النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
كتاب سجود القرآن/ باب ١٠
وقال سلمانُ: ما لهذا غَدَونا. وقال عثمانُ رضيَ اللَّهُ رضيَ اللَّهُ عنه: إنما السجدةُ على مَنِ
استمعها .
وقال الزهريُّ: لا يَسجدُ إلاَّ أن يكونَ طاهرًا، فإذا سجدتَ وأنتَ في حَضرِ فاستقبلِ القبلةَ،
فإن كنتَ راكبًا فلا عليكَ حيثُ كان وَجهُكَ. وكان السائبُ بنُ يَزِيدَ لا يَسجدُ لسجودِ القاصِّ.
(باب من رأى أن الله عز وجل لم يوجب السجود) لحديث الباب الآتي إن شاء الله تعالى،
ولحديث زيدبن ثابت السابق قريبًا: أنه قرأ على النبي ◌َّرِ ﴿والنجم﴾ فلم يسجد فيها.
وأما قوله تعالى: ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾ [النجم: ٦٢] وقوله: ﴿واسجد واقترب﴾
[العلق: ١٩] فمحمول على الندب أو على أن المراد به سجود الصلاة، أو في الصلاة المكتوبة على
الوجوب، وفي سجود التلاوة على الندب على قاعدة الشافعي في حمل المشترك على معنييه.
وأوجبه الحنفية لأن آيات السجدة كلها دالة على الوجوب لاشتمال بعضها على الأمر بالسجود
لأن مطلق الأمر للوجوب، واحتواء بعضها على الوعيد الشديد على تركه، وانطواء بعضها على
استنكاف الكفرة عن السجود، والتحرز عن التشبه بهم واجب، وذلك بالسجود وانتظام بعضها على
الإخبار عن فعل الملائكة والاقتداء بهم لازم لأن فيه تبرأ من الشيطان حيث لم يقتد به.
وحديث زيد لا ينفي الوجوب لأنه لا يقتضي إلا تركها متصلة بالتلاوة، والأمر في الآيتين
للوجوب لتجرده عن القرينة الصارفة عن الوجوب، وحمله على سجود الصلاة يحتاج إلى دليل.
واستعماله في الصلاة المكتوبة على الوجوب، وفي سجدة التلاوة على الندب، استعمال
المفهومين مختلفين في حالة واحدة وهو ممتنع. انتهى.
واحتج الطحاوي للندبية بأن الآيات التي في سجود التلاوة منها ما هو بصيغة الخبر، ومنها ما
هو بصيغة الأمر. وقد وقع الخلاف في التي بصيغة الأمر: هل فيها سجود أو لا، وهي: ثانية
الحج، وخاتمة النجم، واقرأ. فلو كان سجود التلاوة واجبًا لكان ما ورد بصيغة الأمر أولى أن يتفق
على السجود فيه مما ورد بصيغة الخبر.
(وقيل لعمران بن حصين) مما وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح بمعناه: (الرجل يسمع السجدة
ولم يجلس لها) أي: لقراءة السجدة، أي لا يكون مستمعًا؟ (قال) عمران: (أرأيت) أي: أخبرني (لو
قعد لها؟) وهمزة: أرأيت. للاستفهام الإنكاري قال المؤلف: (كأنه) أي عمران (لا يوجبه) أي:
السجود (عليه) أي الذي قعد لها للاستماع. وإذا لم يجب على المستمع فعدمه على السامع أولى.
(وقال سلمان) الفارسي، مما وصله عبدالرزاق بإسناد صحيح من طريق أبي عبدالرحمن
السلمي، قال: مر سلمان على قوم قعود فقرؤوا السجدة، فسجدوا، فقيل له، فقال: (ما لهذا)
أي: للسماع (غدونا) أي: لم نقصده، فلا نسجد.

١٢٢
كتاب سجود القرآن/ باب ١٠
(وقال عثمان) بن عفان (رضي الله عنه: إنما السجدة على من استمعها) أي: قصد سماعها
وأصغى إليها، لا على سامعها. وهذا وصله عبد الرزاق بمعناه. بإسناد صحيح، عن معمر عن
الزهري عن ابن المسيب عنه :
(وقال) ابن شهاب (الزهري)، مما وصله عبدالله بن وهب عن يونس عنه: (لا يسجد إلا أن
يكون) بالمثناة التحتية فيهما ورفع الدال، ولأبوي ذر، والوقت: لا تسجد إلا أن تكون ... ،
بالفوقية فيهما وسكون الدال، (طاهرًا، فإذا سجدت وأنت في حضر فاستقبل القبلة، فإن كنت
راكبًا) أي: في سفر، لأنه قسيم الحضر (فلا عليك حيث كان وجهك) أي: لا بأس عليك أن
تستقبل القبلة عند السجود، وهذا موضع الترجمة، لأن الواجب لا يؤدى على الدابة في الأمن.
(وكان السائب بن يزيد) بن سعيد الكندي أو: الأزدي، المعروف بابن أخت النمر، والنمر
خال أبيه يزيد هو النمربن جلّ، وتوفي السائب فيما قاله أبو نعيم: سنة اثنتين وثمانين، وهو آخر
من مات بالمدينة من الصحابة (لا يسجد لسجود القاص) بتشديد الصاد المهملة، الذي يقرأ القصص،
والأخبار، والمواعظ لكونه ليس قاصدًا لتلاوة القرآن، أو: لا يكون قاصدًا للسماع، أو: كان يسمعه
ولم يكن يستمع، أو: كان لم يجلس له، فلا يسجد.
قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على هذا الأثر موصولاً. انتهى.
١٠٧٧ - حدثنا إبراهيمُ بنُ موسى قال: أخبرَنا هِشامُ بنُ يوسفَ أنَّ ابنَ جُرَيجٍ أخبرَهم قال:
أخبرني أبو بكرِبنُ أبي مُلَيكةً عن عثمانَ بن عبدِ الرحمْنِ الثَّيميِّ عن ربيعةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الهُدَيرِ التيميِّ
- قال أبو بكر: وكان ربيعةُ من خِيارِ الناسِ- عمّا حَضرَ ربيعةُ من عمرَ بنِ الخَطّابِ رضيَ اللَّهُ عنه،
قرأ يومَ الجمعةِ على المنبرِ بسُورةِ النَّحلِ، حتى إذا جاءَ السجدةَ نزلَ فسجدَ وسجدَ الناسُ، حتى إذا
كانتِ الجمعةُ القابلةُ قرأ بها حتى إذا جاءَ السجدةَ قال: يا أيُّها الناسُ، إنا نَمُرُّ بالسجودِ، فمن سجَد
فقد أصابَ، ومَن لم يَسجُدْ فلا إثمَ عليهِ. ولم يَسجدْ عمرُ رضي اللَّهُ عنه)). وزادَ نافعٌ عنِ ابنِ عمرَ
رضيَ اللَّهُ عنهما: ((إنَّ اللَّهَ لم يَفْرِضِ السجودَ إلاَّ أنْ نَشاءَ)) .
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) بن يزيد التيمي الرازي، المعروف بالصغير (قال: أخبرنا
هشام بن يوسف) الصنعاني (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز المكي (أخبرهم، قال: أخبرني)
بالإفراد (أبو بكربن أبي مليكة) بضم الميم وفتح اللام، عبد الله بن عبيد الله، واسم أبي مليكة:
زهيربن عبد الله الأحول (عن عثمان بن عبدالرحمن) بن عثمان (التيمي) القرشي، (عن ربيعة بن
عبد الله بن الهدير) بضم الهاء وفتح الدال المهملة وسكون المثناة التحتية ثم راء (التميمي) القرشي المدني
التابعي الجليل، (قال أبو بكر) أي ابن أبي مليكة: (وكان ربيعة) بن عبد الله بن الهدير (من خيار
الناس: عما حضر ربيعة من عمربن الخطاب رضي الله عنه) الجار متعلق: بأخبرني، والأول وهو

