النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
كتاب الأذان/ باب ٩٥
(وقال سعد: أما والله) بتخفيف الميم حرف استفتاح (لأدعون) عليك (بثلاث) من الدعوات،
واللام كالنون الثقيلة للتوكيد: (اللّهمَّ إن كان عبدك هذا كاذبًا) أي فيما نسبني إليه (قام رياء وسمعة)
ليراه الناس ويسمعوه فيشهروا ذلك عنه ليذكر به، وعلق الدعاء بشرط كذبه، أو كون الحامل له على
ذلك الغرض الدنيوي، فراعى الإنصاف والعدل رضي الله عنه (فأطل عمره) في اليونينية بسكون
الميم أي: عمره بحيث يرد إلى أسفل سافلين، ويصير إلى أرذل العمر، ويضعف قواه وينتكس في
الخلق، فهو دعاء عليه لا له. (وأطل فقره) وفي نسخة: وأقلل رزقه، وفي رواية جرير: وشدد
فقره، وفي رواية سيف: وأكثر عياله. وهذه الحالة بئست الحالة، وهي طول العمر مع الفقر وكثرة
العيال، نسأل الله العفو والعافية. (وعرضه بالفتن) بالموحدة، وفي نسخة: للفتن، أي اجعله عرضة
لها .
وإنما ساغ لسعد أن يدعو على أخيه المسلم بهذه الدعوات لأنه ظلمه بالافتراء عليه. فإن
قلت: إن الدعاء بمثل هذا يستلزم تمنّي المسلم وقوع المسلم في المعاصي، أجيب: بأن ذلك جائز من
حيث كون ذلك يؤدي إلى نكاية الظالم وعقوبته، كتمني الشهادة المشروع، وإن كان حاصله تمني قتل
الكافر للمسلم وهو معصية، ووهن في الدين. لكن الغرض من تمني الشهادة ثوابها لا نفسها، وقد
وجد ذلك في دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كقول نوح: ﴿ولا تزد الظالمين إلا ضلالاً﴾
[نوح: ٢٤]. وإنما ثلث عليه الدعوة لأنه ثلث في نفي الفضائل عنه، لا سيما الثلاث التي هي
أصول الفضائل كما مرّ، والثلاث تتعلق بالنفس والمال والدين، فقابلها بمثلها. فبالنفس، طول
العمر، وبالمال: الفقر، وبالدين: الوقوع في الفتن.
(قال) عبد الملك بن عمير، كما بيّنه جرير في روايته (وكان) بالواو، ولأبوي الوقت وذر
والأصيلي: فكان (بعد) أي فكان أبو سعدة بعد ذلك (إذا سئل) عن حال نفسه، وفي رواية ابن
عيينة: إذا قيل له: كيف أنت؟ (يقول): أنا (شيخ كبير) صفة الخبر المقدر مبتدؤه بأنا (مفتون،
أصابتني دعوة سعد) أفرد الدعوة وهي ثلاثة على إرادة الجنس، وفي رواية ابن عيينة: ولا تكون فتنة
إلاّ وهو فيها، فإن قلت: لم لم يذكر الدعوة الأخرى، وهي الفقر، أجيب، بأنها داخلة في قوله:
أصابتني. لكن وقع التصريح بذلك عند الطبراني، ولفظه: قال عبد الملك، فأنا رأيته يتعرض للإماء
في السكك، فإذا سألوه قال: كبير فقير مفتون.
(قال عبد الملك) بن عمير: (فأنا) بالفاء، ولأبي الوقت: وأنا (رأيته بعد، قد سقط حاجباه)
أي شعرهما (على عينيه من الكبر) بكسر الكاف وفتح الموحدة، (وإنه) أي أبا سعدة (ليتعرض
للجواري في الطريق) بالإفراد، لأبي ذر والأصيلي وابن عساكر ولغيرهم: في الطرق (يغمزهن) أي
يعصر أعضاءهن بأصابعه. وفيه إشارة إلى الفتنة والفقر، إذ لو كان غنيًّا لما احتاج إلى ذلك. وفي
رواية سيف: فعمي واجتمع عنده عشر بنات. وكان إذا سمع بحسّ المرأة تشبث بها، فإذا أنكر
عليه، قال: دعوة المبارك سعد، الحديث.
إرشاد الساري/ ج ٢ / م ٢٦

٤٠٢
كتاب الأذان/ باب ٩٥
وكان سعد معروفًا بإجابة الدعوة، لأنه عليه الصلاة والسلام دعا له فقال: اللّهمَّ استجب
لسعد إذا دعاك. رواه الترمذي وابن حبان والحاكم.
وفي الحديث أن من سعى به من الولاة يسأل عنه في موضع عمله أهل الفضل، وأن الإمام
يعزل من شكي وإن كذب عليه إذا رآه مصلحة .
قال مالك: قد عزل عمر سعدًا وهو أعدل ممن يأتي بعده إلى يوم القيامة.
والحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الصلاة، وكذا مسلم وأبو داود والنسائي.
٧٥٦ - حدّثنا عليُّ بنُ عبدِ اللَّهِ قال: حدَّثَنا سُفيانُ قال: حدَّثَنا الزُّهريُّ عن محمودِ بن
الرَّبِيعِ عن عُبادةَ بن الصامتُ أنَّ رسولَ اللَّهِ وَِّ قال: ((لا صلاةَ لِمَنْ لم يقرأ بفاتحة الكتاب)).
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني، (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدّثنا
الزهري) محمد بن مسلم (عن محمود بن الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة، ابن سراقة الخزرجي
الأنصاري (عن عبادة بن الصامت) بضم العين وتخفيف الموحدة، رضي الله عنه (أن رسول الله والهم
قال) :
(لا صلاة لمن لم يقرأ) فيها (بفاتحة الكتاب) أي في كل ركعة منفردًا أو إمامًا أو مأمومًا، سواء
أسرّ الإمام أو جهر.
قال المازري: اختلف الأصوليون في مثل هذا اللفظ، يعني قوله: لا صلاة إلخ.
فقيل: إنه مجمل لأنه حقيقة في نفي الذات، والذات واقعة، والواقع لا يرتفع، فينصرف لنفي
الحكم، وهو متردد بين نفي الكمال ونفي الصحة، وليس أحدهما أولى فيلزم الإجمال، وهو خطأ،
لأن العرب لم تضعه لنفي الذات، وإنما تورده للمبالغة، ثم تذكر الذات ليحصل ما أرادت من
المبالغة .
وقيل: هو عامّ مخصوص عامّ في نفي الذات وأحكامها، ثم خصّ بإخراج الذات لأن الرسول
لا يكذب.
وقيل: هو عامّ غير مخصوص لأن العرب لم تضعه لنفي الذات، بل لنفي كل أحكامها،
وأحكامها في مسألتنا الكمال والصحة، وهو عامّ فيهما.
وردّه المحققون بأن العموم إنما يحسن إذا لم يكن في تنافٍ، وهو هنا لازم، لأن نفي الكمال
يصح معه الإجزاء، ونفي الصحة لا يصح معه الإجزاء، وصار المحققون إلى الوقف، وأنه تردد بين
نفي الكمال والإجزاء، فإجماله من هذا الوجه لا مما قاله الأوّلون. وعلى هذا المذهب يتخرّج قوله:
لا صلاة .

٤٠٣
كتاب الأذان/ باب ٩٥
وتعقبه الأبي فقال: ما رد به الأول لا يرفع الإجمال لأنه وإن سلم أنه لنفي الحكم فالأحكام
متعددة، وليس أحدهما أولى كما تقدم. وإنما الجواب ما قيل من أنه لا يمتنع نفي الذات، أي
الحقيقة الشرعية، لأن الصلاة في عرف الشرع اسم للصلاة الصحيحة، فإذا فقد شرط صحتها
انتفت، فلا بد من تعلق النفي بالمسمى الشرعي، ثم لو سلم عوده إلى الحكم فلا يلزم الإجمال لأنه
في نفي الصحة أظهر، لأن مثل هذا اللفظ يستعمل عرفًا لنفي الفائدة، كقولهم: لا علم إلاّ ما نفع،
ونفي الصحة أظهر في بيان نفي الفائدة. وأيضًا اللفظ يشعر بالنفي العامّ، ونفي الصحة أقرب إلى
العموم من نفي الكمال، لأن الفاسد لا اعتبار له بوجه. ومن قال إنه عامّ مخصوص، فالمخصص
عنده الحس، لأن الصلاة قد وقعت كقوله تعالى: ﴿تدمر كل شيء بأمر ربها﴾ [الأحقاف: ٢٥].
فإن الحس یشهد بأنها لم تدمر الجبال انتهى.
وقال في فتح القدير: قوله لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، هو مشترك الدلالة، لأن النفي
لا يرد إلا على النسب لا على نفي نفس المفرد، والخبر الذي هو متعلق الجار محذوف، فيمكن تقديره
صحيحة، فيوافق رأي الشافعي، أو كاملة فيخالفه. وفيه نظر، لأن متعلق المجرور الواقع خبرًا
استقرار عامٌ، فالحاصل: لا صلاة كائنة، وعدم الوجود شرعًا هو عدم الصحة. هذا هو الأصل
بخلاف: لا صلاة لجار المسجد إلخ، ولا صلاة العبد الآبق. فإن قيام الدليل على الصحة أوجب
كون المراد كونّا خاصًّا أي كاملة. فعلى هذا يكون من حذف الخبر لا من وقوع الجار والمجرور خبرًا.
ثم إن الشافعية يثبتون ركنية الفاتحة لا على معنى الوجوب. عند الحنفية، فإنهم لا يقولون
بوجوبها قطعًا بل ظنًّا، غير أنهم لا يخصّون الفرضية والركنية بالقطعي، فلهم أن يقولوا بموجب
الوجه المذكور: وإن جوّزنا الزيادة بخبر الواحد لكنها ليست بلازمة هنا، فإنا إنما قلنا بركنيتها
وافتراضها بالمعنى الذي سميتموه وجوبًا، فلا زيادة.
واختلف المالكية هل تجب الفاتحة في كل ركعة أو الحل؟ والقولان في المدونة. وشهر ابن
شاس الرواية الأولى. قال القاضي عبد الوهاب وهو المشهور من المذهب، والذي رجع إليه، هي
الرواية الثانية. قال القرافي: وهو ظاهر المذهب قاله بهرام.
وحديث الباب لا دلالة فيه على وجوبها في كل ركعة، بل مفهومه الدلالة على الصحة بقراءتها
في ركعة واحدة منها لأن فعلها في ركعة واحدة يقتضي حصول اسم قراءتها في تلك الصلاة،
والأصل عدم وجوب الزيادة على المرة الواحدة.
نعم يدل للقائلين بوجوبها في كل ركعة وهم الجمهور قوله عليه الصلاة والسلام: وافعل ذلك
في صلاتك كلها بعد أن أمره بالقراءة، وقوله في حديث أحمد وابن حبان. ثم افعل ذلك في كل
ركعة .

٤٠٤
كتاب الأذان/ باب ٩٥
ولم يفرضها الحنفية لإطلاق قوله تعالى: ﴿فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾ [المزمل: ٢٠]. فتجوز
الصلاة بأي قراءة كانت.
قالوا والزيادة على النص تكون نسخًا لإطلاقه، وذا غير جائز، ولا يجوز أن يجعل بيانًا للآية،
لأنه لا إجمال فيها، إذ المجمل ما يتعذر العمل به قبل البيان، والآية ليست كذلك وتعيين الفاتحة إنما
ثبت بالحديث، فيكون واجبًا إثم تاركه، وتجزىء الصلاة بدونه.
والفرض آية قصيرة عند أبي حنيفة كمدهامتان، وقال صاحباه آية طويلة أو ثلاث آيات،
وتتعين ركعتان لفرض القراءة لقوله عليه الصلاة والسلام، القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين،
وتسن في الأخريين الفاتحة خاصة، وإن سبّح فيهما أو سكت جاز لعدم فرضية القراءة فيهما.
لنا قوله عليه الصلاة والسلام: لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، رواه الإسماعيلي
بسند حديث الباب من طريق العباس بن الوليد النرسي، أحد شيوخ البخاري، وقوله عليه الصلاة
والسلام: لا صلاة إلاّ بقراءة فاتحة الكتاب، رواه ابن خزيمة.
واستدل من أسقطها عن المأموم مطلقًا كالحنفية بحديث: من صلى خلف إمام فقراءة الإمام له
قراءة .
قال في الفتح وهو حديث ضعيف عند الحفاظ .
واستدل من أسقطها عنه في الجهرية، كالمالكية بحديث: فإذا قرأ فأنصتوا. رواه مسلم، ولا
دلالة فيه لإمكان الجمع بين الأمرين، فينصت فيما عدا الفاتحة، أو ينصت إذا قرأ الإمام، ويقرأ إذا
سكت. وعلى هذا فيتعين على الإمام السكوت في الجهرية ليقرأ المأموم لئلا يوقعه في ارتكاب النهي،
حيث لا ينصت إذا قرأ الإمام.
وقد ثبت الإذن بقراءة الفاتحة للمأموم في الجهرية بغير قيد، فيما رواه المؤلف في جزء
القراءة، والترمذي وابن حبان عن عبادة قال: إن النبي وَ يهر ثقلت عليه القراءة في الفجر، فلما فرغ
قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم. قال ◌َله: فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا
صلاة إلا بها .
ورواة حديث الباب ما بين بصري ومكي، وفيه التحديث والعنعنة والقول أخرجه مسلم في
الصلاة أيضًا، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة .
٧٥٧ - حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ قال: حدَّثَنا يحيى عن عُبيدِ اللَّهِ قال: حدَّثَني سعيدُ بنُ أبي
سعيدٍ عن أبيهِ عن أبي هُريرةَ ((أنَّ رسولَ اللَّهِ وَّ﴿ دخلَ المسجدَ، فدخلَ رجُلٌ فصلَّى، فسلّم عَلَى
النبيِّ وَّ فردَّ وقال: ارجع فصلٌ فإنكَ لم تُصلِّ، فرَجَعَ يُصلِّي كما صلَّى، ثم جاءَ فسلّم عَلَى
النبيِّ ◌ََّ، فقال: ارجع فصلٌ فإنكَ لم تُصلِ (ثلاثًا). فقال: والذي بَعثَكَ بالحقُّ ما أُحسِنُ غيرَه،

٤٠٥
كتاب الأذان/ باب ٩٥
فعلِّمني: فقال: إذا قُمتَ إلى الصلاةِ فكبِّرْ، ثمَّ اقرأْ ما تَيسَّرَ معَك منَ القرآنِ، ثمَّ اركغ حتى تطمئنَّ
راكعًا ثمَّ ارفع حتى تَعدِلَ قائمًا، ثمَّ اسجُدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثمَّ ارفع حتى تطمئنَّ جالسًا،
وافعلْ ذُلكَ فِي صَلاتِكَ كلَّها)). [الحديث ٧٥٧ - أطرافه في: ٧٩٣، ٦٢٥١، ٦٢٥٢، ٦٦٦٧].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة (قال: حدثنا يحيى) بن سعيد
القطان (عن عبيد الله) بضم العين ابن عمر العمري (قال: حدّثني) بالإفراد، وللأصيلي: حدَّثنا
(سعيد بن أبي سعيد) بكسر العين فيهما (عن أبيه) أبي سعيد المقبري.
قال الدارقطني: خالف يحيى القطان أصحاب عبيد الله كلهم في هذا الإسناد فإنهم لم يقولوا
عن أبيه، ويحيى حافظ، فيشبه أن يكون عبيد الله حدّث به على الوجهين.
قال الحافظ ابن حجر: ولكلٍّ من الروايتين وجه يرجح، فأما رواية يحيى فللزيادة من الحافظ،
وأما الرواية الأخرى فللكثرة، ولأن سعيدًا لم يوصف بالتدليس، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة،
ومن ثم أخرج الشيخان الطريقين، فأخرج البخاري طريق يحيى هنا في باب: وجوب القراءة.
وأخرج في: الاستئذان طريق عبيد الله بن خمير، وقي: الأيمان والنذور طريق أبي أسامة، كلاهما
عن عبيد الله ليس فيه عن أبيه.
وأخرجه مسلم من رواية الثلاثة (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله وَلتر، دخل
المسجد، فدخل رجل) هو خلاد بن رافع، جدّ علي بن يحيى بن خلاد، (فصلى) زاد في رواية
داود بن قيس عند النسائي: ركعتين (فسلم) وفي رواية: ثم جاء فسلم (على النبي وَّر، فرد) عليه
الصلاة والسلام السلام (وقال) ولأبي ذر، وابن عساكر: فقال:
(ارجع فصلٌ)، ولابن عساكر: وصل (فإنك لم تصل) نفي للصحة لأنها أقرب لنفي الحقيقة
من نفي الكمال، فهو أولى المجازين كما مر.
فإن قلت: التعبير بلم دون لما فيه لبس لأن لم محتملة لاستمرار النفي نحو: ﴿لم يلد ولم يولد﴾
[الإخلاص: ٣- ٤]. وانقطاعه نحو: ﴿لم يكن شيئًا مذكورًا﴾ [الإنسان: ١]. لأن المعنى أنه كان
بعد ذلك شيئًا بخلاف لما، فإن منفيها مستمر النفي إلى الحال وهو المراد هنا.
أجيب: بأنه لما دلت المشاهدة على أن عدم اعتداله كان، واتصل بالحال، كان ذلك قرينة على
أن لم وقعت موقع لما، فلا لبس.
وفي رواية ابن عجلان: فقال: أعد صلاتك (فرجع يصلي) بياء المضارعة، على أن الجملة حال
منتظرة مقدرة، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: فصلى بالفاء (كما صلى) أولاً (ثم جاء
فسلم على النبي وَلغيره، فقال) له عليه الصلاة والسلام:

٤٠٦
كتاب الأذان/ باب ٩٦
(ارجع فصل فإنك لم تصل). (ثلاثًا) أي ثلاث مرات (فقال) بزيادة فاء، ولابن عساكر: قال:
(والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره، فعلمني) واستشكل كونه عليه الصلاة والسلام تركه ثلاث
مرات يصلي صلاة فاسدة.
وأجاب التوربشتي بأن الرجل لما رجع ولم يستكشف الحال من مورد الوحي، كأنه اغترّ بما
عنده من العدم، فسكت النبي وَلقر عن تعليمه زجرًا له وتأديبًا وإرشادًا إلى استكشاف ما استبهم
عليه، فلما طلب كشف الحال من مورده أرشده إليه وَ القر (فقال) وَلّ، وللأصيلي وابن عساكر، قال:
(إذا قمت إلى الصلاة فكبر) أي تكبيرة الإحرام (ثم اقرأ ما) وللكشميهني: بما (تيسر معك من
القرآن) وفي حديث أبي داود، في قصة المسيء صلاته، من رواية رفاعة بن رافع، رفعه: إذا قمت
وتوجهت، فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء الله أن تقرأ، ولأحمد وابن حبان: ثم اقرأ بأُم القرآن ثم
اقرأ بما شئت، (ثم اركع حتى تطمئن) حال كونك (راكعًا ثم ارفع حتى تعتدل) حال كونك (قائمًا)
وفي رواية ابن ماجة حتى تطمئن قائمًا (ثم اسجد حتى تطمئن) حال كونك (ساجدًا، ثم ارفع حتى
تطمئن) حال كونك (جالسًا) فيه دليل على إيجاب الاعتدال والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة في
الركوع والسجود، فهو حجة على أبي حنيفة رحمه الله في قوله، وليس عنه جواب صحيح. (وافعل
ذلك) المذكور من: التكبير، وقراءة ما تيسر، وهو الفاتحة، أو ما تيسر من غيرها بعد قراءتها،
والركوع، والسجود، والجلوس (في صلاتك كلها) فرضًا ونفلاً.
وإنما لم يذكر له عليه الصلاة والسلام بقية الواجبات في الصلاة: كالنيّة، والقعود في التشهد
الأخير، لأنه كان معلومًا عنده، أو لعل الراوي اختصر ذلك.
وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلف أيضًا في الصلاة والاستئذان،
ومسلم وأبو داود في الصلاة، وكذا النسائي والترمذي وابن ماجة.
٩٦ - باب القراءَةِ في الظُّهرِ
(باب القراءة في) صلاة (الظهر).
٧٥٨ - حدثنا أبو النُّعمانِ قال: حدَّثَنا أبو عَوانةَ عن عبدِ الملكِ بنِ عُميرٍ عن جابرِ بنِ سَمُرَة
قال: قال سعدُ: «كنتُ أصلّي بهم صلاةَ رسولِ اللَّهِ وَ ﴿ صلاتَي العَشِيِّ لا أخرِمُ عنها: أركُدُ في
الأُولَيْنِ وأحذِفُ في الأُخْرَيَينِ. فقال عمرُ رضيَ اللَّهُ عنه: ذُلكَ الظّنُّ بكَ)).
وبالسند قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي البصري (قال: حدّثنا أبو
عوانة) الوضاح اليشكري الواسطي (عن عبد الملك بن عمير) الكوفي (عن جابر بن سمرة) بفتح
السين وضم الميم العامري، الصحابي ابن الصحابي، (قال: قال سعد) لعمر بن الخطاب: (كنت)

٤٠٧
كتاب الأذان/ باب ٩٦
ولابن عساكر: قد كنت (أصلي بهم صلاة رسول الله بير، صلاتي العشي) تثنية صلاة. والعشي بفتح
العين وكسر الشين المعجمة، أي الظهر والعصر، وهو وجه مطابقة الترجمة، ولابن عساكر: العشاء (لا
أخرم) أي لا أنقص (عنها) أي عن صلاته عليه الصلاة والسلام (كنت أركد) أي أطول القيام (في)
الركعتين (الأوليين وأحذف في) الركعتين (الأخريين).
وليس المراد الترك بالكلية لأن الحذف من الشيء نقصه، وللمستملي والحموي: وأخف، بضم
الهمزة وكسر الخاء المعجمة، وهو يقوي أن المراد في الترجمة ما بعد الفاتحة، لأن الحذف لا يتصور
فيها. واستفيد منه عدم سنية سورة بعد الفاتحة في الثالثة والرابعة وهذا هو الأظهر عند الشافعية.
قال الجلال المحلي: ومقابل الأظهر دليله الاتباع في حديث مسلم، وهو في الظهر والعصر،
ويقاس عليهما غيرهما، والسورة على الثاني أقصر، كما اشتمل عليه الحديث. ثم في ترجيحهم
الأول تقديم النافي على دليل الثاني المثبت، عكس الراجح في الأصول لما قام في ذلك عندهم
انتھی .
وذلك لأن دليل النافي لقراءة السورة في الأخريين مقدم على حديث إثباتها المذكور لكونه في
رواية مسلم والأول من روايتهما معًا.
(فقال) ولأبي ذر والأصيلي: قال (عمر) رضي الله عنه: (ذلك) باللام، ولأبوي ذر والوقت
والأصيلي وابن عساكر: ذاك (الظن بك).
وهذا الحديث مر في الباب السابق، وهو هنا محذوف في رواية غير أبوي ذر والوقت
والأصيلي وابن عساكر، ثابت في روايتهم كما في الفرع وأصله، ولم يذكره في فتح الباري هنا.
٧٥٩ - حدثنا أبو نُعَيم قال: حدَّثَنا شيبانُ عن يحيى عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي قتادةَ عن أبيهِ قال:
((كان النبيُّ ◌َهِ يَقرَأُ فِي الرَّكعَتينِ الأُولَيَينِ من صلاةِ الظهرِ بفاتحةِ الكتابِ وسورَتَينِ يُطوِّلُ في
الأُولى ويُقصِّرُ في الثانيةِ ويُسمِعُ الآيَةَ أحيانًا، وكانَ يَقرأُ في العصرِ بفاتحةِ الكتابِ وسُورتَينٍ وكان
يطوِّلُ في الركعةِ الأُولى من صلاةِ الصبح ويُقصِّرُ في الثانيةِ)). [الحديث ٧٥٩ - أطرافه في: ٥٧٦٢
٧٧٦، ٧٧٨، ٧٧٩].
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدثنا شيبان) بن عبد الرحمن (عن
يحيى) بن أبي كثير (عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه) أبي قتادة الحرث بن ربعي رضي الله عنه
(قال: كان النبي) ولأبي ذر: كان رسول الله (وَلا يقرأ في الركعتين الأوليين) بمثناتين تحتيتين وضم
الهمزة تثنية الأولى (من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين) في كل ركعة سورة (بطول في) قراءة
الركعة (الأولى ويقصر في) قراءة الركعة (الثانية) لأن النشاط في الأولى يكون أكثر، فناسب التخفيف
في الثانية حذرًا من الملل.

٤٠٨
كتاب الأذان/ باب ٩٦
واستدل به على استحباب تطويل الأولى على الثانية، وجمع بينه وبين حديث سعد السابق حيث
قال: أركد في الأوليين، بأن المراد تطويلهما على الأخريين لا التسوية بينهما في الطول.
واستفيد من هذا أفضلية قراءة سورة كاملة ولو قصرت، على قراءة قدرها من طويلة. قال
النووي وزاد البغوي: ولو قصرت السورة عن المقروء.
(ويسمع الآية أحيانًا) أي في أحيان، جمع حين، وهو يدل على تكرار ذلك منه. وللنسائي من
حديث البراء: فنسمع منه الآية من سورة لقمان، والذاريات، ولابن خزيمة ﴿سبح اسم ربك
الأعلى﴾ و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾.
فإن قلت: العلم بقراءة السورة في السرية لا يكون إلاّ بسماع كلها، وإنما يفيد يقين ذلك لو
كان في الجهرية.
أجيب: باحتمال أن يكون مأخوذًا من سماع بعضها مع قيام القرينة على قراءة باقيها، أو أن
النبي ◌َّه كان يخبرهم عقب الصلاة دائمًا أو غالبًا بقراءة السورتين. وهو بعيد جدًّا، قاله ابن دقيق
العيد رحمه الله .
(وكان) عليه الصلاة والسلام (يقرأ في) صلاة (العصر بفاتحة الكتاب وسورتين) في كل ركعة
سورة واحدة (وكان يطوّل) في قراءة غير الفاتحة (في) الركعة (الأولى) منها، أي ويقصر الثانية،
(وكان يطول في) قراءة الركعة (الأولى من صلاة الصبح، ويقصر في الثانية) ويقاس المغرب والعشاء
عليها .
والسُّنّة عند الشافعية أن يقرأ في الصبح والظهر من طوال المفصل، وفي العصر والعشاء من
أوساطه، وفي المغرب من قصاره لأن الظهر وقت القيلولة، فطول ليدرك المتأخر، والعصر وقت
إتمام الأعمال فخفف، وأما المغرب فإنها تأتي عند إعياء الناس من العمل وحاجتهم إلى العشاء،
لا سيما الصوام.
ومحل سينية الطوال والأوساط إذا كان المصلي منفردًا، فإن كان إمامًا وكان المأمومون
محصورين، وآثروا التطويل، استحب وإن لم يكونوا محصورين أو كانوا ولكن لم يؤثروا التطويل فلا
يسن. هكذا جزم به النووي في شرح المهذب، فقال: هذا الذي ذكرناه من استحباب طوال المفصل
وأوساطه هو فيما إذا آثر المأمومون المحصورون ذلك. وإلا خفف.
وجزم به أيضًا في التحقيق، وشرح مسلم، وقال الحنابلة: في الصبح من طوال المفصل، وفي
المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه.
وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلف أيضًا، وكذا مسلم وأبو داود
والنسائي وابن ماجة.

٤٠٩
كتاب الأذان/ باب ٩٧
٧٦٠ - حدثنا عمرُ بنُ حفص قال: حدَّثَنا أبي قال: حدَّثَنا الأعمشُ قال: حدَّثَنِي عُمارةُ عن أبي
مَعْمَرٍ قال: ((سألْنا خَبّابًا أكانَ النبيُّ ◌َّهِ يَقرأُ في الظُّهرِ والعَصر؟ قال: نعم. قلنا: بأيّ شيءٍ كنتم
تَعرِفونَ: قال: باضطرابِ لحیتِهِ)).
وبالسند قال: (حدّثنا عمر بن حفص) بضم العين، وللأصيلي حذف لفظ: ابن حفص (قال:
حذّثني أبي) حفص بن غياث (قال: حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: حدثني) بالإفراد
(عمارة) بن عمير بضم العين فيهما (عن أبي معمر) بميمين مفتوحتين، عبد الله بن سخبرة الأسدي
الكوفي (قال: سألنا خبابًا) بفتح الخاء وتشديد الموحدة الأولى ابن الأرت، بالمثناة الفوقية بعد الراء،
رضي الله عنه (أكان النبي ◌َلي يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم) كان يقرأ فيهما (قلنا) بنون
الجمع، وللحموي والمستملي: قلت (بأي شيء كنتم تعرفون؟ قال) ولأبي ذر: تعرفون ذلك؟ قال:
(باضطراب لحيته) بكسر اللام ومثناة فوقية بعد التحتية، وللأصيلي لحييه بفتح اللام ومثناتين تحتيتين.
فإن قلت إن اضطراب لحيته الشريفة المستدل به على قراءته يحصل مثله أيضًا بالذكر والدعاء
أيضًا، فما وجه تعيين القراءة دونهما؟
أجيب بأنها تعينت بقرينة: والظاهر أنهم نظروه بالجهرية لأن ذلك المحل منها هو محل القراءة
لا الذكر والدعاء، وإذا انضم إلى ذلك قول أبي قتادة: كان يسمعنا الآية أحيانًا قوي الاستدلال.
٩٧ - باب القراءَةِ في العصرِ
(باب القراءة في) صلاة (العصر).
٧٦١ - هذثنا محمدُ بنُ يوسفَ قال: حدَّثَنا سفيانُ عنِ الأعمشِ عن عمارةَ بنِ عُميرٍ عن
أبي مَعْمرٍ قال: «قلتُ لِخبّابِ بنِ الأرتِّ: أكان النبيُّ وَّهِ يقرأُ في الظُّهرِ والعصرِ؟ قال: نعم. قال:
قلتُ بأيّ شيءٍ كنتم تعلمونَ قِراءَتَهُ؟ قال: باضطِرابٍ لِحیتِ».
وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي، بكسر الموحدة وسكون المثناة التحتية وفتح
الكاف وسكون النون (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن عمارة بن
عمير، عن أبي معمر) عبد الله بن سخبرة (قال: قلت) وللكشميهني والأصيلي: قلنا ( لخباب بن
الأرت) بفتح الهمزة والراء وتشديد المثناة الفوقية (أكان النبي ◌َّه) بهمزة الاستفهام على سبيل
الاستخبار (يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم) كان يقرأ فيهما (قال: قلت: بأي شيء كنتم
تعلمون) أي تعرفون، لأنه متعدٍّ لمفعول (قراءته) عليه الصلاة والسلام؟ (قال): أي خباب
(باضطراب لحيته) الكريمة، وفي اليونينية رقم على قوله: قال نعم، علامة السقوط لابن عساكر.

٤١٠
کتاب الأذان/ باب ٩٨
٧٦٢ - حدثنا المكيُّ بنُ إبراهيمَ عن هِشامِ عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي قتادةً
عن أبيه قال: ((كانَ النبيُّ بِّهِ يَقْرَأْ في الرَّكعتَينِ منَ الظهرِ والعصرِ بفاتحة الكتاب وسورةٍ سورة،
ويُسمعُنا الآيةَ أحيانًا)).
وبه قال: (حدّثنا المكي) بالتعريف، ولأبي ذر والأصيلي: مكي (بن إبراهيم) بن بشير بن فرقد
التيمي الحنظلي البلخي (عن هشام) الدستوائي (عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة (عن عبد الله بن أبي
قتادة عن أبيه) أبي قتادة الحرث بن ربعي (قال: كان النبي ◌َّر يقرأ في الركعتين) الأوليين (من الظهر
والعصر) أي من كلٌّ منهما (بفاتحة الكتاب وسورة سورة) بالخفض عطفًا على سابقه، وبالتكرير لأنه
موزع على الركعات، يعني يقرأ في كل ركعة من ركعتيهما سورة بعد الفاتحة، (ويسمعنا الآية
أحيانًا).
٩٨ - باب القراءَةِ في المغرب
(باب القراءة في) صلاة (المغرب).
٧٦٣ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ قال: أخبرنا مالكٌ عن ابنِ شهابٍ عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ
عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ عنِ ابن عبّاسٍ رضيَ اللَّه عنهما قال: ((إنَّ أُمَّ الفضلِ سمعَتْهُ وهو يقرأُ:
﴿والمرسَلاتِ عُرفًا﴾ فقالت: يا بُنَيَّ، واللَّهِ لقد ذكَّرْتَني بقِراءتكَ هذهِ السُّورةَ إنها لآخِرُ ما سمعتُ
من رسولِ اللَّهِ وَله يقرأُ بها في المغربِ)). [الحديث ٧٦٣ - طرفه في: ٤٤٢٩].
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أبي الأصبحي
(عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله) بالتصغير (بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس رضي الله
عنهما أنه قال: إن) أمه (أم الفضل) لبابة بنت الحرث، زوج العباس، أخت ميمونة زوج النبي ◌َّل
(سمعته وهو) أي ابن عباس (يقرأ ﴿والمرسلات عرفًا﴾) والجملة حالية، وفيه التفات من الحاضر إلى
الغائب، لأن القياس أن يقول: سمعتني وأنا أقرأ ﴿والمرسلات عرفًا﴾ (فقالت: يا بني) بضم
الموحدة مصغرًا (والله لقد) ولأبي ذر والأصيلي: يا بني لقد (ذكرتني) بتشديد الكاف شيئًا نسيته
(بقراءتك) وفي نسخة: بقرآنك بضم القاف وبالنون (هذه السورة) منصوب بقوله: بقراءة عند
البصريين، أو بذكرتني عند الكوفيين، (إنها) أي السورة (لآخر ما سمعت) بحذف ضمير المفعول،
ولابن عساكر: ما سمعته (من رسول الله (وَ لي) حال كونه (يقرأ بها في) صلاة (المغرب) أي في بيته
كما رواه النسائي.
وأمّا ما في حديث عائشة أنها الظهر، فكانت في المسجد.
وأجيب عن قول أم الفضل عند الترمذي: خرج إلينا رسول الله وَّر وهو عاصب رأسه،
بالحمل على أنه خرج إليهم من المكان الذي كان راقدًا فيه إلى الحاضرين في البيت، فصلى بهم فيه.

٤١١
كتاب الأذان/ باب ٩٨
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في المغازي، ومسلم في الصلاة، وكذا أبو داود وابن
ماجة .
٧٦٤ - حدثنا أبو عاصم عنِ ابنِ جُريجٍ عنِ ابنِ أبي مُليكةً عن عُروةَ بنِ الزُّبِيرِ عن مَروانَ بنِ
الحَكمِ قال: «قال لي زيدُ بنُ ثابتٍ: ما لَك تقرأْ في المغربِ بقِصارٍ، وقد سمعتُ النبيَّ وَّ يقرأ
بطُولى الطولَيِينِ)).
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدّثني (أبو عاصم) النبيل (عن ابن جريج) عبد الملك
(عن ابن أبي مليكة) بضم الميم وفتح اللام زهير بن عبد الله المكي الأحول (عن عروة بن الزبير) بن
العوّام (عن مروان بن الحكم) المدني الأموي (قال: قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب
بقصار) بتنوين العوض عن المضاف إليه، أي بقصار المفصل، وللكشميهني: بقصار المفصل، ولأبي
ذر: يعني المفصل، وهو استفهام على سبيل الإنكار، وكان مروان حينئذٍ أميرًا على المدينة من قبل
معاوية، وللنسائي بقصار السور (وقد سمعت) بضم التاء، وفي بعضها بفتحها (النبي وَير يقرأ بطولى
الطوليين؟) أي بأطول السورتين الطويلتين، وطولى تأنيث أطول، والطوليين بمثناتين تحتيتين تثنية
طولى، وهذه رواية الأكثر، وعزاها في الفرع لأبي الوقت والأصيلي، وفي رواية كريمة: بطول
الطوليين، بضم الطاء وسكون الواو وباللام فقط.
ووجهه البرماوي كالكرماني بأنه أطلق المصدر، وأراد الوصف. أي كان يقرأ بمقدار طول
الطوليين اللتين هما البقرة والنساء أو الأعراف.
وتعقبه في فتح الباري بأنه يلزم منه أن يكون قرأ بقدر السورتين، وليس هو المراد، ولم يقع
تفسير السورتين في رواية البخاري.
وفي رواية أبي الأسود، عن عروة، عن زيد بن ثابت، عند النسائي بأطول الطوليين: المَص،
ولأبي داود: فقلت وما طولى الطوليين؟ قال: الأعراف. لكن بيَّن النسائي في رواية له أن التفسير
من قول عروة، وزاد أبو داود قال: يعني ابن جريح، وسألت أنا ابن أبي مليكة فقال لي من قبل
نفسه: المائدة والأعراف، وعند الجوزقي مثله، إلاّ أنه قال: الأنعام بدل المائدة، وعند الطبراني وأبي
نعيم في مستخرجه بدل الأنعام، يونس.
وفي تفسير الأخرى ثلاثة أقوال المحفوظ فيها: الأنعام، ولم يرد البقرة. وإلا لقال: طولى
الطول. فدل على أنه أراد الأطول من بعد البقرة وذلك هو الأعراف، وتعقب بأن النساء هي الأطول
بعدها .
وأجيب بأن عدد آيات الأعراف أكثر من عدد النساء وغيرها من السبع بعد البقرة، وإن كان
كلمات النساء تزيد على كلمات الأعراف.

٤١٢
كتاب الأذان/ باب ٩٨
وقد جنح ابن المنير إلى أن تسمية الأعراف والأنعام بالطوليين، إنما هو لعرف فيهما، لا أنهما
أطول من غيرهما، وجمع ابن المنير بين الآثار المختلفة في إطالة القراءة في المغرب وتخفيفها، بأن تحمل
الإطالة على الندرة تنبيهًا على المشروعية، ويحمل التخفيف على العادة تنبيهًا على الأولى، قال: ولذلك
قال في الإطالة: سمعته يقرأ، وفي التخفيف كان يقرأ انتهى.
وتعقبه في فتح الباري بأنه غفل عمّا في رواية البيهقي من طريق أبي عاصم شيخ المؤلف فيه
بلفظ: لقد كان رسول الله # يقرأ، ومثله في رواية حجاج بن محمد عن ابن جريج عند
الإسماعيلي .
واستنبط من الحديث امتداد وقت المغرب إلى غيبوبة الشفق الأحمر، واستشكل بأنه إذا قرأ
الأعراف يدخل وقت العشاء قبل الفراغ.
وأجيب بجوابين.
أحدهما: أنه لا يمتنع إذا أوقع ركعة في الوقت، وتعقب بأن إخراج بعض الصلاة عن الوقت
ممنوع، ولو أجزأت فلا يحمل ما ثبت عنه ◌َّ على ذلك.
الثاني: أنه يحتمل أنه أراد بالسورة بعضها. وليس الحديث نصًّا في أنه أتم السورة كذا.
قاله البرماوي والأبي، وفيه نظر، لأنه لو كان قرأ بشيء منها يكون قدر سورة من قصار
المفصل لما كان لإنكار زيد معنى.
وروى حديث زيد هشام بن عروة عن أبيه، عنه كما عند ابن خزيمة، أنه قال لمروان: إنك
تخفف القراءة في الركعتين من المغرب، فوالله لقد كان رسول الله # يقرأ فيها بسورة الأعراف في
الركعتين جميعًا .
وما ذكره البرماوي من اشتراط إيقاع الركعة في الوقت هو الذي عليه الأسنوي والأذرعي
وابن المقري.
وتعقب بإطلاق الشيخين الرافعي والنووي، كغيرهما عدم العصيان، ولم يقيداه بما إذا أتى
بركعة في الوقت .
وكذا أجاب البغوي في فتاويه بالإطلاق، وجعل التقييد بالإتيان بركعة احتمالاً، فليعتمد
الإطلاق. وظاهر كلام الخادم اعتماده، انتهى.
والمستحب القراءة في المغرب بقصار المفصل، وهو مذهب أبي حنيفة، وصاحبيه، ومالك،
وأحمد، وإسحق. ويؤيده حديث رافع السابق، في المواقيت: إنهم كانوا ينتضلون بعد صلاة
المغرب. فإنه يدل على تخفيف القراءة فيها.

٤١٣
کتاب الأذان/ باب ٩٩
وعند ابن ماجة بسند صحيح، عن ابن عمر: كان رسول الله وسلم يقرأ في المغرب ﴿قل يا أيها
الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾ وكان الحسن يقرأ فيها بـ ﴿إذا زلزلت﴾ ﴿والعاديات﴾ ولا
يدعهما .
ورواة حديث الباب الستة ما بين بصري ومكي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والقول،
وأخرجه أبو داود والنسائي في الصلاة.
٩٩ - باب الجَهرِ في المغربِ
(باب) حكم (الجهر) بالقراءة (في) صلاة (المغرب).
٧٦٥ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ قال: أخبرنا مالكٌ عنِ ابنِ شَهابٍ عن محمدِ بنِ جُبِيرِ بنِ
مُطْعم عن أبيهِ قال: ((سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَ قرأ في المغربِ بالطُّورِ)). [الحديث ٧٦٥- أطرافه
في : ٣٠٥٠، ٤٠٢٣، ٤٨٥٤].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي المصري (قال: أخبرنا مالك) الإمام إمام الأئمة
الأصبحي (عن ابن شهاب) الزهري (عن محمد بن جبير بن مطعم) بضم الميم وكسر العين، وقد
وقع التصريح بالتحديث من طريق سفيان عن الزهري (عن أبيه) جبير بن مطعم بن عدي (قال:
سمعت رسول الله) ولأبي ذر: سمعت النبي ( إ قرأ) ولابن عساكر: يقرأ (في) صلاة (المغرب
بالطور) أي بسورة الطور كلها .
وقول ابن الجوزي يحتمل أن تكون الباء بمعنى من كقوله تعالى: ﴿عينًا يشرب بها عباد الله﴾
يعني فيكون المراد أنه عليه الصلاة والسلام، قرأ بعض سورة الطور.
واستدلال الطحاوي لذلك بما رواه من طريق هشيم، عن الزهري، في حديث جبير بقوله
فسمعته يقول: ﴿إن عذاب ربك لواقع﴾ قال: فأخبر أن الذي سمعه من هذه السورة هي هذه الآية
خاصة، معارض بما عند المؤلف في التفسير، حيث قال: سمعته يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ
هذه الآية ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ الآيات إلى قوله ﴿المسيطرون﴾ كاد قلبي يطير.
وفي رواية أسامة، ومحمد بن عمرو وسمعته يقرأ ﴿والطور وكتاب مسطور﴾ وزاد ابن سعد
في رواية: فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد، على أن رواية هشيم عن الزهري بخصوصها
مضعفة، وقد كان سماع جبير لقراءته عليه الصلاة والسلام لما جاء في أسارى بدر كما عند المؤلف
في الجهاد، وكان ذلك أوّل ما وقر الإسلام في قلبه، كما في المغازي عند المصنف أيضًا.

٤١٤
كتاب الأذان/ باب ١٠٠
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصري ومدني، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والقول
والسماع، وأخرجه أيضًا في الجهاد والتفسير، ومسلم وأبو داود في الصلاة، وكذا النسائي فيها وفي
التفسير، وابن ماجة فيه .
١٠٠ - باب الجهرِ في العِشاءِ
(باب الجهر) بالقراءة (في) صلاة (العشاء).
٧٦٦ - حدثنا أبو النُّعمان قال: حدَّثَنا مُعتمرٌ عن أبيه عن بكرٍ عن أبي رافع قال: «صلَّتْ مع
أبي هُريرةً العتمةَ فقرأ: ﴿إذا السماءُ انشقَّتْ﴾ فسجد، فقلتُ له، قال: سجدتْ خلف أبي
القاسم ## فلا أزالُ أسجُدُ بها حتى ألقاه)). [الحديث ٧٦٦ - أطرافه في: ٧٦٨، ١٠٧٤،
١٠٧٨].
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل (قال: حدّثنا معتمر عن أبيه) سليمان بن
طرخان (عن بكر) بسكون الكاف، ابن عبد الله المزني (عن أبي رافع) بالفاء والعين المهملة، نفيع
الصائغ (قال: صلّيت مع أبي هريرة) رضي الله عنه (العتمة) أي صلاة العشاء (فقرأ) فيها بعد الفاتحة
(﴿إذا السماء انشقت﴾) [الانشقاق: ١] (فسجد) أي عند محل السجود منها سجدة (فقلت له) أي:
سألته عن حكم السجدة (قال: سجدت) زاد في الرواية الآتية في الباب التالي لهذا: بها، وفي رواية
هناك بدل بها: فيها (خلف أبي القاسم) رسول الله (مَّ#) في الصلاة (فلا أزال أسجد بها) أي
بالسجدة، أو الباء ظرفية، أي فيها يعني السورة ﴿إذا السماء انشقت﴾ (حتى ألقاه) أي حتى أموت.
فإن قلت: قوله فلا أزال أسجد بها، أعم من أن يكون داخل الصلاة، أو خارجها فلا حجة
فيه على الإمام مالك، حيث قال: لا سجدة فيها. وحيث كره في المشهور عنه السجدة في الفريضة،
لأنه ليس مرفوعًا.
أجيب بأن المكابرة في رفعه مكابرة في المحسوس، إذ كونه مرفوعًا غير خافٍ، ويدل له أيضًا
ما أخرجه ابن خزيمة من رواية أبي الأشعث عن معتمر بهذا الإسناد: صليت خلف أبي القاسم
فسجد بها، وما أخرجه الجوزقي من طريق يزيد بن هارون، عن سليمان التيمي، بلفظ: صليت مع
أبي القاسم فسجد فيها. فهو حجة على مالك رحمه الله مطلقًا .
ورواة هذا الحديث الستة أربعة منهم بصريون، وأبو رافع مدني، وفيه ثلاثة من التابعين يروي
بعضهم عن بعض، والتحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلف أيضًا في سجود القرآن، ومسلم
وأبو داود والنسائي في الصلاة.

٤١٥
كتاب الأذان/ باب ١٠١ و١٠٢
٧٦٧ - حدثنا أبو الوليدِ قال: حدَّثَنا شُعبةُ عن عَديٍّ قال: سمعتُ البَراءَ ((أن النبيَّ وَّ كان
في سفرٍ، فقرأ في العِشاءِ في إحدَى الرَّكعَتَينِ بالتِّينِ والزيتونِ)). [الحديث ٧٦٧ - أطرافه في:
٧٦٩، ٤٩٦٢، ٧٥٤٦].
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي (قال: حدثنا شعبة) بن الحجاج
(عن عدي) هو ابن ثابت الأنصاري (قال: سمعت البراء) بن عازب رضي الله عنه (أن النبي)
وللأصيلي: أن رسول الله (َ﴿ كان في سفر، فقرأ في) صلاة (العشاء، في إحدى الركعتين) في
رواية النسائي في الركعة الأولى (﴿بالتين والزيتون﴾) وفي الرواية الآتية: والتين، على الحكاية، وإنما
قرأ عليه الصلاة والسلام فى العشاء بقصار المفصل لكونه كان مسافرًا، والسفر يطلب فيه التخفيف
لأنه مظنة المشقة، وحينئذٍ فيحمل حديث أبي هريرة السابق على الحضر، فلذا قرأ فيها بأوساط
المفصل.
وفي هذا الحديث: التحديث والعنعنة والقول والسماع، وأخرجه المؤلف أيضًا في التفسير،
والتوحيد، والخمسة في الصلاة.
١٠١ - باب القِراءةِ في العِشاءِ بالسَّجدةِ
هذا (باب القراءة في) صلاة (العشاء بالسجدة) أي بالسورة التي فيها سجدة التلاوة.
٧٦٨ - حدثنا مسذَّدٌ قال: حدَّثَنا يزيدُ بن زُريع قال: حدَّثَني التَّيميُّ عن بَكرِ بنِ أبي رافعٍ
قال: ((صلَّيتُ مع أبي هريرةَ العَتمةَ، فقرأ: ﴿إذا السماءُ انشقَّتْ﴾ فسجدَ، فقلتُ: ما هذهِ؟ قال:
سجدتُ بها خلفَ أبي القاسمِ وََّ، فلا أزالُ أسجُدُ بها حتى ألقاه)).
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر في نسخة: حدّثني، بالإفراد (مسدد) أي ابن مسرهد (قال: حدّثنا
يزيد بن زريع) تصغير زرع (قال: حدّثني) بالإفراد، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر:
حدّثنا (التيمي) سليمان بن طرخان (عن بكر) بسكون الكاف، ابن عبد الله المزني (عن أبي رافع) نفيع
الصائغ (قال: صليت مع أبي هريرة) رضي الله عنه (العتمة فقرأ) فيها بسورة (﴿إذا السماء انشقت﴾
فسجد، فقلت) له: (ما هذه) السجدة؟ (قال: سجدت بها) ولأبوي ذر والوقت: فيها (خلف أبي
القاسم، (*) أي في الصلاة (فلا أزال أسجد بها) وفي رواية لأبوي ذر والوقت وابن عساكر: فيها
(حتى ألقاه) وَّر، وهو كناية عن الموت.
١٠٢ - باب القراءةِ في العِشاءِ
هذا (باب القراءة في) صلاة (العشاء).

٤١٦
كتاب الأذان/ باب ١٠٣
٧٦٩ - حدثنا خَلادُ بنُ يحيى قال: حدَّثنا مِسْعَرٌ قال: حدَّثَنا عديُّ بنُ ثابتٍ سمعَ البَراءَ
رضيَ اللَّهُ عنه قال: «سمعتُ النبيَّ وَّرَ يقرأُ: ﴿والتينِ والزيتونِ﴾ في العِشاءِ، ومَا سمعتُ أحدًا
أحسنَ صوتًا منه أو قراءةً)).
وبه قال: (حدّثنا خلاد بن يحيى) بن صفوان السلمي الكوفي، المتوفى بمكة قريبًا من سنة
ثلاث عشرة ومائتين، (قال: حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون المهملة، ابن كدام الكوفي (قال:
حدّثنا عدي بن ثابت) بالمثلثة، ونسبه هنا لأبيه بخلاف الرواية السابقة (سمع) ولأبي الوقت: أنه
سمع (البراء رضي الله عنه، قال: سمعت النبي ◌َّ يقرأ) (﴿والتين﴾) بالواو على الحكاية، وفي
رواية لأبي ذر: بالتين (﴿والزيتون﴾ في) صلاة (العشاء) ولأبي ذر في نسخة: يقرأ في العشاء
﴿بالتين والزيتون﴾ (وما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه أو) أحسن (قراءة) منه وَّ شك الراوي.
وإنما كرر هذا الحديث لتضمنه ما ترجم له، ولاختلاف بعض الرواة فيه، ولما فيه من زيادة
قوله: وما سمعت أحدًا، إلخ ...
شيخ البخاري فيه من أفراده، وتأتي بقية مباحثه في آخر التوحيد، إن شاء الله تعالى بعون الله
وقوّته .
١٠٣ - باب يُطوِّلُ فِي الأُوْلَيَينِ، ويَحذِفُ في الأُخرِيَينِ
هذا (باب) بالتنوين (يطوّل) المصلي (في) الركعتين (الأوليين) من العشاء، (ويحذف) يترك القراءة
(في) الركعتين (الأخريين) منها.
٧٧٠ - حدثنا سُليمانُ بنُ حربٍ قال: حدَّثَنا شعبةُ عن أبي عَونٍ قال: سمعتُ جابِرَ بَنَ
سَمُرةَ قال: ((قال عمرُ لسَعدٍ: لقد شَكَوكَ في كلِّ شيءٍ حتى الصلاةِ. قال: أمّا أنا فأمُدُّ الأُولَيَينِ
وأحذِفُ في الأُخْرَيَينِ، ولا آلو ما اقتدَيتُ به مِن صلاةِ رسولِ اللهِ وَ لِّ. قال: صَدقتَ، ذاكَ الظنُّ
بك، أو ظَنِّي بك)).
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب، قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي عون)،
وللأصيلي زيادة: محمد بن عبد الله الثقفي (قال: سمعت جابر بن سمرة، قال: قال عمر) بن
الخطاب (لسعد) أي، ابن أبي وقاص: (لقد) باللام، ولأبي الوقت والأصيلي: قد (شكوك في كل
شيء حتى الصلاة) بالجرّ في الفرع وأصله.
قال الزركشي: لأن حتى جارّة، وتعقبه البدر الدماميني بأن الجارّة تكون بمعنى إلى وليست هنا
كذلك، وإنما هي عاطفة. وللأصيلي: حتى في الصلاة بإعادة حرف الجر، وضبطها العيني بالرفع
.

٤١٧
كتاب الأذان/ باب ١٠٤
على أن حتى هنا غاية لما قبلها بزيادة، كما في قولهم: مات الناس حتى الأنبياء والمعنى: حتى
الصلاة شكوك فيها، فيكون ارتفاعه على الابتداء وخبره محذوف.
(قال) سعد: (أما أنا فأمد) بضم الميم أي أطوّل القراءة (في) الركعتين (الأوليين، وأحذف)
القراءة (في) الركعتين (الأخريين ولا آلو) بمدّ الهمزة وضم اللام، أي لا أقصر (ما اقتديت به من
صلاة رسول الله وَّر. قال) عمر: (صدقت، ذاك الظن بك، أو) قال: (ظني بك) شك الراوي.
وهذا الحديث قد سبق في باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم مطوّلاً، وأخرجه هنا لغرض
الترجمة مع ما بينهما من الزيادة والنقص، واختلاف رواة الإسناد.
١٠٤ - باب القراءةِ في الفجرِ
وقالت أُمُّ سلمةَ: قَرأ النبيُّ وَّهِ بِالطُورِ .
(باب القراءة في) صلاة (الفجر).
(وقالت أم سلمة) مما وصله المؤلف في الحج: طفت وراء الناس، (قرأ النبي ◌َّير بالطور) لكن
ليس فيه تعيين صلاة الصبح.
نعم، روى المؤلف الحديث من طريق يحيى بن أبي زكريا الغساني، عن هشام بن عروة عن
أبيه، أن أم سلمة شكت إلى النبي وَلّ: إني أشتكي الحديث، وفيه فقال: إذا أقيمت الصلاة للصبح
فطوفي.
وأما حديث ابن خزيمة وهو يقرأ في العشاء فشاذ.
٧٧١ - حدّثنا آدمُ قال: حدَّثَنَا شعبةُ قال: حدَّثَنَا سَيّارُ بنُ سَلامةَ قال: ((دخلتُ أنا وأبي عَلَى
أبي بَرْزَةَ الأسلميِّ، فسألناهُ عن وقتِ الصلواتِ فقال: كان النبيُّ نَّهِ يُصلِّي الظهرَ حينَ تَزِولُ
الشمسُ، والعصرَ ويَرجِعُ الرجلُ إلى أقصى المدينةِ والشمسُ حَيَّةٌ، ونسيتُ ما قال في المغربِ.
ولا يُبالي بتأخيرِ العِشاءِ إلى ثُلثِ الليلِ، ولا يحبُّ النومَ قبلَها ولا الحديثَ بعدَها، ويُصلِّي الصُبحَ
فِيَنصَرِفُ الرجُلُ فيعرِفُ جَليسَهُ. وكانَ يقرأُ في الركعتَينِ أو إحداهما ما بينَ السِّتين إلى المائة)).
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس: (قال: حدثنا شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثنا سيار بن
سلامة) زاد الأصيلي: هو ابن المنهال (قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة) بفتح الموحدة، نضلة بن
عبيد (الأسلمي، فسألناه عن وقت الصلوات) المكتوبات، ولأبي ذر والأصيلي: عن وقت الصلاة،
بالإفراد (فقال: كان النبي ◌َّ- يصلي الظهر حين تزول الشمس و) يصلي (العصر، ويرجع الرجل إلى
أقصى) آخر (المدينة والشمس حيّة) أي باقٍ حرّها لم تتغير، قال أبو المنهال: (ونسيت ما قال) أبو
برزة (في المغرب، ولا يبالي) عليه الصلاة والسلام (بتأخير العشاء إلى ثلث الليل) عطف على قوله:
إرشاد الساري/ ج ٢ / م ٢٧

٤١٨
كتاب الأذان/ باب ١٠٤
يصلي، كقوله (ولا يحب النوم قبلها، ولا الحديث بعدها)، أي العشاء، (ويصلي الصبح فينصرف)
وللأصيلي وأبي ذر: وينصرف (الرجل فيعرف جليسه) أي مجالسه (وكان يقرأ في الركعتين) اللتين هما
الصبح (أو) في (إحداهما ما بين الستين إلى المائة) من آيات القرآن.
قال الحافظ ابن حجر: وهذه الزيادة تفرد بها شعبة عن أبي المنهال، والشك فيها منه، وقدّرها
في رواية الطبراني بالحاقة ونحوها.
وفي رواية لمسلم أنه عليه الصلاة والسلام: قرأ فيها بالصافات، وللحاكم: بالواقعة، وللسراج
بسند صحيح: بأقصر سورتين في القرآن. وهذا الاختلاف وغيره بحسب اختلاف الأحوال.
وقد أشار البرماوي، كالكرماني، إلى أن القياس أن يقول: ما بين الستين والمائة، لأن لفظة بين
تقتضي الدخول على متعدد، ويحتمل أن يكون التقدير: ويقرأ ما بين الستين وفوقها، فحذف لفظ:
فوقها لدلالة الكلام عليه .
٧٧٢ - حدّثنا مسدَّدٌ قال: حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ قال: أخبرنا ابنُ جُرَيجِ قال: أخبرني
عطاءً أنه سمعَ أبا هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه يقول: ((في كلِّ صلاةٍ يُقرَأُ، فما أسمعَنا رَسولُ اللَّهِ ◌ِّه
أسمعناكم، وما أخفى عنّا أخفَينا عنكم. وإنْ لم تَزِدْ عَلَى أُمُ القرآنِ أجزَأَتْ، وإنْ زدتَ فهو خيرٌ)) .
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم) بن علية (قال:
أخبرنا ابن جريج) بضم الجيم الأولى، عبد الملك (قال: أخبرني) بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي رباح
(أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: في كل صلاة يقرأ) القرآن وجوبًا، سواء كان سرًّا أو
جهرًا، ويقرأ بالبناء للمفعول.
وللأصيلي وابن عساكر: نقرأ بالنون المفتوحة مبنيًّا للفاعل، أي نحن نقرأ، كذا هو موقوف،
لكن روي مرفوعًا عند مسلم من رواية أبي أسامة عن حبيب بن الشهيد، بلفظ: لا صلاة إلا
بقراءة. إلا أن الدارقطني أنكره على مسلم وقال: إن المحفوظ عن أبي أسامة وقفه كما رواه أصحاب
ابن جريج .
وكذا رواه أحمد عن يحيى القطان وأبي عبيد الحداد، كلاهما عن حبيب المذكور، موقوفًا.
وأخرجه أبو عوانة من طريق يحيى بن أبي الحجاج عن ابن جريج، كرواية الجماعة، لكن زاد
في آخره: وسمعته يقول: لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب، فظاهره أن ضمير سمعته للنبي بَّ، فيكون
مرفوعًا بخلاف رواية الجماعة.
نعم، قوله: (فما أَسْمَعَنَا رسول الله وَّر، أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم) يشعر بأن
جميع ما ذكر متلقى عن النبي وَّر، فيكون للجميع حكم الرفع. وسقط لفظ عنكم للأربعة، وزاد
مسلم في روايته عن أبي خيثمة وغيره من إسماعيل: فقال له الرجل: وإن لم أزد؟ قال: (وإن لم تزد

