النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ كتاب جزاء الصيد/ باب ٦/ حديث ١٨٢٥ وسمي بذلك لما فيه من الوباءْ قاله في المطالع، ولو كان كما قيل لقيل الأوباء أو هو مقلوب عنه والأقرب أنه سمي به لتبوّىء السيول به (أو بودّان) بفتح الواو وتشديد الدال المهملة آخره نون موضع بقرب الجحفة أو قرية جامعة من ناحية الفرع، وودان أقرب إلى الجحفة من الأبواء فإن من الأبواء إلى الجحفة للآتي من المدينة ثلاثة وعشرين ميلاً، ومن ودّان إلى الجحفة ثمانية أميال والشك من الراوي، لكن جزم ابن إسحاق وصالح بن كيسان عن الزهري بودّان، وجزم معمر وعبد الرحمن بن إسحاق ومحمد بن عمر وبالأبواء (فرده عليه) ولأبي الوقت: فرد عليه بحذف ضمير المفعول أي: ردّ عليه السلام الحمار على الصعب، وقد اتفقت الروايات كلها على أنه عليه الصلاة والسلام ردّه عليه إلا ما رواه ابن وهب والبيهقي من طريقه بإسناد حسن من طريق عمرو بن أمية أن الصعب أهدى للنبيّ عجز حمار وحش وهو بالجحفة فأكل منه وأكل القوم. قال البيهقي: إن كان هذا محفوظًا فلعله ردّ الحي وقبل اللحم. قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا الجمع نظر فإن كانت الطرق كلها محفوظ فلعله رده حيّا لكونه صيد لأجله وردّ اللحم تارة لذلك وقبله أخرى حيث علم أنه لم يصد لأجله، وقد قال الشافعي: إن كان الصعب أهدى حمار وحش حيّا فليس للمحرم أن يذبح حمار وحش حيّا وإن كان أهدى له لحمًا فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له، ونقل الترمذي عن الشافعي أنه ردّه لظنه أنه صيد من أجله فتركه على وجه التنزه، ويحتمل أن يحمل القبول المذكور في حديث عمرو بن أمية على وقت آخر وهو حال رجوعه بَّر من مكة، ويؤيده أنه جازم فيه بوقوع ذلك في الجحفة وفي غيرها من الروايات بالأبواء أو بودّان. وقال القرطبي: جاز أن يكون الصعب أحضر الحمار مذبوحًا ثم قطع منه عضوًا بحضرة النبي ◌َّ﴿ فقدمه له فمن قال أهدى حمارًا أراد بتمامه مذبوحًا لا حيّا، ومن قال لحم حمار أراد ما قدمه للنبي څ. (فلما رأى) عليه الصلاة والسلام (ما في وجهه) أي وجه الصعب من الكراهة لما حصل له من الكسر في رد هديته (قال): عليه الصلاة والسلام تطييبًا لقلبه. (إنا) بكسر الهمزة لوقوعها في الابتداء (لم نرده) بفتح الدال في اليونينية وهو رواية المحدثين، وذكر ثعلب في الفصيح، لكن قال المحققون من النحاة أنه غلط والصواب ضم الدال كآخر المضاعف من كل مضاعف مجزوم اتصل به ضمير المذكر مراعاة للواو التي توجبها ضمة الهاء بعدها لخفاء الهاء فكأن ما قبلها وليه الواو ولا يكون ما قبل الواو إلا مضمومًا كما فتحوها مع هاء المؤنث نحو نردّها مراعاة للألف ولم يحفظ سيبويه في نحو هذا إلا الضم كما أفاده السمين، وصرح جماعة منهم ابن الحاجب بأنه مذهب البصريين وجوز الكسر أيضًا وهو أضعفها فصار فيها ثلاثة أوجه، وللحموي والكشميهني: لم نردده بفك الإدغام فالدال الأولى مضمومة والثانية مجزومة وهو واضح والمعنى أنا لم نردّه (عليك) لعلة من العلل (إلا أنا حُرُم) بفتح الهمزة وضم الحاء والراء أي إلا لأنا محرمون. زاد صالح بن كيسان عند النسائي: لا نأكل الصيد، وفي رواية شعبة عن ابن عباس: لولا ٣٦٢ كتاب جزاء الصيد/ باب ٧/ حديث ١٨٢٦ إنا محرمون لقبلناه منك، وهذا يقتضي تحريم أكل المحرم لحم الصيد مطلقًا سواء صيد له أو بأمره وهو مذهب نقل عن جماعة من السلف منهم: علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر، والذي عليه أكثر علماء الصحابة والتابعين التفرقة بين ما صاده أو صيد له وغيره وأولوا حديث الصعب بأنه وَ له إنما ردّه عليه لما ظن أنه صيد من أجله وبه يقع الجمع بين حديث الصعب وحديث جابر لحم الصيد لكم في الإحرام حلال ما لم تصيدون أو يصاد لكم، وحديث أبي قتادة السابق ولا يقال أنه منسوخ بحديث الصعب لأن حديث أبي قتادة كان عام الحديبية، وحديث الصعب كان في حجة الوداع لأنا نقول: أن النسخ إنما يصار إليه إذا تعذر الجمع. كيف والحديث المتأخر محتمل لا دلالة فيه على الحرمة العامة صريحا ولا ظاهرًا حتى يعارض الأول فينسخه. وقول العلامة ابن الهمام في فتح القدير: أما كون حديث الصعب كان في حجة الوداع فلم يثبت عندنا وإنما ذكره الطبري وبعضهم ولم نعلم لهم فيه ثبتًا صحيحًا. وأما حديث أبي قتادة فإنه وقع في مسند عبد الرزاق عنه انطلقنا مع رسول الله ◌َّير عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم أحرم، ففي الصحيحين عنه خلاف ذلك وهو ما روي عنه أن رسول الله وَّه خرج حاجًّا فخرجوا معه فصرف طائفة منهم أبو قتادة الحديث. ومعلوم أنه عليه الصلاة والسلام لم يحج بعد الهجرة إلا حجة الوداع اهـ. يقال عليه قد ثبت في البخاري في باب: جزاء الصيد عن عبد الله بن أبي قتادة قال: انطلق أبي عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم يحرم الحديث. وكذا في باب: إذا رأى المحرمون صيدًا فضحكوا، وأما قوله في الحديث الذي ساقه خرج حاجًا فقد سبق أنه من المجاز وأن المراد أنه خرج معتمرًا أو المراد معنى الحج في الأصل وهو قصد البيت أي خرج قاصدًا البيت، أو الراوي أراد خرج محرمًا فعبر عن الإحرام بالحج غلطًا منه كما مرّ تقديره. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الهبة، ومسلم في الحج وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجة . ٧ - باب ما يَقتُلُ المُحرِمُ منَ الذَّوابُ هذا (باب) بالتنوين (ما يقتل المحرم من الدواب) جمع دابة وأصلها داببة فأدغمت إحدى الباءين في الأخرى وهو اسم لكل حيوان لأنه يدب على وجه الأرض والهاء للمبالغة، ثم نقله العرف العام إلى ذوات القوائم الأربع من الخيل والبغال والحمير ويسمى هذا منقولاً عرفيًا، ولو عبّر بالحيوان لكان يشمل الغراب والحدأة المذكورين في الحديث لكنه نظر إلى جانب الأكثر. ١٨٢٦ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ أخبرنا مالكٌ عن نافع عن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ رضيَ اللّهُ عنهما أن رسولَ اللّهِ وَ ◌ّر قال: «خمسٌ منَ الدَّوابٌ ليسَ على المحرمِ في قتلهنَّ جناح)). ٣٦٣ كتاب جزاء الصيد/ باب ٧/ حديث ١٨٢٧ و ١٨٢٨ وعن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ أَن رسولَ اللّه وَل قال ... [الحديث ١٨٢٦. طرفه في: ٣٣١٥]. وبالسند قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر بن الخطاب (عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. أن رسول الله وَ ي قال): (خمس من الدواب) بالرفع على الابتداء نكرة تخصصت بتاليها وخبره (ليس على المحرم في قتلهن جناح) أي إثم أو حرج وجناح بالرفع اسم ليس مؤخرًا، وهذا الحديث ساقه المؤلف مختصرًا وأحال به على طريق سالم وهو في الموطأ، وتمامه الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور. (وعن عبد الله بن دينار) عطف على نافع أي قال مالك عن عبد الله بن دينار: (عن عبد الله بن عمر أن رسول الله وَ ل﴿ قال): ومقوله محذوف، وتمامه في مسلم: خمس من قتلهن وهو حرام فلا جناح عليه فيهن الفأرة والعقرب والكلب العقور والحديا والغراب. ١٨٢٧ - حدّثنا مسدَّدُ حدَّثَنا أبو عَوانةَ عن زيدِ بنِ جبَيرٍ قال: سمعتُ ابنَ عمرَ رضيَ اللّهُ عنهما يقول: ((حدَّثَتْني إِحدَى نِسوةِ النبيِّ وََّ عنِ النبيِّ: يَقْتُلُ المحرمُ ... )). [الحديث ١٨٢٧ - طرفه في: ١٨٢٨]. وبالسند قال: (حدثنا مسدد) قال: (حدثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد اللّه اليشكري (عن زيد بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة ابن حرمل الجشمي الكوفي وليس له في الصحيح رواية عن غير ابن عمر ولا له فيه إلا هذا الحديث وآخر تقدم في المواقيت أنه (قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: حدثتني إحدى نسوة النبي ◌َّ) هي حفصة كما بينها في رواية سلام التالية وجهالة عين الصحابي لا تضر لأنهم كلهم عدول (عن النبي ◌َّ) أنه قال: (يقتل المحرم) اقتصر منه على هذا حالة على الطريق اللاحقة . ١٨٢٨ - حدثنا أصبَعُ قال: أخبرني عبدُ اللَّهِ بنُ وَهبٍ عن يونُسَ عنِ ابنِ شهابٍ عن سالم قال: قال عبدُ اللّهِ بنُ عمرَ رضيَ اللّهُ عنهما قالت حَفْصةُ: قال رسولُ اللّهِ وَالّ: ((خمسٌ من الدوابٌ لا حَرَجَ على مَن قَتَلَهُنَّ: الغُرابُ والحِدَأةُ والفأرةُ والعقربُ والكلبُ العَقورُ)). وبه قال: (حدثنا أصبغ) بالصاد المهملة والغين المعجمة، ولأبي ذر: أصبغ بن الفرج (قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الله بن وهب عن يونس) بن يزيد (عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم) هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب (قال: قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. قالت: حفصة) بنت عمر بن الخطاب زوج النبي وَ الر سمى سالم ما أبهمه زيد، وقد خالف زيد نافعًا وعبد الله بن دينار في إدخال الواسطة بين ابن عمر والنبي ◌ّالر ووافق سالمًا كما ترى، ووقع في بعض طرق نافع ٣٦٤ كتاب جزاء الصيد/ باب ٧/ حديث ١٨٢٩ عن ابن عمر سمعت النبي ◌َّ وهو يرفع ما يوهمه إدخال الواسطة هنا من أن ابن عمر لم يسمع هذا الحديث من النبي بَّ: (قال رسول الله الَليه): (خمس من الدواب لا حرج) لا إثم (على من قتلهن) مطلقًا في حل ولا حرم (الغراب والحدأة) بكسر الحاء وفتح الدال المهملتين مهموزاً، ولأبي ذر: والحدأ (والفارة والعقرب والكلب العقور). ١٨٢٩ - حدثنا يحيى بنُ سليمانَ قال: حدَّثني ابنُ وَهبٍ قال: أخبرني يونسُ عنِ ابنِ شهابٍ عن عُروةَ عن عائشةَ رضيَ اللّهُ عنها أنَّ رسولَ اللّهِ وَ ◌ِّ قال: ((خمسٌ من الدوابُ كلُّهنّ فاسقٌ يُقتَلْنَ في الحَرَمِ: الغُرابُ والحِدَأةُ والعَقربُ والفأرةُ والكلبُ العَقور)). [الحديث ١٨٢٩- طرفه في: ٣٣١٤]. وبه قال: (حدثنا) ولأبي الوقت: حدثني بالإفراد (يحيى بن سليمان) الجعفي الكوفي أبو سعيد نزيل مصر (قال: حدثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد اللَّه (قال: أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ◌َّفي قال): (خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلهن) المرء (في الحرم) ولأبوي ذر والوقت: يقتلن بضم أوله وفتح ثالثه وسكون رابعه من غير هاء، وقوله فاسق صفة لكل مذكر ويقتلن فيه ضمير راجع إلى معنى كل وهو جمع وهو تأكيد لخمس قاله في التنقيح كما في غير نسخة منه. وتعقبه في المصابيح بأن الصواب أن يقال: خمس مبتدأ وسوّغ الابتداء به مع كونه نكرة وصفه ومن الدواب في محل رفع أيضًا على أنه صفة أخرى لخمس، وقوله: يقتلن جملة فعلية في محل رفع على أنها خبر المبتدأ الذي هو خمس، وأما جعل كلهن تأكيدًا لخمس فمما يأباه البصريون وجعل فاسق صفة لكل خطأ ظاهر، والضمير فى يقتلهن عائد على خمس لا على كل إذ هو خبره ولو جعل خبر كل امتنع الإتيان بضمير الجمع لأنه لا يعود عليها الضمير من خبرها إلا مفردًا مذكرًا على لفظها على ما صرح به ابن هشام في المغني اهـ. وعبر بقوله: فاسق بالإِفراد، ورواية مسلم فواسق بالجمع وذلك أن كل اسم موضوع الاستغراق أفراد المنكر نحو ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ [آل عمران: ١٨٥] والمعرف المجموع نحو ﴿وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا﴾ [مريم: ٩٥] وأجزاء المفرد المعرف نحو كل زيد حسن، فإذا قلت: أكلت كل رغيف لزيد كانت لعموم الأفراد فإن أضفت الرغيف إلى زيد صارت لعموم أجزاء فرد واحد ولفظ كل مفرد مذكر معناه بحسب ما يضاف إليه، فإن أضيف إلى معرفة فقال ابن هشام في المغني فقالوا يجوز مراعاة لفظها ومراعاة معناها نحو: كلهم قائم أو قائمون وقد اجتمعنا في قوله تعالى: ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا * لقد أحصاهم وعدّهم عدًا ﴾. ٤ ٣٦٥ کتاب جزاء الصيد/ باب ٧/ حديث ١٨٢٩ وكلهم آتيه يوم القيامة﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥] فراعى اللفظ أوّلاً والمعنى آخرًا، والصواب أن الضمير لا يعود إليها من خبرها إلا مفردًا مذكرًا على لفظها نحو ﴿وكلهم آتيه﴾ الآية. ومن ذلك ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً﴾ [الإسراء: ٣٦] وفي الآية حذف مضاف وإضمار لما دل عليه المعنى لا اللفظ أي أن كل أفعال هذه الجوارح، كان المكلف مسؤولاً عنه . اهـ. وقد وقع في البخاري في كتاب الاعتصام بالسنة في باب: الاقتداء بسنن رسول الله وَّر ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى)) قالوا: ومن يأبى؟ قال: ((من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)) فقد أعاد الضمير من خبر كل المضافة إلى معرفة غير مفرد، وهذا الحديث فيه الأمران ولا يتأتى فيه ما ذكره من الجواب عن الآية، وذلك لأنه قال كلهن فاسق بالإِفراد ثم قال: يقتلن، وأما تسمية هؤلاء المذكورات فواسق فقال النووي: هي تسمية صحيحة جارية على وفاق اللغة فإن أصل الفسق الخروج فهو خروج مخصوص، والمعنى في وصف هذه بالفسق لخروجها عن حكم غيرها بالإِيذاء والإفساد وعدم الانتفاع، وقيل: لأنها عمدت إلى حبال سفينة نوح فقطعتها وقيل غير ذلك. (الغراب) وهو ينقر ظهر البعير وينزع عينه ويختلس أطعمة الناس زاد في رواية سعيد بن المسيب عن عائشة الأبقع وهو الذي في ظهره وبطنه بياض، وقيل سمي غرابًا لأنه نأى واغترب لما أنفذه نوح عليه الصلاة والسلام يستخبر أمر الطوفان. (والحدأة) بكسر الحاء وفتح الدال المهملتين مهموز وفي الفرع بسكون الدال وهي أخس الطير وتخطف أطعمة الناس. (والعقرب) واحدة العقارب وهي مؤنثة والأنثى عقربة وعقرباء ممدود غير مصروف ولها ثماني أرجل وعيناها في ظهرها تلدغ وتؤلم إيلامًا شديدًا، وربما لسعت الأفعى فتموت، ومن عجيب أمرها أنها مع صغرها تقتل الفيل والبعير بلسعتها وأنها لا تضرب الميت ولا النائم حتى يتحرك شيء من بدنه فتضربه عند ذلك وتأوى إلى الخنافس وتسالمها وفي ابن ماجة عن عائشة قالت: لدغت النبي ◌َّ عقرب وهو في الصلاة فلما فرغ قال ((لعن الله العقرب ما تدع مصليًا ولا غيره اقتلوها في الحل والحرم)). (والفأرة) بهمزة ساكنة، والمراد فأرة البيت وهي الفويسقة. وروى الطحاوي في أحكام القرآن عن يزيد بن أبي نعيم أنه سأل أبا سعيد الخدري لم سميت الفأرة الفويسقة؟ قال: استيقظ النبي ◌َّ ذات ليلة وقد أخذت فأرة فتيلة لتحرق على رسول الله وَ لّر البيت فقام إليها فقتلها وأحل قتلها للحلال والمحرم. وفي سنن أبي داود عن ابن عباس قال: جاءت فأرة فأخذت تجرّ الفتيلة فجاءت بها فألقتها بين يدي رسول الله وَّر على الخمرة التي كان قاعدًا عليها فأحرقت منها موضع درهم. زاد الحاكم ٣٦٦ كتاب جزاء الصيد/ باب ٧/ حديث ١٨٣٠ فقال وَالر: فأطفئوا سرجكم فإن الشيطان يدل مثل هذه على هذا فتحرقكم، ثم قال: صحيح الإسناد. وليس في الحيوان أفسد من الفأر لا يبقى على خطير ولا جليل إلا أهلكه وأتلفه. (والكلب العقور) الجارح وهو معروف واختلف في غير العقور مما لم يؤمر باقتنائه فصرح بتحريم قتله القاضيان حسين والمارودي وغيرهما. وفي الأم للشافعي الجواز، واختلف كلام النووي فقال في البيع من شرح المهذب: لا خلاف بين أصحابنا في أنه محترم لا يجوز قتله، وقال في التيمم والغصب أنه غير محتوم، وقال في الحج: يكره قتله كراهة تنزيه وعلى كراهة قتله اقتصر الرافعي، وتبعه في الروضة وزاد أنها كراهة تنزيه. وقال السرقسطي في غريبه: الكلب العقور يقال لكل عاقر حتى اللص المقاتل، وقيل هو الذئب. وعن أبي هريرة أنه الأسد قاله السرقسطي، والتقييد بالخمس وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بالحكم لكنه مفهوم عدد وليس بحجة عند الأكثر، وعلى تقدير اعتباره فيحتمل أن يكون قاله وَ ل﴿ أولاً ثم بين أن غير الخمس يشترك معها في الحكم، ففي بعض طرق عائشة عند مسلم أربع فأسقط العقرب، وفي بعضها ست، وهو عند أبي عوانة في المستخرج فزاد الحية، وفي حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة زيادة ذكر الذئب والنمر على الخمس المشهورة فتصير بهذا الاعتبار سبعًا، لكن أفاد ابن خزيمة عن الذهلي أن ذكر الذئب والنمر من تفسير الراوي للكلب العقور فيه التنبيه بما ذكر على جواز قتل كل مضر من فهد وصقر وأسد وشاهين وباشق وزنبور وبرغوث وبق وبعوض ونسر. وفي حديث الباب رواية التابعي عن التابعي والصحابي عن الصحابية والأخ عن أخته. ١٨٣٠ - حدثنا عمرُ بنُ حفصٍ بنِ غِياثٍ حدَّثَنا أبي حدَّثَنا الأعمشُ قال: حدَّثَني إِبراهيمُ عنِ الأسودِ عن عبدِ اللَّهِ رضيَ اللّهُ عنه قال: ((بينما نحنُ معَ النبيِّ ◌َِّ في غارٍ بِمِنَّى إِذْ نَزَلَ عليه ﴿وَالمُرْسَلاَتِ﴾ وإِنهُ ليَتْلوها وإِنِي لَأَتَلَقّاها مِن فيهِ وإِنَّ فاهُ لرَطْبٌ بها، إِذ وَثَبَتْ علينا حَيَّةٌ فقال النبيُّ وَّرِ: اقْتُلوها. فابتَدَزْناها فذهبَتْ، فقال النبيُّ وَّهِ: وُقِيَتْ شرَّكم كما وُقِيتم شرَّها)). [الحديث ١٨٣٠ - أطرافه في: ٣٣١٧، ٤٩٣٠، ٤٩٣١، ٤٩٣٤]. وبه قال: (حدثنا عمر بن حفص بن غياث) بكسر الغين المعجمة آخره مثلثة وعمر بضم العين قال: (حدثنا أبي) حفص قال: (حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدثني) بالإفراد (إبراهيم) بن يزيد النخعي (عن الأسود) بن يزيد النخعي (عن عبد اللَّه) هو ابن مسعود (رضي الله عنه) أنه: (قال: بينما) ولأبي الوقت: بينا (نحن مع النبي ◌َّ في غار بمنى) أي ليلة عرفة كما عند الإسماعيلي من طريق ابن نمير عن حفص بن غياث (إذ نزل عليه) صلاة الله وسلامه عليه سورة (﴿والمرسلات﴾) فاعل نزل والفعل إذا سند إلى مؤنث غير حقيقي يجوز تذكيره وتأنيثه، (وأنه) عليه الصلاة والسلام (ليتلوها وأني لأتلقاها) أتلقنها وآخذها (من فيه) أي فمه الكريم (وأن فاه) فمه (الرطب بها) أي لم يجف ريقه بها (إذ وثبت علينا حية فقال النبي وَّ لمن معه من أصحابه). ٣٦٧ كتاب جزاء الصيد/ باب ٧/ حديث ١٨٣١ (اقتلوها) وفي رواية مسلم وابن خزيمة واللفظ له: أن النبي بَلّ أمر محرمًا بقتل حية في المحرم بمنى (فابتدرناها) أي أسرعنا إليها (فذهبت فقال النبي ): (وقيت) بضم الواو وكسر القاف مخففة أي حفظت ومنعت (شركم) نصب مفعول ثان لوقيت وكذا قوله (كما وقيتم شرها) أي لم يلحقها ضرركم كما لم يلحقكم شرها وهو من مجاز المقابلة. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير ومسلم في الحيوان والحج والنسائي في الحج والتفسير. ١٨٣١ - حدثنا إسمعيلُ قال: حدَّثَني مالكٌ عنِ ابنِ شهابٍ عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها زوج النبيِّ بَّرَ: ((أن رسولَ اللّهِ وَ ◌ّلِ قال للوَزِعِ: فُوَيسِقٌ، ولم أسمَعْهُ أمرَ بقتلهِ)). [الحديث ١٨٣١ - طرفه في: ٣٣٠٦]. وبه قال (حدثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير بن العوام (عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي وَليل أن رسول الله وَّ قال) (للوزغ): بفتح الواو والزاي آخره غين معجمة واللام فيه بمعنى عن أي قال عن الوزغ (فويسق) بالتنوين مع ضم مصغرًا للتحقير والذم واتفقوا على أنه من الحشرات المؤذيات. قالت عائشة: (ولم أسمعه) عليه الصلاة والسلام (أمر بقتله) قضية تسميته إياه فويسقًا أن يكون قتله مباحًا، وكون عائشة لم تسمعه لا يدل على منعه فقد سمعه غيرها. وفي الصحيحين والنسائي وابن ماجة عن أم شريك أنها استأمرت النبي ◌َّ في قتل الوزغات فأمرها بذلك. وفي الصحيحين أيضًا أنه وَلهو أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقًا. وفي مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي وَ لّ قال: ((من قتل وزغة من أوّل ضربة فله كذا وكذا حسنة ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة دون الأولى)). وفي الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعًا ((اقتلوا الوزغ ولو في جوف الكعبة)) لكن في إسناده عمر بن قيس المكي وهو ضعيف. ومن غريب أمر الوزغ ما قيل إنه يقيم في حجره من الشتاء أربعة أشهر لا يطعم شيئًا ومن طبعه أن لا يدخل بيتًا فيه رائحة زعفران، وقد وقع في رواية أبوي ذر والوقت هنا. (قال أبو عبد اللَّه): أي البخاري (إنما أردنا بهذا) أي بحديث ابن مسعود (أن منى من الحرم وأنهم لم يروا بقتل الحية) التي وثبت عليهم في الغار (بأسًا) كذا وقع سياق هذا آخر الباب في الفرع ومحله عقب حديث ابن مسعود على ما لا يخفى. ٣٦٨ كتاب جزاء الصيد/ باب ٨/ حديث ١٨٣٢ ٨ - باب لا يُعضَدُ شَجرُ الحرَم وقال ابنُ عبّاسٍ رضيَ اللّهُ عنهما عن النبيِّ وَلَ: ((لا يُعضَدُ شَوكُه)). هذا (باب) بالتنوين (لا يعضد) بضم أوّله وسكون المهملة وفتح المعجمة مبنيًا للمفعول أي لا يقطع (شجر الحرم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما) مما وصله المؤلف في الباب التالي (عن النبي ◌َّ لا يعضد شوكه). ١٨٣٢ - حدثنا قُتَيبةُ حدثنا الليثُ عن سعيدِ بنِ أبي سعيدِ المُقْبُريُّ عن أبي شُرَيْحِ العَدَويّ أنهُ قال لعمرو بنِ سعيدٍ وهو يَبعَثُ البُعوثَ إلى مكةَ: ((ائذنْ لي أيُّها الأميرُ أُحَدُثُكَ قَوْلاً قام بهِ رسولُ اللّهِ وَ﴿ للغَدِ من يوم الفتح، فسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ ووَعاهُ قلبي وأبصرَتْهُ عينايَ حِينَ تَكلَّمَ بهِ، إِنَّهُ حَمِدَ اللّهَ وأثنى عليهِ ثمَّ قال: إِنَّ مكةَ حرَّمَها اللّهُ ولم يُحرِّمْها الناسُ، فلا يَحِلُّ لامرِىء يُؤمِنُ باللّهِ واليومِ الآخِرِ أن يَسفِكَ بها دمًا، ولا يَعضُدَ بها شجرةً. فإِنْ أحدٌ تَرَخَّصَ لِقِتالِ رسولِ اللهِ وَ لَه فقولوا له: إِنَّ اللّهَ أذِنَ لرسولهِ وَ ﴿ ولم يأذَنْ لكم، وإِنَّما أذِنَ لي ساعةً مِن نهارٍ، وقد عادَتْ حُرمتُها اليومَ كحُرمتِها بالأمس، ولْيُبَلِّغِ الشاهدُ الغائبَ. فقيل لأبي شُرَيح: ما قال لكَ عمرٌو؟ قال: أنا أعلمُ بذلكَ منكَ يا أبا شُرَيح، إِنَّ الحرَمَ لا يُعِيذُ عاصيًا، ولا فارًا بدَّم، ولا فارًا بخُرْبةٍ) خُربة: بلية . وبالسند قال: (حدثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدثنا الليث) بن سعد (عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح) بضم الشين المعجمة وفتح الراء وبالحاء المهملة قيل اسمه خويلد، وقيل غمرو بن خالد، وقيل كعب بن عمرو الخزاعي (العدوي) ليس هو من بني عدي لا عدي قريش ولا عدي مضر، ويحتمل أن يكون حليفًا لبني عدي بن كعب، وقيل في خزاعة بطن يقال لهم بنو عدي (أنه قال لعمرو بن سعيد): أي ابن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية المعروف بالأشدق لأنه صعد المنبر فبالغ في شتم عليّ رضي الله عنه فأصابته لقوة، وكان يزيد بن معاوية ولاه المدينة. قال الطبري: كان قدومه واليًا على المدينة من قبل يزيد في السنة التي ولي فيها يزيد الخلافة سنة ستين، (وهو يبعث البعوث إلى مكة) جملة حالية والبعوث جمع بعث وهو الجيش بمعنى مبعوث وهو من تسمية المفعول بالمصدر، والمراد به الجيش المجهز لقتال عبد الله بن الزبير لأنه لما امتنع من بيعة يزيد وأقام بمكة كتب يزيد إلى عمرو بن سعيد أن يوجه إلى ابن الزبير جيشًا فجهز إليه جيشًا وأمّر عليهم عمرو بن الزبير أخا عبد اللَّه وكان معاديًا لأخيه، فجاء مروان إلى عمرو بن سعيد فنهاه عن ذلك فامتنع وجاءه أبو شريح فقال له: (ايذن لي) أصله إئذن بهمزتين فقلبت الثانية ياء لسكونها وانكسار ما قبلها يا (أيها الأمير أحدثك) بالجزم (قولاً قام به رسول الله وَلي) جملة في موضع نصب صفة لقولاً المنصوب على المفعولية (الغد) بالنصب على الظرفية أي اليوم الثاني (من يوم الفتح) لمكة ولأبي الوقت: للغد بلام الجر (فسمعته أذناي) منه من غير واسطة (ووعاه قلبي) أي حفظه إشارة إلى ٣٦٩ کتاب جزاء الصيد/ باب ٨/ حديث ١٨٣٢ تحققه وتثبته فيه (وأبصرته عيناه) زيادة في مبالغة التأكيد لتحققه (حين تكلم به) أي بالقول المذكور، وأشار بذلك إلى أن سماعه منه لم يكن مقتصرًا على مجرد الصوت بل كان مع المشاهدة والتحقيق لما قاله: (أنه حمد الله وأثنى عليه) بيان لقوله تكلم وهمزة أنه مكسورة في الفرع (ثم قال: إن مكة حرمها الله) أي حكم بتحريمها وقضى به، وهل المراد مطلق التحريم فيتناول كل محرماتها أو خصوص ما ذكره بعد من سفك الدم وقطع الشجر (ولم يحرمها الناس) نفي لما كان يعتقده الجاهلية وغيرهم من أنهم حرموا أو حللوا من قبل أنفسهم، ولا منافاة بين هذا وبين حديث جابر المروي في مسلم أن إبراهيم حرم مكة وأنا حرمت المدينة لأن إسناد التحريم إلى إبراهيم من حيث أنه مبلغه فإن الحاكم بالشرائع والأحكام كلها هو الله تعالى والأنبياء يبلغونها ثم إنها كما تضاف إلى الله من حيث أنه الحاكم بها تضاف إلى الرسل لأنها تسمع منهم وتظهر على لسانهم، فلعله لما رفع البيت المعمور إلى السماء وقت الطوفان اندرست حرمتها وصارت شريعة متروكة منسية إلى أن أحياها إبراهيم عليه الصلاة والسلام فرفع قواعد البيت ودعا الناس إلى حجه وحدّ الحرم وبين حرمته ثم بين التحريم بقوله: (فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر) قال ابن دقيق العيد: هذا الكلام من باب خطاب التهييج وأن مقتضاه أن استحلال هذا المنهي عنه لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر بل ينافيه، فهذا هو المقتضى لذكر هذا الوصف لا أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة، ولو قيل لا يحل لأحد مطلقًا لم يحصل منه الغرض وخطاب التهييج معلوم عند علماء البيان ومنه قوله تعالى: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ [المائدة: ٢٣] إلى غير ذلك. (أن يسفك بها) بكسر الفاء ويجوز ضمها أي أن يصب بمكة (دمًا) بالقتل الحرام (ولا يعضد) بضم الضاد ولأبي ذر: ولا يعضد بكسرها أي لا يقطع (بها) أي في مكة (شجرة) وفي رواية عمر بن شيبة: ولا يخضد بالخاء المعجمة بدل العين المهملة وهو يرجع إلى معنى العضد لأن الخضد الكسر ويستعمل في القطع، وكلمة لا في ولا يعضد زائدة لتأكيد النفي ويؤخذ منه حرمة قطع شجر الحرم الرطب غير المؤذي مباحًا ومملوكًا حتى ما يستنبت منه وإذا حرم القطع فالقلع أولى وقيس بمكة باقي الحرم، (فإن أحد ترخص) بوزن تفعل من الرخصة، وأحد: مرفوع بفعل مضمر يفسره ما بعده أي فإن ترخص أحد (القتال رسول الله(وَ ليتر) متعلق بقوله ترخص أي لأجل قتال رسول الله والر أي مستدلاً به (فقولوا له: إن الله) عز وجل (أذن لرسول الله ( *) خصوصية له (ولم يأذن لكم، وإنما أذن) الله (لي) بالقتال فيها (ساعة من نهار) ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر، فكانت مكة في حقه عليه الصلاة والسلام في تلك المنزلة بمنزلة الحل، (وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس) أي عاد تحريمها كما كانت بالأمس قبل يوم الفتح حرامًا، زاد في حديث ابن عباس الآتي إن شاء الله تعالى بعد باب فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، (وليبلغ الشاهد) الحاضر (الغائب) نصب على المفعولية. (فقيل لأبي شريح) المذكور: (ما قال: لك عمرو؟) المذكور في الجواب؟ فقال: (قال) عمرو: (أنا أعلم بذلك) المذكور وهو أن مكة حرمها الله الخ. (منك يا أبا شريح) يعني أنك قد صح / = ٤ / ٠ ٢٤ إرشاد السار ساد ٣٧٠ كتاب جزاء الصيد/ باب ٩/ حديث ١٨٣٣ سماعك ولكنك لم تفهم المراد (أن الحرم لا يعيد) بالذال المعجمة أي لا يجير (عاصيًا)، يشير إلى عبد الله بن الزبير لأن عمرو بن سعيد كان يعتقد أنه عاص بامتناعه من امتثال أمر يزيد لأنه كان يرى وجوب طاعته لكنها دعوى من عمرو بغير دليل لأن ابن الزبير لم يجب عليه حدّ فعاذ بالحرم فرارًا منه حتى يصبح جواب عمرو (ولا فارًا) بالفاء من الفرار أي ولا هاربًا (بدم، ولا فارًا بخربة) بضم الخاء المعجمة وفتحها وسكون الراء وفتح الموحدة أي بسبب خربة ثم فسرها بقوله: (خربة: بلية) وهو تفسير من الراوي، لكن في بعض النسخ قال أبو عبد اللَّه: أي البخاري خربة بلية فهو من تفسير المؤلف . وهذا الحديث سبق في كتاب العلم في باب: ليبلغ الشاهد الغائب مع تفاسير أخر للخربة. وفي القاموس الخربة العيب والعورة والذلة، وليس كلام عمرو بن سعيد هذا حديثًا يحتج به، وفي رواية أحمد في آخر هذا الحديث قال أبو شريح: فقلت لعمرو: قد كنت شاهدًا وكنت غائبًا وقد أمرنا أن يبلغ شاهدنا غائبنا وقد بلغتك، وهو يشعر بأنه لم يوافقه فيندفع قول ابن بطال أن سكوت أبي شريح عن جواب عمرو دليل على أنه رجع إليه في التفصيل المذكور، بل إنما ترك أبو شريح مشاققته لعجزه عنه لما كان فيه من قوّة الشوكة. ٩ - باب لا يُنفَّرُ صَيدُ الحَرَمِ هذا (باب) بالتنوين (لا ينفر صيد الحرم) أي لا يزعج عن موضعه فإن نفره عصى سواء تلف أم لا . فإن تلف في نفاره قبل سکونه ضمن وإلا فلا. ١٨٣٣ - حدثنا محمدُ بنُ المثنّى حدَّثَنَا عبدُ الوهّابِ حدَّثَنا خالدٌ عن عِكرِمةَ عنِ ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللّهُ عنهما أنَّ النبيَّ ◌ََّ قال: ((إِنَّ اللّهَ حرَّمَ مكةً، فلم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي، ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي، وإِنما أُحِلَّتْ لي ساعةً من نهارٍ، لا يُختلى خَلاها، ولا يُعضَدُ شجرُها، ولا يُنفَّرُ صَيدُها، ولا تُلتَقَطُ إِلاّ لمعرِّف. وقال العبّاسُ: يا رسولَ اللّهِ إِلَّ الإِذخِرَ لِصاغَتِنا وقُبُورِنا. فقال: إِلاّ الإِذخِرَ)). وَعَنْ خالدٍ عن عكرِمةَ قال: هَلْ تدري ما («لا يُنَفَّرُ صَيْدُها)»؟ هُوَ أنْ يُنَحِّيَهُ مِنَ الظُّلِّ ينزِل مكانه . وبالسند قال: (حدثنا محمد بن المثنى) الزمن قال: (حدثنا عبد الوهاب) الثقفي قال: (حدثنا خالد) الحذاء (عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ◌َّ قال): (إن الله حرم مكة) يوم خلق السموات والأرض (فلم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي) أخبر عن الحكم في ذلك لا الإخبار بما سيقع لوقوع خلاف ذلك في الشاهد كما وقع من الحجاج وغيره (وإنما أحلت لي) بضم الهمزة وكسر المهملة أي أن أقاتل فيها (ساعة من نهار) هي ساعة الفتح ٣٧١ کتاب جزاء الصيد/ باب ٩/ حديث ١٨٣٣ (لا يختلى خلاها) بضم الياء وسكون الخاء المعجمة وفتح الفوقية واللام والخلا بفتح المعجمة مقصورًا الكلأ الرطب أي: لا يجز ولا يقلع كلؤها الرطب وقلع يابسه إن لم يمت، ويجوز قطعه فلو قلعه لزمه الضمان لأنه لو لم يقلعه لنبت ثانيًا فلو أخلف ما قطعه من الأخضر فلا ضمان لأن الغالب فيه الإخلاف وإن لم يخلف ضمنه بالقيمة، ويجوز رعي حشيش الحرم بل وشجره كما نص عليه في الأم بالبهائم لأن الهدايا كانت تساق في عصره وّلّ وأصحابه رضي الله عنهم وما كانت تسد أفواهها بالحرم. وروى الشيخان من حديث ابن عباس قال: أقبلت راكبًا على أتان فوجدت النبي ◌َّ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار فدخلت في الصف وأرسلت الأتان ترتع ومنى من الحرم، وكذا يجوز قطعه للبهائم والتداوي كالحنظل ولا يقطع لذلك إلا بقدر الحاجة كما قاله ابن كج ولا يجوز قطعه للبيع ممن يعلف به كما في المجموع لأنه كالطعام الذي أبيح أكله لا يجوز بيعه. (ولا يعضد) أي لا يقطع (شجرها ولا ينفر صيدها) أي لا يجوز لمحرم ولا حلال فلو نفر من الحرم صيدًا فهو من ضمانه وإن لم يقصد تنفيره كأن عثر فهلك بتعثره أو أخذه سبع أو انصدم بشجرة أو جبل ويمتدّ ضمانه حتى يسكن على عادته لا إن هلك قبل سكونه بآفة سماوية لأنه لم يتلف في يده ولا بسببه ولا إن هلك بعده مطلقًا (ولا تلتقط) بضم أوّله (لقطتها) بفتح القاف في الفرع وهو الذي يقوله المحدثون. قال القرطبي: وهو غلط عند أهل اللسان لأنه بالسكون ما يلتقط وبالفتح الأخذ. وقال في القاموس: واللقط محرّكة وكحزمة وهمزة وثمامة ما التقط. وقال النووي: اللغة المشهورة فتحها أي لا يجوز التقاطها. (إلا لمعرف). يعرفها ثم يحفظها لمالكها ولا يتملكها كسائر اللقطات في غيرها من البلاد فالمعنى عرفها ليتعرف مالكها فيردها إليه فكأنه يقول إلا لمجرد التعريف . (وقال العباس) بن عبد المطلب: (يا رسول الله إلا الإذخر) بالهمزة المكسورة والذال الساكنة والخاء المكسورة المعجمتين نبت معروف طيب الرائحة وهو حلفاء مكة فإنه (لصاغتنا) جمع صائغ (وقبورنا) نمهدها ونسدّ به فرج اللحد المتخللة بين اللبنات والمستثنى منه قوله: لا يختلى خلاها أي ليكن هذا استثناء من كلامك يا رسول الله فيتعلق به من يرى انتظام الكلام من متكلمين، لكن التحقيق في المسألة أن كلا المتكلمين إذًا كان ناويًا لما يلفظ به الآخر كان كل متكلما بكلام تام، ولذا لم يكتف عليه الصلاة والسلام بقول العباس إلا الإذخر بل (قال): هو أيضًا (إلا الإذخر) إما بوحي بواسطة جبريل نزل بذلك في طرفة عين واعتقاد أن نزول جبريل يحتاج إلى أمد متسع وهم وزلل، أو أن الله نفث في روعه وبهذا يندفع ما قاله المهلب أن ما ذكر في الحديث من تحريمه عليه الصلاة والسلام لأنه لو كان من تحريم الله ما استبيح منه إذخر ولا غيره، ولا ريب أن كل تحريم وتحليل فإلى الله حقيقة والنبي ◌َّله لا ينطق عن الهوى، فلا فرق بين إضافة التحريم إلى الله وإضافته إلى رسوله لأنه المبلغ فالتحريم إلى الله حكمًا وإلى الرسول بلاغًا. والإذخر: بالنصب على الاستثناء ويجوز رفعه على البدل لكونه واقعًا بعد النفي، لكن المختار كما قاله ابن مالك النصب إما لكون الاستثناء متراخيّا ٣٧٢ كتاب جزاء الصيد/ باب ١٠/ حديث ١٨٣٤ عن المستثنى منه فتفوت المشاكلة بالبدلية، وإما لكون المستثنى عرض في آخر الكلام ولم يكن مقصودًا أولاً . (وعن خالد) هو عطف على قوله حدثنا خالد داخل فى الإسناد السابق (عن عكرمة) أنه (قال): لخالد (هل تدري ما) الشيء الذي ينفر صيد مكة؟ أي ما الغرض من قوله: (لا ينفر صيدها؟ هو) أي التنفير (أن ينحيه) المنفر (من الظل ينزل مكانه) بصيغة الغائب فيرجع الضمير للمنفر، والضمير في قوله مكانه للصيد، ولأبي الوقت: أن تنحيه من الظل تنزل بالخطاب، والجملة وقعت حالاً، والمراد بذلك التنبيه على المنع من الإتلاف وسائر أنواع الأذى وهو تنبيه بالأدنى على الأعلى فيحرم التعرض لكل صيد بريّ وحشي مأكول كبقر وحش ودجاجة وحمامة أو ما أحد أصليه برّي وحشي مأكول كمتولد بين حمار وحشي وحمار أهلي أو بين شاة وظبي، ويجب بإتلافه الجزاء لقوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا﴾ [المائدة: ٩٥] كما مرّ وللسبب حكم المباشرة في الضمان فمن نصب شبكة وهو محرم أو في الحرم ضمن ما وقع فيها وتلف ولو نصبها وهو حلال ثم أحرم فلا ضمان، وكذا يحرم التعرض إلى جزء البري المذكور كلبنه وشعره وريشه بقطع أو غيره فإنه أبلغ من التنفير المذكور وفارق الشعر ورق أشجار الحرم حيث لا يحرم التعرض له بأن جزه يضر الحيوان في الحر والبرد بخلاف الورق فإن حصل مع تعرضه للبن نقص في الصيد ضمنه، فقد سئل الشافعي عمن حلب عنزًا من الظبي وهو محرم: فقال: تقوم العنز باللبن وبلا لبن وينظر نقص ما بينهما فيتصدق به. وقد خرج بالبري البحري وهو ما لا يعيش إلا في البحر فلا يحرم التعرض له وإن كان البحر في الحرم وما يعيش في البر والبحر بري تغليبًا للحرمة وبالمأكول وما عطف عليه ما لا يؤكل وما لا يكون في أصله ما ذكر فمنه ما هو مؤذ فيستحب قتله للمحرم وغيره كنمر ونسر وبق وبرغوت، ولو ظهر على المحرم قمل لم تكره تنحيته ومنه ما ينفع ويضر كفهد وصقر وباز فلا يستحب قتله لنفعه وهو تعلمه الاصطياد، ولا يكره لضرره وهو عدوه على الناس والبهائم، ومنه ما لا يظهر فيه نفع ولا ضرر كسرطان ورخمة وجعلان وخنافس فيكره قتله، ويحرم قتل النمل السليماني والنحل والخطاف والهدهد والصرد وبالمتوحش الأنسي كنعم ودجاج أنسيين. ١٠ - باب لا يَحِلُّ القِتالُ بمكةً وقال أبو شُرَيحٍ رضيَ اللّهُ عنه عن النبيّ وَّر: لا يَسِفِكُ بها دمًا. هذا (باب) بالتنوين (لا يحل القتال بمكة) أي فيها (وقال): ولأبي الوقت قال: (أبو شريح) خويلد السابق (رضي الله عنه) مما وصله قبل (عن النبي ◌َّ لا يسفك بها) أي بمكة (دمًا). ١٨٣٤ - حدّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيبةَ حدَّثَنَا جَرِيرٌ عن منصورٍ عن مُجاهِدٍ عن طاوُسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((قال النبيُّ وَّهِ يومَ افتتَحَ مكةً: لا هِجرةَ، ولكِنْ جِهادٌ ونيّة، وإِذا ٣٧٣ کتاب جزاء الصيد/ باب ١٠/ حديث ١٨٣٤ استُنفِرتُم فانفِروا، فإِنّ هذا بلدٌ حَرَّمَ اللّهُ يومَ خَلقَ السمواتِ والأرضَ، وهو حَرامٌ بحُرمةِ اللّهِ إلى يومِ القيامَةِ، وإِنهُ لم يَحِلَ القِتالُ فيهِ لأحدٍ قبلي، وَلَمْ يَحِلَّ لي إلاّ ساعةً من نهارٍ، فهوَ حرامٌ بحرمةِ اللّهِ إلى يومِ القيامةِ، لا يُعضَدُ شَوكهُ، ولا يُنفَّرُ صَيدُهُ، ولا يَلتقِطُ لُقَطْتَهُ إِلاَّ مَن عَرَّفَها، ولا يُختَلَى خَلاها. قال العبّاسُ: يا رسولَ اللّهِ إِلاّ الإِذخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَينهم ولِبُيُوتِهم. قال: قال إِلاّ الإِذخِرَ)). وبالسند قال: (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) هو عثمان بن محمد بن أبي شيبة واسمه إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي وهو أكبر من أخيه أبي بكر بن أبي شيبة بثلاث سنين قال: (حدثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن مجاهد) هو ابن جبر المفسر (عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال: قال النبي ◌َّل) قال الحافظ ابن حجر: كذا رواه منصور بن المعتمر موصولاً، وخالفه الأعمش فرواه عن مجاهد عن النبي ◌َّلر مرسلاً أخرجه سعيد بن منصور عن أبي معاوية عنه، وأخرجه أيضًا عن سفيان عن داود بن سابور مرسلاً ومنصور ثقة حافظ فالحكم لوصله (يوم افتتح مكة) سنة ثمان من الهجرة ويوم بالنصب ظرف لقال ومقول قوله. (لا هجرة) واجبة من مكة إلى المدينة بعد الفتح لأنها صارت دار إسلام زاد في كتاب الجهاد والهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة (ولكن) لكم (جهاد) في الكفار (ونية) صالحة في الخير تحصلون بهما الفضائل التي في معنى الهجرة التي كانت مفروضة لمفارقة الفريق الباطل فلا يكثر سوادهم ولإعلاء كلمة الله وإظهار دينه. قال أبو عبد الله الأبي: اختلف في أصول الفقه في مثل هذا التركيب يعني قوله: لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية هل هو لنفي الحقيقة أو النفي صفة من صفاتها كالوجوب وغيره. فإن كان لنفي الوجوب فهو يدل على وجوب الجهاد على الأعيان لأن المستدرك هو النفي والمنفي وجوب الهجرة على الأعيان فيكون المستدرك وجوب الجهاد على الأعيان، وعلى أن المنفي في هذا التركيب الحقيقة، فالمعنى أن الهجرة بعد الفتح ليست بهجرة وإنما المطلوب الجهاد الطلب الأعم من كونه على الأعيان أو على الكفاية قال: والمذهب أن الجهاد اليوم فرض كفاية إلا أن يعين الإمام طائفة فيكون عليها فرض عين اهـ. وقوله: جهاد رفع مبتدأ خبره محذوف مقدمًا تقديره كما سبق لكم جهاد. وقال الطيبي في شرح مشكاته قوله: ولكن جهاد ونية عطف على محل مدخول لا، والمعنى أن الهجرة من الأوطان إما هجرة إلى المدينة للفرار من الكفار ونصرة الرسول وَ ل8، وإما إلى الجهاد في سبيل الله وإما إلى غير ذلك من تحصيل الفضائل كطلب العلم فانقطعت الأولى وبقيت الأخريان فاغتنموهما ولا تقاعدوا عنهما . (وإذا استنفرتم فانفروا) بضم التاء وكسر الفاء فانفروا بهمزة وصل مع كسر الفاء أي إذا دعاكم الإمام إلى الخروج إلى الغزو فاخرجوا إليه وإذا علمتم ما ذكر (فإن هذا بلد حرم الله) عز وجل بحذف الهاء، وللكشميهني: حرمه الله (يوم خلق السموات والأرض) فتحريمه أمر قديم وشريعة سالفة ٣٧٤ كتاب جزاء الصيد/ باب ١٠/ حديث ١٨٣٤ مستمرة وحكمه تعالى قديم لا يتقيد بزمان فهو تمثيل في تحريمه بأقرب متصور لعموم البشر، إذ ليس كلهم يفهم معنى تحريمه في الأزل وليس تحريمه مما أحدث الناس، والخليل عليه الصلاة والسلام إنما أظهره مبلغًا عن الله لما رفع البيت إلى السماء زمن الطوفان، وقيل: إنه كتب في اللوح المحفوظ يوم خلق السموات والأرض إنّ الخليل عليه الصلاة والسلام سيحرم مكة بأمر الله (وهو حرام) بواو العطف (بحرمة الله) أي بسبب حرمة الله أو متعلق الباء محذوف أي متلبسًا ونحو ذلك وهو تأكيد للتحريم (إلى يوم القيامة وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي) بلم الجازمة والهاء ضمير الشأن، وفي رواية غير الكشميهني كما هو مفهوم عبارة الفتح: وأنه لا يحل والأول أنسب لقوله قبلي (ولم يحل لي) القتال فيه (إلا ساعة من نهار) خصوصية ولا دلالة فيه على أنه عليه الصلاة والسلام قاتل فيه وأخذه عنوة فإن حل الشيء لا يستلزم وقوعه نعم ظاهره تحريم القتال بمكة. قال المارودي فيما نقله عنه النووي في شرح مسلم: من خصائص الحرم أن لا يحارب أهله فإن بغوا على أهل العدل فقد قال بعض الفقهاء يحرم قتالهم بل يضيق عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة ويدخلوا في أحكام أهل العدل، وقال الجمهور: يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها. قال النووي: وهذا الأخير هو الصواب، ونص عليه الشافعي في الأم. وقال القفال في شرح التلخيص: لا يجوز القتال بمكة حتى لو تحصن جماعة من الكفار فيها لم يجز لنا قتالهم، وغلطه النووي . وأما القتل وإقامة الحدود فعن الشافعي ومالك حكم الحرم كغيره فيقام فيه الحد ويستوفى فيه القصاص سواء كانت الجناية في الحرم أو في الحل ثم لجأ إلى الحرم لأن العاصي هتك حرمة نفسه فأبطل ما جعل الله له من الأمن، وقال أبو حنيفة: إن كانت الجناية في الحرم استوفيت العقوبة فيه وإن كانت في الحل ثم لجأ إلى الحرم لم تستوف منه فيه ويلجأ إلى الخروج منه فإذا خرج اقتص منه، واحتج بعضهم لإقامة حد القتل فيه بقتل ابن جطل ولا حجة فيه لأن ذلك كان في الوقت الذي أحل للنبي وَلَه ـ (فهو) أي البلد (حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة) أي بتحريمه والفاء في فهو جزاء لشرط محذوف تقديره إذا كان الله كتب في اللوح المحفوظ تحريمه ثم أمر خليله بتبليغه وإنهائه فأنا أيضًا أبلغ ذلك وأنهيه إليكم وأقول فهو حرام بحرمة الله عز وجل وقال: فهو حرام بحرمة الله بعدما قال: وهو حرام بحرمة الله لينيط به غير ما أناط أوّلاً من قوله (لا يعضد) لا يقطع (شوكه) أي ولا شجره بطريق الأولى. نعم لا بأس بقطع المؤذي من الشوك كالعوسج قياسًا على الحيوان المؤذي (ولا ينفر صيده) فإن نفره عصى سواء تلف أم لا (ولا يلتقط لقطته) بفتح القاف في الرواية، وسبق في الباب الذي قبل هذا أن الصواب السكون (إلا من عرفها) أبدًا ولا يتملكها كما يتملكها في غيره من البلاد وهذا مذهب الشافعية وهو رأي متأخري المالكية فيما ذكره صاحب تحصيل المرام من المالكية، ٣٧٥ كتاب جزاء الصيد/ باب ١١/ حديث ١٨٣٥ والصحيح من مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد أن لا خصوصية للقطتها والوجه هو الأول لأن الكلام ورد مورد الفضائل المختصة بها كتحريم صيدها وقطع شجرها وإذا سوينا بين لقطة الحرم ولقطة غيره من البلاد بقي ذكر اللقطة في هذا الحديث خاليًا عن الفائدة (ولا يختلى خلاها) ولا يقطع نباتها الرطب. قال الزمخشري في الفائق: وحق خلالها أن يكتب بالياء وتثنيته خليان اهـ. أي: لأنه من خليت بالياء. وأما النبات اليابس فيسمى حشيشًا لكن حكى البطليوسي عن أبي حاتم أنه سأل أبا عبيدة عن الحشيش فقال: يكون في الرطب واليابس، وحكاه الأزهري أيضًا ويقويه أن في بعض طرق حديث أبي هريرة ولا يحتش حشيشها . (قال العباس) بن عبد المطلب: (يا رسول الله إلا الإذخر) بالنصب ويجوز الرفع على البدلية وسبق ما فيه في الباب السابق (فإنه) أي الإذخر (لقينهم) بفتح القاف وسكون التحتية وبالنون حدادهم أو القين كل صاحب صناعة يعالجها بنفسه ومعناه يحتاج إليه القين في وقود النار (ولبيوتهم) في سقوفها يجعل فوق الخشب أو للوقود كالحلفاء. (قال): عليه الصلاة والسلام (إلا الإذخر) ولغير أبي الوقت قال: قال إلا الإذخر استثناء بعض من كل لدخول الإذخر في عموم ما يختلى به، واستدل به على جواز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه، ومذهب الجمهور اشتراط الاتصال إما لفظًا وإما حكمًا لجواز الفصل بالتنفس مثلاً، وقد اشتهر عن ابن عباس رضي الله عنهما الجواز مطلقًا واحتج له بظاهر هذا الحديث، وأجاب الجمهور عنه بأن هذا الاستثناء في حكم المتصل لاحتمال أن يكون ◌َ * أراد أن يقول إلا الإذخر فشغله العباس بكلامه فوصل كلامه بكلام نفسه فقال إلا الإذخر، وقد قال ابن مالك يجوز الفصل مع إضمار الاستثناء متصلاً بالمستثنى منه. ١١ - باب الحِجامةِ للمُحرِمِ وكَوَى ابْنُ عمرَ ابنَهُ وهوَ مُحرِمٌ. وَيتداوَى ما لم يكنْ فيه طِيبٌ . (باب الحجامة للمحرم) مراده أن يكون المحرم محجومًا (وكوى ابن عمر) بن الخطاب (ابنه) واقدًا كما وصله سعيد بن منصور (وهو محرم) لبرسام أصابه في الطريق وهو متوجه إلى مكة. ومطابقة هذا للترجمة من عموم التداوي (ويتداوى) المحرم (ما لم يكن فيه) أي في الذي یتداوی به (طيب). ١٨٣٥ - حدثنا عليّ بنُ عبدِ اللَّهِ حدَّثَنا سفيانُ قال: قال عمرٌو: أولُ شيءٍ سمعتُ عَطاءً يقول: ((سمعتُ ابنَ عباسٍ رضيَ اللّهُ عنهما يقول: احتَجَمَ رسولُ اللّهِ وَ لَ هو مُحرِمٌ)). ثم