النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
كتاب الجنائز/ باب ٧٨
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو: ابن مسرهد قال: (أخبرنا) ولأبي الوقت: حدثنا (بشربن
المفضل) بكسر الموحدة، وسكون المعجمة في الأول، وضم الميم وفتح الفاء وتشديد الضاد المعجمة
في الآخر، قال: (حدّثنا حسين المعلم عن عطاء) هو: ابن أبي رباح (عن جابر) هو: ابن عبد اللَّه
(رضي الله عنه) كذا أخرجه المؤلف: عن مسدد، عن بشربن المفضل، عن حسين. إلا أبا علي بن
السكن وحده، فإنه قال في روايته: عن شعبة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن جابر.
وأخرجه أبو نعيم من طريق أبي الأشعث، عن بشربن المفضل، فقال: سعيدبن يزيد عن أبي
نضرة، عن جابر. وقال بعده: ليس أبو نضرة من شرط البخاري. قال: وروايته عن حسين، عن
عطاء عزيزة جدًّا وأخرجه أبو داود، وابن سعد، والحاكم، والطبراني من طريقه، عن أبي نضرة عن
جابر. وأبو نضرة هو: المنذربن مالك العبدي. ولفظ رواية أبي داود: حدثنا سليمان بن حرب،
حدّثنا حماد بن زيد، عن سعيدبن يزيد، عن أبي نضرة، عن جابر، قال: دفن مع أبي رجل، وكان
في نفسي من ذلك حاجة، فأخرجته بعد سبعة أشهر، فما أنكرت منه شيئًا إلا شعرات كن في لحيته
مما يلي الأرض.
(قال) جابر :
(لما حضر أحد) أي: وقعته في سنة ثلاث من الهجرة (دعاني أبي) عبد الله (من الليل، فقال:
ما أراني) بضم الهمزة، أي: ما أظنني، أي ما أظن نفسي (إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب
النبي، (َ(18)، وفي المستدرك للحاكم، عن الواقدي: أن سبب ظنه ذلك منام رآه، وذلك أنه رأى
مبشربن عبدالمنذر، وكان ممن استشهد ببدر يقول له: أنت قادم علينا في هذه الأيام، فقصها على
النبي، وَلّر، فقال هذه شهادة. (وإني لا أترك بعدي أعز علي منك، غير نفس رسول الله، وَليز، فإن
علي) بالفاء، ولأبوي ذر، والوقت، وإن علي (دينًا فاقض) بحذف ضمير المفعول وفي رواية الحاكم:
فاقضه، (واستوص) أي: اطلب الوصية (بأخواتك خيرًا) وكان له تسع أخوات (فأصبحنا، فكان)
أبي (أول قتيل) قتل ودفن (ودفن معه آخر) هو: عمرو بن الجموح بن زيد الأنصاري، وكان صديق
عبدالله، والد جابر، ولأبي ذر: ودفنت بفتح الدال أي: دفنته ودفنت معه رجلاً آخر، بالنصب على
المفعول (في قبر) واحد، ولأبوي الوقت، وذر: في قبره (ثم لم تطب نفسي أن أتركه) أن مصدرية،
أي: لم تطب نفسي بتركه (مع الآخر) وهو: عمرو بن الجموح، كما مر، ولأبي الوقت: مع آخر،
بالتنكير (فاستخرجته) من قبره (بعد ستة أشهر) من يوم دفنه (فإذا هو كویم وضعته) فيه (هنية) بضم
الهاء وفتح النون وتشديد المثناة التحتية. قال في القاموس: مصغرة هنة، أي: شيء يسير. قال:
ويروى بإبدال الياء هاء. (غير أذنه) قال في المشارق: كذا في رواية أبي ذر، والجرجاني، والمروزي:
هنية غير أذنه، بالتقديم والتأخير، وهو تغيير، وصوابه ما جاء في رواية ابن السكن، والنسفي: غير
هنية في أذنه بتقديم غير، وزيادة: في.

٤٤٢
كتاب الجنائز/ باب ٧٨
لكن حكى السفاقسي أن بعضهم ضبطه: هيئته، بفتح الهاء وسكون التحتية بعدها همزة ثم
مثناة فوقية منصوبة ثم هاء الضمير أي: على حالته. قال: وبعضهم ضبطه بضم الهاء، ثم الياء
المشددة تصغير: هنا، أي: قريبًا. قال في المصابيح: وهو وجه يستقيم الكلام به، ولا تقديم ولا
تأخيراهـ.
وقوله، هو، مبتدأ خبره: كيوم وضعته، والكاف بمعنى: المثل، واليوم بمعنى: الوقت،
وانتصاب: هنية على الحال، والمعنى: استخرجت أبي من قبره، فإذا هو مثل الوقت الذي وضعته
فيه، لم يتغير فيه شيء غير شيء يسير في أذنه، أسرع إليه البلاء، فتغير عن حاله. وقد أخرجه ابن
السكن من طريق شعبة، عن أبي سلمة، بلفظ: غير أن طرف أذن أحدهم تغير، ولابن سعد، من
طريق أبي هلال، عن أبي سلمة: إلا قليلاً من شحمة أذنه.
ولأبي داود من طريق حمادبن زيد، عن أبي سلمة: إلا شعيرات كن من لحيته مما يلي الأرض.
ويجمع بين هذه الرواية وغيرها بأن المراد الشعيرات التي تتصل بشحمة الأذن. ووقع في رواية
الكشميهني: كيوم وضعته هنية عند أذنه، بلفظ: عند بالدال بدل: غير، لكن يبقى في الكلام
نقص، وبينه ما في رواية ابن أبي خيثمة، والطبراني من طريق غسان بن نصر، عن أبي سلمة بلفظ:
وهو كيوم دفنته إلا هنية عند أذنه.
وعند أبي نعيم من طريق الأشعث: غير هنية عند أذنه، فجمع بين لفظ: غير، ولفظ: عند،
وفي الكواكب، وفي بعضها: هيئة بالهمزة أي صورة.
١٣٥٢ - حدثنا عليُّ بنُ عبدِ اللهِ حدَّثَنا سعيدُبنُ عامرٍ عن شُعبةَ عنِ ابنِ أبي نَجِيحِ عن عَطاءٍ
عن جابر رضيَ اللَّهُ عنهُ قال: ((دُفِنَ مَع أبي رجُلٌ، فلم تَطِبْ نَفسي حتى أخرجْتُهُ، فجعلتُه في قبرٍ
على حِدَةٍ)) .
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبدالله) المديني، قال: (حدّثنا سعيدبن عامر) الضبعي (عن شعبة،
عن ابن أبي نجيح) بفتح النون وكسر الجيم آخره حاء مهملة بينهما مثناة تحتية ساكنة، عبد اللّه،
واسم أبي نجيح: يسار، بمثناة تحتية ومهملة مخففة (عن عطاء) هو: ابن أبي رباح (عن جابر)
الأنصاري (رضي الله عنه) كذا في رواية الأكثرين، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء. وحكى الجياني:
أنه وقع عند ابن السكن: عن مجاهد بدل عطاء، قال: والذي رواه غيره أصح، وكذا رواه النسائي،
عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن جابر، رضي الله عنه (قال):
(دفن مع أبي) عبد الله (رجل) يسمى: عمرو بن الجموح في قبر واحد (فلم تطب نفسي) أن
أتركه مع الآخر (حتى أخرجته) من ذلك القبر (فجعلته في قبر على حدة) بكسر الحاء المهملة وتخفيف
الدال المفتوحة بوزن عدة أي: على حياله منفردًا.

٤٤٣
كتاب الجنائز/ باب ٧٩
٧٩ - باب اللّخْدِ والشَّق في القبرِ
(باب اللحد والشق) الكائنين (في القبر).
١٣٥٣ - حدثنا عَبدانُ أخبرنا عبدُ اللَّهِ أخبرنا اللّيث بنُ سعدٍ قال حدَّثَني ابنُ شِهابٍ عن
عبد الرحمنِ بنِ كعبِ بنِ مالكِ عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((كانَ النبيُّ ◌َّهِ يَجْمَعُ بينَ
الرَّجلين مِن قَتلى أُحُدٍ ثم يقول: أيُّهم أكثرُ أخذًا للقرآنِ؟ فإذا أُشِيرَ له إلى أحدِهما قدَّمَهُ في اللّحدِ
فقال: أنا شَهيدٌ على هؤلاءِ يومَ القيامةِ، فأمَرَ بدَفْنِهم بدمائهم، ولم يُغَسِّلهم)) .
وبالسند قال: (حدّثنا عبدان) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة، لقب عبد الله بن عثمان
المروزي، قال: (أخبرنا عبدالله) بن المبارك المروزي، قال: (أخبرنا الليث بن سعد) الإمام (قال:
حدّثني) بالإفراد (ابن شهاب) الزهري (عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك، عن جابربن عبدالله،
رضي الله عنهما، قال):
(كان النبي ◌ِّر، يجمع بين الرجلين) بالتعريف، ولغير أبوي ذر، والوقت: رجلين (من قتلى)
غزوة (أحد) في ثوب واحد، أو يشقه بينهما (ثم يقول: أيهم) أي: أي القتلى (أكثر أخذًا للقرآن فإذا
أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، فقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة فأمر بدفنهم بدمائهم، ولم
يغسلهم). بضم أوله وتشديد ثالثه، ولأبي ذر: ولم يغسلهم، بفتح أوله وتخفيف ثالثه، وليس في
الحديث ذكر: الشق، فاستشكلت المطابقة بينه وبين الترجمة.
وأجيب: بأن قوله: قدمه في اللحد، يدل على الشق، لأن تقديم أحد الميتين يستلزم تأخير
الآخر غالبًا في الشق، لمشقة تسوية اللحد، لمكان اثنين، وتقديمه اللحد على الشق في الترجمة يفيد
أفضلية اللحد لكونه أستر للميت، ولقول سعدبن أبي وقاص في مرض موته: الحدوا لي لحدًا
وانصبوا عليّ اللبن نصبًا، كما فعل برسول الله، وَ لر. رواه مسلم وقد روى السلفي، عن أبي بن
كعب، مرفوعًا: ألحد آدم وغسل بالماء وترًا وقالت الملائكة: هذه سنة ولده من بعده.
وروى أبو داود: اللحد لنا والشق لغيرنا، قال التوربشتي، أي: اللحد، هو الذي نختاره
والشق اختيار من كان قبلنا. وقال الزين العراقي: المراد بغيرنا: أهل الكتاب، كما ورد مصرحًا به
في بعض طرق حديث جرير في مسند الإمام أحمد، والشق لأهل الكتاب، لكن الحديث ضعيف
وليس فيه النهي عن الشق، غايته تفضيل اللحد. نعم، إذا كان المكان رخوًا فالشق أفضل خوف
الانهيار، وقد أجمع العلماء، كما قاله في شرح المهذب، على جوازهما.

٤٤٤
كتاب الجنائز/ باب ٨٠
٨٠ - باب إذا أسْلَمَ الصبيُّ فماتَ هل يُصلَّى عليه
وهل يُعرَضُ على الصبيِّ الإسلامُ؟
وقال الحسنُ وشُريحٌ وإبراهيمُ وقَتادةُ: إذا أسلمَ أحدُهما فالولدُ مع المسلم.
وكان ابن عبّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما معَ أُمْهِ مِنَ المستضعفينَ، ولم يكن معَ أبيهِ على دين قومه
وقال: الإسلامُ يَعلو ولا يُعلَى.
(باب) بالتنوين (إذا أسلم الصبي فمات) قبل البلوغ (هل يصلى عليه) أم لا؟ (وهل يعرض
على الصبي الإسلام).
(وقال الحسن) البصري، (وشريح) بضم الشين المعجمة مصغرًا، مما أخرجه البيهقي عنهما
(و) قال: (إبراهيم) النخعي (وقتادة)، مما وصله عبد الرزاق عنهما، (إذا أسلم أحدهما) أي: أحد
الوالدين (فالولد مع المسلم) منهما.
(وكان ابن عباس، رضي الله عنهما: مع أمه) لبابة بنت الحرث الهلالية (من المستضعفين)،
وهذا وصله المؤلف في الباب، بلفظ: كنت أنا وأمي من المستضعفين، وهم الذين أسلموا بمكة،
وصدهم المشركون عن الهجرة، فبقوا بين أظهرهم مستضعفين، يلقون منهم الأذى الشديد. (ولم
يكن) أي ابن عباس (مع أبيه على دين قومه) المشركين. وهذا قاله المصنف تفقهًا، وهو مبني على أن
إسلام العباس كان بعد وقعة بدر، والصحيح أنه أسلم عام الفتح، وقدم مع النبي، ◌َّر، فشهد
الفتح.
(وقال: الإسلام يعلو ولا يعلى) مما وصله الدارقطني مرفوعًا، من حديث غير ابن عباس،
فليس هو معطوفًا على ابن عباس. نعم، ذكره ابن حزم في المحلى، من طريق حمادبن زيد، عن
أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إذا أسلمت اليهودية أو النصرانية يفرق بينهما، الإسلام
يعلو ولا يعلى.
١٣٥٤ - حدثنا عَبدانُ أخبرنا عبدُ اللَّه عن يونُسَ عنِ الزُّهريّ قال أخبرني سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ أنَّ
ابنَ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما أخبرَهُ أنَّ عمرَ انطلَق معَ النبيِّ ◌َِّ فِي رَهطِ قِبَلَ ابنِ صَيَّادِ حتى وجَدوهُ
يَلْعِبُ مَعَ الصِّبيانِ عندَ أُطُمِ بني مَغالة - وقد قاربَ ابنُ صَيّادِ الحُلُمَّ. فلم يَشعُرْ حتَّى ضرَبَ النبيُّ بِيدِهِ
ثم قال لابنٍ صيَّادٍ: تَشْهَدُ أَنِّي رسولُ اللَّهِ؟ فنظرَ إليه ابنُ صَيَّدٍ فقال: أشهَدُ أنَّكَ رسولُ الأُمّينَ.
فقال ابنُ صيَّدٍ للنبِيِّ وَِّ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رسولُ اللَّهِ؟ فرفَضَهُ وقال: آمنتُ باللَّهِ وبرُسُلِه. فقال له: ماذا
تَرى؟ قال ابنُ صَيَّادٍ: يأتيني صادقٌ وكاذِب. فقال النبيُّ وََّ: خُلِّطَ عليكَ الأمرُ. ثم قال له
النبيُّمَ﴿: إني قد خَبَأْتُ لكَ خَبيتًا. فقال ابنُ صيَّادٍ: هو الدُّخُ. فقال: اخْسَأْ، فلن تَعْدُوَ قَدْرَكَ.

٤٤٥
كتاب الجنائز/ باب ٨٠
فقال عمرُ رضيَ اللهُ عنه: دَعْني يا رسولَ اللَّهِ اضرِب عُنُقَه. فقال النبيُّوَّهِ: إنْ يَكُنْهُ فَلنْ تُسَلَّطَ
عليه، وإن لم يَكُنْهُ فلا خيرَ لكَ في قَتْلِهِ)). [الحديث ١٣٥٤ - أطرافه في: ٣٠٥٥، ٦١٧٣،
٦٦١٨].
وبالسند قال: (حدّثنا عبدان) بفتح العين وسكون الموحدة، لقب عبد الله بن عثمان، قال:
(أخبرنا عبد الله) بن المبارك (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمدبن مسلم بن شهاب (قال:
أخبرني) بالإفراد (سالم بن عبدالله).
(أن ابن عمر) أباه (رضي الله عنهما، أخبره):
(أن) أباه (عمر) بن الخطاب (انطلق مع النبي، وَّر، في رهط) قال في الصحاح: رهط
الرجل: قومه وقبيلته. والرهط: ما دون العشرة من الرجال، ولا يكون فيهم امرأة، (قبل) بكسر
القاف وفتح الموحدة، أي: جهة (ابن صياد) بفتح الصاد المهملة وبعد المثناة التحتية المشددة ألف ثم
دال مهملة، واسمه: صافي، كقاضي، وقيل: عبدالله، وكان من اليهود، وكانوا حلفاء بني
النجار، وكان سبب انطلاق النبي، وَلو، إليه ما رواه أحمد من طريق جابر، قال: ولدت امرأة من
اليهود غلامًا ممسوحة عينه، والأخرى طالعة ناتئة، فأشفق النبي، وَلير، أن يكون هو الدجال. (حتى
وجدوه) أي الرسول ومن معه من الرهط، والضمير المنصوب لابن صياد، ولأبي الوقت من غير
اليونينية. وجده بالإفراد أي: وجد النبي ◌َ لّ ابن صياد، حال كونه (يلعب مع الصبيان عند أطم بني
مغالة) بضم الهمزة والطاء، بناء من حجر كالقصر، وقيل، هو الحصن، ويجمع على آطام وبني
مغالة، بفتح الميم والغين المعجمة الخفيفة، قبيلة من الأنصار (وقد قارب ابن صياد الحلم) بضم الحاء
واللام، أي: البلوغ (فلم يشعر) أي: ابن صياد (حتى ضرب النبي، وَّر، بيده ثم قال لابن صياد):
(تشهد أني رسول الله؟) بحذف همزة الاستفهام، فيه عرض الإسلام على الصبي الذي لم يبلغ،
ومفهومه، أنه لم يصح إسلامه لما عرض لر الإسلام على ابن صياد، وهو غير بالغ، ففيه مطابقة
الحديث لجزأي الترجمة، كليهما. ولأبي ذر: لابن صائد، بتقديم الألف على التحتية، وكلاهما كان
يدعى به (فنظر إليه) وَلقر (ابن صياد فقال: أشهد أنك رسول الأميين) مشركي العرب، وكانوا لا
يكتبون. أو: نسبة إلى أم القرى، وفيه إشعار بأن اليهود الذين كان منهم ابن صياد كانوا معترفين
ببعثة رسول الله و لر، لكن يدّعون أنها مخصوصة بالعرب، وفساد حجتهم واضح، لأنهم إذا أقروا
برسالته استحال كذبه. فوجب تصديقه في دعواه الرسالة إلى كافة الناس.
(فقال ابن صياد للنبي، وَّ: أتشهد) بإثبات همزة الاستفهام (أني رسول الله؟ فرفضه)
النبي، وَّر، بالضاد المعجمة، أي: ترك سؤاله أن يسلم ليأسه منه، وفي رواية أبي ذر، عن المستملي:
فرفصه، بالصاد المهملة. وقال المازري: لعله: رفسه، بالسين المهملة، أي: ضربه برجله، لكن قال
القاضي عياض: لم أجد هذه اللفظة بالصاد في جماهير اللغة.

٤٤٦
كتاب الجنائز/ باب ٨٠
وقال الخطابي: فرصه، بحذف الفاء، بعد الراء. وتشديد الصاد المهملة، أي ضغثه حتى ضم
بعضه إلى بعض. ومنه: ﴿بنيان مرصوص﴾ [الصف: ٤] وللأصيلي، مما في الفتح: فرقصه،
بالقاف بدل الفاء، ولعبدوس: فوقصه بالواو والقاف.
(وقال) عليه الصلاة والسلام: (آمنت بالله وبرسله) قال البرماوي، كالكرماني: مناسبة هذا
الجواب لقول ابن صياد: أتشهد أني رسول الله، أنه لما أراد أن يظهر للقوم كذبه في دعواه الرسالة،
أخرج الكلام مخرج الإنصاف، أي آمنت برسل الله، فإن كنت رسولاً صادقًا غير ملبس عليك
الأمر، آمنت بك. وإن كنت كاذبًا وخلط عليك الأمر فلا. لكنك خلط عليك الأمر فاخساً ثم شرع
يسأله عما يرى، (فقال له: ماذا ترى؟) وأراد باستنطاقه إظهار كذبه المنافي لدعواه الرسالة، (قال ابن
صياد: یأتیني صادق و كاذب) أي أرى الرؤيا ربما تصدق، وربما تكذب.
قال القرطبي: كان ابن صياد على طريق الكهنة، يخبر بالخبر فيصح تارة، ويفسد أخرى، وفي
حديث جابر عند الترمذي، فقال: أرى حقًّا وباطلاً، وأرى عرشًا على الماء.
(فقال) له (النبي ◌َّر: خلط عليك الأمر) بضم الخاء المعجمة وتشديد اللام المكسورة، وروي
تخفيفها، كما في الفرع وأصله، أي: خلط عليك شيطانك ما يلقي إليك. (ثم قال له النبي ◌َل:
إني قد خبأت لك) أي: أضمرت لك في صدري (خبيثًا) بفتح الخاء المعجمة وكسر الموحدة وسكون
المثناة التحتية ثم همزة بوزن فعيل، ولأبي ذر: خبئًا، بفتح الخاء وسكون الموحدة، وإسقاط التحتية
أي: شيئًا. وفي حديث زيدبن حارثة، عند البزار، والطبراني في الأوسط: كان رسول الله، وَلقتله،
خبأ له سورة الدخان، وكأنه أطلق السورة وأراد بعضها. فعند أحمد في حديث الباب: وخبأ له
﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ [الدخان: ١٠].
(فقال ابن صياد: هو الدخ) بضم الدال المهملة ثم خاء معجمة. وفي حديث أبي ذر، عند
البزار، وأحمد: فأراد أن يقول: الدخان، فلم يستطع فقال الدخ. اهـ. أي: لم يستطع أن يتم
الكلمة، ولم يهتد من الآية الكريمة إلا لهذين الحرفين، على عادة الكهان من اختطاف بعض الكلمات
من أوليائهم من الجن، أو من هواجس النفس.
(فقال) له عليه الصلاة والسلام: (اخسأ) بهمزة وصل آخره همزة ساكنة، لفظ يزجر به
الكلب، ويطرد أي: اسكت صاغرًا مطرودًا (فلن تعدو قدرك) بنصب تعدو: بلن، وفي بعض
النسخ، مما حكاه السفاقسي: لن تعد، بغير واو فقيل: حذفت تخفيفًا، أو أنّ: لن، بمعنى: لا،
أو: على لغة من يجزم بلن، وهي لغة حكاها الكسائي، وتعدو بالمثناة الفوقية: فقدرك، نصب أو:
بالتحتية، فرفع أي: لا يبلغ قدرك أن تطالع بالغيب من قبل الوحي المخصوص بالأنبياء، عليهم
الصلاة والسلام، ولا من قبل الإلهام الذي يدركه الصالحون، وإنما قال ابن صياد ذلك، من شيء
ألقاه إليه الشيطان، إما لكون النبي ◌ّ، تكلم بذلك بينه وبين نفسه، فسمعه الشيطان. أو

٤٤٧
كتاب الجنائز/ باب ٨٠
حدّث ◌َلِّ، بعض أصحابه، بما أضمره. ويدل لذلك قول عمر رضي الله عنه وخبأ له رسول الله وَل
﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ [الدخان: ١٠].
(فقال عمر) بن الخطاب، (رضي الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنقه) بجزم أضرب،
كما في الفرع جواب الطلب، ويجوز الرفع (فقال النبي، وََّ).
(إن يكنه) كذا للكشميهني: يكنه. بوصل الضمير، وهو خبر كان وضع موضع المنفصل،
واسمها مستتر فيه، للباقين إن يكن هو، بانفصاله. وهو الصحيح، لأن المختار في خبر كان
الانفصال. تقول: كان إياه، وهذا هو الذي اختاره ابن مالك في التسهيل، وشرحه تبعًا لسيبويه،
واختار في ألفيته الاتصال. وعلى رواية الفصل، فلفظ: هو، توكيد للضمير المستتر، وكان تامة أو
وضع: هو، موضع إياه، أي: إن يكن إياه. وفي مرسل عروة، عند الحرث بن أبي أسامة: إن يكن
هو الدجال (فلن تسلط عليه) بالجزم في الفرع، على لغة من يجزم لن. كما مر وفي غيره بالنصب
على الأصل. وفي حديث جابر: فلست بصاحبه، إنما صاحبه عيسى ابن مريم (وإن لم يكنه، فلا
خير لك في قتله).
فإن قلت: لم لم يأذن عليه الصلاة والسلام في قتله مع ادعائه النبوة بحضرته؟
أجيب: بأنه كان غير بالغ، أو من جملة أهل العهد، وأنه لم يصرح بدعوى النبوة، وإنما أوهم
أنه يدّعي الرسالة، ولا يلزم من دعوى الرسالة دعوى النبوّة، قال الله تعالى: ﴿إنا أرسلنا الشياطين
على الكافرين﴾ الآية [مريم: ٨٣].
وقد اختلف في أن المسيح الدجال هو: ابن صياد، أو غيره. ويأتي البحث في ذلك، إن شاء
الله تعالى في محله. والنافي لكونه هو، يحتج: بأن ابن صياد أسلم، وولد له، ودخل مكة والمدينة،
ومات بالمدينة. وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حتى رآه الناس، والله أعلم.
ورواة هذا الحديث ما بين: مروزي وأيلي ومدني، وفيه: رواية تابعي عن تابعي عن صحابي،
والتحديث والإخبار، والعنعنة، والقول. وأخرجه أيضًا في: بدء الخلق وأحاديث الأنبياء. ومسلم
في: الفتن.
١٣٥٥ _ وقال سالم: سمعتُ ابنَ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما يقول: ((انطَلَقَ بعدَ ذلك
رسولُ اللَّهِوَ لَّهِ وأُبيُّ بن كعبٍ إلى النَّخلِ التي فيها ابنُ صيّادٍ، وهوَ يَخْتِلُ أن يَسمِعَ منِ ابنِ صَيَّادِ شيئًا
قبلَ أن يَراهُ ابنُ صِيَّدٍ، فرآهُ النبيُّ ◌ََّ وهوَ مُضْطَجِعٌ -يعني في قَطيفةٍ له فيها رَمْزَةٌ، أو زمَرةٌ- فرأتْ
أمّ ابنِ صِيَّادٍ رسولَ اللَّهِوَِّ وهوَ يَتَّقي بجُذوعِ النَّخلِ، فقالتْ لابنِ صيَّادٍ: يا صافِ - وهوَ اسمُ ابنِ
صيَّادٍ هُذا محمدٌ ◌َّ﴿ه، فثارَ ابْنُ صِيَّادٍ. فقال النبيُّمَ ﴿: لو تَرَكَتْهُ بَيَّنَ)). وقال شُعَيبٌ في حَديثِهِ :

كتاب الجنائز/ باب ٨٠
فَرَفَصَهُ. رَمْرَمةٌ، أو زَمزَمةٌ. وقال وعُقَيلٌ: رَمْرَمة. وقال مَعْمَرٌ: رَمزةٌ. [الحديث ١٣٥٥ - أطرافه
في: ٢٦٣٨، ٣٠٣٣، ٣٠٥٦، ٦١٧٤].
(وقال سالم) أي: ابن عبد الله بن عمر، بالإسناد الأول: (سمعت ابن عمر، رضي الله
عنهما، يقول): ثم (انطلق بعد ذلك رسول الله وَطير،) أي: بعد انطلاقه هو وعمر في رهط
(وأبي بن كعب) معه (إلى النخل التي فيها ابن صياد، وهو) أي: والحال أنه عليه الصلاة والسلام
(يختل) بفتح المثناة التحتية وسكون الخاء المعجمة وكسر الفوقية، أي: يستغفل (أن يسمع من ابن
صياد شيئًا) من كلامه الذي يقوله في خلوته، ليعلم هو وأصحابه أهو كاهن أو ساحر؟ (قبل أن يراه
ابن صياد، فرآه النبي ◌َّر، وهو مضطجع) الواو للحال. (يعني في قطيفة) كساء له خمل، وسقط:
يعني في قطيفة، لأبي ذر، (له) أي: لابن صياد (فيها) أي: في القطيفة (رمزة) براء مهملة مفتوحة
فميم ساكنة فزاي معجمة (أو زمرة) بالزاي المعجمة ثم الراء المهملة بعد الميم، على الشك في تقديم
أحدهما على الآخر ولبعضهم: رمرمة أو زمزمة على الشك، هل هو: براءين مهملتين، أو: بزاءين
معجمتين، مع زيادة ميم فيهما. ومعناها كلها متقارب. فالأولى من الرمز وهو الإشارة، والثانية من
المزمار، والتي، بالمهملتين والميمين، فأصله من الحركة، وهي هنا بمعنى: الصوت الخفي. وكذا التي
بالمعجمتين. وفي القاموس: أنه تراطن العلوج على أكلهم وهم صموت لا يستعملون لسانًا ولا
شفة، لكنه صوت تديره في خياشيمها وحلوقها، فيفهم بعضها عن بعض.
(فرأت أم ابن صياد رسول الله وَلي، وهو) أي والحال أنه (يتقي) أي: يخفي نفسه (بجذوع
النخل) بضم الجيم والذال المعجمة، حتى لا تراه أم ابن صياد (فقالت لابن صياد) أمه: (يا صاف)
بصاد مهملة وفاء مكسورة (-وهو: اسم ابن صياد- هذا محمد ◌َّر فثار ابن صياد) بالثاء المثلثة والراء
آخره، أي: نهض من مضجعه بسرعة، وللكشميهني: فئاب، بالموحدة بدل الراء، أي: رجع عن
الحالة التي كان فيها (فقال النبي، وَّر: لو تركته) أمه ولم تعلمه بمجيئنا (بين) أي: أظهر لنا من حاله
ما نطلع به على حقيقة أمره.
(وقال شعيب) هو: ابن أبي حمزة الحمصي، مما وصله المؤلف في: الأدب (في حديثه:
فرفصه) بفاء بعد الراء فصاد مهملة، كذا في الفرع، وفي نسخة: فرضه، وكذا في رواية أبي ذر،
بحذف الفاء وتشديد الضاد المعجمة، أي: ضغطه وضم بعضه إلى بعض.
وقال شعيب في حديثه أيضًا (رمرمة) براءين مهملتين وميمين (أو زمزمة) بمعجمتين على
الشك، ولأبي ذر في الأولى: زمزمة بمعجمتين.
وسقط في رواية أبي ذر قوله في حديثه: فرفصه وثبت لغيره (وقال عقيل) بضم العين وفتح
القاف ابن خالد الأيلي مما وصله المؤلف في: الجهاد: (رمرمة) براءين مهملتين وميمين، ولأبي ذر:
رمزة بمهملة فميم ساكنة فزاي معجمة، وفي نسخة: وقال إسحق الكلبي، مما وصله الذهلي في

٤٤٩
كتاب الجنائز/ باب ٨٠
الزهريات، وعقيل المذكور: رمرمة، بمهملتين، وسقطت رواية إسحق عند المستملي. والكشميهني،
وأبي الوقت (وقال معمر) هو ابن راشد: ((رمزة)) براء مهملة فميم ساكنة فزاي معجمة، ولأبي ذر:
(زمرة) بتقديم المعجمة على المهملة.
١٣٥٦ - حدثنا سليمانُ بنُ حربٍ حدَّثَنا حمَّادٌ وهو ابنُ زيدٍ عن ثابتٍ عن أنَسٍ رضيَ اللَّهُ عنه
قال: ((كان غُلامٌ يهوديٍّ يَخْدُمُ النبيَّوََّ فَمَرِضَ، فأتاهُ النبيُّ وَ يَعودُهُ، فقعَد عندَ رأسهِ فقال لهُ:
أسلِمْ. فنظَرَ إلى أبيهِ وهوَ عندَهُ، فقال له: أطِعْ أبا القاسِمِنَّرِ. فَأسلمَ. فَخَرَجَ النبيُّ ◌َّر وهو يقول:
الحمدُ للَّهِ الذي أنقَذَهُ منَ النار)). [الحديث ١٣٥٦ - طرفه في: ٥٦٥٦].
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي البصري، قال: (حدّثنا حماد، وهو: ابن زيد)
بالواو (عن ثابت) البناني (عن أنس، رضي الله عنه قال: كان غلام يهودي) قيل: اسمه عبد
القدوس، فيما ذكره ابن بشكوال، عن حكاية صاحب العتبية (يخدم النبي وَلّ، فمرض، فأتاه
النبي، وَيقد،) حال كونه (يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له) عليه الصلاة والسلام:
(أسلم) فعل أمر من الإسلام. (فنظر) الغلام (إلى أبيه، وهو عنده) وفي رواية أبي داود: عند
رأسه (فقال له) أبوه وسقط لأبي ذر لفظة: له (أطع أبا القاسم، بَلّ، فأسلم) الغلام. وللنسائي،
عن إسحاق بن راهويه، عن سليمان المذكور، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله
(فخرج النبي ◌َّه) من عنده (وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه) بالذال المعجمة، أي: خلصه ونجاه
بي (من النار). ولله در القائل :
ومريض أنت عائده قد أتاه الله بالفرج
وفيه دليل على: أن الصبي إذا عقل الكفر ومات عليه يعذب.
وفيه ما ترجم له، وهو عرض الإسلام على الصغير، ولولا صحته منه ما عرضه عليه.
١٣٥٧ - حدثنا عليّ بنُ عبدِ اللَّهِ حدَّثَنَا سُفيانُ قال قال عُبِيدُ اللَّهِ: سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ
عنهما يقول: ((كنتُ أنا وأمِّي منَ المستضعَفِينَ: أنا منَ الوِلْدانِ، وأُمِّي منَ النساءِ)). [الحديث
١٣٥٧ - أطرافه في: ٤٥٨٧، ٤٥٨٨، ٤٥٩٧].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبدالله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: قال عبيد اللّه)
بضم العين مصغرًا، الليثي المكي. ولأبي ذر عبيد الله بن أبي يزيد من الزيادة (سمعت ابن عباس
رضي الله عنهما يقول):
(كنت أنا وأمي) لبابة، أم الفضل (من المستضعفين) من المسلمين الذين بقوا بمكة لصد
المشركين، أو ضعفهم عن الهجرة، مستذلين ممتهنين، يلقون من الكفار شديد الأذى (أنا من
الولدان) الصبيان (وأمي من النساء).
إرشاد الساري/ ج ٣/ م ٢٩

٤٥٠
كتاب الجنائز/ باب ٨٠
١٣٥٨ - حدثنا أبو اليمَانِ أخبرَنا شُعَيبٌ قال ابنُ شهابٍ: يُصلَّى على كلِّ مَولودٍ مُتَوَفَّى إنْ
كان لِغَيّةٍ، مِن أجلِ أنهُ وُلِدَ على فِطرةِ الإِسلامِ، يَدَّعِي أَبُواهُ الإسلامَ أو أبوهُ خاصَّة وإنْ كانتْ أُمُّهُ
على غيرِ الإسلام، إذا اسْتَهلَّ صارخًا صُلْيَ عليهِ، ولا يُصَلَّى على من لا يَستهِلُّ مِن أجلِ أنهُ
سِقطٌ، فإنَّ أبا هريرة رضيَ اللهُ عنهُ كان يُحدِّثُ قال النبيُّوَّرِ ((ما مِن مَولودٍ إلاَّ يُولَدُ على الفِطرةِ،
فأبَواهُ يُهوِّدانِه أو يُنَصِّرانِه أو يُمجِسانِه، كما تُنْتَجُ البَهيمةُ بَهيمةً جَمْعاءَ، هل تُحِسُونَ فيها مِن
جَدْعاءَ))؟ ثم يقولُ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنه ﴿فِطرَةَ اللَّهِ التي فَطَرَ الناسَ عليها) الآية. [الحديث
١٣٥٨ - أطرافه في: ١٣٥٩، ١٣٨٥، ٤٧٧٥، ٥٦٩٩].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع، قال: (أخبرنا شعيب) هو: ابن أبي حمزة
الحمصي (قال: ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري.
(يصَلى على كل مولودٍ متوفى) بضم الميم وفتح التاء والواو والفاء المشددة، صفة لمولود (وإن
كان) أي المولود (لغية) بكسر اللام وفتح الغين المعجمة وقد تكسر وتشديد المثناة التحتية، أي:
لأجل غية، مفرد الغي ضد الرشد، وهو أعم من الكفر وغيره، يقال لولد الزنا: ولد الغية، يعني:
وإن كان الولد الكافرة أو زانية (من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام) أي ملته (يدعي أبواه الإسلام)
جملة حالية (أو أبوه) يدّعي الإسلام (خاصة، وإن كانت أمه على غير) دين (الإسلام) لأنه محكوم
بإسلامه تبعًا لأبيه، وهذا مصير من الزهري إلى تسمية الزاني أبًا لمن زنى بأمه، وأنه يتبعه في
الإسلام، وهو قول مالك (إذا استهل) أي: صاح عند الولادة (صارخًا) حال مؤكدة من فاعل:
استهل، والمراد: العلم بحياته بصياح أو غيره، كاختلاج بعد انفصاله (صُلّ عليه) بضم الصاد،
وكسر اللام لظهور أمارة الحياة فيه، والذي في اليونينية، إذا استهل صلي عليه صارخًا (ولا يصلى)
بفتح اللام (على من لا يستهل) أو: لم يتحرك (من أجل أنه سقط) بكسر السين وضمها وتفتح، أي:
جنين سقط قبل تمامه.
نعم: إن بلغ مائة وعشرين يومًا فأكثر، حد نفخ الروح فيه، وجب غسله وتكفينه ودفنه، ولا
تجب الصلاة عليه، بل لا تجوز لعدم ظهور حياته، وإن سقط لدون أربعة أشهر، وُوري بخرقة ودفن
فقط .
(فإن أبا هريرة رضي الله عنه) الفاء للتعليل (كان يحدّث قال النبي، وَّر: ما من مولود) من
بني آدم (إلا يولد على الفطرة) الإسلامية، ومن زائدة و: مولود، مبتدأ، ويولد خبره، أي: ما
مولود يوجد على أمر من الأمور إلا على الفطرة (فأبواه) الضمير للمولود، والفاء إما للتعقيب، أو
للسببية، أو جزاء شرط مقدر، أي إذا تقرر ذلك، فمن تغير كان سبب تغيره أن أبويه (يهودانه أو
ينصرانه أو يمجسانه) إما بتعليمهما إياه وترغيبهما فيه، أو كونه تبعًا لهما في الدين يكون حكمه
حكمهما في الدنيا، فإن سبقت له السعادة أسلم، وإلا مات كافرًا فإن مات قبل بلوغه الحلم

٤٥١
كتاب الجنائز/ باب ٨٠
فالصحيح أنه من أهل الجنة، وقيل: لا عبرة بالإيمان الفطري في الدنيا، بل الإيمان الشرعي
المكتسب بالإرادة والعقل، فطفل اليهوديين مع وجود الإيمان الفطري محكوم بكفره في الدنيا تبعًا
لأبويه (كما تنتج) بمثناتين فوقيتين، أولاهما مضمومة والأخرى مفتوحة، بينهما نون ساكنة ثم جيم،
مبنيًا للمفعول أي: تلد (البهيمة بهيمة) نصب على المفعولية (جمعاء) بفتح الجيم وسكون الميم ممدودًا،
نعت لبهيمة، لم يذهب من بدنها شيء سميت بذلك لاجتماع أعضائها (هل تحسون) بضم أوّله وكسر
ثانيه أي: هل تبصرون (فيها من جدعاء)؟ بجيم مفتوحة ودال مهملة ساكنة ممدودًا، أي: مقطوعة
الأذن أو الأنف أو الأطراف. والجملة صفة أو حال. أي: بهيمة مقولاً فيها هذا القول، أي: كل
من نظر إليها قال هذا القول لظهور سلامتها .
وكما، في قوله: كما تنتج، في موضع نصب على الحال من الضمير المنصوب في:
يهوّدانه، أي: يهوّدان المولود بعد أن خلق على الفطرة، حال كونه شبيهًا بالبهيمة التي جدعت بعد أن
خلقت سليمة، أو هو صفة لمصدر محذوف، أي: يغيرانه مثل تغييرهم البهيمة السليمة والأفعال
الثلاثة تنازعت في: كما، على التقديرين.
(ثم يقول أبو هريرة، رضي الله عنه) مما أدرجه في الحديث، كما بينه مسلم في رواية حيث
قال: ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم (- فطرة الله -) أي: خلقته، نصب على الإغراء، أو: المصدر
لما دل عليه ما بعدها (﴿التي فطر الناس عليها﴾﴾ [الروم: ٣٠] أي: خلقهم عليها، وهي: قبول الحق
وتمكنهم من إدراكه، أو: ملة الإسلام فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أداهم إليه، لأن حسن هذا
الدين ثابت في النفوس، وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية، كالتقليد. وقيل: العهد المأخوذ
من آدم وذريته يوم ﴿ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقد جزم في تفسير سورة الروم بأن الفطرة:
الإسلام. قال ابن عبدالبر: وهو المعروف عند عامة السلف.
وهذا الحديث منقطع، لأن ابن شهاب لم يسمع من أبي هريرة، بل لم يدركه، ولم يذكره
المصنف للاحتجاج، بل لاستنباطه منه ما سبق من الحكم.
وقد ساقه المؤلف من طريق أخرى، عنه عن أبي سلمة، فقال بالسند السابق:
١٣٥٩ - حدثنا عَبدانُ أخبرنا عبدُ اللَّهِ أخبرَنا يونُسُ عنِ الزُّهريِّ أخبرني أبو سلمة بنُ
عبدِ الرحمْنِ أنَّ أبا هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنهُ قال: قال رسولُ اللَّهِوَِّ: ((ما مِن مَولودٍ إلاَّ يُولَدُ على
الفِطرَةِ، فأبَواهُ يُهوّدانِه أو يُنَصِّرانِه أو يُمجِّسانه، كما تُنْتَجُ البَهيمةُ بَهيمةً جمعاءَ، هل تُحِسُّونَ فيها
مِن جَدعاءَ)»؟ ثم يقولُ أبو هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه ﴿فِطْرةَ اللَّهِ التي فَطَرَ الناسَ عليها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ
اللَّهِ ذُلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾.
(حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان المروزي قال: (أخبرنا عبدالله) بن المبارك قال: (أخبرنا

٤٥٢
كتاب الجنائز/ باب ٨١
يونس) بن يزيد الأيلي (عن) ابن شهاب (الزهري، قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبدالرحمن أن
أبا هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله (وَ﴾):
(ما من مولود إلا يولد على الفطرة) ظاهره تعميم الوصف المذكور في جميع المولودين، لكن
حكى ابن عبد البر، عن قوم أنه: لا يقتضي العموم، واحتجوا بحديث أبي بن كعب، قال
النبي، وَّر: الغلام الذي قتله الخضر طبعه الله يوم طبعه كافرًا. وبما رواه سعيدبن منصور، يرفعه:
إن بني آدم خلقوا طبقات، فمنهم من يولد مؤمنًا ويحيا مؤمنًا ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا
ويحيا كافرًا ويموت كافرًا. ومنهم من يولد مؤمنًا ويحيا مؤمنًا ويموت كافرًا ومنهم من يولد كافرًا
ويحيا كافرًا ويموت مؤمنًا قالوا: ففي هذا وفي غلام الخضر، ما يدل على أن الحديث ليس على
عمومه. وأجيب: بأن حديث سعيدبن منصور فيه: ابن جدعان وهو ضعيف، ويكفي في الرد
عليهم حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، عند مسلم: ليس مولود يولد إلا على الفطرة، حتى يعبر
عنه لسانه، وأصرح منه رواية جعفربن ربيعة بلفظ: كل بني آدم يولد على الفطرة.
(فأبواه يهودانه وينصرانه) ولأبي ذر: أو ينصرانه (أو يمجسانه، كما تنتج) بضم أوله وفتح
ثالثه، أي: تلد (البهيمة بهيمة جمعاء) بالمد، نعت أي: تامة الأعضاء، وثبت: جمعاء لأبي ذر (هل
تحسون فيها من جدعاء؟) بالدال المهملة والمد، مقطوعة الأذن أو الأنف.
(ثم يقول أبو هريرة، رضي الله عنه). زاد مسلم: اقرؤوا إن شئتم (﴿فطرة الله التي فطر
الناس عليها﴾) قال صاحب الكشاف، أي: الزموا فطرة الله، أو: عليكم فطرة الله، أي خلقهم
قابلين للتوحد، ودين الإسلام لكونه على مقتضى العقل والنظر الصحيح، حتى إنهم لو تركوا
وطباعهم لما اختاروا عليه دينًا آخر. اهـ. قال البرماوي: ولا يخفى ما فيه من نزعة اعتزالية، وقال أبو
حيان في البحر: قوله: أو عليكم فطرة الله، لا يجوز لأن فيه حذف كلمة الإغراء. ولا يجوز
حذفها، لأنه قد حذف الفعل، وعوّض عليك منه، فلو جاز حذفه لكان إجحافًا إذ فيه حذف
العوض والمعوّض منه (﴿لا تبديل لخلق الله﴾) استشكل هذا مع كون الأبوين يهودانه. وأجيب: بأنه
مؤول، فالمراد: ما ينبغي أن تبدل تلك الفطرة، أو: من شأنها أن لا تبدل، أو: الخبر بمعنى النهي
(﴿ذلك﴾) إشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له، في قوله ﴿فأقم وجهك للدين﴾ [الروم: ٣٠]
أو: الفطرة إن فسرت بالملة (﴿الدين القيم)) [الروم: ٣٠] المستوي الذي لا وج فيه.
٨١ - باب إذا قال المُشركُ عندَ المَوتِ: لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ
هذا (باب) بالتنوين (إذا قال المشرك عند الموت) قبل المعاينة: (لا إله إلاَّ الله) ينفعه ذلك.
١٣٦٠ - حدثنا إسحقُ أخبرَنا يَعقوبُ بنُ إبراهيمَ قال حدَّثَني أبي عن صالح عنِ ابنِ شهابٍ
قال أخبرني سعيدُ بنُ المسيَّبِ عن أبيهِ أنه أخبرَهُ («أنه لما حَضَرَتْ أبا طالبِ الوَفاةُ جاءهُ رسولُ اللّهِ وَ

٤٥٣
كتاب الجنائز/ باب ٨١
فَوَجَد عندَهُ أبا جهل بنَ هِشام وعبدَ اللَّهِ بن أبي أُميَّةَ بنِ المُغيرةِ، قال رسولُ اللَّهِ وَرَ لأبي طالبٍ: يا
عَمّ، قلْ لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ كلمةٌ أَشهَدُ لكَ بها عندَ اللَّهِ. فقال أبو جهلٍ وعبدُ اللَّهِ بنُ أبي أمَيَّةَ: يا أبا
طالبٍ: أَتَرغَبُ عن مِلَّةِ عبدِ المُطَّلب؟ فلم يَزَلْ رسولُ اللَّهِ وَهِ يَعرِضُها عليهِ ويَعودانِ بتلكَ المقالةِ
حتى قال أبو طالبٍ آخِرَ ما كلمَهم: هوَ على مِلَّةِ عبدِ المُطَّلبِ، وأبى أن يقولَ لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ. فقال
رسولُ اللَّهِ وَله: أما واللهِ لأستَغْفِرَنَّ لكَ ما لم أُنْهَ عنكَ، فأنزَلَ اللَّهُ تعالى فيه: ﴿ما كان للنبيّ﴾
الآية)). [الحديث ١٣٦٠ - أطرافه في: ٣٨٨٤، ٤٦٧٥، ٤٧٧٢، ٦٦٨١].
وبالسند قال: (حذّثنا إسحاق) هو: ابن راهويه، أو: ابن منصور، قال: (أخبرنا يعقوب بن
إبراهيم، قال: حدَّثني) بالإفراد (أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف (عن صالح)
هو: ابن كيسان الغفاري (عن ابن شهاب) الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيدبن المسيب) بضم
الميم وفتح المهملة والمثناة التحتية المشددة، تابعي اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل (عن أبيه)
المسيب بن حزن بفتح المهملة وسكون الزاي بعدها نون، وهو وأبوه صحابيان، هاجرا إلى المدينة (أنه
أخبره):
(أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة) أي علاماتها قبل النزع، وإلا لما كان ينفعه الإيمان لو آمن،
ولهذا كان ما وقع بينهم وبينه من المراجعة. قاله البرماوي كالكرماني، قال في الفتح: ويحتمل أن
يكون انتهى إلى النزع، لكن رجا النبي ◌ّ، أنه إذا أقر بالتوحيد، ولو في تلك الحالة، إن ذلك ينفعه
بخصوصه، ويؤيد الخصوصية أنه بعد أن امتنع شفع له حتى خفف عنه العذاب بالنسبة لغيره، (جاءه
رسول الله، وَّر، فوجد عنده أبا جهل بن هشام) مات على كفره (وعبد الله بن أبي أمية) بضم الهمزة
(ابن المغيرة) أخا أم سلمة، وكان شديد العداوة للنبي، وَّر، ثم أسلم عام الفتح، ويحتمل أن يكون
المسيب حضر هذه القصة حال كفره، ولا يلزم من تأخر إسلامه أن لا يكون شهد ذلك، كما
شهدها عبد الله بن أبي أمية (قال رسول الله، وَلَر لأبي طالب):
(يا عم) ولأبوي ذر، والوقت: أي عم، منادى مضاف، ويجوز إثبات الياء وحذفها: (قل:
لا إله إلا الله كلمة) نصب على البدل أو الاختصاص (أشهد لك بها عند الله) أشهد مرفوع، والجملة
في موضع نصب صفة لكلمة.
(فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب! أترغب) بهمزة الاستفهام الإنكاري،
أي: أتعرض (عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله، وَير، يعرضها عليه) بفتح أوّله وكسر الراء،
(ويعود بتلك المقالة) أي يترغب عن ملة عبد المطلب (حتى قال أبو طالب، آخر ما كلمهم) بنصب
آخر على الظرفية أي: آخر أزمنة تكليمه إياهم (هو على ملة عبد المطلب) أراد بقوله: هو، نفسه أو
قال: أنا، فغيّره الراوي أنفة أن يحكي كلام أبي طالب استقباحًا للفظ المذكور، أو: هو من
التصرفات الحسنة (وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله وَله):

٤٥٤
كتاب الجنائز/ باب ٨٢
(أما) بالألف بعد الميم المخففة، حرف تنبيه أو بمعنى: حقًّا، ولأبي ذر عن الكشميهني: أم
(والله لأستغفرن لك) أي: كما استغفر إبراهيم لأبيه (ما لم أَنْهَ عنك) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول
وللحموي والمستملي ما لم أنه عنه، أي: عن الاستغفار الدال عليه قوله لأستغفرن لك. (فأنزل الله
تعالى فيه) أي: في أبي طالب: (﴿ما كان للنبي﴾) [التوبة: ١١٣] (الآية) خبر بمعنى النهي ولأبي
.
ذر: فأنزل الله تعالى فيه الآية، فحذف لفظ ﴿ما كان للنبي﴾
ورواة هذا الحديث، ما بين: مروزي، وهو شيخ المؤلف ومدني وهو بقيتهم، وفيه رواية
الابن عن الأب، والتحديث والإخبار والعنعنة. وأخرجه المؤلف أيضًا في: سورة القصص.
٨٢ - باب الجريدِ على القبرِ
وأوصى بُريدةُ الأسْلميُّ أن يُجعَلَ في قبرِهِ جَريدانِ ورأى ابنُ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما فُسْطاطًا
على قبرِ عبدِ الرحمنِ فقال: انزغْهُ يا غلامُ، فإنَّما يُظِلُّهُ عملُه.
وقال خارجةُ بنُ زيدٍ: رأيتُني ونحنُ شُبَّانٌ في زمَنٍ عثمانَ رضيَ اللَّهُ عنه وإن أشدَّنا وثبةً الذي
يَثْبُ قبرَ عُثمان بنِ مظعونٍ حتى يُجاوِزَهُ. وقال عثمانُ بنُ حَكيمٍ: أخذَ بيدِي خارجةُ فأجْلَسني على
قبرٍ وأخبرَني عن عمِّه يزيدَ بنِ ثابتٍ قال: إنَّما كُرِهَ ذُلِكَ لِمِنْ أحَدَثَ عليهِ. وقال نافعٌ: كانَ ابنُ عمرَ
رضيَ اللهُ عنهُما يجلسُ على القبورِ .
(باب) وضع (الجريد على القبر) ولأبي ذر: الجريدة بالإفراد. قال في القاموس: والجريدة
سعفة طويلة رطبة، أو يابسة، أو: التي تقشر من خوصها. وقال في الصحاح: والجريد الذي يجرد
عنه الخوص، ولا يسمى جريدًا ما دام عليه الخوص، وإنما سمى سعفًا الواحدة جريدة.
(وأوصى بريدة الأسلمي) بضم الموحدة وفتح الراء، ابن الخصيب، بضم الحاء وفتح الصاد
المهملتين، مما وصله ابن سعد من طريق مورّق العجلي: (أن يجعل في) وللمستملي: على (قبره
جريدان) بغير مثناة فوقية بعد الدال، ولأبي ذر: جريدتان. فعلى رواية في: يحتمل أن يكون بريدة
أوصى يجعل الجريدتين داخل قبره، لما في النخلة من البركة، لقوله: ﴿كشجرة طيبة﴾ [إبراهيم: ٢٤]
على رواية: على، أن يكونا على ظاهره اقتداء بفعل النبي، وَّر، في وضع الجريدتين على القبر، وهذا
الأخير هو الأظهر. وصنيع المؤلف في إيراده حديث القبرين آخر الباب، يدل عليه، وكأن بريدة
حمل الحديث على عمومه ولم يره خاصًا بذينك الرجلين، لكن الظاهر من تصرف المؤلف أن ذلك
خاص المنفعة بما فعله الرسول، عليه الصلاة والسلام، ببركته الخاصة به، وأن الذي ينتفع به
أصحاب القبور إنما هو الأعمال الصالحة فلذلك عقبه بقوله : .
(ورأى ابن عمر) بضم العين (رضي الله عنهما فسطاطًا) بتثليث الفاء وسكون السين المهملة

٤٥٥
كتاب الجنائز/ باب ٨٢
وبطاءين مهملتين، وبإبدال الطاءين بمثناتين فوقيتين، وبإبدال أولاهما فقط، وبإبدالها وإدغامها في
السين. فهي: اثنا عشر فسطاطًا فسطاطًا فسطاطًا، فستاتًا فستانًا فستاتًا، فستاطًا فستاطًا فستاطًا،
فساطًا فساطًا فساطًا، والذي ذكره صاحب القاموس: الفسطاط، والفستاط، والفستات، والفساط.
بالطاءين وبإبدال الأولى وبإبدالهما معًا، وبتشديد السين وضم الفاء وكسرها فيهن، هو: الخباء من
شعر. وقد يكون من غيره (على قبر عبد الرحمن) بن أبي بكر الصديق، رضي الله عنهما، كما بينه ابن
سعد في روايته له موصولاً، من طريق أيوب بن عبد الله بن يسار، قال: مرّ عبد الله بن عمر على قبر
عبد الرحمن بن أبي بكر، أخي عائشة رضي الله عنهما، وعليه فسطاط مضروب (فقال: انزعه يا
غلام، فإنما يظله عمله) لا غيره.
(وقال خارجة بن زيد) الأنصاري، أحد الفقهاء السبعة: (رأيتني) بضم المثناة الفوقية، والفاعل
والمفعول ضميران لشيء واحد، وهو من خصائص أفعال القلوب، والتقدير: رأيت نفسي (ونحن
شبان) بضم الشين المعجمة، وتشديد الموحدة، جمع شاب، والواو للحال (في زمن عثمان) بن عفان
في مدة خلافته (رضي الله عنه، وإن أشدنا وثبة) بالمثلثة، أي: طفرة، مصدر من: وثب يثب وثبًا
ووثبة. (الذي يثب قبر عثمان بن مظعون) بظاء معجمة ساكنة، ثم عين مهملة (حتى يجاوزه) من
ارتفاعه .
قيل: ومنسابة ذلك للترجمة من حيث إن وضع الجريد على القبر يرشد إلى جواز وضع ما يرتفع
به ظهر القبر عن الأرض، فالذي ينفع الميت عمله الصالح وعلو البناء على القبر لا يضر بصورته.
(وقال عثمان بن حكيم) بفتح الحاء المهملة، الأنصاري المدني ثم الكوفي (أخذ بيدي خارجة) بن
زيد، ذكر مسدد في مسنده الكبير: سبب ذلك مما وصله فيه عنه من حديث أبي هريرة، أنه قال:
لأن أجلس على جمرة فتحرق ما دون لحمي حتى تفضي إلي، أحب إلي من أن أجلس على قبر. قال
عثمان: فرأيت خارجة بن زيد في المقابر، فذكرت له ذلك، فأخذ بيدي (فأجلسني على قبر وأخبرني
عن عمه يزيد بن ثابت) بالمثلثة أوله، ويزيد من الزيادة أنه (قال: إنما كره ذلك) أي: الجلوس على
القبر (لمن أحدث عليه) ما لا يليق من الفحش قولاً أو فعلاً لتأذي الميت بذلك، أو المراد: تغوّط أو
بال.
(وقال نافع) مولى ابن عمر: (كان ابن عمر، رضي الله عنهما، يجلس على القبور) أي: يقعد
عليها. ويؤيده حديث عمروبن حزم الأنصاري عند أحمد: لا تقعدوا على القبور. فالمراد بالجلوس
القعود حقيقة، كما هو مذهب الجمهور خلافًا لمالك وأبي حنيفة وأصحابه، وحديث أبي هريرة
مرفوعًا، عند الطحاوي: من جلس على قبر يبول أو يتغوط، فكأنما جلس على جمر ضعيف.
نعم؛ حديث زيدبن ثابت، عند الطحاوي أيضًا: إنما نهى النبي، وَّر، عن الجلوس على
القبور لحدث غائط أو بول، رجال إسناده ثقات. فإن قيل: ما وجه المناسبة بين الترجمة وأثر ابن
عمر هذا؟ وعثمانبن حكيم الذي قبله؟

٤٥٦
كتاب الجنائز/ باب ٨٢
أجيب: بأن عموم قول ابن عمر: إنما يظله عمله، يدخل فيه أنه كما لا ينتفع بتظليله، وإن
كان تعظيمًا له، لا يتضرر بالجلوس عليه، وإن كان تحقيرًا. وقال ابن رشيد: كأن بعض الرواة
كتبهما في غير موضعهما، فإن الظاهر أنهما من الباب التالي لهذا، وهو باب: موعظة المحدّث عند
القبر، وقعود أصحابه حوله.
١٣٦١ - حدثنا يحيى قَالَ حدَّثَنا أبو مُعاويّةَ عنِ الأعمشِ عن مُجاهدٍ عَنْ طَاوسٍ عن ابنِ
عباسٍ رضيَ اللّهُ عنهما عن النبيِّ ◌َِّ ((أنه مرَّ بقبرَينٍ يُعَذّبانِ فقال: إنَّهما لَيُعذّبانِ، وما يُعذّبانِ في
كبيرٍ: أمَّا أحدُهما فكانَ لا يَستَتِرُ منَ البولِ، وأمَّا الآخَرُ فكان يَمشي بالنَّميمةِ. ثمَّ أخذَ جَريدةً رَطبةً
فشَقَّها بِنصفينٍ، ثمَّ غَرَزَ في كلٌّ قبرٍ واحدةً. فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ لمَ صَنَعتَ هذا؟ فقال: لعلَّهُ أن
يُخفّفَ عنهما، ما لم يَيْبسا».
وبالسند قال: (حدّثنا يحيى) هو: ابن جعفر البيكندي كما في مستخرج أبي نعيم، أو هو:
يحيى بن يحيى، كما جزم به أبو مسعود في الأطراف. أو: هو يحيى بن موسى المعروف بخت، كما
وقع في رواية أبي علي بن شبويه، عن الفربري قال الحافظ ابن حجر: وهو المعتمد (قال: حدّثنا أبو
معاوية) محمدبن خازم بالخاء والزاي المعجمتين (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن مجاهد) هو:
ابن جبر (عن طاوس) هو: ابن كيسان (عن ابن عباس، رضي الله عنهما، عن النبي، وَلَّ):
(أنه مر) ولأبي ذر: قال: مر النبي، وَلـ (بقبرين) أي بصاحبيهما من باب تسمية الحال باسم
المحل (يعذبان. فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان فى كبير) إزالته أو دفعه، أو الاحتراز عنه،
ويحتمل أن يكون نفي كونه كبيرًا باعتبار اعتقاد الاثنين المعذبين أو اعتقاد مرتكبه مطلقًا، أو باعتبار
اعتقاد المخاطبين. أي: ليس كبيرًا عندكم ولكنه كبير عند الله، كما جاء في رواية عند المؤلف: وما
يعذبان في كبير فهو كقوله: ﴿وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم﴾ [النور: ١٥] (أما أحدهما فكان لا
يستتر من البول) يحتمل أن يحمل على حقيقته من الاستتار عن الأعين، ويكون العذاب على كشف
العورة، أو: على المجاز، والمراد التنزه من البول بعدم ملابسته، ورجح، وإن كان الأصل الحقيقة،
لأن الحديث يدل على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية، فالحمل عليه أولى كما مر في
الوضوء (أما الآخر فكان يمشي بالنميمة) المحرمة، وخرج به ما كان للنصيحة، أو لدفع مفسدة،
والباء للمصاحبة أي: يسير في الناس متصفًا بهذه الصفة، أو: للسببية أي: يمشي بسبب ذلك.
(ثم أخذ) عليه الصلاة والسلام (جريدة رطبة، فشقها بنصفين) قال الزركشي: دخلت الباء
على المفعول زائدة . اهـ. يعني في قوله بنصفين، وقد تعقبه صاحب مصابيح الجامع فقال: لا نسلم
شيئًا من ذلك، أما دعواه أن نصفين مفعول، فلأن شق إنما يتعدى لمفعول واحد، وقد أخذه وليس
هذا بدلاً منه. وأما دعوى الزيادة فعلى خلاف الأصل وليس هذا من محال زيادتها، ثم قال: والباء
للمصاحبة، وهي ومدخولها ظرف مستقر منصوب المحل على الحال، أي: فشقها متلبسة بنصفين،

٤٥٧
كتاب الجنائز/ باب ٨٣
ولا مانع من أن يجتمع الشق وكونها ذات نصفين في حالة واحدة، وليس المراد أن انقسامها إلى
نصفين كان ثابتًا قبل الشق، وإنما هو معه وبسببه، ومنه قوله تعالى: ﴿وسخر لكم الليل والنهار
والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره﴾ [النحل: ١٢] اهـ. (ثم غرز في كل قبر) منهما
(واحدة، فقالوا: يا رسول الله، لم صنعتَ هذا؟ فقال):
(لعله أن يخفف عنهما) العذاب (ما لم ييبسا) بالمثناة التحتية المفتوحة وفتح الموحدة وكسرها في
اليونينية، بالتذكير باعتبار عود الضمير إلى: العودين، و: ما، مصدرية زمانية أي: مدة دوامهما إلى
زمن اليبس. و: لعل، بمعنى: عسى، فلذا استعمل استعماله في اقترانه بأن، وإن كان الغالب في:
لعل، التجرد. وليس في الجريد معنى يخصه، ولا في الرطب معنى ليس في اليابس، وإنما ذلك
خاص ببركة يده الكريمة. ومن ثم استنكر الخطابي وضع الناس الجريد ونحوه على القبر، عملاً بهذا
الحديث. وكذلك الطرطوشي في سراج الملوك قائلين: بأن ذلك خاص بالنبي وَلو البركة يده المقدّسة
وبعلمه بما في القبور، وجرى على ذلك ابن الحاج في مدخله.
وما تقدم من أن بريدة بن الحصيب أوصى بأن يجعل في قبره جريدتان، محمول على أن ذلك
رأي له لم يوافقه أحد من الصحابة عليه، أو: أن المعنى فيه أنه يسبح ما دام رطبًا، فيحصل التخفيف
ببركة التسبيح، وحينئذ فيطرد في كل ما فيه رطوبة من الرياحين والبقول وغيرها، وليس لليابس
تسبيح، قال تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ [الإسراء: ٤٤] أي: شيء حي، وحياة كل
شيء بحسبه، فالخشب ما لم ييبس، والحجر ما لم يقطع من معدنه، والجمهور أنه على حقيقته، وهو
قول المحققين، إذ العقل لا يحيله أو: بلسان الحال باعتبار دلالته على الصانع، وأنه منزه. وسبق في
باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله من الوضوء، مزيد لما ذكرته هنا.
٨٣ - باب مَوعِظةِ المحدِّثِ عندَ القبرِ، وقُعودِ أصحابه حَوله
﴿يَوْمَ يَخِرْجونَ منَ الأجداث﴾: الأجداث القبور. ﴿بُغْثِرَتْ﴾: أُثِيرَتْ: بَعثَرْتُ خَوضي: أي
جَعلتُ أسفلَهُ أعلاه. الإيفاض: الإسراع. وقرأ الأعمش ﴿إلى نَصْبٍ﴾: إلى شيءٍ منصوب
يَسْتَبِقونَ إليه. والنُّصْبُ واحد، والنَّصْبُ مصدر. يوم الخروج منَ قُبُورِهِمْ ﴿يَنسِلون﴾: يَخرُجون.
(باب موعظة المحدث عند القبر) الموعظة مصدر ميمي، والوعظ: النصح والإنذار بالعواقب
(و) باب (قعود أصحابه) أي أصحاب المحدث (حوله) عند القبر لسماع الموعظة والتذكير بالموت
وأحوال الآخرة. وهذا مع ما ينضم إليه من مشاهدة القبور، وتذكر أصحابها، وما كانوا عليه، وما
صاروا إليه من أنفع الأشياء لجلاء القلوب، وينفع الميت أيضًا لما فيه من نزول الرحمة عند قراءة
القرآن والذكر. قال ابن المنير: لو فطن أهل مصر لترجمة البخاري هذه لقرت أعينهم بما يتعاطونه
من جلوس الوعاظ في المقابر، وهو حسن، إن لم يخالطه مفسدة . اهـ.

٤٥٨
كتاب الجنائز/ باب ٨٣
وقد استطرد المؤلف بعد الترجمة بذكر تفسير بعض ألفاظ من القرآن مناسبة لما ترجم له على
عادته، تكثيرًا لفرائد الفوائد، فقال في قوله تعالى: (﴿يوم يخرجون من الأجداث)) [المعارج: ٤٣]
(الأجداث) معناه، فيما وصله ابن أبي حاتم وغيره من طريق قتادة والسدي: (القبور) وقوله تعالى:
﴿وإذا القبور (بعثرت)﴾ [الانفطار: ٤] معناه: (أثيرت) بالمثلثة بعد الهمزة المضمومة، من الإثارة
يقال: (بعثرت حوضي أي: جعلت أسفل أعلاه) قاله أبو عبيدة في المجاز، وقال السديّ، مما رواه
ابن أبي حاتم: بعثرت: حركت فخرج ما فيها من الأموات، وعن ابن عباس، فيما ذكره الطبراني:
بعثرت: بحثت.
وقوله تعالى: ﴿كأنهم إلى نصب يوفضون﴾ [المعارج: ٤٣] (الايفاض) بهمزة مكسورة ومثناة
تحتية ساكنة وفاء ثم ضاد معجمة، مصدر من: أوفض يوفض، إيفاضًا معناه: (الإسراع) قال أبو
عبيد: يوفضون، أي: يسرعون (وقرأ الأعمش) سلمان بن مهران موافقة لباقي القراء، إلا ابن عامر
وحفصًا (إلى نصب) بفتح النون وسكون الصاد، وفي نسخة زيادة ﴿يوفضون﴾ [المعارج: ٤٣]
ولأبي ذر: إلى نصب بضم النون وسكون الصاد بالجمع، والأول أصح عن الأعمش: (إلى شيء
منصوب) قال أبو عبيدة: العلم الذي نصبوه ليعبدوه (يستبقون إليه) أيهم يستلمه أول (والنصب)
بضم النون وسكون الصاد (واحد، والنصب) بالفتح ثم السكون (مصدر) قال في فتح الباري: كذا
وقع، والذي في المغازي للفراء: النصب والنصب واحد وهو مصدر، والجمع الأنصاب. فكان
التغيير من بعض النقلة . اهـ.
وتعقبه العيني فقال: لا تغيير فيه لأن البخاري فرق بين الاسم والمصدر، ولكن من قصرت
يده عن علم الصرف لا يفرق بين الاسم والمصدر في مجيئهما على لفظ واحد. اهـ. والأنصاب:
حجارة كانت حول الكعبة تنصب، فيهل عليها ويذبح لغير الله.
وقوله تعالى: ﴿ذلك (يوم الخروج)﴾ [ق: ٤٢] أي: خروج أهل القبور (من قبورهم) وقوله
تعالى: (﴿ينسلون﴾) [الأنبياء: ٩٦ ويس: ٥١] أي: (يخرجون) زاد الزجاج بسرعة.
١٣٦٢ - حدثنا عثمانُ قال حدَّثني جَرِيرٌ عن منصورٍ عن سعدِ بنِ عُبَيدةً عن أبي عبد الرحمنِ
عن عليّ رضيَ اللَّهُ عنهُ قال: ((كنَّا في جَنازةٍ في بَقيعِ الغَرْقَدِ، فأتانا النبيُّوَِّ فقعدَ، وقَعَدْنا حولَه،
ومعَهُ مِخْصَرةٌ. فَنَكْسَ فجعَل يَنْكُتُ بِمِخْصَرتِهِ، ثم قال: ما مِنكم من أحَدٍ، ما مِن نَفْسٍ مَنفوسةٍ إلاَّ
كُتِبَ مَكانُها من الجَنَّةِ والنَّار، وإلاَّ قد كُتِبَتْ شَقِيَّةً أو سعيدة. فقال رجُلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، أَفَلا نَتَكِلُ
على كِتابنا ونَدَعُ العمل، فمَن كان مِنَّا مِن أهلِ السعادةِ فسيَصيرُ إلى عَملِ أهلِ السعادةِ، وأمَّا مَن
كان مِنَّا من أهلِ الشَّقاوةِ فسيَصيرُ إلى عَملِ أهلِ الشَّقاوةِ؟ قال: أمَّا أهلُ السعادةِ فَيُيَسِّرونَ لعَملِ
السعادةِ، وأمّا أهلُ الشَّقاوةِ فييَسْرونَ لِعَمل الشقاوة. ثم قرأ ﴿فأمَّا مَن أعطى واتَّقى﴾ الآية)).
[الحديث ١٣٦٢ - أطرافه في: ٤٩٤٥، ٤٩٤٦، ٤٩٤٧، ٤٩٤٨، ٦٢١٧، ٦٦٠٥، ٧٧٥٢].

٤٥٩
كتاب الجنائز/ باب ٨٣
وبالسند قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عثمان) بن محمد بن أبي شيبة
الكوفي، أحد الحفاظ الكبار، وثقه يحيى بن معين وغيره، وذكر الدارقطني في كتاب التصحيف
أشياء كثيرة صحفها من القرآن في تفسيره، لأنه ما كان يحفظ القرآن (قال: حدَّثني) بالإفراد، ولأبي
ذر: حدّثنا، بالجمع (جرير) هو: ابن عبد الحميد الضبي (عن منصور) هو: ابن المعتمر (عن سعدبن
عبيدة) بسكون العين في الأول، وضمها وفتح الموحدة آخره، هاء تأنيث مصغرًا في الثاني (عن أبي
عبد الرحمن) عبدالله بن حبيب، بفتح الحاء المهملة، السلمي (عن علي) هو: ابن أبي طالب (رضي
الله عنه، قال):
(كنا في جنازة في بقيع الغرقد) بفتح الموحدة وكسر القاف، والغرقد بفتح الغين المعجمة
والقاف بينهما راء ساكنة آخره دال مهملة، ما عظم من شجر العوسج، كان ينبت فيه، فذهب
الشجر وبقي الاسم لازمًا للمكان. وهو مدفن أهل المدينة، (فأتانا النبي ◌َّلتر، فقعد وقعدنا حوله)،
هذا موضع الترجمة مع ما بعده (ومعه مخصرة) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة، وبالصاد المهملة،
قال في القاموس: ما يتوكأ عليه كالعصا ونحوه، وما يأخذه الملك يشير به إذا خاطب، والخطيب إذا
خطب وسميت بذلك لأنها تحمل تحت الخصر غالبًا للاتكاء عليها (فنكس) بتشديد الكاف وتخفيفها،
أي خفض رأسه وطأطأ به إلى الأرض على هيئة المهموم المفكر، كما هي عادة من يتفكر في شيء
حتى يستحضر معانيه، فيحتمل أن يكون ذلك تفكرًا منه عليه الصلاة والسلام، في أمر الآخرة
لقرينة حضور الجنازة، أو فيما أبداه بعد ذلك لأصحابه أو نكس المخصرة (فجعل ينكت) بالمثناة
الفوقية، أي: يضرب في الأرض (بمخصرته، ثم قال):
(ما منكم من أحد) أي (ما من نفس منفوسة) مصنوعة مخلوقة، واقتصر في رواية أبي حمزة،
الثوري على قوله: ما منكم من أحد (إلاّ كتب) بضم الكاف، مبنيًا للمفعول (مكانها) بالرفع مفعول،
ناب عن الفاعل أي: كتب الله مكان تلك النفس المخلوقة (من الجنة والنار) من: بيانية، وفي رواية
سفيان إلا وقد كتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار، وكأنه يشير إلى حديث ابن عمر عند المؤلف
الدال على أن لكل مقعدين لكن لفظه في القدر إلا وقد كتب مقعده من النار أو من الجنة. فأو:
للتنويع أو هي بمعنى الواو (وإلا قد كتبت) بالتاء آخره، وفي اليونينية بحذفها (شقية أو سعيدة)
بالنصب فيهما، كما في الفرع على الحال، أي: وإلا كتبت هي، أي، حالها شقية أو سعيدة، ويجوز
الرفع، أي: هي شقية أو سعيدة، ولفظ: إلا في المرة الثانية في بعضها بالواو، وفي بعضها بدونها،
وهذا نوع من الكلام غريب، وإعادة إلا يحتمل أن يكون: ما من نفس بدلاً من: ما منكم وإلا
الثانية بدل من الأولى، وإن يكون من باب اللف والنشر، فيكون فيه تعميم بعد تخصيص إذ الثاني في
كل منهما أعم من الأول أشار إليه الكرماني.
(فقال رجل) هو: علي بن أبي طالب، ذكره المصنف في التفسير لكن بلفظ: قلنا، أو: هو
سراقة بن مالك بن جعشم، كما في مسلم، أو: هو عمربن الخطاب، كما في الترمذي، أو: هو أبو

٤٦٠
كتاب الجنائز/ باب ٨٣
بكر الصديق، كما عند أحمد والبزار والطبراني، أو هو رجل من الأنصار. وجمع بتعدد السائلين عن
ذلك، ففي حديث عبد الله بن عمر فقال أصحابه: (يا رسول الله أفلا نتكل) نعتمد (على كتابنا)
أي: ما كتب علينا وقدّر، والفاء في: أفلا معقبة لشيء محذوف أي: أفإذا كان كذلك لا نتكل على
كتابنا (وندع العمل) أي: نتركه (فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير) فسيجره القضاء (إلى عمل
أهل السعادة) قهرًا، ويكون مآل حاله ذلك بدون اختياره (وأما من كان منا من أهل الشقاوة
فسيصير) فسيجره القضاء (إلى عمل أهل الشقاوة) قهرًا؟
(قال) عليه الصلاة والسلام: (أما أهل السعادة فييسرون لعمل) أهل (السعادة) وفي نسخة:
فسييسرون باعتبار معنى الأهل (وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل) أهل (الشقاوة). وحاصل
السؤال: ألا نترك مشقة العمل فإنا سنصير إلى ما قدر علينا فائدة في السعي فإنه لا يرد قضاء الله
وقدره. وحاصل الجواب: لا مشقة، لأن كل أحد ميسر لما خلق له، وهو يسير على من يسره الله
عليه .
قال في شرح المشكاة: الجواب من الأسلوب الحكيم منعهم عن الاتكال، وترك العمل، وأمرهم
بالتزام ما يجب على العبد من العبودية، يعني: أنتم عبيد، ولا بدّ لكم من العبودية فعليكم إمرتكم،
وإياكم والتصرف في أمور الربوبية، لقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾
[الذاريات: ٥٦] فلا تجعلوا العبادة وتركها سببًا مستقلاً لدخول الجنة والنار، بل هي علامات
فقط . اهـ.
(ثم قرأ) عليه الصلاة والسلام (﴿فأما من أعطى واتقى)) [الليل: ٥] الآية. وزاد أبو ذر
والوقت ﴿وصدق بالحسنى﴾ [الليل: ٦] وساق في رواية سفيان إلى قوله: ﴿العسرى﴾ [الليل: ١٠]
فقوله: ﴿فأما من أعطى﴾ أي: أعطى الطاعة، واتقى المعصية، وصدق بالكلمة الحسنى، وهي التي
دلت على حق، ككلمة التوحيد، وقوله: ﴿فسنيسره لليسرى﴾ [الليل: ٧] فسنهيئه للخلة التي تؤدي
إلى يسر وراحة كدخول الجنة ﴿وأما من بخل﴾ بما أمر به ﴿واستغنى﴾ [الليل: ٨] بشهوات الدنيا
عن نعيم العقبى، ﴿فسنيسره للعسرى﴾ [الليل: ١٠] للخلة الموجبة إلى العسر والشدة كدخول النار.
وهذا الحديث أصل لأهل السنة في أن السعادة والشقاوة بتقدير الله القديم واستدل به على
إمكان معرفة الشقي من السعيد في الدنيا، كمن اشتهر له لسان صدق وعكسه، لأن العمل أمارة
على الجزاء على ظاهر هذا الخبر، والحق أن العمل علامة وأمارة، فيحكم بظاهر الأمر. وأمر الباطن
إلى الله تعالى، وقال بعضهم: إن الله أمرنا بالعمل فوجب علينا الامتثال، وغيب عنا المقادير لقيام
الحجة، ونصب الأعمال علامة على ما سبق في مشيئته، فمن عدل عنه ضل، لأن القدر من
أسراره، لا يطلع عليه إلا هو فإذا دخلوا الجنة كشف لهم.