النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
کتاب الحج/ باب ٤٣
الرافعي: هو من طريق المدينة على ثلاثة أميال، ومن العراق على سبعة، ومن الجعرانة على تسعة،
ومن الطائف على سبعة، ومن جدة على عشرة وقد نظم ذلك بعضهم فقال:
وللحرم التحديد من أرض طيبة ثلاثة أميال إذا رمت اتقانه
وسبعة أميال عراق وطائف وجدة عشر ثم تسع جعرانه
وزاد أبو الفضل النويري هنا بيتين فقال:
ومن يمن سبع بتقديم سينها فسل ربك الوهاب يرزقك غفرانه
وقد زيد في حد لطائف أربع ولم يرض جمهور لذا القول رجحانه
وقال ابن سراقة في كتابه الإعداد: والحرم في الأرض موضع واحد وهو مكة وما حولها
ومسافة ذلك ستة عشر ميلاً في مثلها وذلك بريد واحد وثلث على الترتيب، والسبب في بُعد بعض
الحدود وقرب بعضها ما قيل إن الله تعالى لما أهبط على آدم بيتًا من ياقوتة أضاء له ما بين المشرق
والمغرب فنفرت الجن والشياطين ليقربوا منها فاستعاذ منهم بالله وخاف على نفسه منهم، فبعث الله
ملائكة فحفوا بمكة فوقفوا مكان الحرم، وذكر بعض أهل الكشف والمشاهدات أنهم يشاهدون تلك
الأنوار واصلة إلى حدود الحرم فحدود الحرم موضع وقوف الملائكة، وقيل: إن الخليل لما وضع
الحجر الأسود في الركن أضاء له نور وصل إلى أماكن الحدود فجاءت الشياطين فوقفت عند الأعلام
فبناها الخليل عليه السلام حاجزًا. رواه مجاهد عن ابن عباس، وعنه أن جبريل عليه السلام أرى
إبراهيم عليه السلام موضع أنصاب الحرم فنصبها، ثم جددها إسماعيل عليه السلام، ثم جددها
قصي بن كلاب، ثم جددها النبي ◌َّر، فلما ولي عمر رضي الله عنه بعث أربعة من قريش فنصبوا
أنصاب الحرم، ثم جددها معاوية رضي الله عنه، ثم عبد الملك بن مروان.
(وقوله تعالى) بالجر عطفًا على سابقه المجرور بالإضافة (﴿إنما أمرت﴾) أي قل لهم يا محمد إنما
أمرت (﴿أن أعبد رب هذه البلدة﴾) مكة (﴿الذي حرمها﴾) لا يسفك فيها دم حرام ولا يظلم فيها أحد
ولا يهاج صيدها ولا يختلى خلاها، وتخصيص مكة بهذه الأوصاف تشريف لها وتعظيم لشأنها والذي
بالذال في موضع نصب نعت لرب (﴿وله كل شيء﴾) البلدة وغيرها خلقًا وملكًا (﴿وأمرت أن أكون
من المسلمين﴾) [النمل: ٩١] المنقادين الثابتين على الإسلام، ووجه تعلق هذه الآية بالترجمة من حيث
أنه اختصها من بين جميع البلاد بإضافة اسمه إليها لأنها أحب بلاده إليه وأكرمها عليه وموطن نبيه
ومهبط وحيه .
(وقوله جل ذكره) بالجر عطفًا على السابق (﴿أو لم نمكن لهم حرمًا آمنًا﴾) أو لم نجعل مكانهم
حرمًا ذا أمن بحرمة البيت الذي فيه (﴿يجبى إليه﴾) يحمل إليه ويجمع فيه (﴿ثمرات كل شيء رزقًا من
لدنا﴾) مصدر من معنى يجبى لأنه في معنى يرزق أو مفعول له أو حال بمعنى مرزوقًا من ثمرات،
وجاز لتخصيصها بالإضافة أي إذا كان هذا حالهم وهم عبدة الأصنام فكيف يعترضهم التخوف

١٠٢
كتاب الحج/ باب ٤٣/ حديث ١٥٨٧
والتخطف إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة التوحيد. (﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾) [القصص: ٥٧]
جهلة لا يتفكرون هذه النعم التي خصوا بها. وروى النسائي أن الحرث بن عامر بن نوفل قال
للنبي وَله: إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا فأنزل الله تعالى ردًا عليه ﴿أولم نمكن لهم حرمًا
آمنًا﴾ الآية.
١٥٨٧ - حدثنا عليُّ بن عبدِ اللّهِ حدَّثَنا جَرِيرُ بنُ عبدِ الحميدِ عن منصورٍ عن مُجاهدٍ عن
طاوُسٍ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي اللّهُ عنهما قال: ((قال رسولُ اللّهِ وَ يومَ فتح مكةً: إنَّ هذا البلدَ
حرَّمَهُ اللّهُ، لا يُعْضَدُ شَوكَهُ، ولا يُنفِّرُ صَيدهُ، ولا يَلتقِطُ لُقَطَتَهُ إلاّ مَن عرَّفَها)).
وبالسند قال: (حدثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدثنا جرير بن عبد الحميد) بفتح
الجيم، وعبد الحميد بفتح الحاء المهملة وكسر الميم ابن قرط بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء
مهملة الضبي الكوفي نزيل الري وقاضيها (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن مجاهد) هو ابن جبر
المفسر (عن طاوس) هو ابن كيسان اليماني (عن ابن عباس) رضي الله عنهما قال: قال
رسول الله {آل# يوم فتح مكة.
(أن هذا البلد حرمه الله)، زاد المؤلف في باب: غزوة الفتح يوم خلق السموات والأرض فهي
حرام بحرام الله إلى يوم القيامة يعني: أن تحريمه أمر قديم وشريعة سالفة مستمرة ليس مما أحدثه أو
اختص بشرعه، وهذا لا ينافي قوله في حديث جابر عند مسلم: أن إبراهيم حرمها لأن إسناد
التحريم إليه من حيث أنه مبلغه، فإن الحاكم بالشرائع والأحكام كلها هو الله تعالى والأنبياء يبلغونها،
فكما تضاف إلى الله تعالى من حيث أنه الحاكم بها تضاف إلى الرسل لأنها تسمع منهم وتبين على
ألسنتهم، والحاصل أنه أظهر تحريمها بعد أن كان مهجورًا إلا أنه ابتدأه أو حرمها بإذن الله يعني أنه
تعالى كتب في اللوح المحفوظ يوم خلق السموات والأرض أن إبراهيم سيحرم مكة بأمر الله تعالى.
(لا يعضد) بضم أوّله وفتح الضاد المعجمة أي يقطع (شوكه ولا ينفر صيده)، لا يزعج من
مكانه فإن نفره عصى سواء تلف أم لا. لكن إن تلف في نفاره قبل السكون ضمن دمه بالتنفير على
الإتلاف ونحوه لأنه إذا حرم التنفير فالإتلاف أولى. (ولا يلتقط لقطته) بفتح القاف في اليونينية
وبسكونها في غيرها. قال الأزهري: والمحدثون لا يعرفون غير الفتح، ونقل الطيبي عن صاحب
شرح السنة أنه قال: اللقطة بفتح القاف والعامة تسكنها. وقال الخليل: هو بالسكون وأما بالفتح فهو
الكثير الالتقاط. قال الأزهري: وهو القياس. وقال ابن بري في حواشي الصحاح: وهذا هو
الصواب لأن الفعلة للفاعل كالضحكة للكثير الضحك. وفي القاموس: واللقط محركة أي بغير هاء
وكحزمة وهمزة وثمامة التقط اهـ.
وهي هنا نصب مفعول مقدم والفاعل قوله: (إلا من عرفها) أي أشهرها ثم يحفظها لمالكها ولا
يتملكها أي عرفها ليعرف مالكها فيردّها إليه، وهذا بخلاف غير الحرم فإنه يجوز تملكها بشرطه،