سمعتهُ يقول: ((حَدَّثَنِي طاوُسٌ عنِ ابنِ عباس)) فقلت: لعله سمعَهُ منهما. [الحديث ١٨٣٥ - أطرافه في: ٣٧٦ كتاب جزاء الصيد/ باب ١٢ / حديث ١٨٣٦ و ١٨٣٧ ١٩٣٨، ١٩٣٩، ٢١٠٣، ٢٢٧٨، ٢٢٧٩، ٥٦٩١، ٥٦٩٤، ٥٦٩٥، ٥٦٩٩، ٥٧٠٠، ٥٧٠١]. وبالسند قال: (حدثنا علي بن عبد اللَّه) المديني قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة (قال: قال عمرو): هو ابن دينار ولأبي ذر قال: قال لنا عمرو (أول شيء) أي أوّل مرة (سمعت عطاء) هو ابن أبي رباح (يقول: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول): (احتجم رسول الله وَّر وهو محرم) جملة حالية. قال سفيان: (ثم سمعته) أي عمرو ثانيًا (يقول حدثني) بالإفراد (طاوس) اليماني (عن ابن عباس) قال سفيان (فقلت لعله) أي لعل عمرو (سمعه منهما) أي من عطاء وطاوس، وفي مسلم حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن عطاء وطاوس عن ابن عباس وليس لعطاء عن طاوس رواية أصلاً والله أعلم. وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الطب ومسلم في الحج وكذا أبو داود والترمذي. ١٨٣٦ - حدثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ حدَّثَنا سليمانُ بنُ بلالٍ عن عَلقمةَ بنِ أبي علقمة عن عبد الرحمنِ الأعرجِ عنِ ابنِ بُحَينةَ رضيَ اللّهُ عنه قال: ((احتَجَمَ النبيُّ نَّرَ وهو محرمٌ بِلَخيٍ جَمَلٍ في وَسَطِ رأسهِ)). [الحديث ١٨٣٦ - طرفه في: ٥٦٩٨]. وبه قال: (حدثنا خالد بن مخلد) بفتح الميم وسكون الخاء البجلي قال (حدثنا سليمان بن بلال) القرشي التيمي (عن علقمة بن أبي علقمة) واسمه بلال مولى عائشة أم المؤمنين وتوفي في أوّل خلافة أبي جعفر وليس له في البخاري إلا هذا الحديث (عن عبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج عن ابن بحينة رضي الله عنه) بضم الموحدة وفتح المهملة وسكون التحتية عبد الله بن مالك وبحينة أمه وهي بنت الأرت أنه (قال): (احتجم النبي وَلي وهو محرم) جملة حالية أي في حجة الوداع كما جزم به الحازمي وغيره (بلحي جمل) بفتح اللام وسكون الحاء المهملة بعدها مثناة تحتية وجمل بفتح الجيم والميم اسم موضع بين مكة والمدينة إلى المدينة أقرب (في وسط رأسه) بفتح السين من وسط ويؤخذ من هذا أن للمحرم الاحتجام والفصد ما لم يقطع بهما شعرًا فإن كان يقطعه بهما حرم إلا أن يكون به ضرورة إليهما . ١٢ - باب تزويج المُحْرِم (باب تزويج المحرم). ١٨٣٧ - حدّثنا أبو المُغيرةِ عبدُ القُدُّوسِ بنُ الحَجَاجِ حدَّثَنا الأوزاعيُّ حدَّثَني عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ عنِ ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللّهُ عنهما: ((أنَّ النبيَّ وَّرَ تَزَوَّجَ مَيمونةَ وهوَ مُحرِم)). [الحديث ١٨٣٧ - أطرافه في: ٤٢٥٨، ٤٢٥٩، ٥١١٤]. ٣٧٧ كتاب جزاء الصيد/ باب ١٣/ حديث ١٨٣٨ وبالسند قال: (حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج) الحمصي المتوفى سنة ثنتي عشرة ومائتين قال: (حدثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو قال: (حدثني) بالإفراد (عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي الله عنهما) (أن النبي و # تزوج ميمونة) بنت الحرث الهلالية (وهو محرم) بعمرة سنة سبع، وهذا هو المشهور عن ابن عباس، وصح نحوه عن عائشة وأبي هريرة، لكن جاء عن ميمونة نفسها أنه كان حلالاً، وعن أبي رافع مثله وأنه كان الرسول إليها فترجح روايته على رواية ابن عباس هذه لأن رواية من كان له مدخل في الواقعة من مباشرة أو نحوها أرجح من الأجنبي، ورجحت أيضًا بأنها مشتملة على إثبات النكاح لمدة متقدمة على زمن الإحرام والأخرى نافية لذلك والمثبت مقدم على النافي قاله في المصابيح، وقيل: يحمل قوله هنا وهو محرم أي داخل الحرم ويكون العقد وقع بعد انقضاء العمرة والجمهور على أن نكاح المحرم وإنكاحه محرم لا ينعقد لحديث مسلم: لا ينكح المحرم ولا ينكح، وكما لا يصح نكاحه ولا إنكاحه لا يصح إذنه لعبده الحلال في النكاح كذا قاله ابن القطان وفيه كما قاله ابن المرزبان نظر. وحكى الدارمي كلام ابن القطان ثم قال: ويحتمل عندي الجواز ولا فدية في عقد النكاح في الإِحرام فيستثنى من قولهم من فعل شيئًا يحرم بالإحرام لزمه فدية. وأجابوا عن حديث ميمونة بأنه اختلف في الواقعة كيف كانت ولا تقوم بها الحجة ولأنها تحتمل الخصوصية. وقال الكوفيون: يجوز للمحرم أن يتزوج كما يجوز له أن يشتري الجارية للوطء وتعقب بأنه قياس في معارضة السنة فلا يعتبر به . ١٣ - باب ما يُنهى منَ الطِّيبِ للمُحرِم والمحرِمة وقالت عائشةُ رضيَ اللّهُ عنها: لا تَلْبَسُ المحرمة ثوبًا بوَرْسٍ أو زَغْفرانٍ . (باب ما ينهى) عنه (من) استعمال (الطيب للمحرم والمحرمة) لأنه من دواعي الجماع ومقدماته المفسدة للإحرام وعند البزار من حديث ابن عمر الحاج الشعث التفل بفتح المثناة الفوقية وكسر الفاء الذي ترك استعمال الطيب (وقالت عائشة رضي الله عنها) مما وصله البيهقي (لا تلبس) المرأة (المحرمة ثوبًا) مصبوغًا (بورس) بفتح الواو وسكون الراء ثم سين مهملة نبت أصفر تصبغ به الثياب (أو زعفران). ومطابقته للترجمة من حيث أن المصبوغ بهما تفوح له رائحة كالطيب. ١٨٣٨ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يزيدَ حدَّثَنا الليثُ حدَّثَنا نافعٌ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضيَ اللّهُ عنهما قال: ((قام رجلٌ فقال: يا رسولَ اللّهِ ماذا تأمُرنا أن نَلَسَ منَ الثيابِ في الإحرام؟ فقال النبيُّ ◌َّهِ: لا تَلبَسوا القميصَ ولا السَّراويلاتِ ولا العَمائمَ ولا البَرانِسَ، إِلاّ أن يكونَ أحدٌ ليستْ له نَعلانِ فَلْيَلبَسِ الخُفَّينِ ولْيَقطَع أسفلَ منَ الكَعبَينِ. ولا تَلبَسوا شيئًا مَسَّهُ زَعفَرانٌ ولا الوَرسُ. ولا تَنتَقِبِ المرأةُ المُحرِمةُ، ولا تَلبَسِ القُفّازَين)). تابَعهُ موسى بنُ عُقبةَ وإسماعيلُ بنُ. إبراهيمَ بنِ عُقبةَ وجُوَيريةُ وابنُ إِسحقَ في النِّقابِ والقُفّازَينِ. وقال عُبِيدُ اللّهِ: ولا وَرْسٌ. وكان ٣٧٨ كتاب جزاء الصيد/ باب ١٣/ حديث ١٨٣٨ يقول: لا تنتَقِبِ المُحرِمةُ ولا تَلبَسِ القُفّازَينِ. وقال مالكٌ عن نافع عن ابن عمرَ: لا تَتَنَقبٍ المحرِمةُ. وتابَعَهُ ليثُ بنُ أبي سُلَیم. وبالسند قال: (حدثنا عبد الله بن يزيد) من الزيادة المقري مولى آل عمر قال: (حدثنا الليث) بن سعد الإمام قال: (حدثنا نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قام رجل) لم يسم (فقال: يا رسول الله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟ فقال النبي رَليّ): (لا تلبسوا القميص) بالإفراد، ولأبوي ذر والوقت: القمص بضم القاف والميم بالجمع (ولا السراويلات) جمع سراويل غير منصرف قيل لأنه منقول عن الجمع بصيغة مفاعيل وأن واحده سروالة، وقيل لأنه أعجمي على أن ابن الحاجب حكى أن من العرب من يصرفه وهي مؤنثة عند الجمهور (ولا العمائم) جمع عمامة سميت بذلك لأنها تعم جميع الرأس بالتغطية (ولا البرانس) جمع برنس بضم الباء والنون قلنسوة طويلة كان النساك في صدر الإسلام يلبسونها، وزاد في باب: ما لا يلبس المحرم من الثياب ولا الخفاف (إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفين وليقطع) أي الخفين (أسفل من الكعبين) وهما العظمان الناتئان عند ملتقى الساق والقدم، وهذا قول مالك والشافعي. وذهب المتأخرون من الحنفية إلى التفرقة بين الكعب في غسل القدمين في الوضوء والكعب المذكور في قطع الخفين للمحرم وأن المراد بالكعب هنا المفصل الذي في القدم عند معقد الشراك دون الناتىء وأنكره الأصمعي ولا فدية عليه وقال الحنفية: عليه الفدية. وقال الحنابلة: لا يقطعهما ولا فدية عليه، واحتجوا بحديث ابن عباس الآتي إن شاء الله تعالى في الباب الآتي بعد هذا الباب ولفظه: من لم يجد النعلين فليلبس الخفين ومن لم يجد إزار فليلبس سراويل. وأجيب: بأنه مطلق. وحديث الباب مقيد فيحمل المطلق على المقيد لأن الزيادة من الثقة مقبولة، وقد وقع السؤال عما يلبس المحرم؟ وأجيب: بما لا يلبس ليدل بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز وإنما عدل عن الجواب المطابق إلى هذا الجواب لأنه أخصر فإن ما يحرم أقل وأضبط مما يحل، أو لأن السؤال كان من حقه أن يكون عما لا يلبس لأن الحكم العارض المحتاج إلى البيان هو الحرمة، وأما جواز ما يلبس فثابت بالأصل معلوم بالاستصحاب فلذلك أتى بالجواب على وفقه تنبيهًا على ذلك. والحاصل أنه نبه بالقميص والسراويل على جميع ما في معناهما وهو ما كان مخيطًا أو معمولاً على قدر البدن أو العضو كالجوشن والران والتبان وغيرها وبالعمائم والبرانس على كل ساتر للرأس محيطًا كان أو غيره حتى العصابة فإنها حرام ونبه بالخفاف على كل ساتر للرجل من مداس وغيره، وهذا الحكم خاص بالرجال بدليل توجيه الخطاب نحوهم. (ولا تلبسوا) في حال الإحرام (شيئًا مسّه زعفران ولا الورس) ولا ما فى معناهما مما يقصد به رائحته غالبًا كالمسك والعود والورد فيحرم مع وجوب الفدية بالتطيب ولو كان أخشم في ملبوسه ٣٧٩ كتاب جزاء الصيد/ باب ١٣/ حديث ١٨٣٨ ولو نعلاً أو بدنه ولو باطنًا بنحو أكل قياسًا على الملبوس المذكور في الحديث لا ما يقصد به الأكل أو التداوي وإن كان له رائحة طيبة كالتفاح والأترج والقرنفل والدارصيني وسائر الأبازير الطيبة كالفلفل والمصطكي فلا تجب فيه الفدية لأنه إنما يقصد منه الأكل أو التداوي كما مرّ، ولا ما ينبت بنفسه وإن كان له رائحة طيبة كالشيح والقيصوم والخزامى لأنه لا يعد طيبًا وإلا لاستنبت وتعهد كالورد ولا بالعصفر والحناء وإن كان لهما رائحة طيبة لأنه إنما يقصد منه لونه، وتجب الفدية في النرجس والريحان الفارسي وهو الضيمران بفتح المعجمة وضم الميم كما ضبطه النووي قال في المهمات: لكنه لغة قليلة، والمعروف المجزوم به في الصحاح أن الضومران بالواو وفتح الميم وهو نبت بري. وقال ابن يونس: المرسين. وقوله: ولا الورس بفتح الواو وسكون الراء آخره مهملة أشهر طيب في بلاد اليمن، والحكمة في تحريم الطيب البعد عن التنعم وملاذ الدنيا ولأنه أحد دواعي الجماع وهذا الحكم المذكور يعم الرجل والمرأة. (ولا تنتقب المرأة) بنون ساكنة بعد تاء المضارعة وكسر القاف وجزم الفعل على النهي فيكسر لالتقاء الساكنين، ويجوز رفعه على أنه خبر عن حكم الله لأنه جواب عن السؤال عن ذلك. وللكشميهني: ولا تتنقب بمثناتين فوقيتين مفتوحتين والقاف المشددة المرأة (المحرمة ولا تلبس القفازين) تثنية قفاز بضم القاف وتشديد الفاء بوزن رمان في القاموس شيء يعمل لليدين يحشى بقطن تلبسهما المرأة للبرد أو ضرب من الحلي اليدين والرجلين، وقال غيره هو ما تلبسه المرأة في يديها فيغطي أصابعها وكفيها عند معاناة الشيء في غزل ونحوه. وروى أحمد وأبو داود والحاكم من طريق ابن إسحاق حدثني نافع عن ابن عمر أنه سمع رسول الله * في إحرامهن عن القفازين وما مس الورس والزعفران من الثياب ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب فيباح لها ستر جميع بدنها بكل ساتر مخيطًا كان أو غيره إلا وجهها فإنه حرام كذا ستر الكفين بقفازين أو واحدهما بأحدهما لأن القفازين ملبوس عضو ليس بعورة فأشبه خف الرجل ويجوز سترهما بغيرهما ككم. وخرقة لفتها عليهما للحاجة إليه ومشقة الاحتراز عنه. نعم، يعفى عما تستره من الوجه احتياطًا للرأس إذ لا يمكن استيعاب ستره إلا بستر قدر يسير مما يليه من الوجه والمحافظة على ستره بكماله لكونه عورة أولى من المحافظة على كشف ذلك القدر من الوجه، ويؤخذ من هذا التعليل أن الأمة لا تستر ذلك لأن رأسها ليس بعورة، لكن قال في المجموع ما ذكر في إحرام المرأة ولبسها لم يفرقوا فيه بين الحرة والأمة وهو المذهب، وللمرأة أن ترخي على وجهها ثوبًا متجافيًا عنه بخشبة أو نحوها، فإن أصاب الثوب وجهها بلا اختيار فرفعته فورًا فلا فدية وإلا وجبت مع الإثم. (تابعه) أي تابع الليث (موسى بن عقبة) المدني الأسدي فيما وصله النسائي وأبو داود مرفوعًا (وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة) ابن أخي موسى السابق مما وصله علي بن محمد المصري في فوائده من رواية الحافظ السلفي (وجويرية) ابن أسماء مما وصله أبو يعلى الموصلي (وابن إسحق) محمد مما ٣٨٠ كتاب جزاء الصيد/ باب ١٣/ حديث ١٨٣٩ وصله أحمد والحاكم مرفوعًا (في) ذكر (النقاب) وهو الخمار الذي تشدّه المرأة على الأنف أو تحت المحاجر، فإن قرب من العين حتى لا تبدو أجفانها فهو الوصواص بفتح الواو وسكون الصاد المهملة الأولى، فإن نزل إلى طرف الأنف فهو اللفام بكسر اللام وبالفاء، فإن نزل إلى الفم ولم يكن على الأرنبة منه شيء فهو اللثام بالمثلثة (والقفازين) وظاهره اختصاص ذلك بالمرأة، ولكن الرجل في القفاز مثلها لكونه في معنى الخف فإن كلاً منهما محيط بجزء من البدن، وأما النقاب فلا يحرم على الرجل من جهة الإحرام لأنه لا يحرم عليه تغطية وجهه. (وقال عبيد الله) بضم العين وفتح الموحدة مصغر ابن عمر العمري مما وصله إسحق بن راهويه في مسنده وابن خزيمة (ولا ورس) فوافق الأربعة المذكورين في رواية الحديث المذكور عن نافع حيث جعل الحديث إلى قوله ولا ورس مرفوعًا، ثم خالفهم ففصل بقية الحديث فجعله من قول ابن عمر أدرجه في الحديث فقال: (وكان يقول: لا تتنقب المحرمة ولا تلبس القفازين) بالجزم على النهي في تتنقب وتلبس والكسر لالتقاء الساكنين ويجوز رفعهما على الخبر كما مر وتتنقب بمثناتين فوقيتين من التفعل . (وقال مالك) الإمام الأعظم مما هو في موطئه (عن نافع عن ابن عمر) رضي الله عنهما: (لا تتنقب المحرمة). (وتابعه) أي تابع مالكًا (ليث بن أبي سليم) بضم المهملة وفتح اللام ابن زنيم القرشي الكوفي في وقفه وفيه تقوية لعبيد الله العمري وظهر الإدراج في رواية غيره. وقد استشكل ابن دقيق العيد الحكم بالإدراج في هذا الحديث لورود النهي عن النقاب والقفاز مفردًا وللابتداء بالنهي عنهما في رواية ابن إسحق المرفوعة المذكورة فيما سبق من رواية أحمد وأبي داود والحاكم وقال في الاقتراح دعوى الإدراج في أول المتن ضعيفة. وأجيب: بأن الثقات إذا اختلفوا وكان مع أحدهم زيادة قدّمت ولا سيما إن كان حافظًا خصوصًا إن كان أحفظ والأمر هنا كذلك فإن عبيد الله بن عمر في نافع أحفظ من جميع من خالفه وقد فصل الموضوع من الموقوف، وأما الذي ابتدأ في المرفوع بالموقوف فإنه من التصرف في الرواية بالمعنى فكأنه رأى أشياء متعاطفة فقدم وأخر لجواز ذلك عنده ومع الذي فصل زيادة علم فهو أولى قاله في فتح الباري ونحوه في شرح الترمذي للحافظ زين الدين العراقي. ١٨٣٩ - حدثنا قُتَيِبةُ حدَّثَنَا جَرِيرٌ عن مَنصورٍ عنِ الحَكَمِ عن سَعيدِ بنِ جُبَيْرِ عنِ ابنِ عَبّاسٍ رضيَ اللّهُ عنهما قال: وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُحرِمِ ناقتُهُ فقتَلَتْه، فأُتيَ بِهِ رسولُ اللّهِ وَلَه فقال: اغْسِلوهُ وكَفِّنوهُ ولا تُغَطُّوا رأسَهُ ولا تُقرِّوهُ طِيبًا، فإِنهُ يُبْعَثُ يُهِلُ)). وبه قال: (حدثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو