النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
كتاب الجنائز/ باب ٩٦
عمر: (يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فاًدفنوني) بهمزة وصل وكسر الفاء (وإلا) أي: وإن لم
تأذن (فردوني إلى مقابر المسلمين) جوّز عمر أن تكون رجعت عن إذنها .
واستنبط منه أن: من وعد بعدة له الرجوع فيها، ولا يقضى عليه بالوفاء لأن عمر لو علم
لزوم ذلك لها لم يستأذن ثانيًا. وأجاب من قال بلزوم العدة بحمل ذلك من عمر على الاحتياط،
والمبالغة في الورع، ليتحقق طيب نفس عائشة بما أذنت فيه، أولاً ليضاجع أكمل الخلق، بَلّ، على
أكمل الوجوهاهـ.
وهذا كله بناء على القول بأن عائشة كانت تملك أصل رقبة البيت، والواقع بخلافه، لأنها إنما
كانت تملك المنفعة بالسكنى والإسكان فيه، ولا يورث عنها. وحكم أزواجه عليه الصلاة والسلام
كالمعتدات، لأنهن لا يتزوجن بعده، عليه الصلاة والسلام.
ودخل الرجال على عمر، رضي الله عنه فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف. فقال: (إني
لا أعلم أحدًا أحق بهذا الأمر) أمر الخلافة (من هؤلاء النفر، الذين توفي رسول الله وَّر وهو عنهم
راض) جملة حالية (فمن استخلفوا) أي: من استخلفه هؤلاء النفر (بعدي فهو الخليفة) المستحق لها
(فاسمعوا له وأطيعوا، فسمى) ستة من النفر الذين توفي رسول الله وَ ل وهو عنهم راض: (عثمان،
وعليًا، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص). ولم يذكر: أبا عبيدة لأنه
كان قد مات، ولا سعيد بن زيد، لأنه كان غائبًا. وقال في فتح الباري: لأنه كان ابن عم عمر،
فلم يذكره مبالغة في التبري من الأمر. نعم، في رواية المدائني: أن عمر عده فيمن توفي النبي وَلـ
وهو عنهم راض إلا أنه استثناه من أهل الشورى لقرابته منه.
(وولج عليه) أي: دخل على عمر (شاب من الأنصار) روى ابن سعد، من رواية سماك
الحنفي، أن ابن عباس أثنى على عمر، وأنه قال: نحوًا مما يأتي، من مقالة الشاب، فلولا قوله هنا:
إنه من الأنصار لساغ أن يفسر المبهم بابن عباس. لكن، لا مانع من تعدد المثنين عليه، مع اتحاد
جواب عمر لهم: (فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله، كان لك من القدم في الإسلام ما قد
علمت) بفتح القاف من ((القَدم)) أي: سابقة خير، ومنزلة رفيعة.
وسميت قدمًا لأن السبق بها، كما سميت النعمة يدًا، لأنها تعطى باليد، وللحموي
والمستملي، كما في الفرع، من القدم، بكسر القاف بمعنى: المفتوح. قال في القاموس: القدم:
محركة، السابقة في الأمر، كالقدمة بالضم وكعنب. وقال الحافظ ابن حجر: بالفتح بمعنى: الفضل،
وبالكسر، بمعنى: السبق . اهـ.
وقال البرماوي والعيني كالكرماني، ولو صح روايته بالكسر لكان المعنى صحيحًا أيضًا . اهـ.
فقد صحت الرواية عن الحموي والمستملي، كما ترى وهو مفهوم قول الحافظ ابن حجر السابق.

٥٠٢
كتاب الجنائز/ باب ٩٧
(ثم استخلفت) بضم التاء الأولى، وكسر اللام مبنيًا للمفعول (فعدلت) في الرعية (ثم)
حصلت لك (الشهادة بعد هذا كله) أي: بقتل فيروز أبي لؤلؤة غلام المغيرة له، بسبب أنه سأل عمر
أن یکلم مولاه أن يضع عنه من خراجه، فقال له عمر رضي الله عنه: کم خراجك، قال: دینار،
فقال: ما أرى أن أفعل، إنك عامل محسن، وما هذا بكثير فغضب، فلما خرج عمر، رضي الله
عنه، لصلاة الصبح، طعنه بسكين مسمومة، ذات طرفين، فمات منها شهيدًا. وإن لم يكن في
معركة الكفار، لأنه قتل ظلمًا. وقد ورد: من قتل دون دينه فهو شهيد.
(فقال) عمر للشاب: (ليتني يا ابن أخي، وذلك) إشارة إلى الخلافة (كفافًا) بالنصب، خبر
كان مقدرة. ولأبي ذر: كفاف بالرفع، خبر ذلك (لا) عقاب (علّ ولا) ثواب (لي) فيه. والجملة:
خبر ليتني، وجملة: ذلك كفاف، اعتراض بين ليت وخبرها (أوصي) أنا (الخليفة) بضم الهمزة من:
أوصي (من بعدي بالمهاجرين الأولين) الذين هاجروا قبل بيعة الرضوان، أو: الذين صلوا إلى
القبلتين، أو: الذين شهدوا بدرًا (خيرًا أن يعرف لهم حقهم، وأن يحفظ لهم حرمتهم) بفتح الهمزة
في الموضعين، تفسير لقوله: خيرًا، أو: بيان له (وأوصيه) أنا أيضًا (بالأنصار خيرًا، الذين تبوأوا
الدار والإيمان) صفة للأنصار، ولا يضر فصله بخيرًا لأنه ليس أجنبيًا من الكلام أي: جعلوا الإيمان
مستقرًا لهم، كما جعلوا المدينة كذلك أي: لزموا المدينة والإيمان، وتمكنوا فيهما. أو: عامله
محذوف أي: وأخلصوا الإيمان (أن يقبل من محسنهم) بفتح الهمزة وضم الياء مبنيًا للمفعول، بيان
لقوله خيرًا (ويُعفى) مبنيًا للمفعول (عن مسيئهم) ما دون الحدود، وحقوق العباد (وأوصيه) أيضًا
(بذمة الله) أي: بعهد الله (وذمة رسوله، وَ﴿)، والمراد: أهل الكتاب (أن يوفي لهم بعهدهم) بضم
أول: يوفي، وفتح ثالثه مشددًا ومخففًا (وأن يقاتل من ورائهم) بضم أول يقاتل وفتح التاء ومن بكسر
الميم أي: من خلفهم، وقد يجيء بمعنى: قدام (وأن لا يكلفوا) بضم أوله وفتح اللام المشددة (فوق
طاقتهم) فلا يزاد عليهم على مقدار الجزية.
وبقية مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى، في مناقب عثمان، رضي الله عنه، حيث ذكره
المؤلف هناك تامًا .
٩٧ - باب ما يُنهى من سَبِّ الأموات
(باب ما ينهى من سب الأموات) المسلمين.
١٣٩٣ - حدثنا آدَمُ حدَّثَنا شعبةُ عنِ الأعمشِ عن مُجاهِدٍ عن عائشةَ رضيَ اللَّه عنها قالت:
قال النبيُّ ◌َِّ ((لا تَسُبُوا الأمواتَ، فَإِنَّهُمْ قد أفضَوا إلى ما قَدَّموا)). ورواه عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ القُدُوسِ
عَنِ الأَعْمَشِ ومحمدُ بنُ أنسٍ عنِ الأعمشِ. تابعَهُ عليُّ بنُ الجَعْدِ وابنُ عَرْعَرَة وابنُ أبي عَدِيّ عن
شعبةً. [الحديث ١٣٩٣ - طرفه في: ٦٥١٦].

٥٠٣
كتاب الجنائز/ باب ٩٨
وبالسند قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس، قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الأعمش)
سليمان بن مهران (عن مجاهد) هو: ابن جبر المفسر (عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال
النبي ◌َِّر):
(لا تسبوا الأموات) أي: المسلمين (فإنهم قد أفضوا) بفتح الهمزة والضاد، أي: وصلوا (إلى ما
قدموا) من خير أو شر فيجازى كل بعمله. نعم يجوز ذكر مساوىء، الكفار والفساق للتحذير
منهم، والتنفير عنهم، وقد أجمعوا على جواز جرح المجروحين من الرواة أحياء وأمواتًا.
(ورواه) أي: الحديث المذكور (عبد الله بن عبد القدوس) السعدي الرازي (عن الأعمش،
ومحمدبن أنس عن الأعمش) أيضًا متابعين لشعبة، وليس لابن عبدالقدوس في البخاري غير هذا
الموضع.
(تابعه) أي: تابع آدم بن أبي إياس، مما وصله المؤلف في الرقاق (علي بن الجعد) بفتح الجيم،
وسكون العين المهملة. (و) كذا تابعه (ابن عرعرة) بعينين مهملتين مفتوحتين بينهما راء ساكنة وبعد
الثانية راء أخرى، واسمه: محمد (و) كذا (ابن أبي عدي) مما ذكره الإسماعيلي (عن شعبة).
٩٨ - باب ذِكرِ شِرارِ الموتى
(باب ذكر شرار الموتى) ذكره السابق إشارة إلى أن السب المنهي عنه سب غير الأشرار.
١٣٩٤ - حدثنا عمرُبنُ حفصٍ حدَّثَنا أبي حدَّثَنا الأعمشُ حدَّثني عمرُوبنُ مُرَّةً عن سعيدِبنِ
جُبِيرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: قال أبو لَهبِ عليهِ لعنةُ اللَّهِ للنبِيِّ ◌َ: تَبَّا لكَ سائرَ
اليوم، فنزلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا أبي لهبٍ وتَبَّ﴾. [الحديث ١٣٩٤ - أطرافه في: ٣٥٢٥، ٣٥٢٦،
٤٧٧٠، ٤٨٠١، ٤٩٧١، ٤٩٧٢، ٤٩٧٣].
وبالسند قال: (حدّثنا عمربن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث بن طلق النخعي
الكوفي، قال (حدثنا الأعمش) سليمان، قال (حدّثني) بالإفراد (عمروبن مرة) بضم الميم وتشديد
الراء، بفتح العين (عن سعيدبن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال أبو
لهب) عبد العزى بن عبد المطلب، (عليه لعنة الله) ولأبي ذر: لعنه الله (للنبي وّ) لما نزل قوله تعالى:
﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤] الآية، ورقي عليه الصلاة والسلام الصفا، وقال: يا
صباحاه، فاجتمعوا فقال: يا بني عبد المطلب إن أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلاً أكنتم مصدقي؟
قالوا: نعم! ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: فإني ﴿نذيركم بين يدي عذاب شديد﴾ [سبأ: ٤٦]
فقال أبو لهب (تبًّا لك) أي: هلاكًا، ونصب على أنه مفعول مطلق حذف عامله وجوبًا (سائر اليوم)
نصب على الظرفية أي: باقي اليوم ألهذا جمعتنا (فنزلت ﴿تبت يدا أبي لهب)) [المسد: ١] أي

٥٠٤
كتاب الجنائز/ باب ٩٨
خسر، وعبر: باليدين عن النفس كقوله: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥] أو إنما
خصهما لأنه لما جمعهم النبي وَلّ بعد نزول ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [البقرة: ١٩٥] أخذ أبو لهب
حجرًا يرميه به .
ومطابقة الحديث للترجمة في كون ابن عباس ذكر أبا لهب باللعن، وهو من شرار الموتى.
وهذا الحديث، كما لا يخفى، من مراسيل الصحابة، كما جزم به الإسماعيلي، لأن الآية
الكريمة نزلت بمكة، وكان ابن عباس إذ ذاك صغيرًا، أو: لم يولد، وكذا رواية أبي هريرة له،
الآتية، لأنه إنما أسلم بالمدينة .
وفي الحديث: التحديث والعنعنة، وساقه هنا مختصرًا، ويأتي إن شاء الله تعالى مطوّلاً في:
التفسير في الشعراء، وأخرجه مسلم في: الإيمان، والترمذي في: التفسير، وكذا النسائي. والله
أعلم وهذا آخر الجزء الثاني، من شرح العلامة القسطلاني، على صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن
إسماعيل بن إبراهيم البخاري، تغمدهما الله برحمته، وأسكنهما بحبوحة جنته، إنه على ما يشاء قدير،
وبعباده لطيف خبير، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

بسم الله الرحمن الرحيم
٢٤ - كتاب الزكاة
قال الحافظ ابن حجر البسملة ثابتة في الأصل.
١ - باب وجوب الزكاة
وقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وأقيموا الصلاةَ وآتوا الزكاة﴾ [البقرة ٤٣، ٨٣، ١٠٠].
وقال ابنُ عبَّاس رضي اللهُ عنهُما: حدَّثَني أبو سُفيان رضيَ اللَّهُ عنه فذكر حديثَ النبيِّ وَل
فقال: ((يأمُرُنا بالصَّلاة والزَّكاةِ والصِّلَةِ والعَفافِ».
(باب وجوب الزكاة) لفظ باب ثابت لأكثر الرواة ولبعضهم كتاب وفي نسخة: كتاب الزكاة
باب وجوب الزكاة، وسقط ذلك لأبي ذر فلم يذكر لفظ باب ولا كتاب.
والزكاة في اللغة هي التطهير والإصلاح والنماء والمدح ومنه: ﴿فلا تزكوا أنفسكم﴾
[النجم: ٣٢]. وفي الشرع: اسم لما يخرج عن مال أو بدن على وجه مخصوص سمي بها ذلك لأنها
تطهر المال من الخبث وتقيه من الآفات والنفس من رذيلة البخل وتثمر لها فضيلة الكرم ويستجلب
بها البركة في المال ومدح المخرج عنه.
وهي أحد أركان الإسلام يكفر جاحدها ويقاتل الممتنعون من أدائها وتؤخذ منهم وإن لم يقاتلوا
قهرًا كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه. (وقول الله تعالى): بالجر عطفًا على سابقه وبالرفع
مبتدأ حذف خبره أي دليل على ما قلناه من الوجوب. ((وأقيموا الصلاة)) الخمس بمواقيتها
وحدودها (﴿وآتوا الزكاة﴾) أدوا زكاة أموالكم المفروضة. (وقال ابن عباس رضي الله عنهما) مما سبق
موصولاً في قصة هرقل: (حدّثني) بالإفراد (أبو سفيان) صخربن حرب (رضي الله عنه فذكر حديث
النبي ◌َّر، فقال: يأمرنا بالصلاة) التي هي أم العبادات البدنية (والزكاة) التي هي أم العبادات المالية

٥٠٦
كتاب الزكاة/ باب ١
(والصلة) للأرحام وكل ما أمر الله به أن يوصل بالبر والإكرام والمراعاة ولو بالسلام (والعفاف)
الكف عن المحارم وخوارم المروءة.
١٣٩٥ - حدثنا أبو عاصم الضَّحاكُ بنُ مَخْلَدٍ عن زكريًّا بنِ إسحقَ عن يحيى بنِ عبدِ اللهِ بنِ
ضَِفِيّ عن أبي مَعْبَدٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللَّه عنهما ((أنَّ النبيََّّهَ بَعثَ مُعاذًا رضيَ اللَّهُ عنهُ إلى
اليّمنِ فقال: ادْعُهم إلى شهادةِ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ وأني رسولُ اللَّهِ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعِلْمهم
أنَّ اللَّهَ افترَضَ عليهم خَمس صلواتٍ في كلٌ يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنَّ اللَّهَ
افترضَ عليهم صدقةً في أموالِهِمْ تُؤْخَذُ من أغنيائهم وتُرَدُّ على فُقَرائهم)). [الحديث ١٣٩٥ - أطرافه
في: ١٤٥٨، ١٤٩٦، ٢٤٤٨، ٤٣٤٧، ٧٣٧١، ٧٣٧٢].
وبالسند قال: (حدّثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام
النبيل البصري (عن زكريابن إسحق) المكي رمي بالقدر، لكن وثقه ابن معين وأحمد وأبو زرعة وأبو
حاتم والنسائي وأبو داود وابن البرقي وابن سعد، وله في البخاري عن عبد الله بن صيفي هذا
الحديث فقط، وأحاديث يسيرة عن عمروبن دينار (عن يحيى بن عبدالله بن صيفي) نسبة إلى الصيف
(عن أبي معبد) نافد بالنون والفاء والدال المهملة أو المعجمة مولى ابن عباس (عن ابن عباس رضي الله
عنهما أن النبي ◌َّ، بعث معاذًا إلى اليمن) سنة عشر قبل حجة الوداع كما عند المؤلف في أواخر
المغازي، وقيل: في أواخر سنة تسع عند منصرفه من غزوة تبوك. رواه الواقدي وابن سعد في
الطبقات (فقال):
(ادعهم) أولاً (إلى) شيئين (شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا) أي:
انقادوا (لذلك) أي الإتيان بالشهادتين (فأعلمهم) بفتح الهمزة من الإعلام (أن الله) بفتح الهمزة لأنها
في محل نصب مفعول ثان للإعلام والضمير مفعول أول (افترض) ولابن عساكر: قد افترض (عليهم
خمس صلوات في كل يوم وليلة) فخرج الوتر (فإن هم أطاعوا لذلك) بأن أقرّوا بوجوبها أو بادروا
إلى فعلها (فأعلمهم أن الله افترض) ولأبي ذر: افترض (عليهم صدقة) أي زكاة (في أموالهم تؤخذ)
بضم أوله مبنيًّا للمفعول (من) مال (أغنيائهم) المكلفين وغيرهم. (وترد على فقرائهم) بالواو في وترد
مع ضم التاء مبنيًا للمفعول، وفي نسخة : وبدأ بالأهم فالأهم وذلك من التلطف في الخطاب
لأنه لو طالبهم بالجميع في أول الأمر لنفرت نفوسهم من كثرتها واقتصر على الفقراء من غير ذكر بقية
الأصناف لمقابلة الأغنياء لأن الفقراء هم الأغلب، والإضافة في قوله فقرائهم تفيد منع صرف الزكاة
للكافر وفيه نقل الزكاة عن بلد المال لأن الضمير في قوله فقرائهم يعود على أهل اليمن، وعورض
بأن الضمير إنما يرجع إلى فقراء المسلمين وهم أعم من أن يكونوا فقراء أهل تلك البلد أو غيرهم.
وأجيب: بأن المراد فقراء أهل اليمن بقرينة السياق، فلو نقلها عند وجوبها إلى بلد آخر مع وجود
الأصناف أو بعضهم لا يسقط الفرض.

٥٠٧
کتاب الزكاة/ باب ١
وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلف أيضًا في التوحيد والمظالم والمغازي،
ومسلم في الإيمان، وأبو داود في الزكاة وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجة.
١٣٩٦ - حدثنا حَفصُ بنُ عمر حدَّثَنَا شُعبةُ عنِ ابنِ عثمانَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مَوهِبٍ عن موسى بنِ
طَلحةَ عن أبي أيوبَ رضيَ اللَّهُ عنهُ ((أنَّ رَجُلاً قال للنبيِّ وَّهِ: أخبرني بعملٍ يُدخَلُنِي الجَنَّةَ. قال:
مالَهُ مَالَهُ. وقال النبيُّ ◌ََّ: أَرَبِّ مالَهُ، تَعْبُدُ اللَّهَ ولا تُشرِكُ به شيئًا، وتُقيمُ الصلاةَ وتُؤْتي الزكاةَ
وتَصِلُ الرَّحِمَ)) وقال بهزٌ: حدَّثَنَا شُعبةُ قَالَ حدَّثَنَا محمدُ بنُ عثمانَ وأبوهُ عثمانُ بنُ عبدِ اللَّهِ أنَّهما سمعا
موسى بنَ طلحةً عن أبي أيُّوبَ بهذا. قال أبو عبدِ اللَّهِ: أخشى أن يكونَ محمدٌ غيرَ محفوظٍ، إنَّما هوَ
عمرٌو. [الحديث ١٣٩٦ - طرفاه في: ٥٩٨٢، ٥٩٨٣].
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) الحوضي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن ابن عثمان)
ولأبوي الوقت وذر: عن محمدبن عثمان (بن عبدالله بن موهب) بفتح الميم والهاء بينهما واو ساكنة
آخره موحدة (عن موسى بن طلحة) بن عبيد الله القرشي (عن أبي أيوب) خالدبن زيد الأنصاري
(رضي الله عنه أن رجلاً) قيل هو أبو أيوب الراوي ولا مانع أن يبهم نفسه لغرض له، وأما تسميته
في حديث أبي هريرة الآتي قريبًا إن شاء الله تعالى بأعرابي فيحمل على التعدد أو هو ابن المنتفق كما
رواه البغوي وابن السكن والطبراني في الكبير وأبو مسلم الكجي. وزعم الصريفيني أن ابن المنتفق
هذا اسمه لقيط بن صبرة وافد بني المنتفق (قال للنبي ◌َلجر: أخبرني بعمل يدخلني الجنة) برفع الفعل
المضارع والجملة المصدرية به في محل جر صفة لعمل، واستشكل الجزم على جواب الأمر لأنه يصير
قوله بعمل غير موصوف والنكرة غير الموصوفة لا تفيد. كذا قاله المظهري في شرح المصابيح.
وأجيب: بأن التنكير في عمل للتفخيم أو النوع أي: بعمل عظيم أو معتبر في الشرع، أو
يقال جزاء الشرط محذوف تقديره أخبرني بعمل إن عملته يدخلني الجنة فالجملة الشرطية بأسرها صفة
لعمل.
(قال) القوم: (ماله ماله) وهو استفهام والتكرار للتأكيد (وقال النبي ◌َلّ: (أرب ماله) بفتح
الهمزة والراء وتنوين الموحدة مع الضم أي حاجة جاءت وهو خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره
محذوف أي له ارب، وما: زائدة للتقليل أي له حاجة يسيرة قاله الزركشي وغيره، وتعقبه في
المصابيح فقال: ليس مبتدأ محذوف الخبر بل مبتدأ مذكور الخبر وساغ الابتداء به، وإن كان نكرة لأنه
موصوف بصفة يرشد إليها ما الزائدة والخبر هو قوله له: وأما قوله أي له حاجة يسيرة وما للتقليل
فليس كذلك بل ما الزائدة منبهة على وصف لائق بالمحل، واللائق هنا أن يقدر عظيم لأنه سأل عن
عمل يدخله الجنة ولا أعظم من هذا الأمر على أنه یمکن أن یکون له وجه.
وروي أرب بكسر الراء وفتح الموحدة بلفظ الماضي كعلم أي: احتاج فسأل لحاجته أو تفطن لما
سأل عنه وعقل. يقال: ارب إذا عقل فهو أريب، وقيل: تعجب من حرصه وحسن فطنته ومعناه لله

٥٠٨
کتاب الزكاة/ باب ١
دره، وقيل: هو دعاء عليه أي سقطت آرابه وهي أعضاؤه كما قالوا تربت يمينه وليس على معنى
الدعاء بل على عادة العرب في استعمال هذه الألفاظ. وروي ارب بكسر الراء مع التنوين مثل حذر
أي حاذق فطن يسأل عما يعنيه أي هو ارب فحذف المبتدأ ثم قال: ما له أي ما شأنه. قال في
الفتح: ولم أقف على صحة هذه الرواية. وروي أرب بفتح الجميع رواه أبو ذر. قال القاضي
عیاض: ولا وجه له انتھی.
وقد وقعت في الأدب من طريق الكشميهني، كما قاله الحافظ ابن حجر: (تعبد الله ولا
تشرك به شيئًا) ولابن عساكر: تعبد الله لا تشرك به شيئًا بإسقاط الواو (وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة
وتصل الرحم) تحسن لقرابتك، وخص هذه الخصلة نظرًا إلى حال السائل كأنه كان قطاعًا للرحم
فأمره به لأنه المهم بالنسبة إليه وعطف الصلاة وما بعدها على سابقها من عطف الخاص على العام إذا
العبادة تشمل ما بعدها، ودلالة هذا الحديث على الوجوب فيها غموض.
وأجيب: بأن سؤاله عن العمل الذي يدخل الجنة يقتضي أن لا يجاب بالنوافل قبل الفرائض
فيحمل على الزكاة الواجبة، وبأن الزكاة قرينة الصلاة المذكورة مقارنة للتوحيد، وبأنه وقف دخول
الجنة على أعمال من جملتها أداء الزكاة فيلزم أن من لم يعملها لم يدخل الجنة ومن لم يدخل الجنة دخل
النار وذلك يقتضي الوجوب.
(وقال بهز): بفتح الموحدة وسكون الهاء آخره زاي ابن أسد العمي البصري (حدَّثنا شعبة) بن
الحجاج (قال: حدثنا محمدبن عثمان وأبوه عثمان بن عبدالله) فبين شعبة أن ابن عثمان اسمه محمد
(أنهما سمعا موسى بن طلحة عن أبي أيوب) ولأبي ذر: عن النبي وَلَّ (بهذا) الحديث السابق. (قال
أبو عبدالله): البخاري (أخشى أن يكون محمد غير محفوظ إنما هو عمرو) أي ابن عثمان والحديث
محفوظ عنه ووهم شعبة وقد حدث به عن يحيى بن سعد القطان وإسحق الأزرق وأبو أسامة وأبو
نعيم كلهم عن عمروبن عثمان. كما قاله الدارقطني وغيره.
وهذا الحديث رواته ما بين كوفي وواسطي ومدني، وأخرجه أيضًا في الأدب، ومسلم في
الإيمان، والنسائي في الصلاة والعلم.
١٣٩٧ - حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الرَّحِيمِ قَالَ حدَّثَنَا عمَّانُ بنُ مُسلمٍ قَالَ حدَّثَنَا وُهَيبٌ عن يحيى
ابنِ سعيدِ بنِ حيَّانَ عن أبي زُرعةَ عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنهُ ((أنَّ أعرابيًّا أتى النبيِّ وَّه فقال: دُلَّني
على عَملِ إذا عملتُهُ دخلتُ الجنةَ. قال: تَعْبُدُ اللَّهَ لا تُشرِكُ بهِ شيئًا، وتُقيمُ الصلاةَ المكتوبةَ،
وتُؤدِّي الزكاةَ المفروضةَ، وتصومُ رمضانَ. قال: والذي نفسي بيدهِ لا أزيدُ على هذا. فلمَّا وَلَّى
قال النبيُّ ◌َّهِ: مَن سرَّهُ أن يَنظُرَ إلى رجُلٍ مِن أهلِ الجنةِ فلينظُرْ إلى هذا)).
حدثنا مسدَّدٌ عن يحيى عن أبي حيَّانَ قال: أخبرني أبو زُرعةَ عنِ النبيِّ ◌َّ بهذا.

٥٠٩
كتاب الزكاة/ باب ١
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمدبن عبدالرحيم) أبو يحيى البغدادي عرف بصاعقة البزاز
بمعجمتين (قال: حدَّثنا عفان بن مسلم) بتشديد الفاء الصفار الأنصاري البصري (قال: حدّثنا وهيب)
بضم الواو مصغرًا ابن خالدبن عجلان صاحب الكرابيسي (عن يحيى بن سعيدبن حيان) بفتح الحاء
المهملة وتشديد المثناة التحتية التيمي تيم الرباب (عن أبي زرعة) هرم بفتح الهاء وكسر الراء ابن
عمروبن جرير البجلي الكوفي (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيًا) بفتح الهمزة من سكن البادية
وهل هو السائل في حديث أبي أيوب السابق أو غيره سبق ما فيه ثم (أتى النبي ◌َّر فقال):
(دلني) بضم الدال وتشديد اللام المفتوحة (على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال) عليه
الصلاة والسلام: (تعبد الله) وحده (لا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة)
غاير بين القيدين كراهة تكرير اللفظ الواحد أو احترز عن صدقة التطوّع لأنها زكاة لغوية أو عن
المعجلة قبل الحول فإنها زكاة لكنها ليست مفروضة (وتصوم رمضان) ولم يذكر الحج اختصارًا أو
نسيانًا من الراوي. (قال) الأعرابي: (والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا) المفروض أو لا أزيد على
ما سمعت منك في تأديته لقومي فإنه كان وافدهم. وزاد مسلم شيئًا أبدًا ولا أنقص منه، (فلما ولى)
أي: أدبر (قال النبي ◌َّجر : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا) الأعرابي أي:
ان داوم على فعل ما أمرته به لقوله في حديث أبي أيوب عند مسلم: ((إن تمسك بما أمر به دخل
الجنة)).
وفيه أن المبشر بالجنة أكثر من العشرة كما ورد النص في الحسن والحسين وأمهما وأمهات
المؤمنين، فتحمل بشارة العشرة أنهم بشروا دفعة واحدة أو بلفظ بشره بالجنة أو أن العدد لا ينفي
الزائد، ولا يقال إن مفهوم الحديث كغيره مما يشبهه يدل على ترك التطوعات أصلاً لأنا نقول: لعل
أصحاب هذه القصص كانوا حديثي عهد بالإسلام فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم في تلك
الحالة لئلا يثقل عليهم ذلك فيملوا فإذا انشرحت صدورهم للفهم عنه والحرص على ثواب المندوبات
سهلت عليهم، ولا يخفى أن من داوم على ترك السنن كان نقصًا في دينه فإن تركها تهاونا بها ورغبة
عنها كان ذلك فسقًا لورود الوعيد عليه. قال ◌َله: ((من رغب عن سنتي فليس مني)) قاله القرطبي.
وبه قال: (حدّثنا مسدد عن يحيى) القطان (عن أبي حيان) هو يحيى بن سعيد بن حيان المذكور
في الإسناد السابق ذكره أولاً باسمه وهنا بكنيته (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو زرعة) هرم (عن
النبي ◌َّير بهذا) الحديث السابق عن وهيب، لكن يحيى القطان رواه عن أبي حيان مرسلاً، كما ترى
لأن أبا زرعة تابعي ولم يذكر أبا هريرة فخالف وهيبًا. وفي إخراج المؤلف له عقب حديث وهيب
إشعار بأن العلة غير قادحة لأن وهيبًا حافظ فقدم روايته لأن معه زيادة فيما رواه حكاه أبو علي
الجياني، وفيه إبطال للتردد الواقع في رواية الأصيلي عن أبي أحمد الجرجاني هنا حيث قال: فيما حكاه
أبو علي الجياني عن يحيى بن سعيدبن حيان أو عن يحيى بن سعيد عن أبي حيان وهو خطأ إنما هو

٥١٠
كتاب الزكاة/ باب ١
يحيى بن سعيدبن حيان كما لغيره من الرواة، لأن هذه الرواية أفادت تصريح أبي حيان بسماعه له
من أبي زرعة فزال التردد.
١٣٩٨ - حدثنا حَجَّاجٌ حدَّثَنَا حَمّادُبنُ زيدٍ حدَّثَنا أبو جَمْرة قال: سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ رضيَ
اللَّهُ عنهما يقول: ((قَدِمَ وَفدُ عبدِ القَيسِ على النبيِّ ◌َّ﴿ فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ هذا الحيَّ مِن ربيعةَ
قد حالتْ بيننا وبينَكَ كفَّارُ مُضَرَ، ولسنا نَخلُصُ إليكَ إلاّ في الشهرِ الحرامِ، فمرنا بشيءٍ نأخذُهُ
عنكَ ونَذْعو إليهِ مَن وراءَنا. قال: آمُرُكم بأربعٍ، وأنهاكم عن أربعٍ. الإيمانِ باللَّهِ وشَهادَةِ أنْ لا إلهَ
إلاَّ اللَّهُ - وعقدَ بيدِهِ هكذا- وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاةٍ، وأن تُؤدُّوا خُمُسَ ما غنِمْتم. وأنهاكم عن
الدبَّاءِ، والحَنْتَمِ والنَّقِيرِ والمُزَفَّتِ)).
وقال سليمانُ وأبو النعمانِ عن حمَّاد «الإيمانِ باللَّهِ شهادة أن لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ».
وبه قال: (حدّثنا حجاج) هو ابن منهال السلمي الأنماطي قال: (حدّثنا حمادبن زيد) قال:
(حذّثنا أبو جمرة) بالجيم وسكون الميم وفتح الراء نصربن عمران الضبعي (قال: سمعت ابن عباس
رضي الله عنهما يقول: قدم وفد عبدالقيس) هو أبو قبيلة وكانوا أربعة عشر رجلاً ويروى أربعون
وجمع بأن لهم وفادتين أو الأربعة عشر أشرافهم (على النبي ◌َّلاغير، فقالوا: يا رسول الله إن هذا الحي)
نصب بأن وهو اسم لمنزل القبيلة ثم سميت القبيلة به لأن بعضهم يحيا ببعض، ولأبي ذر: إنا هذا
الحي بألف بعد النون المشددة ونصب الحي على الاختصاص أي أعني هذا الحي، وعلى هذا الوجه
يكون خبر إن قوله (من ربيعة) بن نزاربن معدبن عدنان وعلى الأولى خبر إن قوله (قد حالت بيننا
وبينك كفار مصر) غير منصرف وهو ابن نزاربن معدبن عدنان أيضًا (ولسنا نخلص) نصل (إليك
إلا في الشهر الحرام) جنس يشمل الأربعة الحرم وسميت بذلك لحرمة القتال فيها: (فمرنا بشيء
نأخذه عنك وندعو إليه من وراءنا) من قومنا أو من البلاد النائية أو الأزمنة المستقبلة (قال) عليه
الصلاة والسلام:
(آمركم) بمد الهمزة (بأربع، وأنهاكم عن أربع الإيمان بالله) بالجر (وشهادة أن لا إله إلا الله
-وعقد بيده هكذا-) كما يعقد الذي يعدّ واحدة والواو في قوله: وشهادة للعطف التفسيري لقوله
الإيمان. وقال ابن بطال: هي مقحمة كهي في فلان حسن وجميل أي حسن جميل (وإقام الصلاة
وإيتاء الزكاة) بخفض أقام وإيتاء في اليونينية وهذا موضع الترجمة (وأن تؤذوا خُمس ما غنمتم) وذكر
لهم هذه لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر وكانوا أهل جهاد وغنائم ولم يذكر في هذه الرواية صيام
رمضان كما ذكره في باب أداء الخمس من الإيمان أما لغفلة الراوي أو اختصاره وليس ذلك من
النبي ◌َّر، ولم يذكر الحج فيهما لشهرته عندهم أو لكونه على التراخي أو غير ذلك مما سبق في باب
أداء الخمس من الإيمان. (وأنهاكم عن) الانتباذ في الآنية المتخذة من (الدباء) بضم الدال وتشديد
الموحدة القرع اليابس (و) عن الانتباذ في (الحنتم) بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح المثناة الفوقية

٥١١
كتاب الزكاة/ باب ١
الجرار الخضر (و) في (النقير) بفتح النون وكسر القاف جذع ينقر وسطه فيوعى فيه (و) في (المزفت)
المطلي بالزفت لأنها تسرع الإسكار فربما شرب منها من لا يشعر بذلك، وهذا منسوخ بما في
مسلم: ((كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرًا)).
(وقال سليمان) بن حرب مما وصله المؤلف في المغازي (وأبو النعمان) محمد بن الفضل
السدوسي مما وصله أيضًا في الخمس (عن حماد) وهو ابن زيد (الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله)
بدون واو وهو أصوب والإيمان بالجر بدل من قوله في السابق بأربع، وقوله شهادة بالجر على البدلية
أيضًا وبالرفع فيهما لأبي ذر مبتدأ وخبر.
١٣٩٩ - حدثنا أبو اليَمانِ الحَكُمُ بنُ نافعٍ قَالَ أخبرَنا شُعيبُ بنُ أبي حمزةَ عن الزُّهرِيِّ قَالَ
عُبِيدُ اللَّهِبنُ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ بنِ مَسعودٍ أنَّ أبا هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((لمَّا تُوُفِّيَ رسولُ اللَّهِ،
وكان أبو بكرٍ رضيَ اللَّهُ عنه، وكفَرَ مَن كَفَرَ منَ العَرَب، فقال عمرُ رضيَ اللَّهُ عنهُ: كيفَ تُقاتِلُ
الناسَ وقد قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: أُمِرتُ أن أُقاتِلَ الناسَ حتَّى يقولوا لا إله إلاّ اللَّهُ، فمن قالها فقد
عَصَمَ مني مالَهُ ونَفْسَهُ إلاَّ بحقِهِ، وحِسابهُ على اللَّه)). [الحديث ١٣٩٩ - أطرافه في: ١٤٥٧،
٧٢٨٤،٦٩٢٤].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان الحكم بن نافع) البهراني الحمصي (قال: أخبرنا شعيب بن أبي حمزة)
بالحاء المهملة والزاي الأموي مولاهم الحمصي واسم أبيه دينار (عن) ابن شهاب (الزهري قال:
حدَّثنا عبيدالله) بالتصغير (ابن عبدالله بن عتبة بن مسعود) المدني (أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: لما
توفي رسول الله ◌َ له وكان أبو بكر رضي الله عنه) خليفة بعده (وكفر من كفر من العرب) بعض بعبادة
الأوثان، وبعض بالرجوع إلى اتباع مسيلمة وهم أهل اليمامة وغيرهم، واستمر بعض على الإيمان
إلا أنه منع الزكاة وتأول أنها خاصة بالزمن النبوي لأنه تعالى قال: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم
وتزكيهم بها وصل عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣]. الآية. فغيره عليه الصلاة والسلام لا يطهرهم ولا يصلي
عليهم فتكون صلاته سكنًا لهم. (فقال عمر) بن الخطاب رضي الله عنه لأبي بكر رضي الله عنه (كيف
تقاتل الناس)؟ وفي حديث أنس: أتريد أن تقاتل العرب (وقد قال: رسول الله (صل}):
(أمرت) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول أي أمرني الله (أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)
وكأن عمر رضي الله عنه لم يستحضر من هذا الحديث إلا هذا القدر الذي ذكره، وإلاَّ فقد وقع في
حديث ولده عبدالله زيادة وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. وفي رواية العلاء بن
عبد الرحمن: حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بما جئت به وهذا يعم الشريعة كلها. ومقتضاه
أن من جحد شيئًا مما جاء به وَ ل﴿ ودعي إليه فامتنع ونصب القتال تجب مقاتلته وقتله إذا أصرّ (فمن
قالها) أي كلمة التوحيد مع لوازمها (فقد عصم مني ماله ونفسه) فلا يجوز هدر دمه واستباحة ماله

٥١٢
كتاب الزكاة/ باب ١
بسبب من الأسباب (إلا بحقه) أي بحق الإسلام من قتل النفس المحرمة أو ترك الصلاة أو منع الزكاة
بتأويل باطل (وحسابه على الله) فيما يسره فيثيب المؤمن ويعاقب المنافق، فاحتج عمر رضي الله عنه
بظاهر ما استحضره مما رواه من قبل أن ينظر إلى قوله ((إلاَّ بحقه)) ويتأمل شرائطه.
١٤٠٠ - «فقال: واللَّهِ لأُقاتلنَّ من فرَّقَ بينَ الصلاةِ والزكاةِ، فإنَّ الزكاةَ حقُّ المالِ.
واللَّهِ لو مَنعوني عَناقًا كانوا يُؤْدُّونَها إلى رسولِ اللَّهِ ◌ّهِ لقاتلتُهم على مَنعِها. قال عمرُ رضيَ اللَّهُ
عنه: فوَاللَّهِ ما هوَ إلاّ أنْ قد شرَحَ اللَّهُ صدرَ أبي بكرٍ رضيَ اللَّهُ عنه فعرَفتُ أنه الحقُّ)). [الحديث
١٤٠٠ - أطرافه في: ١٤٥٦، ٦٩٢٥، ٧٢٨٥].
(فقال) له أبو بكر رضي الله عنه: (والله لأقاتلن من فرق) بتشديد الراء وقد تخفف (بين الصلاة
والزكاة) أي: قال أحدهما واجب دون الآخر أو منع من إعطاء الزكاة متأولاً كما مر (فإن الزكاة حق
المال) كما أن الصلاة حق البدن. أي: فدخلت في قوله إلاَّ بحقه فقد تضمنت عصمة دم ومال
معلقة باستيفاء شرائطها والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم، فكما لا تتناول
العصمة من لم يؤدّ حق الصلاة كذلك لا تتناول العصمة من لم يؤد حق الزكاة، وإذا لم تتناولهم
العصمة بقوا في عموم قوله: ((أمرت أن أقاتل الناس)) فوجب قتالهم حينئذ، وهذا من لطيف النظر
أن يقلب المعترض على المستدل دليله فيكون أحق به، ولذلك فعل أبو بكر فسلم له عمر وقاسه على
الممتنع من الصلاة لأنها كانت بالإجماع من رأي الصحابة، فرد المختلف فيه إلى المتفق عليه فاجتمع في
هذا الاحتجاج من عمر بالعموم ومن أبي بكر بالقياس فدل على أن العموم يخص بالقياس، وفيه
دلالة على أن العمرين لم يسمعا من الحديث الصلاة والزكاة كما سمعه غيرهما أو لم يستحضراه إذ لو
كان ذلك لم يحتج عمر على أبي بكر، ولو سمعه أبو بكر لردّ به على عمر ولم يحتج إلى الاحتجاج
بعموم قوله: إلا بحقه، لكن يحتمل أن يكون سمعه واستظهر بهذا الدليل النظري، ويحتمل كما قال
الطيبي: أن يكون عمر ظن أن المقاتلة إنما كانت لكفرهم لا لمنعهم الزكاة فاستشهد بالحديث، وأجابه
الصديق: بأني ما أقاتلهم لكفرهم بل لمنعهم الزكاة (والله لو منعوني عناقًا) بفتح العين المهملة الأنثى
من المعز (كانوا يؤدونها إلى رسول الله يلي لقاتلتهم على منعها. قال عمر رضي الله عنه: فوالله ما هو
إلا أن قد) سقط لفظة: ((قد)» في رواية أبي ذر (شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه) لقتالهم (فعرفت
أنه الحق) بما ظهر من الدليل الذي أقامه الصديق نصًا وإقامة الحجة لا أنه قلده في ذلك لأن المجتهد
لا یقلد مجتهد .
وذكر البغوي والطبري وابن شاهين والحاكم في الإكليل من رواية حكيم بن حكيم بن حكيم بن
عبادبن حنيف عن فاطمة بنت خشاف السلمية عن عبدالرحمن الظفري وكانت له صحبة قال: بعث
رسول الله وَله إلى رجل من أشجع أن تؤخذ منه صدقته فأبى أن يعطيها فرده إليه الثانية فأبى ثم ردّه
إليه الثالثة وقال: إن أبى فاضرب عنقه اللفظ للطبراني ومداره عندهم على الواقدي عن عبد الرحمن بن

٥١٣
کتاب الزكاة/ باب ٢ و٣
عبد العزيز الإمامي عن حكيم، وذكره الواقدي في أوّل كتاب الردة وقال في آخره قال عبد الرحمن بن
عبد العزيز فقلت لحكيم بن حكيم: ما أرى أبا بكر الصديق قاتل أهل الردة إلا على هذا الحديث.
قال: أجل. وخشاف: ضبطه ابن الأثير بفتح المعجمة وتشديد الشين المعجمة وآخره فاء وفي
الحديث: أن حول النتاج حول الأمهات وإلا لم يجز أخذ العناق. وهذا مذهب الشافعية، وبه قال
أبو يوسف. وقال أبو حنيفة ومحمد: لا تجب الزكاة في المسألة المذكورة وحملا الحديث على المبالغة.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في استتابة المرتدين وفي الاعتصام، ومسلم في الإيمان
وكذا الترمذي، وأخرجه النسائي أيضًا فيه وفي المحاربة .
٢ - باب البيعة على إيتاء الزكاة
﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ [التوبة: ١١].
(باب البيعة على إيتاء الزكاة) بفتح الموحدة (﴿فإن تابوا﴾) من الكفر (﴿وأقاموا الصلاة وآتوا
الزكاة فإخوانكم﴾) فهم إخوانكم (﴿في الدين﴾) لهم ما لكم وعليهم ما علیکم. وساق المؤلف هذه
الآية الشريفة هنا تأكيدًا لحكم الترجمة أي: فكما لا يدخل الكافر في التوبة من الكفر وينال أخوة
المؤمنين في الدين إلا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة كذلك بيعة الإسلام لا تتم إلا بإيتاء الزكاة ومانعها
ناقض للعهد مبطل لبيعته، لأن كل ما تضمنته بيعته عليه الصلاة والسلام فهو واجب.
١٤٠١ - حدثنا ابنُ نُمَيرٍ قال حدَّثَني أبي قَالَ حدَّثَنا إسماعيلُ عن قيسٍ قال: ((قال جَرِيرُ بنُ
عبدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: بايعتُ النبيَّ وَّر على إقامِ الصلاة، وإيتاء الزَّكاةِ والنُّصحِ لكلِّ مُسلمٍ)).
وبه قال: (حدّثنا ابن نمير) بضم النون وفتح الميم محمد (قال: حدّثني) بالإفراد (أبي)
عبد الله بن نمير (قال: حدّثنا إسماعيل) بن أبي خالد الأحمسي البجلي مولاهم الكوفي التابعي (عن
قيس) هو ابن أبي حازم واسمه عوف البجلي التابعي المخضرم (قال: قال جريربن عبد الله) البجلي
الأحمسي (رضي الله عنه: بايعت النبي ◌ِّل) من المبايعة وهي عقد العهد (على إقام الصلاة) بحذف
التاء من إقامة لأن المضاف إليه عوض عنها (وإيتاء الزكاة) أي إعطائها (والنصح لكل مسلم) وكافر
بإرشاده إلى الإسلام فالتخصيص للغالب، وقوله: والنصح بالجر عطفًا على سابقه، والحديث سبق
في آخر كتاب الإيمان.
٣ - باب إثم مانعِ الزَّكاةِ
وقولِ اللَّهِ تعالى ﴿والذينَ يَكِنِزِونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنفِقونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بعذابٍ
أليم. يومَ يُحمى عليها في نارٍ جَهَّم فتُكوَى بها جِباهُهم وجُنوبُهم وظُهورُهم هذا ما كُنَزْتم
لأنْفِّسِكم، فذوقوا ما كنتم تَكنِزون﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥].
إرشاد الساري/ ج ٣/م ٣٣

٥١٤
کتاب الزكاة/ باب ٣
(باب إثم مانع الزكاة، وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على سابقه وبالرفع على الاستئناف (﴿والذين
يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها﴾) الضمير للكنوز الدال عليها يكنزون أو للأموال فإن الحكم
عام وتخصيصهما بالذكر لأنهما قانون التموّل أو للفضة لأنها أقرب ويدل على أن حكم الذهب كذلك
بطريق الأولى (﴿في سبيل الله﴾) المراد به المعنى الأعم لا خصوص أحد السهام الثمانية، وإلا لاختص
بالصرف إليه بمقتضى هذه الآية (﴿فبشرهم بعذاب أليم)) [التوبة: ٣٤] هو الكتيّ بهما (﴿يوم يحمى
عليها في نار جهنم)) يوم توقد النار ذات حمى وحر شديد على الكنوز، وأصله: تحمى بالنار فجعل
الإحماء للنار مبالغة، ثم طوى ذكر النار وأسند الفعل للجار والمجرور تنبيهًا على المقصود وانتقل من
صيغة التأنيث إلى صيغة التذكير وإنما قال: عليها والمذكور شيئان لأن المراد دنانير ودراهم كثيرة،
كما قال عليّ رضي الله عنه: فيما قاله الثوري عن أبي حصين عن أبي الضحى عن جعدة بن هبيرة
عنه: أربعة آلاف وما دونها نفقة وما فوقها كنز (﴿فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم﴾)
لأنها مجوّفة فتسرع الحرارة إليها أو الكي في الوجه أبشع وأشهر وفي الظهر والجنب
أوجع وآلم وقيل: لأن جمعهم وإمساكهم كان لطلب الوجاهة بالغنى والتنعم بالمطاعم الشهية والملابس
البهية. وقيل: لأن صاحب الكنز إذا رأى الفقير قبض جبهته وولى ظهره وأعرض عنه كشحه.
وقيل: إنه لا يوضع دينار على دينار ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل درهم في موضع على حدة.
وروى ابن أبي حاتم مرفوعًا: ما من رجل يموت وعنده أحمر أو أبيض إلا جعل الله بكل
صفيحة من نار تكوى بها قدمه إلى ذقنه (﴿هذا ما كنزتم لأنفسكم﴾)، أي يقال لهم ذلك (﴿فذوقوا﴾)
وبال (﴿ما كنتم تكنزون﴾) [التوبة: ٣٥] أي كنزكم أو ما تكنزونه، فما: مصدرية أو موصولة. وأكثر
السلف أن الآية عامة في المسلمين وأهل الكتاب، وفي سياق المؤلف لها تلميح إلى تقوية ذلك خلافًا
لمن ذهب إلى أنها خاصة بالكفار والوعيد المذكور في كل ما لم تؤدّ زكاته. وفي حديث عمر: أيما
مال أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونًا في الأرض وأيما مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به
صاحبه وإن كان على وجه الأرض. وسياق هذه الآية بتمامها في غير رواية أبي ذر وله: ﴿والذين
يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ إلى قوله: ﴿فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾.
١٤٠٢ - حدثنا الحَكمُ بنُ نافع أخبرَنا شُعيبٌ حدَّثَنا أبو الزّنادِ أنَّ عبد الرحمنِ بنَ هُرمُزَ
الأعرجَ حدَّثَهُ أنهُ سمَع أبا هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنهُ يقولُ: قال النبيُّ ◌َلِّ: «تَأْتِي الإبلُ على صاحبها
على خَيرِ ما كانت إذا هوَ لم يُعطِ فيها حقَّها، تَطأهُ بأخفافِها. وتأتي الغَنمُ على صاحبِها على خيرٍ
ما كانت وإذا لم يُعطِ فيها حقَّها تَطَأهُ بأظلافِها وتَنطَحُه بقُرونها. قال: ومن حقها أن تحلب على
الماء قال: ولا يأتي أحدُكم يومَ القيامةَ بشاةٍ يَحمِلُها على رقَبتِهِ لها يُعارٌ فيقولُ: يا محمد، فأقولُ:
لا أملِكُ لكَ شيئًا، قد بَلَّغتُ. ولا يأتي ببعيرٍ يَحمله على رقَبتهِ له رُغاءٌ فيقول: يا محمد، فأقول:
لا أملِكُ لكَ شيئًا، قد بلَّغتُ)). [الحديث ١٤٠٢ - أطرافه في: ٢٣٧٨، ٣٠٧٣، ٩٦٥٨].

٥١٥
کتاب الزكاة/ باب ٣
وبه قال: (حدّثنا الحكم بن نافع) أبو اليمان البهراني الحمصي قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي
حمزة الحمصي قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج) سقط ابن
هرمز في بعض النسخ (حدّثه أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال النبي ◌َّ).
(تأتي الإبل على صاحبها) يوم القيامة وعبّر ((بعلى)) ليشعر باستعلائها وتسلطها عليه (على خير ما
كانت) عنده في القوّة والسمن ليكون أثقل لوطئها وأشد لنكايتها فتكون زيادة في عقوبته: وأيضًا
فقد كان يودّ في الدنيا ذلك فيراها في الآخرة أكمل (إذا هو لم يعط فيها حقها) أي زكاتها (تطأه)
بألف من غير واو في الفرع وكذا هو عند بعض النحويين الشذوذ هذا الفعل من بين نظائره في
التعدّي لأن الفعل إذا كان فاؤه واوًا وكان على فعل مكسور العين كان غير متعد غير هذا الحرف
ووسع فلما شذا دون نظائرهما أعطيا هذا الحكم. وقيل: إن أصله توطىء بكسر الطاء فسقطت الواو
لوقوعها بين ياء وكسرة ثم فتحت الطاء لأجل الهمزة. نبه عليه صاحب العمدة (بأخفافها) جمع خف
وهو للإبل كالظلف للغنم والبقر، والحافر للحمار والبغل والفرس، والقدم للآدمي. ولمسلم من
طريق أبي صالح عنه: ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها منها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع
قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلاً واحدًا تطأه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مرت عليه أولاها
ردّت عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد ويرى سبيله إما إلى
الجنة وإما إلى النار. (وتأتي الغنم على صاحبها) يوم القيامة (على خير ما كانت) عنده في القوّة
والسمن (وإذا لم يعط فيها حقها) زكاتها وسقط لفظ هو الثابت بعد إذا فيما سبق (تطأه بأظلافها)
بالظاء المعجمة (وتنطحه بقرونها) بفتح الطاء. ولأبي الوقت: تنطحه بكسرها على الأشهر، بل قال
الزين العراقي: إنه المشهور في الرواية وفيه: إن الله يحيي البهائم ليعاقب بها مانع الزكاة والحكمة في
كونها تعاد كلها مع أن حق الله فيها إنما هو في بعضها لأن الحق في جميع المال غير متميز. (قال:
ومن حقها) قال ابن بطال: يريد حق الكرم والمواساة وشرف الأخلاق لا أنه فرض (أن تحلب على
الماء) يوم ورودها كما زاده أبو نعيم وغيره ليحضرها المساكين النازلون عليه أي الماء ومن لا لبن له
فيها فيعطي من ذلك اللبن ولأن فيه رفقًا بالماشية. قال العلماء: وهذا منسوخ بآية الزكاة أو هو من
الحق الزائد على الواجب الذي لا عقاب بتركه بل على طريق المواساة وكرم الأخلاق كما قاله ابن
بطال فيما مرّ. واستدل به من يرى أن في المال حقوقًا غير الزكاة وهو مذهب غير واحد من
التابعين .
وفي الترمذي عن فاطمة بنت قيس عنه وَ لَر ((إن في المال لحقًّا سوى الزكاة)). ورواه بعضهم
تجلب بالجيم. وجزم ابن دحية بأنه تصحيف، وقد وقع عند أبي داود من طريق أبي عمرو الغداني ما
يفهم أن هذه الجملة وهي: ومن حقها الخ .... مدرجة من قول أبي هريرة، لكن في مسلم من
حديث أبي الزبير عن جابر هذا الحديث وفيه: فقلنا يا رسول الله وما حقها؟ قال: ((إطراق فحلها
وإعارة دلوها ومنحتها وحلبها على الماء وحمل عليها في سبيل الله)). فبين أنها مرفوعة كما نبه عليه في

٥١٦
کتاب الزكاة/ باب ٣
الفتح، لكن قال الزين العراقي: الظاهر أنها أي هذه الزيادة ليست متصلة كما بينه أبو الزبير في
بعض طرق مسلم فذكر الحديث دون الزيادة، ثم قال أبو الزبير: سمعت عبيد الله بن عمير يقول
هذا القول ثم سألت جابرًا فقال مثل قول عبيد بن عمير، قال أبو الزبير: وسمعت عبيد بن عمير
يقول: قال رجل يا رسول الله ما حق الإبل: قال: ((حلبها على الماء)). قال الزين العراقي: فقد تبين
أن هذه الزيادة إنما سمعها أبو الزبير من عبيد بن عمير مرسلة لا ذكر لجابر فيها انتهى.
لكن قد وقعت هذه الجملة وحدها عند المؤلف مرفوعة من وجه آخر عن أبي هريرة في
الشرب في باب حلب الإبل على الماء بلفظ: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدَّثنا محمدبن فليح قال:
حدّثني أبي عن هلال بن عليّ عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن
النبيِّر قال: ((من حق الإبل أن تحلب على الماء)» وهذا يقوّي قول الحافظ ابن حجر أنها مرفوعة.
(قال) عليه الصلاة والسلام: (ولا يأتي) خبر بمعنى النهي (أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على
رقبته لها يعار) بضم المثناة التحتية والعين المهملة؛ أي صوت. قال ابن المنير: ومن لطيف الكلام أن
النهي الذي أوّلنا به النفي يحتاج إلى تأويل أيضًا فإن القيامة ليست دار تكليف وليس المراد نهيهم عن
أن يأتوا بهذه الحالة إنما المراد لا تمنعوا الزكاة فتأتوا كذلك، فالنهي في الحقيقة إنما باشر سبب الإتيان
لا نفس الإتيان. وللمستملي والكشميهني: ثغاء بضم المثلثة وبغين معجمة ممدودة صياح الغنم أيضًا:
(فيقول: يا محمد، فأقول) له: (لا أملك لك شيئًا) أي للتخفيف عنك (قد بلغت) إليك حكم الله
(ولا يأتي) أحدكم يوم القيامة (ببعير) ذكر الإبل وأنثاه (يحمله على رقبته له رغاء) براء مضمومة وغين
معجمة صوت الإبل (فيقول: يا محمد! فأقول) له: (لا أملك لك شيئًا) ولأبي ذر: لك من الله شيئًا
(قد بلغت) إلیك حكم الله تعالى.
١٤٠٣ - حدثنا عليَّ بنُ عبدِ اللَّهِ حدَّثَنا هاشمُ بن القاسم حدَّثَنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِبنِ دِینارٍ
عن أبيهِ عن أبي صالح السمَّانِ عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنهُ قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((من آتَاهُ اللَّهُ
مالاً فلم يُؤَدِّ زكاتهُ مُثُلَ له يوم القيامةِ شُجاعًا أقرعَ له زَبيبتان يُطَوَّقُهُ يومَ القِيامةِ ثمَّ يأخذُ بِلَهْزِ مَتيهِ
- يعني شِذْقَيهِ - ثمَّ يقول: أنا مالُكَ، أنا كنزُكَ. ثمَّ تلا ﴿لا يَحسَبنَّ الذينَ يَبخلونَ﴾ الآية)).
[الحديث ١٤٠٣ - أطرافه فى: ٤٥٦٥، ٤٦٥٩، ٦٩٥٧].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبداللَّه) المديني قال: (حدّثنا هاشم بن القاسم) بألف قبل الشين أبو
النضر التميمي قال: (حدثنا عبدالرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه) عبدالله (عن أبي صالح) ذكوان
(السمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلِيدِ):
(من آتاه) بمد الهمزة أي أعطاه (الله مالاً فلم يؤدّ زكاته مُثّل له) بضم الميم مبنيًا للمفعول أي

٥١٧
کتاب الزكاة/ باب ٣
صوّر له (يوم القيامة) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: مثل له ماله يوم القيامة أي
ماله الذي لم يؤدّ زكاته (شجاعًا) بضم الشين المعجمة والنصب مفعول ثان لمثل والضمير الذي فيه
يرجع إلى قوله مالاً وقد نَاب عن المفعول الأوّل، وقال الطيبي: شجاعًا نصب يجري مجرى المفعول
الثاني أي صوّر ماله شجاعًا. وقال ابن الأثير: ومثل يتعدّى إلى مفعولين فإذا بني لما لم يسم فاعله
يتعدى إلى واحد فلذا قال: مثل له شجاعًا. وقال البدر الدماميني: شجاعًا منصوب على الحال وهو
الحية الذكر والذي يقوم على ذنبه ويواثب الرجل والفارس وربما بلغ الفارس (أقرع) لا شعر له على
رأسه لكثرة سمه وطول عمره (له زبيبتان) بزاي معجمة مفتوحة فموحدتين بينهما تحتية ساكنة أي
زبدتان في شدقيه يقال: تكلم فلان حتى زبب شدقاه أي خرج الزبد عليهما، أو هما نابان يخرجان
من فيه، وردّ بعدم وجود ذلك كذلك أو هما النكتتان السوداوان فوق عينيه وهو أوحش ما يكون من
الحيات وأخبثه (يطوّقه) بفتح الواو والمشددة والضمير الذي فيه مفعوله الأوّل والضمير البارز مفعوله
الثاني وهو يرجع إلى من في قوله ((من آتاه الله مالاً)) والضمير المستتر يرجع إلى الشجاع أي يجعل
طوقًا في عنقه (يوم القيامة ثم يأخذ) الشجاع (بلهزمتيه) بكسر اللام والزاي بينهما هاء ساكنة وبعد
الميم فوقية تثنية لهز ولغير أبي ذر: بلهزميه بإسقاط الفوقية وفسرهما بقوله (يعني شدقيه) بكسر الشين
المعجمة أي جانبي الفم أو لأبي ذر: يعني بشدقيه بزيادة موحدة قبل الشين (ثم يقول): الشجاع له
(أنا مالك، أنا كنزك) يخاطبه بذلك ليزداد غصة وتهكمًا عليه (ثم تلا) عليه الصلاة والسلام: (﴿لا
يحسبن الذين يبخلون﴾) [آل عمران: ١٨٠] بالغيب في يحسبن أسنده إلى الذين وقدر مفعولاً دل عليه
يبخلون أي: لا يحسبن الباخلون بخلهم خيرًا لهم، وحذف واو ولا وهي ثابتة في القرآن. ولأبي
ذر: ولا تحسبن بإثباتها وتحسبن بالخطاب وهي قراءة حمزة والمطوعي عن الأعمش أسنده إلى
رسول الله وَ ل﴾، وقدر مضافًا أي لا تحسبن يا محمد بخل الذين يبخلون هو خيرًا لهم فبخل وخيرًا
مفعولاه.
وفي رواية الترمذي قرأ مصداقه سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة وفيه دلالة على أن المراد
بالتطويق حقيقته خلافًا لمن قال إن معناه سيطوّقون الإثم. وفي تلاوة الرسول ◌َلقر الآية عقب ذلك
دلالة على أنها نزلت في مانعي الزكاة وعليه أكثر المفسرين. وهذا الحديث جعله أبو العباس الطرقي
والذي قبله حديثًا واحدًا. ورواه مالك في موطئه عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح لكن بوقفه على
أبي هريرة، وخالفهم عبدالعزيزبن أبي سلمة فرواه عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، عن
النبي ◌َّ. قال ابن عبد البر: وهو عندي خطأ بيّن في الإسناد لأنه لو كان عند عبد الله بن دينار عن
ابن عمر ما رواه عن أبي صالح عن أبي هريرة أصلاً. ورواية مالك وعبد الرحمن بن عبد الله هي
الصحيحة وهو مرفوع صحيح.
وقد أخرج حديث الباب المؤلف أيضًا في التفسير، والنسائي في الزكاة.

٥١٨
كتاب الزكاة/ باب ٤
٤ - باب ما أُدّيَ زَكاتُهُ فليسَ بکنزِ
لقولِ النبيِّ وَّل: ((ليسَ فيما دُونَ خَمسةِ أواقٍ صَدَقة))
هذا (باب) بالتنوين (ما أدّي زكاته فليس بكنز) هذا لفظ حديث رواه مالك عن ابن عمر
موقوفًا وأبو داود مرفوعًا لكن بمعناه (لقول النبي ◌ّ(9) في الحديث الآتي في هذا الباب إن شاء الله
تعالى.
(ليس فيما دون خمسة) بزيادة التاء وللأصيلي وأبي ذر خمس (أواق) بغير ياء کقاض وجوار،
ولأبي ذر: أواقي بإثباتها كأثفية وأثافي ويجوز تخفيف الياء وتشديدها (صدقة) فليس بكنز لأنه لا
صدقة فيه فإذا زاد شيء عليها ولم تؤد زكاته فهو كنز.
١٤٠٤ - وقال أحمدُ بنُ شَبيبٍ بنِ سعيدِ حدَّثَنا أبي عن يونُسَ عنِ ابنِ شهابٍ عن خالدِبنِ
أسلمَ قال: ((خرَجْنا معَ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما. فقال أعرابيٍّ: أخبِرْني قول اللَّهِ
﴿وَالَّذِينَ يَكِنِزِونَ الذَّهبَ والفضَّةَ ولا يُنفِقونَها في سبيلِ اللهِ﴾ قال ابنُ عمر رضيَ اللَّهُ عنهما: مَن
كَنزَها فلم يُؤدِّ زكاتَها فويلٌ لهُ، إنّما كان هذا قبلَ أن تُنزَلَ الزكاةُ، فلمَّا أُنزِلَتْ جَعَلها اللَّهُ طُهرًا
للأموال)). [الحديث ١٤٠٤ - أطرافه في: ٤٦٦١].
(وقال أحمدبن شبيب بن سعيد) بفتح الشين المعجمة وبموحدتين بينهما تحتية ساكنة. وسعيد
بكسر العين الحبطي بالحاء المهملة والموحدة المفتوحتين وبالطاء المهملة نسبة إلى الحبطات من بني تميم
البصري من مشايخ المؤلف وثقه أبو حاتم الرازي وكتب عنه ابن المديني. وقال أبو الفتح الأزدي :
منكر الحديث غير مرضي لكن لا عبرة بقول الأزدي لأنه ضعيف فكيف يعتمد في تضعيف الثقات؟
وتعليقه هذا وصله أبو داود في كتاب الناسخ والمنسوخ عن محمدبن محمدبن يحيى الذهلي عن
أحمد بن شبيب، ووقع في رواية أبي ذر عن الكشميهني: حدَّثنا أحمدبن شبيب بن سعيد قال: (حدّثنا
أبي) شبيب (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن خالدبن أسلم) هو أخو زيدبن
أسلم (قال: خرجنا مع عبدالله بن عمر) بن الخطاب (رضي الله عنهما فقال) له (اعرابي أخبرني قول
الله) ولأبي ذر عن الكشميهني: عن قول الله (﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل
الله﴾) [التوبة: ٣٤] (قال ابن عمر: من كنزها فلم يؤدّ زكاتها) بإفراد الضمير والسابق اثنان كينفقونها
على تأويل الأموال، أو يرجع الضمير إلى الفضة لأنها أكثر انتفاعًا في المعاملات من الذهب، أو
اكتفى ببيان حكمها عن حكم الذهب (فويل له) أي حزن وهلاك ومشقة وارتفاع ويل على الابتداء
(إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة) قال ابن بطال يريد بما قبل نزول الزكاة قوله تعالى: ﴿ويسألونك
ماذا ينفقون قل العفو﴾ [البقرة: ٢١٩] أي ما فضل عن الكفاية فكانت الصدقة فرضًا بما فضل عن كفايته
(فلما أنزلت) أي الزكاة بعد الهجرة في السنة الثانية قبل فرض رمضان كما أشار إليه النووي في باب:

٥١٩
كتاب الزكاة/ باب ٤
السير من الروضة. وجزم ابن الأثير في التاريخ بأن ذلك كان في التاسعة وفيه نظر يطول
استقصاؤه. نعم، بعث العمال لأجل أخذ الصدقات كان في التاسعة وهو يستدعي سبق فرضية
الزكاة (جعلها الله طهرًا) أي مطهرة (للأموال) وطهرًا لمخرجيها عن رذائل الأخلاق ونسخ حكم
الكنز، لكن قال البرماوي: وإذا حمل لا ينفقونها على لا يؤدّون زكاتها فلا نسخ.
ورواة هذا الحديث ما بين بصري وأيلي ومدني وفيه رواية الابن عن الأب وتابعي عن تابعي عن
صحابي، والتصدير بالقول والتحديث والعنعنة، وخالد من أفراده وليس له في الصحيح إلا هذا
الحديث، وأخرجه المؤلف أيضًا في التفسير، والنسائي في الزكاة.
١٤٠٥ - حقّثنا إسحقُ بنُ يَزِيدَ أخبرَنا شعيبُ بنُ إسحقَ قال الأوزاعيُّ أخبرَني يحيى بنُ أبي
كثيرٍ أنَّ عمروبنَ يحيى بنِ عُمارةً أخبرَهُ عن أبيهِ يحيى بنِ عُمارةَ بنِ أبي الحسنِ أنهُ سَمِعَ أبا سعيدٍ
رضيَ اللهُ عنهُ يقول: قال رَسُولُ اللَّهِ وَ لَ ليسَ فيما دُونَ خَمسٍ أواقٍ صدقة، وليس فيما دُونَ
خَمسٍ ذَودٍ صدَقةٌ، وليس فيما دُونَ خَمسٍ أوسُقِ صدَقةٌ)). [الحديث ١٤٠٥ - أطرافه في: ١٤٤٧،
١٤٥٩، ١٤٨٤].
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن يزيد) هو إسحاق بن إبراهيم بن يزيد من الزيادة أبو النضر الأموي
مولاهم الفراديسي الشامي قال: (أخبرنا شعيب بن إسحق) بن عبد الرحمن الأموي مولاهم البصري
ثم الدمشقي (قال:) عبد الرحمن (الأوزاعي) ولأبي ذر: أخبرنا الأوزاعي قال: (أخبرني) بالإفراد
(يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة. وقد تعقب المؤلف الدارقطني وأبو مسعود الدمشقي في هذا السند بأن
إسحق بن يزيد شيخ المؤلف وهم في نسب يحيى بن أبي كثير وإنما هو يحيى بن سعيد مع الاختلاف
على الأوزاعي فيه لأن عبد الوهاب بن نجدة رواه عن سعيد عن الأوزاعي قال: حدَّثني يحيى بن سعيد.
ورواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عبد الرحمن بن اليمان عن يحيى بن سعيد فاتفقا على أن يحيى هو
ابن سعيد، وزاد الوليدبن مسلم رجلاً بين الأوزاعي ويحيى بن سعيد، ورواه داودبن رشيد
وهشام بن خالد جميعًا عن شعيب بن إسحق عن الأوزاعي عن يحيى غير منسوب. وأجاب الحافظ
ابن حجر بأن سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي تابع إسحق بن يزيد عن شعيب بن إسحق كما
أخرجه أبو عوانة والإسماعيلي من طريقه وهو يدل على أنه عند شعيب على الوجهين لكن دلت رواية
الوليد بن مسلم على أن رواية الأوزاعي عن يحيى بن سعيد بغير واسطة موهومة أو مدلسة، وأما
رواية إسحق بن يزيد عن شعيب فصحيحة صريحة لأنه قد صرح فيها بأن يحيى أخبره، فلهذا عدل
المؤلف إلى هذا واقتصر على طريق يحيى بن أبي كثير (أن عمروبن يحيى) بفتح العين (ابن عمارة)
بضمها المازني الأنصاري (أخبره عن أبيه يحيى بن عمارةبن أبي الحسن) المازني المدني (أنه سمع أبا
سعيد) سعدبن مالك الخدري (رضي الله عنه يقول: قال رسول الله (صل﴿):

٥٢٠
كتاب الزكاة/ باب ٤
(ليس فيما دون خمس أواق) بغير ياء كجوار من الفضة (صدقة) والأوقية بضم الهمزة وتشديد
الياء أربعون درهما بالنصوص المشهورة والإجماع كما قاله النووي في شرح المهذب. وروى
الدارقطني بسند فيه ضعف عن جابر برفعه. والوقية: أربعون درهما. وعند أبي عمر من حديثه
مرفوعًا أيضًا: الدينار أربعة وعشرون قيراطًا قال: وهذا وإن لم يصح سنده ففي الإجماع عليه ما
يغني عن إسناده والاعتبار بوزن مكة تحديدًا والمثقال لم يختلف في جاهلية ولا إسلام وهو اثنان
وسبعون شعيرة بالموحدة معتدلة لم تقشر وقطع من طرفيها ما دق وطال، وأما الدراهم فكانت مختلفة
الأوزان وكان التعامل غالبًا في عصره وّل﴿ والصدر الأول بعده بالدرهم البغلي نسبة إلى البغل لأنه كان
عليها صورته وكان ثمانية دوانق، والدرهم الطبري نسبة إلى طبرية قصبة الأردن بالشام وتسمى
بنصيبين وهو أربعة دوانق فجمعا وقسما درهمين كل واحد ستة دوانق، وقيل: إنه فعل زمن بني أمية
وأجمع أهل ذلك العصر عليه. وروى ابن سعد في الطبقات: أن عبد الملك بن مروان أول من أحدث
ضربها ونقش عليها سنة خمس وسبعين. وقال الماوردي: فعله عمر ومتى زيد على الدرهم ثلاثة
أسباعه كان مثقالاً ومتى نقص من المثقال ثلاثة أعشاره كان درهما وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل
وكل عشرة مثاقيل أربعة عشر درهما وسُبعان (وليس) ولأبي ذر: ولا (فيما دون خمس ذود) من الإبل
(صدقة) وذود بفتح الذال المعجمة وسكون الواو وبالدال المهملة. قال ابن المنير: أضاف خمس إلى
ذود وهو مذكر لأنه يقع على المذكر والمؤنث وأضافه إلى الجمع لأنه على المفرد والجمع، وأما قول ابن
قتيبة: إنه يقع على الواحد فقط فلا يدفع ما نقله غيره أنه يقع على الجمع. انتهى. والأكثر على أن
الذود من الثلاثة إلى العشرة لا واحد له من لفظه، وأنكر ابن قتيبة أن يراد بالذود الجمع، وقال: لا
يصح أن يقال خمس ذود كما لا يصح أن يقال خمس ثوب، وغلطه العلماء في ذلك قال أبو حاتم
السجستاني: تركوا القياس في الجمع فقالوا خمس ذود لخمس من الإبل كما قالوا ثلاثمائة على غير
قياس. قال القرطبي: وهذا صريح في أن الذود واحد في لفظه والأشهر ما قاله المتقدمون أنه لا
يقصر على الواحد. وقال في القاموس: من ثلاثة أبعرة إلى عشرة أو خمس عشرة أو عشرين أو
ثلاثين أو ما بين الثنتين إلى التسع ولا يكون إلا من الإناث وهو واحد وجمع أو جميع لا واحد له أو
واحد جمعه أذواد. (وليس فيما دون خمس) بغير تاء، وللأربعة خمسة. (أوسق) من تمر أو حب
(صدقة) والأوسق بفتح الهمزة وضم السين جمع وسق بفتح الواو وكسرها وهو ستون صاعًا.
والصاع: أربعة أمداد والمد رطل وثلث بالبغدادي فالأوسق الخمسة ألف وستمائة رطل بالبغدادي،
ورطل بغداد على الأظهر مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم.
١٤٠٦ - حقثنا عليٍّ سمِعَ هُشيمًا أخبرَنا حُصَينٌ عن زيدِبنِ وُهبٍ قال: ((مَرَرتُ بِالرَّبذَةِ، فإذا
أنا بأبي ذَرّ رضيَ اللَّهُ عنهُ، فقلتُ لهُ: ما أنزلكَ مَنزِلَكَ هذا؟ قال: كنتُ بالشأُم فاختلفتُ أنا
ومُعاوية في ﴿والذينَ يَكنِزِونَ الذَّهبَ والفِضَّةَ ولا يُنفِقونَها في سَبيلِ اللَّهِ﴾ قال مُعاويةُ: نزَلتْ في
أهلِ الكتاب، فقلت: نزَلَت فينا وفيهم، فكان بيني وبينَهُ فِي ذَلِكَ، وكتبَ إلى عثمانَ رضيَ اللهُ عنهُ