١٠٣
كتاب الحج/ باب ٤٤
وقال الحنفية والمالكية: حكمها واحد في سائر البلاد لعموم قوله ويتر: أعرف عفاصها ووكاءها ثم
عرفها سنة من غير فصل. لنا: أن قوله ولا يلتقط لقطته ورد مورد بيان الفضائل المختصة بمكة
كتحريم صيدها وقطع شجرها، وإذا سوّى بين لقطة الحرم وبين لقطة غيره من البلاد بقي ذكر
اللقطة في هذا الحديث خاليًا عن الفائدة.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الحج والجزية والجهاد، ومسلم وأبو داود في الحج
والجهاد، والترمذي في السير، والنسائي في الحج.
٤٤ - باب
تَوريثِ دُورٍ مكةَ وبَيعِها وشِرائها. وأَن الناسَ في المسجدِ الحرام سواءٌ خاصَّة، لقوله تعالى:
﴿إِنَّ الذِينَ كَفَروا ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللّهِ والمسجدِ الحرامِ الذي جَعلناهُ للناسِ سواءً العاكِفُ فيهِ
والباد ومَن يُرِدْ فيهِ بِإِلحادٍ بِظُلْمِ نُذِقْهُ من عَذَابٍ أليم﴾ [الحج: ٢٥]. البادي: الطارىء. معكوفًا:
محبوسًا .
(باب) حكم (توريث دور مكة وبيعها وشرائها وأن الناس في مسجد الحرام) بالتنكير في
الأول، ولأبي ذر: في المسجد الحرام بالتعريف فيهما (سواء خاصة)، قيد للمسجد الحرام أي
المساواة إنما هي في نفس المسجد لا في سائر المواضع من مكة (لقوله تعالى) تعليل لقوله وإن الناس
في المسجد الحرام سواء: ((إن الذين كفروا﴾) أي أهل مكة (﴿ويصدون﴾) يصرفون الناس (﴿عن سبيل
الله﴾) عن دين الإسلام. قال البيضاوي كالزمخشري: لا يريد به حالاً ولا استقبالاً، وإنما يريد
استمرار الصدّ منهم، ولذلك حسن عطفه على الماضي، وقيل هو حال من فاعل كفروا (﴿والمسجد
الحرام﴾) عطف على اسم الله يعني وعن المسجد الحرام، والآية مدنية وذلك أن النبي ◌َّ لما خرج مع
أصحابه عام الحديبية منعهم المشركون عن المسجد الحرام (﴿الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه
والباد﴾) [الحج: ٢٥] سواء رفع على أنه خبر مقدم، والعاكف والباد: مبتدأ مؤخر وإنما وحد الخبر
وإن كان المبتدأ اثنين لأن سواء في الأصل مصدر وصف به. وقرأ حفص سواء بالنصب على أنه
مفعول ثان لجعل إن جعلناه يتعدى لمفعولين، وإن قلنا يتعدى لواحد كان حالاً من هاء جعلناه،
وعلى التقديرين فالعاكف مرفوع على الفاعلية لأنه مصدر وصف به فهو في قوّة اسم الفاعل المشتق
تقديره جعلناه مستويًا فيه العاكف والبادي، والمراد بالمسجد الذي يكون فيه النسك والصلاة لا سائر
دور مكة. وأوّله أبو حنيفة بمكة واستدل بقوله الذي جعلناه للناس سواء على عدم جواز بيع دورها
وإجارتها، وهو مع ضعفه معارض بحديث الباب.
وقوله تعالى: ﴿الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم﴾ [الحشر: ٨] فنسب الله الديار إليهم كما
نسب الأموال إليهم، ولو كانت الديار ليست بملك لهم لما كانوا مظلومين في الإخراج من دور

١٠٤
کتاب الحج/ باب ٤٤/ حدیث ١٥٨٨
ليست ملك لهم. قال ابن خزيمة: لو كان المراد بقوله تعالى: (﴿سواء العاكف فيه والباد﴾) جميع
الحرم وأن اسم المسجد الحرام واقع على جميع الحرم لما جاز حفر بئر ولا قبر ولا التغوّط ولا البول
ولا إلقاء الجيف والنتن، ولا نعلم عالمًا منع من ذلك ولا كره لجنب وحائض ودخل الحرم ولا
الجماع فيه، ولو كان كذلك لجاز الاعتكاف في دور مكة وحوانيتها ولا يقول بذلك أحد.
(﴿ومن يردفيه بإلحاد ظلم نذقه من عذاب أليم)) [الحج: ٢٥] الباء في بإلحاد صلة أي: ومن
يرد فيه إلحادًا كما في قوله تعالى: ﴿تنبت بالدهن﴾ [المؤمنون: ٢٠] قال في الكشاف: ومفعول يرد
متروك ليتناول كل متناول كأنه قال: ومن يرد فيه مرادًا ما عادلاً عن القصد، وقوله: بإلحاد وبظلم
حالان مترادفان، وخبر إن محذوف لدلالة جواب الشرط عليه تقديره إن الذين كفروا ويصدون عن
المسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم، وكل من ارتكب فيه ذنبًا فهو كذلك.
وقال المؤلف يفسر ما وقع من غريب الألفاظ على عادته: (البادي: الطاري) وفي الفرع بالهمز
مصلح على كشط وهو تفسير منه بالمعنى. قال في الفتح: وهو مقتضى ما جاء عن ابن عباس
وغيره كما رواه عبد بن حميد وغيره وهو موافق لما قاله البيضاوي وغيره. (معكوفًا: محبوسًا) وليست
هذه الكلمة في هذه الآية بل في قوله: والهدي معكوفًا أن يبلغ محله في سورة الفتح، ويمكن أن
يكون ذكرها لمناسبة قوله تعالى هنا: سواء العاكف فيه أي المقيم والباد في وجوب تعظيمه عليهم
ولزوم احترامهم له وإقامة مناسكه قاله الحسن ومجاهد وغيرهما. وذهب ابن عباس وابن جبير وقتادة
وغيرهم إلى أن التسوية بين البادي والعاكف في منازل مكة، وهو مذهب أبي حنيفة وقال به
محمد بن الحسن فليس المقيم بها أحق بالمنزل من القادم عليها، واحتج لذلك بحديث علقمة بن نضلة
عند ابن ماجة قال: توفي رسول الله وَ ل# وأبو بكر وعمر وما تدعى رباع مكة إلا السوائب من
احتاج سكن. زاد البيهقي: ومن استغنى أسكن، وزاد الطحاوي بعد قوله على عهد النبي ◌َّ وأبي
بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ما تباع ولا تكرى، لكنه منقطع لأن علقمة ليس بصحابي، وقال
عبد الرزاق عن معمر عن منصور عن مجاهد أن عمر قال: يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابًا
لينزل البادي: حيث شاء.
وأجيب: بأن المراد كراهة الكراء رفقًا بالوفود ولا يلزم من ذلك منع البيع والشراء.
١٥٨٨ - حدثنا أصبَغُ قال أخبرَني ابنُ وهبٍ عن يونُسَ عنِ ابنِ شهابٍ عن عليّ بنِ حُسينٍ
عن عمرو بنِ عثمانَ عن أسامةَ بنِ زيدٍ رضيَ اللّهُ عنهما أنه قال: ((يا رسولَ اللّهِ أينَ تنزلُ، في
دارِكَ بمكة؟ فقال: وهل تَرَكَ عَقيلٌ من رِباعٍ أو دُور؟ وكان عَقيلٌ ورِثَ أبا طالبٍ هو طالبٌ، ولم
يرِثُهُ جَعفرٌ ولا عليٍّ رضيَ اللّهُ عنهما شيئًا، لأنهما كانا مسلمَينٍ وكان عَقيلٌ وطالبٌ كافرين، فكان
عُمرُ بنُ الخطاب رضي اللهُ عنه يقول: لا يَرِثَ المؤمِن الكافرَ)) قال ابنُ شهابٍ وكانوا يتأوَّلونَ قولَ
اللّهِ تعالى [الأنفال: ٧٢]: ﴿إِنَّ الذينَ آمَنوا وهاجَروا وجاهَدُوا بأموالهِم وأنفسِهم في سَبيلِ اللهِ

١
١٠٥
کتاب الحج/ باب ٤٤/ حديث ١٥٨٨
والذينَ آوَوْا ونَصروا أولئِكَ بعضُهم أولياءُ بعض﴾ الآية. [الحديث ١٥٨٨ - أطرافه في: ٣٠٥٨،
٤٢٨٢، ٦٧٦٤].
وبالسند قال: (حدثنا أصبغ) بن الفرج (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن وهب) عبد اللَّه (عن
يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن علي بن حسين) المشهور بزين العابدين ولأبي
ذر: ابن الحسين (عن عمرو بن عثمان) بن عفان أمير المؤمنين رضي الله عنه وعمرو بفتح العين
وسكون الميم (عن أسامة بن زيد) حب رسول الله وَ ﴾ (رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله أين
تنزل) زاد في المغازي غدًا (في دارك بمكة)؟ قال في الفتح: حذفت أداة الاستفهام من قوله في دارك
بدليل رواية ابن خزيمة والطحوي عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب بلفظ: أتنزل في دارك؟
قال: فكأنه استفهمه أوّلاً عن مكان نزوله ثم ظن أنه ينزل في داره فاستفهمه عن ذلك اهـ.
وتعقبه العيني بأن أين كلمة استفهام فلم يبق وجه لتقدير حرف الاستفهام. قال: وما وجه
قوله حذفت أداة الاستفهام من قوله في دارك والاستفهام عن النزول في الدار لا عن نفس
الدار ١ هـ.
والذي قاله في الفتح هو الأظهر فليتأمل (فقال) عليه الصلاة والسلام:
(وهل ترك) زاد مسلم كالبخاري في المغازي هنا لنا (عقيل) بفتح العين وكسر القاف (من
رباع) بكسر الراء جمع ربع المحلة أو المنزل المشتمل على أبيات أو الدار وحينئذٍ فيكون قوله (أو دور)؟
تأكيدًا أو شكًا من الراوي وجمع النكرة وإن كانت في سياق الاستفهام الإنكاري تفيد العموم للإشعار
بأنه لم يترك من الرباع المتعددة شيء ومن للتبعيض قاله الكرماني، وقيل، إن هذه الدار كانت
لهاشم بن عبد مناف ثم صارت لابنه عبد المطلب فقسمها بين ولده فمن ثم صار للنبي وَّر حق أبيه
عبد اللَّه، وفيها ولد النبي وَّ قاله الفاكهي. وظاهر قوله: وهل ترك لنا عقيل من رباع أنها كانت
ملكه فأضافها إلى نفسه، فيحتمل أن عقيلاً تصرف فيها كما فعل أبو سفيان بدور المهاجرين، ويحتمل
غير ذلك. وقد فسر الراوي ولعله أسامة المراد بما أدرجه هنا حيث قال :
(وكان عقيل ورث) أباه (أبا طالب) اسمه عبد مناف (هو و) أخوه (طالب) المكنى به
عبد مناف أبوه (ولم يرثه) أي ولم يرث أبا طالب ابناه (جعفر) الطيار ذو الجناحين (ولا علي) أبو تراب
(رضي الله عنهما شيئًا لأنهما كانا مسلمين) ولو كانا وارثين لنزل عليه الصلاة والسلام في دورهما
وكانت كأنها ملكه لعلمه بإيثارهما إياه على أنفسهما، وكان قد استولى طالب وعقيل على الدار كلها
باعتبار ما ورثاه من أبيهما لكونهما كانا لم يسلما، أو باعتبار ترك النبي وَل لحقه منها بالهجرة، وفقد
طالب ببدر فباع عقيل الدار كلها. وحكى الفاكهي أن الدار لم تزل بيد أولاد عقيل إلى أن باعوها
لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بمائة ألف دينار، وقال الداودي وغيره: كان كل من هاجر من
المؤمنين باع قريبه الكافر داره فأمضى النبي ◌َيّر تصرفات الجاهلية تأليفًا لقلوب من أسلم منهم.

١٠٦
كتاب الحج/ باب ٤٥/ حديث ١٥٨٩
(وكان عقيل وطالب كافرين فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:) مما هو موقوف
عليه (لا يرث المؤمن الكافر) وقد أخرجه المؤلف مرفوعًا في المغازي (قال ابن شهاب:) محمد بن
مسلم الزهري (وكانوا) أي السلف (يتأولون قول الله تعالى) أي يفسرون الولاية في قوله تعالى: (﴿إن
الذين آمنوا﴾) أي صدقوا بتوحيد الله تعالى وبمحمد الز والقرآن (﴿وهاجروا﴾) من مكة إلى المدينة
(﴿وجاهدوا﴾) العدو (﴿بأموالهم﴾) فصرفوها في الكراع والسلاح وأنفقوها على المحاويج (﴿وأنفسهم))
بمباشرة القتال (﴿في سبيل الله﴾) في طاعته وما فيه رضاه (﴿والذين آووا ونصروا﴾) هم الأنصار آووا
المهاجرين إلى ديارهم ونصروهم على أعدائهم (﴿أولئك بعضهم أولياء بعض﴾﴾ [الأنفال: ٧٢]
الآية بالنصب يعني بتمامها، أو بتقدير اقرأ بولاية الميراث، وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون
بالهجرة والنصرة دون الأقارب حتى نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾
[الأنفال: ٧٥] والذي يفهم من الآية المسوقة هنا أن المؤمنين يرث بعضهم بعضًا، ولا يلزم منه أن
المؤمن لا يرث الكافر لكنه مستفاد من بقية الآية المشار إليها بقو المؤلف الآية وهي قوله تعالى:
﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾ [الأنفال: ٧٢] أي من
توليهم في الميراث، إذ الهجرة كانت في أول عهد البعثة من تمام الإيمان فمن لم يكن مهاجرًا كأنه
ليس مؤمنًا، فلهذا لم يرث المؤمن المهاجر منه. وسقط قوله الآية في رواية ابن عساكر.
وفي هذا الحديث التحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواته ما بين بصري وايلي ومدني،
وأخرجه أيضًا في الجهاد والمغازي، ومسلم في الحج وكذا أبو داود والنسائي، وأخرجه ابن ماجة في
الفرائض.
٤٥ - باب نُزولِ النبيِّ وَله مكةً
(باب) موضع (نزول النبي ◌َلخير مكة).
١٥٨٩ - حدثنا أبو اليمانِ أخبرَنا شعيبٌ عنِ الزُّهريّ قال حدَّثَني أبو سلمةً أنَّ أبا هريرةَ
رضيَ اللّهُ عنه قال ((قال رسولُ اللّهِ وَ لَ حينَ أراد قُدومَ مكةَ: مَنزِلُنا غدًا إن شاءَ اللّهُ بخَيفِ بني
كِنانةَ حيثُ تَقاسموا على الكُفر)). [الحديث ١٥٨٩ - أطرافه في: ١٥٩٠، ٣٨٨٢، ٤٢٨٤،
٤٢٨٥، ٧٤٧٩].
وبالسند قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: حدثني) بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرحمن (أن أبا
هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ ﴿ حين أراد قدوم مكة) بعد رجوعه من منى وتوجهه إلى
البيت الحرام.

١٠٧
کتاب الحج/ باب ٤٥/ حديث ١٥٩٠
(منزلنا) بالرفع مبتدأ (غدًا) ظرف (إن شاء الله تعالى) اعتراض بين المبتدأ وخبره وهو قوله:
(بخيف بني كنانة) أي فيه وهو بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية آخره فاء ما انحدر من الجبل
وارتفع عن المسيل، والمراد به المحصب (حيث تقاسموا) أي تحالفوا (على الكفر) وهو تبرؤهم من
بني هاشم وبني المطلب أن لا يقبلوا لهم صلحًا الآتي ذلك في الحديث التالي لهذا الحديث مستوفى
إن شاء الله تعالى، وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الهجرة والمغازي.
١٥٩٠ - حدثنا الحُميديُّ حدَّثَنَا الوَليدُ حدَّثَنا الأوزاعيُّ قال حدَّثَني الزُّهريُّ عن أبي سَلمةَ
عن أبي هُريرةَ رضيَ اللّهُ عنه قال ((قال النبيُّ بَّهَ من الغَدِ يومَ النَّحرِ - وهوَ بمِنَّى - نحنُ نازِلونَ غَدًا
بخَيفِ بني كنانةَ حيث تَقاسموا على الكفر، يعني بذْلِكَ المحصَّبِ، وذلك أنَّ قُرَيشًا وكِنانةَ تَحالَفتْ
على بني هاشم وبني عبدِ المطَّلِب - أو بني المطّلبِ - أن لا يُناكِحوهم ولا يُبايعوهم حتى يُسْلموا
إليهمُ النبيَّ وَّر)) .
وقال سلامة عن عُقيل، ويحيى عنِ الضحاكِ عن الأوزاعيِّ: أخبرَني ابنُ شِهابٍ. وقالا: بني
هاشم وبني المطّلب. قال أبو عبدِ اللّهِ: بني المطّلب أشْبَه.
وبه قال: (حدثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال: (حدثنا الوليد) بن مسلم القرشي
الأموي الدمشقي قال: (حدثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو (قال: حدثني) بالإفراد (الزهري)
محمد بن مسلم بن شهاب (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
النبي) ولأبي ذر: قال رسول الله:
(من الغد) وهو ما بين الصبح وطلوع الشمس (يوم النحر). نصب على الظرفية (وهو بمنى)
أي قال في غداة يوم النحر حال كونه بمنى ومقول قوله عليه الصلاة والسلام (نحن نازلون غدًا
بخيف بني كنانة) والمراد بالغد هنا ثالث عشر ذي الحجة يوم النزول بالمحصب فهو مجاز في إطلاقه
كما يطلق أمس على الماضي مطلقًا وإلا فثاني العيد هو الغد حقيقة، وليس مرادًا قاله البرماوي
كالكرماني (حيث تقاسموا) تحالفوا (على الكفر).
قال الزهري مما أدرجه من قوله (يعني) عليه الصلاة والسلام (ذلك) وللأصيلي وأبي ذر عن
الكشميهني: بذلك أي بخيف بني كنانة (المحصب)، بضم الميم وفتح الحاء والصاد المشددة
المهملتين، (وذلك) أي تقاسمهم على الكفر (أن قريشًا وكنانة).
قال في الفتح: فيه إشعار بأن في كنانة من ليس قرشيّا إذ العطف يقتضي المغايرة فترجح القول
بأن قريشًا من ولد فهر بن مالك على القول بأنهم ولد كنانة. نعم، لم يعقب النضر غير مالك ولا
مالك غير فهر فقريش ولد النضر بن كنانة وأما كنانة فأعقب من غير النضر، ولهذا وقعت
المغايرة١ هـ.

