النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
كتاب فضائل المدينة/ باب ٥/ حديث ١٨٧٥
وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه هلم إلى
الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وظاهره أن الذين يتحملون غير الذين يبسون فكأن الذي
حضر الفتح أعجبه حُسن اليمن ورخاؤه فدعا قريبه إلى المجيء إليه، فيحتمل المدعوّ بأهله وأتباعه،
لكن صوّب النووي أن في حديث الباب الإخبار عمن خرج من المدينة متحملاً بأهله بأسًا في سيره
مسرعًا إلى الرخاء والأمصار المفتتحة.
وفي رواية ابن خزيمة من طريق أبي معاوية عن هشام بن عروة في هذا الحديث ما يؤيده
ولفظه: تفتح الشام فيخرج الناس إليها يبسون والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون.
ويوضح ذلك حديث جابر عند البزار مرفوعًا: ليأتين على أهل المدينة زمان ينطلق الناس منها
إلى الأرياف يلتمسون الرخاء فيجدون رخاء ثم يتحملون بأهليهم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو
كانوا يعلمون.
وقال المنذري: رجاله رجال الصحيح، والأرياف جمع ريف بكسر الراء وهو ما قارب المياه في
أرض العرب، وقيل: هو الأرض التي فيها الزرع والخصب، وقيل غير ذلك.
(وتفتح الشام) بضم أوّله مبنيًّا لما لم يسم فاعله وسمي بالشام لأنه عن شمال الكعبة (فيأتي قوم
يبسون) بفتح أوله وضمه وكسر الموحدة وضمها (فيتحملون) من المدينة (بأهليهم ومن أطاعهم) من
الناس راحلين إلى الشام (والمدينة خير لهم) منها لما ذكر (لو كانوا يعلمون) بفضلها فالجواب محذوف
كما في السابق واللاحق دلّ عليه ما قبله، وإن كانت ((لو)) بمعنى ((ليت)) فلا جواب لها وعلى كلا
التقديرين ففيه تجهيل لمن فارقها لتفويته على نفسه خيرًا عظيمًا، (وتفتح العراق فيأتي قوم يبسون
فيتحملون بأهليهم) من المدينة (ومن أطاعهم) من الناس راحلين إلى العراق (والمدينة خير لهم) من
العراق (لو كانوا يعلمون). والواو في قوله والمدينة في الثلاثة للحال وهذا من أعلام نبوّته واله
حيث أخبر عليه الصلاة والسلام بفتح هذه الأقاليم، وأن الناس يتحملون بأهاليهم ويفارقون المدينة
فكان ما قاله عليه الصلاة والسلام على الترتيب المذكور في الحديث، لكن في حديث عند مسلم
وغيره تفتح الشام ثم اليمن ثم العراق، والظاهر أن اليمن فتح قبل فتح الشام للاتفاق على أنه لم يفتح
شيء من الشام في حياته وَّر، فتكون رواية تقديم الشام على اليمن معناها استيفاء فتح اليمن إنما
كان بعد الشام وأما قول المظهري إنه عليه الصلاة والسلام أخبر في أوّل الهجرة إلى المدينة بأنه سيفتح
اليمن فيأتي قوم من اليمن إلى المدينة حتى يكثر أهل المدينة خير لهم من غيرها، فتعقبه الطيبي بأن
تنكير قوم ووصفه بيبسون ثم توكيده بقوله: لو كانوا يعلمون لا يساعد ما قاله لأن تنكير قوم
لتحقيرهم وتوهين أمرهم ثم الوصف بيبسون وهو سوق الدواب يشعر بركاكة عقولهم وأنهم ممن
ركن إلى الحظوظ البهيمية وحطام الدنيا الفانية العاجلة وأعرضوا عن الإقامة في جوار الرسول عليه
الصلاة والسلام ولذلك كرر قومًا وصفه في كل قرينة بيبسون استحقارًا لتلك الهيئة القبيحة. قال:

٤٢٢
كتاب فضائل المدينة/ باب ٦/ حديث ١٨٧٦
والذي يقتضيه هذا المقام أن ينزل يعلمون منزلة اللازم لينتفي عنهم العلم والمعرفة بالكلية، ولو ذهب
مع ذلك إلى معنى التمني لكان أبلغ لأن التمني طلب ما لا يمكن حصوله أي ليتهم كانوا من أهل
العلم تغليظًا وتشديدًا.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث أن هؤلاء القوم المذكورين تفرقوا في البلاد بعد الفتوحات
ورغبوا عن الإقامة في المدينة، ولو صبروا على الإقامة فيها لكان خيرًا لهم، أما من خرج لحاجة
کجهاد أو تجارة فليس داخلاً في معنى الحديث.
ورواة هذا الحديث كلهم مدنيون إلاّ شيخه، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والسماع
والقول، ورواية تابعي عن تابعي لأن هشامًا لقي بعض الصحابة وصحابي عن صحابي، وأخرجه
مسلم في الحج وكذا النسائي.
٦ - باب الإِيمانُ يأَرِزُ إلى المدينةِ
هذا (باب) بالتنوين (الإيمان يأرز إلى المدينة) بهمزة ساكنة وراء مكسورة ثم زاي كضرب
يضرب أي ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض فيها. وحكى القابسي فتح الراء من باب علم يعلم وحكى
ضمها من باب نصر ينصر .
١٨٧٦ - حقثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ حدَّثَنا أنسُ بنُ عِياضٍ قال: حذَّثني عُبيدُ اللّهِ عن
خُبَيبٍ بن عبد الرحمنِ عن حَفْصِ بنِ عاصم عن أبي هريرةَ رضيَ اللّهُ عنهُ أنَّ رسولَ اللّهِ ◌ِّ
قال: ((إِنَّ الإِيمانَ لَيَأْرِزُ إِلى المدينةِ كما تَأرِزُ الحَيَّةُ إلى جُخْرِها)).
وبالسند قال: (حدثنا إبراهيم بن المنذر) هو إبراهيم بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة الحزامي
قال: (حدثنا أنس بن عياض) أبو ضمرة الليثي المدني (قال: حدثني) بالإفراد (عبيد اللَّه) بضم العين
مصغرًا ابن عمر العمري (عن) خاله (خبيب بن عبد الرحمن) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة
الأولى (عن حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطاب (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ له
قال) :
(إن الإيمان ليأرز) اللام في ليأرز للتوكيد أي أن أهل الإيمان لتنضم وتجتمع (إلى المدينة كما
تأرز الحية إلى حجرها) أي كما تنتشر الحية من حجرها في طلب ما تعيش به فإذا راعها شيء رجعت
إلى حجرها كذلك الإيمان انتشر من المدينة فكل مؤمن له من نفسه سائق إليها لمحبته في ساكنها
صلوات الله وسلامه عليه، وهذا شامل لجميع الأزمنة. أما زمنه # فللتعلم منه، وأما زمن
الصحابة والتابعين وتابعيهم فللاقتداء بهديهم، وأما بعدهم فلزيارة قبره المنيف، والصلاة في مسجده
الشريف، والتبرك بمشاهدة آثاره وآثار أصحابه رزقني الله ذلك، والممات على محبته هنالك. یا

٤٢٣
كتاب فضائل المدينة/ باب ٧ و ٨/ حديث ١٨٧٧ و ١٨٧٨
سيدي يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربك في ذلك وفي جميع أموري، اللهم شفّعه فيّ وفي
سلفي.
وهذا الحديث رواه مسلم في الإيمان وابن ماجة في الحج والله أعلم.
٧ - باب إِثم مَن كادَ أهلَ المدينة
(باب إثم من كاد أهل المدينة) أي أراد بهم سوءًا.
١٨٧٧ - حدثنا حُسينُ بنُ حُرَيثٍ أخبرَنا الفضل عن جُعَيدٍ عن عائشةَ - هي بنتُ سَعدٍ -
قالت: سمعتُ سعدًا رضيَ اللّهُ عنه قال: سمعتُ النبيِّ نَّهَ يقول: ((لا يَكيدُ أهل المدينةِ أحدٌ إِلاّ
انْماعَ كما يَنْماعُ الملحُ في الماء)».
وبالسند قال: (حدثنا حسين بن حريث) بضم الحاءين وآخر الثاني مثلثة مصغرين المروزي مولى
عمران بن الحصين الخزاعي قال: (أخبرنا الفضل) بن موسى السيناني بكسر السين المهملة وسكون
التحتية وبالنونين المروزي (عن جعيد) بضم الجيم وفتح العين وسكون التحتية مصغرًا ابن
عبد الرحمن بن أوس (عن عائشة) زاد في رواية غير ابن عساكر وأبي ذر: هي بنت سعد بسكون
العين أي ابن وقاص (قالت: سمعت سعدًا) تعني أباها (رضي الله عنه قال: سمعت النبي وَل
يقول) :
(لا يكيد أهل المدينة أحد) أي لا يفعل بهم كيدًا من مكر وحرب وغير ذلك من وجوه الضرر
بغير حق (إلا انماع) بسكون النون بعد ألف الوصل آخره مهملة أي ذاب (كما ينماع) يذوب (الملح
في الماء) وفي حديث مسلم في رواية: ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب
الرصاص أو ذوب الملح في الماء، وهذا صريح في الترجمة لأنه لا يستحق هذا العذاب إلا من
ارتكب إثمًا عظيمًا.
٨ - باب آطام المدينةِ
(باب آطام المدينة) بالمد جمع أطم بضمتين وهي الحصون التي تبنى بالحجارة.
١٨٧٨ - حدثنا عليُّ بنُ عبدِ اللَّهِ حدَّثَنَا سُفيانُ حدَّثَنَا ابنُ شهابٍ قال: أخبرني عروةُ سمعتُ
أسامةَ رضيَ اللّهُ عنه قال: ((أشرفَ النبيُّ وَِّ على أُطُم من آطام المدينة فقال: هل تَرَونَ ما أرى؟
إني لأَرَى مواقعَ الفِتَنِ خِلالَ بُيوتِکم کموَاقِعِ القَطْر)» تابعَهُ مَعْمَرٌ وسُليمانُ بنُ كثيرٍ عنِ الزُّهريّ.
[الحديث ١٨٧٨ - أطرافه في: ٢٤٦٧، ٣٥٩٧، ٧٠٦٠].

٤٢٤
كتاب فضائل المدينة/ باب ٩/ حديث ١٨٧٩
وبالسند قال: (حدثنا علي بن عبد الله) المديني وسقط في غير رواية أبي ذر بن عبد الله قال:
(حدثنا سفيان) بن عيينة قال (حدثنا ابن شهاب) الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير
(قال: سمعت أسامة) بن زيد (رضي الله عنه قال: أشرف النبي ◌َّ) نظر من مكان مرتفع (على
أطم من آطام المدينة) بضم الهمزة والطاء في الأول وفتحهما ممدودًا في الثاني (فقال):
(هل ترون ما أرى إني لأرى) بالبصر (مواقع) أي مواضع سقوط (الفتن خلال بيوتكم) أي
نواحيها بأن تكون الفتن مثلت له حتى رآها (كمواقع القطر) وهذا كما مثلت له الجنة والنار في القبلة
حتى رآهما وهو يصلي أو تكون الرؤية بمعنى العلم، وشبه سقوط الفتن وكثرتها بالمدينة بسقوط القطر
في الكثرة والعموم، وقد وقع ما أشار إليه وَ لّر من قتل عثمان وهلم جرا، ولا سيما يوم الحرّة
وهذا من أعلام النبوة.
وقد أخرج المؤلف هذا الحديث في المظالم وفي علامات النبوة وفي الفتن ومسلم في الفتن.
(تابعه) أي تابع سفيان (معمر) هو ابن راشد مما وصله المؤلف في الفتن (وسليمان بن كثير)
العبدي الواسطي مما رواه مسلم (عن الزهري).
٩ - باب لا يَدخُلُ الدَّجّالُ المدينةَ
هذا (باب) بالتنوين (لا يدخل الدجال المدينة).
١٨٧٩ - حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ اللهِ قال: حدَّثَني إِبراهيمُ بنُ سعدٍ عن أبيهِ عن جَدِّهِ عن
أبي بَكرةَ رضيَ اللّهُ عنهُ عنِ النبيِّ وَِّ قال: ((لا يَدخُلُ المدينةَ رُعبُ المسيح الدَّجّالِ، لها يومئذٍ
سَبعةُ أبوابٍ على كل بابٍ مَلَكان)). [الحديث ١٨٧٩ - طرفاه في: ٧١٢٥، ٧١٢٦].
وبالسند قال: (حدثنا عبد العزيز بن عبد اللَّه) الأويسي (قال: حدثني) بالإفراد (إبراهيم بن
سعد عن أبيه) سعد بن إبراهيم الزهري القرشي (عن جده) إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن
أبي بكرة) نفيع بن الحرث بن كلدة الثقفي (رضي الله عنه عن النبي بَّر) أنه (قال):
(لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال) بضم الراء أي ذعره وخوفه والدجال من الدجل وهو
الكذب والخلط لأنه كذاب خلاط وإذا لم يدخل رعبه فالأولى أن لا يدخل (لها) أي للمدينة (يومئذ
سبعة أبواب على كل باب) وللكشميهني لكل باب (ملكان) يحرسانها منه
ورواة هذا الحديث كلهم مدنيون وفيه تابعي والتحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في
الفتن وهو من أفراده.

٤٢٥
كتاب فضائل المدينة/ باب ٩/ حديث ١٨٨٠ و١٨٨١
١٨٨٠ - حدثنا إسماعيلُ قال: حدَّثَني عن نُعَيمِ بنِ عبدِ اللَّهِ المُجْمِرِ عن أبي هريرةَ
رضيَ اللّهُ عنه قال: قال رسولُ اللّهِ نَّهَ: ((على أنقابِ المدينةِ ملائكةٌ، لا يدخُلُها الطاعونُ ولا
. الدجّال)). [الحديث ١٨٨٠ - طرفاه في: ٥٧٣١، ٧١٣٣].
وبه قال: (حدثنا إسماعيل) بن أبي أويس عبد اللَّه المدني (قال: حدثني) بالإفراد (مالك)
الإمام (عن نعيم بن عبد اللَّه المجمر) بضم الميم الأولى وكسر الثانية بينهما جيم ساكنة آخره راء مولى
آل عمر المدني (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلير):
(على أنقاب المدينة) جمع نقب بفتح النون وسكون القاف وهو جمع قلة وجمع الكثرة نقاب،
وسيأتي أيضًا إن شاء الله تعالى. قال ابن وهب يعني مداخل المدينة وهي أبوابها وفوّهات طرقها التي
يدخل إليها منها كما جاء في الحديث الآخر: على كل باب منها ملك، وقيل طرقها والنقب بفتح
النون وضمها وسكون القاف. قال في القاموس: الطريق في الجبل (ملائكة) يحرسونها (لا يدخلها
الطاعون) الموت الذريع الفاشي أي لا يكون بها مثل الذي يكون بغيرها كالذي وقع في طاعون
عمواس والجارف، وقد أظهر الله تعالى صدق رسوله فلم ينقل قط أنه دخلها الطاعون وذلك ببركة
دعائه وّير اللهم صححها لنا: (ولا) يدخلها (الدجال) قال الطيبي: وجملة لا يدخلها مستأنفة بيان
الموجب استقرار الملائكة على الأنقاب.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الفتن والطب، ومسلم في الحج، والنسائي في الطب والحج.
١٨٨١ - حدثنا إِبراهيمُ بنُ المنذرِ حدَّثَنا الوَليدُ حدَّثَنا أبو عمرٍو حدَّثَنا إسحقُ حدَّثَني
أنسُ بنُ مالكِ رضيَ اللهُ عنه عن النبيِّ وََّ قال: ((ليسَ مِن بلدٍ إِلا سَيَطَؤُهُ الدجّال، إِلاّ مكةَ
والمدينةَ، ليس لها من نِقابها نَقْبٌ إِلاَّ عليهِ الملائكةُ صافِينَ يَحرُسونَها. ثم تَرْجُفُ المدينةُ بأهلها
ثَلاثَ رَجَفات، فيُخرِجُ اللّهُ كلَّ كافرٍ ومُنافِقٍ)). [الحديث ١٨٨١ - أطرافه في: ٧١٢٤، ٧١٣٤،
٧٤٧٣].
وبه قال: (حدثنا إبراهيم بن المنذر) الحزامي بالزاي قال: (حدثنا الوليد) بن مسلم الدمشقي
القرشي ثقة لكنه كثير التدليس قال: (حدثنا أبو عمرو) بفتح العين هو عبد الرحمن بن عمرو
الأوزاعي قال: (حدثنا إسحاق) بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري المدني قال: (حدثني) بالإفراد
(أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي (وَّة) أنه (قال):
(ليس من بلد) أي من البلدان يسكن الناس فيه وله شأن (إلا سيطؤه) سيدخله (الدجال) قال
الحافظ ابن حجر: هو على ظاهره وعمومه عند الجمهور، وشذ ابن حزم فقال: المراد لا يدخله بعثه
وجنوده وكأنه استبعد إمكان دخول الدجال جميع البلاد لقصر مدته وغفل عما ثبت في صحيح مسلم
أن بعض أيامه يكون قدر السنة اهـ.

٤٢٦
کتاب فضائل المدینة/ باب ٩/ حديث ١٨٨٢
قال العيني: يحتمل أن يكون إطلاق قدر السنة على بعض أيامه ليس على حقيقته بل لكون
الشدة العظيمة الخارجة عن الحد فيه أطلق عليه كأنه قدر السنة.
(إلا مكة والمدينة) لا يطؤهما وهو مستثنى من المستثنى لا من بلد أي في اللفظ وإلا ففي المعنى
منه لأن الضمير في سيطؤه عائد على البلد وعند الطبري من حديث عبد الله بن عمر: وإلا الكعبة
وبيت المقدس، وزاد أبو جعفر الطحاوي ومسجد الطور، وفي بعض الروايات فلا يبقى له موضع
إلا ويأخذه غير مكة والمدينة وبيت المقدس وجبل الطور فإن الملائكة تطرده عن هذه المواضع (ليس
له) سقط لأبي الوقت: له (من نقابها) بكسر النون أي من نقاب المدينة (نقب إلا عليه الملائكة) حال
كونهم (صافين) حال كونهم (يحرسونها) منه وهو من الأحوال المتداخلة وسقط في رواية أبي الوقت
لفظ له ونقب (ثم ترجف المدينة) أي تزلزل (بأهلها) الباء يحتمل أن تكون سببية أي تزلزل وتضطرب
بسبب أهلها التنفض إلى الدجال الكافر والمنافق وأن تكون حالاً أي ترجف متلبسة بأهلها. وقال
المظهري ترجف المدينة بأهلها أي تحركهم وتلقي ميل الدجال في قلب من ليس بمؤمن خالص فعلى
هذا فالباء صلة الفعل (ثلاث رجفات) بفتحات (فيخرج الله) في الثالثة منها (كل كافر ومنافق) ويبقى
بها المؤمن الخالص فلا يسلط عليه الدجال، وللحموي والكشميهني: فيخرج الله إلى الدجال كل كافر
ومنافق، وهذا لا يعارضه ما في حديث أبي بكرة الماضي أنه لا يدخل المدينة رعب الدجال لأن المراد
بالرعب ما يحصل من الفزع من ذكره والخوف من عتوّه لا الرجفة التي تقع بالزلزلة لإخراج من ليس
بمخلص .
وهذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم في الفتن والنسائي في الحج.
١٨٨٢ - حقثنا يحيى بنُ بُكَير حدَّثَنا الليثُ عن عُقَيلِ عنِ ابنِ شهابٍ قال: أخبرَني
عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ أنَّ أبا سعيدِ الخُدريَّ رضيَ اللّهُ عنهُ قال: حدَّثَنَا رسولُ اللّهِ وَهُ
حَديثًا طَوِيلاً عنِ الدجّالِ، فكانَ فيما حدَّثَنا بهِ أنْ قال: يأتي الدجّالُ - وهوَ مُحرَّمٌ عليهِ أن يَدخُلَ
◌ِقابَ المدينةِ - بعضَ السِّباخ التي بالمدينةِ، فيخرُجُ إِليهِ يَومئذٍ رَجُلٌ هوَ خَيرُ الناسِ - أو مِن خَيرِ
الناس - فيقول: أشهَدُ أنَّكَ الدجّالُ الذي حَدَّثَنَا عنكَ رسولُ اللّهِ نَّهِ حَديثَهُ. فيقول الدجّالُ: أرأيتُ
إِنْ قَتَلتُ هذا ثمَّ أخييتهُ هل تَشْكُونَ في الأمر؟ فيقولونَ: لا. فيَقتُلُهُ ثم يُخْيِيه، فيقولُ حِينَ يُحيِيه:
واللّهِ ما كنتُ قطُ أشدَّ بَصيرةً منّي اليومَ. فيقولُ الدجّال: أقتُلُه فلا يُسَلَّطُ عليه)). [الحديث ١٨٨٢ -
طرفه في: ٧١٣٢].
وبه قال: (حدثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي مولاهم المصري
ثقة في الليث وتكلموا في سماعه من مالك قال: (حدثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم
العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة) بضم العين في الأول مصغرًا وسكون الفوقية في الثالث بعد الضم ابن مسعود الهذلي المدني

٤٢٧
كتاب فضائل المدينة/ باب ١٠/ حديث ١٨٨٣.
(إن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله﴿ حديثًا طويلاً عن الدجال) عن حاله
وفعله وسقط في رواية أبي الوقت قوله حديثًا (فكان فيما حدثنا به أن قال): أن مصدرية أي قوله:
(يأتي الدجال - وهو محرّم عليه أن يدخل) أي دخوله (نقاب المدينة ينزل) جملة مستأنفة كأن
قائلاً قال إذا كان الدخول عليه حرامًا فكيف يفعل قال ينزل: (بعض السباخ التي بالمدينة)، بكسر
السين جمع سبخة وهي الأرض تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت شيئًا والمعنى أنه ينزل خارج المدينة على
أرض سبخة من سباخها وسقط في رواية أبي ذر عن الكشميهني قوله ينزل (فيخرج إليه) أي إلى
الدجال (يومئذ رجل هو خير الناس - أو من خير الناس -) شك من الراوي وذكر إبراهيم بن سفيان
الراوي عن مسلم كما في صحيحه أنه يقال إنه الخضر وكذا حكاه معمر في جامعه، وهذا إنما يتم
على القول ببقاء الخضر كما لا يخفى (فيقول): الرجل (أشهد أنك الدجال الذي حدثنا عنك
رسول الله ◌َ حديثه) (فيقول الدجال): لمن معه من أوليائه (أرأيت) أي أخبرني (إن قتلت هذا)
الرجل (ثم أحييته هل تشكون في الأمر؟ فيقولون لا) أي اليهود ومن يصدقه من أهل الشقاوة أو
العموم يقولون ذلك خوفًا منه لا تصديقًا له أو يقصدون بذلك عدم الشك في كفره وأنه دجال
(فيقتله ثم يحييه) بقدرة الله تعالى ومشيئته. وفي مسلم: فيأمر الدجال به فيشج فيقول خذوه فيوسع
ظهره وبطنه ضربًا فيقول: أو ما تؤمن بي؟ قال فيقول: أنت المسيح الكذاب فيؤشر بالمنشار من مفرقه
حتى يفرق بين رجليه قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين ثم يقول له قم فيستوي قائمًا (فيقول:
حين يحييه والله ما كنت قط أشد بصيرة مني اليوم) لأن النبي وسير أخبر بأن علامة الدجال أنه يحيي
المقتول فزادت بصيرته بتلك العلامة. وفي بعض النسخ: أشد مني بصيرة اليوم فالمفضل والمفضل
عليه كلاهما هو نفس المتكلم لكنه مفضل باعتبار غيره (فيقول الدجال أقتله فلا يسلط عليه) أي على
قتله لأن الله يعجزه بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره وحينئذ يبطل أمره.
وفي مسلم ثم يقول أي الرجل: يا أيها الناس أنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس قال فيأخذه
الدجال حتى يذبحه فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسًا فلا يستطيع إليه سبيلاً قال: فيأخذ بيديه
ورجليه فيقذف به فيحسب الناس أنه قذفه إلى النار وإنما ألقي في الجنة فقال رسول الله وَل ـ ((هذا
أعظم الناس شهادة عند رب العالمين)) .
وحديث الباب أخرجه المؤلف في الفتن وكذا مسلم وأخرجه النسائي في الحج.
١٠ - باب المدينةُ تَنْفي الخَبَثَ
هذا (باب) بالتنوين (المدينة تنفي الخبث).
١٨٨٣ - هذثنا عمرُو بنُ عبّاس حدّثَنا عبدُ الرحمنِ حدَّثَنا سفيانُ عن محمدِ بنِ المُنكَدِرِ
عن جابرٍ رضيَ اللّهُ عنه: ((جاء أعرابيٍّ إِلى النبيِّ وَّرَ فبايعَهُ على الإِسلام، فجاء منَ الغَدِ مَخْمومًا

٤٢٨
كتاب فضائل المدينة/ باب ١٠/ حديث ١٨٨٣
فقال: أقِلْني، فأبى - ثلاث مِرار - فقال: المدينةُ كالكِيرِ تَنفي خَبَثَها، ويَنْصَعُ طَيِّبُها)). [الحديث
١٨٨٣ - أطرافه في: ٧٢٠٩، ٧٢١١، ٧٢١٦، ٧٣٢٢].
وبالسند قال: (حدثنا عمرو بن عباس) بفتح العين وسكون الميم وعباس بالموحدة وبعد الألف
مهملة الباهلي البصري أو هو الأهوازي قال: (حدثنا عبد الرحمن) بن مهدي قال: (حدثنا سفيان)
الثوري (عن محمد بن المنكدر عن جابر) السلمي بفتح السين المهملة واللام (رضي الله عنه) أنه
(قال: جاء أعرابي إلى النبي ◌َّ﴾) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه إلا أن الزمخشري ذكر في
ربيع الأبرار أنه قيس بن أبي حازم وهو مشكل لأنه تابعي كبير مشهور صرحوا بأنه هاجر فوجد
النبي وَّر قد مات، فإن كان محفوظًا فلعله آخر وافق اسمه واسم أبيه، وفي الذيل لأبي موسى في
الصحابة قيس بن حازم المنقري فيحتمل أن يكون هو هذا. (فبايعه على الإسلام فجاء من الغد) حال
كونه (محمومًا فقال): للنبي وَلّر (أقلني) قال عياض من المبايعة على الإسلام، وقال غيره إنما استقالته
على الهجرة ولم يرد الارتداد عن الإسلام. قال ابن بطال بدليل أنه لم يرد حل ما عقده إلا بموافقة
النبي ◌َّ على ذلك، ولو أراد الردة ووقع فيها لقتله إذ ذاك، وحمله بعضهم على الإقالة من المقام
بالمدينة (فأبى) النبي وَ لّ أن يقيله (ثلاث مرار) تنازعه الفعلان قبله وهما قوله فقال، وقوله فأبى أي
قال ذلك ثلاث مرات وهو ◌َّيه يأبى من إقالته وإنما لم يقله بيعته لأنها إن كانت بعد الفتح فهي على
الإسلام فلم يقله إذ لا يحل الرجوع إلى الكفر وإن كانت قبله فهي على الهجرة والمقام معه بالمدينة ولا
يحل للمهاجر أن يرجع إلى وطنه، (فقال): عليه الصلاة والسلام:
(المدينة كالكير) بكسر الكاف المنفخ الذي تنفخ به النار أو الموضع المشتمل عليها (تنفي خبثها)
بمعجمة فموحدة مفتوحتين ومثلثة ما تبرزه النار من الوسخ والقذر (وينصع طيبها) بفتح الطاء
وتشديد التحتية وبالرفع فاعل ينصع وهو بفتح التحتية وسكون النون وفتح الصاد المهملة آخره عين
مهملة من النصوع وهو الخلوص، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: وتنصع بالمثناة الفوقية أي المدينة
طيبها بكسر الطاء وسكون التحتية منصوب على المفعولية كذا في اليونينية والرواية الأولى في طيبها.
قال أبو عبد الله الأبي: هي الصحيحة وهي أقوم معنى وأي مناسبة بين الكير والطيب اهـ.
وهذا تشبيه حسن لأن الكير بشدة نفخه ينفي عن النار السخام والدخان والرماد حتى لا يبقى
إلا خالص الجمر، وهذا إن أريد بالكير المنفخ الذي ينفخ به النار، وإن أريد به الموضع فيكون المعنى
إن ذلك الموضع لشدة حرارته ينزع خبث الحديد والفضة والذهب ويخرج خلاصة ذلك والمدينة
كذلك تنفي شرار الناس بالحمى والوصب وشدة العيش وضيق الحال التي تخلص النفس من
الاسترسال في الشهوات وتطهر خيارهم وتزكيهم، وليس الوصف عامًا لها في جميع الأزمنة بل هو
خاص بزمن النبي ◌َّير لأنه لم يكن يخرج عنها رغبة في عدم الإقامة معه إلا من لا خير فيه، وقد
خرج منها بعده جماعة من خيار الصحابة وقطنوا غيرها وماتوا خارجًا عنها. كابن مسعود، وأبي

٤٢٩=
كتاب فضائل المدينة/ باب ١٠/ حديث ١٨٨٤
موسى، وعلي، وأبي ذر، وعمار، وحذيفة، وعبادة بن الصامت، وأبي عبيدة، ومعاذ، وأبي الدرداء
وغيرهم. فدل على أن ذلك خاص بزمنه و له بالقيد المذكور.
١٨٨٤ - حدثنا سليمانُ بنُ حَربِ حدَّثَنَا شُعبةُ عن عَدِيٌّ بنِ ثابتٍ عن عبدِ اللهِ بن يزيدَ
قال: سمعتُ زيدَ بنَ ثابتٍ رضيَ اللهُ عنه يقول: ((لما خرَجَ النبيُّ وَّهِ إِلى أُحُدٍ رجَعَ ناسٌ من
أصحابهِ، فقالت فِرقةٌ: نَقتُلُهم، وقالت فرقةٌ: لا نَقتُلهم فَزَلَتْ: ﴿فما لَكُمْ في المنافقِينَ فِئَتَينٍ﴾
[النساء: ٨٨] وقال النبيُّ وَّ: إنها تَنَفي الرّجالَ كما تَنفي النارُ خَبثَ الحديد)). [الحديث ١٨٨٤-
طرفاه في: ٤٠٥٠، ٤٥٨٩].
وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب) قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن عديّ بن ثابت)
الأنصاري الصحابي (عن عبد الله بن يزيد) من الزيادة الخطمي الأنصاري الصحابي أنه (قال:
سمعت زيد بن ثابت رضي الله عنه يقول: لما خرج النبي) ولأبي ذر: رسول الله (وَّه إلى) غزوة
(أحد) وكانت سنة ثلاث من الهجرة (رجع ناس من أصحابه) عليه الصلاة والسلام من الطريق وهم
عبد الله بن أبي ومن تبعه (فقالت فرقة) من المسلمين (نقتلهم) أي نقتل الراجعين، (وقالت فرقة):
منهم (لا نقتلهم) لأنهم مسلمون (فنزلت) لما اختلفوا ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ [النساء: ٨٨]
أي تفرقتم في أمرهم فرقتين حال عاملها لكم وفي المنافقين متعلق بما دل عليه فئتين أي متفرقين
فيهم، (وقال النبي (وَ لِ﴾):
(إنها) أي المدينة (تنفي الرجال) جمع رجل والألف واللام للعهد أي شرارهم وأخساءهم أي
تميز وتظهر شرار الرجال من خيارهم، ولأبي ذر عن الكشميهني: تنفي الدجال بالدال وتشديد
الجيم. قال في الفتح: وهو تصحيف، وفي غزوة أحد تنفي الذنوب، وفي تفسير سورة النساء تنفي
الخبث، وأخرجه في هذه المواضع كلها من طريق شعبة، وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي من
رواية غندر عن شعبة باللفظ الذي أخرجه في التفسير من طريق غندر وغندر يثبت الناس في شعبة
وروايته توافق رواية حديث جابر الذي قبله حيث قال فيه: تنفي خبثها، وكذا أخرجه مسلم من
حديث أبي هريرة تنفي الناس، والرواية التي هنا تنفي الرجال لا تنافي الرواية التي بلفظ الخبث بل
هي مفسرة للرواية المشهورة بخلاف تنفي الذنوب، ويحتمل أن يكون فيه حذف تقديره أهل الذنوب
فتلتئم مع باقي الروايات اهـ.
(كما تنفي النار خبث الحديد) وتبقي الطيب أزكى ما كان وأخلص وكذلك المدينة .
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في المغازي والتفسير ومسلم في المناسك وفي ذكر المنافقين
والترمذي والنسائي في التفسير.

٤٣٠
کتاب فضائل المدینة/ باب/ حدیث ١٨٨٥
باب
هذا (باب) بالتنوين بلا ترجمة فهو بمعنى الفصل من الباب وفيه حديثان فمناسبة الأول لما سبق
من جهة أن تضعيف البركة وتكثيرها يلزم منه تقليل ما يضادها فناسب نفي الخبث ومناسبة الثاني من
جهة أن حب الرسول -18 للمدينة يناسب طيب ذاتها وأهلها، وسقط لفظ باب لأبي ذر.
١٨٨٥ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ حدَّثَنَا وَهْبُ بنُ جريرِ حدَّثَنا أبي سمعتُ يونسَ عنِ ابنِ
شهابٍ عن أنسٍ رضيَ اللّهُ عنه عن النبيِّ رَ ﴿ قال: ((اللهمَّ اجْعَلْ بالمدينةِ ضِعْفَيْ ما جعَلْتَ بمكةً
منَ البرَكة)) .
تابَعَهُ عثمانُ بن عمرَ عن یونُسَ.
وبالسند قال: (حدثنا) بالجمع ولأبوي ذر والوقت حدثني (عبد الله بن محمد) المسندي بفتح
النون أو بكسرها قال: (حدثنا وهب بن جرير) بفتح الجيم قال: (حدثنا أبي) جرير بن حازم قال:
(سمعت يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن أنس) هو ابن مالك (1رضي الله عنه
عن النبي بَي) أنه (قال):
(اللهم اجعل بالمدينة ضعفي) تثنية ضعف بالكسر، قال في القاموس مثله وضعفاه مثلاه أو
الضعف المثل إلى ما زادوا يقال لك ضعفه يريدون مثليه وثلاثة أمثاله لأنه زيادة غير محصورة وقول
الله تعالى: ﴿يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ [الأحزاب: ٣٠] أي ثلاثة أعذبة ومجاز يضاعف أي
يجعل إلى الشيء شيئان حتى يصير ثلاثة اهـ.
وقال الفقهاء في الوصية بضعف نصيب ابنه مثلاه وبضعفيه ثلاثة أمثاله عملاً بالعرف في
الوصايا وكذا في الأقارير نحو له على ضعف درهم فيلزمه درهمان لا العمل باللغة والمعنى هنا اللهم
اجعل بالمدينة مثلي (ما جعلت بمكة من البركة) أي الدنيوية إذ هو مجمل فسره الحديث الآخر اللهم
بارك لنا في صاعنا ومدّنا فلا يقال أن مقتضى إطلاق البركة أن يكون ثواب صلاة المدينة ضعفي
ثواب الصلاة بمكة، أو المراد عموم البركة، لكن خصت الصلاة ونحوها بدليل خارجي فاستدل به
على تفضيل المدينة على مكة وهو ظاهر من هذه الجهة لكن لا يلزم من حصول أفضلية المفضول في
شيء من الأشياء ثبوت الأفضلية على الإطلاق وأيضًا لا دلالة في تضعيف الدعاء للمدينة على فضلها
على مكة إذ لو كان كذلك للزم أن يكون الشأم واليمن أفضل من مكة لقوله في الحديث الآخر:
اللهم بارك لنا في شأمنا ويمننا أعادها ثلاثًا وهو باطل لما لا يخفى فالتكرير للتأكيد والمعنى واحد قال
الأبي: ومعنى ضعف ما بمكة أن المراد ما أشبع بغير مكة رجلاً أشبع بمكة رجلين وبالمدينة ثلاثة
فالأظهر في الحديث أن البركة إنما هي في الاقتيات. وقال النووي في نفس المكيل بحيث يكفي
المد فيها من لا يكفيه في غيرها وهذا أمر محسوس عند من سكنها.

٤٣١
كتاب فضائل المدينة/ باب ١١ / حديث ١٨٨٦ و ١٨٨٧
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الحج.
(تابعه) أي تابع جرير بن حازم (عثمان بن عمر) بضم العين البصري مما وصله الذهلي في
الزهريات (عن يونس) بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب.
١٨٨٦ - حدّثنا قُتَيبةُ حدَّثَنَا إِسمعيلُ بنُ جَعفرٍ عن حُميدٍ عن أنَسٍ رضيَ اللهُ عنه: ((أنَّ النبيَّ
كان إِذا قَدمَ من سَفَرٍ فَنَظَرَ إِلى جُدُراتِ المدينةِ أوضَعَ راحِلتَهُ، وإِنْ كان على دابَّةٍ حَرَّكها، مِن حُبِّها)).
وبه قال: (حدثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدثنا إسماعيل بن جعفر) الأنصاري الزرقي (عن
حميد) بضم الحاء وفتح الميم مصغرًا ابن أبي حميد الطويل البصري (عن أنس رضي الله عنه):
(أن النبي ◌َّ كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدرات المدينة) بضم الجيم والدال جمع جدار
جمع سلامة (أوضع) بفتح الهمزة وسكون الواو وبالضاد المعجمة أي حمل (راحلته) على السير السريع
(وإن كان على دابة حركها من حبها) أي حرك الدابة من حب المدينة وقد استجاب الله تعالى دعاء
نبيه ◌َّ حيث دعا اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد حتى كان يحرك دابته إذا رآها من حبها
اللهم حببها إلينا وحبب صالحي أهلها فينا واجعل لنا بها قرارًا ورزقًا وتوفنا بها في عافية بلا محنة .
١١ - باب كراهيةِ النبيِّ وَّهِ أن تُعرَى المدينةُ
(باب كراهية النبي ◌ٍَّ﴿ أن تعرى المدينة) بضم التاء من تعرى أي تخلو وأعريت المكان جعلته
خاليًا ولأبي ذر أن تعرى بفتحها أي تخلو وتصير عراء وهو الفضاء من الأرض الذي لا سترة به.
١٨٨٧ - حدثنا ابنُ سَلام أخبرَنا الفَزاريُّ عن حُميدِ الطويلِ عن أنسٍ رضيَ اللهُ عنهُ قال:
((أرادَ بنو سَلِمةَ أن يتحوَّلوا إلى قُربِ المسجدِ، فَكَرِهَ رسولُ اللّهِ وَهَ أن تُعرَى المدينةُ وقال: يا بني
سَلمةَ ألا تَحْتَسِبونَ آثارَكم؟ فأقاموا)).
وبالسند قال: (حدثنا) ولأبي ذر وابن عساكر حدثني بالإفراد (ابن سلام) بتخفيف اللام محمد
السلمي مولاهم البخاري البيكندي قال: (أخبرنا الفزاري) بفتح الفاء وتخفيف الزاي وبعدها راء
مروان بن معاوية (عن حميد الطويل عن أنس رضي الله عنه قال: أراد بنو سلمة) بكسر اللام بطن
كبير من الأنصار (أن يتحولوا) من منازلهم (إلى قرب المسجد) لأنها كانت بعيدة منه (فكره
رسول الله ◌َ أن تعرى المدينة) بضم أول تعرى ولأبي ذر تعرى بفتحه (وقال): عليه الصلاة
والسلام:
(يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم؟) أي ألا تعدون الأجر في خطاكم إلى المسجد فإن لكل
خطوة أجرًا (فأقاموا) في منازلهم وأراد عليه الصلاة والسلام أن تبقى جهات المدينة عامرة بساكنيها
ليعظم المسلمون في أعين المنافقين والمشركين إرهابًا لهم وغلظة عليهم.
و

٤٣٢
كتاب فضائل المدينة/ باب ١٢/ حديث ١٨٨٨
فإن قلت: لم ترك عليه الصلاة والسلام التعليل بذلك وعلل بمزيد الأجر لبني سلمة؟ أجيب:
بأنه ذكر لهم المصلحة الخاصة بهم ليكون ذلك أدعى لهم على الموافقة وأبعث على نشاطهم إلى البقاء
في ديارهم، وعلى هذا فهمه البخاري، ولذا ترجم عليه ترجمتين: إحداهما في صلاة الجماعة باب
احتساب الآثار، والأخرى كراهة الرسول أن تعرى المدينة.
١٢ - باب
هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة فهو كالفصل مما قبله.
١٨٨٨ - حدثنا مُسدَّدٌ عن يحيى عن عُبيدِ اللّهِ بنِ عمرَ قال: حدَّثَني خُبِيبُ بنُ
عبد الرحمنِ عن حفصِ بنِ عاصمٍ عن أبي هريرةَ رضيَ اللّهُ عنه عنِ النبيِّ وَِّ قال: ((ما بينَ بَيتي
ومِنبري رَوضةٌ من رياضِ الجَنَّة، ومِنبري على حَوضي)).
وبالسند قال: (حدثنا مسدد) بالسين المهملة بعد الميم المضمومة وتشديد المهملة الأولى ابن
مسرهد (عن يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله بن عمر) بضم العين وفتح الموحدة مصغرًا
العمري (قال: حدثني) بالإفراد (خبيب بن عبد الرحمن) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأولى
وهو خال عبيد اللَّه (عن حفص بن عاصم) أي ابن عمر بن الخطاب (عن أبي هريرة رضي الله عنه
عن النبي ◌َّ) أنه (قال):
(ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) حقيقة بأن يكون مقتطعًا منها كما أن الحجر
الأسود والنيل والفرات منها أو مجازًا بأن يكون من إطلاق اسم المسبب على السبب فإن ملازمة ذلك
المكان للعبادة سبب في نيل الجنة وهذا فيه نظر إذ لا اختصاص لذلك بتلك البقعة على غيرها أو هي
كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة وحصول السعادة أو أن تلك البقعة تنقل بعينها فتكون
روضة من رياض الجنة ولا مانع من الجمع فهي من الجنة، والعمل فيها يوجب لصاحبه روضة في
الجنة وتنقل هي أيضًا إلى الجنة. وفي رواية ابن عساكر: وقبري بدل بيتي.
قال الحافظ ابن حجر: وهو خطأ فقد تقدم هذا الحديث في كتاب الصلاة قبيل الجنائز بهذا
الإسناد بلفظ بيتي وكذلك هو في مسند مسدد شيخ البخاري فيه، نعم وقع في حديث سعد بن أبي
وقاص عند البزار بسند رجاله ثقات، وعند الطبراني من حديث ابن عمر بلفظ القبر، فعلى هذا المراد
بالبيت في قوله بيتي أحد بيوته لا كلها وهو بيت عائشة الذي صار فيه قبره. وقد ورد الحديث بلفظ
ما بين المنبر وبيت عائشة روضة من رياض الجنة أخرجه الطبراني في الأوسط اهـ.
(ومنبري) يوضع بعينه يوم القيامة (على حوضي) والقدرة صالحة لذلك وقيل يوضع له هناك
منبر وقيل ملازمة منبره للأعمال الصالحة تورد صاحبها الحوض وهو الكوثر فيشرب منه واستدل به

