهار.
وأجيب: بأن الغاية غايتان غاية مدّ وهي التي لو لم تذكر لم يدخل ما بعدها حال ذكرها في
حكم ما قبلها، وغاية إسقاط وهي التي لم تذكر لكان ما بعدها داخلاً في حكم ما قبلها فالأول
﴿أتموا الصيام إلى الليل﴾ والثاني ﴿إلى المرافق﴾ أي: واتركوا ما بعد المرافق ويأتي مثل هذا في
٤٦٩
كتاب الصوم/ باب ١٦/ حديث ١٩١٦ و ١٩١٧
قوله ﴿ ((حتى يؤذن ابن أم مكتوم)) ولفظ رواية ابن عساكر: وكلوا واشربوا إلى قوله: ﴿ثم أتموا
الصيام إلى الليل﴾ (فيه) أي في الباب حديث رواه (البراء) في الباب السابق موصولاً ولابن عساكر
عن البراء (عن النبي ◌َّ-).
١٩١٦ - حدثنا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ حدَّثَنا هُشَيمْ قال: أخبرَني حُصَينُ بنُ عبدِ الرحمنِ عنِ
الشَّعبيِّ عن عَدِيٍّ بنِ حاتم رضيَ اللّهُ عنهُ قال: ((لمّا نزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَتَبيَّنَ لكُم الخيطُ الأبيضُ منَ
الخيطِ الأسودِ﴾ عَمَدْتُ إلَى عِقالٍ أسودَ وإلى ◌ِقالٍ أبيضَ فجعلتُهما تحتَ وسادَتي، فجعلتُ أنظُرُ
في الليلِ فلا يَستَبِينُ لي. فَغَدَوتُ على رسولِ اللّهِ وَّهِ فِذَكرتُ لهُ ذُلكَ فقال: إنما ذُلكَ سَوادُ الليلِ
وبياضُ النهار)). [الحديث ١٩١٦ - طرفاه في: ٤٥٠٩، ٤٥١٠].
وبالسند قال: (حدثنا حجاج بن منهال) السلمي الأنماطي، ولابن عساكر: الحجاج بن منهال
قال: (حدثنا هشيم) بضم الهاء وفتح المعجمة ابن بشير بضم الموحدة وفتح المعجمة مصغرين السلمي
(قال: أخبرني) بالإفراد (حصين بن عبد الرحمن) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين السلمي أيضًا (عن
الشعبى) بفتح المعجمة وسكون المهملة عامر بن شراحيل (عن عدي بن حاتم) الصحابي
(رضي الله عنه قال: لما نزلت) ((حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾) ثم قدمت
فأسلمت وتعلمت الشرائع، ولأحمد من طريق مجالد: علمني رسول الله وَّ الصلاة والصيام وقال:
صل كذا وصم كذا فإذا غابت الشمس فكل حتى ﴿يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾
(عمدت) بفتح الميم (إلى عقال) بكسر العين حبل (أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي،
فجعلت أنظر) إليهما (في الليل فلا يستبين لي) فلا يظهر لي، وفي رواية مجالد: فلا أستبين الأبيض
من الأسود (فغدوت على رسول الله وَل# فذكرت له ذلك) ولغير أبي الوقت فذكرت ذلك له (فقال)
عليه الصلاة والسلام :
(إنما ذلك) المذكور في قوله حتى ﴿يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ (سواد الليل
وبياض النهار) وفي التفسير قلت: يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود أهما الخيطان؟
قال: إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين. ثم قال: لا بل هما سواد الليل وبياض النهار.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في التفسير ومسلم في الصوم وكذا أبو داود والترمذي وقال:
حسن صحيح.
١٩١٧ - حدثنا سَعيدُ بنُ أبي مَريمَ حدَّثَنَا ابنُ أبي حازِمٍ عن أبيهِ عن سَهلِ بنِ سعد ح.
حدثني سَعِيدُ بنُ أبي مَريمَ حدثنا أبو غَسّانَ محمدُ بنُ مُطَرِّفٍ قال: حدَّثَني أبو حازِمٍ عن
سَهلِ بنِ سعدٍ قال: ((أُنزِلَتْ: ﴿وَكُلُوا واشرَبوا حتّى يَتبِيِّنَ لكُم الخيطُ الأبيضُ منَ الخيطِ الأسودِ﴾
ولم يَنْزِل ﴿مِنَ الفَجرِ﴾ فكان رجالٌ إِذا أرادُوا الصومَ ربَطَ أحدُهم في رِجلهِ الخيطَ الأبيضَ والخيطَ
٤٧٠
کتاب الصوم/ باب ١٦/ حديث ١٩١٧
الأسودَ، ولم يَزَلْ يأكلُ حتّى يَتبيَّنَ لهُ رُؤْيَتُهما، فأنزَلَ اللّهُ بعدُ: ﴿مِنَ الفجرِ﴾ فعَلموا أنهُ إِنَّما يَعني
الليلَ والنَّهارَ)). [الحديث ١٩١٧ - طرفه في: ٤٥١١].
وبه قال: (حدثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي
قال: (حدثنا ابن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي عبد العزيز (عن أبيه) أبي حازم سلمة بن دينار
(عن سهل بن سعد) بسكون الهاء والعين الساعدي (ح) لتحويل السند.
(وحدثني) بالإفراد (سعيد بن أبي مريم) قال (حدثنا أبو غسان) بالغين المعجمة والمهملة المشددة
(محمد بن مطرّف) ولفظ المتن له (قال: حدثني) بالإفراد (أبو حازم) سلمة (عن سهل بن سعد قال:
أنزلت) (﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾) (ولم ينزل) قوله تعالى:
(﴿من الفجر﴾) فكان بالفاء ولأبي الوقت: وكان (رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله)
بالإفراد، ولأبوي ذر والوقت رجليه (الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يزل) ولأبوي ذر والوقت
وابن عساكر: ولا يزال (يأكل حتى يتبين له) بالمثناة التحتية ثم الفوقية والموحدة وتشديد المثناة التحتية
ولأبي ذر: تتبين بمثناتين فوقيتين قبل الموحدة، وللكشميهني: حتى يستبين له بسين مهملة ساكنة مع
التخفيف (رؤيتهما) أي الخيطين (فأنزل الله) عز وجل قوله: (﴿من الفجر﴾) قال البيضاوي شبه أول ما
يبدو من الفجر المعترض في الأفق وما يمتد معه من غبش الليل بخيطين أبيض وأسود واكتفى ببيان
الخيط الأبيض بقوله من الفجر عن بيان الخيط الأسود لدلالته عليه وبذلك خرجا من الاستعارة إلى
التمثيل، ويجوز أن تكون من للتبعيض فإن ما يبدو بعض الفجر وما روي أنها نزلت ولم ينزل من
الفجر، وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط فنزلت لعله كان قبل دخول
رمضان وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز واكتفي أولاً باشتهارهما في ذلك ثم صرح بالبيان لما
التبس على بعضهم، وذكر في الفتح والعمدة والتنقيح والمصابيح أن حديث عدي يقتضي نزول قوله
تعالى: ﴿من الفجر﴾ متصلاً بقوله: ﴿من الخيط الأسود﴾ وحديث سهل بن سعد صريح في أنه لم
ينزل إلا منفصلاً فإن حمل على واقعتين في وقتين فلا إشكال وإلا احتمل أن يكون حديث عدي
متأخرًا عن حديث سهل فإنما سمع الآية مجردة فحملها على ما وصل إليه فهمه حتى يتبين له
الصواب، وعلى هذا يكون ﴿من الفجر﴾ متعلقًا بيتبين، وعلى مقتضى حديث سهل يكون في موضع
الحال متعلقًا بمحذوف اهـ.
وليس في حديث عدي هنا عند المؤلف بل ولا في التفسير ذكر من الفجر أصلاً فليتأمل نعم
ثبت ذكره في روايته عند مسلم في صحيحه (فعلموا) أي الرجال (إنه إنما يعني) بقوله: ﴿الخيط
الأبيض والخيط الأسود﴾ (الليل والنهار) ولابن عساكر: من النهار.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير وكذا النسائي.
٤٧١
كتاب الصوم/ باب ١٧ / حديث ١٩١٨ و ١٩١٩
١٧ - باب قولِ النبيِّ وَّهِ: ((لا يَمنعنَكمْ من سَحورِكم أذانُ بِلالٍ»
(باب قول النبي (وَّة) فيما رواه مسلم من حديث سمرة: (لا يمنعنكم) بنون التوكيد الثقيلة،
ولأبي ذر عن الكشميهني: لا يمنعكم بإسقاطها وجزم العين (من سحوركم) بفتح السين اسم ما
يتسحر به (أذان بلال).
١٩١٨، ١٩١٩ - حدثنا عُبَيْدُ بنُ إِسمعيلَ عن أبي أسامة عن عُبَيدِ اللَّهِ عن نافعِ عنِ ابن
عُمرَ، والقاسم بنِ محمدٍ عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها: ((أَنَّ بِلالاً كان يُؤَذِّنُ بِلَيلٍ، فقال
رسولُ اللّهِ وَ﴾: كُلوا واشرَبوا حتّى يُؤَذِّنَ ابنُ أمّ مَكتومٍ، فإِنه لا يُؤذْنُ حتّى يَطلُعَ الفجرُ)) قال
القاسمُ: ولم يَكنْ بينَ أذانِهما إلا أنْ يَرْقى ذا ويَنزِل ذا».
وبالسند قال (حدثنا عبيد بن إسماعيل) وكان اسمه عبد الله الهباري القرشي (عن أبي أسامة)
حماد بن أسامة (عن عبيد الله) بن عمر العمري (عن نافع عن ابن عُمر، والقاسم بن محمد) أي ابن
أبي بكر الصديق المتوفى سنة ست ومائة على الصحيح (عن عائشة رضي الله عنها) والقاسم جر عطفًا
على نافع لا على ابن عمر لأن عبيد اللَّه رواه عن نافع عن ابن عمر، وعن القاسم عن عائشة.
والحاصل أن لعبيد الله فيه شيخين يروي عنهما وهما نافع والقاسم بن محمد (أن بلالاً كان يؤذن)
للفجر (بليل)، ليستعد لها بالتطهير وغيره. وقال أبو حنيفة والثوري: للسحور وردّ بأنه إنما أخبر
عن عادته في الأذان دائمًا (فقال رسول الله وَي):
(كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)، عمرو بن قيس العامري وأم مكتوم اسمها عاتكة
بنت عبد اللَّه، وزاد في باب أذان الأعمى كالموطأ وكان أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت
أصبحت أي قاربت الصباح، وقيل على ظاهره من ظهور الصباح والأول أرجح وعليه يحمل قوله هنا
(فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) أي حتى يقارب طلوع الفجر، والمعنى في الجميع أن بلالاً كان
يؤذن قبل الفجر ثم يتربص بعد للدعاء ونحوه ثم يرقب الفجر، فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر ابن أم
مكتوم فيتطهر ويرقى ويشرع في الأذان إذا قارب الصباح حوطة للفجر فأذانه علم على الوقت الذي
يمتنع فيه الأكل، ولعل بتمام أذانه يتضح الفجر وتصح الصلاة على التأويل الآخر في أصبحت
أصبحت فيكون جمعًا بين الأمرين قاله الأبي وسبق في الباب الذي قبل هذا أن حتى هنا لغاية المد.
(قال القاسم): بن محمد (ولم يكن بين أذانهما) بكسر النون من غير ياء (إلا أن يرقى) بفتح
القاف أي يصعد (ذا) ابن أم مكتوم (وينزل) بالنصب عطفًا على يرقي (ذا) بلال ولم يشاهد ذلك
القاسم بن محمد، وقول الداودي هذا يدل على أن ابن أم مكتوم كان يراعي قرب طلوع الفجر أو
طلوعه لأنه لم يكن يكتفي بأذان بلال في علم الوقت لأن بلالاً فيما يدل عليه الحديث كان تختلف
أوقاته وإنما حكى من قال يرقى ذا وينزل ذا ما شهد في بعض الأوقات، ولو كان فعله لا يختلف
٤٧٢٠
کتاب الصوم/ باب ١٨ و ١٩/ حديث ١٩٢٠ و١٩٢١
لاكتفى به النبي ◌َّ ولم يقل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، ولقال فإذا فرغ بلال فكفوا.
تعقبه ابن المنير بأن الراوي إنما أراد أن يبين اختصارهم في السحور إنما كان باللقمة والتمرة ونحوها
بقدر ما ينزل هذا ويصعد هذا وإنما كان يصعد قبيل الفجر بحيث إذا وصل إلى فوق طلع الفجر ولا
يحتاج هذا إلى حمله على اختلاف أوقات بلال بل ظاهر الحديث أن أوقاتهما كانت على رتبة ممهدة
وقاعدة مطردة اهـ.
١٨ - باب تَعجيل السُّحورِ
(باب تأخير السحور) إلى قرب طلوع الفجر الصادق ولأبي ذر: تعجيل السحور خوفًا من
طلوع الفجر في أول الشروع. قال الزين بن المنير: التعجيل من الأمور النسبية فإن نسب إلى أول
الوقت كان معناه التقديم، وإن نسب إلى آخره كان معناه التأخير، وإنما سماه البخاري تعجيلاً إشارة
منه إلى أن الصحابي كان يسابق بسحور الفجر عند خوف طلوعه وخوف فوات الصلاة بمقدار
وصوله إلى المسجد. قال الزركشي: فعلى هذا يقرأ بضم السين إذ المراد تعجيل الأكل، وقول الحافظ
ابن حجر: أنه لم ير في شيء من نسخ البخاري تأخير السحور لا يلزم منه العدم، فقد ثبت في
اليونينية تأخير السحور، ولأبي ذر بلفظ: تعجيل السحور على ما مرّ.
١٩٢٠ - حدثنا محمدُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ حدَّثَنَا عبدُ العَزيزِ بنُ أبي حازمٍ عن أبيهِ أبي حازمٍ عن
سَهلِ بنِ سعدٍ رضيَ اللّهُ عنه قال: «كنتُ أتسخّرُ في أهلي، ثمَّ تكونُ سُرعَتَي أنْ أُدرِكَ السجودَ مع
رسولِ اللهِ {ێ)).
وبالسند قال (حدثنا محمد بن عبيد اللَّه) بضم العين مصغرًا مضافًا المدني قال (حدثنا
عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه أبي حازم) سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد رضي الله عنه) أنه
(قال: كنت أتسحر في أهلي، ثم تكون سرعتي أن أدرك السجود) بالدال أي صلاة الصبح (مع
رسول الله وَلير) وللكشميهني كما في الفتح: أن أدرك السحور بالراء والصواب الأول.
وهذا الحديث من أفراد البخاري، وقد أخرجه في باب: وقت الفجر من الصلاة وفيه تأخير
السحور ومحله ما لم يشك في طلوع الفجر فإن شك لم يسن التأخير بل الأفضل تركه لحديث ((دع ما
يريبك إلى ما لا يريبك)).
١٩ - باب قَدركمْ بَينَ السُّحورِ وصَلاةِ الفَجرِ
(باب قدركم بين) انتهاء (السحور و) إيتاء (صلاة الفجر) من الزمان.
١٩٢١ - حدثنا مُسلِمُ بنُ إبراهيم حدَّثَنا هِشامٌ حدَّثَنا فَتادة عن أنَسٍٍ عن زيدِ بنِ ثابتٍ
٤٧٣
كتاب الصوم/ باب ٢٠/ حديث ١٩٢٢ و ١٩٢٣
رضي اللّهُ عنهُ قال: ((تَسخَّرْنا معَ النَّبِيِّ وََّ، ثمَّ قامَ إِلى الصلاةِ. قلتُ: كم كان بينَ الأذانِ
والسحور؟ قال: قَدْرُ خَمسين آيةً» .
وبالسند قال (حدثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي قال: (حدثنا هشام) الدستوائي قال: (حدثنا
قتادة) بن دعامة (عن أنس عن زيد بن ثابت رضي الله عنه) أنه (قال): (تسحرنا مع النبي ◌َّ ثم
قام إلى الصلاة). قال أنس (قلت): لزيد (كم كان بين الأذان والسحور؟ قال): زيد هو (قدر
خمسين آية) أي قدر قراءتها. وهذا الحديث سبق في باب وقت الفجر.
٢٠ - باب بَرَكةِ السّحورِ من غيرِ إِيجاب،
لأن النبيَّ وَّهِ وأصحابَهُ واصَلوا ولم يُذكَرِ السُّحورُ
(باب بركة السحور من غير إيجاب) في محل نصب على الحال أي من غير أن يكون واجبًا ثم
علل عدم الوجوب بقوله (لأن النبي ◌َّ وأصحابه) رضي الله عنهم (واصلوا) في صومهم من غير
إفطار بالليل (ولم يذكر السحور) بضم الياء وفتح الكاف مبنيًّا للمفعول وفي نسخة ولم يذكر السحور
مبنيًّا للفاعل، وللكشميهني والنسفي فيما قاله في فتح الباري ولم يذكر سحور بدون الألف واللام،
وفي بعض الأصول المعتمدة باب من ترك السحور الخ.
١٩٢٢ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ حدَّثَنَا جُوَيريةُ عن نافعِ عن عبدِ اللَّهِ رضيَ اللهُ عنهُ: ((أنَّ
النبيَّ رَ ﴿ واصَلَ، فواصَلَ الناسُ، فَشَقَّ عليهم، فنهاهم، قالوا: إنكَ تُواصِلُ، قال: لستُ
كَهَيئِكم، إِنِي أَظَلُّ أُطعَمُ وُسقى)). [الحديث ١٩٢٢ - طرفه في: ١٩٦٢].
وبالسند قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال (حدثنا جويرية) ابن أسماء الضبعي
البصري (عن نافع عن عبد اللَّه) بن عمر (رضي الله عنه أن النبي ◌َّ- واصل)، بين الصومين من
غير إفطار بالليل (فواصل الناس)، أيضًا تبعًا له وَ ل﴿ (فشق عليهم)، أي الوصال لمشقة الجوع
والعطش (فنهاهم)، عن الوصال لما رأى من المشقة عليهم نهي إرشاد أو تحريم وهو المرجح عند
الشافعية (قالوا: إنك) ولابن عساكر: فإنك (تواصل، قال:) عليه الصلاة والسلام:
(لست كهيئتكم) أي ليست حالي كحالتكم أو لفظ الهيئة زائد والمراد لست كأحدكم (إني أظل)
بفتح الهمزة والظاء المعجمة المشالة (أطعم وأسقى) بضم الهمزة فيهما مبنيين للمفعول أي أعطى قوة
الطاعم والشارب فليس المراد الحقيقة إذ لو أكل حقيقة لم يبق وصال.
وفي هذا الحديث مباحث تأتي إن شاء الله تعالى في موضعها.
١٩٢٣ - حدثنا آدمُ بنُ أبي إياسِ حدَّثَنا شُعبةُ حدَّثَنا عبدُ العزيزِ بنُ صُهيبٍ قال: سمعتُ
أنَسَ بنَ مالكِ رضيَ اللّهُ عنهُ قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((تَسَخُّروا، فإِنَّ في السَّحورِ بَرَكةً)).
٤٧٤
کتاب الصوم/ باب ٢٠/ حديث ١٩٢٣
وبه قال (حدثنا آدم بن أبي إياس) بكسر الهمزة وتخفيف الياء قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج
قال: (حدثنا عبد العزيز بن صهيب) بضم الصاد المهملة وفتح الهاء مصغرًا (قال: سمعت أنس بن
مالك رضي الله عنه قال: قال النبي) ولابن عساكر: رسول الله (رَليت).
(تسحروا)، هو تفعل من السحر وهو قبيل الصبح، وقال في الروضة. كأصلها ويدخل وقته
بنصف الليل. قال السبكي: وفيه نظر لأن السحر لغة قبيل الفجر ومن ثم خصه ابن أبي الصيف
اليمني بالسدس الأخير، والمراد الأكل في ذلك الوقت وذلك على معنى أن التفعل هنا في الزمن
المصوغ من لفظه فإنه من معاني تفعل كما ذكره ابن مالك في التسهيل أو الأخذ في الأمر شيئًا فشيئًا
ويحصل السحور بقليل المطعوم وكثيره والأمر به للندب (فإن في السحور) بفتح السين اسم لما يتسحر
به وبالضم الفعل (بركة) بالنصب اسم أن وفي معنى كونه بركة وجوه أن يبارك في اليسير منه بحيث
تحصل به الإعانة على الصوم.
وفي حديث علّ عند ابن عدي مرفوعًا ((تسحروا ولو بشربة من ماء)) زاد في حديث أبي أمامة
عند الطبراني مرفوعًا ((ولو بتمرة، ولو بحبات زبيب)) الحديث. ويكون ذلك بالخاصية كما بورك في
الثريد والاجتماع على الطعام، أو المراد بالبركة نفي التبعة .
وفي حديث أبي هريرة مما ذكره في الفردوس: ثلاثة لا يحاسب عليها العبد أكلة السحور وما
أفطر عليه وما أكل مع الإخوان أو المراد بها التقوى على الصيام وغيره من أعمال النهار.
وفي حديث جابر عند ابن ماجة والحاكم مرفوعًا: استعينوا بطعام السحر على صيام النهار
بالقيلولة على قيام الليل ويحصل به النشاط ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع أو الراد بها الأمور
الأخروية فإن إقامة السنة توجب الأجر وزيادة.
وقال القاضي عياض: قد تكون هذه البركة ما يتفق للمتسحر من ذكر أو صلاة أو استغفار
وغير ذلك من زيادات الأعمال التي لولا القيام للسحور لكان الإنسان نائمًا عنها وتاركًا وتجديد النية
للصوم ليخرج من خلاف من أوجب تجديدها إذا نام بعدها.
وقال ابن دقيق العيد: ومما يعلل به استحباب السحور المخالفة لأهل الكتاب لأنه ممتنع عندهم
وهذا أحد الوجوه المقتضية للزيادة في الأجور الأخروية.
تنبيه
إن قلنا أن المراد بالبركة الأجر والثواب فالسحور بالضم لأنه مصدر بمعنى التسحر وإن قلنا
التقوية فبالفتح.
وهذا الحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة.
٤٧٥
كتاب الصوم/ باب ٢١/ حديث ١٩٢٤
٢١ - باب إِذا نَوَى بالثَّهارِ صَومًا
وقالت أمُّ الدَّرداءِ: كان أبو الدَّرداءِ يقول: عِندَكم طعام؟ فإن قلنا لا، قال: فإني صائمٌ يَومي
هذا.
وفَعَلهُ أبو طلحة، وأبو هريرةَ، وابنُ عبّاسٍ، وحُذَيفة - رضيَ اللّهُ عنهم ..
هذا (باب) بالتنوين (إذا نوى) الإنسان (بالنهار صومًا) فرضًا أو نفلاً هل يصح أو لا (وقالت
أم الدرداء): خيرة مما وصله ابن أبي شيبة (كان أبو الدرداء) عويمر الأنصاري (يقول: عندكم طعام؟
فإن قلنا لا، قال: فإني صائم يومي هذا وفعله) أي ما فعل أبو الدرداء (أبو طلحة) زيد بن سهل
الأنصاري مما وصله عبد الرزاق (و) كذا فعله (أبو هريرة) مما وصله البيهقي (و) كذا (ابن عباس) مما
وصله الطحاوي (و) كذا (حذيفة - رضي الله عنهم -) مما وصله عبد الرزاق وهذا كله في النفل قبل
الزوال ويدل له قوله في أثر أم الدرداء عند ابن أبي شيبة كان أبو الدرداء يغدو أحيانًا فيسأل الغداء،
وفي أثر أبي طلحة عند عبد الرزاق كان يأتي أهله فيقول هل من غداء، وقول ابن عباس لقد
أصبحت وما أريد الصوم وما أكلت من طعام ولا شراب ولأصومن يومي هذا إذ الغداء بفتح الغين
اسم لما يؤكل قبل الزوال وهذا مذهب الشافعية، واستدل له أيضًا بأنه وسلم قال لعائشة يومًا: «هل
عندكم من غداء؟)) قالت: لا. قال: ((فإني أصوم) رواه الدارقطني وصحح إسناده ويحكم بالصوم في
ذلك من أول النهار فيثاب على جميعه.
وفي أثر حذيفة عند عبد الرزاق أنه قال: من بدا له الصيام بعدما تزول الشمس فليصم، وإليه
ذهب جماعة سواء كان قبل الزوال أو بعده وهو مذهب الحنابلة. وعبارة المرداوي في تنقيحه: ويصح
صوم نفل بنية من النهار مطلقًا نصًا ويحكم بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية نصًا. وقال
مالك: لا يصوم في النافلة إلا أن يبيت لقوله عليه الصلاة والسلام ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من
الليل)) ولحديث ((الأعمال بالنيات)) فالإمساك أول النهار عمل بلا نية وقياسًا على الصلاة إذ نفلها
وفرضها في النية سواء.
١٩٢٤ - حدثنا أبو عاصم عن يَزِيدَ بنِ أبي عُبَيدٍ عن سَلمةَ بنِ الأكْوَعِ رضيَ اللّهُ عنه: «أنَّ
النبيَّ وَّهِ بَعثَ رَجُلاً يُنادِي في الناسِ يومَ عاشوراءَ: إن مَنْ أَكلَ فَلْيُتِمَّ أو فلْيَصُمْ، ومَن لم يأكُلْ فلا
يأكُل)). [الحديث ١٩٢٤ - طرفاه في: ٢٠٠٧، ٧٢٦٥].
وبالسند قال: (حدثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل (عن يزيد بن أبي عبيد) يزيد من
الزيادة وعبيد مصغرًا مولى سلمة بن الأكوع (عن سلمة بن الأكوع) واسم الأكوح سنان بن عبد الله
(رضي الله عنه) (أن النبي ◌َّ بعث رجلاً) هو هند بن أسماء بن حارثة الأسلمي كما عند أحمد
وابن أبي خيثمة (ينادي في الناس يوم عاشوراء، أن) بفتح الهمزة وفي اليونينية بسكون النون مع فتح
٤٧٦
كتاب الصوم/ باب ٢٢ / حديث ١٩٢٥ و ١٩٢٦
الهمزة ولأبي ذر أن بكسرها مع تشديد النون (من أكل فليتم) بسكون اللام ويجوز كسرها بلفظ الأمر
للغائب والميم مفتوحة تخفيفًا أي ليمسك بقية يومه حرمة للوقت كما يمسك لو أصبح يوم الشك
مفطرًا ثم ثبت أنه من رمضان - (أو) قال (فليصم)، شك من الراوي (ومن لم يأكل فلا يأكل).
واستدل به أبو حنيفة على أن الفرض يجوز بنية من النهار لأن صوم عاشوراء كان فرضًا، وردّ
بأنه إمساك لا صوم وبأن عاشوراء لم يكن فرضًا عند الجمهور وبأنه ليس منه أنه لا قضاء عليهم بل
في أبي داود أنهم أتموا بقية اليوم وقضوه.