١٠٨
کتاب الحج/ باب ٤٥/ حديث ١٥٩٠
(تحالفت) بالحاء المهملة وكان القياس فيه تحالفوا لكنه أفرد بصيغة المفرد والمؤنث باعتبار
الجماعة (على بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب) بالشك في جميع الأصول، وعند البيهقي
من طريق أخرى: وبني عبد المطلب بغير شك (أن لا يناكحوهم) فلا يتزوج قريش وكنانة امرأة من
بني هاشم وبني عبد المطلب ولا يزوجون امرأة منهم إياهم، (ولا يبايعوهم) لا يبيعوا لهم ولا
يشتروا منهم، وعند الإسماعيلي: ولا يكون بينهم وبينهم شيء (حتى يسلموا) بضم أوله وإسكان
السين المهملة وكسر اللام المخففة (إليهم النبي (18) وكتبوا بذلك كتابًا بخط منصور بن عكرمة
العبدري فشلت يده، أو بخط بغيض بن عامر بن هاشم وعلقوه في جوف الكعبة فاشتد الأمر على
بني هاشم وبني عبد المطلب في الشعب الذي انحازوا إليه، فبعث الله الأرضة فلحست كل ما فيها
من جور وظلم وبقي ما كان فيها من ذكر الله فأطلع الله رسوله على ذلك فأخبر به عمه أبا طالب
فقال أبو طالب لكفار قريش: إن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني قط أن الله قد سلط على صحيفتكم
الأرضة فلحست ما كان فيها من ظلم وجور وبقي فيها ما كان من ذكر الله فإن كان ابن أخي صادقًا
نزعتم عن سوء رأيكم وإن كان كاذبًا دفعته إليكم فقتلتموه أو استحييتموه. قالوا: قد أنصفتنا
فوجدوا الصادق المصدوق قد أخبر بالحق فسقط في أيديهم ونكسوا على رؤوسهم، وإنما اختار
النزول هناك شكرًا لله تعالى على النعمة في دخوله ظاهرًا ونقضًا لما تعاقدوه بينهم وتقاسموا عليه من
ذلك .
(وقال سلامة) بن روح بن خالد الأيلي مما وصله ابن خزيمة في صحيحه (عن) عمه (عقيل)
بضم العين وفتح القاف ابن خالد الأيلي (ويحيى عن الضحاك) كذا في غير فرع لليونينية. قال
الحافظ ابن حجر: وهي رواية أبي ذر وكريمة وهو وهم، ولغيرهما ويحيى بن الضحاك نسبة لجده
وأبوه عبد اللَّه البابلتي بفتح الموحدة الثانية كما رأيته بخط شيخنا الحافظ السخاوي. وقال العيني:
بضمها وبعد اللام المضمومة مثناة فوقية مشدّدة. وقال الحافظ ابن حجر: بموحدتين وبعد اللام
المضمومة مثناة مشددة منسوب إلى جده، وليس له في هذا الكتاب غير هذا الموضع المعلق، وقد
وصله أبو عوانة في صحيحه والخطيب في المدرج (عن الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو ولكن قال
يحيى بن معين: يحيى البابلتي والله لم يسمع عن الأوزاعي شيئًا نعم. ذكر الهيثم بن خلف الدوري
أن أمه كانت تحت الأوزاعي وحينئذٍ فلا يبعد سماعه منه لأنه في حجره. (أخبرني) بالإِفراد (ابن
شهاب) الزهري (وقالا): أي سلامة ويحيى (بني هاشم وبني المطلب) دون لفظ عبد، وقد تابعه على
الجزم بقوله بني هاشم وبني المطلب محمد بن مصعب عن الأوزاعي كما عند أحمد.
(قال أبو عبد الله) البخاري قوله (بني المطلب) بحذف عبد (أشبه) أي بالصواب لأن
عبد المطلب هو ابن هاشم فلفظ هاشم مغن عنه، وأما المطلب فهو أخو هاشم وهما ابنان لعبد مناف
فالمراد أنهم تحالفوا على بني عبد مناف.

١
١٠٩
کتاب الحج/ باب ٤٦ و ٤٧
٤٦ - باب قولِ اللّهِ تعالى: [إبراهيم: ٣٥]
﴿وإذ قال إِبراهيمُ ربِّ اجْعَلْ هذا البلدَ آمنًا واجنُبْني وبَنيَّ أن نعبُدَ الأصنامِ ربِّ إنهنَّ
أضللنَ كثيرًا من الناسِ فمنِ اتَّبَعَني فإِنه مني ومَن عَصاني فإِنكَ غَفورٌ رحيم ربَّنا إني أسكنتُ
مِن ذُرْيِّتي بِوادٍ غيرِ ذِي زَرْعٍ عندَ بيتِكَ المحرَّمِ ربَّنا لِيُقيموا الصلاةَ فاجعَلْ أفئدةً منَ الناسِ تَهْوى
إِليهم﴾ الآية .
(باب قول الله تعالى): (﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد﴾) مكة (﴿آمنًا﴾) ذا أمن لمن فيها
(﴿واجنبني﴾) بعدني (﴿وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرًا من الناس﴾) فلذلك سألت منك
العصمة واستعذت بك من إضلالهن وأسند الإضلال إليهن باعتبار السبب (﴿فمن تبعني﴾) على ديني
(﴿فإنه مني﴾) بعضي (﴿ومن عصاني﴾) لم يطعني ولم يوحدك (﴿فإنك غفور رحيم﴾) تقدر أن تغفر له
وترحمه ولا يجب عليك شيء، وقيل معناه ومن عصاني فيما دون الشرك أو أنك غفور بعد الإنابة
(﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي﴾) بعضها إسماعيل (﴿بواد غير ذي زرع﴾) يعني مكة (﴿عند بيتك
المحرم﴾)، الذي في علمك أنه يحدث في ذلك الوادي (﴿ربنا ليقيموا الصلاة)) أي أسكنتهم كي
يقيموا الصلاة عند بيتك (﴿فاجعل أفئدة من الناس﴾) أي قلوبًا ومن للتبعيض (﴿تهوي﴾) تسرع
(﴿إليهم)) [إبراهيم: ٣٥، ٣٧،٣٦] شوقًا وودًا، وعن بعض السلف لو قال أفئدة الناس لازدحم
عليه فارس والروم والناس كلهم لكنه قال فمن الناس فاختص به المسلمون، وقال إليهم لأنه أوحي
إليه أنه ستكثر ذريته بها. وقال تهوي لأن تهامة غور منخفضة وذكر القلوب لأن الأجساد تبع لها
(الآية) بالنصب بتقدير أعني أو اقرأ، وسقط في رواية ابن عساكر من قوله: ﴿رب إنهن أضللن﴾
ولفظ رواية أبي ذر: أن تعبد الأصنام إلى قوله ﴿لعلهم يشكرون﴾ أي نعمتك ولم يذكر المصنف في
هذا الباب حديثًا لأنه لم يجد حديثًا على شرطه .
٤٧ - باب قولِ اللّهِ تعالى [المائدة: ٩٧]
﴿جَعَلَ اللهُ الكعبةَ البيتَ الحَرامَ قيامًا للناسِ والشهرَ الحرامَ والهَذْيَ والقَلائدَ ذُلكَ لتعلموا
أنَّ اللّهَ يَعلمُ ما في السَّمُواتِ وما في الأرضِ وأنَّ اللّهَ بكلُ شيءٍ عليم﴾.
(باب قول الله تعالى): ((جعل الله﴾) أي صير (﴿الكعبة﴾) وسميت بذلك لتكعبها (﴿البيت
الحرام﴾) عطف بيان على جهة المدح (﴿قيامًا للناس﴾) انتعاشًا لهم من أي سبب انتعاشهم في أمر
معاشهم ومعادهم يلوذ به الخائف ويأمن فيه الضعيف ويربح فيه التجار ويتوجه إليه الحجاج والعمار
أو ما يقوم به أمر دينهم ودنياهم (﴿والشهر الحرام﴾) الذي يؤدى فيه الحج وهو ذو الحجة (﴿والهدي
والقلائد ذلك﴾) إشارة إلى الجعل أو إلى ما ذكر من الأمر بحفظ حرمة الإحرام وغيره (﴿لتعلموا أن الله
يعلم ما في السموات وما في الأرض﴾) فإن شرع الأحكام لدفع المضار قبل وقوعها وجلب المنافع

١١٠
كتاب الحج/ باب ٤٧/ حديث ١٥٩١ و ١٥٩٢
المترتبة عليها دليل حكمة الشارع وكمال علمه (﴿وأن الله بكل شيء عليم)) [المائدة: ٩٧] تعميم بعد
تخصيص، وقد أشار المؤلف بهذه الآية الكريمة إلى أن قوام أمور الناس وانتعاش أمر دينهم بالكعبة
المشرفة فإذا زالت الكعبة على يد ذي السويقتين تختل أمور الناس فلذا أورد حديث أبي هريرة.
١٥٩١ - حدثنا عليُّ بنُ عبدِ اللَّهِ حدَّثَنا سفيانُ حدَّثَنا زيادُ بنُ سَعدٍ عنِ الزُّهريّ عن
سعيدِ بنِ المسيَّبِ عن أبي هُريرةَ رضيَ اللّهُ عنه عنِ النبيِّ وََّ قال «يُخَرِّبُ الكعبةَ ذو السُّوَيقتَينِ من
الحبشةِ)). [الحديث ١٥٩١ - طرفه في: ١٥٩٦].
وبالسند قال (حدثنا علي بن عبد اللَّه) المديني قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدثنا
زياد بن سعد) بسكون العين وكسر زاي زياد وتخفيف يائها المثناة تحت الخراساني (عن) ابن شهاب
(الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي بَلقر قال:)
(يخرب الكعبة) بضم الياء وفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء مكسورة من التخريب، والجملة
فعل ومفعول والفاعل قوله (ذو السويقتين من الحبشة) تثنية سويقة مصغر الساق ألحق بها التاء في
التصغير لأن الساق مؤنثة والتصغير للتحقير، وفي سيقان الحبشة دقة فلذا أصغرها ومن للتبعيض أي
يخربها ضعيف من هذه الطائفة، والحبشة نوع من السودان ولا ينافي ما ذكر هنا قوله تعالى: ﴿أو لم
يروا أنا جعلنا حرمًا آمنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] لأن الأمن إلى قريب القيامة وخراب الدنيا حينئذ فيأتي
ذو السويقتين.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا قريبًا، ومسلم في الفتن، والنسائي في الحج والتفسير.
١٥٩٢ - حدثنا يحيى بنُ بُكيرِ حدَّثنا الليثُ عن عُقيل عنِ ابنِ شِهابٍ عن عُروةَ عن عائشةً
رضيَ اللّهُ عنها. وحدثني محمدُ بنُ مقاتلٍ قال: أخبرني عبدُ اللّهِ هوَ ابنُ المباركِ قال أخبرَنا
محمدُ بنُ أبي حفصةَ عنِ الزُّهريّ عن عُروةَ عن عائشةَ رضيَ اللّهُ عنها قالت ((كانوا يَصومونَ
عاشوراءَ قَبلَ أن يُفرَضَ رَمضانُ، وكانَ يومًا تُستر فيه الكعبةُ. فلمَّا فرضَ اللهُ رمضانَ قال
رسولُ اللّهِ وَّهَ: مَن شاءَ أن يَصومَهُ فَلْيَصُمه، ومن شاءَ أن يترُكَهُ فَلْيَتْرُكُه)). [الحديث ١٥٩٢ -
أطرافه في: ١٨٩٣، ٢٠٠١، ٢٠٠٢، ٣٨٣١، ٤٥٠٢، ٤٥٠٤].
وبه قال: (حدثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف قال: (حدثنا الليث) بن سعد
الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف مصغرًا ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم
الزهري (عن عروة) بن الزبير بن العوام (عن عائشة رضي الله عنها) قال المؤلف: (ح).
(حدثني) بالإفراد (محمد بن مقاتل) المجاور بمكة (قال: أخبرني) بالإفراد أيضًا (عبد اللَّه هو
ابن المبارك قال: أخبرنا محمد بن أبي حفصة) اسمه ميسرة ضدّ الميمنة البصري (عن الزهري عن عروة
عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانوا) أي المسلمون (يصومون) يوم (عاشوراء) بالمد غير منصرف

١١١
کتاب الحج/ باب ٤٧/ حديث ١٥٩٣
اليوم العاشر من المحرم (قبل أن يفرض رمضان). قال الكرماني: فيه جواز نسخ السنة بالكتاب
والنسخ بلا بدل. قال البرماوي: مذهب الشافعي وجمع أن عاشوراء لم يجب حتى ينسخ وبتقدير أنه
كان واجبًا فلا معارضة بينه وبين رمضان فلا نسخ، وأما قوله بلا بدل فعجيب فأنهم يمثلون به لما
هو ببدل أثقل إذا قلنا بالنسخ ا هـ.
ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في موضعها. (وكان) أي عاشوراء (يومًا تستر فيه
الكعبة). لما بينهما من المناسبة في الإعظام والإجلال وهذا موضع الترجمة (فلما فرض الله) عز وجل
صيام (رمضان قال رسول الله (صلخير)
(من شاء أن يصومه فليصمه ومن شاء أن يتركه فليتركه).
١٥٩٣ - حدّثنا أحمدُ حدَّثَنا أبي حدَّثَنا إبراهيمُ عنِ الحجّاجِ بنِ حجَّاجٍ عن فَتادةً عن
عبدِ اللَّهِ بن أبي عُتبةَ عن أبي سعيدِ الخُدريّ رضيَ اللّهُ عنه عن النبيِّ وَّه قال ((لُيُحَجَّنَّ البيتُ
وليُعْتَمرنَّ بعدَ خُروج يَأْجُوجَ ومَأْجوجَ)). تابعَهُ أبانُ وعِمرانُ عن قتادةَ. وقال عبدُ الرحمنِ عن شعبةَ
قال ((لا تَقومُ الساعةُ حتى لا يُحَجَّ البيتُ)) والأوَّلُ أكثرُ. سمعَ قَتادةُ عبدَ اللَّهِ وعبدُ اللَّهِ أبا سعيدٍ .
وبه قال: (حدثنا أحمد) بن أبي عمرو واسمه حفص بن عبد الله بن راشد السلمي (حدثنا
أبي) حفص قاضي نيسابور قال: (حدثنا إبراهيم) بن طهمان (عن الحجاج بن حجاج) الأسلمي
الباهلي الأحول (عن قتادة) بن دعامة (عن عبد الله بن أبي عتبة) بضم العين المهملة وسكون المثناة
الفوقية وفتح الموحدة مولى أنس بن مالك (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري رضي الله عنه
عن النبي قال:)
(ليحجن البيت) بضم المثناة التحتية وفتح الحاء والجيم مبنيًا للمفعول مؤكدًا بالنون الثقيلة وكذا
قوله: (وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج) اسمان أعجميان.
(تابعه) أي تابع عبد الله بن أبي عتبة فيما وصله أحمد (أبان) بن يزيد العطار، (و) تابعه أيضًا
(عمران) القطان فيما وصله أيضًا أحمد وأبو يعلى وابن خزيمة (عن قتادة) أي على لفظ المتن (فقال
عبد الرحمن) بن مهدي فيما وصله الحاكم من طريق أحمد بن حنبل عنه (عن شعبة) عن قتادة بهذا
السند (قال: لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت) بضم المثناة التحتية وفتح الحاء مبنيًا للمفعول
(والأول أكثر) لاتفاق من تقدم ذكره على هذا اللفظ وانفراد شعبة بما يخالفهم وإنما قال ذلك لأن
ظاهر هما التعارض، لأن المفهوم من الأول أن البيت يحج بعد أشراط الساعة، ومن الثاني أنه لا يحج
بعدها لكن يمكن الجمع بين الحديثين بأنه لا يلزم من حج البيت بعد خروج يأجوج ومأجوج أن
يمتنع الحج في وقت ما عند قرب ظهور الساعة، ويظهر والله أعلم أن المراد بقوله: ليحجن البيت
أي مكان البيت لأن الحبشة إذا خربوه لم يعمر بعد ذلك قاله في الفتح، وزاد هنا في رواية غير أبي

١١٢
كتاب الحج/ باب ٤٨/ حديث ١٥٩٤
ذر وابن عساكر: سمع قتادة عبد الله بن أبي عتبة وعبد الله سمع أبا سعيد الخدري فانتفت تهمة
التدلیس .
٤٨ - باب كِسْوةِ الكعبةِ
(باب) بيان حكم التصرف في (كسوة الكعبة) وقد قيل أول من كساها تبع الحميري الخصف
والمعافر والملاء والوصائل، وذكر ابن قتيبة أنه كان قبل الإسلام بتسعمائة سنة وفي تاريخ ابن أبي
شيبة أول من كساها عدنان بن أد. وزعم الزبير: أن أول من كساها الديباج عبد الله بن الزبير،
وعند ابن إسحاق عن ليث بن سليم كانت كسوة الكعبة على عهد رسول الله ◌َي الانطاع والمسوح،
وروى الواقدي عن إبراهيم بن أبي ربيعة قال: كسي البيت في الجاهلية الأنطاع ثم كساه النبي ◌َّ-
الثياب اليمانية، ثم كساه عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان القباطي، ثم كساه الحجاج الديباج.
وروى أبو عروبة في الأوائل له عن الحسن قال: أول من ألبس الكعبة القباطي النبي ◌َّ، وذكر
الأزرقي فيمن كساها أبا بكر الصديق رضي الله عنه ولم يذكر علي بن أبي طالب، ولعله اشتغل عن
ذلك بما كان بصدده من الحروب في تمهيد أمر الدين مع الخوارج، وكساها معاوية الديباج والقباطي
والحبرات، فكانت تكسى الديباج يوم عاشوراء، والقباطي في آخر رمضان. وكساها يزيد بن معاوية
الديباج الخسرواني، وكساها المأمون الديباج الأحمر يوم التروية، والقباطي يوم هلال رجب، والديباج
الأبيض يوم سبع وعشرين من رمضان للفطر، وهكذا كانت تكسى في زمن المتوكل العباسي، ولما
كان زمن الناصر العباسي كسيت السواد من الحرير فهى تكسى ذلك من ذلك الزمان وإلى الآن، إلا
أنه في سنة ثلاث وأربعين وستمائة قطعت من ريح شديد فكسيت ثيابًا من القطن سودًا وقد ذكر
بعضهم حكمة حسنة في سواد كسوة الكعبة فقال: كأنه يشير إلى أنه فقد أناسًا كانوا حوله فلبس
السواد حزنًا عليهم، ولم تزل الملوك تتداول كسوتها إلى أن وقف عليها المصالح إسماعيل بن الناصر
محمد بن قلاوون في سنة نيف وخمسين وسبعمائة قرية تسمى بيسوس بضواحي القاهرة في طرف
القليوبية مما يلي القاهرة، وأول من كساها من ملوك الترك بعد انقضاء الخلافة من بغداد الظاهر
بيبرس الصالحي صاحب مصر.
١٥٩٤ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عبد الوهَّابِ حدَّثَنَا خالدُ بنُ الحارثِ حدَّثَنَا سُفيانُ حدَّثَنا واصلٌ
الأحدَبُ عن أبي وائلٍ قال: جِئتُ إلى شَيبةَ. ح وحدَّثَنا سُفيانُ عن واصلٍ عن أبي وائلٍ قال:
جلستُ معَ شيبةَ على الكرسيِّ في الكعبةِ فقال: لقد جَلَسَ هذا المجلِسَ عمرُ رضيَ اللّهُ عنه فقال
((لقد هممتُ أن لا أدعَ فيها صَفراءَ ولا بيضاءَ إلاَّ قَسَمْتُه. قلتُ إن صاحبَيْكَ لم يَفعلا. قال: هما
المرءانِ أقتدي بهما)). [الحديث ١٥٩٤ - طرفه في: ٧٢٢٥].
وبالسند قال: (حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب) الحجبي البصري قال: (حدثنا خالد بن
الحرث) الهجيمي قال: (حدثنا سفيان) الثوري قال: (حدثنا واصل الأحدب) الأسدي (عن أبي

١١٣
کتاب الحج/ باب ٤٨/ حدیث ١٥٩٤
وائل) شقيق بن سلمة (قال: جئت إلى شيبة) بن عثمان الحجبي بالحاء المهملة والجيم المفتوحين
العبدري صاحب مفتاح الكعبة الصحابي. قال المؤلف (ح).
(وحدثنا قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة وفتح الصاد المهملة ابن عقبة السوائي قال: (حدثنا
سفيان) الثوري (عن واصل عن أبي وائل قال: جلست مع شيبة على الكرسي في الكعبة فقال: لقد
جلس هذا المجلس) على هذا الكرسي (عمر) بن الخطاب (رضي الله عنه فقال:) رضي الله عنه (لقد
هممت أن لا أدع) أي لا أترك (فيها) أي في الكعبة (صفراء ولا بيضاء) ذهبا ولا فضة (إلا قسمته)
بالتذكير باعتبار المال. وفي رواية عمر بن شبة في كتاب مكة عن قبيصة المذكور: إلا قسمتها. وزاد
المؤلف في الاعتصام بين المسلمين قال الزركشي وغيره: وظن بعضهم أنه حلي الكعبة، وغلطه
صاحب المفهم بأن ذلك محبس عليها كقناديلها ونحو ذلك فلا يجوز صرفه في غيرها، وإنما هو الكنز
الذي بها وهو ما كان يهدى إليها خارجًا عما كانت تحتاج إليه مما ينفق فيه وكانوا يطرحونه في
صندوق في البيت فأراد عمر أن يقسمه بين المسلمين فقال شيبة: (قلت) له: (إن صاحبيك)
النبي وقّ وأبا بكر رضي الله عنه (لم يفعلا) ذلك (قال:) عمر (هما) أي النبي وَلَّ وأبو بكر
رضي الله عنه (المرآن) الرجلان الكاملان لا أخرج عنهما بل (أقتدي بهما) وقد كان مَ يقر لما افتتح
مكة تركه رعاية لقلوب قريش ثم بقي على ذلك إلى زمن الصديق وعمر رضي الله عنها في بناء
الكعبة: لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله. وحكى الفاكهي :
أنه وَّر وجد فيها يوم الفتح ستين أوقية، وعلى هذا فإنفاقه جائز كما جاز لابن الزبير بناؤها على
القواعد لزوال سبب الامتناع، ولولا قوله في الحديث في سبيل الله لأمكن أن يحمل الإنفاق على ما
يتعلق بها فيرجع إلى أن حكمه حكم التحبيس، ويحتمل أن يحمل قوله في سبيل الله على ذلك لأن
عمارة الكعبة تصدق على سبيل الله وليس لكسوة الكعبة في هذا الحديث ذكر، فمن ثم استشكل
سوق هذا الحديث لهذه الترجمة.
وأجيب: بأن مقصوده التنبيه على أن حكم الكسوة حكم المال بها فيجوز قسمتها على أهل
الحاجة استنباطًا من رأي عمر قسمة الذهب والفضة الكائنين بها. وقيل: لأن الكعبة لم تزل معظمة
تقصد بالهدايا تعظيمًا لها، فالكسوة من باب التعظيم لها، واختلف في الكسوة هل يجوز التصرف
فيها بالبيع ونحوه؟ فقال أبو الفضل بن عبدان من أصحابنا: لا يجوز قطع شيء من أستار الكعبة ولا
نقله ولا بيعه ولا شراؤه ولا وضعه بين أوراق المصحف، ومن حمل من ذلك شيئًا لزمه رده وأقره
الرافعي عليه. قال ابن فرحون من المالكية: وهذا على وجه الاستحسان منه والنصوص تخالفه. قال
الباجي: وقد استخف مالك شراء كسوة الكعبة. وقال ابن الصلاح: أمر ذلك إلى الإمام يصرفه في
بعض مصارف بيت المال بيعًا وعطاء، واحتج بما رواه الأزرقي في تاريخ مكة: أن عمر بن الخطاب
كان ينزع كسوة الكعبة كل سنة فيقسمها على الحاج. قال النووي: وهو حسن متعين لئلا تتلف
بالبلى، وبه قال ابن عباس وعائشة وأم سلمة. وجوّزوا لمن أخذها لبسها ولو حائضًا وجنبًا، ونبه في
إرشاد الساري/ ج ٤ / م ٨

١١٤
كتاب الحج/ باب ٤٩/ حديث ١٥٩٥
المهمات على أن ما قاله النووي هنا مخالف لما وافق عليه الرافعي في آخر الوقف من تصحيح أنها تباع
إذا لم يبق فيها جمال ويصرف ثمنها في مصالح المسجد، ثم قال: واعلم أن للمسألة أحوالاً .
أحدها: أن توقف على الكعبة وحكمها ما مرّ وخطأه غيره بأن الذي مرّ محله فيما إذا كساها
الإمام من بيت المال، أما إذا وقفت فلا يتعقل عالم جواز صرفها في مصالح غير الكعبة.
ثانيها: أن يملكها مالكها للكعبة فلقيمها أن يفعل فيها ما يراه من تعليقها عليها أو بيعها
وصرف ثمنها إلى مصالحها .
ثالثها: أن يوقف شيء على أن يؤخذ ريعه وتكسى به الكعبة كما في عصرنا فإن الإمام قد
وقف على ذلك بلادًا. قال: وقد تلخص لي في هذه المسألة أنه إن شرط الواقف شيئًا من بيع وإعطاء
لأحد أو غير ذلك فلا كلام، وإن لم يشترط شيئًا نظر إن لم يقف الناظر تلك فله بيعها وصرف ثمنها
في كسوة أخرى، وإن وقفها فيأتي فيها ما مرّ من الخلاف في البيع نعم بقي قسم آخر وهو الواقع
اليوم في هذا الوقف وهو أن الواقف لم يشرط شيئًا من ذلك وشرط تجديدها كل سنة مع علمه بأن
بني شيبة كانوا يأخذونها كل سنة لما كانت تكسى من بيت المال فهل يجوز لهم أخذها الآن أو تباع
ويصرف ثمنها إلى كسوة أخرى؟ فيه نظر والمتجه الأول. وهذا الحديث أخرجه أيضًا المؤلف في
الاعتصام، وأبو داود في الحج وكذا ابن ماجة.
٤٩ - باب هَدْمِ الكعبةِ
قالت عائشةُ رضيَ اللّهُ عنها: قال النبي ◌َّهِ: (يَغزو جيشٌ الكعبةَ فيُخْسَفُ بهم).
(باب هدم الكعبة) في آخر الزمان (قالت عائشة رضي الله عنها) ولغير أبي ذر: وقالت
عائشة: (قال النبي ◌َّطير:) ((يغزو جيش الكعبة)) بفتح الجيم وسكون المثناة التحتية. قال البرماوي
كالكرماني لا بالمهملة والموحدة اهـ.
قلت: ثبت في اليونينية في رواية أبي ذر: حبش بالحاء المهملة والموحدة المفتوحتين (فيخسف
بهم) بضم التحتية وفتح السين المهملة، وهذا طرف من حديث وصله في أوائل البيوع ولفظه: يغزو
جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم ثم يبعثون على نياتهم. والبيداء: المفازة
التي لا شيء فيها، وهي في هذا الحديث اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة، وقوله: ثم يبعثون
على نياتهم أي يخسف بالكل بشؤم الأشرار ثم يعامل كل منهم في الحشر بحسب نيته وقصده إن
خيرًا فخير وإن شرا فشر.
١٥٩٥ - حدثنا عمرُو بنُ عليّ حدَّثَنا يحيى بنُ سعيدٍ عُبِيدُ اللّهِ بنُ الأخْتَسِ حدَّثَني ابنُ أبي

١١٥
کتاب الحج/ باب ٤٩/ حديث ١٥٩٥
مُلَيكةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللّهُ عنهما عن النبيِّ وَّر قال: ((كأني بهِ أسودَ أفْحَجَ يَقْلَعُها حَجَرًا
حجرًا)) .
وبالسند قال: (حدثنا عمرو بن علي) بسكون الميم ابن بحر بن كثير الباهلي الصيرفي قال:
(حدثنا يحيى بن سعيد) القطان قال: (حدثنا عبيد الله بن الأخنس) بخاء معجمة بعد همزة مفتوحة
وآخره سين مهملة قبلها نون مفتوحة بوزن الأحمر وعبيد بالتصغير النخعي الكوفي قال: (حدثني)
بالإفراد (ابن أبي مليكة) بضم الميم وفتح اللام وسكون التحتية هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي
مليكة واسمه زهير التيمي الأحول (عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ◌َّر قال):
(كأني به) قال في فتح الباري: كذا في جميع الروايات عن ابن عباس في هذا الحديث، والذي
يظهر أن في الحديث شيئًا حذف، ويحتمل أن يكون هو ما وقع في حديث علي عند أبي عبيد في
غريب الحديث من طريق أبي العالية عن علي قال: استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال
بينكم وبينه فكأني برجل من الحبشة أصلع - أو قال أصمع ـ حمش الساقين قاعد عليها وهي تهدم.
ورواه الفاكهي من هذا الوجه ولفظه: أصعل بدل أصلع وقال: قائمًا عليها يهدمها بمسحاته. ورواه
يحيى الحماني في مسنده من وجه آخر عن علي مرفوعًا اهـ.
وتعقبه العيني بأنه لا يحتاج إلى تقدير حذف لأنه إنما يقدر في موضع يحتاج إليه للضرورة ولا
ضرورة هنا. قال: ودعواه الظهور غير ظاهرة لأنه لا وجه في تقدير محذوف لا حاجة إليه بما جاء
في أثر عن صحابي، ولا يقال: الأحاديث يفسر بعضها بعضًا لأنا نقول هذا إنما يكون عند الاحتياج
إليه ولا احتياج هنا إلى ذلك، والضمير في به للقالع الآتي ذكره وقوله :
(أسود) نصب كما في اليونينية على الذم أو الاختصاص وليس من شرط المنصوب على
الاختصاص أن لا يكون نكرة، فقد قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿قائمًا بالقسط﴾ [آل
عمران: ١٨] أنه منصوب على الاختصاص كذا نقله البرماوي والعيني وغيرهما كالكرماني، وعبارة
الزمخشري: ويجوز أن يكون نصبًا على المدح.
فإن قلت: أليس من حق المنتصب على المدح أن يكون معرفة نحو: الحمد لله الحميد، إنا
معشر الأنبياء لا نورث.
إنا بني نهشل لا ندعى لأب.
قلت: قد جاء نكرة في قول الهذلي:
ويأوي إلى نسوة عطل وشعثًا مراضيع مثل السعالى
اهـ.

١١٦
كتاب الحج/ باب ٤٩/ حديث ١٥٩٥
وتعقبه أبو حيان فقال: في كلامه هذا تخليط وذلك أنه لم يفرق بين المنصوب على المدح أو
الذم أو الترحم وبين المنصوب على الاختصاص وجعل حكمهما واحدًا، وأورد مثالاً من المنصوب
على المدح وهو: الحمد لله الحميد، ومثالين من المنصوب على الاختصاص وهما: إنا معشر الأنبياء لا
نورث .
إنا بني نهشل لا ندعى لأب.
والذي ذكره النحويون أن المنصوب على المدح أو الذم أو الترحم قد يكون معرفة وقبله معرفة
يصلح أن يكون تابعًا لها، وقد لا يصلح وقد يكون نكرة كذلك وقد يكون نكرة قبلها معرفة فلا
يصلح أن يكون نعتًا لها نحو قول النابغة:
أقارع عوف لا أحاول غيرها وجوه قرود تبتغي من تجادع
فانتصب وجوه قرود على الذم وقبله معرفة وهو أقارع عوف، وأما المنصوب على الاختصاص
فنصوا على أنه لا يكون نكرة ولا مبهمًا ولا يكون إلا معرفًا بالألف واللام أو بالإضافة أو بالعلمية
أو بأي ولا يكون إلا بعد ضمير متكلم مختص به أو مشارك فيه وربما أتى بعد ضمير مخاطب اهـ.
وأجاب تلميذه السمين بأن الزمخشري إنما أراد بالمنصوب على الاختصاص المنصوب على
إضمار فعل سواء كان من الاختصاص المبوّب له في النحو أم لا. وهذا اصطلاح أهل المعاني
والبيان اهـ.
والأولى أن يقول الذي نص عليه الزمخشري النصب على المدح وأدخل فيه الاختصاص
فليتأمل.
(أفحج) بفتح الهمزة وسكون الفاء بعدها وفتح الحاء المهملة وبالجيم منصوب صفة
لسابقه، ويجوز أن يكون أسود أفحج حالين متداخلين أو مترادفين من ضمير به، وبه قال
التوربشتي والدماميني وقال المظهري: هما بدلان من الضمير المجرور وفتحًا لأنهما غير منصرفين،
ويجوز إبدال المظهر من المضمر الغائب نحو: ضربته زيدًا. وقال الطيبي: الضمير في به مبهم يفسره
ما بعده على أنه تمييز كقوله تعالى: ﴿فقضاهن سبع سموات﴾ [فصلت: ١٢] فإن ضميرهن هو
المبهم المفسر بسبع سموات وهو تمييز كما قاله الزمخشري، وفي بعض الأصول أسود أفحج برفعهما
على أن أسود مبتدأ خبره يقلعها، والجملة حال بدون الواو والضمير في به للبيت أي كأني متلبس به
أو أسود خبر مبتدأ محذوف والضمير في به للقالع. أي كأني بالقالع هو أسود، وقوله: أفحج خبر
بعد خبر. قال في القاموس: فحج كمنع تكبر وفي مشيته تداني صدور قدميه وتباعد عقباه كفحج
وهو أفحج بين الفحج محركة والتفحج التفريج بين الرجلين.

١١٧
کتاب الحج/ باب ٤٩/ حديث ١٥٩٦
(يقلعها) أي يقلع الأسود الافحج الكعبة حال كونها قلعًا (حجرًا حجرًا) نحو: بوّبته بابًا بابًا
أي مبوّبًا، أو هو بدل من الضمير المنصوب في يقلعها.
قال في المصابيح، فإن قلت: ما إعراب الألفاظ الواقعة في هذا التركيب وهو قوله كأني به
الخ؟.
وأجاب: بأنه نظير قولهم كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل وكأنك بالليل قد أقبل: قال:
وفيه أعاريب مختلفة. قال بعض المحققين فيه الأولى أن تقول كأن على معنى التشبيه ولا تحكم بزيادة
شيء وتقول: التقدير كأنك تبصر بالدنيا تشاهدها من قوله تعالى: ﴿فبصرت به عن جنب﴾
[القصص: ١١] والجملة بعد المجرور بالباء حال أي كأنك تبصر بالدنيا وتشاهدها غير كائنة. ألا
ترى إلى قولهم: كأنك بالليل وقد أقبل والواو لا تدخل على الجمل إذا كانت أخبارًا لهذه الحروف.
قال الدمياني: ويؤيده أي ما قاله هذا المحقق ثبوت هذه الرواية بنصب أسود أفحج في الحديث،
فالنصب على الحالية كما مرّ، ويقلعها في محل نصب على الصفة أو الحال أيضًا.
وفي هذا الحديث التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وشيخ المؤلف ويحيى بصريان وابن
الأخنس كوفي وابن أبي مليكة مكي.
١٥٩٦ - حدثنا يحيى بنُ بُكيرِ حدَّثَنا الليثُ عن يونسَ عنِ ابنِ شهابٍ عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ
عن أبي هُريرةَ رضيَ اللّهُ عنه قال: قال رسولُ اللّهِ وَلَ ايُخرِّبُ الكعبةَ ذو السُّوَيقتَينِ من الحبشة)).
وبه قال: (حدثنا يحيى بن بكير) المخزومي المصري قال: (حدثنا الليث) بن سعد الإمام
المصري (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة
رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صَلاة):
(يخرب الكعبة) عند قرب الساعة حين لا يبقى في الأرض أحد يقول الله الله (ذو السويقتين)
بضم السين وفتح الواو تثنية سويقة مصغر الساق (من الحبشة) قال في القاموس: الحبش والحبشة
محركتين، والأحبش بضم الباء جنس من السودان الجمع حبشان وأحابش ا هـ.
قال بعضهم: الحبشة ليس بصحيح في القياس لأنه لا واحد له على مثال فاعل فيكون مكسرًا
على فعلة. وقال ابن دريد: وأما قولهم الحبشة فعلى غير قياس، وقد قالوا أيضًا: حبشان ولا أدري
كيف هو ا هـ.
وإنكارهم لفظ الحبشة على هذا الوزن لا وجه له لأنه ورد في لفظ أفصح الناس، وقال
الرشاطي: وهم من ولد كوش بن حام وهم أكثر السودان وجميع ممالك السودان يعطون الطاعة
للحبش، وقد جاء في تخريب الكعبة أحاديث كحديث ابن عباس وعائشة عند المؤلف، وما رواه أبو
داود الطيالسي بسند صحيح. وحديث عبد الله بن عمر عند أحمد، وروى ابن الجوزي عن حذيفة

١١٨
كتاب الحج/ باب ٥٠/ حديث ١٥٩٧
حديثًا طويلاً مرفوعًا فيه: وخراب مكة من الحبشة على يد حبشي أفحج الساقين أزرق العينين أفطس
الأنف كبير البطن معه أصحابه ينقضونها حجرًا حجرًا ويتناولونها حتى يرموا بها يعني الكعبة إلى
البحر، وخراب المدينة من الجوع، واليمن من الجراد. وذكر الحليمي أن خراب الكعبة يكون في
زمن عيسى عليه الصلاة والسلام، وقال القرطبي: بعد رفع القرآن من الصدور والمصاحف وذلك
بعد موت عيسى وهو الصحيح.
٥٠ - باب ما ذُكِرَ في الحَجَرِ الأسودِ
(باب ما ذكر في الحجر الأسود) ويسمى الركن الأسود وهو في ركن الكعبة الذي يلي الباب
من جانب المشرق وارتفاعه من الأرض الآن ذراعان وثلثا ذراع على ما قاله الأزرقي وبينه وبين المقام
ثمانية وعشرون ذراعًا.
وفي حديث ابن عباس مرفوعًا ما صححه الترمذي: نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد
بياضًا من اللبن فسوّدته خطايا بني آدم لكن فيه عطاء بن السائب وهو صدوق إلا أنه اختلط وجرير
ممن سمع منه بعد اختلاطه، لكن له طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة فيقوى بها. وفي هذا
الحديث التخويف لأنه إذا كانت الخطايا تؤثر في الحجر فما ظنك بتأثيرها في القلوب؟ وينبغي أن
يتأمل كيف أبقاه الله تعالى على صفة السواد أبدًا مع ما مسه من أيدي الأنبياء والمرسلين المقتضي
لتبييضه ليكون ذلك عبرة لذوي الأبصار وواعظًا لكل من وافاه من ذوي الأفكار ليكون ذلك باعثًا
على مباينة الزلات، ومجانبة الذنوب الموبقات.
وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي مرفوعًا: أن الحجر والمقام ياقوتتان من يواقيت
الجنة طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاء ما بين المشرق والمغرب. رواه أحمد والترمذي، وصححه
ابن حبان لكن في إسناده رجاء أبو يحيى وهو ضعيف، وإنما أذهب الله نورهما ليكون إيمان الناس
بكونهما حقًا إيمانًا بالغيب ولو لم يطمس لكان الإيمان بهما إيمانًا بالمشاهدة، والإيمان الموجب
للثواب هو إيمان بالغيب.
١٥٩٧ - حدثنا محمدُ بنُ كثيرٍ أخبرَنا سُفيانُ عن الأعمشِ عن إبراهيمَ عن عابسٍِ بنِ ربيعةً
عن عُمرَ رضيَ اللّهُ عنه («أنه جاءَ إلى الحَجَرِ الأسودِ فَقَبَّلَهُ فقال: إني أعلمُ أنكَ حجرٌ لا تَضُرُّ ولا
تَنفعُ، ولولا أني رأيتُ النبيَّ وَ لَ يُقَبِّلُكَ ما قبَّلْتُكَ)). [الحديث ١٥٩٧ - طرفاه في: ١٦٠٥،
١٦٠١].
وبالسند قال: (حدثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن
الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم) بن يزيد النخعي (عن عابس بن ربيعة) بالعين المهملة

١١٩
كتاب الحج/ باب ٥٠٪ حدیث ١٥٩٧
وبعد الألف موحدة مكسورة وآخره سين مهملة وربيعة بفتح الراء النخعي (عن عمر) بضم العين
(رضي الله عنه):
(أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله) بأن وضع فمه عليه من غير صوت (فقال): ليدفع توهم
قريب عهد بإسلام ما كان يعتقد في حجارة أصنام الجاهلية من الضر والنفع (إني أعلم أنك حجر لا
تضر ولا تنفع) أي بذاتك وإن كان امتثال ما شرع فيه ينفع في الثواب لكن لا قدرة له عليه لأنه
حجر كسائر الأحجار، وأشاع عمر هذا في الموسم ليشتهر في البلدان ويحفظه المتأخرون في الأقطار،
لكن زاد الحاكم في هذا الحديث فقال علي بن أبي طالب: بل يا أمير المؤمنين يضر وينفع ولو علمت
ذلك من تأويل كتاب الله تعالى لعلمت أنه كما أقول قال الله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من
ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فلما أقروا أنه
الرب عز وجل وأنهم العبيد كتب ميثاقهم في رق وألقمه في هذا الحجر وأنه يبعث يوم القيامة وله
عينان ولسان وشفتان يشهد لمن وافى بالموافاة فهو أمين الله في هذا الكتاب، فقال له عمر: لا أبقاني
الله بأرض لست فيها يا أبا الحسن وقال: ليس هذا على شرط الشيخين فإنهما لم يحتجا بأبي هارون
العبدي .
ومن غرائب المتون ما في ابن أبي شيبة في آخر مسند أبي بكر رضي الله عنه عن رجل رأى
النبي ◌َّ وقف عند الحجر فقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ثم قبله، ثم حج أبو بكر
رضي الله عنه فوقف عند الحجر فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت
رسول الله ﴿ يقبلك ما قبلتك فليراجع إسناده فإن صح يحكم ببطلان حديث الحاكم لبعد أن يصدر
الجواب عن علي: أعني قوله: بل يضر وينفع بعدما قال النبي وَّر: لا تضر ولا تنفع لأنه صورة
معارضة. لا جرم أن الذهبي قال في مختصره عن العبدي أنه ساقط.
(ولولا أني رأيت رسول الله) ولغير أبي ذر: النبي (8 ﴿ يقبلك ما قبلتك) تنبيه على أن لولا
الاقتداء ما قبله.
وقال الطيبي: أعلم أنهم ينزلون نوعًا من أنواع الجنس بمنزلة جنس آخر باعتبار اتصافه بصفة
مختصة به لأن تغاير الصفات بمنزلة التغاير في الذوات فقوله: إنك حجر شهادة له بأن من هذا
الجنس، وقوله: لا تضر ولا تنفع تقرير وتأكيد بأنه حجر كسائر الأحجار، وقوله: ولولا أني رأيت
الخ. إخراج له عن هذا الجنس باعتبار تقبيله وَلا اهـ.
وفي هذا الحديث التحديث والاخبار والعنعنة، ورواته كوفيون إلا شيخ المؤلف فبصري،
وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي في الحج.

١٢٠
كتاب الحج/ باب ٥١/ حدیث ١٥٩٨
٥١ - باب إغلاقِ البيتِ، ويُصلِّ في أيِّ نواحي البيتِ شاءَ
(باب إغلاق) باب (البيت)، بالغين المعجمة (ويصلي) الداخل (في أي) ناحية من (نواحي
البيت شاء) فإن كان الباب مفتوحًا فصلاته باطلة لأنه لم يستقبل منها شيئًا فإن كان له عتبة قدر ثلثي
ذراع صحت .
١٥٩٨ - حدثنا قتيبةُ بنُ سعيدِ حدَّثَنا الليثُ عنِ ابنِ شهابٍ عن سالم عن أبيهِ أنه قال ((دخلَ
رسولُ اللّهِ وَ﴿ البيتَ هو وأُسامةُ بنُ زيدٍ وبلالٌ وعثمانُ بن طلحةَ فأَغلَقوا عليهم، فلمَّا فَتحوا كنتُ
أوَّلَ مَن وَلَجَ فَلقيتُ بلالاً فسألتُه: هل صلَّى فيه رسولُ اللَّهِ؟ قال: نعم، بينَ العَمودَينِ اليَمانِيَين)).
وبالسند قال: (حدثنا قتيبة بن سعيد) بكسر العين أبو رجاء الثقفي البلخي قال: (حدثنا
الليث) بن سعد الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم) هو ابن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب
القرشي العدوي (عن أبيه) عبد اللَّه رضي الله عنه (أنه قال):
(دخل رسول الله وَ﴿ البيت) الحرام عام الفتح (هو وأسامة بن زيد وبلال) المؤذن
(وعثمان بن طلحة) الحجبي زاد النسائي ومعه الفضل بن عباس فيكونون أربعة، (فأغلقوا عليهم)
أي الباب من داخل كما عند أبي عوانة، وزاد يونس فمكث نهارًا طويلاً، وفي رواية فليح: زمانًا
بدل نهارًا أو لمسلم فمكث فيها مليّا وفي رواية له أيضًا فمكث فيها ساعة ((فلما فتحوا)» الباب (كنت
أول من ولج) دخل (فلقيت بلالا) بكسر القاف زاد في رواية مجاهد السابقة في أوائل الصلاة عن
ابن عمر وأجد بلالاً قائمًا بين البابين ((فسألته)) أي بلالاً (هل صلى فيه رسول الله وَّر؟ قال: نعم)
صلى فيه (بين العمودين اليمانيين) بتخفيف الياء لأنهم جعلوا الألف بدل إحدى ياءي النسبة،
وجوّز سيويه التشديد. وفي رواية مالك عن نافع: جعل عمودًا عن يمينه وعمودًا عن يساره، وفي
رواية فليح في المغازي: بين ذينك العمودين المقدمين، وكان البيت على ستة أعمدة سطرين صلى بين
العمودين من السطر المقدم وجعل باب البيت خلف ظهره، وقال في آخر روايته: وعند المكان الذي
صلى فيه مرمرة حمراء، وكل هذا إخبار عما كان عليه البيت قبل أن يهدم ويبنى في زمن ابن الزبير،
فأما الآن فقد بين موسى بن عقبة في روايته عن نافع كما في الباب الذي يليه أن بين موقفه والتن
وبين الجدار الذي استقبله قريبًا من ثلاثة أذرع، وسيأتي قريبا إن شاء الله تعالى.
وموضع الترجمة من الحديث قوله: فأغلقوا عليهم، لكن استشكل قوله في الترجمة ويصلي في
أي نواحي البيت شاء فإنه يدل على التخيير، وفي الحديث أنه ويّ صلى بين اليمانيين وهو يدل على
التعيين. وأجيب: بأن صلاته عليه الصلاة والسلام في ذلك الموضع لم تكن قصدًا بل وقعت اتفاقًا،
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الحج، والنسائي فيه وفي الصلاة.