٤٣٣
كتاب فضائل المدينة/ باب ١٢ / حديث ١٨٨٩
على أن المدينة أفضل من مكة لأنه أثبت أن الأرض التي بين البيت والمنبر من الجنة، وقد قال في
الحديث الآخر: ((لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها)).
وأجيب: بأن قوله من الجنة مجاز ولو كانت من الجنة حقيقة لكانت كما وصف الله الجنة بقوله
تعالى: ﴿إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى﴾ [طه: ١١٨] سلمنا أنه على الحقيقة، لكن لا نسلم أن
الفضل لغير تلك البقعة.
وهذا الحديث قد سبق في آخر كتاب الصلاة في باب فضل ما بين القبر والمنبر.
١٨٨٩ - حدثنا عُبِيدُ بنُ إِسمعيلَ حدَّثَنا أبو أسامةَ عن هِشام عن أبيهِ عن عائشةً
رضيَ اللّهُ عنها قالت: لما قَدِمَ رسولُ اللّهِ نَّهُ المدينةَ وُعِكَ أبو بكرٍ وبلالٌ، فكانَ أبو بكرٍ إذا
أخَذَتْهُ الحُمّى يقول :
كل امرىءٍ مُصبَّحُ في أهلهِ والموتُ أدنى من شِراكِ نعلهِ
وكان بلالٌ إِذا أقلعَ عنه الحمّى يَرفَعُ عَقيرتَهُ يقول :
ألا ليتَ شِعرِي هل أبِيتَنَّ ليلةٌ بوادٍ وحَولي إِذخِرٌ وجَلِيلُ
وهَل أرِدَنْ يومًا مِياهَ مجئَّةٍ وهل يَبْدُوَنْ لي شامة وطَفِيلُ
وقال: اللّهمَّ العَنْ شَيبةَ بنَ رَبيعةَ وعُتبةَ بنَ رَبيعةَ وأُميَّةَ بنَ خَلَفٍ، كما أخرَجونا مِن أرضِنا
إلى أرضِ الوَباءِ. ثمَّ قال رسولُ اللّهِ وَّر: اللّهمَّ حَبُبْ إِلينا المدينةَ كحُبُّنا مكةَ أو أشدَّ. اللهمَّ بارك
لنا في صاعِنا وفي مُدِّنا، وصَحِّحْها لنا، وانقُلْ حُمّاها إلى الجُحْفةِ. قالت: وقَدِمْنا المدينةَ وهيَ
أوبأُ أرضِ اللّه، قالت: فكان بُطحانُ يَجري نَجْلاً. تَعني ماءً آجِنًا)). [الحديث ١٨٨٩ - أطرافه في:
٣٩٢٦، ٥٦٥٤، ٥٦٧٧، ٦٣٧٢].
وبه قال: (حدثنا عبيد بن إسماعيل) بضم العين واسمه في الأصل عبد الله القرشي الكوفي
الهباري قال: (حدثنا أبو أسامة) بضم الهمزة حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير بن
العوام (عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما قدم رسول الله وَلخير المدينة) يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة
خلت من ربيع الأول كما جزم به النووي في كتاب السير من الروضة (وعك) بضم الواو وكسر
العين المهملة أي حمّ (أبو بكر) الصديق (وبلال) رضي الله عنهما (فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى
يقول):
(كل امرىء مصبح) بضم الميم وفتح الصاد المهملة والموحدة المشددة أي يقال له أنعم صباحًا
أو يسقي صبوحه وهو شرب الغداة (في أهله).
أشاد الماء / ج ٤/ ٢٨

٤٣٤
كتاب فضائل المدينة/ باب ١٢/ حديث ١٨٨٩
(والموت أدنى) أقرب (من الشراك نعله).
بكسر الشين المعجمة وسكون الهاء فيهما فى اليونينية أحد سيور النعل التي تكون على
وجهها .
(وكان بلال) رضي الله عنه (إذا أقلع) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول ولأبي ذر أقلع بفتحها أي
كف (عنه الحمى يرفع عقيرته) بفتح العين وكسر القاف وسكون التحتية فعيلة بمعنى مفعولة أي
صوته باکیًا حال كونه (يقول):
(ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة).
(بواد) ويروى بفج (وحولي) مبتدأ خبره (إذخر) بكسر الهمزة وبمعجمتين الحشيش المعروف
(وجلیل).
بفتح الجيم وكسر اللام الأولى نبت ضعيف وهو الثمام والجملة حالية وأنشده الجوهري في
مادة جلل بمكة حولي بلا واو وهو أيضًا حال:
(وهل أردن) بالنون الخفيفة (يومًا مياه مجنة).
بفتح الميم وكسرها وفتح الجيم والنون المشددة موضع على أميال يسيرة من مكة بناحية مرّ
الظهران. وقال الأزرقي: على بريد من مكة وهو سوق هجر (وهل يبدون) بالنون الخفيفة أي يظهرن
(لي شامة) بالشين المعجمة (وطفیل).
يفتح المهملة وكسر الفاء جبلان على نحو ثلاثين ميلاً من مكة أو الأول جبل من حدود هرشی
مشرف هو وشامة على مجنة أو عينان. قيل: وليس هذان البيتان لبلال بل لبكر بن غالب بن
عامر بن الحرث بن مضاض الجرهمي أنشدهما عندما نفتهم خزاعة من مكة. وتأمل كيف تعزى أبو
بكر رضي الله عنه أخذ الحمى بما ينزل به من الموت الشامل للأهيل والغريب، وبلال
رضي الله عنه تمنى الرجوع إلى وطنه على عادة الغرباء يظهر لك فضل أبي بكر على غيره من الصحابة
رضي الله عنهم.
(قال): أي بلال، وفي نسخة: وقال بواو العطف، وسقط ذلك في رواية أبي ذر وابن عساكر
واقتصر على قوله: (اللهم العن شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا) أي
اللهم أبعدهم من رحمتك كما أبعدونا (من أرضنا) مكة (إلى أرض الوباء) بالهمزة والمد وقد يقصر
الموت الذريع يريد المدينة (ثم قال رسول الله (النهار):
(اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد) حبًا من حبنا لمكة (اللهم بارك لنا في صاعنا وفي
مدنا) صاع المدينة وهو كيل يسع أربعة أمداد والمدّ رطل وثلث عند أهل الحجاز ورطلان في غيرها.

٤٣٥
كتاب فضائل المدينة/ باب ١٢ / حديث ١٨٩٠
والثاني قول أبي حنيفة، وقيل يحتمل أن ترجع البركة إلى كثرة ما يكال بها من غلاتها وثمارها
(وصححها) أي المدينة (لنا) من الأمراض (وانقل حماها إلى الجحفة) بضم الجيم وسكون الهملة
ميقات أهل مصر وخصها لأنها كانت إذ ذاك دار شرك ليشتغلوا بها عن معونة أهل الكفر فلم نزل
من يومئذ أكثر الله حمى لا يشرب أحد من مائها إلاّ حمَّ.
قال عروة بالسند السابق: (قالت): عائشة رضي الله عنها (وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله)
بهمزة مضمومة آخر أوبأ على وزن أفعل التفضيل أي أكثر وباء وأشد من غيرها (قالت): عائشة أيضًا
رضي الله عنها (فكان بطحان) بضم الموحدة وسكون الطاء وفتح الحاء المهملتين وبعد الألف نون واد
في صحراء المدينة (يجري نجلاً) بفتح النون وسكون الجيم ماء يجري على وجه الأرض.
قال الراوي: (تعني) عائشة (ماء آجئًا) بفتح الهمزة الممدودة وكسر الجيم بعدها نون أي
متغيرًا، وغرض عائشة بذلك بيان السبب في كثرة الوباء بالمدينة لأن الماء الذي هذا صفته يحدث عنه
المرض.
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الحج.
١٨٩٠ - حدثنا يحيى بنُ بُكَيرِ حدَّثَنا الليثُ عن خالدِ بنِ يزيدَ عن سعيدِ بنِ أبي هِلالٍ عن
زيدٍ بنَ أسلمَ عن أبيهِ عن عمرَ رضيَ اللّهُ عنهُ قال: اللهمَّ ارزُقْني شهادةً في سَبيلِكَ، واجعَلْ موتي
في بلدِ رسولِكِ نَّهُ. وقال ابنُ زُرَيعِ عن رَوحِ بنِ القاسمِ عن زيدِ بنِ أسلمَ عن أمِّهِ عن
حَفصةً بنتِ عمرَ رضيَ اللّهُ عنهما قالت: سمعتُ عمرَ .. نحوَه. وقال هِشامٌ عن زيدٍ عن أبيهِ عن
حفصةَ: سمعتُ عمرَ رضيَ اللّهُ عنه.
وبه قال: (حدثنا يحيى بن بكير) المصري بالميم قال: (حدثنا الليث) بن سعد الإمام (عن
خالد بن يزيد) من الزيادة (عن سعيد بن أبي هلال) الليثي المدني (عن زيد بن أسلم عن أبيه) أسلم
مولى ابن عمر بن الخطاب (عن عمر رضي الله عنه) أنه (قال: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك) قد
استجيبت دعوته فقتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة
ثلاث وعشرين فحصل له ثواب الشهادة لأنه قتل ظلمًا (واجعل موني في بلد رسولك بَّر) فتوفي
بها من ضربة أبي لؤلؤة في خاصرته، ودفن عند أبي بكر رضي الله عنه عند النبي وَّرِ فالثلاثة في بقعة
واحدة وهي أشرف البقاع على الإطلاق.
ومناسبة هذا الأثر لما ترجم به في طلبه الموت بالمدينة إظهارًا لمحبته إياها كمحبته مكة وأعلى.
(وقال ابن زريع): يزيد مما وصله الإسماعيلي (عن روح بن القاسم) بفتح الراء (عن زيد بن
أسلم عن أمه) وفي الأولى قال عن أبيه وفي نسخة بالفرع عن أبيه (عن حفصة) بنت عمر

٤٣٦
كتاب فضائل المدينة/ باب ١٢ / حديث ١٨٩٠
رضي الله عنهما قالت: (سمعت عمر يقول نحوه). ولفظ الإسماعيلي: اللهم قتلاً في سبيلك ووفاة
في بلد نبيك قالت: فقلت: وأنى يكون هذا؟ قال: يأتي به الله إذا شاء.
(وقال هشام): هو ابن سعد القرشي مما وصله ابن سعد (عن زيد) هو ابن أسلم (عن أبيه عن
حفصة) أنها قالت: (سمعت عمر رضي الله عنه) يقول فذكر مثله وفي آخره أن الله يأتي بأمره
إن شاء. وأراد المؤلف بهذين التعليقين بيان الاختلاف فيه على زيد بن أسلم فاتفق هشام بن سعد
وسعيد بن أبي هلال على أنه عن زيد عن أبيه أسلم عن عمر. وتابعهما حفص بن ميسرة عن زيد
عند عمر بن شبة وانفرد روح بن القاسم عن زيد بقوله عن أمه.
تم كتاب الحج ولله الحمد.

بسم الله الرحمن الرحيم
٣٠ - كتاب الصوم
(بسم الله الرحمن الرحيم) كذا في فرع اليونينية وفي غيرها بتقديم البسملة.
(كتاب الصوم) وفي رواية النسفي كما في فتح الباري كتاب الصيام بكسر الصاد والياء بدل
الواو وهما مصدران لصام، - وثبتت البسملة - للجميع وذكر الصوم متأخرًا عن الحج أنسب من ذكره
عقب الزكاة لاشتمال كل منهما على بذل المال، فلم يبق للصوم موضع إلا الأخير وهو ربع الإيمان
لقوله ◌َيقر: ((الصوم نصف الصبر)) وقوله ((الصبر نصف الإيمان)).
وشرعه سبحانه لفوائد أعظمها كسر النفس وقهر الشيطان فالشبع نهر في النفس يرده الشيطان
والجوع نهر في الروح ترده الملائكة.
ومنها: أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره على ما منع منه كثير من الفقراء من فضول
الطعام والشراب والنكاح فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص وحصول المشقة له بذلك يتذكر به
من منع ذلك على الإطلاق فيوجب له ذلك شكر نعمة الله تعالى عليه بالغنى ويدعوه إلى رحمة أخيه
المحتاج ومواساته بما يمكن من ذلك.
وهو لغة الإمساك ومنه قوله تعالى حكاية عن مريم عليها السلام: ﴿إني نذرت للرحمن صومًا﴾
[مريم: ٢٦] أي إمساكًا وسكوتًا عن الكلام وقول النابغة:
خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
وشرعًا إمساك عن المفطر على وجه مخصوص. وقال الطيبي: إمساك المكلف بالنية من الخيط
الأبيض إلى الخيط الأسود عن تناول الأطيبين والاستمناء والاستقاء فهو وصف سلبيّ وإطلاق العمل
عليه تجوّز.

٤٣٨
كتاب الصوم/ باب ١/ حديث ١٨٩١
١ - باب وُجوبٍ صوم رمضان، وقولِ اللّهِ تعالى:
يا أيها الذين آمنوا كُتبَ عَلَيكُم الصيامُ كما كُتبَ على الذينَ
مِن قبلكم لعلكم تَتقون﴾ [البقرة: ١٨٣]
(باب وجوب صوم) شهر (رمضان) وكان في شعبان من السنة الثانية من الهجرة ورمضان
مصدر رمض إذا احترق لا ينصرف للعلمية والألف والنون، وإنما سموه بذلك إما لارتماضهم فيه من
حر الجوع والعطش أو لارتماض الذنوب فيه، أو لوقوعه أيام رمض الحر حيث نقلوا أسماء الشهور
عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر أو من رمض
الصائم اشتد حر جوفه أو لأنه يحرق الذنوب. ورمضان إن صح أنه من أسماء الله تعالى فغير مشتق
أو راجع إلى معنى الغافر أي يمحو الذنوب ويمحقها.
وقد روى أبو أحمد بن عدي الجرجاني من حديث نجيح أبي معشر عن سعيد المقبري عن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ لجر: ((لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله
تعالى)) وفيه أبو معشر ضعيف لكن قالوا يكتب حديثه.
(وقول الله تعالى): بالجر عطفًا على سابقه (﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب
على الذين من قبلكم﴾) يعني الأنبياء والأمم من لدن آدم وفيه توكيد للحكم وترغيب للفعل وتطييب
للنفس (﴿لعلكم تتقون)) [البقرة: ١٨٣] المعاصي فإن الصوم يكسر الشهوة التي هي مبدؤها كما قال
عليه الصلاة والسلام فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء، وهل صيام رمضان من خصائص هذه الأمة
أم لا؟ إن قلنا إن التشبيه الذي يدل عليه كاف كما في قوله: (﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾) على
حقيقته فيكون رمضان كتب على من قبلنا. وذكر ابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا
صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم وفي إسناده مجهول، وإن قلنا: المراد مطلق الصوم دون قدره
ووقته فيكون التشبيه واقعًا على مطلق الصوم وهو قول الجمهور.
١٨٩١ - حدثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ حدَّثَنا إِسمعيلُ بنُ جعفرٍ عن أبي سُهيلٍ عن أبيهِ عن
طلحةَ بنِ عُبيدِ اللَّهِ: ((أنَّ أعرابِيًّا جاءَ إلى رسولِ اللّهِ وَ لَهَ ثائرَ الرأسِ فقال: يا رسولَ اللّهِ، أخبِرْني
ماذا فَرَضَ اللّهُ عليَّ منَ الصلاة؟ فقال: الصلواتُ الخمسُ إِلاّ أنْ تَطَّوَّعَ شيئًا. فقال: أخبِرْني بما
فَرِضَ اللّهُ عليَّ منَ الصيام؟ فقال: شهرَ رمضانَ إلاّ أن تَطَّوَّعَ شيئًا. فقال: أخبِرْني ما فرضَ اللهُ
عليَّ منَ الزكاةِ؟ قال: فأخبرَهُ رسولُ اللّهِ وَّهِ بشرائع الإِسلام. قال: والذي أكرمَكَ بالحقِّ، لا
أَتَطَّوَّعُ شيئًا ولا أنقُصُ مما فرَضَ اللّهُ عليَّ شيئًا. فقال رسولُ اللّهِ وَ لهَ: أفلحَ إن صدّق. أو دخلَ
الجنة إن صدق)».

٤٣٩
كتاب الصوم/ باب ١/ حديث ١٨٩١
وبالسند قال: (حدثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي قال (حدثنا إسماعيل بن جعفر) الأنصاري المدني
(عن أبي سهيل) بضم السين وفتح الهاء مصغرًا نافع (عن أبيه) مالك بن أبي عامر أبي أنس الأصبحي
المدني جدّ مالك الإمام (عن طلحة بن عبيد الله) أحد العشرة المبشرة بالجنة.
(أن أعرابيًا) تقدم في الإيمان أنه ضمام بن ثعلبة (جاء إلى رسول الله وَليو): حال كونه (ثائر
الرأس) بالمثلثة أي منتفش شعر الرأس (فقال يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله علّ من الصلاة؟)
بالإفراد (فقال): رسول الله مَ ﴿ هو (الصلوات الخمس) في اليوم والليلة ولأبي ذر: الصلوات
الخمس بالنصب بتقدير فرض زاد في الإيمان فقال هل عليّ غيرها؟ فقال: لا. (إلا أن تطوّع شيئًا؟)
بتشديد الطاء وقد تخفف وهل الاستثناء منقطع أو متصل، فعلى الأول يكون المعنى لكن التطوّع
مستحب لك وحينئذ لا تلزم النوافل بالشروع فيها، وقد روى النسائي وغيره أن النبي ◌َّ ار كان
أحيانًا ينوي صوم التطوّع ثم يفطر فدل على أن الشروع في النفل لا يستلزم الإتمام فهذا نص في
الصوم وبالقياس في الباقي، وقال الحنفية: متصل واستدلوا به على أن الشروع في التطوّع يلزم إتمامه
لأنه نفى وجوب شيء آخر إلا تطوّع به والاستثناء من النفي إثبات والمنفي وجوب شيء آخر فيكون
المثبت بالاستثناء وجوب ما تطوّع به وهو المطلوب، وهذا مغالطة لأن هذا الاستثناء من وادي قوله
تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ [النساء: ٢٢] وقوله تعالى: ﴿لا
يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ [الدخان: ٥٦] أي لا يجب عليك شيء قط إلا أن تطوّع، وقد
علم أن التطوع ليس بواجب فيلزم (فقال) الأعرابي (أخبرني) يا رسول الله (ما) ولأبوي ذر والوقت
وابن عساكر: بما (فرض الله علّ من الصيام؟) (فقال): عليه الصلاة والسلام: فرض الله عليك
(شهر رمضان) زاد في الإيمان فقال: هل علّ غيره؟ فقال: لا. (إلا أن تطوع شيئًا فقال): الأعرابي
(أخبرني ما فرض الله علّ من الزكاة فقال): ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: قال: (فأخبره
رسول الله وَر) بشرائع الإسلام الشاملة لنصب الزكاة ومقاديرها والحج وأحكامه أو كان الحج لم
يفرض أو لم يفرض على الأعرابي السائل وبهذا يزول الإشكال عن الإخبار بفلاحه لتناوله جميع
الشرائع، وفي رواية غير أبي ذر وابن عساكر شرائع بحذف باء الجر والنصب على المفعولية. (قال)
الأعرابي (و)الله (الذي أكرمك) زاد الكشميهني بالحق (لا أتطوّع شيئًا ولا أنقص مما فرض الله عليّ
شيئًا فقال رسول الله ويالغير: أفلح) أي ظفر وأدرك بغيته دنيا وأخرى (إن صدق. أو دخل الجنة)،
ولأبي ذر أو أدخل الجنة (إن صدق). والشك من الراوي.
فإن قلت: مفهومه أنه إذا تطوع لا يفلح أو لا يدخل الجنة؟ أجيب: بأنه مفهوم مخالفة ولا
عبرة به ومفهوم الموافقة مقدم عليه فإذا تطوّع يكون مفلحًا بالطريق الأولى.
وفي الحديث دلالة على أنه لا فرض في الصوم إلا رمضان وسبق في كتاب الإيمان كثير من
مباحثه .

٤٤٠
کتاب الصوم/ باب ١/ حديث ١٨٩٢ و ١٨٩٣
١٨٩٢ - حدثنا مُسدَّدٌ حدَّثَنا إسماعيلُ عن أيوبَ عنِ نافع عنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللّهُ عنهما
قال: ((صامَ النبيُّوَ لَ عاشوراءَ وأمرَ بصيامِه، فلما فُرِضَض رمضانُ تُرِكَ. وكان عبدُ اللّهِ لا يَصومهُ إِلاّ
أن يُوافِقَ صومَه)). [الحديث ١٨٩٢ - طرفاه في: ٢٠٠٠، ٤٥٠١].
وبه قال (حدثنا مسدد) قال (حدثنا إسماعيل) بن علية (عن أيوب) السختياني (عن نافع) مولى
ابن عمر (عن ابن عمر رضي الله عنهما قال): (صام النبي ◌َّ عاشوراء)، بالمد ويقصر العاشر من
المحرم أو هو التاسع منه مأخوذ من اظماء الإبل فإن العرب تسمي اليوم الخامس من أيام الورد ربعًا
وكذا باقيها على هذه النسبة فيكون التاسع عشرًا والأول هو الصحيح.
(وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك) صوم عاشوراء واستدل به الحنفية على أنه كان فرضًا ثم
نسخ بفرض رمضان وهو وجه عند الشافعية والمشهور عندهم أنه لم يجب قط صوم قبل رمضان ويدل
لذلك حديث معاوية مرفوعًا لم یکتب الله علیکم صيامه .
(وكان عبد اللَّه) بن عمر راوي الحديث (لا يصومه) أي عاشوراء مخافة ظن وجوبه أو أن
يعظم في الإسلام كالجاهلة وإلا فهو سنة كما سيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى: (إلا أن يوافق
صومه). الذي كان يعتاده فيصومه على عادته لا لتنفله بعاشوراء.
١٨٩٣ - حدثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ حدَّثَنَا اللَّيثُ عن يَزِيدَ بنَ أبي حَبيبٍ أنَّ عِراكَ بنَ مالكِ حدَّثَهُ
أنَّ عُروةَ أخبرَهُ عن عائشةَ رضيَ اللّهُ عنها: ((أنَّ قُرِيشًا كانت تَصومُ يومَ عاشوراءَ في الجاهليةِ، ثمَّ
أمْرَ رسولُ اللّهِ نَّه بِصِيامِهِ حتّى فُرِضَ رمضانُ، وقال رسولُ اللّهِ لَّهِ: مَن شاءَ فَلْيَصُمْهُ، ومَن شاءَ
أفطَرَ)) .
وبه قال (حدثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي قال: (حدثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يزيد بن أبي
حبيب) المصري أبي رجاء واسم أبيه سويد (أن عراك بن مالك) بكسر العين وتخفيف الراء وبعد
الألف كاف (حدثه أن عروة) بن الزبير بن العوّام (أخبره عن عائشة رضي الله عنها):
(أن قريشًا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية) وكان رسول الله وَّل يصومه في الجاهلية
(ثم أمر رسول الله وَّم) الناس (بصيامه) لما قدم المدينة وصامه معهم (حتى فرض رمضان، وقال
رسول الله ◌َلاير: من شاء فليصمه) أي عاشوراء ولأبي ذر عن الكشميهني فليصم بحذف ضمير
المفعول (ومن شاء أفطر) بحذف الضمير ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أفطره بإثباته وقال: في
بلفظ الأمر وفي الإفطار أفطر إشعارًا بأن جانب الصوم أرجح.
وهذا الحديث أخرجه مسلم وأخرجه النسائي في الحج والتفسير.