واستدل الجمهور لاشتراط النية في صوم الفرض من الليل بحديث حفصة عند أصحاب
السنن أن النبي وَّ قال ((من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له)) وهذا لفظ النسائي، ولأبي داود
والترمذي: من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له، واختلف في رفعه ووقفه، ورجح الترمذي
·والنسائي الموقوف وعمل بظاهر الإسناد جماعة فصححوا الحديث المذكور منهم ابن خزيمة وابن حبان
والحاكم وروى له الدارقطني طريقًا أخرى وقال: رجالها ثقات وظاهره العموم في الصوم نفلاً أو
فرضًا وهو محمول على الفرض بقرينة حديث عائشة السابق وهو قوله عليه الصلاة والسلام لها يومًا:
هل عندكم من غداء؟ قالت: لا. قال: فإني إذن أصوم. قالت: وقال لي يومًا آخر: أعندكم شيء
قلت: نعم. قال؟ إذن أفطر وإن كنت فرضت الصوم رواه الدار قطني وصحح إسناده فلا تجزىء النية
مع طلوع الفجر لظاهر الحديث ولا تختص بالنصف الأخير من الليل لإطلاقه ولو شك في تقدمها
الفجر لم يصح صومه لأن الأصل عدم التقدم ولا بد من التبييت لكل يوم لظاهر الحديث ولأن صوم
كل يوم عبادة لتخلل اليومين ما يناقض الصوم كالصلاتين يتخللهما السلام.
وقال المالكية: المشهور الاكتفاء بنية واحدة في أوّل ليلة من رمضان لجميعه في حق الحاضر
الصحيح وأما المسافر والمريض فلا بدّ لكل منهما من التبييت في كل ليلة ولا بد عند الشافعية من
كونها جازمة معينة كالصلاة بخلاف الحنفية فلم يشترطوا التعيين.
وهذا الحديث من الثلاثيات، وأخرجه المؤلف أيضًا في الصيام وفي خبر الواحد ومسلم
والنسائي في الصوم.
٢٢ - باب الصائم يُصبِحُ جُنْبًا
(باب الصائم) حال كونه (يصبح جنبًا) هل يصح صومه أم لا .
١٩٢٥، ١٩٢٦ - حقثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسْلمةَ عن مالكِ عن سُمَّيّ مولى أبي بكرِ بنِ
عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامِ بنِ المغيرةِ أنه سمعَ أبا بكرِ بنَ عبدِ الرحمْنِ قال: «كنتُ أنا
وأبي حِينَ دَخَلْنا على عائشةً وأمّ سَلمةَ ح.
۔
٤٧٧
كتاب الصوم/ باب ٢٢/ حديث ١٩٢٥ و ١٩٢٦
حدثنا أبو اليَمانِ أخبرنا شُعيبٌ عنِ الزُّهريِّ قال: أخبرني أبو بكرٍ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ
الحارثِ بنِ هِشام أنَّ أباه عبد الرحمنِ أخبرَ مَروانَ أنَّ عائشةَ وأمَّ سلمَةً أخبرتاه: ((أنَّ
رسولَ اللّهِ وَل﴿ كان يُذْرِكُهُ الفجرُ وهوَ جُنُبٌ مِن أهلهِ، ثمَّ يَغتسِلُ ويصوم. وقال مَروانُ
لعبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ: أُقْسِمُ باللّهِ لتُقَرِّعنَّ بها أبا هريرةَ، ومَروانُ يَومئذٍ على المدينة، فقال أبو
بكرٍ: فَكَرِهِ ذُلكَ عبدُ الرحمنِ. ثمَّ قُدرَ لنا أن نجتمعَ بذي الحُلَيفةِ - وكانت لأبي هريرةَ هنالكَ
أرضِّ - فقال عبدُ الرحمنِ لأبي هريرةَ: إِني ذاكرٌ لكَ أمرًا، ولولا مَروانُ أقْسَمَ عليَّ فيه لم أذكُرْهُ
لك. فذكر قولَ عائشةَ وأُمّ سَلمةَ، فقال: كذلك حدَّثني الفضلُ بنُ عبّاسٍ وهنَّ أعلمُ)). وقالَ همّامٌ
وابنُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ عن أبي هريرةَ: ((كان النبيُّ وَ يأمُرُ بالفِطْرِ)) والأوَّلُ أَسْنَدُ. [الحديث
١٩٢٥ - طرفاه في: ١٩٣٠، ١٩٣١]. [الحديث ١٩٢٦ - طرفه في: ١٩٣٢].
وبالسند قال: (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن سمي) بضم السين
وفتح الميم وتشديد التحتية (مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام بن المغيرة) القرشي
(أنه سمع) مولاه (أبا بكر بن عبد الرحمن) راهب قريش (قال: كنت أنا وأبي) عبد الرحمن بن
الحرث بن هشام بن المغيرة بن عبد اللَّه بن مخزوم القرشي المخزومي ابن عم عكرمة بن أبي
جهل بن هشام (حين) ولأبي ذر: حتى (دخلنا على عائشة وأم سلمة) هند بنت أبي أمية (ح)
للتحويل .
(حدثنا) ولأبي ذر وحدثنا (أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة
(عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو بكر بن عبد الرحمن بن
الحارث بن هشام أن أباه عبد الرحمن أخبر مروان) بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن
عبد شمس بن قصي الأموي القرشي ولد بعد الهجرة بسنتين ولم يصح له سماع من النبي ◌ِّر ولي
الخلافة تسعة أشهر وتوفي في رمضان سنة خمس وستين (أن عائشة وأم سلمة أخبرتاه أن
رسول الله (وَلخير كان يدركه الفجر وهو) أي والحال أنه (جنب من) جماع (أهله)، وفي رواية يونس
عن ابن شهاب عن عروة وأبي بكر بن عبد الرحمن عن عائشة قالت: كان يدركه الفجر في رمضان
من غير حلم، وللنسائي عنها من غير احتلام وفي لفظ له: كان يصبح جنبًا مني (ثم يغتسل
ويصوم). بيانًا للجواز، وإلا فالأفضل الغسل قبل الفجر والاحتلام يطلق على الإنزال وقد يقع
الإنزال من غير رؤية شيء في المنام وأرادت بالتقييد بالجماع من غير احتلام المبالغة في الرد على من
زعم أن فاعل ذلك عمدًا مفطر.
(وقال) ولابن عساكر فقال (مروان) بن الحكم (لعبد الرحمن بن الحارث أقسم بالله لتقرعن)
بفتح القاف وتشديد الراء من التقريع وهو التعنيف ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: لتفزعن بالفاء
الساكنة والزاي المكسورة من الإفزاع أي لتخوفن (بها) أبي بالمقالة المذكورة (أبا هريرة)، وذلك لأن
٤٧٨
کتاب الصوم/ باب ٢٣
أبا هريرة كان يرى أن من أصبح جنبًا من جماع لا يصح صومه لحديث الفضل بن عباس في مسلم،
وحديث أسامة في النسائي عن النبي ◌ّهر: من أدركه الفجر جنبًا فلا يصم، وفي النسائي عن أبي
هريرة أنه قال: لا ورب هذا البيت ما أنا قلت من أدركه الصبح وهو جنب فلا يصوم محمد ورب
الكعبة قاله (ومروان يومئذٍ) حاكم (على المدينة)، من قبل معاوية بن أبي سفيان (فقال أبو بكر: فكره
ذلك) أي فعل ما قاله مروان من تقريع أبي هريرة وتعنيفه مما كان يراه أبي (عبد الرحمن. ثم) بعد
ذلك (قدّرنا أن نجتمع) بأبي هريرة (بذي الحليفة). ميقات أهل المدينة (وكانت لأبي هريرة هنالك
أرض فقال عبد الرحمن لأبي هريرة: إني ذاكر لك أمرًا)، وللكشميهني كما قاله الحافظ ابن حجر:
إني أذكر بصيغة المضارع (ولولا مروان أقسم عليّ فيه لم أذكره لك). وللكشميهني كما في الفتح: لم
أذكر ذلك (فذكر) عبد الرحمن له (قول عائشة وأم سلمة) وفي رواية معمر عن ابن شهاب فتلوّن
وجه أبي هريرة (فقال: كذلك) أي الذي رأيته من كون من أدركه الفجر جنبًا لا يصوم (حدثني)
بالإفراد (الفضل بن عباس وهو أعلم). بما روى والعهدة في ذلك عليه لا علّ.
وفي رواية النسفي عن البخاري كما قاله الحافظ ابن حجر وهن أعلم أي أزواج النبي ◌َّ وكذا
في رواية معمر، وفي رواية ابن جريج فقال أبو هريرة: أهما قالتاه؟ قال: نعم. قال: هما أعلم،
وهذا يرجح رواية النسفي. وزاد ابن جريج في روايته فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك وترك
حديث الفضل وأسامة ورآه منسوخًا وفي قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾
[البقرة: ١٨٧] دلالة وإشارة إليه وحديث عائشة وأم سلمة يرجح على غيرهما لأنهما ترويان ذلك
عن مشاهدة بخلاف غيرهما .
وفي هذا الحديث أربعة من التابعين أبو بكر وأبوه والزهري ومروان.
(وقال همام) هو ابن منبه مما وصله أحمد وابن حبان (وابن عبد الله بن عمر) قيل هو سالم،
وقيل عبد اللّه، وقيل عبيد اللّه بالتكبير والتصغير مما وصله عبد الرزاق (عن أبي هريرة) (كان
النبي ◌َ ﴾ يأمر بالفطر) ولابن عساكر: يأمرنا بالفطر. قال المؤلف (والأول) أي حديث عائشة وأم
سلمة (أسند) أي أظهر اتصالاً. وقال في الفتح يقوى إسنادًا من حيث الرجحان لأنه جاء عنهما من
طرق كثيرة جدًا بمعنى واحد حتى قال ابن عبد البر أنه صح وتواتر، وأما أبو هريرة فأكثر الروايات
عنه أنه كان يفتي به ولم يسمع ذلك من النبي وَّر إنما سمعه عنه بواسطة الفضل وأسامة، وأما حلفه
أن النبي وَ ل﴿ قاله، كما مرّ فكأنه لشدة وثوقه بخبرهما يحلف على ذلك وقد رجع عن ذلك.
٢٣ - باب المباشرةِ للصائم
وقالت عائشةُ رضيَ اللّهُ عنها: يَحرُمُ عليهِ فَرْجُها.
(باب) حكم (المباشرة للصائم). أي لمس بشرة الرجل بشرة المرأة ونحو ذلك لا الجماع
٤٧٩
کتاب الصوم/ باب ٢٣/ حديث ١٩٢٧
(وقالت عائشة رضي الله عنها): مما وصله الطحاوي (يحرم عليه) أي على الصائم (فرجها) أي فرج
امرأته .
١٩٢٧ - حدثنا سُليمانُ بنُ حربٍ قال عن شُعبةَ عنِ الحكمِ عن إبراهيمَ عنِ الأسودِ عن
عائشةَ رضيَ اللّهُ عنها قالت: ((كان النبيُّ وَ يَقبَلُ ويُبَاشِرُ وهوَ صائمٌ، وكان أَمْلَكَكم لإزبهِ)).
وقال: قال ابن عباسٍ ﴿مَارِبُ﴾: حاجة. قال طاوُسٌ ﴿أُولي الإربةِ﴾: الأحمقُ لا حاجةَ لهُ
في النساء .
وقال جابرُ بنُ زيدٍ: إِن نَظَرَ فأمْنى يُتُمُّ صَومَهُ. [الحديث ١٩٢٧ - طرفه في: ١٩٢٨].