٤١٩
كتاب الأذان/ باب ١٠٥
على أم القرآن أجزأت) من الإجزاء. وهو الأداء الكافي، لسقوط التعبد. وللقابسي: جزت بغير همز
ومفهومه أن الصلاة بغير الفاتحة لا تجزىء، فهو حجة على الحنفية. (وإن زدت) عليها (فهو خير)
لك.
ورواة هذا الحديث خمسة، وفيه التحديث والإخبار والسماع والقول، وأخرجه مسلم، وقد
تكلم يحيى بن معين في حديث إسماعيل بن علية عن ابن جريج خاصة، لكن تابعه عليه جماعة،
فقوي والله المعين.
١٠٥ - باب الجهرِ بقراءةٍ صلاة الفجرِ
وقالت أُمُّ سَلمةَ: طُفتُ وراءَ الناسِ والنبيُّ نَّهِ يُصلِّي ويَقرأُ بالطُورِ .
(باب الجهر بقراءة صلاة الفجر) ولأبي ذر: صلاة الصبح.
(وقالت أم سلمة) مما وصله المؤلف في الحج: (طفت) بالكعبة (وراء الناس، والنبي ◌َليل
يصلي) أي الصبح (ويقرأ بالطور) وللأصيلي وابن عساكر: يقرأ، بغير واو.
٧٧٣ - حدثنا مسدَّدٌ قال: حدَّثَنا أبو عَوانةَ عن أبي بشْرِ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرِ عنِ ابنِ عبّاسٍٍ
رضيَ اللَّهُ عنهما قال: «انطَلَقَ النبيُّ وَّهِ في طائفةٍ من أصحابهِ عامِدِينَ إلى سوقٍ عُكَاظَ، وقد حِيلَ
بِينَ الشياطينِ وبينَ خَبرِ السماءِ، وأُرسِلَتْ عليهمُ الشُّهبُ، فرجعَتِ الشياطينُ إلى قومهم فقالوا: ما
لكم؟ فقالوا: حِيلَ بيننا وبينَ خَبر السماءِ، وأُرسِلَتْ علينا الشُّهبُ. قالوا: ما حالَ بينكم وبينَ خَبٍ
السماءِ إلاّ شيءٌ حدثَ، فاضربوا مَشارقَ الأرضِ ومَغارِبَها فانظُرُوا ما هذا الذي حالَ بينكم وبينَ
خَبرِ السماءِ. فانصرَفَ أولئك الذِينَ تَوجَّهوا نحوَ تِهامةَ إلى النبيِّ وَّهِ وهوَ بنخلةَ عامدِينَ إلى سُوقٍ
عُكاظَ وهو يُصلي بأصحابهِ صلاةَ الفجرِ، فلمَّا سَمِعوا القرآنَ استَمعوا له فقالوا: هذا واللَّهِ الذي
حال بينكم وبينَ خبرِ السماءِ. فهنالكَ حِينَ رجعوا إلى قومِهم وقالوا: ﴿يا قومَنا إنّا سمِعْنا قُرآنًا
عَجَبًا يَهدِي إلى الرُّشدِ فَآمَنًا به ولن نُشركَ بربَّنا أحدًا﴾ فأنزلَ اللَّهُ عَلَى نبيِّهِ وَله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إليَّ﴾
وإنما أُوحِيَ إليهِ قولُ الجِنِ)). [الحديث ٧٧٣ - طرفه في: ٤٩٢١].
وبه قال (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا أبو عوانة) الوضاح (عن أبي بشراً
بالموحدة المكسورة والمعجمة الساكنة، ولأبي ذر والأصيلي: هو جعفر بن أبي وحشية، كذا في الفرع،
واسم أبي وحشية إياس (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس) وللأصيلي، عن عبد الله بن عباس
(رضي الله عنهما، قال: انطلق النبي ◌َ﴿) قبل الهجرة بثلاث سنين (في طائفة) ما فوق الواحد (من
أصحابه) حال كونهم (عامدين) أي قاصدين (إلى سوق عكاظ) بضم المهملة وتخفيف الكاف آخره

٤٢٠
کتاب الأذان/ باب ١٠٥
معجمة، بالصرف وعدمه كما في الفرع وأصله، قال السفاقسي: هو من إضافة الشيء إلى نفسه،
لأن عكاظ اسم سوق للعرب بناحية مكة، قال في المصابيح: لعل العلم هو مجموع قولنا: سوق
عكاظ، كما قالوا في شهر رمضان، وإن قالوا: عكاظ فعلى الحذف، كقولهم: رمضان (وقد حيل)
أي حجز (بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب) بضم الهاء جمع شهب، وهو
شعلة نار ساطعة ككوكب ينقض (فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟، فقالوا) بالفاء،
ولغير أبي ذر: قالوا: (حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب قالوا) أي الشياطين: (ما
حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا) أي سيروا (مشارق الأرض ومغاربها) أي
فيهما، فالنصب على الظرفية (فانظروا) وللأصيلي وابن عساكر: وانظروا (ما هذا الذي) بإثبات اسم
الإشارة، ولابن عساكر: ما الذي (حال بينكم وبين خبر السماء) ولغير ابن عساكر: حيل، لكنه في
اليونينية ضبب عليها وشطب (فانصرف أولئك) الشياطين (الذين توجهوا نحو تهامة) بكسر التاء،
مكة. وكانوا من جنّ نصيبين (إلى النبي ◌ِّر، وهو بنخلة) بفتح النون وسكون الخاء المعجمة، غير
منصرف للعلمية، والتأنيث موضع على ليلة من مكة، حال كونهم (عامدين إلى سوق عكاظ، وهو)
عليه الصلاة والسلام (يصلي صلاة الفجر) الصبح (فلما سمعوا القرآن استمعوا له) أي قصدوه
وأصغوا إليه، وهو ظاهر في الجهر المترجم له (فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء،
فهنالك حين رجعوا إلى قومهم، وقالوا) بالواو، وفي رواية قالوا: وهو العامل في ظرف المكان
ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: فقالوا: بالفاء، وحينئذٍ فالعامل في الظرف: رجعوا،
مقدّرًا يفسره المذكور (﴿ياقومنا، إنَّا سمعنا قرآنًا عجبًا﴾) بديعًا مباينًا لسائر الكتب من حسن نظمه،
وصحة معانيه، وهو مصدر وصف به للمبالغة (﴿يهدي إلى الرشد﴾) يدعو إلى الصواب (﴿فآمنا
به﴾) أي بالقرآن (﴿ولن نشرك بربنا أحدًا﴾﴾ [الجن: ٢٠١]، فأنزل الله تعالى على نبيه وَلاته: (﴿قل
أوحي إلى﴾) زاد الأصيلي: ﴿أنه استمع نفر من الجنّ﴾ (وإنما أوحي إليه قول الجن).
وأراد بقول الجن الذي قصه ومفهومه: أنّ الحيلولة بين الشياطين وخبر السماء حدثت بعد نبوّة
نبيّنا محمد رَّ ر، ولذلك أنكرته الشياطين، وضربوا مشارق الأرض ومغاربها ليعرفوا خبره، ولهذا
كانت الكهانة فاشية في العرب، حتى قطع بينهم وبين خبر السماء، فكان رميها من دلائل النبوّة.
لكن في مسلم ما يعارض ذلك، فمن ثمة وقع الاختلاف، فقيل: لم تزل الشهب منذ كانت
الدنيا، وقيل: كانت قليلة فغلظ أمرها وكثرت بعد البعث.
وذكر المفسرون أن حراسة السماء والرمي بالشهب كان موجودًا، لكن عند حدوث أمر عظيم
من عذاب ينزل بأهل الأرض، أو إرسال رسول إليهم، وقيل كانت الشهب مرئية معلومة، ولكن
رمي الشياطين بها وإحراقهم لم يكن إلا بعد النبوّة.