النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
أبواب المحصر/ باب ٧/ حديث ١٨١٦
في الكفارات فقال: ادن فدنوت، ولأحمد من وجه آخر في هذه الطريق وقع القمل في رأسي
ولحيتي حتى حاجبي وشاربي فأرسل إليّ النبي وَ ل﴿ فقال: (لقد أصابك بلاء) ولأبي داود: أصابني
هوام حتى تخوّفت على بصري، وفي رواية أبي وائل عن كعب عند الطبري: فحك رأسي بأصبعه
فانتثر منه القمل. زاد الطبراني من طريق الحجم أن هذا لأذى قلت شديد يا رسول الله، ولابن
خزيمة رآه وقمله يسقط على وجهه (فقال):
(يؤذيك هوامك) بحذف همزة الاستفهام (قلت نعم) يا رسول الله (قال): (فاحلق رأسك)
- أو قال - (احلق) بحذف المفعول وهو شك من الراوي (قال): أي كعب (فيّ نزلت) هذه الآية
(﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه﴾) [البقرة: ١٩٦] إلى آخرها، (فقال النبي ◌َّ) (صم
ثلاثة أيام أو تصدق بفرق) بفتح الفاء والراء وقد تسكن قاله: ابن فارس وقال الأزهري: بالفتح في
كلام العرب والمحدثون يسكنونه، والمنقول جواز كل منهما، والذي في اليونينية: الفتح وهو مكيال
معروف بالمدينة وهو ستة عشر رطلاً (بين ستة) من المساكين (أو انسك) بصيغة الأمر وللأربعة أو
نسك (بما) بالموحدة قبل ما ولأبوي ذر والوقت مما (تيسر) من أنواع الهدي.
٧ - باب الإِطعام في الفِذْيَةِ نصفُ صاعٍ
(باب الإطعام) بالجر على الإضافة ولأبي ذر: بالتنوين الإطعام (في الفدية) المذكورة والإطعام
بالرفع مبتدأ خبره (نصف صاع) أي لكل مسكين.
١٨١٦ - حقّثنا أبو الوَليدِ حدَّثنا شُعبةُ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ الأصْبِهانيّ عن عبدِ اللهِ بنِ
مَعقِلٍ، قال: ((جَلستُ إِلى كعبِ بنِ عُجرةَ رضيَ اللّهُ عنهُ فسألتُهُ عنِ الفِديةِ، فقال: نزلَتْ فيَّ
خاصَّةٌ وهيَ لكم عامةً. حُمِلتُ إِلى رسولِ اللّهِ وَيِّ والقملُ يتَناثَرُ على وَجْهي، فقال: ما كنتُ أَرَى
الوَجَعَ بَلَغَ بكَ ما أَرَى. أو ما كنتُ أَرَى الجَهْدَ بلغَ بكَ ما أَرَى. تَجِدُ شاةً؟ فقلتُ: لا. فقال:
فصُمْ ثلاثةَ أيّامٍ، أو أطعِمْ ستةَ مساكينَ لكل مسكين نصفَ صاعٍ».
وبالسند قال: (حدثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدثنا شعبة) بن
الحجاج (عن عبد الرحمن بن الأصبهاني) بفتح الهمزة والموحدة ويجوز كسر الهمزة وإبدال الموحدة
فاء وهو عبد الرحمن بن عبد اللَّه (عن عبد الله بن معقل) بفتح الميم وكسر القاف بينهما مهملة
ساكنة ابن مقرن بفتح القاف وكسر الراء المشددة التابعي الكوفي وليس له في البخاري إلا هذا
الحديث وآخر (قال: جلست إلى كعب بن عجرة رضي الله عنه) أي انتهى جلوسي إليه، وفي رواية
مسلم من طريق غندر عن شعبة: وهو في المسجد، وفي رواية أحمد عن بهز: قعدت إلى كعب بن
عجرة في هذا المسجد، وزاد في رواية سليمان بن قرم عن ابن الأصبهاني يعني مسجد الكوفة
(فسألته عن الفدية) المذكورة في قوله تعالى: ﴿ففدية من صيام﴾ (فقال: نزلت) أي الآية المرخصة

٣٤٢
أبواب المحصر / باب ٧/ حديث ١٨١٦
لحلق الرأس (فيّ) بكسر الفاء وتشديد الياء (خاصة وهي لكم عامة) فيه دليل على أن العام إذا ورد
على سبب خاص فهو على عمومه لا يخص السبب، ويدل عليه أيضًا على تأكده من السبب حيث لا
يسوغ إخراجه بالتخصيص ولهذا قال: نزلت فيّ خاصة (حُملت) بضم الحاء المهملة وكسر الميم
المخففة مبنيًّا للمفعول (إلى رسول الله ربَّيه والقمل يتناثر على وجهي) جملة حالية (فقال) عليه الصلاة
والسلام:
(ما كنت أرى) بضم الهمزة أي ما كنت أظن (الوجع بلغ بك ما أرى) بفتح الهمزة أي أبصر
بعيني (أو ما كنت أرى) بضم الهمزة أي أظن (الجهد بلغ بك ما أرى) بفتح الجيم أي المشقة. وقال
النووي كعياض عن ابن دريد ضم الجيم لغة في المشقة أيضًا. وقال صاحب العين: بالضم الطاقة
وبالفتح المشقة وحينئذٍ يتعين الفتح هنا بخلاف قوله في حديث بدء الوحي الماضي حتى بلغ مني
الجهد فإنه محتمل للمعنيين كما سبق والشك من الراوي هل قال: الوجع أو الجهد، ولأبي ذر عن
الحموي والمستملي: يبلغ بصيغة المضارع ثم قال عليه الصلاة والسلام لكعب: (تجد) أي هل تجد
(شاة) قال كعب: (فقلت لا) أجد (فقال) بفاء قبل القاف ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر قال:
(فصم ثلاثة أيام) بيان لقوله تعالى أو صيام (أو أطعم ستة مساكين) بكسر العين وهو بيان لقوله أو
صدقة (لكل مسكين نصف صاع) بنصب نصف. زاد مسلم: نصف صاع كررها مرتين، والصاع
أربعة أمداد والمد رطل وثلث فهو موافق لرواية الفرق الذي هو ستة عشر رطلاً، وللطبراني عن أحمد
الخزاعي عن أبي الوليد شيخ البخاري: فيه لكل مسكين نصف صاع تمر، ولأحمد عن بهز عن شعبة
نصف صاع طعام، ولبشر بن عمر عن شعبة نصف صاع حنطة. ورواية الحكم عن ابن أبي ليلى
تقتضي أنه نصف صاع من زبيب .
قال الحافظ ابن حجر: المحفوظ عن شعبة نصف صاع من طعام والاختلاف عليه في كونه تمرًا
أو حنطة لعله من تصرفات الرواة، وأما الزبيب فلم أره إلا في رواية الحكم وقد أخرجها أبو داود
وفي إسنادها ابن إسحاق وهو حجة في المغازي لا في الأحكام إذا خالف، والمحفوظ رواية التمر
فقد وقع الجزم بها عند مسلم من طريق أبي قلابة ولم يختلف فيه على أبي قلابة وعرف بذلك قوة قول
من قال: لا فرق في ذلك بين التمر والحنطة وأن الواجب ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع اهـ.
واستشكل قوله: تجد شاة؟ فقلت: لا. فقال: فصم ثلاثة أيام لأن الفاء تدل على الترتيب
والآية وردت للتخيير.
وأجيب بأن التمييز إنما يكون عند وجود الشاة وأما عند عدمها فالتخيير بين أمرين لا بين
الثلاثة. وقال النووي: ليس المراد أن يصوم لا يجزىء إلا لعادم الهدي بل هو محمول على أنه سأل
عن النسك، فإن وجده أخبره بأنه مخير بين الثلاث وإن عدمه فهو خير بين اثنين.

٣٤٣
أبواب المحصر/ باب ٨/ حديث ١٨١٧
٨ - باب النُّسكُ شاةٌ
هذا (باب) بالتنوين (النسك) المذكور في قوله تعالى: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾
[البقرة: ١٩٦] (شاة) وأما ما رواه أبو داود والطبراني وعبد بن حميد وسعيد بن منصور من طرق
تدور على نافع أن كعبًا لما أصابه الأذى فحلق فأهدى بقرة فاختلف على نافع في الواسطة الذي بينه
وبين كعب، وقد عارضه ما هو أصح منه من أن الهدي الذي أمر به كعب وفعله في النسك إنما هو
شاة بل قال الحافظ زين الدين العراقي: لفظ البقرة منكر شاذ.
١٨١٧ - حدثنا إسحقُ حدثنا رَوحٌ حدَّثَنا شِبلٌ عنِ ابنِ أَبِي نَجيحِ عن مُجاهدٍ قال: حدَّثني
عبدُ الرحمنِ بنُ أبي ليلى عن كعبٍ بن عُجرةَ رضيَ اللّهُ عنهُ: ((أنَّ رسولَ اللّهِ وَلَ رآه وأنهُ يسقُطُ
على وَجههِ القملُ، فقال: أيؤذِيكَ هَوامُكَ؟ قال: نعم. فأمَرَهُ أن يَحلِقَ وهوَ بالحُدَيبيةِ، ولم يتبيَّنْ
لهم أنهم يَحِلُونَ بها، وهم على طَمَع أن يَدخُلوا مكة. فأنزَلَ اللّهُ الفَديةَ، فأمَرَّهُ رسولَ اللّهِ وَ أَن
يُطْعِمَ فَرَقًا بينَ ستةٍ، أو يُهدِيَ شاةً، أَو يَصومَ ثلاثةَ أيّام)).
وبالسند قال: (حدثنا إسحاقُ) هو ابن راهويه كما جزم به أبو نعيم قال: (حدثنا روح) هو
ابن عبادة قال: (حدثنا شبل) بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة بن عباد المكي (عن ابن أبي
نجيح) عبد اللَّه المكي (عن مجاهد قال: حدثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن
عجرة رضي الله عنه أن رسول الله ◌َ في رآه وأنه) وفي نسخة ودوابه (يسقط على وجهه) أي القمل
فالفاعل محذوف وضمير النصب من قوله رآه عائد على كعب ومن أنه عائد على القمل، وكذا ضمير
الرفع المستتر في قوله: يسقط عائد أيضًا على القمل، والضمير من وجهه عائد على كعب والواو
للحال. قال الحافظ ابن حجر: ولابن السكن وأبي ذر. ليسقط بزيادة لام (فقال):
(أيؤذيك هوامك؟ قال: نعم فأمره) عليه الصلاة والسلام (أن يحلق) رأسه (وهو بالحديبية ولم
يتبين لهم) أي لم يظهر لمن كان معه عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت (أنهم يحلون) من إحرامهم
(بها) أي بالحديبية. (وهم) أي الرسول وَّر ومن معه ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني: هو أي
الرسول عليه الصلاة والسلام (على طمع أن يدخلوا مكة) وهذه الزيادة ذكرها الراوي لبيان أن الحلق
كان محظور بسبب الأذى لا لقصد التحلل بالحصر وهو ظاهر، (فأنزل الله) عز وجل (الفدية) المتعلقة
بالحلق للأذى في قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه﴾ الآية (فأمره) أي كعبًا
(رسول الله وَ ل﴿ أن يطعم فرقًا) بفتح الراء والمحدثون يسكنونها وهو ستة عشر رطلاً (بين ستة) من
المساكين (أو يهدي شاة) بضم أوله منصوبًا عطفًا على أن يطعم (أو يصوم ثلاثة أيام) بالنصب عطفًا
على سابقه .

٣٤٤
أبواب المحصر/ باب ٩/ حديث ١٨١٨ و ١٨١٩
١٨١٨ - وعن محمدِ بنِ يوسفَ حدّثنا وَرقاءُ عنِ ابنِ أَبِي نَجيح عن مجاهدٍ أخبرَنا
عبدُ الرحمن بنُ أبي ليلى عن كعبٍ بن عُجرةَ رضيَ اللّهُ عنهُ: ((أن رسولَّ اللّهِ رآهُ وقملُهُ يَسقطُ
علی وَ جههِ» مثله .
(وعن محمد بن يوسف) الفريابي وهو عطف على قوله: حدثنا روح فيكون إسحق رواه عن
روح بإسناده وعن محمد بن يوسف قال: (حدثنا ورقاء) بن عمر بن كليب اليشكري (عن ابن أبي
نجيح) عبد الله (عن مجاهد قال: أخبرنا) ولأبوي ذر والوقت: حدثني من التحديث بالإِفراد
(عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ الر رآه وقمله يسقط على
وجهه مثله) بالنصب أي مثل الحديث المذكور، والواو في قوله وقمله للحال. وفي الحديث أن السنة
مبينة لمجمل القرآن لإطلاق الفدية فيه وتقييدها بالسنة وتحريم حلق الرأس على المحرم والرخصة له
في حلقها إذا آذاه القمل أو غيره من الأوجاع.
واستنبط منه بعض المالكية إيجاب الفدية على من تعمد حلق رأسه بغير عذر فإن إيجابها على
المعذور من التنبيه بالأدنى على الأعلى، لكن لا يلزم من ذلك التسوية بين المعذور وغيره، ومن ثم
قال الشافعي: لا يتخير العامد بل يلزمه الدم.
٩ - باب قول اللّه تعالى: ﴿فلا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧]
(باب قول الله تعالى: ﴿فلا رفث﴾).
١٨١٩ - حدثنا سليمانُ بنُ حَربِ حدَّثَنا شُعبة عن مَنصورٍ عن أبي حازم عن أبي هريرةَ
رضيَ اللّهُ عنهُ قال: قال رسولُ اللّهِ وَالَ: ((مَن حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُتْ ولم يَفْسُقْ، رجَعَ كما
ولَدَتْهُ أمُّه)».
وبالسند قال: (حدثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن
منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمان مولى عزة الأشجعية، ولغير أبي
الوقت: سمعت أبا حازم وفيه تصريح منصور بسماعه له من أبي حازم في رواية شعبة، وقد انتفى
بذلك تعليل من أعله بالاختلاف على منصور لأن البيهقي أورده من طريق إبراهيم بن طهمان عن
منصور عن هلال بن يساف عن أبي حازم زاد فيه رجلاً، فإن كان إبراهيم حفظه فلعله حمله عن
هلال ثم لقي أبا حازم فسمعه منه فحدث به على الوجهين، وصرح أبو حازم بسماعه له من أبي
هريرة كما تقدم في أوائل الحج من طريق شعبة عن سيار عن أبي حازم (عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: قال رسول الله (مَ چ):
(من حج) أي قصد (هذا البيت) الحرام لحج أو عمرة، ولمسلم، من أتى هذا البيت لحاضر

٣٤٥
أبواب المحصر/ باب ١٠/ حديث ١٨٢٠
فالظاهر أنه عليه الصلاة والسلام قاله: وهو بمكة (فلم يرفث) بتثليث الفاء والضم المشهور في
الرواية واللغة وبالفتح الاسم وبالسكون المصدر والمعنى فلم يجامع أو لم يأت بفحش من الكلام ولم
يفسق لم يخرج عن حدود الشرع بالسباب وارتكاب المحظورات، والفاء في قوله فلم والواو في قوله
ولم عطف على الشرط في قوله: من حج، وجوابه قوله: (رجع) حال كونه (كما) أي مشابها لنفسه
في البراءة من الذنوب صغائرها أو كبائرها في يوم (ولدته أمه) إلا في حق آدمي إذ هو محتاج
لاسترضائه: نعم إذا رضي تعالى عن عبده أرضى عنه خصماءه، وفي نسخة: كيوم ولدته أمه.
١٠ - باب قولِ اللّهِ عزّ وجلَّ :
﴿ولا فُسوقَ ولا جِدالَ في الحجِ﴾ [البقرة: ١٩٧]
(باب) قول الله عز وجل: (﴿ولا فسوق ولا جدال في الحج)) [البقرة: ١٩٧] برفع فسوق
منونًا كلا رفث لابن كثير وأبي عمرو ويعقوب، ووافقهم أبو جعفر وزاد رفع جدال على أن لا ملغاة
وما بعدها رفع بالابتداء وسوّغ الابتداء بالنكرة تقدم النفي عليها وفي الحج خبر المبتدأ الثالث وحذف
خبر المبتدأ الأول والثاني لدلالة الثالث عليهما، وقرأ الباقون بالفتح في الثلاثة على أن لا هي التي
للتبرئة وهل فتحة الاسم فتحة إعراب أو بناء الجمهور على الثاني.
١٨٢٠ - حدثنا محمدُ بنُ يوسفَ حدَّثَنا سُفيانُ عن مَنصورٍ عن أبي حازم عن أبي هريرةً
رضيَ اللّهُ عنه قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((مَنْ حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرفُثْ ولم يَفسُقْ رَجعَ كيومٍ وَلَدَتَهُ
أمُّه)).
وبالسند قال: (حدثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدثنا سفيان) هو الثوري كما نص
عليه البيهقي (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي حازم) بالحاء والزاي سلمان (عن أبي هريرة
ـ) :
رضي الله عنه قال: قال النبي): ولأبي الوقت: قال رسول الله (﴾
(من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق) قال في القاموس: الفسق الترك لأمر الله والعصيان
والخروج عن طريق الحق أو الفجور كالفسوق وفسق جار وعن أمر ربه خرج والرطبة عن قشرها
خرجت كانفسقت، قيل: ومنه الفاسق لانسلاخه عن الخير (رجع) والحال أنه (كيوم ولدته أمه)
عاريًا من الذنوب أو رجع بمعنى صار والظرف خبره وميمه مفتوحة ويجوز كسرها وهو الذي في
اليونينية، ولم يذكر في الحديث الجدال اعتمادًا على ما في الآية أو لأن المجادلة ارتفعت بين العرب
وقريش في موضع الوقوف بعرفة والمزدلفة فأسلمت قريش وارتفعت المجادلة ووقف الكل بعرفة.