١٢٣
كتاب سجود القرآن/ باب ١١
عن عثمان متعلق بمحذوف، لا بأخبرني، لأن حرفي جر بمعنى لا يتعلقان بفعل واحد، والتقدير:
أخبرني أبو بكر راويًا عن عثمان عن ربيعة عن قصة حضوره مجلس عمر أنه:
(قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة) ﴿ولله يسجد ما في السموات
وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون﴾
(نزل) عن المنبر (فسجد) على الأرض (وسجد الناس) معه (حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها) أي
بسورة النحل (حتى إذا جاء السجدة). ولأبي ذر: جاءت السجدة (قال: يا أيها الناس إنا)
وللكشميهني: إنما بزيادة ميم بعد النون، (نمرّ بالسجود) أي: بآيته (فمن سجد فقد أصاب) السنة،
(ومن لم يسجد فلا إثم عليه) ظاهر في عدم الوجوب. لأن انتفاء الإثم عمن ترك الفعل مختارًا يدل
على عدم وجوبه، وقد قاله بمحضر من الصحابة ولم ينكره عليه أحد، فكان إجماعًا سكوتيًا.
(ولم يسجد عمر رضي الله عنه وزاد نافع) مولى ابن عمر أي: وقال ابن جريج: أخبرني ابن
أبي مليكة بالإسناد السابق أن نافعًا زاد (عن ابن عمر رضي الله عنهما) مما هو موقوف عليه.
(إن الله لم يفرض السجود) ولأبي ذر: لم يفرض علينا السجود، أي: بل هو سنة.
وأجاب بعض الحنفية بالتفرقة بين الفرض. والواجب، على قاعدتهم، بأن نفي الفرض لا
يستلزم نفي الوجوب.
وأجيب: بأن انتفاء الإثم عن الترك مختارًا يدل على الندبية.
(إلا أن نشاء) السجود فالمرء مخير: إن شاء سجد، وإن شاء ترك. وحينئذٍ فلا وجوب.
وادعاء المزي كالحميدي: أن هذا معلق غير موصول: وهم، ويشهد لاتصاله أن عبد الرزاق
قال في مصنفه، عن ابن جريج: أخبرني أبو بكربن أبي مليكة ... فذكره، وقال في آخره: قال ابن
جريج: وزادني نافع عن ابن عمر أنه قال: لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء. وكذلك رواه
الإسماعيلي والبيهقي وغيرهما، قاله في الفتح.
١١ - باب مَن قَرأ السجدةَ في الصلاةِ فسجدَ بها
(باب من قرأ السجدة في الصلاة فسجد بها) أي بتلك السجدة لا يكره له ذلك خلافًا لمالك
حيث قال بكراهة ذلك في الفريضة الجهرية والسرية منفردًا، وفي جماعة وسقط لفظ: بها،
للأصيلي.
١٠٧٨ - حدثنا مُسدَّدٌ قال: حدَّثَنَا مُعتمِرٌ قال: سمعتُ أبي قال: حدثني بَكرٌ عن أبي رافعٍ
قال: ((صليتُ مع أبي هريرةَ العتمةَ، فقرأ: ﴿إذا السماءُ انشقَّتْ﴾ فسجدَ، فقلتُ: ما هذِه؟ قال:
سَجدتُ بها خَلفَ أبي القاسمِوََّ، فلا أزالُ أسجُدُ فيها حتى ألقاه)).

١٢٤
كتاب سجود القرآن/ باب ١٢
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو: ابن مسرهد (قال: حدّثنا معتمر) بضم الميم الأولى وكسر
الثانية، ابن سليمان التيمي (قال: سمعت) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (أبي) سليمان بن طرخان
التيمي (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (بكر) هو: ابن عبد اللَّه المزني (عن أبي رافع) نفيع (قال):
(صليت مع أبي هريرة) رضي الله عنه، (العتمة) أي: صلاة العشاء (فقرأ) سورة (﴿إذا السماء
انشقت﴾ فسجد) أي: عند آخر السجدة منها.
(فقلت) له: (ما هذه) السجدة التي سجدتها في الصلاة. (قال: سجدت بها خلف أبي
القاسم، وَل #)، أي: داخل الصلاة، كما في رواية أبي الأشعث عن معمر (فلا أزال أسجد فيها حتى
ألقاه) أي: حتى أموت.
ورواة هذا الحديث كلهم بصريون، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلف أيضًا
في الصلاة، وكذا مسلم وأبو داود والنسائي.
١٢ - باب مَن لم يَجدْ مَوضِعًا للسجودِ مِنَ الزِّحامِ
(باب من لم يجد موضعًا للسجود من الزحام) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: للسجود مع
الإمام من الزحام.
١٠٧٩ - حدثنا صَدَقةُ قال: أخبرَنا يحيى عن عُبيدِ اللَّهِ عن نافعِ عنِ ابنِ عُمرَ رضيَ اللَّهُ
عنهما قال: ((كان النبيُّ ◌َلَ يَقرأُ السورةَ التي فيها السجدةُ، فيَسجدُ ونَسجدُ، حتى ما يَجدُ أحدُنا
مَكانًا لموضعٍ جَبهتِهِ» .
وبالسند قال: (حدّثنا صدقة) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: صدقة بن الفضل (قال:
أخبرنا يحيى) القطان، ولأبي ذر، والأصيلي: يحيى بن سعيد (عن عبيدالله) بضم العين. ابن عمربن
حفص العمري (عن نافع، عن ابن عمر، رضي الله عنهما. قال):
(كان النبي، وَّر، يقرأ السورة التي فيها السجدة) زاد علي بن مسهر في روايته عن عبيد الله:
ونحن عنده (فیسجد) عليه الصلاة والسلام (ونسجد) نحن (حتى) وللكشميهني: ونسجد معه حتى
(ما يجد أحدنا مكانًا لموضع جبهته) من الزحام، أي: في غير وقت صلاة، كما في رواية مسلم.
وزاد الطبراني من طريق مصعب بن ثابت، عن نافع في هذا الحديث: حتى يسجد الرجل على
ظهر أخيه.
وله أيضًا، من رواية المسوربن مخرمة، عن أبيه، قال: أظهر أهل مكة الإسلام، يعني في أول
الأمر حتى، أن كان النبي ◌َلّ ليقرأ السجدة فيسجد، وما يستطيع بعضهم أن يسجد من الزحام،
حتى قدم رؤساء أهل مكة، وكانوا في الطائف فرجعوهم عن الإسلام.

بسم الله الرحمن الرحيم
١٨ - أبواب التقصير
(بسم الله الرحمن الرحيم).
(أبواب التقصير) كذا للمستملي، وسقطت البسملة لأبي ذر، ولأبي الوقت: أبواب تقصير
الصلاة .
١ - باب ما جاء في التَّقصيرِ، وكم يُقيمُ حتى يَقْصُرَ
(باب ما جاء في التقصير) مصدر قصر بالتشديد أي: تقصير الفرض الرباعي إلى ركعتين في
كل سفر طويل مباح، طاعة كان كسفر الحج أو غيرها، ولو مكروهًا. كسفر تجارة تخفيفًا على المسافر
لما يلحقه من تعب السفر.
والأصل فيه، مع ما سيأتي إن شاء الله تعالى، قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾
[النساء: ١٠١].
قال يعلى بن أمية: قلت لعمر: إنما قال الله تعالى: ﴿إن خفتم﴾ [النساء: ١٠١] وقد أمن
الناس، فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله، وَّله، فقال: ((صدقة تصدّق الله بها عليكم
فاقبلوا صدقته)) رواه مسلم؛ فلا قصر في الصبح والمغرب، ولا في سفر معصية، خلافًا لأبي حنيفة
حيث أجازه في كل سفر.
وفي شرح المسند لابن الأثير: كان قصر الصلاة في السنة الرابعة من الهجرة، وفي تفسير
الثعلبي، قال ابن عباس: أوّل صلاة قصرت، صلاة العصر، قصرها رسول الله، وَّرله بعسفان في
غزوة أنمار.
(وكم يقيم حتى يقصر؟) وفي نسخة اليونينية: يقصر بالتشديد، أي: وكم يومًا يمكث المسافر

١٢٦
كتاب التقصير/ باب ١
لأجل القصر، فكم، هنا استفهامية بمعنى: أي عدد، ولا يكون تمييزه، إلا مفردًا خلافًا للكوفيين.
ویکون منصوبًا .
ولفظة: حتى، هنا للتعليل لأنها تأتي في كلام العرب لأحد ثلاثة معان: انتهاء الغاية، وهو
الغالب. والتعليل، وبمعنى إلا الاستثنائية. وهذا أقلها.
ولفظه: يقيم، معناها: يمكث؛ وجواب: كم، محذوف تقديره: تسعة عشر يومًا، كما في
حديث الباب، قاله العيني.
١٠٨٠ - حدثنا موسى بن إسماعيلَ قال: حدَّثَنا أبو عَوانةَ عن عاصم وحُصَينٍ عن عِكرمةَ عنِ
ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: «أقام النبيُّ ◌َّ تسعةَ عشرَ يَقصُرُ، فنحنُ إذا سافرنا تسعة عشرَ
قَصَرْنا، وإن زِدْنا أَتْمَمْنا)). [الحديث ١٠٨٠ - طرفاه في: ٤٢٩٨، ٤٢٩٩].
وبالسند قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي (قال: حدّثنا أبو عوانة) الوضاح
اليشكري (عن عاصم) هو: ابن سليمان الأحول (وحصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابن
عبدالرحْمن السلمي، كلاهما (عن عكرمة، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال):
(أقام النبي) ولأبي ذر: رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في فتح مكة (تسعة عشر) بتقديم
الفوقية على السين، أي: يومًا بليلته حال كونه (يقصر) الصلاة الرباعية، لأنه كان مترددًا متى تهيأ له
فراغ حاجته، وهو انجلاء حرب هوازن، ارتحل.
ويقصر بضم الصاد، وضبطها المنذري بضم الياء وتشديد الصاد، من: التقصير.
وقد أخرج الحديث: أبو داود من هذا الوجه، بلفظ: سبعة عشر، بتقديم السين على
الموحدة، وله أيضًا، من حديث عمران بن حصين: غزوت مع رسول الله ◌َّار عام الفتح، فأقام بمكة
ثماني عشرة ليلة، لا يصلي إلاّ ركعتين.
قال في المجموع: في سنده من لا يحتج به، لكن رجحه الشافعي على حديث ابن عباس:
تسعة عشر.
ولأبي داود، أيضًا عن ابن عباس: ((أقام ◌َّته، بمكة عام الفتح، خمسة عشر يقصر الصلاة)).
وضعفها النووي في الخلاصة.
قال ابن حجر: وليس بجيد، لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحق، فقد أخرجها
النسائي من رواية عراك بن مالك، عن عبيد اللَّه كذلك وإذا ثبت أنها صحيحة، فليحمل على أن
الراوي ظن أن الأصل رواية سبعة عشر، فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمسة
عشر . اهـ.

١٢٧
كتاب التقصير/ باب ١
وقال البيهقي: أصح الروايات فيه رواية ابن عباس، وهي التي ذكرها البخاري، ومن ثم
اختارها ابن الصلاح، والسبكي. ويمكن الجمع، كما قاله البيهقي، بأن راوي: تسعة عشر، عدّ
يومي الدخول والخروج، وراوي: سبعة عشر لم يعدهما، وراوي: ثماني عشرة عد أحدهما، وهذا
الجمع يشكل على قولهم: يقصر ثمانية عشر غير يومي الدخول والخروج. اهـ.
قال ابن عباس: (فنحن إذا سافرنا) فأقمنا (تسعة عشر) يومًا (قصرنا) الصلاة الرباعية، وذلك
عند توقع الحاجة يومًا فيومًا (وإن زدنا) في الإقامة على تسعة عشر يومًا (أتممنا) الصلاة أربعًا.
ورواة هذا الحديث ما بين: بصري وواسطي وكوفي ومدني، وفيه ثلاثة من التابعين: عاصم،
وحصين، وعكرمة، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في المغازي، وأبو داود
والترمذي وابن ماجة: في الصلاة.
١٠٨١ - حدثنا أبو مَعْمَرٍ قال: حدَّثَنا عبدُ الوارثِ قال: حدّثَنا يحيى بن أبي إسحقَ قال:
سمعتُ أنسًا يقولُ: ((خَرَجْنا معَ النبيِّوَّهِ مِنَ المدينةِ إلى مكةَ، فكانَ يُصلِّي رَكعتَين ركعتين، حتى
رَجَعنا إلى المدينةِ. قلت: أقمتم بمكةً شيئًا؟ قال: أقمنا بها عَشرًا)). [الحديث ١٠٨١ - طرفه في:
٤٢٩٧].
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين، عبد الله بن عمرو المنقري المقعد (قال: حدّثنا
عبدالوارث) بن سعيد التنوري (قال: حدّثنا يحيى بن أبي إسحق) الحضرمي (قال سمعت أنسًا)
رضي الله عنه (يقول):
(خرجنا مع النبي، وَّر، من المدينة) يوم السبت، بين الظهر والعصر، لخمس ليال بقين من
ذي القعدة (إلى مكة) أي: إلى الحج، كما في رواية شعبة عن يحيى بن أبي إسحق، عند مسلم
(فكان) عليه الصلاة والسلام (يصلي) الفرائض (ركعتين ركعتين) أي إلا المغرب، رواه البيهقي.
(حتى رجعنا إلى المدينة).
قال يحيى؛ (قلت) لأنس: (أقمتم) بحذف همزة الاستفهام (بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها) أي:
وبضواحيها (عشرًا) أي: عشرة أيام، وإنما حذف التاء من العشرة، مع أن اليوم مذكر، لأن المميز
إذا لم يذكر جاز في العدد التذكير والتأنيث
واستشكل إقامته، عليه الصلاة والسلام، المدة المذكورة، يقصر الصلاة، مع ما تقرر أنه لو
نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع عينه، انقطع سفره بوصوله ذلك الموضع، بخلاف ما لو نوى
دونها، وإن زاد عليه لحديث: ((يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثًا)) وكان يحرم على المهاجرين الإقامة
بمكة ومساكنة الكفار.
رواهما الشيخان.

١٢٨
كتاب التقصير/ باب ٢
فالترخيص في الثلاث يدل على بقاء حكم السفر بخلاف الأربعة، ولا ريب أنه عليه الصلاة
والسلام في حجة الوداع كان جازمًا بالإقامة بمكة المدة المذكورة.
وأجيب: بأنه عليه الصلاة والسلام، قدم مكة لأربع خلون من ذي الحجة، فأقام بها غير
يومي الدخول والخروج إلى منى، ثم بات بمنى، ثم سار إلى عرفات، ورجع فبات بمزدلفة، ثم سار
إلى منى، فقضى نسكه، ثم إلى مكة، فطاف، ثم رجع إلى منى، فأقام بها ثلاثًا يقصر، ثم نفر منها
بعد الزوال في ثالث أيام التشريق، فنزل بالمحصب، وطاف في ليلته للوداع، ثم رحل من مكة
قبل صلاة الصبح، فلم يقم بها أربعًا في مكان واحد.
وقال أبو حنيفة: يجوز القصر ما لم ينو الإقامة خمسة عشر يومًا.
ورواة هذا الحديث الأربعة كلهم بصريون، وفيه: التحديث والسماع والقول، وأخرجه أيضًا
في المغازي، ومسلم في الصلاة، وكذا أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وأخرجه النسائي فيها
والحج.
٢ - باب الصلاة بِمنّى
(باب) حكم (الصلاة بمنى) بكسر الميم يذكر ويؤنث. فإن قصد الموضع: فمذكر، ويكتب
بالألف وينصرف، وإن قصد البقعة: فمؤنث، ولا ينصرف، ويكتب بالياء. والمختار: تذكيره.
وسمي منّى، لما يمنى فيه، أي: يراق من الدماء. والمراد: الصلاة بها في أيام الرمي.
واختلف في المقيم بها: هل يقصر أو يتم؟.
ومذهب المالكية: القصر حتى أهل مكة وعرفة ومزدلفة للسنة، وإلا فليس ثم مسافة قصر،
فيتم أهل منى بها، ويقصرون بعرفة ومزدلفة؛ وضابطه عندهم: أن أهل كل مكان يتمون به
ويقصرون فيما سواه.
وأجيب بحديث: أنه عليه الصلاة والسلام. كان يصلي بمكة ركعتين، ويقول: يا أهل مكة
أتموا فإنا قوم سفر، رواه الترمذي.
فكأنه ترك إعلامهم بذلك بمنى: استغناء بما تقدم بمكة.
وأجيب: بأن الحديث ضعيف لأنه من رواية علي بن جدعان، سلمنا صحته، لكن القصة
كانت في الفتح، ومنى: كانت في حجة الوداع، فكان لا بد من بيان ذلك لبعد العهد.
١٠٨٢ - حدثنا مُسدّدٌ قال: حدَّثَنا يحيى عن عُبيدِ اللَّهِ قال: أخبرني نافعٌ عن عبدِ اللهِ رضيَ
اللَّهُ عنه قال: ((صلَّيتُ معَ النبيِّ ◌َ﴿ِ بِمِنّى ركعتينٍ وأبي بكرٍ وعُمرَ، ومعَ عُثمانَ صَدرًا من إمارتهِ،
ثمَّ أتمَّها)). [الحديث ١٠٨٢ - طرفه في: ١٦٥٥].

١٢٩
کتاب التقصير/ باب ٢
وبه قال: (حدّثنا مسدد قال: حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله) بضم العين، ابن
عمربن حفص (قال: أخبرني) بالإفراد (نافع عن عبداللَّه، رضي الله عنه) ولأبوي ذر، والوقت،
والأصيلي: عن عبدالله بن عمر، رضي الله عنهما (قال):
(صليت مع النبي، وَّر، بمنى) أي: وغيره، كما عند مسلم من رواية سالم عن أبيه: الرباعية
(ركعتين) للسفر (و) كذا مع (أبي بكر) الصديق (وعمر) الفاروق (ومع عثمان) ذي النورين رضي الله
عنهم (صدرًا من إمارته) بكسر الهمزة، أي: من أول خلافته، وكانت مدتها ثمان سنين، أو ست
سنين (ثم أتمها) بعد ذلك لأن الإتمام والقصر جائزان، ورأى ترجيح طرف الإتمام لما فيه من المشقة.
١٠٨٣ - حدثنا أبو الوليدِ قال: حدَّثَنا شُعبةُ أنبأنا أبو إسحقَ قال: سمعتُ حارثةَ بنَ وهبٍ
قال: ((صلَّى بنا النبيُّ وَ ﴿ آمَنَ ما كان بِمِنّ رَكعتينِ)). [الحديث ١٠٨٣ - طرفه في: ١٦٥٦].
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي (قال: حدّثنا) وللأصيلي: أخبرنا
(شعبة) بن الحجاج (قال: أنبأنا) من الإنباء، وهو في عرف المتقدمين بمعنى الاخبار والتحديث، ولم
يذكر هذا اللفظ فيما سبق (أبو إسحاق) عمروبن عبد الله السبيعي (قال: سمعت حارثة بن وهب)
بالحاء المهملة والمثلثة، الخزاعي، أخا عبيدالله بن عمربن الخطاب لأمه (قال):
(صلى بنا النبي ◌َّل﴾، آمن) بمد الهمزة وفتحات، أفعل تفضيل من الأمن، ضد الخوف (ما
كان) وللحموي والكشميهني: ما كانت، بزيادة تاء التأنيث (بمنى) الرباعية (ركعتين).
وكلمة: ما، مصدرية ومعناه الجمع، لأن ما أضيف إليه التفضيل يكون جمعًا، والمعنى: صلى
بنا، والحال إنا أكثر أكواننا في سائر الأوقات أمنًا من غير خوف. وإسناد الأمن إلى الأوقات مجاز،
والباء في ((بمنى)) ظرفية تتعلق بقوله: صلى، وفيه دليل على جواز القصر في السفر من غير خوف.
وإن دل ظاهر قوله تعالى: ﴿إن خفتم﴾ [النساء: ١٠١] على الاختصاص، لأن ما في الحديث
رخصة، وما في الآية عزيمة، يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام، المروي في مسلم: ((صدقة
تصدق الله بها علیکم)).
ورواة هذا الحديث ما بين: بصري وواسطي وكوفي، وفيه: التحديث والإنباء والسماع
والقول، وأخرجه أيضًا في الحج، ومسلم في: الصلاة وأبو داود في: الحج، وكذا الترمذي
والنسائي.
١٠٨٤ - حقثنا قُتَيبةُ قال: حدَّثَنا عبدُ الواحدِ عنِ الأعمشِ قال: حدَّثَنا إبراهيمُ قال: سمعتُ
عبدَالرحمْنِ بنَ يَزِيدَ يَقولَ: ((صلَّى بِنا عثمانُ بنُ عَفّانَ رضيَ اللَّهُ عنه بِمِنَّى أربعَ رَكعاتٍ، فقيل ذُلكَ
لعبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ رضيَ اللَّهُ عنه، فاسترجّعَ ثمّ قال: صلَّتُ معَ رسولِ اللّهِوَّهِ بِمِنَّى ركعتينِ،
وصلَّيتُ مع أبي بكر رضيَ اللَّهُ عنهُ بِمِنَّى رَكعتينٍ، وصلَّيتُ معَ عمربن الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ
إرشاد الساري/ ج ٣/ م ٩

١٣٠
كتاب التقصير/ باب ٢
بِمنّى رَكعتين، فليتَ حَظّي مِن أربع رَكَعاتٍ رَكْعتانِ متقبَّلَتانِ)). [الحديث ١٠٨٤ - طرفه في:
١٦٥٧].
وبه قال: (حدثنا قتيبة)، ولأبي ذر، والأصيلي: قتيبة بن سعيد (قال: حدّثنا عبد الواحد)
العبدي، ولأبي ذر: ابن زياد (عن الأعمش) سليمان بن مهران. (قال: حدّثنا) بالجمع، ولابن
عساكر: حدّثني (إبراهيم) النخعي لا التيمي (قال: سمعت عبدالرحمن بن يزيد) من الزيادة النخعي
(يقول):
(صلى بنا عثمان بن عفان رضي الله عنه) المكتوبة الرباعية (بمنى) في حال إقامته بها أيام الرمي
(أربع ركعات).
(فقيل ذلك) وللأصيلي، وأبي ذر: فقيل في ذلك أي: فما ذكر من صلاة عثمان أربع ركعات
(لعبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، فاسترجع) قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لما رأى من تفويت
عثمان لفضيلة القصر، لا لكون الإتمام لا يجزي (ثم قال):
(صليت مع رسول الله رَّة) المكتوبة (بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر) ولأبوي ذر، والوقت
والأصيلي زيادة: الصديق (رضي الله عنه بمنى، وصليت مع عمربن الخطاب رضي الله عنه، بمنى
ركعتين) وسقط قوله: بمنى، عند أبي ذر في أصل، وثبت في غيره (فليت حظي) بالحاء المهملة
والظاء المعجمة، أي: فليت نصيبي (من أربع ركعات ركعتان) وللأصيلي: من أربع ركعتان
(متقبلتان).
من، في قوله: من أربع للبدلية كهي في ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾ [التوبة: ٣٨].
وفيه تعريض بعثمان، أي: ليته صلى ركعتين بدل الأربع، كما صلى النبي، وَلّر، وصاحباه
وهو إظهار لكراهة مخالفتهم.
لا يقال: إن ابن مسعود كان يرى القصر واجبًا كما قال الحنفية، وإلا لما استرجع، ولا أنكر
بقوله: ((صليت مع رسول الله وَلّر ... )) إلى آخره. لأنا نقول: قوله: ليت حظي من أربع ركعات يرد
ذلك، لأن ما لا يجزىء لا حظ له فيه، لأنه فاسد، ولولا جواز الإتمام لم يتابع هو والملأ من
الصحابة عثمان عليه .
ويؤيده ما روى أبو داود: أن ابن مسعود صلى أربعًا فقيل له: عبت على عثمان، ثم صليت
أربعًا فقال: الخلاف شر إذ لو كان بدعة لكان مخالفته خيرًا وصلاحًا.
ورواة هذا الحديث ما بين: بلخي وبصري وكوفي وفيه: التحديث والعنعنة والسماع والقول،
وأخرجه أيضًا في الحج، ومسلم في: الصلاة، وأبو داود في الحج وكذا النسائي.

١٣١
كتاب التقصير / باب ٣
٣ - باب كَم أقامَ النبيُّ وَِّ فِي حَجَّتِهِ؟
هذا (باب) بالتنوين (كم أقام النبي ◌َّ في حجته؟).
١٠٨٥ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ قال: حدَّثَنا وُهَيبٌ قال: حدَّثَنا أيُّوبُ عن أبي العاليةِ
البَرّاءِ عنِ ابن عبّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((قَدِمَ النبيُّ ◌َلَّ وأصحابهُ لِصُبح رابعةٍ يُلَبُّونَ بالحجْ،
فأمرَهُم أن يَجعلوها عُمرةً، إلا مَن معَهُ الهَدْيُ)). تابعَهُ عَطاءٌ عّ جابرٍ. [الحديث ١٠٨٥ - أطرافه
في: ١٥٦٤، ٢٥٠٥، ٣٨٣٢].
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي البصري (قال: حدّثنا وهيب) بضم
الواو وفتح الهاء ابن خالد (قال: حدّثنا أيوب) السختياني (عن أبي العالية البراء) بتشديد الراء، وكان
يبري النبل أو القصب، واسمه زيادبن فيروز على المشهور، وليس هو أبا العالية الرياحي (عن ابن
عباس رضي الله عنهما، قال):
(قدم النبي، وَّر، وأصحابه) مكة يوم الأحد (لصبح رابعة) من ذي الحجة، وخرج إلى منى:
في الثامن، فصلى بمكة إحدى وعشرين صلاة، من أول ظهر الرابع إلى آخر ظهر الثامن، فهي أربعة
أيام ملفقة، وهذا موضع الترجمة، وإن لم يصرح في الحديث بغاية فإنها معروفة في الواقع.
أو المراد: إقامته إلى أن توجه إلى المدينة وهي عشرة أيام سواء، كما مر في حديث أنس.
وكنى بقوله (يلبون بالحج) عن الإحرام، والجملة حالية، أي: قدم، عليه السلام، وأصحابه،
حال كونهم محرمين بالحج (فأمرهم) عليه الصلاة والسلام (أن يجعلوها) أي حجتهم (عمرة) وليس
هذا من باب الإضمار قبل الذكر، لأن قوله: بالحج، يدل على الحجة (إلا من معه) وللكشميهني:
إلا من كان معه (الهدي) بفتح الهاء وسكون الدال: ما يهدى من النعم تقربًا إلى الله تعالى.
ووجه استثناء المهدي أنه لا يجوز له التحلل ﴿حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦].
وفسخ الحج خاص بالصحابة الذين حجوا معه عليه الصلاة والسلام، كما رواه أبو داود،
وابن ماجة .
ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: هدي بالتنكير.
ورواة هذا الحديث كلهم بصريون، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم
والنسائي في الحج.
(تابعه) أي: تابع أبا العالية (عطاء) أي: ابن أبي رباح في روايته (عن جابر) أي: ابن
عبدالله، وهي موصولة عند المؤلف في: باب التمتع والقران والإفراد، من كتاب الحج.

١٣٢
كتاب التقصير / باب ٤
٤ - باب في كم يَقصُرُ الصلاةَ؟
وسَمّى النبيُّ بَّهِ يومًا وليلةَ سَفَرًا
وكان ابنُ عُمرَ وابنُ عبّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهم يَقْصُرانِ ويُفطِرانِ في أربعةِ بُرُدٍ، وهي ستةَ عشرَ
فَرسَخًا .
هذا (باب) بالتنوين (في كم يقصر) المصلي (الصلاة؟) بفتح المثناة التحتية وسكون القاف وضم
الصاد، ولأبوي ذر، والوقت: تقصر الصلاة، بضم المثناة الفوقية وفتح القاف والصاد المشددة،
وللأصيلي: تقصر الصلاة، بضم الفوقية وسكون القاف وفتح الصاد مخففة، مبنيًا للمفعول فيهما.
والصلاة رفع نائب عنه فيهما أيضًا.
(وسمى النبي، وَّد) في حديث هذا الباب (يومًا وليلة سفرًا) وللأربعة، وعزاها في الفتح لأبي
ذر فقط: السفر يومًا وليلة، أي: وسمى مدة اليوم والليلة سفرًا.
(وكان ابن عمر) بن الخطاب (وابن عباس رضي الله عنهم)، مما وصله البيهقي بسند صحيح،
(يقصران) بضم الصاد (ويفطران) بضم أوله وكسر الطاء (في أربعة برد) بضم الموحدة والراء وقد
تسكن ذهابًا غير الإياب، ومثله إنما يفعل عن توقيف.
فلو قصد مكانًا على مرحلة بنية أن لا يقيم فيه، فلا قصر له ذهابًا ولا إيابًا، وإن نالته مشقة
مرحلتين متواليتين، لما روى الشافعي بسند صحيح عن ابن عباس، أنه سئل: أتقصر الصلاة إلى
عرفة؟ فقال: لا ولكن إلى عسفان، وإلى جدة، وإلى الطائف. فقدرها بالذهاب وحده.
وقد روي عنه مرفوعًا بلفظ: ((يا أهل مكة! لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد، من
مكة إلى عسفان)). رواه الدارقطني، وابن أبي شيبة. لكن في إسناده ضعف من أجل عبد الوهاب بن
مجاهد .
قال البخاري: (وهي) أي الأربعة برد (ستة عشر فرسخًا) يقينًا أو ظنًا، ولو باجتهاد، إذ كل
بريد أربعة فراسخ، وكل فرسخ ثلاثة أميال، فهي: ثمانية وأربعون ميلاً هاشمية، نسبة لبني هاشم،
لتقديرهم لها وقت خلافتهم بعد تقدير بني أمية لا هاشم نفسه، كما وقع للرافعي.
والميل من الأرض منتهى مد البصر، لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى
إدراكه، وبذلك جزم الجوهري.
وقيل: أن ينظر إلى شخص في أرض مصطحبة، فلا يدري أهو رجل أو امرأة، أو هو ذاهب
أو آت، وهو أربعة آلاف خطوة، والخطوة: ثلاثة أقدام، فهو اثنا عشر ألف قدم، وبالذراع ستة
آلاف، والذراع أربعة وعشرون إصبعًا معترضات، والإصبع: ست شعيرات معتدلات معترضات،
والشعيرة: ست شعرات من شعر البرذون.

١٣٣
كتاب التقصير/ باب ٤
وقد حرر بعضهم الذراع المذكور بذراع الحديد المستعمل الآن بمصر والحجاز، في هذه
الأعصار فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثمن، فعلى هذا، فالميل، بذراع الحديد على القول
المشهور: خمسة آلاف ذراع ومايتان وخمسون ذراعًا. انتهى.
فمسافة القصر بالبرد أربعة، وبالفراسخ ستة عشر، وبالأميال ثمانية وأربعون ميلاً، وبالأقدام
خمسمائة ألف وستة وسبعون ألفًا، وبالأذرع مائتا ألف وثمانية وثمانون ألفًا وبالأصابع ستة آلاف
وتسعمائة ألف واثنا عشر ألفًا وبالشعيرات أحد وأربعون ألف ألف حبة وأربعماية ألف واثنان
وسبعون ألفًا، وبالشعرات مائتا ألف ألف وثمانية وأربعون ألف ألف وثمانمائة ألف واثنان وثلاثون
ألفًا، وبالزمن من يوم وليلة مع المعتاد من النزول والاستراحة والأكل والصلاة ونحوها.
وعن ابن عباس قال تقصر الصلاة في مسيرة يوم وليلة، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح،
وذلك: مرحلتان بسير الأثقال ودبيب الاقدام، وضبطها بذلك تحديد لثبوت تقديرها بالأميال عن
الصحابة، كما مر .
ولأن القصر والجمع على خلاف الأصل، فيحتاط فيه بتحقيق تقدير المسافة، بخلاف تقدير
القلتين ونحوهما، والبر كالبحر، فلو قطع المسافة فيه في ساعة قصر انتهى.
ولأبي ذر عن الحموي والمستملي، وهو ستة عشر بالتذكير، بدل: وهي، وسقط ذلك كله إلى
قوله فرسخًا لابن عساكر.
١٠٨٦ - حقّثنا إسحُقُ بنُ إبراهيمَ الحنظليُّ قال: قلتُ لأبي أسامةَ: حدَّثَكم عُبيدُ اللَّهِ عن
نافعٍ عن ابن عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما أن النبيَّ ◌ِ لّ قال: ((لا تُسافِرِ المرأةُ ثلاثةَ أيّامٍ إلاّ معَ ذي مَحْرَم)»
[الحديث ١٠٨٦ - طرفه في: ١٠٨٧].
وبالسند قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم) المعروف بابن راهويه (الحنظلي) بفتح الحاء المهملة
والظاء المعجمة، أو: هو ابن نصر السعدي، أو: ابن منصور الكوسج، والأول هو الراجح.
وسقط: إبراهيم الحنظلي لأبي ذر، والأصيلي (قال: قلت لأبي أسامة) حماد بن أسامة الليثي (حدثكم
عبيدالله) بن عمربن عاصم العمري، واستدل به على أنه: إذا قيل للشيخ حدثكم فلان بكذا مع
القرينة صح التحمل، لكن في مسند إسحق، في آخره، فأقر به أبو أسامة وقال: نعم، (عن نافع
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ◌َليز قال):
(لا تسافر المرأة) بكسر الراء لالتقاء الساكنين، سفرًا مباحًا أو لحج فرض (ثلاثة أيام) بلياليها،
ولمسلم: ثلاث ليال، أي: بأيامها، وللكشميهني: فوق ثلاثة أيام، وللأصيلي: لا تسافر المرأة ثلاثًا
(إلا مع ذي محرم) بفتح الميم وسكون الحاء، الذي لا يحل له نكاحها.
وتمسك به الحنفية في أن سفر القصر ثلاثة أيام، لأن المرأة يجوز لها الخروج في أقل منها لقصر

١٣٤
كتاب التقصير/ باب ٤
المسافة، وخفة الأمر. وإنما الرخصة في طويل فيه مشقة وتعب.
وأجيب: بأنه لو كانت العلة ذلك لجاز للمرأة السفر فيما دون ذلك بلا محرم، لكنه لم يجز
والنهي للمرأة عن السير وحدها متعلق بالزمان، فلو قطعت مسيرة ساعة واحدة مثلاً في يوم تام
تعلق بها النهي، بخلاف المسافر، فإنه لو قطع مسيرة نصف يوم مثلاً في يومين لم يقصر، فافترقا.
ورواة هذا الحديث ما بين: مروزي وكوفي ومدني، وفيه: التحديث والعنعنة، وأخرجه
مسلم.
١٠٨٧ - حدثنا مُسدَّدٌ قال: حدَّثَنا يحيى عن عُبيدِ اللَّهِ عن نافعِ عنِ ابنِ عُمرَ رضيَ اللَّهُ
عنهما عنِ النبيِّوَّرَ قال: ((لا تسافِرِ المرأةُ ثلاثًا إلاّ معَ ذي مَخرم)).
تابَعهُ أحمدُ عنِ ابنِ المبارَكِ عن عُبيدِ اللَّهِ عن نافعٍ عنِ ابنِ عمرَ عنِ النبيِّ ◌َلِّ.
وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو: ابن مسرهدبن مغربل الأسدي البصري (قال: حدّثنا
يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيدالله) العمري (عن نافع)، ولأبي ذر، والأصيلي: أخبرني، بالافراد
نافع (عن ابن عمر، رضي الله عنهما، عن النبي، وَِّ، قال):
(لا تسافر المرأة) مجزوم بلا الناهية والكسرة لالتقاء الساكنين (ثلاثًا إلا مع ذي محرم) جعلها
كالأولى تابعة، وللأصيلي: إلا معها ذو محرم، فجعلها متبوعة. ولا فرق بينهما في المعنى، ولأبي
ذر: إلا ومعها ذو محرم، بالواو قبل معها. وليس في اليونينية واو، ولمسلم، وأبي داود، من حديث
أبي سعيد: ((إلا ومعها أبوها أو أخوها أو زوجها أو ابنها أو ذو محرم منها)).
(تابعه) أي تابع عبيد الله (١) (أحمد) بن محمد المروزي، أحد شيوخ المؤلف، وليس أحمدبن حنبل
حيث رواه (عن ابن المبارك) عبد الله (عن عبيدالله) العمري (عن نافع عن ابن عمر، عن النبي (وَّ).
١٠٨٨ - حدثنا آدمُ قال: حدَّثَنا ابنُ أبي ذِئبٍ قال: حدَّثَنَا سَعيدٌ المقبُريُّ عن أبيهِ عن أبي
هريرةَ رصيَ اللَّهُ عنهما قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخِرِ أن تُسافِرَ
مَسِيرةَ يومٍ وليلةٍ ليس معها حُرمةٌ)). تابَعهُ يحيى بنُ أبي كثيرٍ وسُهيلٌ ومالكٌ عنِ المُقْبُرِيِّ عن أبي
هريرةَ رضي اللهُ عنه.
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس (قال: حدثنا ابن أبي ذئب) هو: محمد بن عبد الرحمن بن
المغيرة بن الحرث بن أبي ذئب، واسم أبي ذئب: هشام العامري المدني (قال: حدّثنا) وللأصيلي: أخبرنا
(سعيد) هو: ابن أبي سعيد (المقبري) بضم الموحدة، نسبة إلى مقبرة بالمدينة كان مجاورًا بها (عن أبيه)
أبي سعيد كيسان (عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي) وللأصيلي: عن النبي (ََّ):
١٠) بياض في الأصل.

١٣٥
کتاب التقصير/ باب ٥
(لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر) خرج مخرج الغالب.
وليس المراد إخراج سوى المؤمنة، لأن الحكم يعم كل امرأة مسلمة أو كافرة، كتابية كانت أو
حربية، أو هو وصف لتأكيد التحريم لأنه تعريض أنها إذا سافرت بغير محرم فإنها مخالفة شرط
الإيمان بالله واليوم الآخر، لأن التعريض إلى وصفها بذلك إشارة إلى التزام الوقوف عند ما نهيت
عنه، وأن الإيمان بالله واليوم الآخر يقضي لها بذلك.
(أن تسافر) أي: لا يحل لامرأة مسافرتها (مسيرة يوم وليلة) حال كونها (ليس معها حرمة)
بضم الحاء وسكون الراء، أي: رجل ذو حرمة منها. بنسب أو غير نسب.
ومسيرة: مصدر ميمي بمعنى: السير، كالمعيشة، بمعنى: العيش، وليست التاء فيه للمرة.
واستشكل قوله في رواية الكشميهني في الحديث الأول: فوق ثلاثة أيام، حيث دل على عدم
جواز سفرها وحدها فوق ثلاثة. والحديث الثاني: على عدم جواز ثلاثة، والثالث: على عدم جواز
يومين، فمفهوم الأول ينافي الثاني، والثاني ينافي الثالث.
وأجيب: بأن مفهوم العدد لا اعتبار به، قاله الكرماني. لكن قوله: والثالث، على عدم جواز
يومين، فيه نظر، إلاّ أن يقدر في الحديث يوم بليلته، وليلة بيومها.
قال: واختلاف الأحاديث لاختلاف جواب السائلين.
(تابعه) أي: ابن أبي ذئب في لفظ متن روايته السابقة (يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة، مما وصله
أحمد (وسهيل) هو: ابن أبي صالح، مما وصله أبو داود، وابن حبان (ومالك) الإمام، مما وصله
مسلم وغيره، (عن المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه).
قال ابن حجر: واختلف على سهيل، وعلى مالك، وكأن الرواية التي جزم بها المصنف أرجح
عنده عنهم.
ورجح الدارقطني أنه: عن سعيد عن أبي هريرة ليس فيه عن أبيه، كما رواه معظم رواة
الموطأ، لكن الزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيما إذا كان حافظًا.
وقد وافق ابن أبي ذئب على قوله: عن أبيه الليث بن سعد، عند أبي داود، والليث وابن أبي
ذئب من أثبت الناس في سعید.
وأما رواية سهيل، فذكر ابن عبد البر: أنه اضطرب في إسنادها ومتنها.
٥ - باب يَقْصُرُ إذا خَرَجَ مِن مَوضعهِ
وخَرجَ عليٍّ رضي اللهُ عنهُ فقَصَرَ وهوَ يَرَى الْبُيوتَ، فلمّا رَجعَ قيل له: هذه الكوفةُ، قال:
لا ، حتى ندخُلَها.

١٣٦
كتاب التقصير/ باب ٥
هذا (باب) بالتنوين (يقصر) الرباعية (إذا خرج من موضعه) قاصدًا سفرًا طويلاً.
(وخرج علّ) من الكوفة، ولأبي ذر، ولأصيلي: علي بن أبي طالب (رضي الله عنه، فقصر)
الصلاة الرباعية (وهو يرى البيوت) أي: والحال أنه يرى بيوت الكوفة (فلما رجع) من سفره هذا
(قيل له: هذه الكوفة) فهل تتم الصلاة أو تقصر، وسقط لفظ: له، في رواية أبي ذر (قال:
لا) نتمها (حتى ندخلها) لأنا في حكم المسافرين حتى ندخلها .
وهذا التعليق وصله الحاكم من رواية الثوري عن ورقاء بن أياس بكسر الواو وبعد الراء قاف
ثم مدة، عن علي بن ربيعة قال: خرجنا مع عليّ، فذكره، فموضع الترجمة من هذا الأثر ظاهر.
واختلف متى يحصل ابتداء السفر حتى يباح القصر.
فعند الشافعية يحصل ابتداؤه من بلد له سور بمفارقة سور البلد المختص به، وإن كان داخله
مواضع خربة ومزارع، لأن جميع ما هو داخله معدود من البلدة، فإن كان وراءه دور متلاصقة
صحح النووي عدم اشتراط مجاوزتها لأنها لا تعد من البلد، فإن لم يكن له سور فمبدؤه مجاوزة
العمران حتى لا يبقى بيت متصل ولا منفصل، لا الخراب الذي لا عمارة وراءه، ولا البساتين
والمزارع المتصلة بالبلد، والقرية كبلد فيشترط مجاوزة العمران فيها لا الخراب والبساتين والمزارع، وإن
كانت محوطة. وأول سفر ساكن الخيام، كالأعراب، مجاوزة الحلة.
وقال الحنفية: إذا فارق بيوت المصر، وفي المبسوط: إذا خلف عمران المصر.
وقال المالكية: يشترط في ابتداء القصر أن يجاوز البلدي البلد، والبساتين المسكونة التي في
حكمها على المشهور، وهو ظاهر المدونة. وعن مالك: إن كانت قرية جمعة فحتى يجاوز ثلاثة أميال،
وأن يجاوز ساكن البادية حلته، وهي البيوت التي ينصبها من شعر أو غيره، وأما الساكن بقرية لا
بناء بها ولا بساتين فبمجرد الانفصال عنها.
١٠٨٩ - حدثنا أبو نُعَيم قال: حدَّثَنا سُفيانُ عن محمدِ بنِ المُنكَدِرِ وإبراهيمَ بنِ مَيسَرَةَ عنِ
أنسٍ رضيَ اللهُ عنهُ قال: ((صليتُ الظُّهرَ مع النبيِّ ◌َ بِالمدينةِ أربعًا وبذي الحُلَيفةِ رَكعتَينٍ)).
[الحديث ١٠٨٩ - أطرافه في: ١٥٤٦، ١٥٤٧، ١٥٤٨، ١٥٥١، ١٧١٢، ١٧١٤، ١٧١٥،
٢٩٥١، ٢٩٨٦].
وبالسند قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا سفيان) الثوري كما نص عليه
المزي في الأطراف (عن محمدبن المنكدر) بن عبدالله القرشي التيمي (وإبراهيم بن ميسرة) بفتح الميم
وسكون التحتية، الطائفي المكي (عن أنس) ولأبي ذر، والأصيلي: عن أنس بن مالك (رضي الله
عنه، قال) :

١٣٧
كتاب التقصير/ باب ٥
(صليت الظهر مع النبي) ولأبي الوقت: مع رسول الله (َالر، بالمدينة أربعًا) أي: أربع ركعات
(وبذي الحليفة) بضم المهملة وفتح اللام وللكشميهني: والعصر بذي الحليفة. أي: وصليت صلاة
العصر بذي الحليفة (ركعتين) قصرًا لا يقال: إنه يدل على استباحة قصر الصلاة في السفر القصير،
لأن بين المدينة وذي الحليفة ستة أميال، لأن ذا الحليفة لم تكن غاية سفره، وإنما خرج قاصدًا مكة،
فنزل بها، فحضرت العصر فصلاها بها.
١٠٩٠ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ قال: حدَّثَنَا سُفيانُ عنِ الزُّهري عن عروةَ عن عائشةَ رضيَ
اللَّهُ عنها قالت: ((الصلاةُ أولُ ما فُرِضَتْ رَكعتان، فأُقِرَّتْ صلاةُ السَّفَرِ، وأُتِمَّتْ صلاةُ الحَضَرِ)) قال
الزُّهريُّ: فقلتُ لعُروةً: ما بالُ عائشةَ تُتُمُّ؟ قال: تأوَّلَتْ ما تأوَّلَ عثمانُ.
وبه قال: (حدّثنا عبدالله بن محمد) المسندي (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن) ابن شهاب
(الزهري، عن عروة) بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها قالت):
(الصلاة) بالإفراد (أول ما فرضت ركعتان) أي: لمن أراد الاقتصار عليهما.
والصلاة مبتدأ، وأول، بدل منه أو مبتدأ ثان خبره ركعتان، والجملة خبر المبتدأ الأول، ويجوز
نصب لفظ أول على الظرفية. والصلاة: مبتدأ والخبر محذوف.
أي: فرضت ركعتين في أول فرضها، وأصل الكلام: الصلاة فرضت ركعتين في أول أزمنة
فرضها، فهو ظرف للخبر المقدر، وما: مصدرية، والمضاف محذوف كما تقرر. ولغير أبوي ذر،
والوقت، والأصيلي: ركعتين بالياء نصب على الحال الساد مسدّ الخبر، وللكشميهني، كما في
الفرع، ولم يعرفها صاحب المصابيح: الصلوات بالجمع، واستشكلها من حيث اقتصار عائشة رضي
الله عنها معها على قولها: ركعتين لوجوب التكرير في مثله، وقد وجدت في رواية كريمة وهي من
رواية الكشميهني: ركعتين ركعتين بالتكرير، وحينئذ فزال الإشكال ولله الحمد.
(فأقرت صلاة السفر) قال النووي: أي على جواز الإتمام (وأتمت صلاة الحضر) على سبيل
التحتم.
وقد استدل بظاهره الحنفية على عدم جواز الإتمام في السفر، على أن القصر عزيمة لا رخصة،
ورد بقوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١]. لأنه يدل على أن
الأصل الإتمام، لأن القصر إنما يكون عن تمام سابق، ونفي الجناح يدل على جوازه دون وجوبه.
فإن قلت: فما الجواب عن تقييد الآية بالخوف؟
أجيب: بأنها، وإن دلت بمفهوم المخالفة على أنه لا يجوز القصر في غير حالة الخوف، لكن
من شرط مفهوم المخالفة إن لم يخرج مخرج الأغلب، فلا اعتبار بذلك الشرط كما في الآية؛ فإن
الغالب من أحوال المسافرين الخوف. اهـ.

١٣٨
كتاب التقصير/ باب ٥
وقال البيضاوي: شريطة باعتبار الغالب في ذلك الوقت، ولذلك لم يعتبر مفهومها، وقد
تظاهرت السنن على جوازه أيضًا في حالة الأمن، أي: في السفر، ولا حاجة في القصر إلى تأويل
الآية، كما أوله الحنفية نصرة لمذهبهم بأنهم ألفوا الأربع، فكان مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم
نقصانًا في القصر، فسمي الإتيان بها قصرًا على ظنهم، ونفي الجناح فيه لتطيب أنفسهم بالقصر، قاله
البيضاوي. ورأيته في بعض شروح الهداية.
ويؤيد القول بالرخصة حديث: ((صدقة تصدق الله بها عليكم))، لأن الواجب لا يسمى رخصة،
وقول عائشة المروي عند البيهقي بإسناد صحيح: يا رسول الله قصرت وأتممت وأفطرت وصممت،
قال: ((أحسنت يا عائشة)). وحديث الباب من قولها غير مرفوع، فلا يستدل به، كما أنها لم تشهد
زمان فرض الصلاة.
وتعقب بأنه مما لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع، ولئن سلمنا أنها لم تشهد فرض الصلاة لكنه
مرسل صحابي، وهو حجة لاحتمال أخذها له عنه عليه الصلاة والسلام، أو عن أحد من أصحابه
من أدرك ذلك.
وأجاب في الفتح: بأن الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلاّ المغرب، ثم زيدت
بعد الهجرة، عقب الهجرة إلاّ الصبح، كما روي من طريق الشعبي، عن مسروق، عن عائشة.
قالت: فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله وَل المدينة واطمأن زيد في
صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة فيها، وصلاة المغرب لأنها وتر
النهار، ورواه ابنا خزيمة وحبان وغيرهما. ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند
نزول قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١]. وبهذا تجتمع
الأدلة، ويؤيده أن في شرح المسند أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة.
(قال) ابن شهاب (الزهري فقلت لعروة بن الزبير (ما) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: فما
(بال عائشة) رضي الله عنها (تتم) بضم أوله الصلاة (قال: تأولت ما تأول عثمان) بن عفان، رضي
الله عنه، من جواز القصر والإتمام، فأخذ بأحد الجائزين وهو الإتمام أو أنه كان يرى القصر مختصًا
بمن کان سائرًا.
وأما من أقام في مكان في أثناء سفره، فله حكم المقيم، فيتم فيه، والحجة فيه ما رواه أحمد
بإسناد حسن، عن عبادبن عبد الله بن الزبير قال: لما قدم علينا معاوية حاجًا، صلى بنا الظهر ركعتين
بمكة، ثم انصرف إلى دار الندوة، فدخل عليه مروان وعمروبن عثمان فقالا: لقد عبت أمر ابن
عمك لأنه كان قد أتم الصلاة. قال: وكان عثمان حيث أتم الصلاة إذا قدم مكة يصلي بها الظهر
والعصر والعشاء أربعًا أربعًا، ثم إذا خرج إلى منّى وعرفة قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحج وأقام
بمنى أتم الصلاة، وهذا القول رجحه في الفتح لتصريح الراوي بالسبب، وقيل غير ذلك مما يطول
ذكره .

١٣٩
كتاب التقصير / باب ٦
ورواة حديث الباب ما بين بخاري ومكي ومدني، وفيه: تابعي عن تابعي عن صحابية، وفيه
التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم والنسائي في الصلاة، وتقدم شيء من مباحثه فيها.
٦ - باب يُصلِّى المغربَ ثلاثًا في السَّفَرِ
هذا (باب) بالتنوين (يصلي) المسافر (المغرب) ولأبي ذر: يصلى المغرب (ثلاثًا في السفر)
كالحضر لأنها وتر النهار. ويجوز في تصلى فتح اللام مع المثناة الفوقية، والمغرب بالرفع نائبًا عن
الفاعل.
فإن قلت: ما وجه تسمية صلاة المغرب بوتر النهار مع كونها ليلية؟
أجيب: بأنها لما كانت عقب آخر النهار، وندب إلى تعجيلها عقب الغروب، أطلق عليها وتر
النهار لقربها منه .
١٠٩١ - حدثنا أبو اليَمانِ قال: أخبرَنا شعيبٌ عنِ الزُّهريِّ قال أخبرني سالمٌ عنِ عبدِ اللهِبنِ
عُمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((رأيتُ رسولَ اللَّهِ وَ لَ إذا أعجَلَهُ السيرُ في السَّفْرِ يُؤَخِّرُ المغرب حتى
يَجمَع بينها وبينَ العِشاء)). قال سالمٌ: وكان عبدُاللَّهِ يَفعلُهُ إذا أعجَلَهُ السيرُ. [الحديث ١٠٩١ -
أطرافه فى: ١٠٩٢، ١١٠٦، ١١٠٩، ١٦٦٨، ١٦٧٣، ١٨٠٥، ٣٠٠٠].
وبالسند قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) هو: ابن حمزة (عن
الزهري) محمدبن مسلم (قال: أخبرني) بالإفراد (سالم عن) أبيه (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (رضي
الله عنهما قال) :
(رأيت رسول الله) وللأصيلي: النبي (َّر، إذا أعجله السير في السفر) قيد يخرج به ما إذا
أعجله السير في الحضر، كأن كان خارج البلد في بستان مثلاً (يؤخر المغرب) أي: صلاة المغرب
(حتى يجمع بينها وبين العشاء) جمع تأخير، وهو الأفضل للسائر، أي: فيصليها ثلاثًا، كما سيأتي إن
شاء الله تعالی قریبًا .
(قال سالم: وكان) أبي (عبدالله يفعله) أي: التأخير المذكور، ولأبي ذر: وكان عبد الله بن عمر
يفعله (إذا أعجله السير).
١٠٩٢ - وزاد اللَّيثُ قال: حذَّثني يونُسُ عنِ ابنِ شهابٍ قال سالمٌ: ((كان ابنُ عمرَ
رضيَ اللَّهُ عنهما يَجمعُ بينَ المغربِ والعشاءِ بالمُزْدَلِفِةِ)) قال سالمٌ: ((وأخَّرَ ابنُ عمرَ المغربَ، وكان
استُصرِخَ على امرأتهِ صَفيةَ بنتِ أبي عُبَيدٍ، فقلت له: الصلاة. فقال: سِرْ. فقلتُ: الصلاة، فقال:
سر. حتى سارَ مِيلَينِ أو ثلاثةً، ثمَّ نَزلَ فصلَّى ثمَّ قال: هكذا رأيتُ النبيَّ وَلِّ يُصلِّي إذا أعجَلَهُ

١٤٠
كتاب التقصير/ باب ٦
السيرُ)). وقال عبدُ اللَّهِ: ((رأيتُ النبيَّلَّهِ إذا أعجلهُ السيرُ يُؤخّرُ المغربَ فيُصلِيها ثلاثًا ثم يُسلِّمُ، ثمَّ
قلَّما يَلْبَثُ حتى يُقيمَ العِشاءَ فَيُصلِيها رَكعتَينِ ثمَّ يُسلِّمُ، ولا يُسبْحُ بعدَ العِشاءِ حتى يَقومَ مِن جَوف
اللیل)».
(وزاد الليث) بن سعد على رواية شعيب في قصة صفية: وفعل ابن عمر خاصة .
وفي التصريح بقوله: قال عبدالله: ((رأيت رسول الله وَّل فقط ... )). مما وصله الإسماعيلي،
كما في الفتح، والذهلي في الزهريات، كما في مقدمته ..
(قال: حدّثني) بالإفراد (يونس) بن يزيد (عن ابن شهاب) الزهري (قال سالم):
(كان ابن عمر رضي الله عنهما يجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة) ورواه أسامة عنه وَ ل
بلفظ: جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة في وقت العشاء. (قال سالم):
(وأخر ابن عمر المغرب) حتى دخل وقت العشاء (وكان استُصرخ) بضم التاء آخره معجمة
مبنيًّا للمفعول من الصراخ، وهو: الاستغاثة بصوت مرتفع (على امرأته: صفية بنت أبي عبيد) أخت
المختار بن أبي عبيد الثقفي أي: أخبر بموتها بطريق مكة.
قال سالم: (فقلت له الصلاة) بالنصب على الإغراء أو بالرفع على الابتداء أي: الصلاة
حضرت. أو: الخبرية، أي: هذه الصلاة، أي: وقتها. (فقال) عبد الله السالم: (سر) أمر من سار
يسير .
قال سالم: (فقلت: الصلاة) بالرفع والنصب، كما مر. ولأبي ذر: فقلت له: الصلاة (فقال)
عبد الله له (سر، حتى سار ميلين أو ثلاثة) والميل أربعة آلاف خطوة، وهو ثلث فرسخ كما مر،
والشك من الراوي (ثم نزل) أي: بعد غروب الشفق (فصلى) أي: المغرب، والعتمة، جمع بينهما.
رواه المؤلف في: كتاب الجهاد.
(ثم قال) عبد الله بن عمر: (هكذا رأيت النبي) ولأبي ذر، والأصيلي: رسول الله (َّز، يصلي
إذا أعجله السير).
(وقال عبدالله) بن عمر (رأيت النبي، وَّر، إذا أعجله السير يؤخر المغرب) من: التأخير،
وللمستملي والكشميهني: يعتم بعين مهملة ساكنة ثم فوقية مكسورة، بدل يؤخر، أي: يدخل في
العتمة، وللأربعة: يقيم، بالقاف بدل العين من الإقامة (فيصليها) أي: المغرب (ثلاثًا) أي: ثلاث
ركعات، إذ لا يدخل القصر فيها، وقد نقل ابن المنذر، وغيره في ذلك الإجماع.
وأما جواب أبي الخطاب بن دحية للملك الكامل حين سأله عن حكمها بجواز قصرها إلى
ركعتين فباطل، كالحديث الذي رواه له فيه، بل قيل: إنه واضعه، والمختلق له وقد رمي مع غزارة
علمه وكثرة حفظه بالمجازفة في النقل، وذكر أشياء لا حقيقية لها.