النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ كتاب الجنائز/ باب ٨٤ ٨٤ - باب ما جاءَ في قاتِل النَّفْسِ (باب ما جاء) من الحديث (في قاتل النفس). ١٣٦٣ - حدثنا مسدَّدٌ حدَّثَنَا يَزِيدُ بنُ زُريع حدَّثَنا خالدٌ عن أبي قِلابَة عن ثابتِ بنِ الضحَّاكِ رضيَ اللَّهُ عنهُ عنِ النبيَِِّّ قال: ((مَنْ حَلَفَ بمَّةٍ غيرِ الإسلامِ كاذِبًا مُتعمِّدًا فهو كما قال، ومَن قَتَلَ نَفسَه بحَديدةٍ عُذِّبَ به في نار جهنّمَ)). [الحديث ١٣٦٣ - أطرافه في: ٤١٧١، ٤٨٤٣، ٦٠٤٧، ٦١٠٥، ٦٦٥٢]. وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو: ابن مسرهد، قال: (حدّثنا يزيدبن زريع) بضم الزاي، مصغرًا، ويزيد من الزيادة، قال: (حدّثنا خالد) الحذاء (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد (عن ثابت بن الضحاك) الأنصاري الأشهلي (رضي الله عنه، عن النبي ◌َّز، قال): (من حلف بملة غير) ملة (الإسلام) كاليهودية والنصرانية حال كونه (كاذبًا) في تعظيم تلك الملة التي حلف بها، أو: كاذبًا في المحلوف عليه، لكن عورض بكون المحلوف عليه يستوي فيه كونه صادقًا أو كاذبًا، إذا حلف بملة غير ملة الإسلام، فالذم إنما هو من جهة كونه حلف بتلك الملة الباطلة، معظمًا لها، حال كونه (متعمدًا) فيه دلالة لقول الجمهور: إن الكذب: الخبر غير المطابق للواقع، سواء كان عمدًا أو غيره، إذ لو كان شرطه التعمد لما قيد به هنا. (فهو كما قال) أي: فيحكم عليه بالذي نسبه لنفسه، وظاهره الحكم عليه بالكفر إذا قال هذا القول. ويحتمل أن يعلق ذلك بالحنث، لما روى بريدة مرفوعًا: من قال: أنا بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا يرجع إلى الإسلام سالمًا. والتحقيق التفصيل، فإن اعتقد تعظيم ما ذكر كفر، وعليه يحمل قوله: من حلف بغير الله فقد كفر، رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين. وإن قصد حقيقة التعليق، فينظر، فإن كان أراد إن قصد حقيقة التعليق، فينظر، فإن كان أراد أن يكون متصفًا بذلك، كفر. لأن إرادة الكفر كفر، وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك أو يكره تنزيها؟ الثاني هو المشهور. وليقل ندبًا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ويستغفر الله . ويحتمل أن يكون المراد به التهديد والمبالغة في الوعيد، لا الحكم بأنه صار يهوديًا، وكأنه قال: فهو مستحق لمثل عذاب ما قال، ومثله قوله عليه الصلاة والسلام: من ترك الصلاة فقد كفر، أي: استوجب عقوبة من كفر، وبقية مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في باب: الإيمان بعون الله وقوته. (ومن قتل نفسه بحديدة) بآلة قاطعة: كالسيف، والسكين، ونحوهما. وفي الإيمان: ومن قتل نفسه بشيء وهو أعم (عذب به) أي: بالمذكور، وللكشميهني عذب بها أي: بالحديدة (في نار ٤٦٢ كتاب الجنائز/ باب ٨٤ جهنم) وهذا من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية، ويؤخذ منه: أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم، لأن نفسه ليست ملكًا له مطلقًا، بل هي الله، فلا ينصرف فيها إلا بما أذن له فيه، ولا يخرج بذلك من الإسلام، ويصلى عليه عند الجمهور، خلافًا لأبي يوسف، حيث قال: لا يصلى على قاتل نفسه. وفي هذا الحديث: التحديث والعنعنة، وأخرجه أيضًا في: الأدب، والإيمان، ومسلم في الإيمان، وكذا أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة في: الكفارات. ١٣٦٤ - وقال حَجَّاجُ بنُ مِنهالِ حدَّثَنا جَرِيرُبنُ حازِمٍ عن الحسن («حدَّثَنا جُندَبٌ رضيَ اللَّهُ عنهُ في هذا المسجدِ فما نَسِينا وما نَخافُ أن يَكَذِبَ جُندَبٌّ على النبيِّوَ لِّ قال: كانَ برَجلٍ جِراحٌ قَتَّلَ نَفسَهُ، فقال اللَّهُ: بَدَرَني عبدي بنفْسِه، حَرَّمتُ عليهِ الجنَّة)). [الحديث ١٣٦٤ - طرفه في ٣٤٦٣]. وبه قال (وقال حجاج بن منهال) بكسر الميم، الأنماطي السلمي البصري، مما وصله المؤلف في: ذكر بني إسرائيل، فقال: حدَّثنا محمد قال: حدَّثنا حجاج بن منهال، ومحمد هو ابن معمر، كذا نسبه ابن السكن عن الفربري وقيل: هو الذهلي، قال: (حدّثنا جريج بن حازم) الأزدي البصري الثقة، لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه، واختلط في آخر عمره، لكنه لم يسمع أحد منه في حال اختلاطه شيئًا، واحتج به الجماعة، ولم يخرج له المؤلف عن قتادة إلا أحاديث يسيرة توبع فيها، (عن الحسن) البصري قال : (حدّثنا جندب) هو: ابن عبد الله بن سفيان البجلي (رضي الله عنه، في هذا المسجد) المسجد البصري (فما نسینا) أشار بذلك إلى تحققه لما حدث به، وقرب عهده به، واستمرار ذکره له (وما نخاف أن يكذب جندب عن النبي) ولأبي ذر: على النبي (َّ) وعلى أوضح يقال: كذب عليه، وأما رواية: عن، فعلى معنى النقل، وفيه إشارة إلى أن الصحابة عدول، وأن الكذب مأمون من قبلهم، خصوصًا على النبي ◌َّتر (قال): (كان برجل) أي فيمن كان قبلكم، قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه (جراح) بكسر الجيم (قتل) ولأبي ذر: فقتل (نفسه) بسبب الجراح (فقال الله) عز وجل: (بدرني عبدي بنفسه) أي: لم يصبر حتى أقبض روحه من غير سبب له في ذلك، بل استعجل وأراد أن يموت قبل الأجل الذي لم يطلعه الله تعالى عليه، فاستحق المعاقبة المذكورة في قوله: (حرمت عليه الجنة) لكونه مستحلاً لقتل نفسه، فعقوبته مؤبدة، أو حرّمتها عليه في وقت ما، كالوقت الذي يدخل فيه السابقون، أو: الوقت الذي يعذب فيه الموحدون في النار ثم يخرجون، أو: حرمت عليه جنة معينة، كجنة عدن مثلاً، أو ورد على سبيل التغليظ والتخويف، فظاهره غير مراد. قال النووي: أو يكون شرع من مضى أن أصحاب الكبائر یکفرون بها . ٤٦٣ کتاب الجنائز/ باب ٨٥ وهذا الحديث أورده المؤلف هنا مختصرًا، ويأتي إن شاء الله تعالى في: ذكر بني إسرائيل مبسوطًا. ١٣٦٥ - حدثنا أبو اليَمانِ أخبرَنا شعيبٌ حدَّثَنا أبو الزنادِ عنِ الأعرج عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنهُ قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((الذي يَخْتُقُ نَفسَهُ يَخُقُها في النار، والذي يَطعُنُها يَطعُنُها في النار)). [الحديث ١٣٦٥ - طرفه في: ٥٧٧٨]. وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع، قال: (أخبرنا شعيب) هو: ابن أبي حمزة، قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبدالرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة، رضي الله عنه، (قال: قال النبي (وَّر): (الذي يخنق نفسه يخنقها في النار) بضم النون فيهما (والذي يطعنها يطعنها في النار) لأن الجزاء من جنس العمل، وقوله: يطعنها بضم العين فيهما، قال في الفتح: كذا ضبطه في الأصول، وجوّز غيره فيهما الفتح. وهذا الحديث من أفراد المؤلف من هذا الوجه، وأخرجه في الطب من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مطوّلاً . ٨٥ - باب ما يُكرَهُ من الصلاةِ على المنافقينَ والاستغفار للمشركين رواهُ ابنُ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما عن النبيِّ وَّر. (باب ما يكره من الصلاة على المنافقين، والاستغفار للمشركين). (رواه ابن عمر) بن الخطاب (رضي الله عنهما) فيما وصله المؤلف في الجنائز في قصة عبد الله بن أبي (عن النبي ◌َّ). ١٣٦٦ - حدثنا يحيى بنُ بُكيرِ قَالَ حدَّثَني اللّيثُ عن عُقَيلِ عنِ ابنِ شهابٍ عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ عبد اللّهِ عنِ ابنِ عبّاسٍ عن عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللَّهُ عنهم أنه قال: ((لمّا ماتَ عبدُ اللهِ بنُ أُبيِّ ابنُ سَلُولَ دُعِيَ لهُ رسولُ اللَّهِوَ ليصليَ عليه. فلمّا قامَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ وثبتُ إليهِ فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ أتُصلّي على ابن أُبَّ وقد قال يومَ كذا وكذا كذا وكذا أُعَدْدُ عليهِ قولَهُ. فَتبسَّمَ رسولُ اللَّهِل ◌َ ◌ّهِ وقال: أَخْرْ عني يا عمرُ. فلمَّا أكثَرْتُ عليهِ قال: إنِّي خُيُرْتُ فاختَزْتُ. لو أعلمُ أنَّي إنْ زِدْتُ على السبعينَ فَغُفِرَ له لزِدْتُ عليها. قال فصلَّى عليهِ رسولُ اللَّهِوَهِ، ثمَّ انصرَفَ، فلم يَمكُثْ إلاّ يَسيرًا حتَّى نَزَلَتِ الآيتانِ من بَراءة ﴿ولا تُصَلِّ على أحدٍ منهم ماتَ أبدًا - إلى- وهم فاسقون﴾ قال: فعجِبتُ بعدُ من جُزْأتي على رسولِ اللَّهِ لّهِ يومئذٍ، واللَّهُ ورسولُهُ أعلمُ. [الحديث ١٣٦٦ - طرفه في: ٤٦٧١]. ٤٦٤ كتاب الجنائز/ باب ٨٦ وبالسند قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف، نسبه لجده، ولشهرته به واسم أبيه: عبد الله المخزومي مولاهم، المصري، ثقة في الليث، وتكلموا في سماعه من مالك، لكن قال المؤلف في تاريخه الصغير: ما روى يحيى بن بكير عن أهل الحجاز في التاريخ فإني انتقيته. وهذا يدل على أنه ينتقي في حديث شيوخه، ولذا، ما خرج له عن مالك سوى خمسة أحاديث مشهورة متابعة، (قال: حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف. ابن خالد الأيلي، أحد الإثبات الثقات، وأحاديثه عن الزهري مستقيمة، وأخرج له الجماعة (عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيدالله بن عبدالله) بتصغير الأول: أحد الفقهاء السبعة (عن ابن عباس، عن عمربن الخطاب، رضي الله عنهم أنه قال): (لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول) بضم ابن، وإثبات ألفه، صفة لعبد اللَّه، لأن سلول أمه: وهي بفتح السين غير منصرف للعلمية والتأنيث، وأبي بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد المثناة التحتية منوّنًا (دعي له رسول الله وَّر) بضم دال: دعي، مبنيًا للمفعول، ورفع رسول، نائب عن الفاعل (ليصلي عليه) بنصب يصلي (فلما قام رسول الله، وَّر، وثبت إليه) بفتح المثلثة وسكون الموحدة، (فقلت: يا رسول الله أتصلي على ابن أبي؟) بهمزة الاستفهام (وقد قال يوم كذا وكذا، كذا وكذا، أعدد عليه) وَلّر (قوله) القبيح في حق النبي، وَّر، والمؤمنين. (فتبسم رسول الله بَيهوى، وقال): (أخر عني يا عمر. فلما أكثرت عليه) وَلّر الكلام (قال: إني خيرت) بضم الخاء المعجمة مبنيًّا للمفعول، أي: في قوله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة﴾ [التوبة: ٨٠] الآية. وفي نسخة: إني قد خيرت (فاخترت) الاستغفار. (لو أعلم أني إن زدت) ولأبي ذر: لو زدت (على السبعين فغفر له) ولأبي ذر: يغفر له (لزدت عليها). (قال) عمر: (فصلى عليه رسول الله، وَلاير، ثم انصرف) من صلاته (فلم يمكث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من) سورة (براءة: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا﴾ إلى: ((وهم)) ولأبي ذر: إلى قوله وهم (﴿فاسقون﴾) فنهي عن الصلاة لأن: المراد منها الدعاء للميت والاستغفار له وهو ممنوع في حق الكافر ولذلك رتب النهي عل قوله مات أبدًا يعني الموت على الكفر، فإن إحياء الكافر للتعذيب، دون التمتع. وقوله: ﴿وهم فاسقون﴾ تعليل للنهي. (قال) عمر: (فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله، وَلاير، يومئذ) في مراجعتي له (والله ورسوله أعلم). ٨٦ - باب ثناء الناسِ على الميّتِ (باب) مشروعية (ثناء الناس) بالأوصاف الحميدة، والخصال الجميلة (على الميت) بخلاف ٤٦٥ كتاب الجنائز/ باب ٨٦ الحي، فإنه منهي عنه إذا أفضى إلى الإطراء خشية الإعجاب. ١٣٦٧ - حدثنا آدمُ حدَّثَنا شُعبةُ حدَّثَنا عبدُ العزيزِ بنُ صُهَيبٍ قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ يقولُ ((مَرُّوا بجنازةٍ فأثْنَوا عليها خيرًا، قال النبيُّنَّهَ وَجَبَتْ. ثمَّ مَرُّوا بأُخرى فأثْنَوا عليها شَرًّا، فقال: وَجَبت. فقال عمرُبنُ الخطّابِ رضيَ اللَّهُ عنهُ: ما وَجَبتْ؟ قال: هذا أثْنَيْتُم عليهِ خيرًا فوَجَبتْ لهُ الجنَّةُ، وهذا أثنَيتُم عليهِ شرًّا فَوَجَبتْ لهُ النارُ. أنتم شُهَداءُ اللَّهِ في الأرض)). [الحديث ١٣٦٧ - طرفه في: ٢٦٤٢]. وبالسند قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج، قال: (حدّثنا عبد العزيزبن صهيب، قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه، يقول): (مروا) ولأبي ذر: مرّ، بضم الميم مبنيًا للمفعول (بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا) في رواية النضربن أنس عند الحاكم، فقالوا: كان يحب الله ورسوله، ويعمل بطاعة الله، ويسعى فيها، (فقال النبي وَل: وجبت، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرّا) قال في رواية الحاكم المذكورة: فقالوا: كان يبغض الله ورسوله، ويعمل بمعصية الله ويسعى فيها، (فقال) عليه الصلاة والسلام: (وجبت). واستعمال الثناء فى الشر لغة شاذة، لكنه استعمل هنا للمشاكلة لقوله: فأثنوا عليها خيرًا. وإنما مكنوا من الثناء بالشر مع الحديث الصحيح في البخاري في النهي عن سب الأموات لأن النهي عن سبهم إنما هو في حق غير المنافقين، والكفار، وغير المتظاهر بالفسق، والبدعة. وأما هؤلاء فلا يحرم سبهم، للتحذير من طريقتهم، ومن الاقتداء بآثارهم، والتخلق بأخلاقهم. قاله النووي. (فقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه) لرسول الله، وَلّر، مستفهمًا عن قوله: (ما وجبت؟ قال) عليه الصلاة والسلام: (هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنة. وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار) والمراد بالوجوب: الثبوت، أو هو في صحة الوقوع كالشيء الواجب، والأصل أنه لا يجب على الله شيء، بل الثواب فضله، والعقاب عدله. لا يسأل عما يفعله (أنتم شهداء الله في الأرض) ولفظه في: الشهادات: المؤمنون شهداء الله في الأرض. فالمراد: المخاطبون بذلك من الصحابة، ومن كان على صفتهم من الإيمان. فالمعتبر شهادة أهل الفضل والصدق، لا الفسقة. لأنهم قد يثنون على من كان مثلهم، ولا من بينه وبين الميت عداوة، لأن شهادة العدو لا تقبل. قاله الداودي. وقال المظهري: ليس معنى قوله: أنتم شهداء الله في الأرض، أي: الذي يقولونه في حق شخص يكون كذلك، حتى يصير من يستحق الجنة من أهل النار بقولهم، ولا العكس. بل معناه أن الذي أثنوا عليه خيرًا رأوه منه كان ذلك علامة كونه من أهل الجنة، وبالعكس. إرشاد الساري/ ج ٣/ م ٣٠ ٤٦٦ كتاب الجنائز/ باب ٨٦ وتعقبه الطيبي في شرح المشكاة، بأن قوله: وجبت، بعد ثناء الصحابة، حكم عقب وصفًا مناسبًا، فأشعر بالعلية. وكذا الوصف بقوله: أنتم شهداء الله في الأرض. لأن الإضافة فيه للتشريف بأنهم بمنزلة عالية عند الله، فهو كالتزكية من الرسول، لأمته، وإظهار عدالتهم بعد شهادتهم لصاحب الجنازة، فينبغي أن يكون لها أثر ونفع في حقه. قال: وإلى معنى هذا يومىء قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]اهـ. وقال النووي: قال بعضهم: معنى الحديث أن الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل، وكان ذلك مطابقًا للواقع، فهو من أهل الجنة، وإن كان غير مطابق فلا، وكذا عكسه. قال: والصحيح أنه على عمومه، وأن من مات فألهم الله الناس الثناء عليه بخير كان دليلاً على أنه من أهل الجنة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، فإن الأعمال داخلة تحت المشيئة، وهذا الإلهام يستدل به على تعيينها، أو بهذا تظهر فائدة الثناء اهـ. ١٣٦٨ - حدثنا عَفَّانُ بنُ مُسْلم حدَّثَنا داوُدُبنُ أبي الفُراتِ عن عبدِ اللَّهِ بنِ بُرَيدةً عن أبي الأسودِ قال: ((قدِمْتُ المدينةَ -وقد وقع بها مَرَضٌ- فجلَستُ إلى عمرَ بنِ الخطّابِ رضيَ اللهُ عنه، فمرَّتْ بهم جنازةٌ فأَثْنِيَ على صاحبِها خَيرًا، فقال عمرُ رضيَ اللهُ عنه: وَجَبتْ. ثمَّ مُرَّ بأُخرَى فأُثْنِي على صاحبها خَيرًا، فقالَ عمرُ رضيَ اللَّهُ عنهُ: وَجَبَتْ. ثمَّ مُرَّ بالثالِثَةِ فأُثْنِيَ على صاحبِها شرًّا، فقال: وَجَبَتْ. فقال أبو الأسود فقلتُ وما وَجَبتْ يا أمير المؤمنين؟ قال: قلتُ كما قال النبيُّ ◌َل: أيُّما مُسلمٍ شَهِدَ لهُ أربعةٌ بخيرٍ أدخلَهُ اللَّهُ الجنَّةَ. فقُلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة. فقلنا: واثنانٍ؟ قال: واثنانِ. ثمَّ لم نسألُهُ عنِ الواحد)). [الحديث ١٣٦٨ - طرفه في: ٢٦٤٣]. وبه قال: (حدّثنا عفان بن مسلم) بكسر اللام المخففة، زاد أبو ذر: هو الصفار، قال: (حدّثنا داودبن أبي الفرات) بلفظ النهر، واسمه عمرو الكندي (عن عبدالله بن بريدة) بضم الموحدة وفتح الراء آخره هاء تأنيث (عن أبي الأسود) ظالم بن عمروبن سفيان الديلي، بكسر الدال المهملة وسكون التحتية، ويقال: الدؤلي بضم الدال بعدها همزة مفتوحة، وهو أول من تكلم في النحو بعد عليّ بن أبي طالب . قال الحافظ ابن حجر: ولم أره من رواية عبد اللَّه بن بريدة عنه، إلا معنعنًا. وقد حكى الدارقطني في كتاب التتبع، عن علي بن المديني: أن ابن بريدة إنما يروي عن يحيى بن معمر، عن أبي الأسود، ولم يقل في هذا الحديث: سمعت أبا الأسود. قال الحافظ ابن حجر، وابن بريدة ولد في عهد عمر، فقد أدرك أبا الأسود بلا ريب، لكن البخاري لا يكتفي بالمعاصرة، فلعله أخرجه شاهدًا أو اكتفى للأصل بحديث أنس السابق. (قال) أي: أبو الأسود: (قدمت المدينة) النبوية - (وقد وقع بها مرض) - جملة حالية، زاد في الشهادات: وهم يموتون موتًا ذريعًا. وهو بالذال المعجمة أي سريعًا (فجلست إلى) أي: عند ٠ ٤٦٧ كتاب الجنائز/ باب ٨٦ (عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فمرت بهم جنازة، فأثني) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول (على صاحبها خيرًا) كذا في جميع الأصول بالنصب، ووجهه ابن بطال، بأنه أقام الجار والمجرور، وهو قوله: على صاحبها مقام المفعول الأول وخيرًا مقام الثاني وإن كان الاختيار عكسه. وقال النووي: منصوب بنزع الخافض، أي أثنى عليها بخير. وقال في مصابيح الجامع: على صاحبها، نائب عن الفاعل، وخيرًا: مفعول لمحذوف. فقال المثنون خيرًا. (فقال عمر، رضي الله عنه: وجبت ثم مرّ) بضم الميم (بأخرى، فأثني على صاحبها) فقال المثنون: (خيرًا، فقال عمر، رضي الله عنه، وجبت ثم مر) بضم الميم (بالثالثة، فأثني على صاحبها) فقال المثنون (شرًا، فقال) عمر رضي الله عنه: (وجبت. فقال أبو الأسود) المذكور بالإسناد السابق، (فقلت وما) معنى قولك لكل منهما (وجبت يا أمير المؤمنين): مع اختلاف الثناء بالخير والشر. (قال) عمر: (قلت كما قال النبي، وَّل9) هو المقول، وحينئذ فيكون قول عمر، رضي الله عنه لكل منهما وجبت، قاله بناء على اعتقاده صدق الوعد المستفاد من قوله، وعَلـ: أدخله الله الجنة . (أيما مسلم شهد له أربعة) من المسلمين (بخير، أدخله الله الجنة). (فقلنا) أي عمر وغيره (وثلاثة؟ قال) عليه الصلاة والسلام: (وثلاثة. فقلنا: واثنان؟ قال) عليه الصلاة والسلام (واثنان). (ثم لم نسأله عن الواحد) استبعادًا أن يكتفي في مثل هذا المقام العظيم، بأقل من النصاب. واقتصر على الشق الأول اختصارًا، أو لإحالة السامع على القياس. وفي حديث حمادبن سلمة، عن ثابت عن أنس، عند أحمد، وابن حبان والحاكم مرفوعًا: ما من مسلم يموت، فيشهد له أربعة من جيرانه الادنين، أنهم لا يعلمون منه إلا خيرًا، إلا قال الله تعالى قد قبلت قولكم وغفرت له ما لا تعلمون وهذا يؤيد قول النووي السابق: إن من مات فألهم الله الناس الثناء عليه بخير، كان دليلاً على أنه من أهل الجنة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا . وهذا في جانب الخير واضح، وأما في جانب الشر، فظاهر الأحاديث أنه كذلك، لكن إنما يقع ذلك في حق من غلب شره على خيره، وقد وقع في رواية النضر عند الحاكم: إن لله تعالى ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المؤمن من الخير أو الشر. وهل يختص الثناء الذي ينفع الميت بالرجال، أو يشمل النساء أيضًا. وإذا قلنا إنهن يدخلن، فهل يكتفى بأمرأتين، أو لا بد من رجل وأمرأتين؟ محل نظر. وقد يقال: لا يدخلن، لقصة أم العلاء الأنصارية، لما أثنت على عثمان بن مظعون بقولها: فشهادتي عليك لقد أكرمك الله تعالى. فقال لها النبي، وَ لير، وما يدريك أن الله أكرمه، فلم يكتف بشهادتها، لكن يجاب بأنه عليه الصلاة ٤٠٦٨ كتاب الجنائز/ باب ٨٧ والسلام، إنما أنكر عليها القطع بأن الله أكرمه، وذلك مغيب عنها، بخلاف الشهادة للميت بأفعاله الحسنة التي يتلبس بها في الحياة الدنيا. ورواة هذا الحديث: كلهم بصريون، لكن داود مروزي، تحول إلى البصرة. وهو من أفراد المؤلف . وفيه: رواية تابعي عن تابعي عن صحابي والتحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في الشهادات، والترمذي في: الجنائز، وكذا النسائي والله أعلم. ٨٧ - باب ما جاءَ في عذاب القبرِ وقوله تعالى: ﴿إذ الظالمونَ فِي غَمَراتِ الموتِ والملائكةُ باسطو أيديهم أخرِجوا أنفُسَكم اليومَ تُجْزَونَ عذابَ الهونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] الهونُ هو الهَوانُ. والهَونُ الرِّفْقُ. وقوله جلَّ ذِكرُهُ ﴿سنُعذّبُهم مرَّتَيْنِ ثمَّ يُرَدُّونَ إلى عذابٍ عَظيم﴾ [التوبة: ١٠١]. وقوله تعالى: ﴿وحاقَ بآلٍ فِرِعَونَ سوءُ العذابِ النارُ يُعرَضونَ عليها غُدُوًّا وعَشيًّا ويومَ تقومُ الساعة أدخِلوا آلَ فِرِعونَ أشدَّ العَذاب﴾ [غافر: ٤٥]. (باب ما جاء في عذاب القبر) قد تظاهرت الدلائل من الكتاب والسنة على ثبوته، وأجمع عليه أهل السنة، ولا مانع في العقل أن يعيد الله الحياة في جزء من الجسد، أو في جميعه على الخلاف المعروف، فيثيبه ويعذبه. وإذا لم يمنعه العقل وورد به الشرع وجب قبوله، واعتقاده. ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه، كما يشاهد في العادة، أو أكلته السباع والطيور وحيتان البحر. كما أن الله تعالى يعيده للحشر، وهو سبحانه وتعالى، قادر على ذلك، فلا يستبعد تعلق روح الشخص الواحد في آن واحد بكل واحد من أجزائه المتفرقة في المشارق والمغارب. فإن تعلقه ليس على سبيل الحلول حتى يمنعه الحلول في جزء من الحلول في غيره، قال في مصابيح الجامع: وقد كثرت الأحاديث في عذاب القبر، حتى قال غير واحد: إنها متواترة لا يصح عليها التواطؤ وإن لم يصح مثلها لم يصح شيء من أمر الدين. قال أبو عثمان الحداد وليس في قوله تعالى: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ [الدخان: ٥٦] ما يعارض ما ثبت من عذاب القبر، لأن الله تعالى أخبر بحياة الشهداء قبل يوم القيامة، وليست مرادة بقوله تعالى: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ [الدخان: ٥٦] فكذا حياة المقبور قبل الحشر. قال ابن المنير: وأشكل ما في القضية أنه إذا ثبت حياتهم، لزم أن يثبت موتهم بعد هذه الحياة ليجتمع الخلق كلهم في الموت عند قوله تعالى: ﴿لمن الملك اليوم﴾ [غافر: ١٦] ويلزم تعدد الموت، ٤٦٩ کتاب الجنائز/ باب ٨٧ وقد قال تعالى: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ [الدخان: ٥٦] الآية، والجواب الواضح عندي أن معنى قوله تعالى: ﴿لا يذوقون فيها الموت﴾ [الدخان: ٥٦] أي ألم الموت فيكون الموت الذي يعقب الحياة الأخروية بعد الموت الأول لا يذاق ألمه البتة، ويجوز ذلك في حكم التقدير بلا إشكال، وما وضعت العرب اسم الموت إلا للمؤلم على ما فهموه لا باعتبار كونه ضدّ الحياة، فعلى هذا يخلق الله لتلك الحياة الثانية ضدًا يعدمها به لا يسمى ذلك الضد موتًا، وإن كان للحياة ضد، جمعًا بين الأدلة العقلية والنقلية واللغوية . اهـ. وقد ادعى قوم عدم ذكر عذاب القبر في القرآن، وزعموا أنه لم يرد ذكره إلا من أخبار الاحاد، فذكر المصنف آيات تدل لذلك ردًا عليهم فقال: (وقوله تعالى) بالجر عطفًا على عذاب، أو بالرفع على الاستئناف (﴿إذ الظالمون﴾) ولأبي ذر، وابن عساكر: ﴿ولو ترى إذ الظالمون﴾ جوابه محذوف، أي: ولو ترى زمن غمراتهم لرأيت أمرًا فظيعًا (﴿في غمرات الموت﴾) شدائده (﴿والملائكة باسطو أيديهم﴾) لقبض أرواحهم أو بالعذاب (﴿أخرجوا أنفسكم)) أي: يقولون لهم أخرجوها إلينا من أجسادكم تغليظًا وتعنيفًا عليهم، فقد ورد أن أرواح الكفار تتفرق في أجسادهم، وتأبى الخروج فتضربهم الملائكة حتى تخرج (﴿اليوم﴾) يريد وقت الإماتة لما فيه من شدة النزع، أو الوقت الممتد من الإماتة إلى ما لا نهاية له الذي فيه عذاب البرزخ والقيامة (﴿تجزون عذاب الهون﴾) [الأنعام: ٩٣]. وروى الطبري، وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿والملائكة باسطو أيديهم﴾ قال: هذا عند الموت، والبسط الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم (الهون) بالضم، ولأبي ذر: قال أبو عبد اللَّه أي البخاري: الهون (هو الهوان) يريد العذاب المتضمن لشدة وإهانة، وأضافه إلى الهون لتمكنه فيه، (والهون) بالفتح والرفع: (الرفق. وقوله جل ذكره: ((سنعذبهم مرتين﴾) بالفضيحة في الدنيا، وعذاب القبر، رواه الطبري وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، عن ابن عباس بلفظ: خطب رسول الله، وَل، يوم الجمعة، فقال: اخرج يا فلان فإنك منافق ... فذكر الحديث. وفيه: ففضح الله المنافقين، فهذا العذاب الأول. والعذاب الثاني، عذاب القبر، أو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، ثم عذاب القبر (﴿ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾) [التوبة: ١٠١] في جهنم. (وقوله تعالى: ﴿وحاق بآل فرعون﴾) فرعون وقومه، واستغنى بذكرهم عن ذكره للعلم بأنه أولى بذلك (﴿سوء العذاب﴾) الغرق في الدنيا، ثم النقلة منه إلى النار (﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيًا﴾) جملة مستأنفة، أو: النار، بدل من سوء العذاب، ويعرضون حال. وروى ابن مسعود: أن أرواحهم في أجواف طير سود تعرض على النار بكرة وعشيا، فقال لهم: هذه داركم. رواه ابن أبي حاتم، قال القرطبي: الجمهور على أن هذا العرض في البرزخ، وفيه دليل على بقاء النفس، وعذاب القبر (﴿ويوم تقوم الساعة﴾) أي: هذا ما دامت الدنيا، فإذا قامت الساعة قيل لهم: (﴿أدخلوا﴾) ٤٧٠ كتاب الجنائز/ باب ٨٧ (﴿آل فرعون أشد العذاب﴾﴾ [غافر: ٤٥] عذاب جهنم فإنه أشد مما كانوا فيه، أو أشد عذاب جهنم . وهذه الآية المكية أصل في الاستدلال لعذاب القبر، لكن استشكلت مع الحديث المروي في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين: أن يهودية في المدينة كانت تعيذ عائشة من عذاب القبر، فسألت عنه رسول الله، وَالر، فقال: كذب يهود، لا عذاب دون القيامة. فلما مضى بعض أيام، نادى رسول الله، وَلقر، محمرًا عيناه، بأعلى صوته: أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإنه حق. وأجيب: بأن الآية دلت على عذاب الأرواح في البرزخ، وما نفاه أوّلاً ثم أثبته، عليه الصلاة والسلام، عذاب الجسد فيه. والأولى أن يقال: الآية دلت على عذاب الكفار، وما نفاه، ثم أثبته عذاب القبر للمؤمنين. ففي صحيح مسلم، من طريق ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، رضي الله عنها، أن يهودية قالت لها: أشعرت أنكم تفتنون في القبور؟ فلما سمع، عليه الصلاة والسلام، قولها ارتاع، وقال: إنما تفتن اليهود. ثم قال بعد ليال: أشعرت أنه أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور، وفي الترمذي، عن علي قال: ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت ﴿ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر﴾ [التكاثر: ١-٢] وفي صحيح ابن حبان، من حديث أبي هريرة مرفوعًا في قوله تعالى: ﴿فإن له معيشة ضنكا﴾ قال عذاب القبر. ١٣٦٩ - حدثنا حفصُ بنُ عمرَ حدَّثَنا شُعبةُ عن عَلقمةَ بنِ مَرْثدٍ عن سَعدِ بنِ عُبَيدةَ عنِ البَراءِينِ عازبٍ رضيَ اللَّهُ عنهما عن النبيِّنَّهِ قال: ((إذا أُفْعِدَ المؤمنُ في قبرِهِ أُتِيَ ثمَّ شَهِدَ أن لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ وأنّ محمدًا رسولُ اللهِ، فذلك قولهُ: ﴿يُثْبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثابتِ﴾. وبالسند قال: (حدَّثنا حفص بن عمر) الحوضي، قال: (حدَّثنا شعبة) بن الحجاج (عن علقمة بن مرتد) بفتح الميم والمثلثة، الحضرمي (عن سعد بن عبيدة) بسكون العين في الأوّل، وضمها وفتح الموحدة مصغرًا آخره هاء تأنيث في الثاني، وصرّح في رواية أبي الوليد الطيالسي، الآتية إن شاء الله تعالى في التفسير بالإخبار بين شعبة وعلقمة، وبالسماع بين علقمة وسعدبن عبيدة (عن البراءبن عازب، رضي الله عنهما، عن النبي ◌َِّ قال): (إذا أقعد المؤمن في قبره) بضم همزة أقعد مبنيًا للمفعول، كهمزة (أتي) أي: حال كونه مأتيًا إليه. والآتي: الملكان منكر ونكير (ثم شهد) بلفظ الماضي: كعلم، وللحموي والكشميهني كما في الفرع، وقال في الفتح، والمستملي بدل الكشميهني: ثم يشهد، بلفظ المضارع، كيعلم (أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله) وفي رواية أبي الوليد المذكورة، المسلم، إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله (فذلك قوله) تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت) الذي ثبت بالحجة عندهم، وهي كلمة التوحيد، وثبوتها تمكنها في القلب، واعتقاد حقيتها، واطمئنان القلب ٤٧١ كتاب الجنائز/ باب ٨٧ بها. زاد في رواية أبي الوليد ﴿في الحياة وفي الآخرة﴾ [إبراهيم: ٢٧] وتثبيتهم في الدنيا: أنهم إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا عنها، وإن ألقوا في النار ولم يرتابوا بالشبهات. وتثبيتهم في الآخرة: أنهم إذا سئلوا في القبر لم يتوقفوا في الجواب وإذا سئلوا في الحشر، وعند موقف الإشهاد، عن معتقدهم ودينهم، لم تدهشهم أهوال القيامة. وبالجملة، فالمرء على قدر ثباته في الدنيا يكون ثباته في القبر وما بعده وكلما كان أسرع إجابة كان أسرع تخلصًا من الأهوال. والمسؤول عنه في قوله: إذا سئلوا الثابت في رواية أبي الوليد، محذوف أي: عن ربه ونبيه ودينه. وفي هذا الحديث: التحديث والعنعنة، ورواته ما بين: بصري وكوفي، وأخرجه المؤلف أيضًا في الجنائز، وفي التفسير، ومسلم في: صفة النار، وأبو داود في: السنة، والترمذي في: التفسير، والنسائي في: الجنائز، وفي التفسير، وابن ماجة في: الزهد. ١٣٦٩م - حدثنا محمدُ بنُ بَشّارِ حدَّثَنا غُندَرٌ حدَّثَنا شعبةُ بهذا، وزاد ﴿يُثْبِّتُ اللَّهُ الذينَ آمَنوا﴾ نَزَلَتْ في عذاب القبرِ. [الحديث ١٣٦٩م - طرفه في: ٤٦٩٩]. وبه قال: (حدّثنا محمدبن بشار) بفتح الموحدة والشين المعجمة المشددة، العبدي البصري، وإقال له: بندار، قال: (حدّثنا غندر) محمدبن جعفر قال: (حدَّثنا شعبة) بن الحجاج (بهذا) أي: بالحديث السابق (وزاد: ﴿يثبت الله الذين آمنوا﴾) بالقول الثابت (نزلت في عذاب القبر). قال الطيبي في شرح المشكاة: إن قلت: ليس في الآية ما يدل على عذاب المؤمن في القبر، فما معنى نزلت في عذاب القبر؟ قلت لعله سمى أحوال العبد في القبر بعذاب القبر على تغليب فتنة الكافر على فتنة المؤمن ترهيبًا وتخويفًا، ولأن القبر مقام الهول والوحشة، ولأن ملاقاة الملكين مما يهيب المؤمن في العادة. ١٣٧٠ - حقّثنا عليُّ بنُ عبدِ اللهِ حدَّثَنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ حدَّثَني أبي عن صالحِ حدَّثني نافعٌ أنّ ابنَ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما أخبرَهُ قال: ((اطلعَ النبيُّوَّرِ على أهلِ القليبِ فقال: وجَدْتُم ما وعَدَ ربُّكمْ حَقًّا. فقيل له: أتدعو أمواتًا؟ فقال: ما أنتم بأسْمَعَ منهم، ولكنْ لا يجيبون)). [الحديث ١٣٧٠ - طرفاه في: ٣٩٨٠، ٤٠٢٦]. وبه قال: (حذّثنا علي بن عبدالله) المديني، قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) قال: (حدّثني) بالإفراد. ولأبي الوقت: حدَّثنا (أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي (عن صالح) هو: ابن كيسان، قال: (حدَّثني) بالإفراد (نافع) مولى ابن عمربن الخطاب (أن ابن عمر، رضي الله عنهما، أخبره قال): (اطلع النبي، وَلّر، على أهل القليب) قليب بدر، وهم: أبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وهم يعذبون (فقال) لهم: (وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟) وفي ٤٧٢ كتاب الجنائز/ باب ٨٧ نسخة: ما وعدكم. (فقيل له) عليه الصلاة والسلام، والقائل عمربن الخطاب كما في مسلم: (أتدعو) بهمزة الاستفهام، وسقطت من اليونينية، كما في فرعها (أمواتًا؟ فقال) عليه الصلاة والسلام (ما أنتم بأسمع منهم) لما أقول (ولكن لا يجيبون): لا يقدرون على الجواب. وهذا يدل على وجود حياة في القبر يصلح معها التعذيب، لأنه لما ثبت سماع أهل القليب كلامه، عليه الصلاة والسلام، وتوبيخه لهم، دل على إدراكهم الكلام بحاسة السمع، وعلى جواز إدراكهم ألم العذاب ببقية الحواس بل بالذات. ورواة هذا الحديث: مدنيون، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أيضًا في: المغازي مطوّلاً، ومسلم في: الجنائز، وكذلك النسائي. ١٣٧١ - حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ حدَّثَنا سفيانُ عن هشام بنِ عُروةً عن أبيهِ عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها قالت: ((إنّما قال النبيُّ وَّهِ: إِنَّهم ليعلَمونَ الآنَ أنَّ ما كنتُ أقولُ حَقٌّ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسمِعُ المَوْتَى﴾)). [الحديث ١٣٧١ - طرفاه في: ٣٩٧٩، ٣٩٨١]. وبه قال: (حدَّثنا عبدالله بن محمد) هو: ابن أبي شيبة، قال: (حدَّثنا سفيان) بن عيينة (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة، رضي الله عنها، قالت): تردّ رواية ابن عمر: ما أنتم بأسمع منهم. (إنما قال النبي وَلّ: إنهم ليعلمون الآن أن ما كنت أقول حق) ولأبوي الوقت، وذر: أن ما كنت أقول لهم حق، ثم استدلت لما نفته بقولها: (وقد قال الله تعالى: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾) قالوا: ولا دلالة فيها على ما نفته، بل لا منافاة بين قوله، عليه الصلاة والسلام: إنهم الآن يسمعون، وبين الآية. لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فالله تعالى هو الذي أسمعهم، بأن أبلغ صوت نبيه، وَّ بذلك. وقد قال المفسرون: إن الآية مثل ضربة الله للكفار أي: فكما أنك لا تسمع الموتى، فكذلك لا تفقه كفار مكة، لأنهم كالموتى في عدم الانتفاع بما يسمعون. وقد خالف الجمهور عائشة في ذلك، وقبلوا حديث ابن عمر لموافقة من رواه غيره عليه، ولا مانع أنهلمّ قال اللفظين معًا، ولم تحفظ عائشة إلا أحدهما، وحفظ غيرها سماعهم بعد إحيائهم. وإذا جاز أن يكونوا عالمين، جاز أن يكونوا سامعين، إما بآذان رؤوسهم، كما هو قول الجمهور، أو بآذان الروح فقط، والمعتمد قول الجمهور، لأنه: لو كان العذاب على الروح فقط، لم يكن للقبر بذلك اختصاص، وقد قال قتادة، كما عند المؤلف في غزوة بدر: أحياهم الله تعالى حتى أسمعهم توبيخًا أو نقمة. ١٣٧٢ - حدثنا عَبْدانُ أخبرني أبي عن شعبة سمعتُ الأشْعثَ عن أبيه عن مَسْروقٍ عن عائشةً ٤٧٣ كتاب الجنائز/ باب ٨٧ رضيَ اللَّهُ عنها ((أن يهوديةً دخلتْ عليها فذَكرَتْ عذاب القبرِ فقالت لها: أعاذَكِ اللَّهُ مِن عذابٍ القبرِ. فسألَتْ عائشةُ رسولَ اللَّهِوَ ◌ّر عن عذابِ القبرِ فقال: نَعَمْ، عذابُ القبرِ. قالت عائشةُ رضيَ اللَّهُ عنها: فما رأيتُ رسولَ اللَّهِوَّهِ بعدُ صلَّى صلاةً إلاَّ تَعَوَّذَ مِن عَذابِ القبرِ)). وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة، قال: (أخبرني) بالإفراد (أبي) عثمان (عن شعبة) بن الحجاج، قال: (سمعت الأشعث) بالمثلثة في آخره (عن أبيه) أبي الشعثاء، بالمد، سليم بن أسود المحاربي. وفي رواية أبي داود الطيالسي: عن شعبة، عن أشعث سمعت أبي، (عن مسروق) هو: ابن الأجدع (عن عائشة، رضي الله عنها). (أن يهودية) قال ابن حجر: لم أقف على اسمها (دخلت عليها) أي: على عائشة (فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر. فسألت عائشة) رضي الله عنها (رسول الله ◌َلقر، عن عذاب القبر، فقال): (نعم، عذاب القبر) بحذف الخبر، أي: حق، أو: ثابت. وللحموي والمستملي: عذاب القبر حق، بإثبات الخبر، لكن قال الحافظ ابن حجر: ليس بجيد، لأن المصنف قال عقب هذه الطريق، زاد غندر: عذاب القبر، حق، فبين أن لفظة: حق، ليست في رواية عبدان عن أبيه عن شعبة، وأنها ثابتة في رواية غندر، يعني: عن شعبة. وهو كذلك، وقد أخرج طريق غندر: النسائي والإسماعيلي: كذلك، وكذا أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة . اهـ. وتعقبه العيني، بأن قوله: زاد غندر: عذاب القبر حق، ليس بموجود في كثير من النسخ، ولئن سلمنا وجود هذا، فلا نسلم أنه يستلزم حذف الخبر، مع أن الأصل ذكر الخبر، وكيف ينفي الجودة من رواية المستملي مع كونها على الأصل؟ فماذا يلزم من المحذور إذا ذكر الخبر في الروايات کلها؟ اهـ فليتأمل. (قالت عائشة، رضي الله عنها: فما رأيت رسول الله (وَلوبعد) مبني على الضم، أي: بعد سؤالي إياه (صلى صلاة إلا تعوذ) فيها (من عذاب القبر). وزاد في رواية أبي ذر هنا قوله: وزاد غندر: عذاب القبر حق. ففي هذا الحديث أنه أقر اليهودية على أن عذاب القبر حق، وفي حديثي أحمد ومسلم السابقين، أنه أنكره، حيث قال: كذب يهود، لا عذاب دون عذاب يوم القيامة، وإنما تفتن اليهود. فبين الروايتين مخالفة، لكن قال النووي، كالطحاوي وغيرهما: قضيتان، فأنكر، وعليه ، قول اليهودية في الأولى، ثم أعلم بذلك ولم يعلم عائشة، فجاءت اليهودية مرة أخرى، فذكرت لها ذلك، فأنكرت عليها مستندة إلى الإنكار الأول، فأعلمها عليه الصلاة والسلام بأن الوحي نزل بإثباته اهـ. ٤٧٤ كتاب الجنائز/ باب ٨٧ وفيه إرشاد لأمته، ودلالة على أن عذاب القبر ليس خاصًا بهذه الأمة، بخلاف المسألة ففيها خلاف، يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. ١٣٧٣ - حدّثنا يحيى بنُ سليمانَ حدَّثَنا ابنُ وَهبٍ قال أخبرني يونسُ عن ابنِ شهابٍ أخبرَني عُروةُ بنُ الزُّبَير أنَّهُ سمِعَ أسماءَ بنتَ أبي بكرٍ رضيَ اللَّهُ عنهما تقولُ ((قام رسولُ اللّهِ ﴿ خطيبًا فذكَّرَ فِتنةَ القبرِ التي يَفْتَتِنُ فيها المرءُ. فلمَّا ذَكَرَ ذُلِكَ ضَجَّ المسلمونَ ضَجَّةً)). وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) أبو سعيد الجعفي الكوفي، نزيل البصرة، قال: (حدَّثنا ابن وهب) عبدالله المصري بالميم (قال: أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري، قال: (أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أنه سمع أسماء بنت أبي بكر) الصديق (رضي الله عنهما، تقول): (قام رسول الله (َّر) حال كونه (خطيبًا، فذكر فتنة القبر التي يفتتن فيها المرء) بفتح المثناة التحتية وكسر المثناة الفوقية الثانية، ولأبي ذر والوقت، من غير اليونينية: يفتن بضم أوّله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول، (فلما ذكر ذلك) بتفاصيله كما يجري على المرء في قبره (ضج المسلمون ضجة) عظيمة، وزاد النسائي من الوجه الذي أخرجه منه البخاري: حالت بيني وبين أن أفهم كلام رسول الله ◌َ ◌ّ فلما سكنت ضجتهم قلت لرجل قريب مني، أي: بارك الله فيك؛ ماذا قال رسول الله ◌َّ﴾ وفي آخر كلامه؟ قال: قال: قد أوحى إلي أنكم تفتنون في القبور قريبًا من فتنة المسيح الدجال، أي: فتنة قريبة، يريد: فتنة عظيمة، إذ ليس فتنة أعظم من فتنة الدجال. وهذا الحديث قد سبق في العلم، والكسوف، والجمعة من طريق فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بتمامه. وأورده هنا مختصرًا، ووقع هنا في بعض نسخ البخاري: وزاد غندر: عذاب القبر، بحذف الخبر أي: حق وثبت لأبي الوقت، وكذا هو ثابت في الفرع، لكن رقم عليه علامة السقوط، وفوقها علامة أبي ذر الهروي، ولا يخفى أن هذا إنما هو في آخر حديث عائشة المتقدّم، فذكره في حديث أسماء غلط، لأنه لا رواية لغندر فيه. ١٣٧٤ - حدثنا عيّاشُ بنُ الوَليدِ حدَّثَنا عبدُ الأعلى حدَّثَنا سعيدٌ عن قتادةَ عن أنسِ بنِ مالكِ رضيَ اللَّهُ عنه أنّهُ حدَّثَّهم أنَّ رسولَ اللَّهِوَ لَّه قال: ((إنَّ العبدَ إذا وُضِعَ في قبرِهِ وتولَّى عنه أصحابُه -وإِنَّهُ لَيَسمَعُ قرعَ نِعالهِم- أتاهُ مَلَكانِ فيُقعِدانِهِ فَيقولانٍ: ما كنتَ تَقولُ في هذا الرجُلِ؟ لمحمدٍ ێّ. فأمّا المؤمِنُ فيقولُ أشهدُ أنَّهُ عبدُ اللَّهِ ورسولهُ. فيقال له: انظُرْ إلى مَقْعدكِ مِنَ النّارِ، قد أبدَلَكَ اللَّهُ بهِ مَقعدًا من الجنةِ، فيراهُما جميعًا)» قال قتادةُ: وذُكِرَ لنا أنَّهُ يُفْسَحُ في قبرِهِ. ثم رَجَعَ إلى حديثٍ أنس قال: ((وأمّا المنافِقُ والكافرُ فيقالُ له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجُلِ؟ فيقول: لا أدري، كنتُ ٤٧٥ كتاب الجنائز/ باب ٨٧ أقولُ ما يقولُ الناسُ. فيقال: لا دَرَيت ولا تَلَيتَ. ويُضرَبُ بمطَارِقَ من حديدٍ ضَربةً، فيَصيحُ صيحةٌ يَسمعُها مَن يَلِيهِ غيرَ الثَقلَينِ)) . وبه قال: (حدَّثنا عياش بن الوليد) بفتح العين والمثناة التحتية المشدّدة، آخره شين معجمة، الرقام البصري، قال: (حدَّثنا عبدالأعلى) بن عبد الأعلى السامي، بالسين المهملة، قال: (حدَّثنا سعيد) هو: ابن أبي عروبة (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك) وسقط لفظة: ابن مالك لأبي ذر (رضي الله عنه، أنه حدثهم أن رسول الله وَ ل﴿، قال): (إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه) بالواو، والضمير للميت، ولأبي ذر: إنه (ليسمع قرع نعالهم) زاد مسلم: إذا انصرفوا (أتاه ملكان) زاد ابن حبان والترمذي، من حديث أبي هريرة: أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر، وللآخر النكير. والنكير فعيل بمعنى مفعول، والمنكر مفعل من أنكر، وكلاهما ضدّ المعروف، وسميا به لأن الميت لم يعرفهما، ولم ير صورة مثل صورتهما، وإنما صوّرا كذلك ليخاف الكافر ويتحير في الجواب، وأما المؤمن فيثبته الله بالقول الثابت، فلا يخاف لأن من خاف الله في الدنيا وآمن به وبرسله وكتبه لم يخف في القبر. وزاد الطبراني في الأوسط، من حديث أبي هريرة أيضًا: أعينهما مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرعد. وزاد عبد الرزاق، من مرسل عمرو بن دينار: يحفران بأنيابهما، ويطآن في أشعارهما، معهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل منى لم يقلوها. وذكر بعض الفقهاء أن اسم اللذين يسألان المذنب: منكر ونكير، واسم اللذين يسألان المطيع: مبشر وبشير. كذا نقله في الفتح. (فيقعدانه) فتعاد روحه في جسده، وفي حديث البراء: فيجلسانه، وزاد ابن حبان من حديث أبي هريرة: فإذا كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصوم عن شماله، وفعل المعروف من قبل رجليه، فيقال له: اجلس. فيجلس، وقد مثلث له الشمس عند الغروب: زاد ابن ماجة من حديث جابر: فيجلس يمسح عينيه، ويقول: دعوني أصلي، فانظر كيف يبعث المرء على ما عاش عليه . اعتاد بعضهم أنه كلما انتبه ذكر الله واستاك، وتوضأ وصلى، فلما مات رئي، فقيل له: ما فعل الله بك. قال: لما جاءني الملكان، وعادت إليّ روحي، حسبت أني انتبهت من الليل، فذكرت الله على العادة، وأردت أن أقوم أتوضأ، فقالا لي: أين تريد تذهب؟ فقلت: للوضوء والصلاة، فقالا: ثم نومة العروس، فلا خوف عليك ولا بؤس. (فيقولان) له: (ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد ◌َّ#) بيان من الراوي أي: لأجل محمد ٤٧٦ كتاب الجنائز/ باب ٨٧ عليه الصلاة والسلام، وعبر بذلك امتحانًا، لئلا يتلقن تعظيمه من عبارة القائل. والإشارة في قوله: هذا، للحاضر، فقيل: يكشف للميت حتى يرى النبي وَ ل# وهي بشرى عظيمة للمؤمن إن صح ذلك، ولا نعلم حديثًا صحيحًا مرويًا في ذلك. والقائل به إنما استند لمجرد أن الإشارة لا تكون، إلا لحاضر. لكن يحتمل أن تكون الإشارة لما في الذهن، فيكون مجازًا. وزاد أبو داود في أوّله: ما كنت تعبد؟ فإن الله هداه قال: كنت أعبد الله. فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ (فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبدالله ورسوله) زاد في حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق، السابق في العلم والطهارة وغيرهما: جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وآمنا واتبعنا. (فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار) ولأبي داود: هذا بيتك كان في النار (قد أبدلك الله مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعًا) فيزداد فرحًا إلى فرحه، ويعرف نعمة الله عليه بتخليصه من النار، وإدخاله الجنة. وفي حديث أبي سعيد، عن سعيدبن منصور: فيقال له: نم نومة عروس، فيكون في أحلى نومة نامها أحد حتى يبعث. وللترمذي من حديث أبي هريرة: ويقال له: نم نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. (قال قتادة: وذكر لنا) بضم الذال، مبنيًا للمفعول (أنه يفسح في قبره) في زائدة، والأصل: يفسح قبره. ولأبوي ذر والوقت: يفسح له في قبره، وزاد ابن حبان: سبعين ذراعًا في سبعين ذراعًا، وعنده من وجه آخر، عن أبي هريرة، رضي الله عنه: ويرحب له في قبره سبعين ذراعًا، وينوّر له كالقمر ليلة البدر، وعنده أيضًا: فيزداد غبطة وسرورًا فيعاد الجلد إلى ما بدىء منه، وتجعل روحه في نسم طائر يعلق في شجر الجنة. (ثم رجع) قتادة (إلى حديث أنس، قال): (وأما المنافق والكافر) كذا بواو العطف، وتقدم في باب: خفق النعال، وأما الكافر أو المنافق بالشك (فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟) محمد ◌ّلير (فيقول لا أدري) وفي رواية أبي داود المذكورة، وإن الكافر إذا وضع في قبره أتاه ملك فينتهره، فيقول له: ما كنت تعبد؟ وفي أكثر الأحاديث: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ وفي حديث البراء: فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه ... لا يدري. فيقولان له: ما دينك فيقول: هاه هاه ... لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه ... لا أدري (كنت أقول ما يقول الناس) المسلمون (فيقال) له: (لا دريت ولا تليت) أصله: تلوت. بالواو، والمحدثون إنما يروونه بالياء للازدواج، أي: لا فهمت ولا قرأت القرآن، أو المعنى: لا دريت ولا اتبعت من يدري، ولأبي ذر: ولا تلیت، بزيادة ألف وتسكين المثناة الفوقية، وصوّبها يونس بن حبيب، فيما حكاه ابن قتيبة كأنه يدعو عليه، بأنه لا يكون له من يتبعه، واستبعد هذا في دعاء الملكين. وأجيب: بأن هذا أصل الدعاء، ثم استعمل في غيره (ويضرب بمطارق من حديد ضربة) بإفراد ضربة، وجمع: مطارق ليؤذن بأن كل جزء من أجزاء تلك المطرقة مطرقة برأسها، مبالغة (فيصيح صيحة يسمعها من يليه) مفهومه: أن من ٤٧٧ كتاب الجنائز/ باب ٨٧ بعُد لا يسمعه، فيكون مقصورًا على الملكين. لكن في حديث البراء: يسمعها ما بين المشرق والمغرب. والمفهوم لا يعارض المنطوق، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد: يسمعه خلق الله كلهم (غير الثقلين) الجنّ والإنس. وغير نصب على الاستثناء. وفي هذا الحديث: إثبات عذاب القبر، وأنه واقع على الكفار، ومن شاء الله من الموحدين. والمسألة، وهل هي واقعة على كل أحد؟ فقيل: إنما تقع على من يدّعي الإيمان إن محقًا وإن مبطلاً لقول عبيد بن عمير، أحد كبار التابعين، فيما رواه عبد الرزاق: إنما يفتن رجلان مؤمن ومنافق، وأما الكافر فلا يسأل عن محمد، ولا يعرفه. والصحيح أنه يسأل، لما ورد في ذلك من الأحاديث المرفوعة الصحيحة الكثيرة الطرق، وبذلك جزم الترمذي الحكيم، وقال ابن القيم في الروح: في الكتاب والسنة دليل على أن السؤال للكافر والمسلم قال الله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين﴾ [إبراهيم: ٢٧] وفي حديث أنس، في البخاري: وأما المنافق والكافر، بواو العطف. وهل يسأل الطفل الذي لا يميز؟ جزم القرطبي في تذكرته أنه يسأل، وهو منقول عن الحنفية، وجزم غير واحد من الشافعية بأنه لا يسأل. ومن ثم قالوا : لا يستحب أن يلقن. وقال عبيدبن عمير، مما ذكره الحافظ زين الدين ابن رجب في كتابه، أهوال القبور: المؤمن يفتن سبعًا والكافر أربعين صباحًا. ومن ثم كانوا يستحبون أن يطعم عن المؤمن سبعة أيام من يوم دفنه. وهذا مما انفرد به، لا أعلم أحدًا قاله غيره. نعم، تبعه في ذلك، وفي قوله السابق، بعض العصريين، فلم يصب والله الموفق. وقد صح أن المرابط في سبيل الله لا يفتن، كما في حديث مسلم وغيره، كشهيد المعركة، والصابر في الطاعون الذي لا يخرج من البلد الذي يقع فيه قاصدًا بإقامته ثواب الله، راجيًا صدق موعوده، عارفًا أنه إن وقع له فهو بتقدير الله تعالى، وإن صرف عنه فبتقديره تعالى، غير متضجر به لو وقع، معتمدًا على ربه في الحالتين لحديث البخاري والنسائي، عن عائشة مرفوعًا: فليس من رجل يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما قد كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد. وجه الدليل أن الصابر في الطاعون، المتصف بالصفات المذكورة، نظير المرابط في سبيل الله. وقد صح أن المرابط لا يفتن، ومن مات بالطاعون فهو أولى، وهل السؤال يختص بهذه الأمة المحمدية، أم يعم الأمم قبلها؟ ظاهر الأحاديث التخصيص، وبه جزم الحكيم الترمذي، وجنح ابن القيم إلى التعميم، واحتج بأنه ليس في الأحاديث ما ينفي ذلك، وإنما أخبر النبي ◌َ ◌ّ أمته بكيفية امتحانهم في القبور، قال: والذي يظهر، أن كل نبيّ مع أمته كذلك، فتعذب كفارهم في قبورهم بعد سؤالهم، وإقامة الحجة عليهم، كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة عليهم. ٤٧٨ كتاب الجنائز/ باب ٨٨ وهل السؤال باللسان العربي، أم بالسرياني ظاهر قوله: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ إلى آخر الحديث، أنه بالعربي. قال شيخنا: ويشهد له ما رويناه من طريق يزيدبن طريف، قال: مات أخي، فلما ألحد وانصرف الناس عنه، وضعت رأسي على قبره، فسمعت صوتًا ضعيفًا، أعرف أنه صوت أخي، وهو يقول: الله فقال له الآخر: ما دينك؟ قال: الإسلام. ومن طريق العلاءبن عبدالكريم، قال: مات رجل، وكان له أخ ضعيف البصر، قال أخوه: فدفناه، فلما انصرف الناس عنه وضعت رأسي على القبر، فإذا أنا بصوت من داخل القبر، يقول: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فسمعت صوت أخي، وهو يقول: الله. قال الآخر: فما دينك؟ قال: الإسلام، إلى غير ذلك مما يستأنس به لكونه عربيًا. قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل مع ذلك أن يكون خطاب كل أحد بلسانه، قال شيخنا: ويستأنس له بإرسال الرسل بلسان قومهم، وعن الإمام البلقيني أنه بالسريانية، والله أعلم. ٨٨ - باب التَّعَوُّذِ من عذابِ القبرِ (باب التعوّذ من عذاب القبر). ١٣٧٥ - حدثنا محمدُ بن المُثَنَّى حدَّثَنا يحيى حدَّثَنَا شُعبةُ قال حدَّثَني عونُ بنُ أبي جحيفةً عن أبيهِ عنِ البراء بنِ عازبٍ عن أبي أيُّوبَ رضيَ اللهُ عنهم قال: ((خرَجَ النبيُّ ◌َّ وقد وَجَبَتِ الشمسُ، فسمعَ صوتًا فقال: يَهودُ تُعَذَّبُ في قبورِها)). وقال النَّضرُ: أخبرَنا شُعبةُ حدَّثَنا عونٌ سمعتُ أبي قال سمعتُ البَراءَ عن أبي أيُّوبَ رضيَ اللَّهُ عنهما عن النبيّ ◌َله. وبالسند قال: (حدَّثنا) بالجمع، ولأبوي ذر، والوقت، حدَّثني (محمدبن المثنى) المعروف بالزمن، قال: (حدَّثنا) بالجمع، وفي نسخة: أخبرنا (يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدَّثنا) ولأبوي ذو، والوقت: أخبرنا (شعبة بن الحجاج (قال: حدّثني) بالإفراد (عون بن أبي جحيفة) بضم الجيم وفتح الحاء (عن أبيه) أبي جحيفة: وهب بن عبدالله السوائي الصحابي (عن البراءبن عازب، عن أبي أيوب) الأنصاري (رضي الله عنهم، قال): (خرج النبي، وَّر) من المدينة إلى خارجها (وقد وجبت الشمس) أي: سقطت، يريد: غربت. والجملة حالية (فسمع صوتًا) اما صوت ملائكة العذاب، أو صوت وقع العذاب، أو صوت المعذبين. وفي الطبراني عن عون بهذا السند: أنه مَ لقّ قال: أسمع صوت اليهود يعذبون في قبورهم (فقال: يهود تعذب في قبورها) يهود مبتدأ، وتعذب خبره. وقال في فتح الباري: يهود خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه يهود، وتعقبه العيني فقال: ظن أن يهود نكرة وليس كذلك، بل هو علم للقبيلة، وتدخله الألف واللام. قال الجوهري: الأصل ٤٧٩ كتاب الجنائز/ باب ٨٨ اليهوديون، فحذفت ياء الإضافة مثل زنجي، ثم عرّف على هذا الحد، فجمع على قياس شعير وشعيرة، ثم عرّف الجمع بالألف واللام، ولولا ذلك لم يجز دخولهما، لأنه معرفة مؤنث، فجرى مجرى القبيلة، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث . اهـ. وهذا نقله في فتح الباري عن الجوهري أيضًا، وزاد في إعراب يهود: أنه مبتدأ خبره محذوف، فكيف يقول العيني: إنه ظن أنه نكرة بعد قوله ذلك؟ فليتأمل . وإذا ثبت أن اليهود تعذب، ثبت تعذيب غيرهم من المشركين، لأن كفرهم بالشرك أشد من كفر اليهود، ومناسبة الحديث للترجمة من حيث أن كل من سمع مثل ذلك الصوت يتعوّذ من مثله، أو: الحديث من الباب السابق وأدخله هنا بعض النساخ. (وقال النضر) بن شميل، مما وصله الإسماعيلي: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج، قال: (حدَّثنا عون) قال: (سمعت أبي) أبا جحيفة (قال: سمعت البراء) بن عازب (عن أبي أيوب) الأنصاري (عن النبي ◌َ ﴿). وفائدة ذكر ذلك، تصريح عون فيه بالسماع له من أبيه، وسماع أبيه له من البراء، وهذا ثابت عند أبي ذر، كما نبه عليه في الفرع وأصله. وفي هذا الحديث: ثلاثة من الصحابة في نسق أولهم: أبو جحيفة، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والسماع والقول، وأخرجه مسلم في: صفة أهل النار، والنسائي في: الجنائز. ١٣٧٦ - حدثنا مُعَلَّى حدَّثَنَا وُهَيبٌ عن موسى بنِ عُقبةَ قال: حدَّثتني ابنةُ خالدِ بنِ سعيدِ بنِ العاص ((أنَّها سَمِعَتِ النبيَّ ◌َّرِ وهو يَتعوَّذُ منِ عذابِ القبرِ)). [الحديث ١٣٧٦ - طرفه في: ٦٣٦٤]. به قال: (حدّثنا معلى) بالتنوين، وعند أبي ذر: ابن أسد قال: (حدّثنا وهيب) هو: ابن خالد (عن موسى بن عقبة) الأسدي (قال: حدثتني) بالإفراد مع تاء التأنيث (ابنة خالدبن سعيدبن العاصي) أمة بفتح الهمزة وتخفيف الميم، أم خالد الأموية، ولدت بالحبشة، وتزوّجها الزبير، فولدت له خالدًا وعمرًا: (أنها سمعت النبي وَ ر وهو يتعوّذ من عذاب القبر) إرشادًا لأمته ليقتدوا به في ذلك، لينجوا من العذاب. وفي هذا الحديث: التحديث والعنعنة والسماع والقول، وشيخه ووهيب بصريان وموسى مدني. وأخرجه أيضًا في: الدعوات، والنسائي في: التعوّذ. ١٣٧٧ - حدثنا مُسلمُ بنُ إبراهيمَ حدَّثَنَا هِشامٌ حدَّثَنا يحيى عن أبي سلمةَ عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قال: ((كان رسولُ اللَّهِ وَهِ يَدْعو: اللَّهمَّ إني أعوذُ بكَ مِن عذابِ القَبرِ، ومِن عذابٍ النارِ، ومن فِتنةِ المَحيا والمَماتِ، ومن فتنةِ المسيحِ الدَّجَّالِ)). وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي، قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي، قال: (حدّثنا يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال): ٤٨٠ كتاب الجنائز/ باب ٨٩ (كان رسول الله، وَّر، يدعو: اللهم) وللكشميهني: يدعو ويقول: اللهم (إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار) تعميم بعد تخصيص، كما أن تاليه تخصيص بعد تعميم، وهو قوله: (ومن فتنة المحيا) الابتلاء مع عدم الصبر، والرضا، والوقوع في الآفات والإصرار على الفساد، وترك متابعة طريق الهدى (و) من فتنة (الممات) سؤال منكر ونكير مع الحيرة والخوف، وعذاب القبر وما فيه من الأهوال والشدائد. قاله الشيخ أبو النجيب السهروردي. والمحيا والممات: مصدران ميميان مفعل، من الحياة والموت (ومن فتنة المسيح الدجال) بفتح الميم وبالسين والحاء المهملتين، لأن إحدى عينيه ممسوحة، فيكون فعيلاً بمعنى مفعول، أو لأنه يمسح الأرض أي: يقطعها في أيام معدودة، فيكون بمعنى: فاعل وصدور هذا الدعاء منه ◌َ لّر على سبيل العبادة والتعليم. وفي الحديث: رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، ورواية يماني وبصري ومدني، وفيه: التحديث والعنعنة، وأخرجه مسلم في الصلاة. ٨٩ - باب عذاب القبرِ مَن الغِيبةِ والبَولِ (باب) بيان (عذاب القبر) الحاصل (من الغيبة) بكسر الغين وهي: ذكر الإنسان في غيبته بسوء، وإن كان فيه (و)باب: بيان عذاب القبر من أجل عدم الاستنزاه من (البول). وخصهما بالذكر لتعظيم أمرهما، لا لنفي الحكم عن غيرهما، نعم، هما أمكن. وقد روى أصحاب السنن الأربعة: استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه. ١٣٧٨ - حدثنا قتيبةُ حدَّثَنَا جَرِيرٌ عنِ الأعمشِ عن مُجاهِدٍ عن طاوُسٍ قال ابنُ عباسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما ((مَرَّ النبيُّ ◌َّ على قَبْرَينٍ فقال: إنهما لَيُعَذبانِ وما يُعذِّبانِ في كبيرٍ. ثم قال: بَلى، أمّا أحدُهما فكانَ يَسعى بالنَّميمةِ، وأما الآخَرُ فكان لا يَستَتِرُ من بولِه. قال: ثم أخذَ عُودًا رَطبَا فَكَسَرَهُ باثنتين، ثمَّ غَرَزَ كلَّ واحدٍ منهما على قبرٍ ثمَّ قال: لَعلَّهُ يُخفِّفُ عنهما، ما لم يَيَبَسا)). وبالسند قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد، قال: (حدّثنا جرير) هو: ابن أبي حازم (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن مجاهد) هو: ابن جبر (عن طاوس) هو: ابن كيسان (قال ابن عباس) ولأبي ذر: عن ابن عباس (رضي الله عنهما): (مر النبي وَّر على قبرين، فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير) دفعه (ثم قال) عليه الصلاة والسلام: (بلى) إنه كبير من جهة الدين (أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة) المحرمة (وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله) من الاستتار، وهو مجاز عن الاستنزاه. كما مر البحث فيه. (قال) ابن عباس: (ثم أخذ عودًا رطبًا) في غير هذه الرواية: ثم أخذ جريدة رطبة (فكسره) أي العود (باثنتين) بتاء التأنيث، ولأبي ذر: باثنين، بحذفها (ثم غرز كل واحد منهما) أي: من