النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ كتاب جزاء الصيد/ باب ٢٦ / حديث ١٨٦٢ فإن الذي وجدته في ثلاثة أصول معتمدة ألا نغزو أو نجاهد بألف واحدة بين الواوين وهي ألف الجمع، والواو التالية لها واو الجمع بلا ريب، فالكرماني اعتمد على الأصل المعتمد، وقد قال في القاموس: الجهاد بالكسر القتال مع العدو، ثم قال غزاه غزوّا أراده وطلبه وقصده كاغتزاه والعدو سار إلى قتالهم وانتهابهم، ففرق بين الجهاد والغزو كما فرق الكرماني، وبالجملة فيحتمل أن يكون فيها روايتان واو العطف أو أو للشك والعلم عند الله تعالى (فقال) عليه الصلاة والسلام: (لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج حج مبرور) بضم الكاف وتشديد النون بلام الجر الداخلة على ضمير المخاطبات وهو ظرف مستقر خبر أحسن وأجمله عطف عليه والحج بدل من أحسن وحج مبرور خبر مبتدأ محذوف أي هو حج مبرور أو بدل من البدل، ويجوز لكن بفتح اللام وكسر الكاف مع زيادة ألف قبل الكاف وتشديد النون للاستدراك وأحسن نصب بها وهذا في الفرع كأصله، وعزاه صاحب الفتح في باب: فضل الحج المبرور للحموي، وقال التيمي: لكن بتخفيف النون وسكونها وأحسن مبتدأ والحج خبره، (فقالت عائشة: فلا أدع الحج) أي ألا أتركه (بعد إذ سمعت هذا) الفضل (من رسول الله (صَلؤ). وهذا الحديث سبق في باب فضل الحج المبرور في أوائل كتاب الحج. ١٨٦٢ - حدثنا أبو النُّعمانِ حدَّثَنَا حَمّادُ بنُ زيدٍ عن عمرو عن أبي مَعَبَدٍ مولى ابنِ عبّاسٍ عنِ ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللّهُ عنه قال: قال النبيُّ نَّهَ: ((لا تُسافِرُ المرأةُ إِلاَّ معَ ذي مَحْرَم، ولا يَدخُلُ عليها رجُلٌ إِلا ومعَها مَخْرَم. فقال رجلٌ: يا رسولَ اللّهِ إِني أُريدُ أن أخرُجَ في جيشٍ كذا وكذا، وامرأتي تُريدُ الحَجَّ، فقال: اخْرُجُ معَها)). [الحديث ١٨٦٢ - أطرافه في ٣٠٠٦، ٣٠٦١، ٥٢٣٣]. وبه قال: (حدثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدثنا حماد بن زيد عن عمرو) هو ابن دينار (عن أبي معبد) بفتح الميم وسكون العين وفتح الموحدة نافذ بفاء ومعجمة المكي (مولى ابن عباس عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال: قال النبي وَلِيَّ): (لا تسافر المرأة) شابة أو عجوزًا سفرًا قليلاً أو كثيرًا للحج أو غيره (إلا مع ذي محرم) بنسب أو غيره وفي الرواية الآتية إن شاء الله تعالى في هذا الباب ليس معها زوج أو ذو محرم لتأمن على نفسها (ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم) لها فيه حرمة اختلاء الأجنبي مع المرأة. (فقال رجل) لم يسمّ (يا رسول الله إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا)؟ لم يسم الغزوة وفي الجهاد إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا أي كتبت نفسي في أسماء من عين لتلك الغزوة (وامرأتي تريد الحج فقال) عليه الصلاة والسلام: (اخرج معها) إلى الحج، واستدل به الحنابلة على أنه ليس للزوج منع امرأته من حج الفرض إذا استكملت شروط الحج وهو وجه للشافعية، والأصح عندهم أن له منعها لكون الحج على التراخي، وأخذ بعضهم بظاهره فأوجب على الزوج السفر مع امرأته إذا لم يكن لها غيره، وبه قال إرشاد الساري / ج ٤/ م ٢٦ ٤٠٢ كتاب جزاء الصيد/ باب ٢٦/ حديث ١٨٦٣ أحمد. والمشهور عند الشافعية أنه لا يلزمه فلو امتنع إلا بالأجرة لزمها وفيه كما قال النووي تقديم الأهم فالأهم عند المعارضة فرجح الحج لأن الغزو يقوم فيه غيره مقامه بخلاف الحج معها، وقد أخرج المؤلف هذا الحديث أيضًا في الجهاد والنكاح ومسلم في الحج. ١٨٦٣ - حدّثنا عَبدانُ أخبرنا يزيدُ بنُ زُرَيعِ أخبرَنا حبيبٌ المعلّمُ عن عطاءِ عنِ ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللّهُ عنهما قال: ((لمّا رَجَعَ النبيُّ ◌ََّ من حَجَّتِهِ قال لأمِّ سِنانِ الأنصاريةِ: ما مَنَعَكِ منَ الحجُ؟ قالت: أبو فُلانٍ - تَعني زَوجَها - كان له ناضِحانِ حَجَّ على أحَدِهما، والآخرُ يَسقِي أرضًا لنا. قال: فإِنَّ عُمرةً في رمضانَ تَقضِي حَجة معي)) رواه ابنُ جُريج عن عطاءٍ سمعتُ ابنَ عبّاسٍ عن النبيِّ ◌ََّ. وقال عُبيدُ اللّهِ عن عبدِ الكريم عن عَطاءٍ عن جَابٍ عنِ النبيِّ ◌َّر. وبه قال: (حدثنا عبدان) هو لقب عبد اللَّه بن عثمان بن جبلة بن أبي رواد المروزي قال: (أخبرنا يزيد بن زريع) بضم الزاي مصغرًا قال: (أخبرنا حبيب المعلم) بفتح العين وكسر اللام المشددة ابن قريبة بضم القاف وفتح الموحدة مصغرًا (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما رجع النبي وَلجر من حجته) إلى المدينة (قال لأم سنان الأنصارية) وفي عمرة رمضان قال رسول الله لهو لامرأة من الأنصار سماها ابن عباس فنسيت اسمها، وقد سبق هناك أن الناسي ابن جريج لا عطاء لأنه سماها هنا كما ترى، ويحتمل كما سبق أنه كان ناسيًا لما حدث به ابن جریج وذاکرًا لما حدث حبيبًا . (ما منعك من الحج) معنا (قالت) أم سنان: يا رسول الله (أبو فلان) أي أبو سنان (تعني زوجها) أبا سنان، وفي عمرة رمضان قالت: كان لنا ناضح، ولمسلم ناضحان وفي اليونينية كان له ناضحان ملحقة (حج على أحدهما و) الناضح (الآخر يسقي أرضًا لنا قال) عليه الصلاة والسلام: (فإن عمرة في رمضان تقضي حجة معي) يعني في الثواب وليس المراد أن العمرة تقضي بها فرض الحج وإن كان ظاهره يشعر بذلك بل هو من باب المبالغة وإلحاق الناقص بالكامل للترغيب فيه ولأبي ذر تقضي حجة أو حجة معي بالشك. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: ما منعك من الحج فإن فيه دلالة على أن النساء يحججن والترجمة في حج النساء. (رواه) أي الحديث المذكور (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز فيما سبق موصولاً في عمرة رمضان (عن عطاء سمعت ابن عباس) رضي الله عنهما (عن النبي (وَّر) فيه تقوية طريق حبيب المعلم وتصريح عطاء بسماعه من ابن عباس. (وقال عبيد اللَّه): بضم العين مصغرًا ابن عمرو الرقي مما وصله ابن ماجة (عن عبد الكريم) بن مالك الجزري (عن عطاء عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه (عن ٤٠٣ كتاب جزاء الصيد/ باب ٢٦ / حديث ١٨٦٤ النبي (وَ﴾). وتمامه عند ابن ماجة أنه قال: ((عمرة في رمضان تعدل حجة)). قال الحافظ ابن حجر: وأراد البخاري بهذا بيان الاختلاف فيه على عطاء وقد وافق ابن أبي ليلى ويعقوب بن عطاء حبيبًا وابن جريج فتبين شذوذ رواية عبد الكريم وشذ معقل الجزري أيضًا فقال عن عطاء عن أم سليم وصنيع البخاري يقتضي ترجيح رواية ابن جريج، ويومىء إلى أن رواية عبد الكريم ليست مطرحة لاحتمال أن يكون لعطاء فيه شيخان، ويؤيد ذلك أن رواية عبد الكريم خالية عن القصة مقتصرة على المتن وهو قوله عمرة في رمضان تعدل حجة كما مرّ. ١٨٦٤ - حدثنا سليمانُ بنُ حربٍ حدَّثَنا شعبةُ عن عبدِ الملكِ بنِ عُميرٍ عن قَزْعةَ مَولی زیادٍ قال: سمعتُ أبا سعيدٍ - وقد غَزا مع النبيِّ ◌َّهَ ثِنْتِي عَشرةَ غَزوةً - قال: أربَعْ سمِعتُهنَّ من رسولِ اللّهِ وَ﴿ه- أو قال يُحدِّثُهنَّ عنِ النبيِّ - فأعجبْنَني وآنَقْنَني: أن لا تُسَافِرَ امرأةٌ مَسيرةَ يومَينِ ليس مَعها زوجُها أو ذو مَخرَم. ولا صومَ يومَينِ: الفطرِ والأضحى. ولا صلاةَ بعدَ صلاتَينِ: بعدَ العصرِ حتّى تَغْرُبَ الشمسُ، وبعدَ الصُّبحِ حتّى تَطلُعَ الشمسُ. ولا تُشَدُّ الرِّحالُ إِلاّ إلى ثلاثةِ مَساجِدَ: مَسجدِ الحَرامِ، ومَسجدي، ومسجدِ الأقصى)). وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب) الواشحي بمعجمة ثم مهملة البصري قاضي مكة قال : (حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن عبد الملك بن عمير) بضم العين وفتح الميم حليف بني عدي الكوفي ويقال له الفرسي بفتح الفاء والراء ثم مهملة نسبة إلى فرس له سابق (عن قزعة) بفتح القاف والزاي والمهملة (مولى زياد) بتخفيف التحتية (قال: سمعت أبا سعيد) الخدري رضي الله عنه (وقد غزا مع النبي وَلقر اثنتي عشرة غزوة قال): (أربع) من الحكمة (سمعتهن من رسول الله وَطير - أو قال يحدثهن.) بالشك، وللكشميهني: أخذتهن بالخاء والذال المعجمتين من الأخذ أي حملتهن (عن النبي (مر فأعجبنني) الأربع وهي بسكون الموحدة وفتح النون الأولى وكسر الثانية بصيغة الجمع للمؤنث (وآنقنني) بفتح الهمزة الممدودة والنون وسكون القاف بصيغة جمع المؤنث الماضي أي أعجبني وهو من عطف الشيء على مرادفه نحو : ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ [يوسف: ٨٦] أو أفرحني وأسررنني. قال في القاموس: الآنق محركة الفرح والسرور. (أن لا تسافر امرأة) بنصب تسافر في الفرع وغيره، وقال البرماوي كالكرماني بالرفع لا غير لأن أن هذه المفسرة لا الناصبة وهذا فيه شيء فإن قوله بالرفع لا غير إن أراد به الرواية فغير مسلم وإن أراد به من جهة العربية فكذلك، فقد قال ابن هشام في المغني: إذ أولى أن الصالحة للتفسير مضارع معه لا نحو أشرت إليه أن لا يفعل جاز رفعه على تقدير لا نافية وجزمه على تقديرها ناهية، وعليهما فأن مفسرة ونصبه على تقديره لا نافية وأن مصدرية (مسيرة يومين). وفي حديث ابن عمر ٤٠٤ كتاب جزاء الصيد/ باب ٢٦ / حديث ١٨٦٤ التقييد بثلاثة أيام، وفي حديث أبي هريرة في الصلاة بيوم وليلة، وفي حديث عائشة السابق أطلق السفر وقد أخذ أكثر العلماء بالمطلق لاختلاف التقييدات. قال النووي: ليس المراد من التحديد ظاهره بل كل ما يسمى سفرًا فالمرأة منهية عنه إلا بالمحرم وإنما وقع التحديد عن أمر واقع فلا يعمل بمفهومه. وقال ابن دقيق العيد: وقد حملوا الاختلاف على حسب اختلاف السائلين والمواطن وأنه متعلق بأقل ما يقع عليه اسم السفر، وعلى هذا يتناول السفر الطويل والقصير ولا يتوقف امتناع سفر المرأة على مسافة القصر خلافًا للحنفية، وحجتهم أن المنع المقيد بالثلاث متحقق وما عداه مشكوك فيه فيؤخذ بالمتيقن. وتعقب بأن الرواية المطلقة شاملة لكل سفر فينبغي الأخذ بها وطرح ما عداها فإنه مشكوك فيه، ومن قواعد الحنفية تقديم الخبر العام على الخاص وترك حمل المطلق على المقيد وقد خالفوا ذلك هنا . وقال صاحب العدة في شرح العمدة: وليس هذا من المطلق والمقيد الذي وردت فيه قيود متعددة وإنما هو من العام لأنه نكرة في سياق النفي فيكون من العام الذي ذكرت بعض أفراده فلا تخصيص بذلك على الراجح في الأصول. (ليس معها زوجها أو ذو محرم) ولأبي ذر في بعض النسخ: أو ذو محرم محرم بفتح الميم في الأول وتخفيف الراء وضمها في الثاني مع تشديد الراء، ولفظ امرأة عام يشمل الشابة والعجوز، لكن خص أبو الوليد الباجي المنع بغير العجوز التي لا تشتهى، أما هي فتسافر كيف شاءت في كل الأسفار بلا زوج ولا محرم. وتعقب بأن المرأة مظنة الطمع فيها ومظنة الشهوة ولو كانت كبيرة وقد قالوا لكل ساقطة لا قطة . وأجيب: بأنه ما لنا لاقطة لهذه الساقطة ولو وجد خرجت عن فرض المسألة لأنها تكون حينئذ مشتهاة في الجملة وليس الكلام فيها إنما الكلام فيمن لا تشتهى أصلاً ورأسًا، ولا نسلم أن من هي بهذه المثابة مظنة الطمع والميل إليها بوجه. قال ابن دقيق العيد: والذي قاله الباجي تخصيص العموم بالنظر إلى المعنى، وقد اختار الشافعي أن المرأة تسافر في الأمن ولا تحتاج لأحد بل تسير وحدها في جملة القافلة وتكون آمنة قال: وهذا مخالف لظاهر الحديث اهـ. وهذا الذي قاله من جواز سفرها وحدها نقله الكرابيسي، ولكن المشهور عند الشافعية اشتراط الزوج أو المحرم أو النسوة الثقات ولا يشترط أن يخرج معهن محرم أو زوج لإحداهن لانقطاع ٤٠٥ كتاب جزاء الصيد/ باب ٢٦/ حديث ١٨٦٤ الأطماع باجتماعهن ولها أن تخرج مع الواحدة لفرض الحج على الصحيح في شرحي المهذب ومسلم، ولو سافرت لنحو زيارة وتجارة لم يجز مع النسوة لأنه سفر غير واجب. قال في المجموع: والخنثى المشكل يشترط في حقه من المحرم ما يشترط في المرأة ولم يشترطوا في الزوج والمحرم كونهما ثقتين وهو في الزوج واضح وأما في المحرم فسببه كما في المهمات أن الوازع الطبيعي أقوى من الشرعي وكالمحرم عبدها الأمين صرح به المرعشي وابن أبي الصيف، والمحرم أيضًا عام فيشمل محرم النسب كأبيها وابنها وأخيها ومحرم الرضاع ومحرم المصاهرة كأبي زوجها وابن زوجها، واستثنى بعضهم وهو منقول عن مالك ابن الزوج فقال: يكره سفرها معه لغلبة الفساد في الناس بعد العصر الأول ولأن كثيرًا من الناس لا ينزل زوجة الأب في النفرة عنها منزلة محارم النسب، والمرأة فتنة إلا فيما جبل الله النفوس عليه من النفرة عن محارم النسب. قال ابن دقيق العيد: والحديث عام فإن عني بالكراهة التحريم فهو فخالف لظاهر الحديث وإن عني كراهة التنزيه فهو أقرب، واختلفوا هل المحرم وما ذكر معه شرط في وجوب الحج عليها أو شرط في التمكن فلا يمنع الوجوب والاستقرار في الذمة، والذين ذهبوا إلى الأول استدلوا بهذا الحديث فإن سفرها للحج من جملة الأسفار الداخلة تحت الحديث فتمتنع إلا مع المحرم، والذين قالوا بالثاني جوّزوا سفرها مع رفقة مأمونين إلى الحج رجالاً أو نساء كما مر وهو مذهب الشافعية والمالكية والأول مذهب الحنفية والحنابلة. قال الشيخ تقي الدين: وهذه المسألة تتعلق بالنصين إذا تعارضا وكان كل منهما عامًا من وجه خاصًا من وجه فإن قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] يدخل تحته الرجال والنساء فيقتضي ذلك أنه إذا وجدت الاستطاعة المتفق عليها أن يجب عليها الحج، وقوله وهلهو: ((لا يحل لامرأة)) الحديث خاص بالنساء عام في الأسفار فيدخل فيه الحج، فمن أخرجه عنه خص الحديث بعموم الآية، ومن أدخله فيه خص الآية بعموم الحديث، فإذا قيل به وأخرج عنه لفظ الحج لقوله تعالى (﴿ولله على الناس حج البيت﴾) قال المخالف بل يعمل بقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ فتدخل المرأة فيه ويخرج سفر الحج عن النهي فيقوم في كل واحد من النصين عموم وخصوص ويحتاج إلى الترجيح من خارج. قال: وذكر بعض الظاهرية أنه يذهب إلى دليل من خارج وهو قوله وَلير ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)) ولا يتجه ذلك فإنه عام في المساجد فيمكن أن يخرج عنه المسجد الذي يحتاج إلى السفر في الخروج إليه بحديث النهي اهـ. وقال المرداوي من الحنابلة: المحرم من شرائط الوجوب كالاستطاعة وغيرها وعليه أكثر الأصحاب، ونقله الجماعة عن الإمام أحمد وهو ظاهر لكلام الخرقي وقدمه في المحرر والفروع والحاويين والرعايتين وجزم به في المنهاج والإفادات قال ابن منجا في شرحه هذا المذهب وهو من المفردات، وعنه أن المحرم من شرائط لزوم الحج وجزم به في الوجيز وأطلقه الزركشي اهـ. ٤٠٦ كتاب جزاء الصيد/ باب ٢٧ / حديث ١٨٦٥ وفائدة الخلاف تظهر في وجوب الإيصاء به. ((و)) الثانية من الأربعة (لا صوم يومين) صوم اسم لا ويومين خبره أي لا صوم في هذين اليومين ويجوز أن يكون صوم مضافًا إلى يومين والتقدير لا صوم يومين ثابت أو مشروع يوم عيد (الفطر والأضحى) بفتح الهمزة. (و)) الثالثة: (لا صلاة بعد صلاتين بعد) صلاة (العصر حتى تغرب الشمس وبعد) صلاة (الصبح حتى تطلع الشمس و). الرابعة: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام) بمكة ومسجد بالجر بدل من سابقه (ومسجدي) بطيبة (ومسجد الأقصى) إلا بعد عن المسجد الحرام في المسافة أو عن الأقذار وهو مسجد بيت المقدس. ٢٧ - باب من نَذَرَ المشيَ إِلى الكعبةِ (باب من نذر المشي إلى الكعبة) هل يجب عليه الوفاء بذلك أم لا؟. ١٨٦٥ - حدثنا ابنُ سلام أخبرَنا الفزاريُّ عن حُميدِ الطويلِ قال: حدَّثني ثابتٌ عن أنسٍ رضيَ اللّهُ عنه: ((أنَّ النبيَّ وَ رَأَى شَيخًا يُهادَى بينَ ابنَيهِ قال: ما بالُ هذا؟ قالوا: نَذَرَ أن يمشي. قال: إِنَّ اللّهَ عن تعذيبِ هذا نفسَهُ لغَنيّ. وأمرَهُ أن يَركَبَ)). [الحديث ١٨٦٥ - طرفه في: ٦٧٠١]. وبه قال: (حدثنا ابن سلام) بتخفيف اللام، ولأبوي ذر والوقت: محمد بن سلام قال: (أخبرنا الفزاري) بفتح الفاء والزاي المخففة وبالراء هو مروان بن معاوية كما جزم به أصحاب الأطراف والمستخرجات (عن حميد الطويل قال: حدثني) بالإفراد (ثابت) البناني (عن أنس رضي الله عنه أن النبي ◌َّ رأى شيخًا) قيل: هو أبو إسرائيل نقله مغلطاي عن الخطيب، لكن قال في فتح الباري: إنه ليس في كتاب الخطيب، وقيل اسمه قيس، وقيل قيصر (يهادى) بضم التحتية وفتح الدال المهملة مبنيًا للمفعول (بين ابنيه) لم يسميا أي يمشي بينهما معتمدًا عليهما (فقال): عليه الصلاة والسلام: (ما بال هذا)؟ أي يمشي هكذا (قالوا): وفي مسلم من حديث أبي هريرة قال ابناه: يا رسول الله (نذر أن يمشي) أي نذر المشي إلى الكعبة (قال): عليه الصلاة والسلام (إن الله) عز وجل (عن تعذيب هذا نفسه لغني. أمره) ولأبي ذر عن الكشميهني: وأمره بالواو (أن يركب) أن مصدرية أي أمره بالركوب وإنما لم يأمره بالوفاء بالنذر إما لأن الحج راكبًا أفضل من الحج ماشيًا فنذر المشي يقتضي التزام ترك الأفضل فلا يجب الوفاء به أو لكونه عجز عن الوفاء بنذره وهذا هو الأظهر قاله في الفتح. ٤٠٧ كتاب جزاء الصيد/ باب ٢٧ / حديث ١٨٦٦ ١٨٦٦ - حدثنا إبراهيمُ بن موسى أخبرَنا هِشامُ بنُ يوسُفَ أَنَّ ابنَ جُرَيجٍ أخبرَهم قال: أخبرَني سَعيدُ بنُ أبي أيوبَ أنَّ يزيدَ بنَ أبي حبيبٍ أخبرَهُ أنَّ أبا الخيرِ حدَّثَهُ عن عُقبةَ بن عامرٍ قال: ((نَذَرَتْ أُختي أن تمشي إلى بيتِ اللّهِ، وأمرَثْني أن أستَفْتَيَ لها النبيَّ بَِّ، فاستفتَيتُه، فقال وََّ: لِتَمْشِ ولْتَركَبْ)). قال: وكان أبو الخير لا يُفارِقُ عُقبة. حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن يحيى بن أيوب عن يزيد عن أبي الخير عن عقبة .. فذكر الحديث . وبه قال: (حدثنا إبراهيم بن موسى) بن يزيد التميمي الفراء قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) بن عبد الرحمن (أن ابن جريج) عبد الملك (أخبرهم قال أخبرني) بالإفراد (سعيد بن أبي أيوب) الخزاعي (أن يزيد بن أبي حبيب) من الزيادة واسم أبي حبيب سويد (أخبره أن أبا الخير) هو مرثد بن عبد الله (حدثه عن عقبة بن عامر) الجهني رضي الله عنه أنه (قال: نذرت أختي) هي أم حبان بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة بنت عامر الأنصاري كما قاله المنذري والقطب القسطلاني والحلبي كما نقلوه عن ابن ماكولا. وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: لا يعرف اسم أخت عقبة هذا وما نسبه هؤلاء لابن ماكولا وهم فإنه إنما نقله عن ابن سعد وابن سعد، إنما ذكر في طبقات النساء أم حبان بنت عامر بن نابي بنون وموحدة ابن زيد بن حرام بمهملتين الأنصارية وأنه شهد بدرًا وهو مغاير للجهني (أن تمشي إلى بيت الله) الحرام، ولأحمد وأصحاب السنن من طريق عبد اللَّه بن مالك عن عقبة بن عامر الجهني: أن أخته نذرت أن تمشي حافية غير مختمرة (وأمرتني أن أستفتي لها النبي ◌َلّ فاستفتيته) ولأبوي ذر والوقت: فاستفتيت النبي وَّر، وزاد الطبراني: أنه شكا إليه ضعفها (فقال ◌َليّة): (لتمش) مجزوم بحذف حرف العلة، ولأبي ذر: لتمشي (ولتركب) بسكون اللام وجزم الباء، وفي رواية عبد الله بن مالك: مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام، وفي رواية عكرمة عن ابن عباس عند أبي داود: فلتركب ولتهد بدنة. (قال): يزيد بن أبي حبيب (وكان أبو الخير) مرثد بن عبد اللَّه (لا يفارق عقبة) بن عامر الجهني والمراد بذلك بيان سماع أبي الخير له من عقبة. وبالسند قال: (حدثنا) وفي بعض الأصول وهو الأبوي ذر والوقت قال أبو عبد اللَّه أي البخاري: حدثنا (أبو عاصم) النبيل الضحاك (عن ابن جريج عن يحيى بن أيوب) أبي العباس الغافقي المصري (عن يزيد) بن أبي حبيب (عن أبي الخير) مرثد (عن عقبة) الجهني (فذكر الحديث) فأشار المؤلف بهذا إلى أن لابن جريج فيه شيخين وهما: يحيى بن أيوب، وسعيد بن أبي أيوب. وقد اختلف فيما إذا نذر أن يحج ماشيًا هل يلزمه المشي بناء على أن المشي أفضل من الركوب؟ قال الرافعي: وهو الأظهر، وقال النووي الصواب أن الركوب أفضل وإن كان الأظهر لزوم المشي بالنذر ٤٠٨ كتاب جزاء الصيد/ باب ٢٧ / حديث ١٨٦٦ لأنه مقصود، ثم إن صرح الناذر بأنه يمشي من حيث سكنه لزمه المشي من مسكنه وإن أطلق فمن حيث أحرم ولو قبل الميقات ونهاية المشي فراغه من التحللين، فلو فاته الحج لزمه المشي في قضائه لا في تحلله في سنة الفوات لخروجه بالفوات عن أجزائه عن النذر ولا في المضي في فاسده لو أفسده، ولو ترك المشي لعذر أو غيره أجزأه مع لزوم الدم فيهما والإِثم في الثاني ولو نذر الحج حافيًا لم ينعقد نذر الحفاء لأنه ليس بقربة فله لبس النعلين وكالحج في ذلك العمرة. وقال أبو حنيفة: من نذر المشي إلى بيت الله تعالى فعجز عنه فإنه يمشي ما استطاع فإذا عجز ركب وأهدى شاة، وكذا إن ركب وهو غير عاجز . وهذا الحديث أخرجه أيضًا في النذور وكذا أبو داود. بسم الله الرحمن الرحيم ٢٩ - كتاب فضائل المدينة ١ - باب حَرَم المدينة (باب) بيان فضل (حرم المدينة) النبوية التي اختارها الله تعالى لخيرته وصفوته من خلقه وجعلها دار هجرته وتربته، ولأبي ذر عن الحموي: بسم الله الرحمن الرحيم فضل المدينة، وفي رواية عنه أيضًا فضائل المدينة بالجمع باب حرم المدينة، وفي رواية أبي علي الشبويّ مما ذكره في الفتح باب ما جاء في حرم المدينة . ١٨٦٧ - حدثنا أبو النُّعمانِ حدَّثَنا ثابتُ بنُ يزيدَ حدَّثَنا عاصمٌ أبو عبدِ الرحمْنِ الأخولُ عن أنسٍ رضيَ اللّهُ عنه عن النبيِّ وَّ قال: «المدينةُ حَرَمٌ من كذا إلى كذا، لا يُقطَعُ شجرُها، ولا يُحْدَثُ فيها حدَثٌ. مَن أحدَثَ فيها حدَثًا فعليهِ لَعنةُ اللّهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ)). [الحديث ١٨٦٧ - طرفه في: ٧٣٠٦]. وبالسند قال: (حدثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدثنا ثابت بن يزيد) بالمثلثة ويزيد من الزيادة الأحول البصري قال: (حدثنا عاصم أبو عبد الرحمن) بن سليمان (الأحول عن أنس) هو ابن مالك (رضي الله عنه عن النبي وَّر) أنه (قال): (المدينة حرم) محرمة لا تنتهك حرمتها (من كذا إلى كذا) بفتح الكاف والذال معجمة كناية عن اسمي مكانين. وفي حديث علي الآتي إن شاء الله تعالى في هذا الباب ما بين عائر إلى كذا وهو جبل المدينة، واتفقت الروايات التي في البخاري كلها على إبهام الثاني. وفي حديث عبد الله بن سلام عند أحمد والطبراني ما بين عير إلى أحد، وفي مسلم إلى ثور، لكن قال أبو عبيد: أهل المدينة لا يعرفون جبلاً عندهم يقال له ثور وإنما ثور بمكة، وقيل إن ٤١٠ كتاب فضائل المدينة/ باب ١/ حديث ١٨٦٨ البخاري إنما أبهمه عمدًا لما وقع عنده أنه وهم، لكن قال صاحب القاموس: ثور جبل بمكة وجبل بالمدينة، ومنه الحديث الصحيح ((المدينة حرم ما بين عير إلى ثور)) وأما قول أبي عبيد بن سلام وغيره من أكابر الأعلام: أن هذا تصحيف والصواب إلى أحد لأن ثورًا إنما هو بمكة فغير جيد لما أخبرني الشجاع اليعلي الشيخ الزاهد عن الحافظ أبي محمد عبد السلام البصري أن حذاء أحد جانحًا إلى ورائه جبلاً صغيرًا يقال له ثور، وتكرر سؤالي عنه طوائف من العرب العارفين بتلك الأرض فكل أخبر أن اسمه ثور، ولما كتب إليّ الشيخ عفيف الدين المطري عن والده الحافظ الثقة قال: إن خلف أحد عن شماله جبلاً صغيرًا مدورًا يسمى ثورًا يعرفه أهل المدينة خلفًا عن سلف ونحو ذلك قاله صاحب تحقيق النصرة . (لا يقطع شجرها) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول، وفي رواية يزيد بن هارون لا يختلى خلاها، وفي مسلم من حديث جابر لا يقطع عضاها ولا يصاد صيدها، وفي رواية أبي داود بإسناد صحيح لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ففي ذلك أنه يحرم صيد المدينة وشجرها كما في حرم مكة، لكن لا ضمان في ذلك لأن حرم المدينة ليس محلاً للنسك بخلاف حرم مكة. وقال أبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف: ليس للمدينة حرم كما لمكة فلا يمنع أحد من أخذ صيدها وقطع شجرها. وأجابوا عن هذا الحديث بأنه وَلّ إنما أراد بقوله ذلك بقاء زينة المدينة ليستطيبوها ويألفوها. (ولا يحدث فيها حدث) مبني للمفعول كسابقه أي لا يعمل فيها عمل مخالف للكتاب والسنة (من أحدث) أي فيها (حدثًا) مخالفًا لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وزاد شعبة فيه عن عاصم عند أبي عوانة أو آوى محدثًا. قال الحافظ ابن حجر: وهي زيادة صحيحة إلا أن عاصمًا لم يسمعها من أنس، (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) وعيد شديد لكن المراد باللعن هنا العذاب الذي يستحقه على ذنبه لا كلعن الكافر المبعد عن رحمة الله كل الإبعاد. وهذا الحديث من الرباعيات، وأخرجه المؤلف أيضًا في الاعتصام ومسلم في المناسك. ١٨٦٨ - حدّثنا أبو مَعْمَرِ حدَّثَنا عبدُ الوارثِ عن أبي التَّحِ عن أنسٍ رضيَ اللّهُ عنهُ: ((قَدِمَ النبيُّ وََّ المدينةَ، فأمَرَ بِناءِ المسجدِ فقال: يا بني النَّجَارِ ثامِنوني. فقالوا: لا نَطلُبُ ثمنَهُ إِلاّ إلى الله. فأمرَ بقُبورِ المشرِكينَ فَتُبِشَتْ، ثمَّ بالخِرَبِ فَسُوْيَتْ، وبالنّخلِ فَقُطِعَ، فصَفوا النخلَ قِبلةَ المسجد)). وبه قال: (حدثنا أبو معمر) بفتح الميمين وبينهما مهملة ساكنة عبد الله بن عمرو بن الحجاج المنقري المقعد قال: (حدثنا عبد الوارث) بن سعيد العنبري البصري (عن أبي التياح) بفتح المثناة الفوقية والتحتية المشددتين آخره مهملة يزيد بن حميد الضبعي (عن أنس) هو ابن مالك (رضي الله عنه) أنه (قال): (قدم النبي ◌َّ المدينة) يوم الجمعة لاثنتي عشرة من ربيع الأول في قول ابن الكلبي، وفي مسلم كالبخاري في الصلاة أنه قام في قباء قبل أن يدخل المدينة أربع عشرة ليلة ٤١١ كتاب فضائل المدينة/ باب ١/ حديث ١٨٦٩ وأسس مسجد قباء ثم رحل إلى المدينة (وأمر) ولأبوي ذر والوقت: فأمر (ببناء المسجد) بها (فقال): (يا بني النجار) وهم أخواله عليه الصلاة والسلام (ثأمنوني) بالمثلثة وكسر الميم أي بايعوني بالثمن وفي الصلاة ثامنوني بحائطكم أي ببستانكم وحذف ذلك هنا والمخاطب بهذا من يستحق الحائط وكان فيما قيل لسهل وسهيل يتيمين في حجر أسعد بن زرارة (فقالوا): اليتيمان ووليهما ولأبي الوقت قالوا: (لا نطلب ثمنه إلا إلى الله) أي منه تعالى زاد أهل السير فأبى رسول الله وله حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير وأمر أبا بكر أن يعطي ذلك، وزاد في الصلاة أنه كان في الحائط قبور المشركين وخرب ((فأمر)) وَل ((بقبور المشركين فنبشت)) وبالعظام فغيبت ((ثم بالخرب)) بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء خربة كذا في اليونينية وفي الفرع بفتح الخاء وكسر الراء ((فسويت وبالنخل فقطع فصفوا النخل قبلة المسجد)) أي في جهتها وإنما قطع عليه الصلاة والسلام الشجر لأنه كان في أول الهجرة، وحديث التحريم إنما كان بعد رجوعه ◌َّر من خيبر كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الجهاد والمغازي أو أن النهي عنه مقصور على القطع الذي يحصل به الإفساد، فأما من يقصد الإصلاح فلا أو النهي إنما يتوجه إلى ما أنبته الله من الشجر مما لا صنع للآدمي فيه كما حمل عليه النهي عن قطع شجر مكة، وعلى هذا يحمل قطعه عليه الصلاة والسلام وجعله قبلة المسجد ففيه تخصيص النهي عن قطع الشجر بما لا ينبته الآدميون، كما أن الحديث السابق التصريح بكون المدينة حرمًا، وهذا الحديث مضى في الصلاة ويأتي بتمامه إن شاء الله تعالى في المغازي. ١٨٦٩ - حدثنا إسماعيل بنُ عبدِ اللَّهِ قال: حدَّثَني أخي عن سُليمانَ عن عُبيدِ اللَّهِ عن سعيدٍ المَقْبُريِّ عن أبي هُرَيرةَ رضيَ اللّهُ عنه أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال ((حُرُمَ ما بينَ لابَتَيِ المدينةِ على لساني. قال: وأتى النبيُّ نَّهِ بني حارثةَ فقال: أراكم يا بني حارثةَ قد خَرَجْتم منَ الحَرَمِ. ثُمَّ التّفتَ فقال: بل أنتم فيه)). [الحديث ١٨٦٩ - طرفه في: ١٨٧٣]. وبه قال: (حدثنا إسماعيل بن عبد اللَّه) الأويسي (قال: حدثني) بالإفراد (أخي) عبد الحميد بن عبد الله (عن سليمان) بن بلال (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا العمري ولأبي ذر زيادة ابن عمر (عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي بَّرِ قال): (حرم) بضم الحاء وكسر الراء أي حرم الله ولأبي ذر عن المستملي حرم بفتحتين مرفوع خبر مقدم والمبتدأ (ما بين لابتي المدينة على لساني) بتخفيف الموحدة تثنية لابة وهي الحرة الأرض ذات الحجارة السود والمدينة ما بين حرتين عظيمتين: إحداهما شرقية والأخرى غربية، ووقع عند أحمد من حديث جابر ((وأنا أحرم ما بين حرتيها)). وزعم بعض الحنفية أن الحديث مضطرب لأنه وقع في رواية ((ما بين جبليها)) وفي رواية ((ما بين لابتيها)). وأجيب: بأن الجمع واضح وبمثل هذا لا تردّ الأحاديث الصحيحة، ولو تعذر الجمع أمكن الترجيح ولا ريب أن رواية لابتيها أرجح لتوارد الرواة عليها ورواة جبليها لا تنافيها فيكون عند كل ٤١٢ كتاب فضائل المدينة/ باب ١/ حديث ١٨٧٠ لابة جبل أو لابتيها من جهة الجنوب والشمال وجبليها من جهة المشرق والمغرب، وتسمية الجبلين في رواية أخرى لا تضر. وزاد مسلم في بعض طرقه وجعل اثني عشر ميلاً حول المدينة حمى، وعند أبي داود من حديث عدي بن زيد قال: حمى رسول الله وح لول من كل ناحية من المدينة بريدًا بريدًا، وفي هذا بيان ما أجمل من حدم حرم المدينة. (قال): أي أبو هريرة (وأتى النبي ◌َّل بني حارثة) بالمهملة والمثلثة بطن من الأوس وكانوا إذا ذاك غربي مشهد حمزة زاد الإسماعيلي وهي في سند الحرة أي في الجانب المرتفع منها (فقال): عليه الصلاة والسلام، ولأبي الوقت: وقال: (أراكم) بفتح الهمزة في الفرع وغيره (يا بني حارثة قد خرجتم من الحرم) جزم بما غلب على ظنه (ثم التفت) وَّ فرآهم داخلين في الحرم (فقال: بل أنتم فيه) فرجع عن الظن إلى اليقين واستنبط منه المهلب أن للعالم أن يعول على غلبة الظن ثم ينظر فيصحح النظر. ١٨٧٠ - حدثنا محمدُ بنُ بَشّارِ حدَّثَنا عبدُ الرحمنِ حدَّثَنا سُفيانُ عنِ الأعمشِ عن إبراهيمَ التيميِّ عن أبيه عن عليّ رضيَ اللّهُ عنه قال: ((ما عندَنا شيءٌ إِلاَّ كتابُ اللّهِ وهذِهِ الصحيفةُ عنِ النبيِّ وََّ: المدينةُ حَرَمٌ ما بينَ عائرٍ إلى كذا، مَن أحدَثَ فيها حَدَثًا أو آوَى مُحدِثًا فعليهِ لعنةُ اللّهِ والملائكةِ والناس أجمعينَ، لا يُقبَلُ منه صَرفٌ ولا عَدْل. وقال: ذِمَّةُ المسلمِينَ واحدةٌ، فَمَن أخفَرَ مسلمًا فعليه لعنةُ اللّهِ والملائكة والناس أجمعينَ، لا يُقبَلُ منه صَرفٌ ولا عَدل. ومَن تَوَلَّى قومًا بغيرِ إِذنِ مَواليهِ فعليه لعنةُ اللهِ والناسِ أجمعينَ، لا يُقبَلُ منه صَرفٌ ولا عَذْل)). قال أبو عبدِ اللَّهِ : عَدْلٌ فداءً . وبه قال: (حدثنا محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة الملقب ببندار قال: (حدثنا عبد الرحمن) بن مهدي العنبري قال: (حدثنا سفيان) الثوري (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم) بن يزيد بن شريك (التيمي عن أبيه) يزيد (عن علي رضي الله عنه) أنه (قال: ما عندنا شيء) أي مكتوب من أحكام الشريعة أو المنفي شيء اختصوا به عن الناس (إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي ◌َّ) وسبب قول علي رضي الله عنه هذا يظهر بما رويناه في مسند أحمد من طريق قتادة عن أبي حسان الأعرج أن عليّا كان يأمر بالأمر فيقال له قد فعلناه فيقول صدق الله ورسوله فقال له الأشتر: هذا الذي تقول شيء عهده إليك رسول الله وَ له. قال: ما عهد إلي شيئًا خاصًا دون الناس إلا شيئًا سمعته منه فهو في صحيفة في قراب سيفي فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة فإذا فيها . (المدينة حرم) محرمة (ما بين عائر) بالعين المهملة والألف مهموز آخره راء جبل بالمدينة (إلى كذا) في مسلم إلى ثور وتقدم ما فيه قريبًا (من أحدث فيها حدثًا) مخالفًا للكتاب والسنة (أو آوى م ٤١٣ كتاب فضائل المدينة/ باب ١/ حديث ١٨٧٠ محدثًا) بمد همزة آوى على الأفصح في المتعدي وعكسه في اللازم وكسر دال محدثًا أي من نصر جانيًا وآواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه ويجوز فتح الدال ومعناه الأمر المبتدع نفسه وإذا رضي بالبدعة وأقر فاعلها ولم ينكرها عليه فقد آواه (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (صرف ولا عدل). قال في القاموس: الصرف في الحديث التوبة والعدل الفدية أو هو النافلة والعدل الفريضة أو بالعكس أو هو الوزن والعدل الكيل أو هو الاكتساب والعدل الفدية أو الحيلة ومنه: ﴿فما يستطيعون صرفًا ولا نصرًا﴾ [الفرقان: ١٩] معناه فما يستطيعون أن يصرفوا عن أنفسهم العذاب اهـ. وقال البيضاوي: الصرف الشفاعة والعدل الفدية. وقال عياض: معناه لا يقبل منه قبول رضا وإن قبل منه قبول جزاء، وقد يكون معنى الفدية لا يجد في القيامة فداء يفتدى به بخلاف غيره من المذنبين الذين يتفضل الله عز وجل على من يشاء منهم بأن يفديه من النار بيهودي أو نصراني كما في الصحيح . (وقال: ذمة المسلمين واحدة) أي أمانهم صحيح سواء صدر من واحد أو أكثر شريف أو وضيع، فإذا أمن الكافر واحد منهم بشروطه المعروفة في كتب الفقه لم يكن لأحد نقضه (فمن أخفر مسلمًا) بهمزة مفتوحة فمعجمة ساكنة ففاء ثم راء أي نقض عهد المسلم أو ذمامه (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل، ومن تولى قومًا) أي اتخذهم أولياء (بغير إذن مواليه) ليس بشرط لتقييد الحكم بعدم الإذن وقصره عليه، وإنما هو إيراد الكلام على ما هو الغالب أو المراد موالاة الحلف فإذا أراد الانتقال عنه لا ينتقل إلا بإذن، وبالجملة فإن أريد ولاء الحلف فهو سائغ وإن أريد ولاء العتق فلا مفهوم له وإنما هو للتنبيه على المانع وهو إبطال حق الموالي (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل). قال النووي: وفي هذا الحديث إبطال ما يزعمه الشيعة ويفترونه من قوله أن عليًا رضي الله عنه أوصي إليه بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد الدين، وأنه ◌َّ خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم فهذه دعاوى باطلة واختراعات فاسدة وفيه دليل على جواز كتابة العلم. (قال أبو عبد الله) البخاري: (عدل) أي (فداء) وهذا تفسير الأصمعي، وسقط قوله قال أبو عبد الله الخ في غير رواية أبي ذر عن المستملي. وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة وثلاثة من التابعين في نسق واحد ورواته كلهم كوفيون إلا شيخه وشيخ شيخه فبصریان. ٤١٤ كتاب فضائل المدينة/ باب ٢/ حديث ١٨٧١ ٢ - باب فضلِ المدينةِ وأنها تَنْفِي الناسَ (باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس) أي شرارهم، وسقط لابن عساكر وأنها تنفي الناس. ١٨٧١ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ أخبرنا مالكٌ عن يحيى بنِ سعيد قال: سمعتُ أبا الحُبابِ سعيدٍ بنَ يَسارٍ يقول: سمعتُ أبا هريرةَ رضيَ اللّهُ عنه يقول: قال رسولُ اللّهِ وَهِ: «أُمِرْتُ بِقَرِيةٍ تأكُلُ القُرَى، يقولون: يَثِرِبُ، وهيَ المدينةُ، تَنْفي الناسَ كما يَنْفِي الكيرُ خَبَثَ الحديد)). وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك الإمام) عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (قال: سمعت أبا الحباب) بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة الأولى (سعيد بن يسار) بالمهملة المخففة (يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول، قال رسول الله وَليه): (أمرت بقرية) بضم الهمزة أي أمرني ربي بالهجرة إلى قرية (تأكل القرى) أي تغلبها وتظهر عليها يعني أن أهلها تغلب أهل سائر البلاد فتفتح منها يقال: أكلنا بني فلان أي غلبناهم وظهرنا عليهم فإن الغالب المستولي على الشيء كالمفني له إفناء الآكل إياه، وفي موطأ ابن وهب قلت لمالك: ما تأكل القرى؟ قال: تفتح القرى. وقال ابن المنير في الحاشية، قال السهيلي في التوراة يقول الله: یا طابة يا مسكينة إني سأرفع أجاجيرك على أجاجير القرى وهو قريب من قوله: أمرت بقرية تأكل القرى لأنها إذا علت عليها علوّ الغلبة أكلتها، أو يكون المراد يأكل فضلها الفضائل أي يغلب فضلها الفضائل حتى إذا قيست بفضلها تلاشت بالنسبة إليها فهو المراد بالأكل. وقد جاء في مكة أنها أم القرى كما جاء في المدينة تأكل القرى، لكن المذكور للمدينة أبلغ من المذكور لمكة لأن الأمومة لا يمحى بوجودها وجود ما هي أمّ له، لكن يكون حق الأم أظهر. وأما قوله: تأكل القرى فمعناه أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكاد تكون عد ما، وما يضمحل له الفضائل أعظم وأفضل مما تبقى معه الفضائل اهـ. وهو ينزع إلى تفضيل المدينة على مكة. قال المهلب: لأن المدينة هي التي أدخلت مكة وغيرها من القرى في الإسلام فصار الجميع في صحائف أهلها. وأجيب: بأن أهل المدينة الذين فتحوا مكة معظمهم من أهل مكة فالفضل ثابت للفريقين، ولا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين. وقد استنبط ابن أبي جمرة من قوله عليه الصلاة والسلام: ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة التساوي بين فضل مكة والمدينة ومباحث التفضيل بين الموضعين مشهورة. وقال الأبي من المالكية واختار ابن رشد وشيخنا أبو عبد اللَّه أي ابن عرفة تفضيل مكة. واحتج ابن رشد لذلك بأن الله تعالى جعل بها قبلة الصلاة وكعبة الحج وبأنه تعالى جعل لها مزية بتحريم الله تعالى إياها أن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، وأجمع أهل العلم على وجوب الجزاء على من صاد بحرمها ولم ٤١٥ كتاب فضائل المدينة/ باب ٣ يجمعوا على وجوبه على من صاد بالمدينة ومن دخله كان آمنًا ولم يقل أحد بذلك في المدينة، وكان الذنب في حرم مكة أغلظ منه في حرم المدينة فكان ذلك دليلاً على فضلها عليها. قال: ولا حجة في الأحاديث المرغبة في سكنى المدينة على فضلها عليها قال: ولا دليل في قوله أمرت بقرية تأكل القرى لأنه إنما أخبر أنه أمر بالهجرة إلى قرية تفتح منها البلاد. (يقولون) أي بعض المنافقين للمدينة (يثرب) يسمونها باسم واحد من العمالقة نزلها وقيل يثرب بن قانئة من ولد ارم بن سام بن نوح وهو اسم كان لموضع منها سميت كلها به، وكرهه وَ له لأنه من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة أو من الثرب وهو الفساد وكلاهما قبيح، وقد كان عليه الصلاة والسلام يحب الاسم الحسن ويكره الاسم القبيح ولذا بدله بطابة والمدينة ولذلك قال: يقولون ذلك (وهي المدينة) أي الكاملة على الإطلاق كالبيت للكعبة والنجم للثريا فهو اسمها الحقيق بها لأن التركيب يدل على التفخيم كقول الشاعر : هم القوم كل القوم يا أم خالد. أي: هي المستحقة لأنه تتخذ دار إقامة، وأما تسميتها في القرآن بيثرب فإنما هو حكاية عن المنافقين . وروى أحمد عن البراء بن عازب رفعه من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله هي طابة هي طابة . وروى عمر بن شبة عن أبي أيوب أن رسول الله وَ لأو نهى أن يقال للمدينة يثرب، ولهذا قال عيسى بن دينار من المالكية: من سمى المدينة يثرب كتبت عليه خطيئة، لكن في الصحيحين في حديث الهجرة فإذا هي يثرب وفي رواية لا أراها إلا يثرب وقد يجاب بأنه قبل النهي. (تنفي) المدينة (الناس) أي الخبيث الرديء منهم في زمنه عليه الصلاة والسلام أو زمن الدجال (كما ينفي الكير) بكسر الكاف وسكون التحتية. قال