بسم الله الرحمن الرحيم
٢٨ - كتاب جزاء الصيد
١ - باب جزاء الصيد ونحوه
وقول اللّه تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصيدَ وأنتم حُرُم ومَن قَتَلهُ منكم مُتعمّدًا فَجزاءُ مِثْلٍ ما قَتَل
منَ النَّعَمِ يحكمُ به ذَوا عَدْلِ منكم هَذْيًا بالِغَ الكعبةِ أو كَفّارةٌ طَعامُ مَساكِينَ أو عَدْلُ ذُلكَ صِيامًا
لِيَذُوقَ وَبالَ أمرِهِ عَفا اللّهُ عَمَا سَلَف ومَن عادَ فيَنتَقِمُ اللّهُ منه واللّهُ عَزيزٌ ذو انتِقام أُحِلٌّ لكم
صَيدُ البَحرِ وطَعامُهُ مَتَاعًا لكم وللسَّارةِ وحُرِّمَ عليكم صيدُ البرِّ ما دُمتُم حُرُمًا واتقوا اللّهَ الذي إليه
تُحشَرون﴾ [المائدة: ٩٥].
(بسم الله الرحمن الرحيم).
(باب جزاء الصيد) إذا باشر المحرم قتله (ونحوه) كتنفير صيد الحرم وعضد شجره (وقول الله
تعالى) (﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾) [المائدة: ٩٥] کذا ثبتت البسملة وتالیها لأبي ذر ولغيره باب
قول الله تعالى: (﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾) أي محرمون، ولعله ذكر القتل دون الذبح للتعميم
وأراد بالصيد ما يؤكل لحمه لأنه الغالب فيه عرفّفا (﴿ومن قتله منكم متعمدًا﴾) ذاكرًا لإحرامه عالمًا بأنه
حرام عليه (﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾) برفع جزاء من غير تنوين وخفض مثل على أن جزاء
مصدر مضاف لمفعوله تخفيفًا، والأصل فعليه أن يجزي المقتول من الصيد مثله من النعم، ثم حذف
الأول لدلالة الكلام عليه وأضيف المصدر إلى ثانيهما أو أن مثل مقحمة كقولهم: مثلك لا يفعل
ذلك أي أنت لا تفعل ذلك وهذه قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي جعفر وقراءة الآخرين
(فجزاء) بالرفع منونًا على الابتداء والخبر محذوف تقديره فعليه جزاء أو أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره
فالواجب جزاء أو فاعل محذوف تقديره فيلزمه أو يجب عليه، (ومثل) بالرفع صفة لجزاء أي فعليه
جزاء موصوف بكونه مثل ما قتل أي مماثله، والذي عليه الجمهور من السلف والخلف أن جزاء

٣٤٧
كتاب جزاء الصيد/ باب ١
العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه فالقرآن دل على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه
بقوله تعالى: (﴿ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه﴾) [المائدة: ٩٥] وجاءت
السنة من أحكام النبي ◌ّلتر وأصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ كما دل الكتاب عليه في العمد،
وأيضًا فإن قتل الصيد إتلاف والإتلاف مضمون في العمد والنسيان لكن المتعمد مأثوم والمخطىء غير
مأثوم، وهذه المماثلة باعتبار الخلقة والهيئة عند مالك والشافعي والقيمة عند أبي حنيفة (﴿يحكم به))
أي بالجزاء (﴿ذوا عدل﴾) رجلان صالحان، فإن الأنواع تتشابه ففي النعامة بدنة وفي حمار الوحش بقرة
(﴿منكم﴾) من المسلمين (﴿هديًا﴾) حال من ضمير به (﴿بالغ الكعبة﴾) صفة هديًا والإضافة لفظية أي
واصلاً إليه بأن يذبح فيه ويتصدق به (﴿أو كفارة﴾) عطف على جزاء (﴿طعام مساكين﴾) بدل منه أو
تقديره هي طعام، وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ﴿كفارة﴾ بغير تنوين طعام بالخفض على الإضافة
لأن الكفارة لما تنوعت إلى تكفير بالطعام وتكفير بالجزاء المماثل وتكفير بالصيام حسن أضافتها لأحد
أنواعها تبيينًا لذلك والإضافة تكون لأدنى ملابسة، ولا خلاف في جمع مساكين هنا لأنه لا يطعم في
قتل الصيد مسكين واحد بل جماعة مساكين، وإنما اختلفوا في موضع البقرة لأن التوحيد يراد به عن
كل يوم والجمع يراد به عن أيام كثيرة (﴿أو عدل ذلك صيامًا﴾) أي أو ما ساواة من الصوم فيصوم عن
طعام كل مسكين يومًا وهو في الأصل مصدر أطلق للمفعول (﴿ليذوق وبال أمره﴾) ثقل أمره وجزاء
معصيته أي أوجبنا ذلك ليذوق (﴿عفا الله عما سلف﴾) قبل التحريم (﴿ومن عاد﴾) إلى مثل هذا
(﴿فينتقم الله منه﴾) في الآخرة أي: فهو ينتقم الله منه وعليه مع ذلك الكفارة (﴿والله عزيز ذو انتقام﴾)
على المصرّ بالمعاصي (﴿أحل لكم صيد البحر﴾) مما لا يعيش إلا في الماء في جميع الأحوال (﴿وطعامه))
ما يتزود منه يابسًا مالحا أو ما قذفه ميتًا (﴿متاعًا لكم وللسيارة﴾) منفعة للمقيم والمسافر وهو مفعول له
(﴿وحرم عليكم صيد البر﴾) ما صيد فيه أو المراد بالصيد في الموضعين فعله، فعلى الأول يحرم على
المحرم ما صاده الحلال وإن لم يكن له فيه مدخل والجمهور على حله (﴿ما دمتم حرمًا﴾) محرمين
(﴿واتقوا الله الذي إليه تحشرون﴾) [المائدة: ٩٥ -٩٦] وفي رواية أبي ذر ما لفظه من النعم إلى قوله:
﴿واتقوا الله الذي إليه تحشرون﴾ وسبب نزول هذه الآية كما حكاه مقاتل في تفسيره أن أبا اليسر
بفتح المثناة التحتية والمهملة قتل حمار وحش وهو محرم في عمرة الحديبية فنزلت، ولم يذكر المصنف
في رواية أبي ذر حديثًا في هذه الترجمة إشارة إلى أنه لم يثبت على شرطه في جزاء الصيد حديث
مرفوع، وفي رواية غير أبي ذر هنا باب بالتنوين: إذا صاد الحلال صيدًا فأهدى للمحرم الصيد أكله
المحرم.
قال: العيني كالحافظ ابن حجر: هذه الترجمة هكذا ثبتت في رواية أبي ذر، وسقطت في رواية
غيره وجعلوا ما ذكر في هذا الباب من جملة الباب الذي قبله اهـ.
والذي في الفرع يقتضي أن لفظ الباب هو الساقط فقط دون الترجمة فإنه كتب قبل إذا واوًا
للعطف ورقم عليها علامة الثبوت لأبوي ذر والوقت، وكذا رأيته في بعض الأصول المعتمدة وإذا
صاد الحلال إلى آخر قوله أكله.

٣٤٨
كتاب جزاء الصيد/ باب ٢/ حديث ١٨٢١
٢ - باب إِذا صادَ الحلالُ فأهدَى للمُخْرِمِ الصَّيدَ أُكَلَهُ
ولم يَرَ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسٌ بالذَّبح بأسًا. وهوَ في غَير الصيدِ، نحو الإِبلِ والغنم والبقرِ
والدَّجاجِ والخيل يقال عَذْلُ ذُلكَ: مِثلُ. فإِذا كسِرَتْ عِدلٌ فهو زِنَةُ ذلك. قيامًا: قوامًا. يعدِلونَ:
يَجْعلونَ عدلاً .
(ولم ير ابن عباس) مما وصله عبد الرزاق (وأنس) مما وصله ابن أبي شيبة رضي الله عنهم
(بالذبح) أي بذبح المحرم (بأسًا) وظاهره العموم فيتناول الصيد وغيره لكن بين المؤلف أنه خاص
بالثاني حيث قال: (وهو) أي بالذبح (غير الصيد) ولأبي ذر: في غير الصيد (نحو الإبل والغنم
والبقر والدجاج والخيل). وهذا قاله المؤلف تفقهًا وهو متفق عليه فيما عدا الخيل فإنه مخصوص بمن
يبيح أكلها (يقال: عدل) بفتح العين (مثل) بكسر الميم وبهذا فسره أبو عبيد في المجاز ولأبي الوقت:
عدل ذلك مثل (فإذا كسرت) بضم الكاف أي العين (عدل) وفي بعض الأصول المعتمدة: فإذا
كسرت بفتح الكاف وباء الخطاب عدلاً بالنصب على المفعولية وفتح العين (فهو زنة ذلك) أي موازنة
في القدر (قيامًا) في قوله تعالى: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا﴾ [المائدة: ٩٧] أي (قوامًا)
بكسر القاف أي يقوم به أمر دينهم ودنياهم أو هو سبب انتعاشهم في أمر معاشهم ومعادهم يلوذ به
الخائف ويأمن فيه الضعيف ويربح فيه التجار ويتوجه إليه الحجاج والعمار (يعدلون) في قوله: ﴿ثم
الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ [الأنعام: ١] بالأنعام أي (يجعلون) له (عدلاً) بفتح العين، ولأبي ذر
أي مثلاً تعالى الله عن ذلك ولغيره عدلاً بكسرها. وقال البيضاوي: والمعنى أن الكفار يعدلون بربهم
الأوثان أي يسوونها به ومناسبة ذكر هذا هنا كونه من مادة قوله تعالى: ﴿أو عدل ذلك﴾
[المائدة: ٩٥] بالفتح أي مثله وما ذكر جميعه مطابق لترجمة الباب السابق وليس مناسبًا للترجمة
الأخرى.
١٨٢١ - حدثنا مُعاذُ بنُ فَضالةُ حدَّثَنَا هِشامٌ عن يحيى عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي قتادةً قال:
((انطَلَقَ أبي عامَ الحُدَيبيةِ، فأحرَمَ أصحابُهُ ولم يُحرِم. وحُدِّثَ النبي ◌ََّ أنَّ عدُوًّا يغزوهُ، فانطَلَقَ
النبيُّ ، فبينما أنا معَ أصحابهِ يَضحكُ بعضُهم إلى بعضٍ، فإذا أنا بحمارٍ وَحشٍ، فحَملتُ عليهِ
فطعَنتُهُ فأثبتُه، واستعَنْتُ بهم فأبوا أن يُعِينوني. فأكلنا مِن لحمهِ، وخَشينا أن نُقْتَطِعَ، فَطلبتُ النبيِّ ◌َِّ
أرفَعُ فرسي شَأْوًا وأسيرُ شأوًا، فلقِيتُ رجُلاً مِن بني ◌ِفارٍ في جَوفِ الليلِ، قلتُ: أينَ تَركتَ
النبيَّ وََّ؟ قال: تَركتهُ بتغْهِنَ، وهو قائلٌ السُّقْيا. فقلتُ يا رسولَ اللّهِ، إِنَّ أهلَكَ يَقْرَؤونَ عليكَ
السلامَ ورحمةَ اللّه، إِنَّهم قد خَشُوا أن يُقْتَطَعوا دُونَك، فانتَظِرْهم. قلتُ يا رسولَ اللّهِ أَصَبتُ حمارَ
وَحشٍ وعندِي منهُ فاضِلةٌ. فقال للقوم: كُلوا. وهم مُحرِمون)). [الحديث ١٨٢١ - أطرافه في:

٣٤٩
كتاب جزاء الصيد/ باب ٢/ حديث ١٨٢١
١٨٢٢، ١٨٢٣، ١٨٢٤، ٢٥٧٠، ٢٨٥٤، ٢٩١٤، ٤١٤٩، ٥٤٠٦، ٥٤٠٧، ٥٤٩٠، ٥٤٩١،
٥٤٩٢].
وبالسند قال: (حدثنا معاذ بن فضالة) بفتح الفاء والصاد المعجمة واللام الزهراني قال: (حدثنا
هشام) الدستوائي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن عبد الله بن أبي قتادة قال: انطلق أبي) أبو قتادة
الحرث بن ربعي الأنصاري (عام الحديبية) في عمرتها وهذا أصح من رواية الواحدي من وجه آخر
عن عبد الله بن أبي قتادة أن ذلك كان في عمرة القضية (فأحرم أصحابه) أي أصحاب أبي قتادة (ولم
يحرم) أبو قتادة لاحتمال أنه لم يقصد نسكًا إذ يجوز دخول الحرم بغير إحرام لمن لم يرد حجّا ولا عمرة
كما هو مذهب الشافعية، وأما على مذهب الأئمة الثلاثة القائلين بوجوب الإحرام فاحتجوا له بأن أبا
قتادة إنما لم يحرم لأنه وال# كان أرسله إلى جهة أخرى ليكشف أمر عدوّ في طائفة من الصحابة كما
قال: (وحدث النبي (وَي) بضم الحاء وكسر الدال المشددة مبنيًا للمفعول (أن عدوّا) له من المشركين
(يغزوه) زاد في حديث الباب اللاحق بغيقة فتوجهنا نحوهم، أي بأمره عليه الصلاة والسلام.
قلت: لكن يعكر على هذا أن في حديث سعيد بن منصور من طريق المطلب عن أبي قتادة أن
خبر العدو أتاهم حين بلوغهم الروحاء ومنها وجههم النبي ◌َّر والروحاء على أربعة وثلاثين ميلاً من
ذي الحليفة ميقات إحرامهم، فهذا صريح في أن خبر العدو أتاهم بعد مجاوزة الميقات. ويؤيده قوله
في حديث الباب اللاحق فأحرم أصحابه ولم أحرم فأنبئنا بعدو بغيقة فتوجهنا فعبر بالفاء المقتضية لتأخير
الأنباء عن الإحرام وحينئذ فلا دلالة فيه على ما ذكر.
وقال الأثرم: إنما جاز لأبي قتادة ذلك لأنه لم يخرج يريد مكة لأني وجدت في رواية من
حديث أبي سعيد فيها خرجنا مع رسول الله * فأحرمنا فلما كنا بمكان كذا إذا نحن بأبي قتادة
وكان النبي ◌َّل بعثه في وجه الحديث اهـ.
وفي صحيح ابن حبان والبزار والطحاوي من طريق عياض بن عبد الله عن أبي سعيد قال:
بعث رسول الله ◌َ أبا قتادة على الصدقة وخرج رسول الله وَّله وأصحابه وهم محرمون حتى نزلوا
بعسفان فإذا هم بحمار وحش قال: وجاء أبو قتادة وهو حل الحديث. وهذا ظاهره يخالف ما في
البخاري على ما لا يخفى لأن قوله: بعث يقتضي أنه لم يكن خرج مع النبي وَّ من المدينة، لكن
يحتمل أنه وَ ل﴿ ومن معه لحقوا أبا قتادة في بعض الطريق قبل الروحاء فلما بلغوها وأتاهم خبر العدو
وجهه النبي ◌َّهر في جماعة لكشف الخبر.
(فانطلق النبي (18) لمقصده الذي خرج له ولحق أبو قتادة وأصحابه به عليه الصلاة والسلام
قال أبو قتادة: (فبينما) بالميم وللكشميهني: فبينا (أنا مع أصحابي) والذي في الفرع وأصله: فبينا أبي
مع أصحابه فيكون من قول ابن أبي قتادة حال كونهم (يضحك بعضهم إلى بعض) أي منتهيًا أو ناظرًا
إليه، ويضحك فعل مضارع كذا لأبي الوقت ولغيره فضحك بالفاء بدل الياء والفعل ماض، وفي

٣٥٠
كتاب جزاء الصيد/ باب ٢/ حديث ١٨٢١
الفرع تضحك بمثناة فوقية وفتح الضاد وتشديد الحاء من التفعل، وإنما كان ضحكهم تعجبًا من
عروض الصيد مع عدم تعرضهم له لا إشارة منهم، ولا دلالة لأبي قتادة على الصيد. وفي حديث
أبي قتادة السابق: وجاء أبو قتادة وهو حل فنكسوا رؤوسهم كراهية أن يحدّوا أبصارهم له فيفطن
فيراه، وفي رواية حديث الباب التالي فبصر أصحابي بحمار وحش فجعل بعضهم يضحك إلى
بعض. زاد في رواية أبي حازم: وأحبوا أني لو أبصرته، (فنظرت فإذا أنا بحمار وحش) بالإضافة
وفيه على رواية فبينا أبى التفات إذ كان مقتضاها أن يقول فنظر، وفي رواية محمد بن جعفر فقمت إلى
الفرس فأسرجته فركبت ونسيت السوط والرمح فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح فقالوا: لا والله
لا نعينك عليه بشيء فغضبت فنزلت فأخذتهما ثم ركبت، (فحملت عليه) أي على الحمار الوحشي
(فطعنته فأثبته) بالمثلثة ثم بالموحدة ثم بالمثناة أي جعلته ثابتًا في مكانه لا حراك به (واستعنت بهم) في
حمله (فأبوا أن يعينوني) في رواية أبي النضر فأتيت إليهم فقلت لهم: قوموا فاحملوا، فقالوا: لا نمسه
فحملته حتى جئتهم به (فأكلنا من لحمه) - وفي رواية فضيل عن أبي حازم: فأكلوا فندموا، وفي
رواية محمد بن جعفر عن أبي حازم فوقعوا يأكلون منه ثم أنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم فرحنا
وخبأت العضد معي، وفي رواية مالك عن أبي النضر فأكل منه بعضهم وأبى بعضهم. (وخشينا أن
نقتطع) بضم أوّله مبنيًّا للمفعول، وفي رواية علي بن المبارك عن يحيى عند أبي عوانة: وخشينا أن
يقتطعنا العدوّ أي عن النبي وَ لّر لكونه سبقهم وتأخروا هم للراحة بالقاحة الموضع الذي وقع به صيد
الحمار كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وفي رواية أبي النضر الآتية إن شاء الله تعالى في الصيد فأبى بعضهم أن يأكل فقلت أنا
أستوقف لكم النبي وسلّر فأدركته فحدثته الحديث، فمفهوم هذا أن سبب إسراع أبي قتادة لإدراكه عليه
الصلاة والسلام أن يستفتيه عن قضية أكل الحمار، ومفهوم حديث أبي عوانة أنه لخشيته على أصحابه
إصابة العدو قال في الفتح: ويمكن الجمع بأن يكون ذلك بسبب الأمرين.
(فطلبت النبي ◌ِّ ر أرفع) بضم الهمزة وفتح الراء وكسر الفاء المشددة، وفي بعض الأصول
أرفع بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الفاء (فرسي) أي أكلفه السير الشديد (شأوًا) بفتح الشين
المعجمة وسكون الهمزة ثم واو أي تارة (وأسير) بسهولة (شأوًا) أي أخرى (فلقيت رجلاً من بني
غفار) بكسر الغين المعجمة ولم يقف الحافظ ابن حجر على اسمه (في جوف الليل قلت) له (أين
تركت النبي وَّر؟ قال: تركته بتعهن) بموحدة مكسورة فمثناة فوقية مفتوحة فعين مهملة ساكنة فهاء
مكسورة ثم نون لأبي ذر، وللكشميهني: بتعهن بكسر الفوقية والهاء. وقال في القاموس: وتعهن
مثلثة الأول مكسورة الهاء وفي فرع اليونينية وأصلها ضمة فوق الهاء بالحمرة تحت الفتحة وهي عين
ماء على ثلاثة أميال من السقيا. (وهو) أي النبي وَّر (قايل السقيا) بضم السين المهملة وإسكان
القاف ثم مثناة تحتية مفتوحة مقصور قرية جامعة بين مكة والمدينة وهي من أعمال الفرع بضم الفاء

٣٥١
کتاب جزاء الصيد/ باب ٣
وسكون الراء آخره عين مهملة. وقايل بالمثناة التحتية من غير همز كما في الفرع وصحيح عليه وفي
غيره بالهمزة .
وقال النووي: روي بوجهين أصحهما وأشهرهما بهمزة بين الألف واللام من القيلولة أي تركته
بتعهن وفي عزمه أن يقتل بالسقيا ومعنى قايل سيقيل والوجه الثاني قابل بالموحدة وهو ضعيف
وغريب وتصحيف وإن صح فمعناه أن تعهن موضع مقابل السقيا.
وقال في المفهم: وتبعه في التنقيح وهو قائل اسم فاعل من القول ومن القائلة أيضًا والأول
هو المراد هنا والسقيا مفعول بفعل مضمر كأنه كان بتعهن وهو يقول لأصحابه اقصدوا السقيا.
قال في المصابيح: يصح كل من الوجهين أي القول والقائلة فإنه أدركه في وقت قيلولته وهو
عازم على المسير إلى السقيا إما بقرينة حالية أو مقالية ولا مانع من ذلك أصلاً . اهـ.
فليتأمل قوله: فإنه أدركه وقت قيلولته فإن لقي أبي قتادة الغفاري كان في جوف الليل، وقصة
الحمار كانت بالقاحة كما سيأتي إن شاء الله تعالى بعد باب وهي على نحو ميل من السقيا إلى جهة
المدينة، فالظاهر أن لقي الغفاري له وَ لّ إنما كان ليلاً لا نهارًا.
قال أبو قتادة: فسرت فأدركته وَ ل# (فقلت: يا رسول الله إن أهلك) أي أصحابك كما فيٍ
رواية مسلم، وأحمد (يقرؤون عليك السلام ورحمة الله إنهم قد خشوا) بكسر همزة أن، وفي حديث
الباب اللاحق وأنهم بالواو وخشوا بفتح الخاء وضم الشين المعجمتين (أن يقتطعوا) بضم أوله وفتح
ثالثه مبنيًا للمفعول أي يقتطعهم العدو (دونك فانتظرهم) بصيغة الأمر من الانتظار أي انتظر
أصحابك زاد في رواية الباب اللاحق ففعل. (قلت يا رسول الله أصبت حمار وحش وعندي منه)
قطعة فضلت منه فهي (فاضلة) بألف بين الفاء والضاد المعجمة أي باقية (فقال): عليه الصلاة والسلام
(للقوم):
(كلوا) أي من الفضلة (وهم محرمون) والأمر بالأكل للإباحة، وفي رواية أبي حازم المنبه عليها
في هذا الباب إشارة إلى أن تمني المحرم أن يقع من الحلال الصيد ليأكل المحرم منه لا يقدح في
إحرامه .
وحديث الباب أخرجه المؤلف أيضًا في الحج والهبة والأطعمة والمغازي والجهاد والذبائح،
ومسلم في الحج وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وسياق عبد اللَّه له هنا يقتضي كونه
مرسلاً حيث قال: انطلق أبي عام الحديبية .
٣ - باب إِذا رأَى المُحرِمون صَيدًا فضَحِكوا فقَطِنَ الحَلالُ
هذا (باب) بالتنوين (إذا رأى المحرمون صيدا) وفيهم رجل حلال (فضحكوا) تعجبًا من
عروض الصيد مع عدم التعرض له مع قدرتهم على صيده (ففطن الحلال) بفتح الطاء وكسرها أي

٣٥٢
كتاب جزاء الصيد/ باب ٣/ حديث ١٨٢٢
فهم لا يكون ضحكهم إشارة منهم إلى الحلال بالصيد حتى إذا اصطاد ذلك الحلال الصيد لا يلزم
المحرمين الذين ضحكوا شيء.
١٨٢٢ - حدثنا سعيدُ بنُ الرَّبيع حدَّثَنا عليَّ بنُ المباركِ عن يحيى عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي قتادةَ
أنَّ أباه حدَّثَه قال: ((انطلَقْنا معَ النبيِّ وََّ عامَ الحُدَيبيةِ، فأحرَمَ أصحابهُ ولم أُحرِم، فأُنبِئنا بعدوّ
بغيقةَ، فتوجَّهنا نحوَهم، فَبَصُرَ أصحابي بحمار وَحشٍ، فَجَعلَ بعضُهم يضحكُ إِلى بعضٍ، فنظرتُ
فرأيتُه، فحَملتُ عليه الفَرسَ، فَطَعَنتَهُ فأثبته، فاسْتَعنتُهم فأبَوا أن يُعِينوني، فأكَلْنا منهُ. ثمَّ لَحِقتُ
برسولِ اللّهِ وَ ﴿ وَخَشِينا أن نُقتطعَ، أرفعُ فرَسي شَأْوًا وأسِيرُ عليه شَأْوًا. فَلَقِيتُ رجُلاً من بني غفارٍ
في جَوف الليلِ فقلتُ له: أينَ تَركتَ رسولَ اللّهِ بِّهَ؟ فقال: تَركَتُه بتغْهِنَ، وهو قائلُ السُّقْيا.
فلحِقتُ برسولِ اللّهِ بَ لَ حتى أتيته، فقلتُ يا رسولَ اللّهِ إِنَّ أصحابَكَ أرسلوا يقرؤُون عليكَ السلامَ
ورحمةَ اللّهِ وبرَكاتهِ، وإِنَّهم قد خَشُوا أن يقتطِعَهمُ العدوُ دُونك، فانظُرْهم، ففعل. فقلت: يا
رسولَ اللّهِ إِنا اصَّدْنا حِمارَ وَحشٍ، وإِنَّ عندَنا فاضِلةً. فقال رسولُ اللّهِ وَّرَ لأصحابهِ: كُلوا، وهم
مُحرِمون».
وبالسند قال: (حدثنا سعيد بن الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة وسكون المثناة التحتية
الهروي نسبة لبيع الثياب الهروية قال: (حدثنا علي بن المبارك) النهائي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن
عبد الله بن أبي قتادة أن أباه) أبا قتادة الحرث بن ربعي (حدثه، قال: انطلقنا مع النبي ◌َّر عام
الحديبية فأحرم أصحابه ولم أحرم) أنا (فأنبئنا) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول أي أخبرنا (بعدق) للمسلمين
(بغيقة) بغين معجمة فمثناة تحتية ساكنة فقاف مفتوحة موضع من بلاد بني غفار بين الحرمين. وقال
في القاموس موضع بظهر حرة النار لبني ثعلبة بن سعد، (فتوجهنا نحوهم) بأمره ◌َّ، فلما رجعنا
إلى القاحة (فبصر) بضم الصاد المهملة (أصحابي) الذين كانوا معي في كشف العدو (بحمار وحش)
ولأبي ذر عن الكشميهني: فنظر أصحابي لحمار وحش بالنون والظاء المعجمة المفتوحتين من النظر
ولحمار باللام بدل الموحدة كذا في فرع اليونينية وغيره، فقول العيني كالحافظ ابن حجر فعلى هذه
الرواية أي رواية نظر بالنون والظاء المشالة دخول الباء في بحمار مشكل. وأجاب: بأن يكون ضمن
نظر معنى بصر أو الباء بمعنى إلى على مذهب من يقول أن الحروف ينوب بعضها عن بعض يدل على
أنه لم يستحضر إذ ذاك كونها باللام في الرواية المذكورة.
قال في الفتح: وقد بين محمد بن جعفر في روايته عن أبي حازم عن عبد الله بن أبي قتادة
كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الهبة أن قصة صيده الحمار كانت بعد أن اجتمعوا بالنبي وليه
وأصحابه ونزلوا في بعض المنازل ولفظه: كنت يومًا جالسًا مع رجال من أصحاب النبي وَّ في
منزل في طريق مكة ورسول الله وَالر نازل أمامنا والقوم محرمون وأنا غير محرم، وبين في هذه الرواية

٣٥٣
کتاب جزاء الصيد/ باب ٤/ حديث ١٨٢٣
السبب الموجب لرؤيتهم إياه دون أبي قتادة بقوله: فأبصرته حمارًا وحشيًا وأنا مشغول أخصف نعلي
فلم يؤذنوني به وأحبوا لو أني أبصرته والتفت فأبصرته، ووقع في حديث أبي سعيد عند ابن حبان
وغيره أن ذلك وهم بعسفان وفيه نظر، والصحيح أن ذلك كان بالقاحة كما سيأتي إن شاء الله تعالى
بعد باب ومرّ.
(فجعل بعضهم يضحك إلى بعض) تعجبًا لا إشارة (فنظرت فرأيته، فحملت عليه الفرس
فطعنته فأثبته) أي حبسته مكانه (فاستعنتهم) في حمله (فأبوا أن يعينوني) فحملته حتى جئت به إليهم
(فأكلنا منه ثم لحقت برسول الله ◌َاجر و) الحال أنا (خشينا أن نقتطع) أي يقطعنا العدو دونه عليه
الصلاة والسلام حال كوني (أرفع) بضم الهمزة وتشديد الفاء المكسورة وبفتح الهمزة وسكون الراء
وفتح الفاء، وهو الذي في اليونينية ليس إلا أي أكلف (فرسي شأوًا) دفعة (وأسير عليه) بسهولة
(شأوًا) أخرى (فلقيت رجلاً من بني غفار في جوف الليل، فقلت أين) ولأبي الوقت فقلت له: أين
(تركت رسول الله وَير؟ فقال: تركته بتعهن) بفتح التاء والهاء ويكسرهما ويفتح فكسر وفي الفرع
وأصله ضم الهاء أيضًا كما مر قال القاضي عياض: هي عين ماء على ثلاثة أميال من السقيا بطريق
مكة (وهو) عليه الصلاة والسلام (قائل السقيا) بضم السين مقصور، وقائل: بالتنوين كالسابقة أي
قال: اقصدوا السقيا أو من القيلولة أي تركته بتعهن وعزمه أن يقيل بالسقيا، (فلحقت
برسول الله وَ * حتى أتيته فقلت: يا رسول الله إن أصحابك أرسلوا يقرؤون عليك السلام
ورحمة الله) زاد في رواية غير أبوي ذر والوقت: وبركاته (وإنهم قد خشوا أن يقتطعهم العدو دونك
فانظرهم) بهمزة وصل وظاء معجمة أي انتظرهم (ففعل) ما سأله من انتظارهم (فقلت: يا رسول الله
إنا أصدنا حمار وحش) بهمزة وصل وتشديد الصاد أصله اصتدنا من باب الافتعال قلبت التاء صادًا
وأدغمت الصاد في الصاد وأخطأ من قال أصله اصطدنا فأبدلت الطاء مثناة وأدغمت، وفي نسخة :
أصدنا بفتح الهمزة وتخفيف الصاد (وإن عندنا منه) قطعة (فاضلة) فضلت منه (فقال رسول الله وال-
لأصحابه).
(كلوا) من القطعة الفاضلة (وهم محرمون).
٤ - باب لا يُعِينُ المُحرمُ الحَلالَ في قتلِ الصَّيدِ
هذا (باب) بالتنوين (لا يعين المحرم الحلال في قتل الصيد) بفعل ولا قول.
١٨٢٣ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ حدَّثَنَا سُفيانُ حدَّثَنَا صالحُ بنُ كَيْسانَ عن أبي محمدٍ نافعِ
مَولى أبي قتادة سَمِعَ أبا قَتادةَ رضيَ اللّهُ عنه قال: ((كنّا مع النبيِّ بالقاحَةِ منَ المدينةِ على
ثلاثٍ)) ح.
إرشاد الساري/ ج ٤/ م ٢٣

٣٥٤
كتاب جزاء الصيد/ باب ٤/ حديث ١٨٢٣
وبالسند قال: (حدثنا) بالجمع ولأبي الوقت: حدثني (عبد الله بن محمد) المسندي قال:
(حدثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدثنا صالح بن كيسان) مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، ولأبي
الوقت: عن صالح بن كيسان (عن أبي محمد) أنه (سمع أبا قتادة) ولغير أبوي ذر والوقت عن أبي
محمد نافع مولى أبي قتادة سمع أبا قتادة، وفي رواية مسلم عن صالح سمعت أبا محمد مولى أبي قتادة
ولم يكن مولى أي لأبي قتادة، وعند ابن حبان هو مولى عقيلة بنت طلق الغفارية ونسب لأبي قتادة
لكثرة لزومه له وقيامه بمهماته من باب الخدمة حتى صار كأنه مولاه وحينئذ فيكون من باب المجاز
(قال: كنا مع رسول الله وَلّهر بالقاحة) بالقاف والحاء المهملة المخففة بينهما ألف وهي (من المدينة على
ثلاث) من المراحل قبل السقيا بنحو ميل، وقد سبق أن الروحاء هي الموضع الذي ذهب أبو قتادة منه
إلى جهة العدو ثم التقوا بالقاحة وبها وقع الصيد المذكور (ح) لتحويل السند.
وحدثنا عليّ بن عبدِ اللَّهِ حدَّثَنَا سُفيانُ حدثنا صالحُ بنُ كيسانَ عن أبي محمدٍ عن أبي قتادةً
رضيَ اللهُ عنه قال: ((كنّا معَ النبيِّ بالقاحَةِ، ومِنّا المُخْرِمُ ومنّا غَيرُ المُحرمِ)»، فرأيتُ أصحابي
يَتراءَونَ شيئًا، فنظَرتُ فإِذا حِمارُ وَحشٍ - يَعني وقِعَ سَوطُه - فقالوا: لا نُعِينَكَ عليهِ بشيء، إِنّا
مُحرمون، فَتَناوَلْتُهُ فأخَذتُه، ثمَّ أتيتُ الحِمارَ مِن وَراءِ أَكَمةٍ فَعَقَرتهُ، فأتيتُ بهِ أصحابي، فقال
بعضُهم: كلوا، وقال بعضُهم: لا تأكُلُوا. فأتيتُ النبيَّ وََّ وهو أمامَنا فسألتهُ فقال: كُلوهُ حَلالٌ))
قال لنا عمرو: اذهبوا إلى صالحِ فسَلوهُ عن هذا وغيره وقدِمَ عَلَينا هُهُنا.
قال المؤلف بالسند السابق: (وحدثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة
قال: (حدثنا صالح بن كيسان) عن أبي محمد نافع المذكور (عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: كنا مع
النبي وَلجر بالقاحة ومنا المحرم ومنا غير المحرم) يحتمل أن يقال لا منافاة بين قوله هنا ومنا غير المحرم
وبين ما سبق مما يقتضي انحصار عدم الإحرام في أبي قتادة فقد يريد بقوله: ومنا غير المحرم نفسه
فقط بدليل الأحاديث الدالة على الانحصار (فرأيت أصحابي يتراءون شيئًا) يتفاعلون من الرؤية
(فنظرت فإذا حمار وحش) بالإضافة وإذا للمفاجأة (يعني وقع سوطه) ولابن عساكر: فوقع وهو من
كلام الراوي تفسير لما يدل عليه قوله (فقالوا: لا نعينك عليه) أي على أخذ السوط حين وقع
(بشيء) كذا قرر البرماوي كالكرماني، وعند أبي عوانة عن أبي داود الحراني عن علي بن المديني في
هذا الحديث فإذا حمار وحش فركبت فرسي وأخذت الرمح والسوط فسقط مني السوط فقلت:
ناولوني فقالوا: لا نعينك عليه بشيء (إنا محرمون) والمحرم تحرم عليه الإعانة على قتل الصيد
(فتناولته) أي السوط بشيء (فأخذته ثم أتيت الحمار من وراء أكمة) بفتحات تلّ من حجر واحد
(فعقرته) أي قتلته وأصله ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم فتوسع فيه فاستعمل في
مطلق القتل والإهلال وفيه أن عقر الصيد ذكاته (فأتيت به أصحابي فقال): ولأبي الوقت قال:
(بعضهم: كلوا) منه (وقال بعضهم: لا تأكلوا) سبق من هذا الوجه أنهم أكلوا، والظاهر أنهم أكلوا

٣٥٥
کتاب جزاء الصيد/ باب ٥/ حديث ١٨٢٤
أول ما أتاهم به، ثم طرأ عليهم كما في لفظ عثمان بن موهب في الباب الذي يليه فأكلنا من لحمها
ثم قلنا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ وفي حديث أبي سعيد: فجعلوا يشوون منه ثم قالوا:
رسول الله وَل بين أظهرنا (فأتيت النبي ◌َّر وهو أمامنا) بفتح الهمزة ظرف مكان أي قدامنا (فسألته)
هل يجوز أكله للمحرم؟ (فقال):
(كلوه) هو (حلال) وفي رواية: كلوه حلالاً بالنصب أي أكلاً حلالاً. قال سفيان: (قال لنا
عمرو) هو ابن دينار: (اذهبوا إلى صالح) أي ابن كيسان (فسلوه) بفتح السين من غير همز (عن هذا
وغيره وقدم) صالح (علينا) من المدينة (هلهنا) يعني مكة، فدل عمر وأصحابه ليسمعوا منه هذا
وغيره والغرض بذلك تأكيد ضبطه وكيفية سماعه له من صالح.
وهذا الحديث هو لفظ رواية علي بن المديني. قال في الفتح: وهذه عادة المصنف غالبًا إذا
حوّل الإسناد ساق المتن على لفظ الثاني اهـ.
٥ - باب لا يُشِيرُ المُحرِمُ إِلى الصَّيدِ لِكَي يَصطادَهُ الحَلالُ
هذا (باب) بالتنوين (لا يشير المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال) اللام في لكي للتعليل
وكي بمنزلة أن المصدرية معنى وعملاً، ويؤيده صحة حلول أن محلها وأنها لو كانت حرف تعليل لم
يدخل عليها حرف تعليل ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لكيلا تأسوا﴾ [الحديد: ٢٣] وقولك: جئتك كي
تكرمني، وقوله تعالى: ﴿كيلا يكون دولة﴾ [الحشر: ٧] إذا قدرت اللام قبلها فإن لم تقدر فهي
تعليلية جارة ويجب حينئذ إضمار أن بعدها قاله ابن هشام وتعقبه البدر الدماميني بأن خصوصية
التعليل هنا لغو ولو قال إذ لو كانت حرف جر لم يدخل عليها حرف جر لكان مستقيمًا وسلم من
ذلك .
١٨٢٤ - حدثنا موسى بنُ إِسمعيلَ حدَّثَنا أبو عَوانةَ حدَّثَنا عثمانُ - هو ابنُ مَوْهَبٍ - قال:
أخبرني عبدُ اللَّهِ بنُ أبي قتادةَ أنَّ أباهُ أخبرهُ: ((أنَّ رسولَ اللّهِ خرَجَ حاجًا فَخرجوا معَهُ، فصَرَف
طائفةٌ منهم فيهم أبو قتادةً فقال: خُذوا ساحلَ البحرِ حتى نلتقي، فأخذوا ساحلَ البحر، فلمّا
انصرَفوا أخْرَموا كلّهم إلا أبو قَتادةَ لم يُخْرِمُ. فبينما هم يَسِيرونَ إِذْ رأَوا حُمُرَ وحشٍ، فحَملَ أبو
قَتَادةَ على الحُمُرِ فعَقَرَ منها أتانًا، فَتَزَلوا فأَكلوا من لحمِها وقالوا: أَنْكُلُ لحم صَيدٍ ونحنُ مُخْرِمون؟
فحمَلْنا ما بقيَ من لحم الأتانِ. فلمّا أَتوا رسولَ اللّهِ وَ قالوا: يا رسولَ اللّهِ، إِنّا كنّا أحرَمْنا، وقد
كان أبو قَتادةَ لم يُخْرِم، فرأينا حُمُرَ وَحشٍ، فحمَلَ عليها أبو قتادةَ فعَقر منها أتانًا، فَتَزَلنا فأكلْنا مِن
لحمِها، ثمَّ قلنا: أنأكلُ لحمَ صَيدٍ ونحنُ مُحرمون؟ فحَمَلْنا ما بقيَ مِن لحمِها. قال: أمنكم أحدٌ
أمَرَهُ أن يَحمِلَ عليها أو أشارَ إِليها؟ قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقيَ مِن لحمِها)).

٣٥٦
کتاب جزاء الصيد/ باب ٥/ حديث ١٨٢٤
وبالسند قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي قال: (حدثنا أبو عوانة)
الوضاح بن عبد اللّه اليشكري قال: (حدثنا عثمان هو ابن موهب) بفتح الميم والهاء بينهما واو
ساكنة ونسبه لجده لشهرته به وأبوه عبد الله بن موهب التيمي المدني التابعي (قال: أخبرني) بالإفراد
(عبد الله بن أبي قتادة) السلمي بفتح السين المهملة (أن أباه أخبره أن رسول الله وَليّ خرج حاجًا) أي
معتمرًا فهو من المجاز الشائع لأن ذلك إنما كان في عمرة الحديبية كما جزم به يحيى بن أبي كثير
وهو المعتمد، وأيضًا فالحج في الأصل قصد البيت فكأنه قال: خرج قاصدًا للبيت، ولذا يقال
للعمرة: الحج الأصغر، وقد أخرج البيهقي الحديث من رواية محمد بن أبي بكر المقدمي عن أبي
عوانة بلفظ: خرج حاجًا أو معتمرًا فتبين أن الشك فيه من أبي عوانة كذا قرره ابن حجر وغيره.
وتعقبه العيني فقال: لا نسلم أنه من المجاز فإن المجاز لا بد له من علاقة وما العلاقة هنا.
وكون الحج في الأصل قصد ألا يكون علاقة لجواز ذكر الحج وإرادة العمرة فإن كل فعل مطلقًا
لا بدّ فيه من معنى القصد، وقد شك أبو عوانة والشك لا يثبت ما ادعاه من المجاز اهـ.
فلعل الراوي أراد خرج محرمًا فعبر عن الإحرام بالحج غلطًا كما قاله الإسماعيلي.
(فخرجوا معه) عليه الصلاة والسلام حتى بلغوا الروحاء وهي من ذي الحليفة على أربعة
وثلاثين ميلاً فأخبروه أن عدوًا من المشركين بوادي غيقة يخشى منهم أن يقصدوا غزوه، (فصرف)
عليه الصلاة والسلام (طائفة منهم) بنصب طائفة مفعول به والطائفة من الشيء القطعة منه قال تعالى:
﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ [النور: ٢] قال ابن عباس: الواحد فما فوقه. وقد استدل
الإمام فخر الدين ومن تبعه من الأصوليين على وجوب العمل بخبر الواحد بقوله تعالى: ﴿فلولا نفر
من كل فرقة منهم طائفة﴾ [التوبة: ١٢٢] قالوا: فإن الفرقة تطلق على ثلاثة والطائفة إما واحد أو
اثنان. واستشكل بعضهم إطلاق الطائفة على الواحد لبعده عن الذهن (فيهم) أي في الذين صرفهم
عليه الصلاة والسلام (أبو قتادة) الأصل أن يقول وأنا فيهم فهو من باب التجريد لا يقال أنه من قول
ابن أبي قتادة لأن حينئذ يكون الحديث مرسلاً. (فقال): عليه الصلاة والسلام:
(خذوا ساحل البحر) أي شاطئه قال في القاموس: مقلوب لأن الماء سحله وكان القياس
مسحولاً أو معناه ذو ساحل من الماء إذا ارتفع المدّ ثم جزر فجرف ما عليه ((حتى نلتقي) فأخذوا
ساحل البحر) لكشف أمر العدوّ (فلما انصرفوا) من الساحل بعد أن أمنوا من العدو وكانوا قد
(أحرموا كلهم) من الميقات (إلا أبو قتادة) بالرفع مبتدأ خبره (لم يحرم) وإلا بمعنى لكن وهي من
الجمل التي لها محل من الإعراب وهي المستثناة نحو ﴿لست عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه
الله العذاب الأكبر﴾ [الغاشية: ٢٢- ٢٤] قال ابن خروف: ((من)) مبتدأ، ويعذبه الله الخبر والجملة
في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. قال في التوضيح: وهذا مما أغفلوه ولا يعرف أكثر المتأخرين
من البصريين في هذا النوع وهو المستثنى بألا من كلام قام موجب إلا النصب قال: وللكوفيين في

٣٥٧
کتاب جزاء الصيد/ باب ٥/ حديث ١٨٢٤
مثله مذهب آخر وهو: أن ألا حرف عطف وما بعدها عطف على ما قبلها، ولأبي ذر عن
الكشميهني: إلا أبا قتادة بالنصب وهو واضح.
(فبينما هم) بالميم قبل الألف (يسيرون إذا رأوا حمر وحش) بضم الحاء والميم جمع حمار، وفي
نسخة: حمار وحش (فحمل أبو قتادة على الحمر) بضمتين أيضًا جمع حمار (فعقر منها) أي قتل من
الحمر المرئية (أتانًا) أنثى وجمع الحمر هنا لا ينافي الرواية الأخرى بالإفراد لجواز أنهم رأوا حمرًا وفيهم
واحد يقرب من غيره لاصطياده لكن قوله هنا: أتانا ينافي قوله حمارًا في الأخرى، وقد يجاب بأنه
أطلق الحمار على الأنثى مجازًا أو أنه يطلق على الذكر والأنثى (فنزلوا) عن مركوبهم (فأكلوا من
لحمها) أي الأتان (وقالوا) بواو العطف، ولأبي الوقت: فقالوا بفائه بعد أن أكلوا من لحمها (أنأكل
لحم صيد ونحن محرمون؟) الواو للحال قال أبو قتادة: (فحملنا ما بقي من لحم الأنان). وعند
المؤلف في الهبة من رواية أبي حازم فرحنا وخبأت العضد معي، (فلما أتوا رسول الله وَ لقال: قالوا)
ولأبي الوقت: فقالوا: (يا رسول الله إنا كنا أحرمنا وقد كان أبو قتادة لم يحرم فرأينا حمر وحش) جمع
حمار (فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانا فأكلنا من لحمها ثم قلنا أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟
فحملنا ما بقي من لحمها. قال): بغير فاء.
(أمنكم) بهمزة الاستفهام لأبي ذر، وفي رواية ابن عساكر: منكم بإسقاطها (أحد أمره أن
يحمل عليها أو أشار إليها)؟ ولمسلم من طريق شعبة عن عثمان: هل أشرتم أو أعنتم أو اصطدتم؟
(قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقى من لحمها) وصيغة الأمر هنا للإباحة لا للوجوب لأنها وقعت جوابًا
عن سؤالهم عن الجواز، ولم يذكر في هذه الرواية أنه والتر أكل منها، لكن في الهبة فناولته العضد
فأكلها حتى تعرّقها وفي الجهاد قال: معنا رجلها فأخذها فأكلها، وفي رواية المطلب قد رفعنا لك
الذراع فأكل منها، وفي رواية صالح بن حسان عند أحمد وأبي داود الطيالسي وأبي عوانة فقال: كلوا
وأطعموني، ووقع عند الدارقطني وابن خزيمة والبيهقي أن أبا قتادة ذكر شأنه لرسول الله وَ له وإنه
إنما اصطاده له قال: فأمر النبي ◌َّلّ أصحابه فأكلوا ولم يأكل حين أخبرته أني اصطدته له. قال ابن
خزيمة: وغيره تفرد بهذه الزيادة معمر. وقرأت في كتاب المعرفة قال أبو بكر: يعني البيهقي قوله
اصطدته لك، وقوله: ولم يأكل منه لا أعلم أحدًا ذكره في هذا الحديث غير معمر، وأجاب النووي
في شرح المهذب: بأنه يحتمل أنه جرى لأبي قتادة في تلك السفرة قضيتان جمعًا بين الروايتين.
وفي هذا الحديث من الفوائد جواز أكل المحرم لحم الصيد إذا لم تكن منه دلالة ولا إشارة،
واختلف في أكل المحرم لحم الصيد فمذهب مالك والشافعي أنه ممنوع إن صاده أو صيد لأجله سواء
كان بإذنه أو بغير إذنه لحديث جابر مرفوعًا: ((لحم الصيد لكم في الإحرام حلال ما لم تصيدوهُ أو
يصاد لكم)) رواه أبو داود والترمذي والنسائي. وعبارة الشيخ خليل في مختصره وما صاده محرم أو
صيد له ميتة. قال شارحه أي فلا يأكله حلال ولا حرام.

٣٥٨
کتاب جزاء الصيد/ باب ٥/ حديث ١٨٢٤
وقال المرداوي من الحنابلة في كتاب الإنصاف له: ويحرم ما صيد لأجله على الصحيح من
المذهب نقله الجماعة عن أحمد وعليه الأصحاب قال: وفي الانتصار احتمال بجواز أكل ما صيد
لأجله .
وقال صاحب الهداية من الحنفية: ولا بأس أن يأكل المحرم صيد اصطاده حلال وذبحه له إذا
لم يدله المحرم عليه ولا أمره بصيده خلافًا لمالك رحمه الله فيما إذا اصطاده لأجل المحرم يعني بغير
أمره له أي لمالك رضي الله عنه قوله ويتر: لا بأس أن يأكل المحرم لحم صيد ما لم يصده أو يصاد له.
ولنا: ما روي أن الصحابة رضي الله عنهم تذاكروا لحم الصيد في حق المحرم فقال عليه
الصلاة والسلام: لا بأس به، واللام فيما روي لام تمليك فيحمل على أن يهدى إليه الصيد دون
اللحم أو يصاد بأمره.
قال في فتح القدير: أما إذا اصطاد الحلال للمحرم صيدًا بأمره فاختلف فيه عندنا فذكر
الطحاوي تحريمه على المحرم، وقال الجرجاني: لا يحرم.
وأما الحديث الذي استدل به لمالك فهو حديث جابر عند أبي داود والترمذي والنسائي لحم
الصيد حلال لكم وأنتم حرم وقد سبق قريبًا قال: وقد عارضه المصنف ثم أوله دفعًا للمعارضة
يكون اللام للملك، والمعنى أن يصاد بأمره وهذا لأن الغالب في عمل الإنسان لغيره أن يكون بطلب
منه فليكن محمله هذا دفعًا للمعارضة، والأولى في الاستدلال على أصل المطلوب بحديث أبي قتادة
على وجه المعارضة على ما في الصحيحين فإنهم لما سألوه عليه الصلاة والسلام لم يجب بحله لهم حتى
سألهم عن موانع الحل أكانت موجودة أم لا: فقال ◌َ له «أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار
إليها))؟ قالوا: لا. قال: ((فكلوا إذن)) فلو كان من الموانع أن يصطاد لهم لنظمه في سلك ما يسأل
عنه منها في التفحص عن الموانع ليجيب بالحكم عند خلوه عنها، وهذا المعنى كالصريح في نفي
كون الاصطياد للمحرم مانعًا فيعارض حديث جابر ويقدم عليه لقوة ثبوته إذ هو في الصحيحين
وغيرهما من الكتب الستة. بل في حديث جابر لحم الصيد الخ انقطاع لأن المطلب بن حنطب لم
يسمع من جابر عند غير واحد وكذا في رجاله من فيه لين . اهـ.
ولا جزاء عليه بدلالة ولا بإعانة ولا بأكله ما صيد له عند الشافعية لأن الجزاء تعلق بالقتل
والدلالة ليست بقتل فأشبهت دلالة الحلال حلالاً وقالت الحنفية: إذا قتل المحرم صيدًا أو دل عليه
من قتله فعليه الجزاء أما القتل فلقوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ٩٥] الآية.
وأما الدلالة فلحديث أبي قتادة.
قال العلامة ابن الهمام: وليس في حديث أبي قتادة هل دللتم؟ بل قال عليه الصلاة والسلام:
هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقي. وجه الاستدلال
به على هذا أنه علق الحل على عدم الإشارة وهي تحصل الدلالة بغير اللسان فأحرى أن لا يحل إذا دله

٣٥٩
کتاب جزاء الصيد/ باب ٦/ حديث ١٨٢٥
باللفظ فقال هذاك صيد ونحوه. قالوا: الثابت بالحديث حرمة اللحم على المحرم إذا دل. قلنا: فثبت
أن الدلالة من محظورات الإحرام بطريق الالتزام لحرمة اللحم فثبت أنه محظور إحرام هو جناية على
الصيد، فنقول حينئذ: جناية على الصيد بتفويت الأمن على وجه اتصل قتله عنها ففيه الجزاء كالقتل
وهذا هو القياس ولا يحسن عطفه على الحديث لأن الحديث لم يثبت الحكم المتنازع فيه وهو وجوب
الكفارة بل محل الحكم ثم ثبوت الوجوب المذكور في المحل إنما هو بالقياس على القتل . اهـ.
وقال المالكية: إن صيد لأجل المحرم فعلم به وأكل عليه الجزاء لا في أكلها. وقال الحنابلة:
إن أكله كله فعليه الجزاء وإن أكل بعضه ضمنه بمثله من اللحم.
٦ - باب إِذا أَهدَى للمُحرِم حمارًا وَحشيًا حَيَّا لم يَقبَل
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا أهدى) الحلال (للمحرم حمارًا وحشيًا حيًا لم يقبل) أي لا
یقبل .
١٨٢٥ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ أخبرنا مالكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ
عبدِ اللَّهِ بن عُتبةَ بنِ مَسعودٍ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبّاسٍ عن الصَّعبِ بنِ جَثّامَةَ اللَّثِيِّ («أنهُ أهدَى
الرسولِ اللّهِ وَ﴿ حِمَارًا وَحشيًا وهوَ بالأبْواءِ - أو بوَدّانَ فَرَدَّهُ عليهِ، فلما رأى ما في وجهه قال: إِنا
لم نَردَّهُ عليكَ إِلا أنّا حُرم)). [الحديث ١٨٢٥ - طرفاه في: ٢٥٧٣، ٢٥٩٦].
وبالسند قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن
شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بتصغير عبد (بن عبد الله بن عتبة بن مسعود)
بضم العين المهملة وسكون المثناة الفوقية (عن عبد الله بن عباس) رضي الله عنهما (عن الصعب بن
جثامة) بفتح الصاد وسكون العين المهملتين آخره موحدة وجثامة بفتح الجيم والمثلثة المشددة وبعد
الألف ميم ابن قيس بن ربيعة (الليثي) من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وكان حليف
قريش، وأمه أخت أبي سفيان بن حرب، واسمها فاختة، وقيل زينب، ويقال إنه أخو ملحم بن
جثامة يقال: مات في خلافة أبي بكر، ويقال في آخر خلافة عمر قاله ابن حبان، ويقال في خلافة
عثمان. وقال يعقوب بن سفيان: أخطأ من قال إن الصعب بن جثامة مات في خلافة أبي بكر خطأ
بينًا، فقد روى ابن إسحق عن عمر بن عبد الله أنه حدثه عن عروة أنه قال: لما ركب أهل العراق
في الوليد بن عقبة كانوا خمسة منهم الصعب بن جثامة وكان النبي ◌ّ آخى بينه وبين عوف بن
مالك، واعلم أنه لم يختلف على مالك في سياق هذا الحديث معنعنًا وأنه من مسند الصعب بن جثامة
إلا أنه وقع في موطأ ابن وهب عن ابن عباس أن الصعب بن جثامة فجعله من مسند ابن عباس،
وكذا أخرجه مسلم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.

٣٦٠
كتاب جزاء الصيد/ باب ٦/ حديث ١٨٢٥
قال الحافظ ابن حجر: والمحفوظ في حديث مالك الأول يعني: أنه من مسند الصعب بن
جثامة (أنه أهدى لرسول الله وَ* حمارًا وحشيًا) الأصل في أهدى أن يتعدى بإلى وقد يتعدى باللام
ويكون بمعناه ولم يقل في الحديث حيًا كما ترجم وكأنه فهمه من قوله حمارًا ولم تختلف الرواة عن
مالك في قوله حمارًا، وممن رواه عن الزهري كما رواه مالك: وابن جريج، وعبد الرحمن بن
الحرث، وصالح بن كيسان، والليث، وابن أبي ذئب، وشعيب بن أبي حمزة، ويونس، ومحمد بن
عمرو بن علقمة كلهم قال فيه: أهدى لرسول الله وَ لتر حمار وحش كما قال مالك، وخالفهم ابن
عيينة عن الزهري فقال: لحم حمار وحش أخرجه مسلم من طريق الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس، وقد توبع عليه من أوجه: ففي مسلم أيضًا من لحم حمار وحش، وفي رواية له من طريق
الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما رجل حمار وحش، وفي أخرى عجز حمار
وحش يقطر دمًا، وفي أخرى له شق حمار وحش. قال النووي: وهذه الطرق التي ذكرها مسلم
صريحة في أنه مذبوح وأنه إنما أهدي بعض لحم لأكله اهـ.
ولا معارضة بين رجل حمار وعجزه وشقه إذ يندفع بإرادة رجل معها الفخذ وبعض جانب
الذبيحة، فوجب حمل رواية أهدي حمارًا على كل الحيوان غير معهود لأنه لا يطلق على زيد أصبع
ونحوه لأنه غير جائز لما عرف من أن شرط إطلاق اسم البعض على الكل التلازم كالرقبة على
الإنسان والرأس، فإنه لا إنسان دونهما بخلاف نحو الرجل والظفر، وأما إطلاق العين على الرقيب
فليس من حيث هو إنسان بل من حيث هو رقيب وهو من هذه الحيثية لا يتحقق بلا عين على ما
عرف في التحصينات أو هو أحد معاني المشترك اللفظي كما عدّه الأكثر منها، ثم إن في هذا الحمل
ترجيحًا للأكثر أو يحكم بغلط رواية الباب بناء على أن الراوي رجع عنها تبيينًا لغلطه .
قال الحميدي: كان سفيان أي ابن عيينة - يقول في الحديث: أهدي لرسول الله وَلاول لحم حمار
وحش، وربما قال: يقطر دمًا، وربما لم يقل ذلك وكان فيما خلا. قال: حمار وحش ثم صار إلى
لحم حمار وحش حتى مات، وهذا يدل على رجوعه وثباته على ما رجع إليه والظاهر أنه لتبيينه غلطه
أولاً .
وقال البيهقي في المعرفة: مما قرأته فيها بعد أن ذكر من رواه عن الزهري نحو ما سبق، وكان
ابن عيينة يضطرب فيه، فرواية العدد الذين لم يشكوا فيه أولى. وقال الشافعي في الأم: حديث مالك
أن الصعب أهدى حمارًا أثبت من حديث من روى أنه أهدي له لحم حمار، وقال الترمذي: روى
بعض أصحاب الزهري في حديث الصعب لحم حمار وحش وهو غير محفوظ اهـ.
فيكون رده لامتناع تملك المحرم الصيد، وعورض بأن الروايات كلها تدل على البعضية كما
مرّ .
(وهو) أي: والحال أنه عليه الصلاة والسلام (بالأبواء) بفتح الهمزة وسكون الموحدة ممدودًا
جبل من عمل الفرع بضم الفاء وسكون الراء بينه وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً