النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
کتاب التهجد/ باب ٧
لكن، ينبغي تقييد ذلك بماذا لم يفض إلى الملال، لأن حالة النبي، وَ لو كانت أكمل الأحوال،
فكان لا يمل من العبادة، وإن أضر ذلك ببدنه، بل صح أنه قال: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة))
رواه النسائي .
فأما غيره، عليه الصلاة والسلام، فإذا خشي الملل ينبغي له أن لا يكدّ نفسه حتى يمل. نعم
الأخذ بالشدة أفضل لأنه إذا كان هذا فعل المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف من جهل
حاله وأثقلت ظهره الأوزار، ولا يأمن عذاب النار؟
ورواة هذا الحديث كوفيون، وهو من الرباعيات، وفيه التحديث والعنعنة والسماع والقول،
وأخرجه أيضًا في: الرقاق والتفسير، ومسلم في : .أواخر الكتاب، والترمذي: في الصلاة، وكذا
النسائي وابن ماجة .
٧ - باب مَن نامَ عندَ السَّحَر
(باب من نام عند السحر) بفتحتين قبيل الصبح، وللكشميهني والأصيلي: عند السحور: بفتح
السين وضم الحاء. ما يتسحر به، ولا يكون إلا قبيل الصبح أيضًا.
١١٣١ - حقثنا عليَّ بنُ عبدِ اللَّهِ قال حدَّثَنَا سُفيانُ قال حدَّثَنا عمرُوبنُ دِينارٍ أنّ عمروبنَ أوسٍ
أخبرَهُ أن عبدَ اللَّهِبِنَ عمروبنِ العاصِ رضيَ اللَّهُ عنهما أخبرَهُ أنَّ رسولَ اللَّهِ وَّه قال له «أحَبُّ الصلاةِ
إلى اللَّهِ صلاةُ داودَ عليهِ السلامُ، وأحبُّ الصيامِ إلى اللَّهِ صيامُ داود، وكانَ يَنامُ نصفَ الليل ويقومُ
ثُلُثَهُ ويَنامُ سُدُسَه، ويَصومُ يومًا ويُفطِرُ يومًا)). [الحديث ١١٣١ - أطرافه في: ١١٥٢، ١١٥٣،
١٩٧٤، ١٩٧٥، ١٩٧٦، ١٩٧٧، ١٩٧٨، ١٩٧٩، ١٩٨٠، ٣٤١٨، ٣٤١٩، ٣٤٢٠، ٥٠٥٢،
٥٠٥٣، ٥٠٥٤، ٥١٩٩، ٦١٣٤، ٦٢٧٧].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبدالله) المديني (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدّثنا عمروبن
دينار أن عمروبن أوس) بفتح الهمزة وسكون الواو، الثقفي الطائفي التابعي الكبير، وليس بصحابي،
نعم، أبوه صحابي وعمرو في الموضعين بالواو (أخبره أن عبدالله بن عمروبن العاص، رضي الله
عنهما، أخبره أن رسول الله، وَلاغير، قال له) أي: لابن عمرو:
(أحب الصلاة) أي: أكثر ما يكون محبوبًا (إلى الله صلاة داود عليه السلام، وأحب الصيام)
أي: أحب، بمعنى محبوبًا (إلى الله، صيام) وفي رواية: وأحب الصوم إلى الله صوم (داود).
واستعمال: أحب، بمعنى: محبوب قليل، لأن الأكثر في أفعل التفضيل أن يكون بمعنى
الفاعل، ونسبة المحبة فيهما إلى الله تعالى على معنى إرادة الخير لفاعلهما.

١٨٢
کتاب التهجد/ باب ٧
(وكان) داود، عليه الصلاة والسلام، (ينام نصف الليل ويقوم ثلثه) في الوقت الذي ينادي فيه
الرب تعالى: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ (وينام سدسه) ليستريح من نصب القيام في بقية
الليل.
وإنما كان هذا أحب إلى الله تعالى، لأنه أخذ بالرفق على النفوس التي يخشى منها السآمة التي
هي سبب إلى ترك العبادة، والله تعالى يحب أن يوالي فضله، ويديم إحسانه، قاله الكرماني.
وإنما كان ذلك أرفق، لأن النوم بعد القيام يريح البدن، ويذهب ضرر السهر، وذبول
الجسم، بخلاف السهر إلى الصباح، وفيه من المصلحة أيضًا استقبال صلاة الصبح وأذكار النهار
بنشاط وإقبال، ولأنه أقرب إلى عدم الرياء، لأن من نام السدس الأخير أصبح ظاهر اللون، سليم
القوى، فهو أقرب إلى أن يخفى عمله الماضي على من يراه، أشار إليه ابن دقيق العيد.
(ويصوم يومًا ويفطر يومًا) وقال ابن المنير: كان داود عليه الصلاة والسلام يقسم ليله ونهاره
لحق ربه وحق نفسه، فأما الليل فاستقام له ذلك في كل ليلة، وأما النهار فلما تعذر عليه أد، يجزئه
بالصيام لأنه لا يتبعض، جعل عوضًا من ذلك أن يصوم يومًا ويفطر يومًا، فيتنزل ذلك منزلة
التجزئة في شخص اليوم.
ورواة هذا الحديث مكيُّون إلاّ شيخ المؤلف فمدني، وفيه: رواية تابعي عن تابعي عن
صحابي، والتحديث والإخبار، وأخرجه أيضًا في: أحاديث الأنبياء. ومسلم في: الصوم، وكذا أبو
داود وابن ماجة والنسائي فيه، وفي الصلاة أيضًا.
١١٣٢ - حقثنا عَبدانُ قال أخبرني أبي عن شُعبةَ عن أشْعثَ قال سمعتُ أبي قال سمعتُ
مسروقًا قال ((سألتُ عائشةَ رضي اللَّهُ عنها: أيُّ العملِ كانَ أحبَّ إلى النبيِّ يَّ؟ قالت: الدائمُ
قلتُ: متى كان يقومُ؟ قالت: يقومُ إذا سمعَ الصارخَ)).
حدَّثنا محمدُ بنُ سَلام قال أخبرنا أبو الأخوَص عنِ الأشعث قال: ((إذا سمعَ الصارخَ قام
فصلَّى)). [الحديث ١١٣٢ - طرفاه في: ٦٤٦١، ٦٤٦٢].
وبه قال: (حذّثني) بالإفراد، ولأبي ذر، والوقت، والأصيلي: حدّثنا (عبدان) هو: لقب
عبد الله (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عثمان بن جبلة، بفتح الجيم والموحدة الأزدي العتكي (عن
شعبة) بن الحجاج (عن أشعث) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة آخره مثلثة (قال: سمعت أبي) أبا
الشعثاء، سليم بن أسود المحاربي (قال: سمعت مسروقًا) هو: ابن الأجدع (قال):
(سألت عائشة رضي الله عنها: أي العمل كان أحب إلى النبي) ولأبي ذر، والأصيلي: إلى
رسول اللّه (َ﴿؟ قالت) هو (الدائم) الذي يستمر عليه عامله، والمراد بالدوام العرفي لا شمول
الأزمنة، لأنه متعذر.

١٨٣
کتاب التهجد/ باب ٧
قال مسروق: (قلت) لعائشة (متى كان يقوم) عليه الصلاة والسلام؟.
(قالت: يقوم) فيصلي، ولأبي ذر، قالت: كان يقوم (إذا سمع الصارخ) وهو الديك لأنه يكثر
الصياح في الليل.
قال ابن ناصر: وأول ما يصيح نصف الليل غالبًا، وهذا موافق لقول ابن عباس: نصف الليل،
أو قبله بقليل أو بعده بقليل.
وقال ابن بطال: یصرخ عند ثلث الليل.
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجة عن زيدبن خالد الجهني: أن النبي، وَّ، قال:
((لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة)). وإسناده جيد. وفي لفظ: فإنه يدعو إلى الصلاة.
وليس المراد أن يقول بصراخه حقيقة الصلاة، بل العادة جرت أنه يصرخ صرخات متتابعة عند
طلوع الفجر وعند الزوال، فطرة فطره الله عليها، فيذكر الناس بصراخه الصلاة.
وفي معجم الطبراني، عن النبي، وَ ل9، قال: ((إن الله ديكًا أبيض، جناحاه مُوشيان بالزبرجد
والياقوت واللؤلؤ، جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، رأسه تحت العرش، وقوائمه في الهواء، يؤذن
في كل سحر، فيسمع تلك الصيحة أهل السموات والأرضين إلا الثقلين: الجن والإنس، فعند ذلك
تجيبه ديوك الأرض، فإذا دنا يوم القيامة قال الله تعالى: ضم جناحيك وغض صوتك، فيعلم أهل
السموات والأرض إلاّ الثقلين أن الساعة قد اقتربت)).
وعند الطبراني، والبيهقي في الشعب، عن محمدبن المنكدر، عن جابر: أن النبي، وَّ، قال:
((إن الله ديكًا، رجلاه في التخوم، وعنقه تحت العرش مطوية، فإذا كان هنية من الليل صاح: سبوح
قدوس، فصاحت الديكة. وهو في كامل ابن عدي، في ترجمة علي بن علي اللهبي، قال: وهو يروي
أحاديث منكرة عن جابر.
وفي حديث الباب الاقتصاد في العبادة، وترك التعمق فيها.
ورواته ما بين: مروزي وواسطي وكوفي، وفيه رواية الابن عن الأب، والتابعي عن
الصحابية، والتحديث والإخبار والعنعنة، والسماع والقول. وأخرجه أيضًا في هذا الباب، وفي
الرقاق، ومسلم في: الصلاة، وكذا أبو داود والنسائي.
وبه قال: (حدّثنا محمدبن سلام) بتخفيف اللام، ولأبي ذر، عن السرخسي، وهو في اليونينية
لابن عساكر: محمدبن سالم، بتقديم الألف على اللام، وهو سهو من السرخسي لأنه ليس من شيوخ
المؤلف أحد يقال له محمدبن سالم، وضبب عليها في اليونينية. ولأبي الوقت، والأصيلي: حدّثنا
محمد (قال: أخبرنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الكوفي (عن الأشعث) بن أبي الشعثاء بإسناد المذكور
(قال):

١٨٤
کتاب التهجد/ باب ٨
(إذا سمع الصارخ) الديك في نصف الليل، أو ثلثه الأخير، لأنه إنما يكثر الصياح فيه (قام
فصلى). لأنه وقت نزول الرحمة، والسكون، وهدوّ الأصوات.
وأفادت هذه الرواية ما كان يصنع إذا قام، وهو قوله: قام فصلى، بخلاف رواية شعبة فإنها
مجملة، وللمستملي والحموي: ثم قام إلى الصلاة.
١١٣٣ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ قال حدَّثَنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ قال ذَكَرَ أبي عن أبي سَلَمَةَ عن
عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها قالت: ((ما ألفاهُ السَّحَرُ عندي إلا نائمًا)) تَعني النبيِّ وَّل .
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد) هو: ابن
إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري (قال: ذكر أبي) سعدبن إبراهيم، ولأبي داود: حدّثنا
إبراهيم بن سعد عن أبيه (عن) عمه (أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن عائشة، رضي الله عنها،
قالت:)
(ما ألفاه) بالفاء أي: وجده عليه الصلاة والسلام (السحر) بالرفع فاعل ألفى (عندي إلاّ نائمًا)
بعد القيام الذي مبدؤه عند سماع الصارخ. جمعًا بينه وبين رواية مسروق السابقة.
وهل المراد حقيقة النوم أو اضطجاعه على جنبه لقولها في الحديث الآخر: فإن كنت يقظى
حدثني، وإلاّ اضطجع. أو كان نومه خاصًا بالليالي الطوال، وفي غير رمضان دون القصار، لكن
يحتاج إخراجها إلى دليل.
_(تعني) عائشة (النبي (َ﴾). فسر الضمير المنصوب في ألفاه: بالنبي وَّ، وليس بإضمار قبل
الذكر، لأن أم سلمة كانت سألت عائشة عن نوم النبي ◌ّ وقت السحر بعد ركعتي الفجر، كانتا في
ذكره عليه الصلاة والسلام.
وفي هذا الحديث رواية التابعي عن التابعي، والتحديث والرواية بطريق الذكر. والعنعنة
والقول، ورواية الابن عن الأب. وأخرجه مسلم في: الصلاة، وكذا أبو داود وابن ماجة.
٨ - باب من تَسَخَّرَ فلم ینم حتى صلَّى الصبحَ
(باب من تسحر فلم) بالفاء، وللكشميهني: ولم (ينم حتى صلى الصبح) وللحموي والمستملي:
من تسحر ثم قام إلى الصلاة.
١١٣٤ - حدثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ قال حدَّثَنا رَوحٌ قال حدَّثَنا سعيدٌ عن قتادةَ عن أنسٍ بنِ
مالكِ رضيَ اللَّهُ عنه ((أنَّ نبيَّ اللَّهِوَ ◌ّهِ وزيدَ بنَ ثابتٍ رضيَ اللَّهِ عنه تَسَخّرا. فلما فَرغا من سَحورهما
قامَ نبِيُّ اللَّهِن ◌َّه إلى الصلاةِ فصلَّى. قلنا لأنسٍ -كم كان بينَ فَراغِهما من سَحورهما ودُخولِهما في
الصلاةِ؟ قال: كَقَدْرٍ ما يقرأُ الرجلُ خَمسينَ آية)».

١٨٥
كتاب التهجد/ باب ٩
وبه قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) الدورقي (قال: حدثنا روح) بفتح الراء، ابن عبادة بضم
العين وتخفيف الموحدة (قال: حدّثنا سعيد) ولأبي ذر: سعيد بن أبي عروبة، بفتح العين وضم الراء
مخففًا (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك، رضي الله عنه):
(أن نبي الله وَّر، وزيدبن ثابت، رضي الله عنه، تسحرا) أكلا السحور (فلما فرغا من
سحورهما) بفتح السين، اسم لما يتسحر به، وقد تضم كالوُضوء والوَضوء (قام نبي الله، وَّ، إلى
الصلاة) أي: صلاة الصبح (فصلى. قلنا) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: فقلنا (لأنس: كم كان
بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: كقدر ما يقرأ الرجل خمسين آية).
قال التوريشتي: هذا تقدير لا يجوز لعموم المسلمين الأخذ به، وإنما أخذ به عليه الصلاة
والسلام لاطلاع الله إياه، وقد كان عليه الصلاة والسلام معصومًا من الخطأ في أمر الدين، وسبق
هذا الحديث في باب: وقت الفجر.
٩ - باب طول القيامِ في صلاةِ الليلِ
(باب طول القيام في صلاة الليل) وللحموي، والمستملي: طول الصلاة في قيام الليل، وهي
توافق حديث الباب لأنه يدل بظاهره على طول الصلاة لا على طول القيام بخصوصه، لكنه يلزم من
طولها طوله على ما لا يخفى.
وللكشميهني: باب القيام في صلاة الليل.
١١٣٥ - حدثنا سليمانُ بنُ حربٍ قال حدَّثَنا شُعبةُ عنِ الأعمشِ عن أبي وائلٍ عن عبدِ اللَّهِ
رضيَ اللَّهُ عنهُ قال ((صليتُ مَعَ النبيِّوَ ﴿ ليلةً، فلم يَزَلْ قائمًا حتىْ هَمَمْتُ بأمرٍ سَوْء. قلنا: وما
هَممتَ؟ قال: هممتُ أن أقعدَ وأَذَرَ النبيَّ ◌ََّ)).
وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب) الواشحي، الأزدي البصري (قال: حدّثنا شعبة) بن
الحجاج (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأزدي (عن عبدالله) بن
مسعود (رضي الله عنه، قال):
(صليت مع النبي ﴿ ﴿ ليلة) من الليالي (فلم يزل قائمًا حتى هممت) قصدت (بأمر سوء) بفتح
السين وإضافة أمر إليه. (قلنا: وما) ولأبي الوقت: ما (هممت؟ قال: هممت أن أقعد) من طول
قيامه (وأذر النبي ◌َّ﴿) بالمعجمة أي. أتركه، وإنما جعله سوءًا وإن كان القعود في النفل جائزًا لأن
فيه ترك الأدب معه، عليه الصلاة والسلام، وصورة مخالفته.
وقد كان ابن مسعود قويًا محافظًا على الاقتداء به، وَّر، فلولا أنه طوّل كثيرًا لم يهم بالقعود.

١٨٦
كتاب التهجد/ باب ٩
وقد اختلف: هل الأفضل في صلاة النفل كثرة الركوع والسجود؟ أو طول القيام؟ فقال بكل
قومٌ .
فأما القائلون بالأول، فتمسكوا بنحو حديث ثوبان، عند مسلم: «أفضل الأعمال كثرة الركوع
والسجود)) .
وتمسك القائلون بالثاني بحديث مسلم أيضًا: ((أفضل الصلاة طول القنوت)).
والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال .
ورواة هذا الحديث ما بين: بصري وواسطي وكوفي، وفيه: التحديث والعنعنة والقول،
وأخرجه مسلم وابن ماجة في: الصلاة، والترمذي في: الشمائل.
١١٣٦ - حدثنا حفصُ بنُ عمر قال حدَّثَنا خالدُ بن عبدِ اللَّهِ عن حُصينٍ عن أبي وائلٍ عن
حُذَيفةَ رضيَ اللَّهُ عنه ((أن النبيَّ وََّ كان إذا قام للتهجُّد منَ الليلِ يَشوصُ فاهُ بالسواكِ)).
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بضم العين الحوضي (قال: حدّثنا خالدبن عبدالله) بن
عبد الرحمن الطحان (عن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابن عبد الرحمن السلمي (عن أبي
وائل) شقيق بن سلمة (عن حذيفة) بن اليمان (رضي الله عنه):
(أن النبي ◌َّ كان إذا قام للتهجد) أي: قام لعادته (من الليل، يشوص) بشين معجمة وصاد
مهملة، أي: يدلك (فاه بالسواك).
استشكل ابن بطال هذا الحديث، حتى عدّ ذكره هنا غلطًا من ناسخ، أو: أن المؤلف
اخترمته المنية قبل تنقيحه .
وأجيب: باحتمال أنه أراد حديث حذيفة في مسلم: أنه لو قرأ البقرة والنساء وآل عمران في
ركعة، لكن لم يذكره لأنه ليس على شرطه، وأن رواية شوصه بالسواك هي ليلة صلى فيها، فحكى
البخاري بعضه تنبيهًا على بقيته، أو تنبيهًا بأحد حديثي حذيفة على الآخر.
وقال ابن المنير: يحتمل عندي أن يكون أشار إلى معنى الترجمة من جهة أن استعمال السواك
حينئذ يدل على ما يناسبه من كمال الهيئة والتأهب للعبادة، وأخذ النفس حينئذ بما تؤخذ به في
النهار، وكان ليله عليه الصلاة والسلام نهار، وهو دليل طول القيام فيه.
ويدفع أيضًا وهم من لعله يتوهم أن القيام كان خفيفًا بما ورد من حديث ابن عباس: فتوضأ
وضوءًا خفيفًا. وابن عباس إنما أراد وضوءًا رشيقًا مع كمال وإسباغ يدل على كماله . اهـ.
وتعقبه في المصابيح فقال: أطال الخطابة ولم يكشف الخطب، والحق أحق أن يتبع . اهـ.
وقال ابن رشيد: إنما أدخله لقوله: إذا قام للتهجد، أي: إذا قام لعادته .

١٨٧
كتاب التهجد/ باب ١٠
وقد بينت عادته في الحديث الآخر، ولفظ التهجد مع ذلك مشعر بالسهر، ولا شك أن في
السواك عونًا على دفع النوم، فهو مشعر بالاستعداد للإطالة.
قال في الفتح: وهذا أقرب هذه التوجيهات.
ورواة هذا الحديث ما بين: بصري وواسطي وكوفي، وفيه: التحديث والعنعنة والقول،
وأخرجه أيضًا في السواك كما سبق في الوضوء.
١٠ - باب كيفَ كانَ صلاةُ
النبيِّ نَّه، وكم كان النبيُّ وَهِ يُصلّيّ منَ الليل؟
هذا (باب) بالتنوين (كيف كان صلاة النبي ◌َّر، وكم كان النبي، وَّر يصلي من الليل؟) ولأبي
الوقت في نسخة، وأبي ذر، وابن عساكر: بالليل.
وسقط كان الأولى عند أبوي ذر والوقت والأصيلي، والتبويب كله عند الأصيلي، وللمستملي :
باب كيف صلاة الليل؟ وكيف ... ، ولأبي ذر، عن الكشميهني: وكم كان النبي يصلي بالليل؟.
١١٣٧ - حدثنا أبو اليمَانِ قال أخبرنا شعيبٌ عنِ الزُّهريّ قال أخبرني سالمُ بنُ عبدِ اللهِ أنَّ
عبداللَّهِ بن عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((إنَّ رجلاً قال: يا رسولَ اللَّهِ كيفَ صلاةُ الليلِ؟ قال: مَثنى
مثنى، فإذا خِفتَ الصبحَ فأوتِزْ بواحدة)) .
وبالسند قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) هو: ابن أبي حمزة (عن)
ابن شهاب (الزهري قال: أخبرني) بالإفراد، وللأصيلي: أخبرنا (سالم بن عبدالله أن) أباه (عبد الله بن
عمر) بن الخطاب (رضي الله عنهما، قال):
(إن رجلاً) في المعجم الصغير للطبراني: أن ابن عمر هو السائل، لكن يعكر عليه ما في
مسلم: عن ابن عمر أن رجلاً سأل النبي ◌َّر، وأنا بينه وبين السائل، وفي أبي داود: أن رجلاً من
أهل البادية (قال: يا رسول اللَّه! كيف صلاة الليل)؟ أي عددها؟ (قال):
(مثنى مثنى) يسلم من كل ركعتين. ومثنى في محل رفع خبر مبتدأ وهو قوله: صلاة الليل.
والتكرير للتأكيد، لأن الأول مكرر معنى: لأن معناه: اثنان اثنان ولذلك امتنع من الصرف.
وقال الزمخشري: وإنما لم ينصرف لتكرار العدل فيه، وزعم سيبويه أن عدم صرفه للعدل
والصفة .
وتعقبه في الكشاف: بأن الوصفية لا يعرج عليها لأنها لو كانت مؤثرة في المنع من الصرف
لقلت: مررت بنسوة أربع، مفتوحًا فلما صرف علم أنها ليست بمؤثرة، والوصفية ليست بأصل لأن

١٨٨
كتاب التهجد/ باب ١٠
الواضع لم يضعها لتقع وصفًا، بل عرض لها ذلك نحو: مررت بحية ذراع، ورجل أسد. فالذراع
والأسد ليسا بصفتين، للحية والرجل، حقيقة.
(فإذا خفت الصبح) أي: دخول وقته (فأوتر بواحدة). ركعة مفردة، وهو حجة للشافعية على
جواز الإيتار بركعة واحدة.
قال النووي: وهو مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يصح بواحدة، ولا تكون الركعة
الواحدة صلاة قط .
والأحاديث الصحيحة ترد عليه، ومباحث ذلك سبقت في باب الوتر.
وهذا الحديث يطابق الجزء الأول من الترجمة، وبه احتج أبو يوسف، ومحمد، ومالك،
والشافعي، وأحمد: أن صلاة الليل مثنى مثنى. وهو أن يسلم في آخر كل ركعتين.
وأما صلاة النهار، فقال أبو يوسف، ومحمد: أربع. وعند أبي حنيفة: أربع في الليل والنهار،
وعند الشافعي: مثنى مثنى فيهما. واحتج بما رواه الأربعة من حديث ابن عمر مرفوعًا: صلاة الليل
والنهار مثنى مثنى.
نعم: له أن يحرم بركعة، وبمائة مثلاً، وفي كراهة الاقتصار على ركعة فيما لو أحرم مطلقًا
وجهان :
أحدهما: نعم يكره بناء على القول بأنه إذا نذر صلاة لا تكفيه ركعة.
والثاني: لا بل قال في المطلب: الذي يظهر استحبابه خروجًا من خلاف بعض أصحابنا، وإن
لم يخرج من خلاف أبي حنيفة من أنه يلزمه بالشروع ركعتان.
فإن لم ينو عددًا أو جهل كم صلى؟ جاز، لما في مسند الدارمي أن أبا ذر صلى عددًا كثيرًا،
فلما سلم قال له الأحنف بن قيس: هل تدري انصرفت على شفع أو على وتر؟ فقال: إن لا أكن
أدري فإن الله يدري، فإن نوى عددًا فله أن ينوي الزيادة عليه والنقصان منه.
والعدد عند النحاة ما وضع لكمية الشيء، فالواحد عدد، فتدخل فيه الركعة.
وعند جمهور الحساب: ما ساوى نصف مجموع حاشيتيه القريبتين أو البعيدتين على السواء،
فالواحد ليس بعدد، فلا تدخل فيه الركعة، لكنه يدخل في حكمه هنا بالأولى، لأنه إذا جاز التغيير
بالزيادة في الركعتين، ففي الركعة التي قيل يكره الاقتصار عليها في الجملة أولى.
ومعلوم أن تغييرها بالنقص ممتنع، فإن نوى أربعًا وسلم من ركعتين، أو من ركعة، أو قام إلى
خامسة عامدًا قبل تغيير النية، بطلت صلاته لمخالفته ما نواه بغير نية، لأن الزائد صلاة، فتحتاج إلى
نية .

١٨٩
كتاب التهجد/ باب ١٠
ولو قام إليها ناسيًا، فتذكر وأراد الزيادة، ولم يردها، لزمه العود إلى القعود، لأن المأتي به
سهوًا لغوي، وسجد للسهو آخر صلاته لزيادة القيام.
ومن نوى عددًا فله الاقتصار على تشهد آخر صلاته، وله أن يتشهد بلا سلام في كل ركعتين،
كما في الرباعية. وفي كل ثلاث أو أكثر كما في التحقيق، والمجموع، لأن ذلك معهود في
الفرائض في الجملة، لا في ركعة. لأنه اختراع صورة في الصلاة لم تعهد، قاله في أسنى المطالب.
١١٣٨ - حدثنا مسدَّدٌ قال حدَّثني يحيى عن شعبةً قال حدَّثني أبو جَمْرَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ
رضيَ اللَّهُ عنهما قال كَانَ صلاةُ النبيِّوََّ ثلاثَ عشرةَ ركعةً يعني بالليل)).
وبه قال: (حدَّثنا مسدد قال: حدَّثني يحيى) القطان (عن شعبة) بن الحجاج (قال: حدثني)
بالإفراد (أبو جمرة) بالجيم والراء المهملة، نصربن عمران الضبعي (عن ابن عباس رضي الله عنهما،
قال):
- (كان) ولأبي ذر: كانت (صلاة النبي، وَّر، ثلاث عشرة ركعة) أي يسلم من كل ركعتين،
كما صرح به في رواية طلحة بن نافع (يعني بالليل).
وسبق الحديث في أول أبواب الوتر.
١١٣٩ - حدثنا إسحقُ قال حدَّثَنا عبيد اللَّه قال أخبرَنا إسرائيلُ عن أبي حُصيٍ عن
يحيى بنِ وَثَّابٍ عن مسروقٍ قال ((سألتُ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها عن صلاةِ رسولِ اللَّهِ وَ لَّ بِالليلِ
فقالت: سَبعٌ وتِسعٌ وإحدى عشرةَ، سوى رَكعتي الفجرِ)).
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدّثني (إسحلق) هو: ابن راهويه، كما جزم به أبو
نعيم لا ابن سيار النصيبي، ولا رواية له في الكتب الستة (قال: حدثنا) ولأبي الوقت، والأصيلي:
أخبرنا (عبيدالله) بضم العين، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: عبيد الله بن موسى أي: ابن باذام
(قال: أخبرني إسرائيل) بن يونس بن إسحق السبيعي (عن أبي حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد
المهملتين، عثمان بن عاصم الأسدي (عن يحيى بن وثاب) بفتح الواو وتشديد المثلثة وبعد الألف
موحدة (عن مسروق) هو ابن الأجدع (قال):
(سألت عائشة، رضي الله عنها، عن) عدد (صلاة رسول الله، وَّر، بالليل؟ فقالت):
تارة (سبع و) تارة (تسع و) أخرى (إحدى عشرة) وقع ذلك منه في أوقات مختلفة بحسب اتساع
الوقت وضيقه، أو عذر من مرض أو غيره، أو کبر سنه.
وفي النسائي عنها: أنه كان يصلي من الليل تسعًا، فلما أسن صلى سبعًا. قيل: وحكمة
اقتصاره على إحدى عشرة ركعة أن التهجد والوتر يختص بالليل، وفرائض النهار الظهر أربع،

١٩٠
كتاب التهجد/ باب ١١
والعصر أربع، والمغرب ثلاث، وتر النهار، فناسب أن تكون صلاة الليل كصلاة النهار في العدد
جملة وتفصيلاً. قاله في فتح الباري.
ويعكر عليه صلاة الصبح فإنها نهارية لآية: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض
من الخيط الأسود﴾ [البقرة: ١٨٧] والمغرب ليلية لحديث: ((إذا أقبل الليل من ههنا، فقد أفطر
الصائم)». فليتأمل.
(سوى ركعتي الفجر) فالمجموع: ثلاث عشرة ركعة.
وأما ما رواه الزهري، عن عروة. عنها: كما سيأتي إن شاء الله تعالى، في باب: ما يقرأ في
ركعتي الفجر؟ بلفظ: كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء للصبح ركعتين
خفيفتين، وظاهره يخالف ما ذكر؟
فأجيب: باحتمال أن تكون أضافت إلى صلاة الليل سنة العشاء، لكونه كان يصليها في بيته،
أو ما كان يفتتح به صلاة الليل. فقد ثبت في مسلم عنها: أنه كان يفتتحها بركعتين خفيفتين.
ويؤيد هذا الاحتمال رواية أبي سلمة، عند المصنف، وغيره: يصلي أربعًا ثم أربعًا ثم ثلاثًا .
فدل على أنها لم تتعرض للركعتين الخفيفتين، وتعرضت لهما في رواية الزهري. والزيادة من الحافظ
مقبولة.
١١٤٠ - حدثنا عُبِيدُ اللَّهِ بنُ موسى قال أخبرنا حنظلةُ عن القاسمِ بنِ محمدٍ عن عائشةَ رضيَ
اللَّهُ عنها قالت: ((كان النبيُّ وَّرِ يُصلِّي منَ الليلِ ثلاثَ عشرةَ ركعةً، منها الوترُ ورَكعتا الفجرِ)).
وبه قال: (حدّثنا عبيدالله بن موسى) بضم العين، مصغرًا العبسي الكوفي (قال: أخبرنا
حنظلة) بن أبي سفيان الأسودبن عبد الرحمن (عن القاسم بن محمد) ابن أبي بكر الصديق (عن عائشة،
رضي الله عنها، قالت):
(كان النبي ◌َّر، يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة) بالبناء على الفتح وسكون شين عشرة، كما
أجازه الفراء (منها) أي: من ثلاث عشرة: (الوتر، وركعتا الفجر).
وفي بعض النسخ: وركعتي الفجر، نصب على المفعول معه، وفي رواية مسلم: من هذا
الوجه كانت صلاته عشر ركعات، ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة. وهذا
كان غالب عادته عليه السلام.
١١ - باب قِيام النبيِّ بَِّ بِالليلِ ونومِهِ، وما نُسِخَ مِن قيامِ الليلِ
وقولهِ تعالى: ﴿يا أيُّها المزَّمِّلُ قُم الليلَ إلاّ قليلاً نِصفَهُ أو انقُصْ منْهُ قليلاً أو زِدْ عليهِ

١٩١
كتاب التهجد/ باب ١١
ورَتِّلِ القُرآنَ تَرتِيلاً. إنَّا سنُلقي عليكَ قولاً ثقيلاً إنَّ ناشئةَ الليلِ هيَ أشدُّ وَظْأَ وأقْوَمُ قِيلاً إن لكَ
في النهار سَبْحًا طَوِيلاً﴾. وقولهِ: ﴿عَلِمَ أن لنْ تُحصوهُ فَتَابَ عليكم، فاقْرَؤوا ما تَيَسَّرَ مِنْ القُرآنِ،
عَلِمَ أنْ سَيكونُ منكم مَرضى وآخرونَ يضرِبونَ في الأرضِ يَبْتَغونَ مِن فضلِ اللَّهِ وآخرونَ يقاتلونَ
في سَبيلِ اللهِ فاقرَؤوا ما تيسَّرَ منهُ وأقيموا الصلاةَ وآتُوا الزكاةَ وأقرضوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا، وما
تُقدِّموا لأنفُسِكم من خيرٍ تَجِدوهُ عندَ اللَّهِ هوَ خيرًا وأعظمَ أجرًا﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما:
نَشَأ قامَ بالحَبَشَةِ. وطأَّ قال: مواطَأة القرآن، أشدُّ موافقةً لسمعهِ وبَصَرِهِ وقلبِهِ. لِيُواطِئوا: لِيُوافِقوا.
(باب قيام النبي ێ#) أي: صلاته (بالليل ونومه) بواو العطف ولأبي ذر من نومه (و) باب (ما
نسخ من قيام الليل).
(وقوله تعالى) بالجر عطفًا على قوله وما نسخ (يا أيها المزمل) أصله: المتزمل، وهو الذي يتزمل
في الثياب، أي يلتف فيها، قلبت التاء زايًا وأدغمت في الأخرى أي: يا أيها الملتف في ثيابه.
وروى ابن أبي حاتم، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ﴿يا أيها المزمل﴾ [المزمل: ١-٣]
أي: يا محمد قد زملت القرآن.
(﴿قم الليل إلا قليلاً﴾) منه (﴿نصفه أو أنقص منه قليلاً أو زد عليه﴾) [المزمل: ١-٣]. قم
أقل من نصف الليل، والضمير في: منه للنصف.
أي: على النصف:، وهو بدل من الليل، وإلا قليلاً: استثناء من النصف، كأنه قال: قم أقل
من نصف الليل، والضمير في منه، للنصف.
والمعنى التخيير بين أمرين: أن يقوم أقل من النصف على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين
النقصان من النصف والزيادة عليه، قاله في الكشاف.
وتعقبه في البحر: بأنه يلزم منه التكرار، لأنه على تقديره: قم أقل من نصف الليل يكون
قوله: ﴿أو أنقص﴾ من نصف الليل تكرارًا. أو: بدلاً من قليلاً. وكأن في الآية تخييرًا بين ثلاث:
بين قيام النصف بتمامه، أو قيام أنقص منه، أو أزيد. ووصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل:
قال في الفتح: وبهذا، أي: الأخير جزم الطبري، وأسند ابن أبي حاتم معناه عن عطاء
الخراساني.
وفي حديث مسلم، من طريق سعدبن هشام عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت:
افترض الله تعالى قيام الليل في أول هذه السورة، يعني: ﴿يا أيها المزمل﴾ فقام نبي الله وَّ،
وأصحابه حولاً حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوّعًا بعد فريضة.
وقال البرهان النسفي في الشفاء: أمره أن يختار على الهجود التهجد، وعلى التزمل التشمر

١٩٢
كتاب التهجد/ باب ١١
للعبادة، والمجاهدة في الله تعالى، فلا جرم أنه عليه السلام قد تشمر لذلك وأصحابه حق التشمر،
وأقبلوا على إحياء لياليهم، ورفضوا الرقاد والدعة، وجاهدوا في الله حتى انتفخت أقدامهم،
واصفرت ألوانهم، وظهرت السيما على وجوههم، حتى رحمهم ربهم، فخفف عنهم.
وحكى الشافعي، عن بعض أهل العلم: أن آخر السورة نسخ افتراض قيام الليل إلا ما تيسر
منه، بقوله: ﴿فاقرؤوا ما تيسر منه﴾ [المزمل: ٢٠] ثم نسخ فرض ذلك بالصلوات الخمس.
(﴿ورتل القرآن ترتيلاً﴾) أي اقرأه مرتلاً بتبيين الحروف وإشباع الحركات من غير إفراط، وقال
أبو بكربن طاهر: تدبر لطائف خطابه، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبك بفهم معانيه، وسرك
بالإقبال عليه (﴿إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً﴾) أي: القرآن لثقل العمل به، أخرجه ابن أبي حاتم عن
الحسن، أو ثقيلاً في الميزان يوم القيامة، أخرجه عنه أيضًا من طريق أخرى (﴿إن ناشئة الليل﴾)
مصدر: من نشأ إذا قام ونهض (﴿هي أشد وطأ﴾) بكسر الواو وفتح الطاء ممدودًا كما في قراءة أبي
عمرو، وابن عامر، والباقون بفتح الواو وسكون الطاء من غير مد، أي: قيامًا (﴿وأقوم قيلاً﴾) أشد
مقالاً وأثبت قراءة لهدو الأصوات، وقيل: أعجل إجابة للدعاء (﴿إن لك في النهار سبحًا طويلاً))
[المزمل: ٣-٧] تصرفًا وتقلبًا في مهماتك وشواغلك. وعن السدي: تطوّعًا كثيرًا. وقال
السمر قندي: فراغًا طويلاً تقضي حوائجك فيه، ففرغ نفسك لصلاة الليل.
(وقوله تعالى: ﴿علم أن لن تحصوه﴾) أي: علم الله أن لن تطيقوا قيام الليل، أو: الضمير
المنصوب فيه يرجع إلى مصدر مقدر، أي: علم أن لا يصح منكم ضبط للأوقات، ولا يتأتى حسابها
بالتسوية إلاّ بالاحتياط، وهو شاق عليكم (﴿فتاب عليكم﴾) رخص لكم في ترك القيام المقدر
(﴿فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾) فصلوا ما تيسر عليكم من قيام الليل، وهو ناسخ للأول، ثم نسخا
جميعًا بالصلوات الخمس، أو المراد: قراءة القرآن بعينها، ثم بيَّن حكمة النسخ بقوله: (﴿علم أن
سيكون منكم مرضى﴾) لا يقدرون على قيام الليل (﴿وآخرون يضربون﴾) يسافرون (﴿في الأرض
يبتغون من فضل الله﴾) في طلب الرزق منه تعالى (﴿وآخرون يقاتلون في سبيل الله﴾) يجاهدون في
طاعة الله (﴿فاقرؤوا ما تيسر منه﴾) أي: من القرآن، قيل: في صلاة المغرب والعشاء (﴿وأقيموا الصلاة
وآتوا الزكاة﴾) الواجبتين أو المراد: صدقة الفطر، لأنه لم يكن بمكة زكاة، ومن فسرها بها جعل آخر
السورة من المدني.
(﴿وأقرضوا الله قرضًا حسنًا﴾) بسائر الصدقات المستحبة، وسماه: قرضًا، تأكيدًا للجزاء (﴿وما
تقدموا لأنفسكم من خير﴾) عمل صالح وصدقة بنية خالصة (﴿تجدوه﴾) أي: ثوابه (﴿عند الله﴾) في
الآخرة (﴿هو خيرًا﴾) نصب ثاني مفعولي: وجد (﴿وأعظم أجرًا﴾) زاد في نسخة: ﴿واستغفروا الله﴾
لذنوبكم ﴿إن الله غفور﴾ لمن تاب ﴿رحيم﴾ [المزمل: ٢٠] لمن استغفر.
(قال ابن عباس رضي الله عنهما) مما وصله عبدبن حميد بإسناد صحيح عن سعيدبن جبير،

١٩٣
كتاب التهجد/ باب ١١
عنه، ولأبي ذر، والأصيلي: قال أبو عبد اللَّه أي: المؤلف: قال ابن عباس: (نشأ) بفتحات، مهموزًا
معناه (قام) بتهجد (بالحبشية) أي: بلسان الحبشة.
وليس في القرآن شيء بغير العربية، وإن ورد من ذلك شيء فهو من توافق اللغتين، وعلى
هذا، فناشئة، كما مر، مصدر بوزن فاعلة، من: نشأ إذا قام، أو اسم فاعل: أي: النفس الناشئة
بالليل، أي التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة أي: تنهض، وفي الغريبين لأبي عبيد: كل ما حدث
باللیل وبدا فهو ناشیء.
وفي المجاز لأبي عبيدة: ناشية الليل: آناء الليل، ناشئة بعد ناشئة.
(وطأ) بكسر الواو (قال) المؤلف، مما وصله عبدبن حميد، من طريق مجاهد، معناه: (مواطأة
القرآن). ولأبي ذر، والوقت، مواطأة للقرآن، بالتنوين واللام (أشد موافقة لسمعه وبصره وقبله) ثم
ذكر ما يؤيد هذا التفسير، فقال في قوله تعالى في سورة براءة ﴿يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا﴾
[التوبة: ٣٧] (ليواطؤوا) معناه: (ليوافقوا) وقد وصله الطبري عن ابن عباس، لكن بلفظ: ليشابهوا.
١١٤١ - حقثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ اللهِ قال حدَّثني محمدُبنُ جَعفرٍ عن حُميدٍ أنهُ سمعَ أنسًا
رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ ((كان رسولُ اللَّهِو ◌َلَّهِ يُفطِرُ مِنَ الشهرِ حتى نظُنَّ أَنْ لا يَصومَ منه، ويَصومُ حتى
نظنَّ أنْ لا يُفطرَ منه شيئًا. وكان لا تشاءُ أن تراهُ منَ الليلِ مُصلًِّا إلاّ رأيتَهُ، ولا نائمًا إلاّ رأيتَهُ».
تابعَهُ سليمانُ وأبو خالد الأحمرُ عن حُيدٍ. [الحديث ١١٤١ - أطرافه في: ١٩٧٢، ١٩٧٣،
٣٥٦١].
وبالسند قال: (حدّثنا عبدالعزيز بن عبد الله) بن يحيى القرشي العامري (قال: حدثني) بالإفراد
(محمد بن جعفر) هو: ابن أبي كثير المدني (عن حميد) الطويل (أنه سمع أنسَا) ولأبي ذر، والأصيلي:
أنس بن مالك (رضي الله عنه، يقول):
(كان رسول الله، وَلقر، يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه) أي: من الشهر، زاد
الأصيلي، وأبو ذر: شيئًا (و) كان، عليه الصلاة والسلام (يصوم) منه (حتى نظن أن لا يفطر)
بالنصب، وللأصيلي: أنه لا يفطر، بالرفع، (منه شيئًا وكان) عليه الصلاة والسلام (لا تشاء أن تراه
من الليل مصليًا إلا رأيته) مصليًا (ولا) تشاء أن تراه من الليل (نائمًا إلا رأيته) نائمًا .
أي: ما أردنا منه، عليه الصلاة والسلام، أمرًا إلا وجدناه عليه، إن أردنا أن يكون مصليًا،
وجدناه مصليًا، وإن أردنا أن نراه نائمًا، وهو يدل على أنه ربما نام كل الليل، وهذا سبيل التطوع،
فلو استمر الوجوب في قوله: ﴿قم الليل﴾ [المزمل: ٢] لما أخل بالقيام.
وفيه أيضًا أن صلاته ونومه كانا يختلفان بالليل، وأنه لا يرتب وقتًا معينًا، بل بحسب ما تيسر
له من قیام اللیل.
إرشاد الساري/ج ٣/م ١٣

١٩٤
كتاب التهجد/ باب ١٢
لا يقال: يعارضه قول عائشة: كان إذا سمع الصارخ قام. فإن كلاً من عائشة وأنس أخبر بما
اطلع عليه .
ورواته ما بين: مدني وبصري، وفيه: التحديث والعنعنة والسماع والقول، وأخرجه المؤلف
أيضًا في الصوم.
(تابعه) أي تابع محمد بن جعفر، عن حميد (سليمان) هو: ابن بلال كما جزم به خلف (وأبو
خالد) سليمان بن حيان (الأحمر) أو: الواو زائدة في: وأبو، من الناسخ، فإن أبا خالدًا اسمه
سليمان، (عن حميد) الطويل.
ومتابعة أبي خالد وصلها المؤلف في: الصوم.
١٢ - باب عقدِ الشيطانِ على قافيةِ الرأسٍ إذا لم يُصلُ بالليل
(باب عقد الشيطان على قافية الرأس) أي: قفاه، أو مؤخر العنق، أو مؤخر الرأس، أو
وسطه، (إذا) نام و(لم يصل) صلاة العشاء (بالليل).
١١٤٢ - حدثنا عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ قال أخبرنا مالكٌ عن أبي الزنادِ عنِ الأعرجِ عن أبي هريرةَ
رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللَّهِ لَه قال: ((يَعقدُ الشيطانُ على قافيةِ رأسٍ أحدِكم إذا هو نامَ ثلاث عُقدٍ،
يَضربُ كلٌّ عقدةٍ: عليك ليلٌ طويلٌ فارقُدْ. فإنِ استَيقَظ فذكَر اللَّهَ انحلَّتْ عقدةً. فإن
توضَّأَ انحلَّتْ عقدةٌ، فإن صلَّى انحلَّتْ عقدةٌ، فأصبح نشيطًا طيْبَ النّفسِ، وإلاّ أصبحَ خبيثَ النفسِ
كسلانَ)). [الحديث ١١٤٢ - طرفه في ٣٢٦٩].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي الزناد)
عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن
رسول الله، ◌َچ، قال):
(يعقد الشيطان) إبليس، أو أحد أعوانه (على قافية رأس أحدكم).
ظاهره التعميم في المخاطبين، ومن في معناهم، ويمكن أن يخص منه من صلى العشاء في
جماعة، كما مر، ومن ورد في حقه أنه يحفظ من الشيطان: كالأنبياء، ومن يتناوله قوله: ﴿إن عبادي
ليس لك عليهم سلطان﴾ [الإسراء: ٦٥] وكمن قرأ آية الكرسي عند نومه، وقد ثبت أنه يحفظ من
الشيطان حتى يصبح.
(إذا هو نام) وللحموي والمستملي: إذا هو نائم، بوزن فاعل، قال الحافظ ابن حجر: والأول
أصوب، وهو الذي في الموطأ. وتعقبه العيني: بأن رواية الموطأ لا تدل على أن ذلك أصوب، بل

١٩٥
كتاب التهجد/ باب ١٢
الظاهر أن رواية المستملي أصوب لأنها جملة اسمية والخبر فيها اسم (ثلاث عقد) نصب مفعول يعقد،
وعقد بضم العين وفتح القاف، جمع عقدة (يضرب) بيده (كل عقدة) منها ولأبي ذر: على مكان كل
عقدة، وللأصيلي وأبي ذر، عن الكشميهني: عند مكان كل عقدة، تأكيدًا وإحكامًا لما يفعله قائلاً:
باق (عليك ليل طويل) أو: عليك ليل مبتدأ، أو خبر مقدم. فليل رفع على الابتداء أي: باق
عليك، أو إضمار فعل أي: بقي عليك (فارقد).
كأن الفاء رابطة شرط مقدر، أي: وإذا كان كذلك، فارقد ولا تعجل بالقيام، ففي الوقت
متسع .
وهل هذا العقد حقيقة فيكون من باب عقد السواحر ﴿النفاثات في العقد) [الفلق: ٤] وذلك
بأن يأخذن خيطًا، فيعقدن عليه منه عقدة، ويتكلمن عليه بالسحر، فيتأثر المسحور حينئذ بمرض أو
تحريك قلب أو نحوه، وعلى هذا فالمعقود شيء عند قافية الرأس لا قافية الرأس نفسها.
وهل العقد في شعر الرأس أو غيره؟ الأقرب أنه في غيره، لأنه ليس لكل أحد شعر، وفي
رواية ابن ماجة على قافية رأس أحدكم حبل فيه ثلاث عقد، ولأحمد: إذا نام أحدكم عقد على رأسه
بجرير، وهو بفتح الجيم: الحبل.
وقيل العقد مجاز كأنه شبه فعل الشيطان بالنائم بفعل الساحر بالمسحور، فلما كان الساحر يمنع
بعقده ذلك تصرف من يحاول عقده، كان هذا مثله من الشيطان للنائم، وقيل: معنى يضرب،
يحجب الحس عن النائم حتى لا يستيقظ، ومنه قوله تعالى: ﴿فضربنا على آذانهم﴾ [الكهف: ١١]
أي: حجبنا الحس أن يلج في آذانهم، فينتبهوا. فالمراد تثقيله في النوم وإطالته، فكأنه قد شد عليه
شداد، أو عقد عليه ثلاث عقد.
والتقييد بالثلاث: إما للتأكيد، وأن الذي ينحل به عقده ثلاثة: الذكر، والوضوء، والصلاة.
كما أشار إليه بقوله :
(فإن استيقظ) من نومه (فذكر الله) بكل ما صدق عليه الذكر، كتلاوة القرآن، وقراءة
الحديث، والاشتغال بالعلم الشرعي (انحلت عقدة) واحدة من الثلاث (فإن توضأ انحلت عقدة)
أخرى ثانية (فإن صلى) الفريضة أو النافلة (انحلت عقدة) الثلاث كلها.
وظاهره: أن العقد كلها تنحل بالصلاة، وهو خاصة، كذلك، في حق من لم يحتج إلى
الطهارة، كمن نام متمكنًا مثلاً ثم انتبه فصلى من قبل أن يذكر أو يتطهر، لأن الصلاة تستلزم
الطهارة، وتتضمن الذكر .
وقوله: عقده، ضبطها في اليونينية بلفظ الجمع والإفراد، كما ترى قال ابن قرقول في
مطالعه، كعياض رحمه الله في مشارقه: اختلف في الآخرة منها فقط، فوقع في الموطأ لابن وضاح

١٩٦
كتاب التهجد/ باب ١٢
على الجمع، وكذا ضبطناها في البخاري، وكلاهما، يعني: الجمع والإفراد، صحيح. والجمع
أوجه، لا سيما وقد جاء في رواية مسلم: في الأولى عقدة وفي الثانية عقدتان، وفي الثالثة
العقد . اهـ.
فقد تبين أن قول من قال: إنه في اليونينية بلفظ الجمع مع نصب الدال ناشىء عن عدم تأمله
لما في اليونينية، ولعله لم يقف على اليونينية نفسها، بل على ما هو مقابل عليها، أو مكتوب منها،
وخفي على الكاتب أو المقابل ذلك لدقة ذلك، كمواضع فيها محيت لا تدرك إلا بالتأمل التام.
ويؤيد ما قلته، قول القاضي السابق، فتأمله.
وأما تخريج النصب على الاختصاص أو غيره، فلا يصار إليه إلا عند ثبوت الرواية: ولا
أعرفه. ومن ادعى أن النصب مع الجمع رواية، فعليه البيان.
وقوله: (فأصبح نشيطًا) أي لسروره بما وفقه الله له من الطاعة، وما وعد به من الثواب، وما
زال عنه من عقد الشيطان، (طيب النفس) لما بارك الله له في نفسه من هذا التصرف الحسن، كذا
قيل: قال في الفتح والظاهر أن في صلاة الليل سرًا في طيب النفس، وإن لم يستحضر المصلي شيئًا
مما ذكر (وإلا) بأن ترك الذكر والوضوء والصلاة (أصبح خبيث النفس) بتركه ما كان اعتاده أو
قصده، من فعل الخير.
ووصف النفس بالخبث. وإن كان وقع النهي عنه في قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يقولن
أحدكم خبثت نفسي))، للتنفير، والتحذير أو النهي لمن يقول ذلك. وهنا إنما أخبر عنه بأنه كذلك
فلا تضادّ.
(كسلان) لبقاء أثر تثبيط الشيطان، ولشؤم تفريطه، وظفر الشيطان به بتفويته الحظ الأوفر من
قيام الليل، فلا يكاد يخف عليه صلاة ولا غيرها من القربات.
وكسلان: غير منصرف للوصف، وزيادة الألف والنون مذكر: كسلى، ومقتضى قوله: وإلا
أصبح أنه إن لم يجمع الأمور الثلاثة دخل تحت من يصبح خبيئًا كسلان. وإن أتى ببعضها، لن يختلف
ذلك بالقوة والخفة، فمن ذكر الله مثلاً كان في ذلك أخف ممن لم يذكر أصلاً. وهذا الذم مختص بمن
لم يقم إلى الصلاة وضيعها .
أما من كانت له عادة، فغلبته عينه، فقد ثبت أن الله يكتب له أجر صلاته ونومه عليه صدقة،
ولا يبعد أن يجيء مثل ما ذكر في نوم النهار كالنوم حالة الابراد مثلاً، ولا سيما على تفسير البخاري
من أن المراد بالحديث الصلاة المفروضة. قاله في الفتح.
فإن قلت: الحديث مطلق يدل على عقده رأس جميع المكلفين: من صلى ومن لم يصل، وإنما
تنحل عمن أتى بالثلاث، والترجمة مقيدة برأس من لم يصل. فما وجه المطابقة؟

١٩٧
كتاب التهجد/ باب ١٣
أجيب: بأن مراده أن استدامة العقد إنما تكون على من ترك الصلاة، وجعل من صلى وانحلت
عقده كمن لم يعقد عليه لزوال أثره. قاله المازري.
وقوله في الترجمة: إذا لم يصل، أعم من أن لا يصلي العشاء أو غيرها من صلاة الليل، ولا
قرينة للتقييد بالعشاء .
وظاهر الحديث يدل على أن العقد يكون عند النوم، سواء صلى قبله أو لم يصل. قاله في
عمدة القارىء، رادًا على صاحب الفتح حيث قال: ويحتمل أن تكون الصلاة المنفية في الترجمة صلاة
العشاء، فيكون التقدير: إذا لم يصل العشاء، فكأنه يرى أن الشيطان إنما يفعل ذلك بمن نام قبل
صلاة العشاء، بخلاف من صلاها لا سيما في الجماعة، فإنه كمن قام الليل في حل عقد الشيطان.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود.
١١٤٣ - حدثنا مُؤمَّلُ بنُ هِشام قال: حدَّثَنا إسماعيلُ قال حدَّثَنا عوفٌ قال حدَّثَنا أبو رجاء
قال حدَّثَنَا سَمُرةُ بنُ حُنْدَبٍ رضيَ اللهُ عنهُ عنِ النبيِوَ ◌َّ في الرؤيا قال: أمَّا الذي يُثْلَغُ رأسُه بالحجرِ
فإنه يأخذُ القرآنَ فيرفُضُهُ وَينامُ عنِ الصلاةِ المكتوبةِ)).
وبه قال: (حدّثنا مؤمل بن هشام) بفتح الميم الثانية المشددة البصري (قال: حدّثنا إسماعيل)
ولأبي ذر والأصيلي: إسماعيل ابن علية بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد التحتية، اسم أمه،
واسم أبيه: إبراهيم بن سهم الأسدي البصري (قال: حدّثنا عوف) الأعرابي (قال: حدّثنا أبو رجاء)
عمران بن ملحان العطاردي (قال: حدّثنا سمرةبن جندب) بفتح الدال وضمها (رضي الله عنه عن
النبي ◌َّر، في الرؤيا قال):
(أما الذي يثلغ رأسه بالحجر) بمثلثة ساكنة ولام مفتوحة بعدها غين معجمة، مبنيًا للمفعول
أي يشق أو يخدش (فإنه) الرجل (يأخذ القرآن فيرفضه) بكسر الفاء وضمها والضاد المعجمة، أي:
يترك حفظه والعمل به (وينام) ذاهلاً (عن الصلاة المكتوبة) العشاء حتى يخرج وقتها، أو الصبح.
لأنها التي تفوت بالنوم غالبًا .
١٣ - باب إِذَا نام ولم يُصَلُ بالَ الشيطانُ في أُذُنِهِ
هذا (باب) بالتنوين (إذا نام ولم يصل بال الشيطان في أذنه) قال في الفتح: كذا للمستملي
وحده، ولغيره باب، فقط، وهو بمنزلة الفصل من سابقه، وفي اليونينية: باب إذا نام ولم يصل بال
الشيطان في أذنه، فليتأمل مع ما قبله.
١١٤٤ - حدثنا مسدَّدٌ قال: حدَّثَنا أبو الأخوَصِ قال: حدَّثَنا منصور عن أبي وائلٍ عن

١٩٨
كتاب التهجد/ باب ١٤
عبدِ اللَّهِ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((ذُكِرَ عندَ النبيِّ ◌َ لَ رجلٌ فقيل: ما زالَ نائمًا حتى أصبحَ، ما قامَ إلى
الصلاةِ فقال: بال الشيطانُ في أُذُنِهِ)). [الحديث ١١٤٤ - طرفه في: ٣٢٧٠].
وبالسند قال: (حدّثنا مسدد قال: حدّثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم (قال: حدّثنا) ولأبي
ذر: أخبرنا (منصور) هو: ابن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبدالله) بن مسعود (رضي
الله عنه قال) :
(ذكر عند النبي (ێ رجل).
قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه، لكن أخرج سعيدبن منصور عن عبد الرحمن بن
يزيد النخعي، عن ابن مسعود ما يؤخذ منه. أنه هو، ولفظه بعد سياق الحديث بنحوه: وايم الله لقد
بال في أذن صاحبکم ليلة یعني نفسه.
(فقيل) أي؛ قال رجل من الحاضرين (ما زال) الرجل المذكور (نائمًا حتى أصبح، ما قام إلى
الصلاة) اللام للجنس، أو المراد: المكتوبة، فتكون للعهد. ويدل له قول سفيان، فيما أخرجه ابن
حبان في صحيحه: هذا عبد نام عن الفريضة. (فقال) عليه الصلاة والسلام:
(بال الشيطان في أذنه) بضم الهمزة والذال وسكونها، ولا استحالة أن يكون بوله حقيقة، لأنه
ثبت أنه يأكل ويشرب وينكح، فلا مانع من بوله، أو: وهو كناية عن صرفه عن الصارخ بما يقره
في أذنه حتى لا ينتبه، فكأنه ألقى في أذنه بوله فاعتل سمعه بسبب ذلك.
وقال التوربشتي: يحتمل أن يقال إن الشيطان ملأ سمعه بالأباطيل، فأحدث في أذنه، وقرأ
عن استماع دعوة الحق.
وقال في شرح المشكاة، خص الأذن بالذكر. والعين أنسب بالنوم إشارة إلى ثقل النوم، فإن
المسامع هي موارد الانتباه بالأصوات، ونداء: حي على الصلاة.
قال الله تعالى: ﴿فضربنا على آذانهم في الكهف﴾ [الكهف: ١١] أي: أنمناهم إنامة ثقيلة لا
تنبههم فيها الأصوات.
وخص البول من بين الأخبثين لأنه مع خبائته أسهل مدخلاً في تجاويف الخروق والعروق،
ونفوذه فيها، فيورث الكسل في جميع الأعضاء.
ورواة هذا الحديث كوفيون إلا شيخ المؤلف فبصري، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة
والقول، وأخرجه المؤلف في صفة إبليس، ومسلم والنسائي وابن ماجة في: الصلاة.
١٤ - باب الدُّعاء والصلاةِ من آخر الليلِ
وقال عز وجل: ﴿كانوا قليلاً منَ الليلِ ما يَهَجَعون﴾ أي ما ينامون ﴿وبالأسحار هم
يستغفرون﴾ .

١٩٩
كتاب التهجد/ باب ١٤
(باب الدعاء والصلاة) بواو العطف، ولأبي ذر في الصلاة (من آخر الليل) وهو الثلث الأخير
منه .
(وقال) ولأبوي ذر. والوقت: وقال الله (عز وجل) وللأصيلي: وقول الله عز وجل (﴿كانوا
قليلاً من الليل ما يهجعون﴾) رفع بقليلاً على الفاعلية (أي: ما ينامون) وللحموي: ما يهجعون:
ينامون، وما زائدة.
ويهجعون: خبر كان، وقليلاً إما ظرف أي: زمانًا قليلاً، ومن الليل إما صفة أو: متعلق
بيهجعون، وإما مفعول مطلق أي: هجوعًا قليلاً. ولو جعلت: ما، مصدرية، فما يهجعون فاعل
قليلاً، ومن الليل: بيان أو حال من المصدر. ومن، للابتداء. ولا يجوز أن تكون نافية، لأن ما
بعدها لا يعمل فيما قبلها. ولابن عساكر: ما ينامون، وعند الأصيلي يهجعون الآية.
(﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾) أي: أنهم مع قلة هجوعهم وكثرة تهجدهم إذا أسحروا أخذوا
في الاستغفار كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم.
وسقط في رواية الأصيلي: ما بعد يهجعون إلى يستغفرون، وسقط عند أبي ذر، والأصيلي،
وأبي الوقت: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾.
١١٤٥ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسْلَمة عن مالكِ عنِ ابنِ شهابٍ عن أبي سَلَمة وأبي عبدِ اللَّهِ
الأغَرِّ عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه أنَّ رسولَ اللَّهِو ◌َ ◌ّهِ قال: ((يَنزِلُ ربُّنا تباركَ وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى
السماءِ الدُّنيا حين يَبقى ثُلثُ الليل الآخرُ يقول: مَن يَدعوني فأستجيبَ له، مَن يسألني فَأُعطِيَه، من
يَستغْفِرُني فأغفِرَ له)). [الحديث ١١٤٥ - طرفاه في: ٦٣٢١، ٧٤٩٤].
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن) إمام الأئمة (مالك، عن ابن شهاب)
الزهري (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (وأبي عبدالله) سلمان (الأغر) بغين معجمة وراء مشددة،
الثقفي، كلاهما (عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صَ ل﴿ل، قال):
(ينزل ربنا، تبارك وتعالى) نزول رحمة، ومزيد لطف، وإجابة دعوة، وقبول معذرة، كما هو
ديدن الملوك الكرماء، والسادة الرحماء، إذا نزلوا بقرب قوم محتاجين ملهوفين، فقراء مستضعفين، لا
نزول حركة وانتقال لاستحالة ذلك على الله تعالى، فهو نزول معنويّ.
نعم، يجوز حمله على الحسي، ويكون راجعًا إلى أفعاله لا إلى ذاته، بل هو عبارة عن ملكه
الذي ينزل بأمره ونهيه .
وقد حكى ابن فورك: أن بعض المشايخ ضبطه بضم الياء من: ينزل. قال القرطبي: وكذا
قیده بعضهم، فیکون معدّی إلى مفعول محذوف، أي: ينزل الله ملكًا.

٢٠٠
كتاب التهجد/ باب ١٤
قال: ويدل له رواية النسائي: إن الله عز وجل يمهل حتى شطر الليل الأول، ثم يأمر مناديًا
يقول: هل من داع فيستجاب له الحديث. وبهذا يرتفع الإشكال.
قال الزركشي: لكن روى ابن حبان في صحيحه ((ينزل الله إلى السماء فيقول لا أسأل عن
عبادي غيري)) .
وأجاب عنه في المصابيح بأنه لا يلزم من إنزاله الملك أن يسأله عما صنع العباد، ويجوز أن
يكون الملك مأمورًا بالمناداة، ولا يسأل البتة عما كان بعدها، فهو سبحانه وتعالى أعلم بما كان وبما
يكون، لا تخفى عليه خافية، وقوله: تبارك وتعالى، جملتان معترضتان بين الفعل وظرفه، وهو قوله:
(كل ليلة إلى السماء الدنيا) لأنه لما أسند ما لا يليق إسناده بالحقيقة، أتى بما يدل على التنزيه
(حين يبقى ثلث الليل الآخر) منه، بالرفع صفة وتخصيصه بالليل، وبالثلث الأخير منه لأنه وقت
التهجد، وغفلة الناس عمن يتعرض لنفحات رحمة الله، وعند ذلك تكون النية خالصة والرغبة إلى الله
تعالى وافرة، وذلك مظنة القبول والإجابة .
ولكن اختلفت الروايات في تعيين الوقت على ستة أقوال يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في
كتاب: الدعاء نصف الليل بعون الله.
(يقول من يدعوني فأستجيب له) بالنصب على جواب الاستفهام، وبالرفع على تقدير مبتدأ
أي: فأنا أستجيب له. وكذلك حكم: فأعطيه فأغفر له. وليست السين للطلب بل أستجيب
بمعنى: أجيب (من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له).
وزاد حجاج بن أبي منيع، عن جده، عن الزهري عند الدارقطني في آخر الحديث: حتى
الفجر. والثلاثة: الدعاء، والسؤال، والاستغفار، أما بمعنى واحد، فذكرها للتوكيد، وإما لأن
المطلوب لدفع المضار أو جلب المسار، وهذا إما دنيوي أو ديني ففي الاستغفار إشارة إلى الأول،
وفي السؤال إشارة إلى الثاني، وفي الدعاء إشارة إلى الثالث.
وإنما خص الله تعالى هذا الوقت بالتنزل الإلهي، والتفضل على عباده باستجابة دعائهم،
وإعطائهم سؤلهم، لأنه وقت غفلة واستغراق في النوم. واستلذاذ به، ومفارقة اللذة والدعة صعب
لا سيما أهل الرفاهية، وفي زمن البرد، وكذا أهل التعب، ولا سيما في قصر الليل. فمن آثر القيام
لمناجاة ربه والتضرع إليه مع ذلك دل على خلوص نيته وصحة رغبته فيما عند ربه تعالى.
ورواة الحديث مدنيون إلا ابن مسلمة سكن البصرة، وفيه، التحديث والعنعنة، وأخرجه أيضًا
في: التوحيد والدعوات، ومسلم في: الصلاة، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.