وبالسند قال: (حدثنا سليمان بن حرب قال عن شعبة) بن الحجاج وسقط لفظ قال لأبي ذر
وابن عساكر ولأبي ذرّ عن الكشميهني: عن سعيد بدل شعبة. قال الحافظ ابن حجر: وهو غلط
فاحش فليس في شيوخ سليمان بن حرب أحد اسمه سعيد حدثه عن الحكم، وكذا وقع عند
الإسماعيلي عن يوسف القاضي عن سليمان بن حربٍ عن شعبة (عن الحكم) بن عتيبة مصغرًا (عن
إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن يزيد خال إبراهيم (عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان
النبي ◌ّهم يقبل) بعض أزواجه (ويباشر) بعضهم من عطف العام على الخاص لأن المباشرة أعم من
التقبيل والمراد غير الجماع كما مر (وهو صائم، وكان) عليه الصلاة والسلام (أملككم لإربه) بكسر
الهمزة وإسكان الراء في الفرع وغيره أي عضوه وعنت الذكر خاصة للقرينة الدالة عليه ويروى بفتح
الهمزة والراء وقدمه في فتح الباري وقال: إنه أشهر، وإلى ترجيحه أشار البخاري بما أورده من
التفسير أي أغلبكم لهواه وحاجته.
وقال التوربشتي حمل الإرب ساكن الراء على العضو في هذا الحديث غير سديد لا يغتر به إلا
جاهل بوجوه حسن الخطاب مائل عن سنن الأدب ونهج الصواب.
وأجاب الطيبي: بأنها ذكرت أنواع الشهوة ومترقية من الأدنى إلى الأعلى فبدأت بمقدّمتها التي
هي القبلة ثم ثنت بالمباشرة من نحو المداعبة والمعانقة وأرادت أن تعبر عن المجامعة فكنت عنها
بالإرب وأي عبارة أحسن منها اهـ.
وفي الموطأ رواية عبيد اللَّه أيكم أملك لنفسه، وبذلك فسره الترمذي في جامعه فقال: ومعنى
لإربه لنفسه. قال الحافظ الزين العراقي: وهو أولى الأقوال بالصواب لأن أولى ما فسر به الغريب ما
ورد في بعض طرق الحديث، وقد أشارت عائشة رضي الله عنها بقولها: وكان أملككم لإربه إلى أنه
تباح القبلة والمباشرة بغير الجماع لمن يكون مالكًا لإربه دون من لا يأمن من الإنزال أو الجماع
وظاهره أنها اعتقدت خصوصية النبي وَله بذلك لكن ثبت عنها صريحًا إباحة ذلك حيث قالت فيما
٤٨٠
کتاب الصوم/ باب ٢٤/ حدیث ١٩٢٨
سبق أول الباب يحل له كل شيء إلا الجماع فيحمل النهي هنا عنه على كراهة التنزيه لأنها لا تنافى
الإباحة .
وفي كتاب الصيام ليوسف القاضي بلفظ سئلت عائشة عن المباشرة للصائم فكرهتها وكان هذا
هو السرّ في تصدير البخاري بالأثر الأول عنها لأنه يفسر مرادها بما ذكرته مما يدل على الكراهة
ويدل على أنها لا ترى بتحريمها ولا بكونها من الخصائص ما في الموطأ أن عائشة بنت طلحة كانت
عند عائشة فدخل عليها زوجها وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فقالت له عائشة:
ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتلاعبها وتقبلها قال: أقبلها وأنا صائم؟ قالت: نعم. ولا يخفى أن
محل هذا مع الأمن فإن حرك ذلك شهوة حرم لأن فيه تعريضًا لإفساد العبادة، ولحديث الصحيحين:
((من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه)).
وروى البيهقي بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها أنه وَّر رخص في القبلة للشيخ وهو
صائم ونهى عنها الشاب وقال: الشيخ يملك إربه والشاب يفسد صومه ففهمنا من التعليل أنه دائر
مع تحريك الشهوة بالمعنى المذكور والتعبير بالشيخ والشاب جرى على الأغلب من أحوال الشيوخ في
انكسار شهوتهم ومن أحوال الشباب في قوّة شهوتهم فلو انعكس الأمر انعكس الحكم، ولو ضم
المرأة إلى نفسه بحائل فأنزل لا يفطر إذ لا مباشرة كالاحتلام وخرج بالحائل ضمها بدونه فيبطل ولو
لمس شعرها فأنزل قال في المجموع قال المتولي: ففي فطره وجهان بناء على انتقاض الوضوء بلمسه
ولو أنزا عضوها المبان لم يفطر قاله في البحر.
(وقال) المؤلف: (قال ابن عباس) رضي الله عنهما مما وصله ابن أبي حاتم (مآرب) بفتح
الهمزة ممدودة أي (حاجة). بالإفراد، ولأبي ذر عن الكشميهني: حاجات بالجمع، وللحموي
والمستملي: مأرب بسكون الهمزة حاجة.
(قال طاوس) في تفسير قوله: (﴿أولي الإربة﴾): ولأبي ذر غير أولي الإربة (الأحمق لا حاجة له
في النساء) وهذا وصله عبد الرزاق في تفسيره، ووقع في رواية أبي ذر هنا زيادة كما نبه عليها
الحافظ ابن حجر وهي (وقال جابر بن زيد) أبو الشعثاء مما وصله ابن أبي شيبة (إن نظر فأمنى يتم
صومه) ولا يبطل لأنه إنزال من غير مباشرة كالاحتلام وهذا بخلاف الإنزال باللمس أو القبلة أو
المضاجعة فإنه يفسده لأنه إنزال بمباشرة.
٢٤ - باب القُبلةِ للصائم
١٩٢٨ - حدثنا محمدُ بنُ المُثنَى حدَّثَنا يحيى عن هِشام قال: أخبرني أبي عن عائشةَ عنِ
النبيِّ ◌َّ ح .