في القاموس زق ينفخ فيه المداد وأما المبني من الطين فكور (خبث الحديد) بفتح الخاء المعجمة والموحدة ونصب المثلثة على المفعولية أي: وسخه الذي تخرجه النار أي أنها لا تترك فيها من في قلبه دغل بل تميزه عن القلوب الصادقة وتخرجه كما تميز النار رديء الحديد من جيده، ونسب التمييز للكير لكونه السبب الأكبر في اشتعال النار التي وقع التمييز بها، وقد خرج من المدينة بعد الوفاة النبوية معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود وطائفة ثم علّ وطلحة والزبير وعمار وآخرون وهم من أطيب الخلق فدل على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس ووقت دون وقت. وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الحج وكذا النسائي فيه وفي التفسير. ٣ - باب المدينةُ طابَةٌ (باب المدينة) بالإضافة من أسمائها (طابة) وفي نسخة باب التنوين المدينة طابة، ولأبي ذر: ٤١٦ كتاب فضائل المدينة/ باب ٣ طابة بالتنوين وأصل طابة فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها أي من أسمائها طابة وليس فيه ما يدل على أنها لا تسمى بغير ذلك ولها أسماء كثيرة، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى فمن أسمائها: طيبة كهيبة وطيبة كصيبة وطائب ككاتب فهذه الثلاثة مع طابة كشامة أخوات لفظًا ومعنى مختلفات صيغة ومبنى وذلك لطيب رائحتها وأمورها كلها ولطهارتها من الشرك وحلول الطيب بها، صلوات الله وسلامه عليه ولطيب العيش بها ولكونها تنفي خبثها وتنصح طيبها ولله در الأشبيلي حيث قال : لتربة المدينة نفحة ليس كما عهد من الطيب. بل هو عجب من الأعاجيب. وقال بعضهم مما ذكره في الفتح وفي طيب ترابها وهوائها دليل شاهد على صحة هذه التسمية لأن من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة لا يكاد يجدها في غيرها اهـ. ومن أسمائها بيت الرسول ◌َ ◌ّ قال الله تعالى: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ [الأنفال: ٥] أي من المدينة لاختصاصها به اختصاص البيت بساكنه. والحرم لتحريمها كما مرّ. والحبيبة لحبه څچ لها ودعائه به . وحرم الرسول عليه الصلاة والسلام لأنه الذي حرمها. وفي الطبراني بسند رجاله ثقات حرم إبراهيم مكة وحرمي المدينة . وحسنة قال الله تعالى: ﴿النبوّئنهم في الدنيا حسنة﴾ [النحل: ٤١] أي مباهة حسنة وهي المدينة . ودار الأبرار. ودار الأخيار، لأنها دار المختار والمهاجرين والأنصار وتنفي شرارها ومن أقام بها منهم فليست له في الحقيقة بدار، وربما نقل منها بعد الاقبار. ودار الإيمان. ودار السنة . ودار السلامة . ودار الفتح. ودار الهجرة فمنها فتحت سائر الأمصار، وإليها هجرة السيد المختار، ومنها انتشرت السنة في الأقطار . ٤١٧ كتاب فضائل المدينة/ باب ٣/ حديث ١٨٧٢ والشافية لحديث، أترابها شفاء من كل داء وذكر ابن مسدي الاستشفاء بتعليق أسمائها على المحموم . وقبة الإسلام لحديث المدينة قبة الإسلام. والمؤمنة لتصديقها بالله حقيقة لخلقه قابلية ذلك فيها كما في تسبيح الحصى أو مجاز لاتصاف أهلها به وانتشاره منها وفي خبر: والذي نفسي بيده أن تربتها المؤمنة، وفي آخر أنها المكتوبة في التوراة مؤمنة . ومباركة لأن الله تعالى بارك فيها بدعائه و لا لها وحلوله فيها. والمختارة لأن الله تعالى اختارها للمختار من خلقه . والمحفوظة لحفظها من الطاعون والدجال وغيرهما. ومدخل صدق. والمرزوقة أي المرزوق أهلها . والمسكينة نقل عن التوراة كما مرّ وروي مرفوعًا إن الله تعالى قال للمدينة: يا طيبة يا طابة يا مسكينة لا تقبلي الكفور أرفع أجاجيرك على أجاجير القرى والمسكنة الخضوع والخشوع خلقه الله فيها أو هي مسكن الخاشعين أسأل الله العظيم بوجاهة وجهه الوجيه ونبيه النبيه عليه أفضل الصلاة والسلام أن يجعلني من ساكنيها المقربين حيّا وميتًا إنه جابر المنكسرين وواصل المنقطعين. ومنها المقدسة لتنزهها عن الشرك وكونها تنفي الذنوب. وأكالة القرى لغلبتها الجميع فضلاً وتسلطها عليها وافتتاحها بأيدي أهلها فغنموها وأكلوها. وروى الزبير في أخبار المدينة من طريق عبد العزيز الدراوردي أنه قال: بلغني أن للمدينة في التوراة أربعين اسمًا. ١٨٧٢ - حدّثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ حدَّثَنا سليمانُ قال: حدَّثَني عمرُو بنُ يحيى عن عبّاسِ بنِ سَهلِ بنِ سَعدٍ عن أبي حُميدٍ رضيَ اللّهُ عنه: ((أَقْبَلْنا معَ النبيِّ وََّ من تَبُوَ حتى أشرَفْنا على المدينةِ فقال: هذهِ طابٌَ)) . وبالسند قال: (حدثنا خالد بن مخلد) البجلي الكوفي قال: (حدثنا سليمان) بن بلال التيمي القرشي (قال: حدثني) بالإفراد (عمرو بن يحيى) بفتح العين ابن عمارة الأنصاري المدني (عن عباس بن سهل بن سعد) بالموحدة والمهملة في الأول وفتح المهملة وسكون الهاء في الثاني وسكون العين في الثالث الساعدي (عن أبي حميد) بضم الحاء عبد الرحمن الساعدي (رضي الله عنه) أنه قال: (أقبلنا مع النبي ◌ِّر من) غزوة (تبوك) سنة تسع من الهجرة (حتى أشرفنا على المدينة فقال) وَالية : إرشاد الساري/ ج ٤/ م ٢٧ ٤١٨ سـ كتاب فضائل المدينة/ باب ٤ و٥/ حديث ١٨٧٣ و١٨٧٤ (هذه) اسمها (طابة) كشامة، ولأبي ذر: طابة بالتنوين، وفي بعض طرقه طيبة كهيبة، ولمسلم عن جابر بن سمرة أن الله تعالى سمى المدينة طابة. وحديث الباب هذا طرف من حديث طويل سبق في باب: خرص التمر من باب الزكاة والله أعلم. ٤ - باب لابَتَي المدينةِ (باب لابتي المدينة). ١٨٧٣ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ أخبرنا مالكٌ عنِ ابنِ شهابٍ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنهُ كان يقول: «لو رأيتُ الظّباءَ بالمدينةِ تَرتَعُ ما ذَعَرْتُها، قال رسولُ اللّهِ وَلَّ: ما بينَ لابَتَيها حَرام)). وبالسند قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) إمام دار الهجرة (عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب) بفتح الياء المشددة (عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول لو رأيت الظباء) بكسر الظاء المعجمة ممدودًا جمع ظبي (بالمدينة ترتع) أي ترعى (ما ذعرتها) بذال معجمة وعين مهملة أي ما أفزعتها ونفرتها وكني بذلك عن عدم صيدها واستدل رضي الله عنه بقوله (قال رسول الله (ص ): (ما بين لابتيها) أي المدينة (حرام) لا يجوز صيدها ولا قطع شجرها الذي لا يستنبته الآدميون والمدينة بين لابتين شرقية وغربية ولها لابتان أيضًا من الجانبين الآخرين إلا أنهما يرجعان إلى الأوليين لاتصالهما بهما فجميع دورها كلها داخل ذلك. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الحج والترمذي في المناقب والنسائي في الحج. ٥ - باب مَن رَغِبَ عنِ المدينة (باب من رغب عن المدينة) فهو مذموم. ١٨٧٤ - حدثنا أبو اليَمانِ أخبرَنا شُعيبٌ عنِ الزُّهري قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيَّبِ أنَّ أبا هريرةَ رضي اللّهُ عنهُ قال: سَمِعتُ رسولَ اللّهِ وَ لَّ يقول: ((تَترُكونَ المدينةَ على خَيرِ ما كانت، لا يغشاها إِلاّ العَوافِ - يُريدُ عَوافيَ السِّباعِ والطَّيرِ - وآخِرُ مَن يُحشَرُ راعِيانِ مِن مُزَينَةَ يُريدانِ المدينةَ يَنْعِقَانِ بِغَنَمهما فَيَجِدانها وَحْشًا، حتى إِذا بَلَغَا ثَنَّةَ الوَداعِ خَرّا على وُجوهِهما)) . ٤١٩ كتاب فضائل المدينة/ باب ٥/ حديث ١٨٧٤ وبالسند قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة الحمصي (عن) ابن شهاب (الزهري قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب) ولأبي الوقت عن سعيد بن المسيب (أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَل* يقول): (يتركون المدينة) بالمثناة التحتية في يتركون في فرع اليونينية وبالفوقية على الخطاب في غيره. قال الحافظ ابن حجر: الأكثر على الخطاب والمراد بذلك غير المخاطبين لكنهم من أهل البلد أو من نسل المخاطبين أو من نوعهم. قال: وروي بياء الغيبة ورجحه القرطبي قال في المصابيح: وفي كلام القرطبي إشعار ما بأن رواية البخاري ليست بتاء الخطاب اهـ. وقد ثبت بتاء الخطاب فلا عبرة بما يشعره كلام القرطبي. (على خير ما كانت) من العمارة وكثرة الأثمار وحسنها وفي أخبار المدينة لعمر بن شبة أن ابن عمر أنكر على أبي هريرة قوله خير ما كانت وقال: إنما قال بَ﴿ أعمر ما كانت وأن أبا هريرة صدقه على ذلك (لا يغشاها) بالغين المعجمة لا يسكنها (إلا العواف) بفتح العين المهملة والواو وآخره فاء من غير ياء جمع عافية التي تطلب أقواتها، ولأبي ذر الأعوافي بحذف أل وبالمثناة التحتية بعد الفاء (يريد عوافي السباع والطير) بنصب ياء عوافي. قال القاضي عياض: هذا جرى في العصر الأول وانقضى، وقد تركت المدينة على ما أحسن ما كانت حين انتقلت الخلافة منها إلى الشأم وذلك خير ما كانت للدين لكثرة العلماء بها وللدنيا لعمارتها واتساع حال أهلها . وذكر الإخباريون في بعض الفتن التي جرت في المدينة أنه رحل عنها أكثر الناس وبقيت أكثر ثمارها للعوافي وخلت مدّة ثم تراجع الناس إليها . وقال النووي: المختار أن هذا الترك يكون في آخر الزمان عند قيام الساعة ويوضحه قصة الراعيين فقد وقع عند مسلم ثم يحشر راعيان، وفي البخاري أنهما آخر من يحشر، وقال أبو عبد الله الأبي: وهذا لمن يقع ولو وقع لتواتر بل الظاهر أنه لم يقع بعد، ودليل المعجزة يوجب القطع بوقوعه في المستقبل إن صح الحديث وأن الظاهر أنه بين يدي نفخة الصعق كما يدل عليه موت الراعيين اهـ. ومراده بالراعيين المذكوران في قوله (وآخر من يحشر) بضم أوله وفتح ثالثه أي آخر من يموت فيحشر لأن الحشر بعد الموت، ويحتمل أن يتأخر حشرهما لتأخر موتهما ويحتمل آخر من يحشر إلى المدينة أي يساق إليها كما في لفظ رواية مسلم (راعيان من مزينة) بضم الميم وفتح الزاي المعجمة قبيلة من مضر (يريدان المدينة ينعقان) بكسر العين المهملة وبعدها قاف ماضي نعق بفتحها أي يصيحان (بغنمهما) ليسوقاها وذلك عند قرب الساعة وصعقة الموت (فيجدانها) أي يجدان المدينة (وحوشًا) بالجمع أي ذات وحوش لخلوّها من سكانها ولغير الأربعة وحشًا بالإفراد أي خالية ليس بها ٤٢٠ كتاب فضائل المدينة/ باب ٥/ حديث ١٨٧٥ أحد والوحش من الأرض الخلاء وقد يكون وحشًا بمعنى وحوش، وأصل الوحش كل شيء توحش من الحيوان وجمعه وحوش وقد يعبر بواحده عن جمعه، وحينئذٍ فالضمير للمدينة. وعن ابن المرابط : أنه للغنم أي انقلبت الغنم وحوشًا والقدرة صالحة أو المعنى أن الغنم صارت متوحشة تنفر من أصوات الرعاة وأنكره القاضي وصوّب النووي الأول. (حتى إذا بلغا) أي الراعيان (ثنية الوداع) التي كان يشيع إليها ويودّع عندها وهي من جهة الشأم (خرّا) بفتح المعجمة وتشديد الراء أي سقطا (على وجوههما) ميتين ثم إن قوله: وآخر من يحشر الخ يحتمل أن يكون حديثًا آخر غير الأوّل لا تعلق له به وأن يكون من بقيته وعليهما يترتب الاختلاف السابق عن عياض والنووي والله أعلم. وقد أخرج الحديث مسلم. ١٨٧٥ - حدثنا عبدُ اللّهِ بنُ يوسُفَ أخبرنا مالكٌ عن هِشام بنِ عُروةً عن أبيهِ عن عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ عن سُفيانَ بنِ أبي زُهيرِ رضيَ اللّهُ عنهُ أنهُ قال: سمعتُ رسولَ اللّهِ وَ لِّ يقول: («تُفْتَحُ اليَمنُ، فيأتي قومٌ يَبِسُونَ، فَيَتَحمَّلونَ بأهلِهم ومَن أطاعَهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يَعلمونَ. وتُفتَحُ الشامُ، فيأتي قومٌ يَبِسُّونَ، فَيَتحمَّلونَ بأهلِهم ومَن أطاعَهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كان يَعلمون. وتُفتَحُ العِراقُ، فيأتي قومٌ يَبِسُونَ، فَيَتحمَّلون بأهلِهم ومَن أطاعَهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون)». وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن) أخيه (عبد الله بن الزبير) بن العوّام (عن سفيان بن أبي زهير) بضم الزاي وفتح الهاء مصغرًا الأزدي من أزد شنوأة بفتح المعجمة وضم النون وبعد الواو همزة النمري ويلقب بابن القرد بفتح القاف وكسر الراء وبعدها دال مهملة صحابي يعدّ في أهل المدينة (رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله وَ له يقول): (تفتح اليمن) بضم الفوقية وسكون الفاء وفتح الفوقية مبنيًا للمفعول واليمن رفع نائب فاعل وسمي اليمن لأنه عن يمين القبلة أو عن يمين الشمس أو بيمن بن قحطان (فيأتي قوم) من الذين حضروا فتحها وأعجبهم حسنها ورخاؤها (يبسون) بفتح المثناة التحتية وكسر الموحدة وتشديد المهملة ثلاثيًا. وعن ابن القاسم بضم الموحدة فهو من باب ضرب يضرب، ومن باب نصر ينصر وبضم التحتية مع كسر الموحدة أيضًا من الثلاثي المزيد أي يسوقون دوابهم إلى المدينة سوقًا لينًا (فيتحملون)، منها أي المدينة (بأهليهم ومن أطاعهم) من الناس راحلين إلى اليمن (والمدينة خير لهم) منها لأنها حرم الرسول وَلقر وجواره مهبط الوحي ومنول البركات (لو كانوا يعلمون) بما فيها من الفضائل كالصلاة في مسجدها وثواب الإقامة فيها وغير ذلك من الفوائد الدنيوية والأخروية التي يستحقر دونها ما يجدونه من الحظوظ الفانية العاجلة بسبب الإقامة في غيرها ما ارتحلوا منها.